وآحاد عصري مضوا جملة ... وعادوا خيالًا كطيف المنام
وأرجو به نيل صدر الحديث ... بحب اللقاء وكره المقام
وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام
أشار بقوله: وأرجو. . . البيت، لحديث "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه" الحديث، وصدره: أوله. وأنشدني بعض الحذاق من الطلبة تخميسًا لنفسه:
علمت العلوم وعلمتها ... ونلت الرئاسة بل جزتها
فهاك سنين عددتها ... بلغت الثمانين (البيت)
فلم تبق لي في الورى رغبة ... ولا في العلى والنهي بغية
وكيف أرجيهما لحظة ... وآحاد عصري (البيت)
ونادى الردى لي وما لي مغيث ... وحث المطية كل الحثيث
وأني لراج وحي أثيث ... أرجو به نيل (البيت)
فيا رب حقق رجاء الذليل ... ليحظى بداريك عما قليل
فيسمى رجائي بموت كفيل ... وكانت حياتي (البيت) - اهـ.
قلت: والمخمس هو الإمام الأبي، كما ذكره. وقال تلميذه ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الإمام الحجة، له مصنفات أرفعها مختصره الكبير في المذهب قرأت عليه بعضه سنة سبع وسبعين، وهو على حال اجتهاد في العلم، ثم لقيه قبل وفاته وبه ضعف وبعض نسيان، وأمّ بجامع الزيتونة خمسين عامًا- اهـ.
وقد مدحه الأبي بقصيدة مطلعها:
أيا طالبي العلم يبغون حفظه ... هلموا فإن العلم هانت سبيله
فهذا هديتم للصواب ابن عرفة ... أتاكم بوضع لم يشاهد مثيله
فدونكم يغني عن الكتب كلها ... وإن قل حجمًا والعيان دليله
وحل من التحقيق أرفع رتبة ... وهذب مبناه فصحت نقوله
وأحكم من كل الحقائق رسمها ... فلا خلل يخشى لديها حلوله
стр. 457
وردّ من التخريج والنقل واهيًا ... وأورد تنبيهًا فحق قبوله
كذا. فليكن وضع التآليف لو يدم ... ولا غير ذاك العلم هذا قليله
فإن جاء فرضًا من يريد اعتراضه ... فدع أمره أن التعسف قيله
وقال بعض تلاميذه:
وعلَّامة من نعته العَلَمُ الفَرْدُ ... وبعض سجاياه السماحة والرفد
تفرد في عليائه وذكائه ... وفي خلق حلو حكى طعمه الشهد
إذا فسر التنزيل أعجز أو عزا ... حديثًا فلا يسأل زهير ولا عبد
ومهما نحا نحوًا وفقهًا وأصّله ... وعلم كلام سلمت له ألسن لد
وإن قسّم الميراث أوجز عادلًا ... بفرض يحلي وجه سنته الرشد
لقد حفّ بالحوفي منه مسدد ... متى رامه حيف فبينهما سد
فلو مالك العلم الإمام بطيبة ... رآه لولاه وقال لك العهد
أمام إمام والورى من ورائه ... يؤمون مصباحًا مصاحبه رشد
إلى أن قال في مختصره:
أبان لغيره ما لم يبنه لذي النهي ... بيان ابن رشد ما ابن رشد وما رشد
في أبيات تزيد على خمسين بيتًا.
وقلّ بتونس من لم يأخذ عنه، فمن أصحابه غير ما تقدم الشريف السلاوي والإمام ابن مرزوق الحفيد وأبو مهدي عيسى الوانوغي وأبو العباس المريض وابن قليل الهم، وأبو عبد اللَّه القشاني وأخوه الحاج أحمد القلشاني وولده أحمد شارح الرسالة وأبو يعقوب الزغبي والأمير أبو عبد اللَّه ابن السلطان أبي العباس الحفصي، والعلامة ابن عقاب وأبو يحيى بن عقيبة وابن ناجي والشريف العجيسي والإمام الزلديوي في خلق لا يحصون غربًا وشرقًا كالبدر الدماميني وغيره من الأئمة الأجلاء.
стр. 458
٥٧٨ - محمد بن محمد بن إسماعيل بن مكين الدين البكري الشيخ شمس الدين (١).
برع في الفقه وولي تدريس الظاهرية وعين للقضاء فامتنع، مات في ربيع سنة ثلاث وثمانمائة وقد بلغ ستين سنة. صح من تاريخ مصر.
٥٧٩ - محمد بن يوسف الاسكندري يعرف بالمسلاتي (٢).
فقيه أهل الثغر، درس وأفتى، وكان عارفًا بالفقه مشاركًا في غيره، انتهت إليه رئاسة العلم مع دين وصلاح، مات سنة خمس وثمانمائة، صح من السخاوي.
٥٨٠ - محمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن عباد النفزي الرندي، شهر بابن عباد (٣).
الفقيه الصوفي الزاهد الولي العارف باللَّه، قال ابن الخطيب القسنطيني فيه: الخطيب الشهير الصالح الكبير، وكان ولده خطيبًا نجيبًا فصيحًا، وكان والده هذا ذا عقل وسكون وزهد بالصلاح مقرون، يحضر معنا مجلس شيخنا الفقيه أبي عمران العبدوسي، وهو من أكابر أصحاب ابن عاشر وخيارهم، له كلام عجيب في التصوف وصنف فيه، وله فيه قلم انفرد به وسلم له فيه بسببه ألف شرح حكم ابن عطاء اللَّه في سفر، ورأيت في ظهر نسخة منه مكتوبًا ما نصه:
لا يبلغ المرء في أوطانه شرفًا ... حتى يكيل تراب الأرض بالقدم
ومن كلامه: الاستئناس بالناس من علامة الافلاس، وفتح باب الأنس باللَّه تعالى الاستيحاش من الناس، ومن لازم الكون وبقي معه وقصر عليه
стр. 459
همته لم تفتح له طريق الغيوب الملكوتية ولا خلص له سير إلى قضاء مشاهد الوحدانية فهو مسجون بمحيطاته محصور في هيكل ذاته إلى غيرها من كلامه.
وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان وهو لا يريد ذلك، وما رأيته قط في غير مجلس العلم جالسًا مع أحد وإنما حظ من يراه الوقوف معه خاصة، وكنت إذا طلبته بالدعاء احمر وجهه واستحيا كثيرًا ثم دعا لي، وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير، يخدم نفسه، لم يتزوج ولم يملك أمة، ولباسه في داره مرقعة يسترها إذا خرج بثوب أخضر أو أبيض.
له تلاميذ أخيار مباركون، بلغني عن بعضهم أنه تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهبًا، وهو الآن إمام جامع القرويين وخطيبه، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة "إذا جاء نصر اللَّه" وأكثر خطبه وعظ، ومثله يعظ الناس لاتعاظه في نفسه، أوحى اللَّه لعيسى، ﵇، يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحصي مني، ذكره الغزالي وهو على صفة البدلاء الصادقين النبلاء، كثر اللَّه أمثاله- اهـ.
قال صاحبه الشيخ أبو زكرياء السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الخطيب البليغ الخاشع الخاشي الإمام المصنف السالك العارف الرباني المحقق، ذو العلوم الباهرة والمحاسن المتظاهرة سليل الخطباء ونتيجة العلماء ابن الفقيه الواعظ الخطيب البليغ العلم الحظي الوجيه الحسيب الأصيل إبراهيم بن أبي بكر بن عباد، كان حسن الخَلق والخُلق عالي الهمة متواضعًا معظمًا عند الخاصة والعامة، نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة وعفاف وصيانة وحفظ القرآن ابن سبع سنين ثم طلب العلوم بعده نحوًا وأدبًا وأصولًا وفروعًا حتى حصلها ورأس فيها ثم أخذ في التصوف وبحث عن الأسرار الإلهية حتى أشير إليه وتكلم في علم الأحوال والمقامات والعلل والأفات، وألف فيه تآليف عجيبة بديعة.
وله أجوبة كثيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين ودرس كتبًا وحفظها أو جلها كالشهاب القضاعي والرسالة ومختصر ابن الحاجب وتسهيل ابن مالك
стр. 460
ومقامات الحريري وفصيح ثعلب وقوت القلوب وغيرها، وأخذ ببلده عن أبيه القرآن وغيره، وعن خاله القاضي الفقيه عبد اللَّه الفربسي العربية وغيرها والخطيب أبي الحسن الرندي عرض عليه الرسالة والإمام العلّامة المحقق الشريف التلمساني جمل الخونجي تفهمًا وغيره، والقاضي العالم المقري كثيرًا من مختصر ابن الحاجب الفرعي وفصيح ثعلب وبعض صحيح مسلم كلها تفقهًا، والعالم الفقيه عبد النور العمراني الموطأ والعربية والإمام الابلي إرشاد أبي المعالي وجمع أصلي ابن الحاجب وعقيدته تفقهًا، والفقيه الحافظ أبي الحسن الصرصري بعض التهذيب تفقهًا، والأستاذ أحمد بن عبد الرحمن المجاصي، شهر بالكناسي جمل الزجاج والتسهيل، والفقيه الصالح أبي مهدي عيسى المصمودي جمع فرعي ابن الحاجب والحاجبية له تفقهًا.
وتفقه على الفقيه أبي محمد الوانغيلي في ابن الحاجب الفقهي، وأخذ عنه حرف نافع وعن الفقيه الصالح المدرس أبي محمد عبد اللَّه الفشتالي كثيرًا من التهذيب تفقهًا وعن غيره
ولقي بسلا الزاهد الورع الحاج ابن عاشر وأقام معه وأصحابه سنين عديدة، قال: قصدتهم لوجدان السلامة معهم، ثم رحل لطنجة فلقي الشيخ أبا مروان عبد الملك الصوفي قال: لازمته كثيرًا وقرأت عليه وتردد بيننا مسائل في إقامته بسلا، وانتفعت به عظيمًا في التصوف وغيره.
مولده عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة وتوفى بعض عصر الجمعة رابع رجب عام اثنين وتسعين وحضر جنازته الأمير فمن دونه وهمت العامة بكسر جنازته ولم أر أحفل ولا أكثر خلقًا منها، ورثاه الناس بقصائد كثيرة- اهـ.
زاد الشيخ زروق أنه رحل لفاس وتلمسان فقرأ بهما الفقه والأصول والعربية ثم عاد وصحب بسلا أفضل أهل زمانه علمًا وعملًا أحمد بن عاشر فظهر عليه من بركته ما لا يخفى ثم نقل بعد وفاة الشيخ فجعل خطيبًا بجامع القرويين بفاس وبقي بها خمسة عثر عامًا حتى توفي، وكان ذا صمت وسمت
стр. 461
وتجمل وزهد، معظمًا عند الكافة معولًا في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم:
ومن علمه أن ليس يدعى بعالم ... ومن فقره أن لا يرى يشتكى هجرًا
ومن حاله أن غاب شاهد حاله ... فلا يدعي وصلًا ولا يشتكي هجرًا
وكتبه شاهدة بكماله علمًا وعملًا كافية في تعريفه، وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم أبو زكريا السراج، وله أكثر رسائله وأبو الربيع سليمان ابن عمر- اهـ.
وقال في موضع آخر: الفقيه العارف المحقق الخطيب البليغ، نسيج وحده من شيوخه الشريف التلمساني والابلي، مزيته معروفة شرقًا وغربًا ورأيت تأليفًا له في الإمامة سماه تحقيق العلامة في أحكام الإمامة. وقال لي شيخنا القوري، وكان معتنيًا بكتبه معولًا عليه في حاله: أظنه لوالده إبراهيم كان خطيبًا بالقصبة -اهـ- وله خطب حسنة الموقع عظيمة الفصاحة- اهـ.
وقال أبو يحيى بن السكاك: شيخي ابن عباد سرح الحكم ونظمها نظمًا بديعًا، وجمعت من انشائه رسائل تدور على الإرشاد إلى البراءة من الحول والقوة، فيها نبذ كأنفاس الأكابر مع حسن التصرف في طريق الشاذلي وجودة تنزيله على صور جزئية وبسط التعبير أقصى غاية البيان والتفنن في تقريب الغامض للأذهان بأمثلة وضعية قرب بها حقائق الشاذلية تقريبًا لم يسبق إليه، كما قرب الإمام رشد مذهب مالك تقريبًا لم يسبق إليه، آية في التحقيق بالعبودية والبراءة من حول وقوة لا يبالي بمدح ولا ذم بل مقاصده نفيسة في الاعراض عن الخلق وعدم المبالاة بهم.
وكان عظيم الاضطراب إذا حضر حيث ينسى فيه الحق لا سيما إن كان ذلك لأجله فيضيق صدره غاية على اتساعه، وقال بعض خواص أصحابه لما مات الشيخ وتبصرت من أحواله وأفعاله مما شاهدته منه ما يدل على القطع بصدّيقيته فلاح لي أن صفات رجال الرسالة القشيرية مشخصة فيه، ولو لم أره لقلت ما رأيت كمالًا.
стр. 462
وهو على الجملة واحد عصره بالمغرب، وذكر عن قطب المعقول شرقًا وغربًا الابلي أنه كان يشير إليه يعني ابن عباد في حال قراءته عليه ويقول: إن هناك علمًا جمًّا لا يوجد عند مشاهير أهل ذلك الوقت إلا أنه لا يتكلم.
وشهد له المقطوع بولايته بتقدمه وشيوخه كسيدي سليمان اليازغي ومحمد المصمودي وسليمان بن يوسف بن عمر الأنفاسي وأمثالهم، وكان شيخه ابن عاشر يشيد بذكره ويقدمه على أصحابه ويأمرهم بالأخذ عنه والتسليم له ويقول: إنه أمة وحده لا شك أنه كذلك، كان غريبا إذ العارف غريب الهمة بعيد القصد لا يساعد على قصده.
وكان الغالب عليه الحياء من اللَّه وتنزيل نفسه منزلة أقل الحشرات لا يرى لها مزية على شيء لغلبة هيبة الجلال عليه وشهود المنة، ينظر لجميع العباد بعين الرحمة والشفقة والنصيحة، مع توفية الحقوق والوقوف مع الحدود الشرعية واعتبار مراد اللَّه، هذا دأبه مع الطائع والعاصي إلا أن يظهر له من أحد حب التكبر والمدح والتجبر على المساكين مع الدعوى التي لا تليق بالعبد.
ومن حاله تألف قلوب الصغار فهم يحبونه محبة تفوق محبة والديهم، ينتظرون خروجه للصلاة وهم عدد كثير يأتون من كل أوب من مكاتب بعيدة، فإذا رأوه تزاحموا على تقبيل يده، وكذا ملوك وقته يزدحمون عليه متذللين له فلا يحفل بذلك.
وذكر لي بعض أصحابه أن أقواله لا تشبه أفعاله لما منح من فنون الاستقامة مع حلاوة كلامه ونوره حتى استفزت عقول المشارقة بحيث صار لهم بحث عريض على تآليفه -اهـ- ملخصًا.
قلت: وقد وقفت على رسائله الكبرى والصغرى وشرح الحكم ونظمها رجزًا في ثمانمائة بيت.
стр. 463
٥٨١ - محمد بن علي بن قاسم بن علي بن علاق (١).
وبه عرف الأمي الأندلسي الغرناطي حافظها وخطيبها وقاضي الجماعة بها أبو عبد اللَّه سبط الإمام أبي القاسم بن جزي المفسر. قال تلميذه المنتوري: شيخنا الأستاذ الخطيب المفتي الحافظ قاضي الجماعة، توفي يوم الخميس ثاني شعبان عام ستة وثمانمائة- اهـ.
له شرح مطول على ابن الحاجب الفرعي في عدة أسفار وشرح فرائض ابن الشاط وغيرهما، أخذ عن شيخ الشيوخ ابن لب والإمام المقري والخطيب ابن مرزوق وغيرهم، وأخذ عنه جماعة كالمنتوري والقاضي ابن سراج والقاضي أبي بكر بن عاصم وغيرهم، له فتاوى نقل بعضها في المعيار ونقل عنه المواق في غير موضع.
٥٨٢ - محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن سعد الأنصاري الشهير بالحفار (٢).
الغرناطي إمامها ومحدثها ومفتيها الشيخ المعمر ملحق الأحفاد بالأجداد الفقيه الصالح العلّامة، قال في الإحاطة: فاضل خير طرف في الخير والعفاف حسن الخلق والعشرة كثير الصمت خاص التمعش ظاهر الاقتصاد متفنن في المعارف شتى من قرآن ونحو وفقه وتاريخ.
نشأ بالحضرة لم يعدها ولا سورها مكبًا على العلم مشتملًا بالعفاف بعيدًا من اللهو والبطالة، ولما بان فضله وظهر اضطلاعه وحفظه جعلت بيده صدفة المساكين والضعفاء من جهة السلطان فكرم أثره وحسنت القيلة فيه، قرأ العربية على الأستاذ البياني والقرآن على أبي عبد اللَّه بن العواد ولازم أبا سعيد بن لب وبه جل انتفاعه في الفنون، وهو الآن بحاله الموصوفة على سنن الفضلاء- اهـ. أخذ عنه خلق كابن سراج والقاضي أبي بكر بن عاصم وغيره والإجازة الإمام الحفيد بن مرزوق. له فتاوى نقل بعضها في المعيار، وتوفي عام أحد عشر وثمانمائة عن سن عالية.
стр. 464
٥٨٣ - محمد بن علي بن إبراهيم الكناني القيجاطي (١).
الغرناطي الأستاذ المحقق الإمام الشهير أبو عبد اللَّه، قال في الإحاطة: طالب عفيف له عرق من جده شيخنا الأستاذ أبي الحسن، لازم واجتهد وعرف نبله وظهرت في علم القرآن والعناية نجابته ووسمه، وفي العربية قرأ على الأستاذ الفقيه البياني والأستاذ ابن الفخار البيري والأستاذ أبي سعيد ابن لب والقاضي أبي البركات ابن الحاج والقاضي أبي القاسم الحسني والخطيب اللوشي وابن يبيش والقاضي المقري والخطيب ابن مرزوق والخطيب أبي جعفر الشقوري- اهـ.
قال تلميذه المنتوري: شيخنا الأستاذ إمام القراء ومعلم الأداء، قال أبو جعفر البقني: شيخنا الأستاذ الإمام- اهـ.
وممن أخذ عنه القاضي أبو بكر بن عاصم وغيره، وبالإجازة الحفيد ابن مرزوق، توفي سنة عشر أو أحد عشر وثمانمائة، وله تآليف في القراءات وغيرها وهو حفيد الإمام أبي الحسن القيجاطي المعرف به في الإحاطة والديباج فاعلمه.
٥٨٤ - محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الصريحي أبو عبد اللَّه، يعرف بابن زمرك (٢).
قال في الإحاطة: ولد هذا الفاضل بغرناطة ونشأ بها، وهو من مفاخرها صدرًا من صدور طلبتها وأفراد نجبائها مختصًا مقبولًا هشًا خلوبًا عذب الفكاهة حلو المجالسة حسن التوقيع خفيف الروح عظيم الانطباع، شره المذاكرة فطنًا بالمعاريض حاضر الجواب شعلة من شعل الذكاء كثير الرقة فكهًا عزلًا مع حياء وحشمة جوادًا بما في يديه مشاركًا لإخوانه، نشأ عفًا طاهرًا كلفًا بالقراءة عظيم الدؤب ثاقب الذهن، أصيل الحفظ ظاهر النبل بعيد مدى
стр. 465
الإدراك جيد الفهم واشتهر فضله وذاع أرجه وفشا خبره، اضطلع بكثير من الأغراض وشارك في فنون فأصبح متلقف كرة البحث وصارخ الحلقة وسابق الحلبة مظنة الكمال ثم ترقى للمعرفة والاضطلاع وخاض لجة الحفظ، فقيّد وعلّق وسوّد وتكلم للناس فوق الكرسي بين الحفل المجموع مستظهرًا بفنون بعد شأوه فيها من عربية وبيان وأخبار وتفسير متشوقًا معها للسلوك مصباحًا للصوفية ريض نفسه وجاهد ثم عانى الأدب فكان أملك به.
رحل في طلب العلم كتب عن ولد السلطان أبي سالم بالمغرب وعرف بالإجادة ثم رجع مع السلطان ابن الأحمر لما رجع لملكه فخصه بكتابة سره معروف الانقطاع كثير الدالة مضطلعًا بالخطة خطًا وإنشاء ولسانًا ونقدًا فاشتهر فضله وظهرت مشاركته ووسع الناس تخلقه وامتد في النظم والنثر باعه، فصدر عنه قصائد بعيدة الشأو في الإجادة في أغراض متعددة، وهو بحاله الموصوفة.
أخذ عن ابن الفخار البيري ثم على إمامها القاضي الشريف أبي القاسم الحسني إمام فنون اللسان، والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد بن لب واختص بالفقيه المحدث الصدر ابن مرزوق وروى عنه كثيرًا، وذاكر القاضي المقري لما قدم الأندلس، وقرأ الأصول على أبي علي منصور الزواوي، وروى عن القاضي أبي البركات ابن الحاج والمحدث أبي الحسن التلمساني والخطيب اللوشي والمقرئ أبي عبد اللَّه بن يبيش، وقرأ بعض الفنون العقلية بفاس على أبي عبد اللَّه الشريف التلمساني العلوني واختص به اختصاصًا لم يخل فيه من استفادة وحنكة في الصناعة.
وشعره مترام إلى نمط الإجادة خفاجي النزعة، كلف ببديع المعاني وصقيل الألفاظ غزير المادة، ولد في أربع شوال عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة -اهـ- من الإحاطة.
قلت: تولى الكتابة عن السلطان ابن الأحمر بعد ابن الخطيب وحظي عنده جدًا وبقي عليها زمنًا طويلًا، وكان حيًا سنة اثنين وتسعين وسبعمائة، كما ذكره في الكوكب الوقاد، ولم أقف على وفاته، ونقل عنه صاحب الإمام
стр. 466
الشاطبي في إفادته أشياء. ومن شعره في الفجر قال ابن الخطيب: وقد صدق فيه قوله:
أيا لائمي في الجود والجود شيمتي ... جبلت على إيثارها يوم مولدي
ذريني فلو أني أخلد بالغنى ... لكنت ضنينًا بالذي ملكت يدي
وله أيضًا:
لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أني أُجَرِّ ... رُثَوْبَ العَفَافِ القَشيب
فكم غمض الدهر أجفانه ... وفازت قداحي بوصل الحبيب
وقَيل رقيبك في غفلة ... فقلت أخاف الإله الرقيب
وله أيضًا:
ما لي بحمل الهوى يدانِ ... من بعد ما أعوز التداني
أصبحت أشكوك من زمانِ ... ما بتّ منه على أمانِ
ما بال عينيك تَسُحَّانِ ... والدمع يرفضّ كالجمان
ما ذاك والألف عنك وانِ ... والبعد من بعده كواني
يا شقوة النفس من هوانِ ... مذ لججت في أبحر الهوان
لم يثنني عن هواك ثانِ ... يا بغية النفس قد كفاني
٥٨٥ - محمد بن موسى بن محمد بن معطي العبدوسي (١).
أبو عبد اللَّه بن أبي عمران، وصفه بعضهم بالفقيه المدرس العالم الخير الأزكى الورع الصالح العلامة ابن الإمام العلامة -اهـ- كان حيًا بعد التسعين وسبعمائة، وهو والد الإمام عبد اللَّه العبدوسي المتقدم وأخو أبي القاسم العبدوسي المتقدم أيضًا، وسيأتي ولده الحافظ موسى بعد.
٥٨٦ - محمد بن عبد الرحمن الكفيف المراكشي (٢).
عرف بالضرير، قال ابن الخطيب القسنطيني في وفياته: الفقيه الحافظ
стр. 467
الأستاذ الجليل أبو عبد اللَّه، ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وتوفي آخر عام سبعة وثمانمائة- اهـ.
ومن تآليفه "اسماع الصم في إثبات الشرف من جهة الأم" تأليف حسن في كراريس أملاه سنة إحدى وثمانمائة، كما وقفت عليه في نسخة صحيحة منه، ووقع للسخاوي أنه أملاه سنة عشر وثمانمائة وليس كذلك لما تقدم من وفاته لابن الخطيب وهو أعلم به، أخذ عن علماء بني باديس وغيرهم، وورد تونس وحضر مجلس ابن عرفة ورأى ما يقع هناك من الأبحاث وقام عنهم ونظم بيتين في هجو المجلس، فبلغ ذلك ابن عرفة فتغير من ذلك كثيرًا وأجابه بقوله:
وما بال من يهجو أخاه بلفظة ... لدى ذاكر المروى عند الأئمة
في أبيات تركها أولى، واللَّه يغفر للجميع بمنه. وله منظومة في البيان وغيرها.
٥٨٧ - محمد بن أبي البركات ابن السكاك (١).
العياضي، قال في الكوكب الوقاد: شيخنا الأستاذ الأصولي البياني الفاسي الأصل، انتقل منها صبيًا مع والده التلمساني فنشأ بها وقرأ على شيوخها كالإمامين العلمين الشريف التلمساني، والمحقق أبي عبد اللَّه الابلي والعبدري، ولى قضاء سبتة مرارًا وقضاء الجماعة بفاس في زمن موسى ابن أبي عنان ثم أعيد لقضاء سبتة وغيرها، حضرت دوله في التفسير وأصلي ابن الحاجب ومستصفى الغزالي بقراءة صاحبنا أبي زيد بن أبي حجة ووثائق الجزيري وجواهر ابن شاس وغيرها، وليس له اعتناء بالرواية.
كان سكونًا رابط الجأش جزلًا مهيبًا لا يعبأ بأهل الباطل مهينًا لهم، حضر عنده يومًا والي سبتة في ميراث فنهاه فلم يقبل فقال: أعوذ باللَّه من خطاب من لا يفهم، ولعلك تريد الاستبداد والجور وأغلظ له فخرج الوالي
стр. 468
وقد انكسرت شوكته ولم ينل مراده، ثم أتاه الغد وقد أحدق به الطلبة فما التفت اليه، فقال له الوالي: يا سيدي أنا خائف منك وأعتذر، فقال له الشيح: الآن أنت مسلم ولم يزد عليه شيئًا، ثم توفي القاضي في محرم فاتح ثمانمائة وهو في ثمانين من عمره- اهـ.
وفي وفيات الونشريسي محمد بن أبي غالب بن أحمد بن علي بن أحمد المكناسي ثم العياضي القاصي الإمام المفسر أبو يحيى، عرف بابن السكاك قاضي الجماعة بفاس شرح الشفا وأخذ عن جماعة كالشريف التلمساني.
توفى بفاس سنة ثمان عشرة وثمانمائة، زاد صاحبنا المؤرخ محمد بن يعقوب الأديب ما نصه: سمعت أنه بات عنده ليلة مع أبي زيد بن خلدون فولد له تلك الليلة ولد فسماه عبد الرحمن باسم ابن خلدون وكناه أبا يحيى كنية ابن السكاك تبركًا بهما، فخرج الولد عالمًا جليلًا وهو أبو يحيى الشريف.
شرح صاحب الترجمة الشفا وأجاده، وله تآليف في الأدعية، وآخر سماه نصح ملوك الإسلام بالتعريف بما عليهم من حقوق أهل البيت ﵈. توفي سنة ثمان عشرة وثمانمائة- اهـ. فانظره مع ما تقدم فبينهما بون، واللَّه أعلم.
٥٨٨ - محمد بن أبي بكر الفاسي القيرواني (١).
قال ابن ناجي: شيخنا القاضي العدل أبو عبد اللَّه ابن الشيخ القاضي أبي بكر، تولى قضاء القيروان- اهـ. ونقل عنه في شرح المدونة.
٥٨٩ - محمد بن عبد الرحمن الحسيني الفاسي (٢).
ثم المكي، تفقه بالشيخ موسى المراكشي وبأبيه وخلفه بالمسجد الحرام فأفاد وأجاد، وكان من خيار الفضلاء، توفي يوم الاثنين سادس شوال سنة ست وثمانمائة، من السخاوي.
стр. 469
٥٩٠ - محمد بن محمد بن أبي القاسم المراغي (١).
أحد المالكية بمصر، برع في الفقه والعربية والفرائض والتاريخ، مات في ذي الحجة سنة إحدى عشرة وثمانمائة -اهـ- من الضوء اللامع للسخاوي.
٥٩١ - محمد بن يوسف القيسي التلمساني عرف بالثغري (٢).
وصفه المازوني في نوازله بالشيخ الفقيه الإمام العلّامة الأديب الأريب الكاتب أبي عبد اللَّه، أخذ عن الإمام الشريف التلمساني وغيره، ولم أقف له على ترجمة.
٥٩٢ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد .
مكررًا أربع مرات ابن عاصم، يكنى أبا يحيى الشهيد الأندلسي الغرناطي الأستاذ العالم العلم الراسخ الشهيد.
قال ابن الأزرق: هو الشيخ العلامة الصالح السيد صاحب الإمام أبي إسحاق الشاطبي ووارث طريقته، أخذ عنه شيخنا أبو إسحاق بن فتوح، وحكى عنه أنه إذا سئل عن طالب لم يقرأ عليه لا يشهد فيه بشيء وإن كان قد ظهر بالاشتغال على غيره اطراحًا لاعتبار ما لم يعلمه عيانًا- اهـ.
وقال ابن أخيه قاضي الجماعة أبو يحيى بن عاصم في تقييد عرف فيه أهل بيته: كان عمي أبو يحيى ﵀ سابغ الدين رائق الزهد خصيف الورع فضفاض الصلاح متلاحك الحزم مسدول الهيبة مطبق الأعضاء مبسوط الايثار بليغ الصدق حمي الأنفة نافذ البصيرة رصين الحلم وضاح الفهم ساطع الحجة عباب العلم، متين الحفظ قوي المناظرة مديد التحصيل متسع المعرفة سديد الرواية متعدد الإفادة عربية أصلية متمكنة التنظير من صلة القواعد ومستحضرة الشواهد ومنزهة عن ارتكاب الشواذ والنوادر ومستوفاة المتعلقات
стр. 470
من علمي البيان والغريب والقافية والعروض والفقه، مع الوقوف على واضحة الجادة من المشهور.
يحوط بصلب العلم عن اتباع الرخص ويغني بواضح السنة عن البدع، ويطلع من كنه التصرفات الاجتهادية عن الغاية إلى القيام على الأصلين قيامًا سلب به الفخر الإمامة وطوق به أبا هاشم وأباه الملامة -اهـ- ملخصًا.
لأنه أطال في تعريفه وتحليته في عدة أوراق ثم قال وفاته فقد يوم المناجزة الكبرى بظاهر التقيرة الجاري على المسلمين فيها التمحيص العظيم صابرًا محتسبًا رابط الجأش ثابت القدم في ذلك الموقف الصعب، وقد طاشت الأحلام ودهشت الأعلام، عرض عليه بعض من معه التحيز بعد الوصول للمحلة من غير طرس [وقد] انكشف عنها المسلمون فأبى ذلك وقال له: لا يجوز لهم تجاوز محلتهم إذ هي الفئة المتحيز إليها فتركه وقد أقبل بوجهه على الكفرة القاصدة له يدافعهم بجهده، ورماحهم تنوشه وانصرف عنه الحاكي فكان آخر العهد به، وذلك في صدر المحرم عام ثلاثة عشر وثمانمائة- اهـ.
ومن تآليفه جزء كبير في الانتصار لشيخه الإمام الشاطبي والرد على شيخه الإمام أبي سعيد بن لب في الدعاء بعد الصلاة في غاية النبل والجودة، وستأتي ترجمة أخيه بعد ثمان تراجم.
٥٩٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن عطاء اللَّه القاضي جمال الدين التنسي (١).
ولد القاضي ناصر الدين المتقدم، تولى قضاء المالكية يسيرًا، قال السخاوي: أظنه الذي غرق سنة أربع عشرة وثمانمائة مع جماعة منهم ابن وفاء والذي جزم به شيخه ابن حجر في أبناء الغمر ورفع الاصر أن الذي غرق من أولاد التنسي هو القاضي عبد اللَّه بن أحمد، واللَّه أعلم، وسيأتي أخو صاحب الترجمة واسمه أيضًا محمد.
стр. 471
٥٩٤ - محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر الوانوغي (١).
التونسي العلامة أبو عبد اللَّه شهر بالوانوغي نزيل الحرمين، قال السيوطي: كان عالمًا بالتفسير والأصلين والعربية والفرائض والحساب والجبر والمقابلة والمنطق ومعرفته بالفقه دون غيره، ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة بتونس ونشأ بها وسمع من مسندها أبي الحسن بن أبي العباس البطروني خاتمة أصحاب ابن الزبير بالإجازة، وسمع أيضًا من ابن عرفة وأخذ عنه الفقه والتفسير والأصلين والمنطق، وعين أبي زيد بن خلدون الحساب والهندسة والأصلين والمنطق، والنحو عن أبي العباس القصار، وكان شديد الذكاء سريع الفهم حسن الإيراد للتدريس والفتوى، وإذا رأى شيئًا وعاه وقرره وإن لم يعتن به، له تآليف على قواعد ابن عبد السلام وعشرون سؤالًا في فنون العلم تشهد بفضله بعث بها للقاضي جلال الدين البلقيني فأجاب عنها، فرد ما قاله البلقيني، وقد وقفت على الأسئلة وأجوبتها دون الرد، وكان يعاب عليه إطلاق لسانه في العلماء ومراعاة السائلين في الإفتاء، أجاز لغير واحد من شيوخنا المالكيين- اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: وعني بالعلم وبرع في الفنون مع الذكاء المفرط وقوة الفهم حسن الإيراد كثير النوادر المستظرفة كثير الواقعة في أعيان المتقدمين وعلماء العصر وشيوخهم، شديد الإعجاب بنفسه والازدراء بمعاصريه، فلهجوا بذمه وتتبعوا أغلاطه في فتاويه، وله انتقاد على قواعد ابن عبد السلام ثم أقام بمكة فجاور مقبلًا على الاشتغال والتدريس والإفادة، اجتمعت به بالمدينة وله أسئلة كتب بها للجلال القاضي البلقيني فأجابه عنها وكان يعيب الأجوبة، توفي سابع عشر ربيع الأخير سنة تسع عشرة وثمانمائة- اهـ.
وقال السخاوي: كان عارفًا بالتفسير والأصلين والعربية والفرائض والحساب والجبر والمقابلة ومعرفته بالفقه دونها، له أجوبة على مسائل
стр. 472
عبد النجم بن الفهد- اهـ.
وذكر الشيخ بدر الدين القرافي أن له حاشية على التهذيب للبراذعي في غاية الجودة محتوية على أبحاث جليلة مرتبة على مقدمات منطقية- اهـ.
قلت: محشي المدونة إنما هو أبو مهدي عيسى الوانوغي، كما ذكر المشذالي في أول تكميلته، وهو أيضًا من أصحاب ابن عرفة، حج عام ثلاثة وثمانمائة ورجع لبلاده كما في الحاشية، وصاحب الترجمة بقي بالمشرق حتى مات، كما تقدم، واللَّه أعلم.
٥٩٥ - محمد بن علي بن معبد القدسي (١).
عرف بالمدني كان مؤذنًا بالمسجد النبوي، ولى قضاء المالكية مرتين: الأولى في سنة اثني عشر وثمانمائة والثانية بعده، ثم عزل في عام ستة عشر ومات في ربيع الأول سنة تسعة عشر وثمانمائة عن سبعين سنة. صح من الدرر الكامنة لابن حجر.
٥٩٦ - محمد بن جابر الغساني المكناسي (٢).
الفقيه العالم الناظم، نظم المرقبة العليا في تعبير الرؤيا لابن راشد ونظم رجزًا بديعًا في التعريف ببلده سماه نزهة الناظر لابن جابر، وله تأليف في رسم القرآن، أخذ عنه الحافظ القوري، قال ابن غازي في الروض الهتون: شيخ شيوخنا الأستاذ المقرئ الشاعر الجيد الحسن ذو التصانيف الحسان والقصائد العجيبة، له تسميط البردة للبوصيري ورجز في بلده- اهـ.
وتوفي سنة سبع وعشرين وثمانمائة.
٥٩٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن علوان (٣).
المصري أبو الطيب العالم الرّاوية الرحلة، أخذ بتونس عن والده وأبي
стр. 473
القاسم الغبريني والقاضي ابن حيدرة والخطيب ابن مرزوق وأبي الحسن البطروني والإمام ابن عرفة وابن الحاجة، وبالشرق عن الحافظ المصنف الشهاب الفرنوي والحافظ الكبير زين الدين العراقي وولده ولي الدين أبي ذرعة وصهره النور الهيثمي، والولي القطب علي بن وفا والشيخ جلال الدين ابن نصر البغدادي والمؤرخ ناصر الدين بن الفرات والبرهان بن العداتي الحنفي، والزين البشكيلي والكمال الدميري والشمس البرشنسي أحد فضلاء الشافعية والتقي الدجوري والشهاب ابن الزاهد بن سرارة الناس، والجمالين المحلي والرشيد في جماعة كثيرة ذكرهم في إجازته للحفيد ابن مرزوق.
وله جزء في الاجتماع علي الذكر، ورأيت بخط بعضهم أن صاحب الترجمة كان مثل والده علما ودينًا وصلاحًا ورواية وزهد أو سلوكًا، وأنه توفي أواسط ذي القعدة عام سبعة وعشرين وثمانمائة- اهـ. وتقدمت ترجمة والده في الأحمدين.
٥٩٨ - محمد بن خلفة بن عمر التونسي الوشتاني شهر بالأبي (١).
الإمام العلامة المحقق المدقق البارع الحافظ الحاج الرحلة، أخذ عن الإمام ابن عرفة ولازمه واشتهر في حياته بالهارة والتقدم بها الفنون، وكان من أعيان أصحابه ومحققيهم، وأبة، بضم الهمزة، قرية من تونس.
قال السخاوي: كان سليم الصدر، ذكر ذلك جماعة عنه مع مزيد تقدم في الفنون، له إكمال الاكمال في شرح مسلم في ثلاثة مجلدات جمع فيه بين المازري وعياض والقرطبي والنووي مع زيادات مفيدة من كلام ابن عرفة شيخه وغيره.
وله شرح المدونة أيضًا، وله نظم، وكثر انتقاده لشيخه مشافهة وربما رجع عليه سيما في تعريفه الطهارة ووصفه ابن حجر في المثبتة بالأصولي عالم المغرب بالمعقول وقال: إنه سكن تونس وسما والده خلفا.
стр. 474
توفى، فيما قيل، سنة سبع وعشرين، وخلفة بكسر المعجمة وفتحها ثم لام ساكنة بعدها فاء- اهـ.
قلت: قرأت بخط سيدي يخلفتين حفيد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي أن وفاته سنة ثمان وعشرين وثمانمائة- اهـ. ويذكر أن الإمام ابن عرفة ليم على كثرة الاجتهاد وتعبه نفسه في النظر فقال: كيف أنام وأبا بين أسدين الأبي بفهمه وعقله والبرزلي بحفظه ونقله- اهـ.
ووصفه أبو عبد اللَّه المشذالي بالفقيه المحقق العالم، وأخذ عنه جماعة من الأئمة كالقاضي عمر القلشاني وأبي القاسم بن ناجي وعبد الرحمن المجدولي والثعالبي والشريف العجيسي وغيرهم، وقال الثعالبي فيه: شيخنا مولاي الإمام الحجة الثقة إمام المحققين الجامع بين حقيقتى المنقول والمعقول ذو التصانيف الفائقة البارعة والحجج الساطعة اللامعة- اهـ.
وأما شرحه لمسلم ففي غاية الجودة ملأه بتحقيقات بارعة وزيادة حسنة نافعة سيما أوائله، قال الثعالبي: حضرت عليه قراءة بحث وتحقيق وتدقيق من أوله إلى الطهارة متواليًا، وكثيرًا من الطهارة وأكثر كتاب الصلاة وكثيرًا من أواخر مسلم أو كله، ومن المدونة والرسالة وابن الحاجب كلها قراءة بحث وتحقيق، وأكثر إرشاد أبي المعالي وتفسير القرآن، وأذن لي في اقرائها كلها سنة تسعة عشر وثمانمائة -اهـ- ملخصًا.
وسمعت والدي الفقيه أحمد ﵀ يحدث عن بعض المشارقة أنه رأى له تفسير القرآن في ثمان مجلدات- اهـ.
٥٩٩ - محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن سليمان القرشي المخزومي الاسكندري بدر الدين الدماميني (١).
الإمام العلّامة الأديب المشهور، قال الشيخ عبد القادر المكي والسخاوي
стр. 475
والسيوطي ثلاثتهم: ولد بالديار الاسكندرية سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وتفقه وتعاني الأدب ففاق في النحو والنظم والنثر والخط ومعرفة الشروط، وشارك في الفقه وغيره بسرعة إدراكه وقوة حافظته، وناب في الحكم ودرس بعدة مدارس وتقدم.
واشتهر ذكره ومهر وتصدر بالجامع الأزهر لإقراء النحو ثم رجع للاسكندرية واستمر يقرئ بها ويحكم ويتكسب بالتجارة، ثم قدم القاهرة وعين للقضاء فلم يتفق له واستمر مقيمًا إلى شوال سنة تسع عشرة فحج ودخل دمشق سنة ثمانمائة وحج منها وعاد لبلده وتولى خطابة الجامع وترك نيابة الحكم، وأقبل على الاشتغال ثم اشتغل بأمور الدنيا معاني الحياكية وصار له دولاب متسع فاحترقت عليه داره وصار عليه مال كثير ففر إلى الصعيد فتبعه غرماؤه وأحضروه مهانًا إلى القاهرة، فقام معه تقي الدين الشيخ ابن حجة وكاتب السر ناصر الدين البارزي حتى صلحت حاله.
وحضر مجلس الملك المؤيد ثم حج سنة تسع عشرة ودخل إلى اليمن سنة عشرين ودرس بجامع زبيدة نحو سنة فلم يرج له بها أمر فركب البحر إلى الهند فحصل له إقبال كثير وأخذوا عنه وعظموه، وحصل له دنيا عريضة فبغته الأجل ببلد كلبرجا من الهند في شعبان سنة سبع وقيل ثمان وعشرين وثمانمائة قتل مسمومًا.
وله من التصانيف تحفة الغريب في حاشية مغني اللبيب وشرح البخاري وشرح التسهيل وشرح الخزرجية وجواهر البحور في العروض، والفواكه البدرية من نظمه ومقاطع الشرب ونزول الغيث وهو اعتراضات على الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم للصفدي، وشرح مصدر الجواهر، وقد عمل حاشية على المغني ثم أشهد على نفسه بالرجوع عنها لما دخل الهند وألف هناك تحفة الغريب، ومن شعره:
رماني زماني بما ساءني ... فجاءت نحوس وغابت سعود
وأصبحت بين الورى بالمشيب ... عليلًا فليت الشباب يعود
стр. 476
وله أيضًا:
لا ما عذاريك هما أوقعا ... قلب المعنى الصب في الحين
فجد له بالوصل واسمح به ... ففيك قد هام بلامين
قال السخاوي: وأكثر الشمني من تعقب كلامه في حاشيته على المغني، وكان غير واحد من فضلاء تلاميذته ينتصر لصاحب الترجمة، وله أيضًا مجلد في الإعراب وعين الحياة مختصر حياة الحيوان، وممن أخذ عنه الزين عبادة ورافقه إلى اليمن حتى أخذ عنه حاشية المغني وفارقه لما توجه للهند، وكان أحد الكمل في فنون الأدب معروفًا باتفاق الوثائق- اهـ.
قلت: وأخذ عن الناصر التنسي وابن عرفة وابن خلدون والجمال إبراهيم الأميوطي والجلال البلقيني وغيرهم، وأخذ عنه الشيخ عبد القادر المكي وغيره.
فائدة:
قال صاحب الترجمة: من أظرف الحكايات التي أذكرها أني كنت يومًا بمجلس شيخنا ابن عرفة عند قدومه للاسكندرية في رمضان سنة اثنين وتسعين بالمثناة في الأول وأنا أقرأ عليه درسًا في كتاب الحج من مختصره، وكان شخص من الطلبة الموسومين بالتشدق والتكثر بما لم يعط حاضرًا بالمجلس، فمر بموضع من كلام الشيخ عائد فيه ضمير على مضاف إليه فقال ذلك الشخص بجرأة: النحويون يقولون: لا يعود الضمير على المضاف إليه فكيف أعدتموه؟ فقال الشيخ على الفور بلا تعلم قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ولم يزد على ذلك، وفيه من اللطف ما لا يخفى، ولا شك أن النحاة لم يقولوا ما نقل هذا الرجل عنهم وإنما قالوا: إذا وجد الضمير يمكن عوده إلى المضاف وإلى المضاف إليه فعوده إلى المضاف أولى لأنه المحدث عنه ولم يمنع أحد عوده إلى المضاف إليه- اهـ.
قلت: والمسئلة ذكرها في التسهيل وباب الضمير.
стр. 477
٦٠٠ - محمد بن أحمد بن عبد اللَّه الزفري (١).
وصفه الإمام ابن حجر بالشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة، درس وأم السلطان وولي بعد أبيه إفتاء دار العدل ومشيخة القمحية بمصر، ولد سنة سبع وستين وسبعمائة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وثمانمائة.
٦٠١ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم (٢).
القاضي أبو بكر الأندلسي الغرناطي قاضي الجماعة بها، العلامة الرئيس قال ولده القاضي أبو يحيى في التقييد المذكور قبل: كان ﵀ علم الكمال ورجل الحقيقة، وقارًا لا يخف راسيه ولا يعري كاسيه، وسكونًا لا يطرق جانبه ولا يرهب غالبه، وحلمًا لا تزل حصاته ولا تعمل وصاته، وانقباضًا لا يتعدى رسمه ولا يتجاوز حكمه، ونزاهة لا ترخص قيمتها ولا تلين عزيمتها، وديانة لا تحسر أذيالها ولا يشف سربالها، وإدراكًا لا يفل نصله ولا يدرك خصله، وذهنًا لا يخبأ نوره ولا ينبو مطروره، وفهمًا لا يخفى فلقه ولا يلحق طلقه، وصدقًا لا يخلف موعده ولا يلسن مورده، وخفظًا لا يسبر غوره ولا يذبل نوره، بل لا يتوق بحره ولا يعطل نحره، وتحصيلًا لا يفلت قنيصه ولا يسأم حريصه، بل لا يحل عقانه ولا يصدأ صقاله، وطلبًا لا تنحد فنونه ولا تتعين عيونه بل لا تحصر معارفه ولا تقصر مصارفه.
يقوم أتم قيام على النحو على طريقة متأخري النحاة جمعًا بين القياس والسماع، وتوجيهًا لأقوال البصرية، واستحضارًا للشواهد الشعرية واستظهارًا للغات والأعربة واستبصارًا في مذاهب المعربة، محليًا أجياد تلك الأعاريب من علمي البديع والبيان بجواهر أسلاك، وجليًا في آفاق تلك الأساليب من فرائد هذين الفنين زوائد أفلاك إلى ما يتعلق بها من قافية وميزان، وما للشعر من بحور وأوزان، وتضلع بالقراءات أكمل اضطلاع مع تحقيق واطلاع، فيقنع
стр. 478
ابن البادش من اقناعه، ويشرح لابن شريح ما أشكل من أوضاعه، ويقصي الداني عن رتبته المختصة ويجوز أوزان حرز الأماني صدر المنصة، ويشارك في المنطق وأصول الفقه والعدد والفرائض والأحكام مشاركة حسنة، ويتقدم في الأدب نظمًا ونثرًا وكتبًا وشعرًا، إلى براعة الخط واحكام الرسم وانقان الصنائع العملية كالتفسير والتذهيب وغيرهما.
نشأ بالحضرة العلية لا يغب عن حلقات المشيخة ولا يغيب عن مظان الاستفادة ولا يفتر عن المطالعة والتقييد، ولا يسأم عن المناظرة والتحصيل، مع محافظة لا تنخرم ومفاوضة في الأدب والنظم، وفكاهة لا تقدح في وقار -اهـ- ملخصًا.
وقد أطال فيه في أوراق ثم قال: مولده في الربع الثالث من يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من عام ستين وسبعمائة، نقلته من خط أبيه، وله مسائل متعددة في فنون شتى ضمنها كل سديد من البحث وصحيح النظر. وأما كتبه فالدر النفيس والياقوت الثمين والروض الآنق والزهر والنضير نصاعة لفظ وأصالة غرض وسهولة تركيب ومتانة أسلوب.
ومن شيوخه مفتي الحضرة وقطب الجملة الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب وإمام الأدباء الأستاذ أبو عبد اللَّه القيجاطي، وناصر السنة أبو إسحاق الشاطبي وقاضي الجماعة أبو عبد اللَّه بن علاق وخالاه قاضي الجماعة أبو بكر ورئيس علوم اللسان أبو محمد عبد اللَّه ابنا أبي القاسم ابن جزي، والشريف الشهير أبو محمد عبد اللَّه بن الشريف العلم التلمساني والقاضي الرحلة أبو إسحاق ابن الحاج، والحاج الراوية أبو الحسن علي بن منصور والأشهب، والأستاذ أبو عبد اللَّه البلنسي.
نظم أراجيز تحفة الحكام ورجز منيع الوصول في علم الأصول في أصول الفقه، والرجز الصغير سماه مرتقى الأصول في الوصول كذلك، ونيل المنى في اختصار الموافقات رجز، وقصيدة إيضاح المعاني في قراءة الداني وقصيدة الأمل المرهوب في قراءة يعقوب، وقصيدة كنز المفاوض في الفرائض
стр. 479
ورجز الموجز في النحو حاذى رجز ابن مالك في غرض البسط ومحاذاة قصده، وكتاب الحدائق في أغراض شتى من الأدب والحكايات. وتوفي بعد العصر يوم الخميس حادي عشر شوال عام تسعة وعشرين وثمانمائة- اهـ.
٦٠٢ - محمد بن عبد السلام بن إسحاق بن أحمد الآمدي (١).
الشيخ الفقيه اللغوي مؤلف كتاب تنبيه الطالب لفهم لغات ابن الحاجب بين فيه ألفاظ الواقعة في فرعي ابن الحاجب، حسن مفيد ذكر فيه أنه يروي المختصر المذكور عن شيخه السراج البلقيني والشمس الغماري وأنه قرأه أيضًا على الشيخ المسند الرحلة أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك العزي، عرف بابن الشيخة سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، ولا أعرف من حاله زيادة على هذا.
٦٠٣ - محمد بن يعقوب بن يحيى بن عبد اللَّه الجميل (٢).
ذكر حفيده أنه أخذ عن الوانوغي وغيره وارتحل للعجم وأقام هناك أربع سنين، وأخذ عن شيوخه في العقليات وتميز ودرس وناب في قضاء المدينة الشريفة، وألف في الفقه ومقدمة في المنطق وخمس البردة. توفي قرب الثلاثين والثمانمائة. صح من الضوء اللامع.
٦٠٤ - محمد أبو عبد اللَّه القاضي التلمساني (٣).
يعرف بحمو الشريف، أخذ عنه أبو زكرياء المازوني ونقل عنه فتاوى في نوازله، قال الونشريسي في وفياته: توفي سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. وقال صاحبنا محمد بن يعقوب الأديب: توفي سنة اثنين أو ثلاث وثلاثين- اهـ.
وسيأتي بعد نحو ثلاثة وعشرين ترجمة محمد الشريف التلمساني، من شيوخ القلصادي، وهو غير هذا، واللَّه أعلم، لاختلاف وفاتهما فتأمله.
стр. 480
٦٠٥ - محمد بن عبد الرحمن الحسني الفاسي رضي الدين أبو حامد (١).
تفقه بأبيه والزين خلف النحريري وأبي عبد اللَّه الوانوغي، قرأ عليه أصلي ابن الحاجب وكثرت عنايته بالفقه ومهر فيه وأذن في الإفتاء والتدريس وتصدر لذلك، وكتب على مختصر الشيخ خليل وشارحه صدر الدين عبد الخالق بن الفرات وبهرام في قدر ثلاثة كراريس، فلم يعترض عليه علماء القاهرة، وعلّق شيئًا على ابن الحاجب بيّن فيه الراجح مما فيه الخلاف سماه أداء الواجب في إصلاح ابن الحاجب. ولد في رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة وتوفي في منتصف ربيع الأول سنة أربع وعشرين وثمانمائة -اهـ - من السخاوي.
وتقدم أخوه شقيقه قبل تراجم.
٦٠٦ - محمد بن عبد العزيز التازغدري (٢).
أبو القاسم، قال ابن غازي: شيخ شيوخنا الفقيه العالم العلامة الحافظ المحقق النظار الحجة. وقال غيره: الفقيه المعظم العلم الأوحد الصدر المعتبر الشهير المفتي المحقق المتفنن المشاور الخطيب الأفصح البليغ الأحفل- اهـ.
أكثر ابن غازي من النقل عنه في كتبه، وله فتاوى في المعيار، وقال السخاوي: التازغدري نسبة لموضع من نواحي طنجة المغرب، أخذ عن عيسى ابن علال، وله تعليقة على شرح المدونة لأبي الحسن الصغير. مات مقتولًا غدرًا بعد الثلاثين وثلاثمائة ولم يعرف قاتله، أفادنيه بعض أصحابنا- اهـ.
قال صاحبنا محمد بن يعقوب الأديب في وصفه: مفتي فاس وحافظها وخطيب جامعها الأعظم، توفي قتيلًا سنة اثنين وثلاثين، وسمعت بعض الشيوخ يذكر أنه كثيرًا ما يفضل بين الأنبياء، ﵈، فمات مقتولًا لجري العادة بذلك، فيما قيل، واللَّه أعلم- اهـ.
стр. 481
٦٠٧ - محمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الملك القيسي المنتوري وبه اشتهر (١).
الغرناطي الأستاذ المقري الخطيب المحقق الراوية إمام الإقراء ومعلم الأداء، الأصولي، كذا وصفه بعضهم، وقال صاحبه أبو زكريا السراج في فهرسته: صاحبنا الفقيه القاضي الأستاذ النزيه المحقق الحافظ أبو عبد اللَّه ابن الشيخ الحاج الفاضل أبي مروان المنتوري.
أخذ عن الفقيه الأستاذ الجليل النحوي المقري الدرس المصنف إمام الأئمة في الإقراء أبي عبد اللَّه القيجاطي، قرأ عليه بالسبع والروايات الأربعة عشر المسطورة في سبعة عشرة ختمة، وقرأ عليه جميع تآليفه من القراءات وغيرها وسمع عليه غيرها، وعليه اعتمد في الاتقان والتجويد وأجازه عامة، وعن الأستاذ الفقيه شيخ الجماعة ابن لب قرأ عليه بالسبع وعرض عليه كتبًا، وعن صهره الأستاذ ابن بقي والأستاذ عبد اللَّه بن عمر وغيرهم، وأجاز لي ولولدي وهو بقيد الحياة- اهـ.
قلت: ومن شيوخه الأستاذ البلنسي وقاضي الجماعة أبو بكر بن جزي والشيخ الحفار والفقيه محمد بن محمد بن يوسف الرعيني وأبو الحسن علي ابن منصور الأشهب التلمساتي، وأجازه ابن عرفة والحافظ العراقي، وأخذ عنه القاضي أبو يحيى بن عاصم ونقل عنه في مواضع فن شرح التحفة والعلامة المواق.
ومن تآليفه شرح ابن بري في قراءة نافع ذكر في طالعته أنه طالع عليه مائة وتسعة وتسعين مجموعًا: سبعة وعشرين من كتب القراءات والباقي من غيرها، وفهرستًا حافلة، قال صاحبنا المؤرخ محمد بن يعقوب: كان فقيهًا كبيرًا محدثًا جليلًا راوية- اهـ.
وتوفى في عصر يوم الاثنين ثالث ذي الحجة متم عام أربعة وثلاثين وثمانمائة، هكذا وجدته مقيدًا، والمنتوري، بكسر الميم وإسكان النون وضم
стр. 482
التاء المثناة من فوق وآخره مهملة، كذا ضبطه العلامة أحمد بن داود البلوي أحد تلاميذ المواق.
٦٠٨ - محمد بن علي بن عبد الملك الألبيري الغرناطي شهر بابن مليح (١).
قاضيها، وقع النقل عنه في شرح التحفة لابن عاصم، وكان حيًا عام اثنين وثلاثين.
٦٠٩ - محمد بن عبد اللَّه القلشاني (٢).
الفقيه العالم العلامة الصالح القدوة والد القاضيين للجماعة أبي العباس أحمد وعمر القلشانيين، كان رحمه اللَّه تعالى من أكابر علماء تونس، أحد أصحاب الإمام ابن عرفة أخذ عنه وعن القاضي أبي العباس بن حيدرة التوزري وغيرهما وتولى تدريس أبي مهدي عيسى الغبريني بعد وفاته بإشارة منه، قال السخاوي: تولى قضاء الأنكحة بتونس والتدريس بها وكان عالمًا صالحًا، توفي أوائل سلطنة السلطان عثمان حفيد أبي فارس- اهـ.
فائدة:
وقال ولده أبو العباس أحمد القلشاني: توفي والدي محمد القلشاني يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الثاني عام سبعة وثلاثين وثمانمائة بتونس عن ثلاثة وثمانين سنة وخمسة أشهر غير ستة أيام، وشرحي ابن الحاجب في ميزان حسناته إذ هو الآمر به- اهـ.
ومولده على ما ذكر سابع عشر ذي القعدة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة وفي سنة سبع وثلاثين المذكورة توفى السلطان أبو فارس عبد العزيز بن أبي العباس الحفصي صاحب تونس فجأة بجبل ونشريس، ذكره الونشريسي في وفياته.
стр. 483
فائدة:
قال ولده أبو العباس القلشاني: لما توليت القضاء بقسنطينة أوصاني سيدي الوالد أبو عبد اللَّه يعني صاحب الترجمة فقال لي: عليك بتقوى اللَّه سرًا وعلانية وأوصيك مع ذلك بآية وحديث، أما الآية فقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ والحديث قوله، ﵇: "حسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل" قال: وأوصى صديق صديقه، وقد ولى أمر الناس، بقوله: "صن أذنيك عن أخبارهم تسلم من عداوتهم، وأوف لذوي الحقوق حقوقهم تستجلب مودتهم، وشاور ذوي العقل والدين يقل عتبهم عليك، وتجاوز عن جفوة ذي الهفوة يقل ندمك، وتأنّ في الحكم يقل خطؤك، واصبر على ما تكره تصل لما تحب والسلام"- اهـ.
ويقال: إنه كان إذا رأى من ولده عمر القلشاني فتورًا في وقت طلبه أنشده قول الشاعر:
إذا أخرج الدهر حبرًا نجيبًا ... فكن في ابنه فاسد الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيبًا ... وهل تلد النار غير الرماد
يحثه بذلك على الطلب.
قلت: وأخذ عنه الإمام أبو زيد الثعالبي ولازمه وذكره في بعض كتبه، وتقدمت ترجمة أبيه عبد اللَّه وأخيه أحمد وولديه أحمد وعمر، وتأتي ترجمة حفيده محمد بن عمر قاضي الجماعة، إن شاء اللَّه تعالى.
٦١٠ - محمد بن عمر بن الفتوح التلمساني ثم المكناسى أبو عبد اللَّه (١).
قال ابن غازي: الشيخ الفقيه الصالح الزاهد ولي اللَّه تعالى، حدثني شيخنا أبو زيد القرموني، وكان ارتحل إليه من فاس والي رفيقه عبد اللَّه ابن حمد فخدمهما تسعة أعوام، إن سبب انتقاله من تلمسان أنه كان من نجباء طلبتها وكان شابًا حسن الصورة مليح الشارة فموت به امرأة جميلة فجعل ينظر
стр. 484
لمحاسنها من طرف خفي فقالت: اتق اللَّه يا ابن الفتوح ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فانتفع بكلامها فزهد في الدنيا فخرج من وطنه ولحق بفاس.
وهو أول من أشاع فيها مختصر خليل، وقال في الروض الهتون: أول من أدخل المختصر لفاس هو عام خمسة وثمانمائة، انتقل لفاس فأخذ الفقه عن شيخ الجماعة أبي موسى عيسى بن علال المصمودي ويقرئ ألفية ابن مالك بمدرسة أبي عنان، يقيم حاله بمرتبها، ثم عرضت عليه رئاسة درس الفقه بمدرسة العطارين فاستخار اللَّه تعالى فرأى في منامه عجوز شمطاء سيقت له في عمارية بأنواع الملاهي فعلم أنها الدنيا فلم يقبلها.
وكان يضيق ذرعه من مخالطة من لا يحفظ لسانه عن الغيبة وغيرها مما لا يليق ويتمنى أن يجد من يعينه على الخير فدله بعض النصحاء على الصالح عبد اللَّه بن حمد وأصحابه فرحل إليه لمكناسة، فظفر ببغيته، وكان، كما قيل، وافق شن طبقة، وافقه فاعتنقه.
وحدثني والدي عنه أنه يقصد المساجد الخالية ويعمرها بقراءة القرآن العزيز، وأنه أصابه الطاعون وهو يقرأ البخاري في مكناسة عند خزانة الكتب عام ثمانية عشر وثمانمائة فحمل لبيته في المدرسة، فلقن عند الموت فقال له: الشغل بالذكر عن المذكور غفلة.
وحدثني شيخنا العلامة القوري عنه أن سبب ارتحاله لفاس في طلب الفقه مسألتان، سئلنا عنهما فلم يحضرنا فيهما شيء مع شهرتهما، مسألة المكثر من النذر وهي في كتاب الإيمان والنذور من المدونة، ومسألة من اشترى جارية بشرط أنها ثيب فألفاها بكرًا، ما حضر أصحابنا فيها شيء غير أنهم قالوا هذا كمن تلف له قب ووجد حمامًا، وهي منصوصة في نوازل ابن سهل أنه إن شرطه لغرض ككونه شيخًا كبيرًا لا يطيق الافتراع أو حلف أن لا يطأ بكرًا ولا يملكها فله ردها وإلا فلا.
وحدثني شيخنا القوري أيضًا أنه مرضت إحدى يديه فلم يتمكن له
стр. 485
مسح أذنيه إلا باليد الصحيحة فمسح اليمنى وأراد مسح اليسرى فأشكل عليه الأمر في استئناف الماء ولم يذكر فيه نصًا وجدد، وكان بينه وبين شيخ الجماعة عبد اللَّه العبدوسي ودّ وأخاء وكل منهما يفيد صاحبه فكتب إليه يخبره بما فعل وهل عنده فيها نص؟ فأجابه: لا أذكر فيها نصًا ولو نزل بي مثله لفعلت فعلك- اهـ.
٦١١ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد ابن أبي بكر بن مرزوق الحفيد العجيسي التلمساني (١).
الإمام المشهور العلامة الحجة الحافظ المحقق الكبير الثقة الثبت الطلع النظار المصنف التقي الصالح الزاهد الورع البركة الخاشي للَّه الخاشع الأواب القدوة النبيه، الفقيه المجتهد الأبرع الأصولي المفسر المحدث الحافظ المسند الراوية الأستاذ المقرئ المجود النحوي اللغوي البياني العروضي الصوفي المسلك المتخلق الولي الصالح العارف باللَّه، الآخذ من كل فن بأوفر نصيب الراعي في كل علم مرعاه الخصيب حجة اللَّه على خلقه المفتي الشهير السني الرحلة الحاج، فارس الراسي والمنابر سليل أفاضل الأكابر سيد العلماء الجلة وصفي أئمة الملة وآخر السادات الأعلام ذوي الرسوخ الكرام، بدر التمام الجامع بين المعقول والمنقول والحقيقة والشريعة بأوفر محصول.
شيخ الشيوخ وآخر النظار الفحول صاحب التحقيقات البديعة والاختراعات الأنيقة والأبحاث الغريبة والفوائد الغزيرة المتفق على علمه وصلاحه وهديه، السيد الزكي الفهامة القدوة الذي قل سماح الزمان بمثله أبدًا.
أحد الأفراد العلية في جميع الفنون الشرعية ذو المناقب العديدة والأحوال
стр. 486
الصالحة العتيدة، شيخ الإسلام وإمام المسلمين ومفتي الأنام ذو القدم الراسخ في كل مزلق ضيق، والرحب الواسع في حل كل مشكل مقفل، صاحب الكرامات والاستقامات، حامل لواء السنة وداحض شبه البدعة، سيف اللَّه المسلول على أهل البدع والأهواء الذائعة، الذي أفاض اللَّه تعالى على خلقه به بركته ورفع بين المرية محله ودرجته، ووسع على خليقته به نحليته.
معدن العلم وزناد الفهم وكيمياء السعادة وكنز الإفادة ابن الشيخ الفقيه العالم أبي العباس أحمد ابن الإمام العلامة الرحلة المحدث الكبير الخطيب الشهير محمد شمس الدين ابن الشيخ العالم الولي الصالح المجاور أبي العباس أحمد ابن الفقيه الولي الصالح الخاشع محمد ابن الولي الكبير ذي الأحوال الصالحة والكرامات محمد بن أبي بكر بن مرزوق.
كان ﵀ آية اللَّه في تحقيق العلوم والاطلاع المفرط على النقول والقيام الأكمل على الفنون بأسرها.
أما الفقه فهو فيه مالك، ولأزمة فروعه حائز ومالك، فلو رآه الإمام لقال له: تقدم فلك العهد والولاية وتكلم فمنك يسمع فقهي لا محالة أو ابن القاسم لأقر به عينًا وقال له: طالما دفعت عن المذهب عيبًا وشيئًا، أو أدرك الإمام المازري لكان من أقرانه الذي معه يجاري أو الحافظ ابن رشد لقال له: هلم يا حافظ الرشد، أو اللخمي لأبصر منه محاسن التبصرة، أو القرافي لاستفاد من قواعده المقررة.
إلى ما انضم لذلك من معرفة التفسير ودرره والاطلاع بحقائق التأويل وغرره، فلو رآه مجاهد لعلم أنه في علوم القرآن العزيز مجاهد، أو لاقاه مقاتل لقال: تقدم أيها المقاتل، أو الزمخشري لعلم أنه كشف النكت على الحقيقة وقال لكتابه: تنح لهذا الحبر عن سلوك تلك الطريقة، أو ابن عطية لعلم كم للَّه تعالى من فضل وعطية، أو أبو حيان لاختفى منه إن أمكنه في نهره ولم تسل له نقطة من بحره.
إلى الإحاطة بالحديث وفنونه وحفظ رواياته ومعرفة متونه، ونظم أنواعه
стр. 487
ووصف فنونه، فإليه الرحلة في رواياته وعليه المعول في حل مشكلاته وفتح مقفلاته.
وأما الأصول فالعضد ينقطع عند مناظرته ساعده والسيف يكل عند بحثه حده حتى يترك ما عنده ويساعده، والبرهان لا يهتدي معه لحجة والمقترح لا يقترح عنده بحجة.
وأما النحو فلو رآه الزمخشري لتجلجل في قراءة المفصل واستقل ما عنده من القدر المحصل أو الرماني لاشتقاق لفاكهته وارتاح واستجوى من ثمار فوائده وامتاح، أو الزجاج لعلم أن زجاجه لا يقوم بجواهره وأنه لا يجري معه في الفن إلا في ظواهره، بل لو رآه الخليل لأثنى عليه بكل جميل وقال لفرسان النحو: ما لكم إلى لحوقه من سبيل.
وأما البيان فالصباح لا يظهر له ضوء مع هذا الصبح، وصاحب الفتاح لا يهتدي عنده للفتح، وأما فهمه فعنه تنحط الشهب الثواقب وبمطالعة تحقيقاته يتحير الناظر فيقول: كم للَّه تعالى من مواهب لا تسعها المكاسب، إلى غيرها من علوم عديدة وفضائل مأثورة عتيدة.
وأما زهده وصلاحه فقد سارت به الركبان واتفق على تفضيله وخيرته الثقلان، هو فاروق وقته في القيام بالحق ومدفعة أهل البدع بالصدق، هو البحر بل دون علمه البحر، هو البدر بل دون فلقه البدر، هو الدر بل دون منطقه الدر. وبالجملة فالوصف يتقاصر عن مزاياه ويعجز عن وصفه ويتحاماه، فهو شيخ العلماء في أوانه وقطب الأئمة والزهاد في زمانه شهد بنشر أصبحت علومه العاكف والبادي وارتوى من بحر تحقيقاته الظمآن والصادي:
حلف الزمان ليأتينّ بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفّر
وربك الفتاح العليم، غير أنه كما قيل: يا له من عالم وإمام جمع العلوم بأسرها ولكن بخسته الدار فاللَّه تعالى يرحمه ويرضى عنه وينفعنا به آمين.
وما قلناه من أوصافه فمما علم من حاله فلا يحتاج لنقله عن معيّن ومتى
стр. 488
احتاج شمس الضحى لدليل، على أنا نذكر بعض ما قيل فيه شاهدًا لما قلناه:
قال تلميذه أبو الفرج بن أبي يحيى الشريف التلمساني: شيخنا الإمام العالم العلم جامع أشتات العلوم الشرعية والعقلية حفظًا وفهمًا وتحقيقًا راسخ القدم رافع لواء الإمامة بين الأمم ناصر الدين بلسانه وبيانه وبالعلم محيي السنة بفعاله ومقاله وبالشيم قطب الوقت في الحال والمقام والنهج الواضح والسبيل الأقوم مستمر الإرشاد والهداية والتبليغ والإفادة، ذو الرواية والدراية والعناية، ملازم للكتاب والسنة على نهج الأئمة المحفوظين من البدع في زمن من لا عاصم فيه لأمر اللَّه إلا من رحم، ذو همة علية ورتبة سنية وخلق رضية وفضل وكرم، إمام الأئمة وعالم الأئمة الناظر للحكمة ومثير الظلم سليل الصالحين وخلاصة مجد التقى والدين، نتيجة مقدمات البنين، حجة اللَّه على العلم والعالم، جامع بين الشريعة والحقيقة على أصح طريقة، متمسك بالكتاب لا يفارق فريقه الشيخ الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد.
اتصلت به فأويت منه إلى ربوة ذات قرار ومعين فقصرت توجهي عليه ومثلت بين يديه فأنزلني، أعلا اللَّه قدره، منزلة ولده رعاية للذمم وحفظًا على الود الموروث من القدم فأفادني من بحار علمه ما تقصر عنه العبارة ويكل دونه القلم.
فقرأت عليه جملة من التفسير ومن الحديث: الصحيحين والترمذي وأبا داود بقراءتي والموطأ سماعًا وتفقهًا والعمدة وأرجوزته الحديقة في علم الحديث وبعض أرجوزته الروضة فيه تفقهًا، ومن العربية نصف المقرب وجميع كتاب سيبويه تفقهًا وألفية ابن مالك وأوائل شرح الإيضاح لابن أبي الربيع وبعض مغني ابن هشام، وفي الفقه التهذيب كله تفقهًا وابن الحاجب وبعض مختصر خليل والتلقين وثلثي الجلاب وجملة من المتيطية والبيان لابن رشد والرسالة تفقهًا، وتفقهت عليه في كتب الشافعية في تنبيه الشيرازي ووجيز الغزالي من أوله إلى كتاب الإقرار، ومن كتب الحنفية مختصر القدوري تفقهًا، ومن كتب
стр. 489
الحنابلة مختصر الحرفي تفقهًا، ومن الأصول المحصول ومختصر ابن الحاجب والتنقيح وكتاب المفتاح لجدي وقواعد عز الدين وكتاب الصالح والمفاسد له وقواعد القرافي وجملة من الأشباه والنظائر للعلائي وإرشاد العميري، وفي أصول الدين المحصل والإرشاد تفقهًا، وفي القراءات الشاطبية تفقهًا وابن بري، وفي البيان التلخيص والإيضاح والمصباح كلها تفقهًا، وفي التصوف احياء الغزالي إلا الربع الأخير منه، وألبسني خرقة التصوف كما ألبسه أبوه وعمه، وهما ألبسهما أبوهما جده -اهـ- ملخصًا.
وكتب الإمام صاحب الترجمة تحته: صدق السيد أبو الفرج ابن السيدي فيما ذكر من القراءة والسماع والتفقه وبر، وقد أجزته في ذلك كله فهو حقيق بها مع الانصاف وصدق النظر، جعلني اللَّه وإياه ممن علم وعمل لآخرته واعتبر، قاله محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق- اهـ.
وقال تلميذه الإمام الثعالبي: وقدم علينا بتونس شيخنا أبو عبد اللَّه ابن مرزوق فأقام بها وأخذت عنه كثيرًا وسمعت عليه جميع الموطأ بقراءة صاحبنا أبي حفص عمر ابن شيخنا محمد القلشاني، وختصت عليه أربعينيات النووي قراءة عليه في منزلة قراءة تفهم، فكان كلما قرأت عليه حديثًا يعلوه خشوع وخضوع، ثم أخذ في البكاء فلم أزل أقرأ وهو يبكي حتى ختمت الكتاب، وهو من أولياء اللَّه تعالى الذين إذا رأوا ذكر اللَّه (١).
وأجمع الناس على فضله من الغرب إلى الديار الصرية واشتهر فضله في البلاد فكان بذكره تطرز المجالس، جعل اللَّه حبه في قلوب العامة والخاصة فلا يذكر مجلس إلا والنفوس متشوقة لا يحكى عنه، وكان في التواضع والإنصاف والاعتراف بالحق في الغاية وفوق النهاية لا أعلم له نظيرًا في ذلك في وقته فيما علمت ثم ذكر كثيرًا جدًا مما سمعه عليه من الكتب وأطال فيه.
وقال أيضًا في موضع آخر: هو سيدي الشيخ الإمام الحبر الهمام حجة أهل الفضل قي وقتنا وخاتمتهم ورحلة النقاد وخلاصتهم ورئيس المحققين
стр. 490
وقادتهم السيد الكبير والذهب الابريز والعلم الذى نصبه التمييز ابن البيت الكبير والفلك الأنير ومعدن الفضل الكثير سيدي أبو عبد اللَّه بن الإمام الجليل الأوحد الأصيل، جميل الفضلاء سليل الأولياء أبي العباس أحمد ابن العالم الشهير، تاج المحدثين وقدوة الحققين أبي عبد اللَّه بن مرزوق.
وقال أيضًا في موضع آخر: لشيخي الإمام العلم الصدر الكبير المحدث الثقة المحقق بقية المحدثين وإمام الحفظة الأقدمين والمحدثين سيد وقته وإمام عصره وورع زمانه وفاضل أقرانه أعجوبة وقته وفاروق أوانه ذو الأخلاق المرضية والأحوال الصالحة السنية والأعمال الفاضلة الزكية أبو عبد اللَّه ابن سيدنا الفقيه الإمام أبي العباس أحمد بن مرزوق- اهـ.
وقال المازوني في أول نوازله: شيخنا الإمام الحافظ بقية النظار والمجتهدين ذو التآليف العجيبة والفوائد الغريبة مستوفي الطالب والحقوق- اهـ.
وقال تلميذه أبو الحسن القلصادي في رحلته: أدركت بتلمسان كثيرًا من العلماء والعبّاد والصلحاء وأولاهم بالذكر والتقديم الشيخ الفقيه الإمام العلامة الكبير الشهير شيخنا وبركتنا أبو عبد اللَّه بن مرزوق العجيسي، ﵁، حل كنف العلم والعلا وجل قدره في الجلة الفضلا، قطع الليالي ساهرًا واقتطف من العلم أزاهر فأثمر وأورق وغرّب وشرّق حتى توغل في فنون العلم واستغرق إلى أن طلع للأبصار هلالًا لأن الغرب مطلعه، وسما في النفوس موضعه فلا ترى أحسن من لقائه ولا أسهل من القائه، لقي الشيوخ الجلة الأكابر وبقي حمده مغترفًا من بطون الكتب وألسنة الأقلام وأفواه المحابر.
كان، ﵁، من رجال الدنيا والآخرة وأوقاته كلها معمورة بالطاعة ليلًا ونهارًا من صلاة وقراعة قرآن وتدريس علم وفتيا وتصنيف، وله أوراد معلومة وأوقات مشهودة، وكانت له بالعلم عناية تكشف بها العماية، ودراية تعضدها الرواية، ونباهة تكسب النزاهة. قرأت عليه بعض كتابه في الفرائض وأواخر إيضاح الفاردصي، وشيئًا من شرح التسهيل، وحضرت عليه
стр. 491
اعراب القرآن وصحيح البخاري والشاطبيتين وفرعي ابن الحاجب والتلقين وتسهيل ابن مالك والألفية والكافية وابن الصلاح في علم الحديث، ومنهاج الغزالي والرسالة.
توفي يوم الخميس عصر رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة وصلى عليه بالجامع الأعظم بعد صلاة الجمعة، حضر جنازته السلطان فمن دونه، لم أر مثله قبله، وأسف الناس لفقده، وآخر بيت سمع منه عند موته:
إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دمي
-اهـ- ملخصًا.
وفي فهرست ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياجلي ما نصه: أنه لقي بتلمسان الإمام العلامة العلم الصدر الأوحد المحقق النظار الحجة العالم الرباني أبا عبد اللَّه بن مرزوق، وأنه حدثه بكثير من مناقبه وصفة إقرائه وقوة اجتهاده وتواضعه لطلبة العلم، وشدته على أهل البدع وما اتفق له مع بعضهم، إلى غيره من شيمه الكريمة ومحاسنه العظيمة- اهـ.
وقال غيره: كان يسير سيرة سلفه في العلم والعمل والشفقة والحلم وحب المساكن، آية اللَّه في الفهم والذكاء والصدق والعدالة والنزاهة، واتباع السنة في الأقوال والأفعال ومحبة أهلها في جميع الأحوال، مبغضًا لأهل البدع ومحبًا لسد الذرائع- اهـ.
أخذ العلم عن جماعة كالسيد الشريف العلامة أبي محمد عبد اللَّه ابن الإمام العلم الشريف التلمساني والإمام عالم المغرب سعيد العقباني، والولي الصالح أبي إسحاق المصمودي، أفرد ترجمته بتأليف، والعلامة أبي الحسن الأشهب العماري، وعن أبيه وعمه ابني الخطيب ابن مرزوق، وبتونس عن الإمام ابن عرفة وأبي العباس القصار، وبفاس عن الأستاذ النحوي ابن حياتي الإمام والشيخ الصالح أبي زيد المكودي والحافظ محمد بن مسعود الصنهاجي الفيلالي في جماعة، وبمصر عن الأئمة السراج البلقيني والحافظ أبي الفضل العراقي والسراج ابن الملقن والشمس الغماري والمجد الفيروزآبادي صاحب
стр. 492
القاموس، والإمام محب الدين بن هشام ولد صاحب المغني والنور النويري والولي ابن خلدون، والقاضي العلامة ناصر الدين التنسي وغيرهم.
وأجازه من الأندلس الأئمة كابن الخشاب وأبي عبد اللَّه القيجاطي والمحدث الحفار والحافظ ابن علاق وأبي محمد ابن جزي وغيرهم، وأخذ عنه جماعة من السادات كالشيخ الثعالبي وقاضي الجماعة عمر القلشاني والإمام محمد ابن العباس والعلّامة نصر الزواوي، وولي اللَّه الحسن أبركان وأبي البركات الغماري والعلّامة أبي الفضل المشذالي والسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي العباس بن أبي يحيى الشريف وأخيه أبي الفرج وإبراهيم بن فائد الزواوى وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن الندرومي والعلّامة المؤلف علي بن ثابت والشهاب ابن كحيل التجاني وولد العالم محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف، والعلامة أحمد بن يونس القسنطيني والعالم يحيى بن بدير وأبي الحسن القلصادي والشيخ عيسى بن سلامة البكري، والعلامة يحيى المازوني والحافظ التنسي والإمام ابن زكري في خلق كثيرين من الأجلاء.
وقال الحافظ السخاوي: هو أبو عبد اللَّه حفيد ابن مرزوق، ويقال له أيضًا ابن مرزوق، تلا بنافع على عثمان الزروالي وانتفع في الفقه بابن عرفة وأجازه ابن الخشاب والحفار والقيجاطي وحج قديمًا سنة تسعين وسبعمائة رفيقًا لابن عرفة، وسمع من البهاء الدماميني والنور العقيلي بمكة، وقرأ بها البخاري على ابن صديق، لازم المحب ابن هشام في العربية ثم حج سنة تسعة عشر وثمانمائة ولقيه رضوان الزيني بمكة وكذا لقيه ابن حجر- اهـ.
وأما تآليفه فكثيرة منها شروحه الثلاثة على البردة الأكبر المسمى إظهار صدق المودة في شرح البردة استوفي فيه غاية الاستيفاء ضمنه سبعة فنون في كل بيت، والأوسط والأصغر المسمى بالاستيعاب لما فيها من البيان والإعراب والمفاتيح القرطاسية في شرح الشقراطيسية، والمفاتيح المرزوقية في استخراج رموز الخزرجية، ورجزان في علوم الحديث الكبير سماه الروضة جمع فيه بين ألفيتي ابن ليون والعراقي ومختصر الحديقة اختصر فيه ألفية العراقي، وأرجوزة
стр. 493
في الميقات سماه المقنع الشافي في ألف وسبعمائة بيت، وأرجوزة ألفية في محاداة الشاطبية، وأرجوزة نظم تلخيص المفتاح وأرجوزة نظم تلخيص ابن البنا وأرجوزة نظم جمل الخونجي وأرجوزة في اختصار ألفية ابن مالك، ونهاية الأمل في شرح جمل الخونجي، واغتنام الفرصة في محادثة عالم قفصة وهو أجوبة على مسائل في الفقه والتفسير وغيرهما وردت عليه من عالم قفصة أبي يحيى بن عقيبة الآتي فأجابه عنها، والمعراج إلى استمطار فوائد الأستاذ ابن سراج أجاب فيه العالم قاضي الجماعة بغرناطة ابن سراج عن مسائل نحوية ومنطقية، ونور اليقين في شرح أولياء اللَّه المتقين تأليف ألفه في شأن البدلاء تكلم فيه على حديث في أول الحلية والدليل المومي في ترجح طهارة الكاغد الرومي، والنصح الخالص في الرد على مدعي رتبة الكامل للناقص في سبعة كراريس ألفه في الرد على عصريه وبلديه الإمام قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية في أشياء صوّب العقباني صنيعهم فيها فخالفه ابن مرزوق، ومختصر الحاوي في الفتاوى لابن عبد النور التونسي والروض البهيج في مسألة الخليج في أوراق نصف كراس وأنوار الدراري في مكررات البخاري، وتأليف في مناقب شيخه الزاهد الولي إبراهيم المصمودي في مقدار كراس، وتفسير سورة الإخلاص على طريقة الحكماء، وهذه كلها تامة.
وأما ما لم يكمل من تآليفه فالمتجر الربيح والسعي الرحب الفسيح في شرح الجامع الصحيح صحيح البخاري وروضة الأديب في شرح التهذيب، والمنزع النبيل في شرح مختصر خليل شرح منه الطهارة في مجلدين ومن الأقضية لآخره في سفرين في غاية الاتقان، والتحرير والاستيفاء والتنزيل لألفاظ الكتاب، والنقول لا نظير له أصلًا لخصه العلامة الراعي كما يأتي، وايضاح المسالك في ألفية ابن مالك انتهى إلى اسم الإشارة والموصول مجلد في غاية الاتقان، ومجلد في شرح شواهد شراحها إلى باب كان وأخواتها، وله خطب عجيبة، وأما أجوبته وفتاويه على المسائل المنوعة فقد سارت بها الركبان شرقًا وغربًا بدوًا وحضرًا ذكر المازوني والونشريسي منها جملة وافرة في كتابيهما، وله أيضًا عقيدته المسماة عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمة التقليد، وعلى
стр. 494
منحاه بنى السنوسي عقيدته الصغرى، والآيات الواضحات في وجه دلالة المعجزات، والدليل الواضح المعلوم في طهارة كاغد الروم واسماع الصم في إثبات الشرف من قبل الأم.
وذكر السخاوي أن من تأليفه شرح فرعي ابن الحاجب وشرح التسهيل، واللَّه أعلم. ومولده، كما ذكره هو في شرحه على البردة، ليلة الاثنين رابع عشر ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة قال: وحدثتني أمي عائشة بنت الفقيه الصالح القاضي أحمد بن الحسن المديوني، وكانت صالحة ألفت مجموعًا في أدعية اختارتها، ولها قوة في تعبير الرؤيا اكتسبتها من كثرة مطالعة كتب الفنن أنه أصابني مرض شديد أشرفت منه على الموت ومن شأنها وأبيها أنهما لا يعيش لهما ولد إلا نادرًا وسموني أبا الفضل أول الأمر فدخل عليها أبوها أحمد المذكور، فلما رأى مرضي وما بلغ بي غضب وقال: ألم أقل لكم لا تسموه أبا الفضل، ما الذي رأيتموه له من الفضل حتى تسموه أبا الفضل، سموه محمدًا، لا أسمع أحدًا ينادله بغيره إلا فعلت به وفعلت يتوعد بالأدب، قالت فسميناك محمدًا ففرج اللَّه عنك -اهـ- ملخصًا.
وتوفى، كما قاله القلصادي وزروق والسخاوي وغيرهم، يوم الخميس رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة ولم يخلف بعده مثله في فنونه في المغرب، وصلى عليه يوم الجمعة بالجامع الأعظم من تلمسان، رحمه اللَّه تعالى، وستأتي ترجمة ولده الكفيف وحفيده ابن ابنته محمد بن مرزوق الخطيب ابن حفصة، إن شاء اللَّه تعالى.
فائدة:
قال صاحب الترجمة: حضرت مجلس شيخنا العلّامة نخبة الزمان ابن عرفة، ﵀، أول مجلس حضرته فقرأ ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ فجرى بيننا مذاكرة رائقة وأبحاث حسنة فائقة منها: أنه قال: قرئ يعشو بالرفع ونقيض بالجزم ووجهها أبو حيان بكلام ما فهمته، وذكر في النسخة خللًا وذكر بعض ذلك الكلام فاهتديت إلى تمامه فقلت: يا سيدي معنى ما
стр. 495
ذكر أن جزم نقيض بمن الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمنتها من معنى الشرط، وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظه لفظ الشرط أولى بتلك المعاملة فوافق، ﵀ وفرح، كما أن الإنصاف كان طبعه وعند ذلك أنكر على جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط فقلت لهم: نصهم على دخول الفاء في خبر الوصول في نحو الذي يأتيني فله درهم من ذلك، فنازعوني في ذلك، وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل فقلت: قال ابن مالك فيما يشبه المسألة: وقد يجزمه متسبب عن صلة الذي تشبيهًا بجواب الشرط وأنشدت من شواهد المسألة قول الشاعر:
كذاك الذي يبغي على الناس ظالمًا ... تصبه على رغمٍ عواقب ما صنع
فجاء الشاهد موافقًا للحال -اهـ- من اغتنام الفرصة.
وقد ذكر الشيخ ابن غازي الحكاية في فهرسته في ترجمة شيخه النبيحي الشهير بالصغير وفيها بعض مخالفة لما تقدم فلنسقه قال: حدثني أنه بلغه عن ابن عرفة أنه كان يدزّس من صلاة الغداة للزوال يقرأ فنونًا يبتدئ بالتفسير وأن الإمام ابن مرزوق أول ما دخل عليه وجده يفسِّر آية ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ (١)، فكان أول ما فتحه أن قال: هل يصح كون من هنا موصولة؟ فقال ابن عرفة: كيف وقد جزمت؟ فقال له تشبيهًا لها بالشرط، فقال ابن عرفة إنما يقدم على هذا بنص من إمام أو شاهد من كلام العرب، فقال: أما النص فقول التسهيل، كذا، وأما الشاهد فقول الشاعر:
فلا تحفرن بئرًا تريد بها أخًا ... فإنك فيها أنت من دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالمًا ... تصبه على رغم عواقب ما صنع
فقال ابن عرفة: فانت إذًا ابن مرزوق قال نعم فرحب به -اهـ- وهو خلاف ما تقدم، ورأيت في بعض المجاميع زيادة، وهي أن ابن عرفة اشتغل بضيافته لما انفصل المجلس- اهـ.