← Тараджим

Тараджим · id 14197

نيل الابتهاج بتطريز الديباج

أحمد بابا التنبكتي

Полный текст (625 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مالك، رحمه اللَّه تعالى، ولا كلفة عليه في كتب الفتيا، كان فصيحًا في كتبه وجيز العبارة، له مشاركة في علوم الشريعة واعتكافه على قراءة المذهب، لازمته بغرناطة وحضرت عليه كتبًا متعددة، منها: كتاب مسلم إلّا بعضه والموطأ والتهذيب غير مرة والجلاب والتلقن والرسالة وابن الحاجب الفرعي وخليل وبعض مقدمات ابن رشد والمدونة وقرأت عليه التهذيب من أوله إلى أثناء البيوع وبعض مختصر خليل والشافل. توفى، رحمه اللَّه تعالى، يوم الثلاثاء سابع رمضان عام خمس وستين وثمانمائة وتأسف الناس لفقده وحضر جنازته السلطان فمن دونه، مولده كما وجدته بخط والده ليلة الثلاثاء بين العشاءين لخمس وعشرين مضين من ربيع الأخير عام أربعة وثمانين وسبعمائة، ورثاه الأديب العارف الماهر اللغوي الشيخ أبو عبد اللَّه بن الجبير اليحصبي بقوله: بكتك رسوم الدين يا واحد (١) العليا ... ونورك لما غاب أظلمت الدنيا لئن صدع الإسلام فيك فطالما ... صدعت بأحكام الشريعة والفتيا على نعشك انثالت نفوس أولي النهي ... وقد زهدوا في العيش بعدك والبقيا وقد بسطوا أيدي الدعاء بقولهم ... مناجن رب العزة الواحد الحيا على السرقسطي الرضا منك ورحمة ... تعود على مثواه بالغيث والسقيا -اهـ- ملخصًا، واللَّه أعلم. وعمره، على ما قال، احدى وثمانون سنة وأربعة أشهر واثنا عشر يومًا. ٦٥٦ - محمد بن محمد بن عيسى العقوي الزلديوي التونسي (٢). من أصحاب ابن عرفة، قال الشيخ زروق في كناشته: هو شيخ تونس في وقته وقاضي الأنكحة بها. وقال السخاوي: كان عالمًا ولى قضاء الأنكحة وانتفع به الفضلاء كأحمد بن يونس، وقال: إنه أخذ عنه العربية والأصلين والبيان والمنطق والطب والحديث وغيرها من الفنون العقلية والنقلية، وله

стр. 527

تصانيف عدة في فنون منها تفسير القرآن وشرح على المختصر، وعمّر حتى زاد على المائة. مات بتونس في سنة اثنين وثمانين وثمانمائة- اهـ. قال ابن الأزرق: كتب إلي بالإجازة العامة من تونس أوائل شوال عام أحد وسبعين وتوفي عام أربعة وسبعين فيما بلغنا- اهـ. وله فتاوى مذكورة في المازونية والمعيار. ٦٥٧ - محمد الواصلي التونسي (١). قال القلصادي في رحلته: كان فقيهًا إمامًا صدرًا علمًا، حضرت عنده في القراءة عام أربعة وخمسين وثمانمائة- اهـ. وقال زروق في كناشته: كان الفقيه أبو عبد اللَّه الواصلي ذا دين وعلم وصيانة- اهـ. ٦٥٨ - محمد بن محمد بن أبي القاسم المشذالي (٢). البجائي العلامة أبو الفضل ابن العلامة أبي عبد اللَّه، قال السيوطي: هو أحد أذكياء العالم اشتغل بالمغرب وقدم في حياة والده وأقرأ بمصر وغيرها وأبان عن تفنن في العلوم فقهًا وأصولًا وكلامًا ونحوًا وغير ذلك، وأخذ عنه طلبة العصر، ومات بحلب سنة نيف وستين وثمانمائة- اهـ.؟ وقال غيره: أبو الفضل المشذالي ولد العلامة أبي عبد اللَّه، حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ونصف. ورحل في سنة أربعين وثمانمائة إلى تلمسان فبحث على الحفيد الإمام ابن مرزوق العالم الشهير وأبي القاسم العقباني وأبي الفضل ابن الإمام وأبي العباس ابن زاغو وأبي عبد اللَّه محمد النجار، وقال البقاعي في الفنون حدث عن

стр. 528

العلامة ابن مرزوق وقاسم العاقباني وابن الإمام وغيرهم من فضلاء المغاربة، وقال ابن مرزوق: ما عرفت العلم حتى قدم على هذا الشاب فقيل له: كيف؟ قال: لأني كنت أقول فيسلم لي كلامي فلما جاء هذا الفتى شرع بغاز فشرعت أتحرز؟ وانفتحت لي أبواب المعارف. وقال السخاوي: ولد ليلة نصف رجب سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. قال السيوطي في أعيان الأعيان: هو محمد بن محمد بن أبي القاسم المشذالي الإمام العلامة نادر الزمان أبو الفضل المغربي ابن الشيخ العلامة الصالح أبي عبد اللَّه الشهير في الغرب بابن أبي القاسم، ولد بعد عشرين وثمانمائة، واشتغل في الفنون على والده ومشايخ بلده في أنواع العلوم العقلية والنقلية واتسعت معارفه وبرز على أقرانه بل على مشايخه وشاع ذكره وملأ الأسماع وصار كلمة إجماع، كان أعجوبة الزمان قي الحافظ والذكاء والفهم وتوقد الذهن، شرح جمل الخونجي ومات سنة خمس وستين وثمانمائة- اهـ. وقال القلصادى في رحلته: وقع اجتماعنا في مصر بصاحبنا الفقيه الإمام الفذ في وقته ذي العلوم الفائقة والمعاني الرائقة أبي الفضل المشذالي لم أر مثله في تحصيل العلوم وتحقيقها، أخذ في كل علم بأوفر نصيب وضارب فيه بسهم مصيب، وتذكرنا أزمانًا مضت لنا بتلمسان فيا لها من ليال وأيام مع سادات أعلام: أَحاديثُ أَحْلَى في النُّفوسِ مِنَ المنى ... وأَلطفُ من مَرِّ النسيمِ إذا سَرَى - اهـ. ٦٥٩ - محمد بن محمد بن أبي القاسم (١). أخو الذي قبله وشقيقه، قال ابن حزم: كان فقيهًا توفي في محرم عام تسعة وخمسين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي في تاريخ أهل المائة التاسعة- اهـ. فعلى هذا وما تقدم يكون مات هو وأخوه معًا قبل أبيهما، واللَّه أعلم.

стр. 529

٦٦٠ - محمد بن يحمد بن يحيى التلمساني شهر بالحباك (١) الشيخ الفقيه العالم العلامة الأجل الصالح العدل الفرضي العددي، أحد شيوخ الإمام السنوسي، قرأ عليه، على ما قاله تلميذه الملالي، كثيرًا من الاسطرلاب وشرح أرجوزته فيه السماة بغية الطلاب في علم الاسطرلاب، ونقل عنه فيه أشياء من فوائد هذا العلم، وله أيضًا شرح تلخيص ابن البنا ونظم رسالة الصفار في الاسطرلاب، وفي وفيات الونشريسي توفي الفقيه الفرضي العددي أبو عبد اللَّه الحباك شارح تلخيص ابن البنا ورجز التلمساني في سنة سبع وستين وثمانمائة- اهـ. ٦٦١ - محمد بن الحسن بن مخلوف الرائد (٢). شهر بأبركان أبو عبد اللَّه، وصفه الشريف محمد بن علي التلمساني شارح الشفا بالعلم الحافظ أبي عبد اللَّه ابن الشيخ الشهير بالولاية والزهد والعلم- اهـ. وله تآليف منها: ثلاثة شروح على الشفا أكبرها في مجلدين سماه الغنية ذكرها التلمساني المذكور في طالعة شرحه، وله أيضًا تعليق رجال ابن الحاجب وغيرها. قال الونشريسي في وفياته: توفي المحدث الحافظ أبو عبد اللَّه بن الحسن بن مخلوف سنة ثمان وستين وثمانمائة- اهـ. ٦٦٢ - محمد بن أحمد بن عمر بن شرف (٣). عرف بالقرافي العلامة شمس الدين سبط العارف باللَّه أبي جمرة، قال السخاوي: ولد في العشر الأخيرة من رمضان سنة إحدى وثمانمائة وحفظ القرآن وصلى به عشرًا والعمدة والرسالة والشاطبية وألفيتي العراقي وابن مالك والمنحة والحاجبية وغالب التسهيل.

стр. 530

أخذ النحو عن والده وناصر الدين البارنباري وغيرهما، والفقه عن الجمال الأقفهسي والشمس الدفزي وأصوله عن الجد البرماوي والصنهاجي والفرائض والحساب ومصطلح الحديث عن ابن حجر ولازم البساطي كثيرًا وانتفع به في الفقه والنحو والأصلين والمعاني وسمع عليه غالب شرحه لمختصر الشيخ خليل، وجود الخط على ابن الصائغ وسمع الحديث على غير واحد كالشرف ابن الكويك والجمال ابن الحلي وابن فضل اللَّه والشموس الشامي وابن البيطار وابن الجزري والزين والزركشي والولي العراقى. ودخل الاسكندرية مرارًا وحج مرتين وجاور سنة ست وثلاثين ودخل دمشق فسمع بها على ابن ناصر الدين وبيت المقدس ودخل دمياط. وبرع في الفقه وأصوله والعربية وغيرها وفاق الناس في التدقيق بحيث كان يملي في وقت واحد على اثنين من مسطورين مختلفين بل على ثلاثة ولا يجف قلم واحد منهم، فيما بلغني- اهـ. قلت: وأعظم من هذا ما ذكر عن لسان الدين بن الحطيب السلماني صاحب تاريخ غرناطة أنه كان يملي في وقت واحد على سبعة أنفس من إنشائه بأمور مختلفة ولا يجف لواحد منهم قلم، وهذا غاية ما يكون من البراعة يكاد أن لا يقبله العقل، أخبرني به بعض أصحابنا بمراكش، واللَّه أعلم بصحته. قال السخاوي: كان صاحب الترجمة يتوقد ذكاء مع الخط البديع والعبارة الرائعة قل أن تجتمع محاسنه في غيره حسنة من حسنات الدهر، ناب عن شيخه البساطي بعد سنة خمس وثلاثين فحمدت سيرته وصار بالمحل الجليل عند الأكابر مع بذل الجهد في انفاذ الأحكام، وكان قاضي الذهب ودرّس بالقمحية عقب البساطي والبرقوقية عقب أبي الجود وتصدر بجامع عمرو وصار الاعتماد في الفتاوى عليه لمزيد اتقانه واختصاره وتحريره وحسن إدراكه لمقاصد السائلين، وحدث وعظمت رغبته في السماع والإسماع. توفي بعد مرضه بالريق والسعال وحبس الإراقة وضيق النفس ليلة الاثنين رابع عشر ذي الحجة، سنة سبع وستين وثمانمائة- اهـ.

стр. 531

وقال البقاعي في العنوان: صلى عليه العلم صالح البلقيني ودفن بالقرافة بقرب تربة جده وتأسف عليه الناس، وهو جدير بذلك فإنه لم يخلف في مالكية مصر مثله- اهـ. قال حفيده البدر القرافي العصري: كتب على الثلث من مختصر خليل إلى قوله في أول النكاح، وشرحًا لطيفًا على الجرومية سماه الدرر المضيئة، وأخبرني والدي أن له كراسة في مسألة أحداث الكنائس- اهـ. ٦٦٣ - محمد بن مبارك القسنطيني (١). نزيل المدينة المشرفة استوطنها مدة، تقدم في العلوم حتى أقرأ في الفقه والعربية، مات سنة ثمان وستين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي. ٦٦٤ - محمد بن سليمان الجزولي (٢). الشيخ العالم العارف الولي الصالح القطب، كان فقيهًا ألف في التصوف، وله كتاب دلائل الخيرات في الصلاة على النبي ﷺ عمت بركته الأرض، قال بعضهم في وصفه: نخبة الدهر ووحيد العصر محي الطريقة بالغرب بعد درسها وشمس الحقيقة عند طمسها. وكان ببلاده وقت قتال انفصل فيه الصفان عن قتيل تَبَرأَ كلُّ من قتله ولم يحضره هو فأراد إصلاحهم فقال لهم: أنا قتلته، وعادتهم إخراج القاتل من بينهم فيصطلحوا فخرج لطنجة فلقي بها صدّيقة فمنعته من سفر الشرق، وكان يحفظ فرعي ابن الحاجب فرجع لفاس وقيد بها دلائل الخيرات وفيها لقيه الشيخ زروق. ثم رجع للساحل ولقي به أوحد وقته الحفيد أبا عبد اللَّه امغار الصغير فأخذ عنه ثم انقطع في الخلوة أربعة عشر سنة، وِرْدُه نهارًا أربعة عشر ألف

стр. 532

بسملة وسلكتين من دلائل الخيرات وبالليل سلكة منه وربع القرآن، ثم خرج للانتفاع به وظهر له كرامات، ولما نقل تابوته الذي دفن فيه بعد سبع وسبعين سنة وجد لم يتغير منه شيء، حدث بذلك من شاهده- اهـ. وتوفي مسمومًا في الركعة الأول من صلاة الصبح سادس ربيع الأول عام سبعين وثمانمائة. ٦٦٥ - محمد القماح المغربي . أحمد تلاميذ أبي القاسم البرزلي، وذكر أنه سأل البرزلي عما جرى به العمل فيمن أشهد على نفسه جماعة يعرفه بعضهم، أن لمن لا يعرفه منهم أن يشهد عليه أنه يذكر في شهادته عليه ما نصه ولمعرفته بالموجب، قال إنه زيادة حسنة، فقال صاحب الترجمة للبرزلي: ما معناها عندهم؟ فأجابه بأن الموجب، بكسر الجيم، وأن ذلك يقوله الشاهد فيمن عرف عينه واسمه وجهل نسبه ومسكنه ووقع التعريف به في ذلك وذكره تقوية، فإن كان مشهورًا فلا يحتاج إلى حضوره وإلا فلابد من الشهادة على عينه عند الحكم- اهـ. قال العلامة ابن غازي: والذي ينقدح لنا فيه أن المصدر مضاف للمفعول وأن المعنى أن الشاهد يشهد بمعرفة الشهود عليه بالوجه الذي يوجب صحة الشهادة عليه، فهو إحالة على فقه المسألة من خارج كقولهم: وحازه بما يحاز به الجزء المشاع وحينئذ يتناول مسألة البرزلي. ٦٦٦ - محمد بن علي (١). القاضي نور الدين الرهوني، أخذ عن أبيه وعن البساطي وغيرهما وناب عن البساطي فمن بعده، وكان فاضلًا فهمًا في الفقه والفرائض والعربية، مات سنة سبعين وثمانمائة.

стр. 533

٦٦٧ - محمد بن العباس بن محمد بن عيسى العبادي (١). شهر بابن العباس التلمساني الإمام العلامة المحقق المتفنن المحصل القدوة الحجة المفتي الصالح الحافظ المتقن البركة، هكذا وصفه بعضهم، كان إمامًا نظارًا، وقال القلصادي في رحلته: كان إمامًا فقيهًا متفننًا في علوم (٢)، وقال المازوني في أول نوازله: شيخنا الإمام الحافظ المتفنن بقية الناس أبو عبد اللَّه بن العباس. وقال الخطيب ابن مرزوق حفيد الحفيد: شيخنا ومفيدنا العالم المطلق الإمام الشهير الكبير السيد. وقال ابن غازي في ترجمة شيخه الورياجلي من الفهرست عنه وقال: ومن شيوخي العالم الحقق أبو عبد اللَّه بن العباس قرأت عليه جملة صالحة من شرح التسهيل لمؤلفه وبعض جمل الخونجي وجالسته في مهمات من مسائل الفقه فرأيت دخلته مملوءة الجراب- اهـ. وقال الشيخ زروق: هو شيخ الشيوخ بوقته في تلمسان- اهـ. وبالجملة فهو من أكابر علماء تلمسان وأكبر أئمة وقته بها، أخذ عن الإمام ابن مرزوق الحفيد وقاسم العقباني وغيرهما، وعن جماعة كالمازوني وابن زكري والتنسي والكفيف ابن مرزوق والسنوسي والونشريسي وابن صعد والخطيب الحفيد ابن مرزوق وغيرهم، وله تآليف كشرح لامية الأفعال في التصريف وشرح جمل الخونجي "والعروة الوثقى في تنزيه الأنبياء عن فرية الالقاء" في كراريس وغيرها، وفتاوى عدة مذكور بعضها في المازونية والمعيار. توفى بالطاعون آخر عام أحد وسبعين ودفن بالعباد. وقال الونشريسي في وفياته: توفي شيخ شيوخنا شيخ المفسرين والنحاة العالم على الاطلاق ثامن عشر ذي الحجة عام أحد وسبعين- اهـ. ٦٦٨ - محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني (٣). التلمساني الفقيه العالم العلامة الحاج الرحلة المتقن البارع ولى قضاء

стр. 534

الجماعة بتلمسان، أخذ عن جده الإمام قاسم وغيره وأخذ عنه أبو العباس الونشريسي وأحمد بن حاتم وغيرهما، وقال الشيخ زروق في كناشته: كان فقيهًا عارفًا بالنوازل وملكة في التصوف- اهـ. توفي سنة إحدى وسبعين وثمانمائة في الثالث والعشرين من ذي الحجة. ٦٦٩ - محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد بن محمد القوري (١). اللخمي المكناسي ثم الفاسي، أندلسي الأصل شهر بالقوري، بفتح القاف وسكون الواو ثم راء، نسبة لبلدة قريبة من اشبيلية، الإمام العلامة المحقق، قال الونشريسي في تحليته: الفقيه البركة المعظم المفيد الصدر الأوحد العلامة الجامع المشإر إليه في سماء تحقيق العلوم العقلية والنقلية، الرفيع القدر والشأن، لم يختلف في فضله وسعة علمه اثنان، تاج الأئمة الحفاظ، ممن تكل عن ذكر أوصافه العلمية الألفاظ، السيف الأقطع، والبدر الأسطع، الإمام القدوة المولى العماد المشاور حامل راية النص والقياس، رأس العلماء والناس، مفتي فاس العالم العامل، برز في تحقيق العلوم وفاز، وعقد له في قلم الفنون اللواء والحفاز، ابن الشيخ الفاضل الحسيب الأصيل الناصح الصالح الكامل النافع الخاشع المبرور أبي الفضل قاسم- اهـ. وقال تلميذه ابن غازي في فهرسته: شيخنا الإمام الفقيه العالم العلم العلامة المفتي المشاور الحجة الأنوه الحافظ المكثر أبو عبد اللَّه، كان آية في التبحر في العلم والتصرف فيه واستحضار نوازل الفقه وقضايا التواريخ، مجلسه كثير الفوائد مليح الحكايات. وكان له قوة عارضة ومزيد ذكاء مع نزاهة وديانة وحفظ مروعة لا يأتي الزمان بمثله، لازمته في المدونة أعوامًا ينقل عليها كلام المتقدمن والمتأخرين من الفقهاء والموثقين ويطرز ذلك بذكر مواليدهم ووفياتهم وحكاياتهم وضبط

стр. 535

أسمائهم والبحث في الأحاديث المستدل بها في نصر آرائهم، فمجلسه نزهة السامعين. سمعت عليه كثيرًا من الموطأ وبعض سير ابن إسحاق بحثًا وتفقهًا وبعض المدارك والجوزقي ووثائق الجزيري ومختصر خليل والمدونة والرسالة والتفسير والمرادي، أدرك من شيوخ مكناسة أبا موسى عمران الجاناتي راوية أبي عمران العبدوسي الذي جمع عنه التقييد البديع على المدونة وعليه اعتمد في قراءتها، والشيخ المتفنن أبا الحسن علي بن يوسف التلاجدوتي، أخذ عنه العربية والحساب والعروض والفرائض، وعن الشيخ ابن جابر الغساني القراءات السبع، وعن أبي عبد اللَّه الحاج عزوز الحديث والتاريخ والسير والطب، وعن الشيخ ابن غياث السلوي علم الطب، وكان مجيدًا فيه، وبفاس عن الشيخ المتفنن الفقيه العالم المحقق أبي القاسم التارغدري والشيخ الفقيه المحدث الحافظ أبي محمد العبدوسي، باحثه كثيرًا واستفاد منه مشافهة ومكاتبة، وهو الذي ولّاه التدريس بفاس، وولي اللَّه الشيخ الصالح الفقيه الزاهد عبد اللَّه بن حمد وغيرهم. وإفاداته وإنشاءاته لا ساحل لها، كان لا يتنفس إلا بالفوائد، وكنت بمكناسة لمّا ارتحلت إليه أكاتبه ما يعرض لي فيجيبني بما أحب، وكان لسانه رطبًا بلا إله إلا اللَّه تسممعها جارية على لسانه في أثناء حديثه، ﵀، ولد بمكناسة أول القرن وتوفى عام اثنين وسبعين وثمانمائة بفاس ودفن بباب الحمراء- اهـ. ثم ذكر ابن غازي اتصال سنده في الفقه لسحنون. وقال السخاوي في الضوء اللامع: كان متقدمًا في حفظ لمتون وفقيهًا، علّق شيئًا على المختصر ولم ينشر وانتفع به الطلبة، أخذ عنه الفاضل أحمد زروق وقال: إنه مات آخر ذي القعدة عام اثنين وسبعين أنه سئل عن ابن عربي فقال: اختلف الناس ما بين مكفر ومقطب والأولى الوقوف- اهـ. قلت: أخذ عنه جماعة من أهل فاس وغيرهم كالشيخ إبراهيم بن هلال

стр. 536

والشيخ عبد اللَّه الرموري شارح الشفا وأبي الحسن الزقاق القاضي المكناسي، والمفتي أبي مهدي الأواسي وابن غازي وغيرهم، وأما شرحه على المختصر فذكر أبو الحسن المنوفي شارح الرسالة في شرح خطبة المختصر أن القوري شرحه في ثمان مجلدات- اهـ. ولم أر لغيره ولا ذكر له البتة عند أهل فاس واللَّه أعلم. فائدة: قال الشيخ ابن غازي: حدثني صاحب الترجمة عن شيخه أبي عبد اللَّه ابن عبد العزيز أنه قال سمعت العالم المحدث الحافظ الرباني البلالي بمصر يقول: حديث "الباذنجان لما أكل له" أمثل إسنادًا من حديث "ماء زمزم لما شرب له"، قال شيخنا القوري: وهذا عكس المعروف- اهـ. قلت: ولعل النقل انقلب على ناقله سهوًا وإلا فالذي نقل البلالي المذكور في مختصر الاحياء خلافه، بل صرح بأن حديث الباذنجان موضوع وضعته الزنادقة، وأن حديث ماء زمزم صحيح، وقد استوفيت كلامه وكلام غيره في تقييدي على المختصر في كتاب الحج واللَّه أعلم. ٦٧٠ - محمد بن محمد بن عامر العامري (١). أخذ عن البساطي والشهاب ابن تقي، وناب في القضاء مدة عن البساطي وولى قضاء دمشق ثم عزل فتصدر للقراءة واستقر في تدريس الفقه بالشيخونية بعد الزين عبادة ثم انتزع منه، وقد كتب على مختصر الشيخ خليل شرحًا سماه تفكيك الرموز والتكميل على مختصر خليل لم يكمل وقفت منه على مجلد وصل فيه إلى الحج، وامتنع ابن عمار من التقريظ عليه لكثرة أوهامه، وكتب ابن حجر على المجلد المشار إليه الحمد للَّه الفتاح العليم: لعمري لقد أوضحت مذهب مالك ... بتفكيك رمز لائح للمسافر وجودت ما سطرت منه مهذبًا ... ومن أين للتجويد مثل ابن عامر

стр. 537

٦٧١ - محمد بن محمد بن محمد بن يحيى بن محمد الشيخ بدر الدين ابن المخلطة (١). تقدم أبوه، وأخذ الفقه عن أبيه وأبي القاسم النويري والبدر التنسي والزين ظاهر ولازمه فيه وفي غيره، ولازم الشمني في الأصلين والتفسير والمعاني والبيان وغيرهم، وقرأ عليه التلخيص وشرح المختصر والموقف الأول من الواقف، وأماكن من شرح السيد والمقصد الأول من المقاصد ونبذة من المقصد الخامس ومعظم المطول، وأصلي ابن الحاجب وشرح العضد وحاشية التفتازاني. وأخذ عن الشمس الشرواني وابن الهمام وسمع على ابن حجر وغيره وكتب خطًا منسوبًا، وأذن له في الإفتاء والتدريس وعظمه الأكابر كالشمني وابن الهمام وكان يعجبهما مناسبة تحقيقه وتدقيقه وجودة إدراكه وتأمله، وحج وجاور وناب في القضاء عن الولي السنباطي واختص بالحسام بن حريز وقرأ عليه في الجواهر لابن شاس ودرس للمالكية بالمؤيدة عوضًا عن الولي السنباطي ودرّس بأمر السلطان بالقميحية والإعادة بالصالحية وغيرها من الجهات، وشرع في شرح مختصر ابن الحاجب فكتب مواضع متعددة. وكان إمامًا علَّامة ذكيًا متقنًا جمّ الفضائل وافر الفضل ذا سياسة ودُربة وتوجه في القضاء بالاسكندرية وأثنوا عليه فتعلل فاستأذن في القدوم فأُجيب وقدم، فلم تطل مدته ومات بعد أيام، ليلة السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي. ٦٧٢ - محمد بن أبي بكر بن محمد، عرف بابن حريز (٢). قاضي القضاة حسام الدين الشريف الحسني، ولد في العشر الأخير من رمضان سنة أربع وثمانمائة وتفقه بالزين عبادة والعماد المقري، وسمع على الولي

стр. 538

العراقي بعض الحديث ولازم المطالعة في كتب العلم والتفسير والحديث والتاريخ والأدب واستقر بعد موت القاضي ولي الدين السنباطي في تاسع عشر رجب سنة إحدى وستين وثمانمائة برأي القاضي جمال الدين ناظر الخاص، وقد قتل بسيف الشرع جماعة من المفسدين، واستقر بعده أخوه عمر المتقدم في المنصب وتوفي مستهل شعبان سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي. ٦٧٣ - محمد بن محمد بن محمد، عرف بابن أبي القاسم النويري (١). حفظ الفرقان وتهذيب البراذعي ومختصر الشيخ خليل وألفيتي الحديث والنحو وألفية والده في النحو والصرف والعروض والقافية المسماة بالمقدمات ومختصره في العروض الشاطبيتين ونخبة ابن حجر وأصلي ابن الحاجب وغيرها، وأخذ عن التقي الحصري والسنهوري وغيرهما، وقرأ على ابن أبي اليمن في فرعي ابن الحاجب وغيره، وما زال يترقى الخير بحيث صار يدرس. ولد سنة أربع وثمانمائة (٢) بالقاهرة، وتوفي ليلة الخميس تاسع رمضان سنة ثلاث وسبعين مطعونًا. صح من السخاوي في الضوء اللامع. ٦٧٤ - محمد بن أحمد بن عيسى المغيلي، شهر بالجلاب التلمساني (٣) الفقيه العالم العلامة أحد شيوخ الونشريسي والإمام السنوسي، كان السنوسي يقول عنه: إنه حافظ لمسائل الفقه، قال الملالي: ختم عليه السنوسي المدونة مرتين- اهـ. وله فتاوى في المازونية والمعيار ووصفه المازوني بصاحبنا الفقيه، قال الونشريسي في وفياته: شيخنا الفقيه المحصل الحافظ، توفي سنة خمس وسبعين وثمانمائة.

стр. 539

٦٧٥ - محمد البياني الأندلسي (١). قال القلصادي في رحلته: الشيخ الفقيه الوجيه الخطيب أبو عبد اللَّه قرأت عليه رسالة ابن أبي زيد وأواخر الألفية والنصف الأول من إيضاح الفارسي، وحضرت عليه كتبًا في الفقه والعربية وغيرهما، توفي آخر شوال عام ستة وسبعين وثمانمائة- اهـ. وتقدم لنا بياني آخر أقدم من هذا طبقة فاعلم. ٦٧٦ - محمد بن محمد بن يحيى بن جابر الغساني المكناسي (٢). قال ابن غازي: شيخنا الثبت الذكي الواعية أبو عبد اللَّه ابن الشيخ الأستاذ الحافظ، استفدت منه كثيرًا، ومن أغبط ما أخذت منه المصافحة المروية من طريق الخضر- اهـ. ٦٧٧ - محمد بن أبي القاسم محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد النميري الحميدي، شهر بالسراج . قال ابن غازي في فهرسته: كان له رواية عن أبيه وجده الشيخ الراوية المكثر الحافظ المسند الأكمل أبي زكرياء، أجاز جميع ما رواه من ذلك لي آخر ربيع الثاني عام ستة وسبعين وثمانمائة. ٦٧٨ - محمد بن أحمد بن محمد العمراني الفاسي الشريف الحسني (٣). الفقيه العالم المحصل. ٦٧٩ - محمد بن قاسم بن توزت التلمساني (٤). قال تلميذه الإمام السنوسي: كان شيخًا صالحًا عالمًا بالمنقول والمعقول والحساب والفرائض والأوقاف والخط والهندسة وبكل علم قال: وما رأيته قط

стр. 540

نظر في كتاب إلا مرّة واحدة، أشكلت عليه مسألة هندسية فنظر فيها كتبًا كثيرة أيامًا فلم عدها فقال هكذا أتعب نفسي بالمطالعة فتركها وتدبر المسألة بعقله حتَّى اتقنها قال: وكان شيخًا حسن الأخلاق سليم الصدر يقول لكل من جاءه للقراءة أقرأ في أي علم شئت، وليس له طعام مخصوص إنما يأكل من طعام مخلوط بطعام يعطى للسعاة من الديار، قال: وكنت أحضره مع شبان لهم فهم ثاقب في الفرائض فبنفس ما يشير عليهم بشيء فهموه وحصلوه، وأنا لا أفهم شيئًا فتخلفت عن مجلسه أيامًا ثم جئته ووجدته وحده فقال لي: تغيبت عنا فقلت يا سيدي أنا لا أعرف شيئًا ولا أفهم شيئًا فقال لي: إن أردت القراءة تأتيني وحدك بعد العشاء فكنت إذا صليت المغرب رفعت عشاء إلى الشيخ فيأكل منها حتَّى يكتفي فإذا صليت العشاء يقول لي اقرأ فقرأت عليه جملة من الفرائض والحساب (١) ولازمته كثيرًا، وكنت أقرأ عليه جلّ الليل، ولم أره يرقد إلا في بعض الليالي ينام وهو مستقبل- اهـ. ٦٨٠ - محمد بن الحسين بن محمد بن جماعة الأوربي النيجي، شهر بالصغير (٢). قال ابن غازي: شيخنا الأستاذ العالم الإمام العلامة الشهير الخطير الكبير، وحيد دهره وفريد عصره، ما رأت عيناي قط مثله خَلْقًا وخُلُقًا وإنصافًا وحرصًا على العلم ورغبة في نشره واجتهادًا في طلبه وإدمانًا على تلاوة القرآن، وحسنَ نغمةٍ وتواضعًا وخشية ومروءة وصبرًا واحتمالًا وحياءً وصدق لهجة وسخاء وإيثارًا، مع قيام ليل وتبحر في القراءة وأحكامها، وبلغ في علم النحو ما لم يصل إليه أشياخه ولا أترابه مع مشاركة في سائر العلوم الشرعية وحسن إدراك وقوة فهم وحب الخير للمسلمين، وربما حسد فدفع بالحسنة وصفح. لازمته كثيرًا، ختمت عليه بالسبع، وحدثني به عن شيخه أبي العباس أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن أبي موسى شهر بالفلالي وأبي الحسن الوهري

стр. 541

وشيخه محمد بن أبي سعيد السلوي والحافظ الحجة أبي محمد العبدوسي. وأخذت عنه كثيرًا من كتب القراءات والحديث دراية ورواية ولازمته سنن في التفسير، ينقل كلام ابن عطية والصفاقسي ويضيف إليه كلام الزمخشري والانتصاف والطيبي وغيرها، وفي الألفية بالمرادي مستوفى، مع أبحاث من كلام ابن أبي الربيع وأبي حيان وابن هانيء وأبي إسحاق الشاطبي وغيرهم، وأبعاضًا من كتاب سيبويه والإيضاح والتسهيل والمغني وشرح بانت سعاد لابن هشام والبداية للغزالي وغيرها، وأجازني الجميع. ومن عادته إطالة البحث عما أشكل عليه حتى يقف عليه، وعوّد لسانه "لا أدري" يكررها مرارًا في مجلس واحد وربما قالها فيما يدري، وربما حرّر مسألة أتمَّ تحريرٍ ثم يقول: إنما خرجتها فعليكم بمطالعتها في كذا وكذا (١)، وإذا تراخى من طلبته أحد أنشده: ما هكذا يا سعدُ تورد الابل (٢) أدرك شيخ الجماعة أبا مهدي بن علال وتلميذه أبا القاسم التازغدري والعكرمي وابن آملال وأبا راشد يعقوب الحلفاوي وأبا الحسن الأنفاسي والشيوخ المتقدمة وغيرهم، وكان ينشدر، مُحضًّا على الجد متمثلًا: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى يسير تقنع ومات يطلب العلم وقد ناف على ثمانين، وأنشدني عن العكرمي عن ابن عرفة لنفسه: صلاة وصوم ثم حج وعمرة ... عكوف طواف وائتمام تحتما وفي غيرها كالطهر والوقف خيّرن ... فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما وكان مولعًا بالمصراع الرابع من قوله: وقائلةٍ لِمْ عَرَتْكَ الهمومُ ... وأمرك ممتثلٌ في الأممْ

стр. 542

فقلتُ ذرينى على حالتي ... فإنَّ الهمومَ بقدوِ الهِمَمْ ولما وصل في إقرائه شرح البردة لقطب المغرب الإمام الأكبر ابن مرزوق إلى إنشاده: أعاذلتى على إتعاب نَفْسي ... وَرَعْيي في الدُّجى روض السُّهادِ إذا شامَ الفتى برقَ المعالي ... فأهونُ فائتٍ طيبُ الرُّقاد طرب وجريا على لسانه كثيرًا. ذكر لي أن مولده ببلاد نيجة بطن أوربة عام ثلاثة وثمانمائة، وتوفي بفاس ليلة الجمعة سادس شعبان عام سبعة وثمانين ودفن قريبًا من قبر الولي أبي زيد الهرميزي، رحمه اللَّه تعالى. ٦٨١ - محمد بن محمد بن علي الزواوي البجائي، شهر بالفراوصني (١). الشيخ الصوفي الصالح، ذكر في تأليفه في شرح حديث "أكثروا ذكر اللَّه حتى يقولوا مجنون" (٢) أخذ العلم عن جماعة كالفقيه أبي زيد عبد الرحمن بن أحمد اليحمدي الزواوي، والفقيه الصالح أبي العباس أحمد بن موسى بن عزيز الزواوي والقاضي أبي القاسم بن سراج الغرناطي وشيخ الإسلام الفقيه الصدوق محمد بن مرزوق، وأظروفة زمانه الفقيه أبي الفضل ابن الإمام والفقيه الصالح الحاج أبي زيد عبد اللَّه القسنطيني عرف بالباز، والولي الأكرم أبي العباس أحمد الماكري. وأخذ علم الباطن عن الشيخ الإمام الولي خطيب جامع بجاية أبي العباس أحمد ابن إبراهيم الزواوي والولي الصالح الخطيب بها أبي عبد اللَّه بن يحيى اليجري وقطب العارفين وتاج الأولياء أبي عثمان سعيد الصفراوي التونسي، قال: قرأت عليه كتبًا في هذا الشأن والزم النسبة إليه دنيا وآخرة قائلًا: وعزة اللَّه لا أفارقك حتى للجنة، بعد قسمي عليه أن لا يفارقني بهمته

стр. 543

حيًا وميتًا حتى للجنة، والإمام المحدث الولي الكبير شرف الدين أبي الفتح المراغي المدقي- اهـ. قال الشيخ زروق في كناشته: لقيت بمكة الشيخ الفراوصني الزواوي، ولم آخذ عنه لأمر عرض له في سنة خمس وسبعين وثمانمائة، جاورت معه بالمدينة ثلاثة أشهر وتكلمت معه مرارًا- اهـ. وقال في غير الكناشة: وشرح الحكم الشيخ الفراوصني فما قام ولا قعد ولا وصل ولا كمل، وكان يدَّعي مرائيَ خارجة عن الإضمار في جنب النبي ﷺ فامتحن لذلك ومات مرفوضًا والعياذ باللَّه سنة اثنين وثمانين وثمانمائة- اهـ. قلت: وقد وقفت على مرائيه في جزء بمراكش وفيها أزيد من مائتي رؤيا فيها عجائب وغرائب مما خاطبه به النبي ﷺ واللَّه أعلم. ٦٨٢ - محمد بن زغران التونسي الشيخ أبو المواهب (١). قال الشيخ زروق: رحل لمصر وتوطنها وأخذ عن بيت الوفائية وبشر به بعضهم قبل قدومه، وكان حسن الأخلاق متجملًا جدًا ذا لسان عظيم في كلام القوم، يرى أن ليس في المغاربة من يفهم الطريقة، وشرح حكم ابن عطاء اللَّه ونحا في شرحه نحو شقائق الفلاسفة ودقائقهم، فاللَّه أعلم بمراده، ولم يكمل، توفي سنة اثنين وثمانن وثمانمائة. ٦٨٣ - محمد بن محمد بن عيسى بن علال المصمودي (٢). الفقيه القاضي بفاس، يكنى أبا عبد اللَّه، قال الشيخ زروق: كان فقيهًا قاضيًا عدلًا نيرًا صالحًا حفيد السلف الصالح عيسى بن علال، وكان ثقة مأمونًا عدلًا جميلًا متجملًا تقيًا قائمًا بما تجب لحظته محصلًا أكثر مسائل البيان، قرأ المدونة على الأنفاسي وكان صلبًا في دين اللَّه تعالى ولا يخاف لومة لائم، توفي قرب سنة

стр. 544

أربع وثمانين وثمانمائة- اهـ. وقال الونشريسي في وفياته: وفي سنة خمس وثمانين وثمانمائة توفي قاضي الجماعة بفاس أبو عبد اللَّه بن علال، وزاد صاحبنا المؤرخ محمد ابن يعقوب الأديب: ليلة الخميس ثالث عشر رمضان ودفن خارج باب الفتوح- اهـ. ٦٨٤ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد مكررًا أربع مرات ابن منظور الأندلسي الغرناطي قاضي الجماعة بها، يكنى أبا عمرو (١). الإمام العالم العلامة الفقيه الجليل القاضي الجليل ابن أبي بكر أبي العرب، كان قاضيًا بغرناطة، سنة أربع وستين، وصفه أحمد بن داود بالإمام الكبير، فارس البراعة، أخذ عن أبيه القاضي أبي بكر وعن العالم القاضي ابن سراج وغيرهما، ونقل عنه عصريُّه الإمام المواق في سنن المهتدين وشرح (٢) خليل له في باب الميراث. وله فتاوى مذكور بعضها في المعيار، وكان حيًا سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وفي تلك الحدود مات عن سن عالية وأخذ عنه الخطيب الصالح أبو القاسم بن أبي طاهر الفهري الأندلسي أحد شيوخ أحمد بن داود، وأجاز الحافظ التنسي. ولنا أبو عمرو بن منظور شخص آخر اسمه عثمان من أهل المائة الثامنة (٣)، له تآليف وفتاوى عدة ذكر جملة منها في المعيار سأله عن بعضها شيخ الشيوخ ابن لب، وهو الذي عرفه به في الإحاطة والديباج فاعلمه. ٦٨٥ - محمد بن عمر بن محمد بن عبد اللَّه القلشاني التونسي (٤). قاضي الجماعة بها، أخذ عن أبيه القاضي عمر وعمه أبي العباس وأبي القاسم البرزلي وولى قضاء الجماعة بتونس في شعبان سنة تسع وخمسين وثمانمائة بعد صرف عمه أبي العباس فقام سبعة عشر سنة ثم جاء للقاهرة وراج أمره فيها، ثم عاد إلى

стр. 545

بلده لطلب قضاء الجماعة فلم يتيسر له إلا منصب القضاء بجامع الزيتونة، ولى الخطابة الخطابة بجامع الموحدين ثم صرف. توفي، فيما بلغنا، سابع عشر جمادى الثانية، سنة تسعين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي. قلت: له فتاوى منقولة في المازونية والمعيار. ٦٨٦ - محمد بن محمد بن موسى الطنجي الفاسي أبو الفرج (١). قال ابن غازي: الشيخ الأستاذ الحقق الصالح الورع، أخذ عن أبي مهدي عيسى المغراوي وعبد اللَّه العبدوسي والأستاذ أبي عمران موسى بن عبد المؤمن وشيخنا أبي عبد اللَّه النيجي والفقيه القوري والفقيه أبي سعيد ابن أبي محمد السلوي وعن والده الفقيه أبي عبد اللَّه- اهـ. وذكر الونشريسي في وفياته ما نصه: وفي سنة تسع وثمانين وثمانمائة توفى الشيخ الورع الخطيب الصالح أبو الفرج الطنجي- اهـ. ووقع في فهرسة الشيخ المنجور أنَّه توفي سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، واللَّه أعلم. ٦٨٧ - محمد بن أحمد بن موسى السخاوي المدني، قاضيها نحو خمسين سنة، شمس الدين (٢). قال السيوطي: له نظم كثير، سمعت منه- اهـ. وتوفي بعد الثمانين واللَّه أعلم، وسيأتي ولده خير الدين. ٦٨٨ - محمد بن أحمد بن إبراهيم التريكي التونسي (٣). أخذ الفقه عن جماعة منهم البزلي وأبو القاسم القسنطيني، وكان يحذف

стр. 546

الواو والهمزة من الكنية خروجا عن الخلاف، وعن عمر القلشاني ومحمد بن عقاب قاضي تونس، وقدم القاهرة وحج ورجع فأقام بالقاهرة وتردد لابن حجر وأخذ عنه واغتبط كل منهما بالآخر. شرح جمل الخونجي في سفرين سماه إكمال الأمل بشرح الجمل جمع فيه شرح ابن واصل والشريف التلمساني وسعيد العقباني ومحمد بن مرزوق، وشرح الشمسية وشرح ابن الحاجب، وكاد يلي قضاء مصر، وكانت له وجاهة مع رسوخ في الفقه واستحضار كثير، له ولغيره وكثير من العلوم وحافظة جيدة حتى كان ابن الهمام يقول: إنه معجون فقه وأدب كثير ومحاضرة حسنة وكذا كلامه وإشكالاته. توفي آخر سنة أربع وتسعين وثمانمائة- اهـ. من الضوء اللامع للحافظ السخاوي، ﵀. ٦٨٩ - محمد بن قاسم أبو عبد اللَّه الأنصاري التونسي، شهر بالرصاع (١). قاضي الجماعة بها الفقيه العالم العلامة الصالح المفتي، أخذ عن جماعة من أصحاب ابن عرفة وغيرهم كالبرزلي وأبي القاسم العبدوسي والإمام ابن عقاب والمحقق عمر القلشاني والفتى عبد اللَّه البحيري وغيرهم. وألف تآليف كتذكرة المحبين في أسماء سيد المرسلين ﷺ كتاب حسن في نوعه في الصلاة على النبي ﷺ وشرح حدود ابن عرفة في الفقه وتأليف في الكلام على الآيات الواقعة في شواهد المغني لابن هشام في سفرين وجزء في إعراب كلمة الشهادة وشرح البخاري والتشديد نسبة لأحد آبائه. أخذ عن الأخوين أحمد وعمر القلشانيين وابن عقاب والبرزلي، ولى قضاء المحلة ثم الأنكحة ثم الجماعة ثم صرف نفسه في كائنة المريني واقتصر على إمامة جامع الزيتونة وخطابتها متصدرًا للإفتاء وإقرار الفقه وأصول الدين والعربية والمنطق وغيرها، جمع شرحًا في الأسماء النبوية وآخر في الصلاة عليه ﷺ وأفرد

стр. 547

الشواهد القرآنية من المغني ورتبها على السور وتكلم عليها، وشرح حدود ابن عرفة، وبلغني أنه شرع في تفسير واختصر شرح البخاري لابن حجر، وعندي أنه انتقاء الاختصار. بلغنا أنه مات في سنة أربع وتسعين وثمانمائة، صح من الضوء اللامع. ٦٩٠ - محمد بن علي بن محمد الأصبحي (١). الأندلسي الغرناطي قاضي الجماعة بها، الإمام العلامة يعرف بابن الأزرق، قال السخاوي: لازم الأستاذ إبراهيم بن أحمد بن فتوح مفتي غرناطة في النحو والأصلين والمنطق بحيث كان جل انتفاعه به، وحضر مجلس أبي عبد اللَّه السرقسطي العالم الزاهد مفتيها أيضًا في الفقه ومجالس الخطيب أبي الفرج عبد اللَّه بن أحمد البقني والشهاب قاضي الجماعة أحمد بن أبي يحيى ابن الشريف التلمساني- اهـ. قلت: ومن شيوخه القاضي أبو إسحاق إبراهيم البدري، وله تآليف منها: بدائع السلك في السياسة السلطانية كتاب حسن مفيد في موضوعه، لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه وغيره مع زوائد كثيرة لا يستغنى عنه بوجه، ومنها روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم اللسان مجلد ضخم فيه فوائد، وشرح مختصر خليل مع مقدمة حافلة في أوله ولا أدري هل كمله أم لا؟ نقل عنه في المعيار، وكان حيًا في حدود التسعين وثمانمائة، ارتحل لتلمسان لما استولى العدو على بلده ثم للشرق، ولم أقف على وفاته. ٦٩١ - محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري، شهر بالمواق (٢). الأندلسي الغرناطي عالمها وصالحها وشيخها ومفتيها الإمام العلامة الصالح الحافظ المحقق القدوة الحجة، مفتي الحضرة وخطيبها وآخر الأئمة بها، أخذ عن جماعة من الشيوخ كأبي القاسم بن سراج والأستاذ المنتوري والشيخ محمد بن

стр. 548

يوسف الصناع وغيرهم، وأخذ عنه جماعة كالشيخ أحمد الدقون وأبي الحسن الزقاق وأحمد بن داود وغيرهم. والموّاق بفتح الميم وشد الواو وآخره قاف، قال الشريف محمد بن علي الحسنِ في شرح الشفا في وصفه: الإمام العالم العامل العلامة الخطيب، كان حافظًا للمذاهب ضابطًا لفروعها مضطلعًا عليها من خباياها- اهـ. توفي، كما رأيته بخط الأندلسيين، في شعبان سنة سبع وتسعين وثمانمائة عن سن عالية، وأخبرني صاحبنا أبو عبد اللَّه القصار مفتي فاس اليوم أنه لما استولى النصاري على غرناطة، دمرهم اللَّه، وجدوه بها وهو حي فسألوا عمن هو المقدم بها في العلم فأشير بالمواق فأمروا بإحضاره عندهم فامتنع فكلمه الناس فحضر عند وزير الطاغية فبسط الوزير له يده فقبلها المواق، ﵀، فلما خرج من عنده أنكره الناس عليه، فلم تلبث يد الوزير الكافر المقبلة أن تورمت وتوجع منها فأمر برد المواق إليه وطلب منه الدعاء- اهـ. قلت: ودخول النصارى غرناطة في أوائل سنة سبع وتسعين وثمانمائة. وله تآليف منها شرحاه على مختصر خليل الكبير، سماه التاج والاكليل والمختصر من مسودة وهما متقاربان في الجرم يزيد كل على الآخر في بعض المواضع، نحا طريقًا انفرد به وهو الاقتصار على عزو مسائل الأصل ونقل فقهه من أصول المذهب بما يوافقه أو يخالفه من غير تعرض لألفاظه البتة بحيث إن لم يقف على نص مسألة خليل بيض لتلك القولة، وهما في غاية الجودة في تحرير النقول مع الاختصار البالغ، وقد تتبعت أنا حاشية الشيخ ابن غازي فوجدته يعتمد فيها على المواق ويتكلم فيها أحيانًا على المواضع التي بيض لها المواق، وعلى المواضع التي أشار المواق لاستشكالها، وربما ذكر بعض إصلاحاته وعزاه لبعضهم واللَّه أعلم. ومنها كتاب سنن المهتدين في مقامات الدين نحا فيها منحى الأستاذ ابن لب في طلب التأويل لكثير من المحدثات وتكلم فيها على آية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ في تسع مقامات ترقيًا وتدليًا بكلام حسن أبان فيه عن معرفته بالفنون أصولًا وفروعًا وتصوفًا وغيرها، وفيه مسائل وفوائد وأرسله لمفتي تونس

стр. 549

الشيخ الرصاع فأثنى عليه كثيرًا قائلًا: لا طالعته رأيت كلامًا حسنًا ونكتًا ومعاني أصولية ومسائل فقهية، فسلمت أن الرجل من أهل العلم والفهم والتخلق بطريق السلف الصالح فكتبت له بما ظهر لي- اهـ. وقد أطنب فيما كتب له من الثناء عليه بما في جلبه طول. ٦٩٢ - محمد الجعدالة الأندلسي المالقي . من شيوخ أحمد بن داود من الفقهاء الجلة وعلماء اللَّه، له فتاوى منقول بعضها في العيار، نقل عنه سيدي محمد الحطاب في شرح المختصر في باب إحياء الموت، وكان حيًا سنة ثمانين وثمانمائة. ٦٩٣ - محمد الفخار الغرناطي . من علمائها وكذا الترانبي الغرناطي معدود من علمائها وكذا. ٦٩٤ - محمد الذَّبيح . الغرناطي أحد فقهائها، وكلهم أحياء في التاريخ المتقدم آنفًا وكذا. ٦٩٥ - محمد بن سيد بونة . الغرناطي أحد علمائها، حي في التاريخ المتقدم، نقل عنهم في المعيار، ولم أقف على تراجمهم. ٦٩٦ - محمد بن يوسف بن عمر شعيب السنوسي (١). وبه اشتهر نسبة لقبيلة بالمغرب الحسني، نسبة للحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أم أبيه، قاله تلميذه الملالي في تأليفه التلمساني، عالمها وصالحها وزاهدها وكبير علمائها الشيخ العلامة المتفنن الصالح الزاهد العابد الأستاذ المحقق المقرئ الخاشع أبو يعقوب يوسف.

стр. 550

نشأ خيرًا مباركًا فاضلًا صالحًا، أخذ، كما قال تلميذه الملالي، عن جماعة منهم والده المذكور والشيخ العلامة نصر الزواوي والعلامة محمد بن توزت والسيد الشريف أبو الحجاج يوسف بن أبي العباس بن محمد الشريف الحسني أخذ عنه القراءات، وعن العالم المعدل أبي عبد اللَّه الحباب علم الاسطرلاب وعن الإمام محمد بن العباس الأصول والمنطق، وعن الفقيه الجلاب الفقه وعن الولي الكبير الصالح الحسن أبركان الراشدي حضر عنده كثيرًا وانتفع به وببركته، وكان يحبه ويؤثره ويدعو له، فحقق اللَّه فيه فراسته ودعوته، وعن الفقيه الحافظ أبي الحسن التالوتي أخيه لأمه الرسالة، وعن الإمام الورع الصالح أبي القاسم الكنابشي إرشاد أبي المعالي، والتوحيد عن الإمام الحجة الورع الصالح أبي زيد الثعالبي الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، وأجازه ما يجوز له، وعنه وعن الإمام العالم العلامة الولي الزاهد الناصح إبراهيم التازي ألبسه الخرقة وحدثه بها عن شيوخه وبصق في فمه، وروى عنه أشياء كثيرة من المسلسلات وغيرها، وعن العالم الأجل الصالح أبي الحسن القلصادي الأندلسي الفرائض والحساب وأجازه جميع ما يرويه وغيرهم، وكان آية في علمه وهديه وصلاحه وسيرته وزهده وورعه وتوقيه. جمع تلميذه الملالي في أحواله وسيره وفوائده تأليفًا كبيرًا في نحو ستة عشر كراسًا من القالب الكبير، واختصرته في جزء نحو ثلاثة كراريس فلنذكر هنا طرفًا من ذلك، قال: له في العلوم الظاهر أوفر نصيب جمع من فروعها وأصولها السهم والتعصيب، لا يتحدث في فن إلا ظن سامعه أنه لا يحسن غيره سيما التوحيد والعقول، شارك غيره فيها وانفرد بعلوم الباطن بل زاد على الفقهاء، مع معرفة حل المشكلات سيما التوحيد، لا يقرأ علم الظاهر إلا خرج منه لعلوم الآخرة سيما التفسير والحديث لكثرة مراقبته للَّه تعالى، كأنه يشاهد الآخرة، سمعته يقول: ليس علم من علوم الظاهر يورث معرفته تعالى ومراقبته إلا التوحيد، وبه يفتح في فهم العلوم كلها، وعلى قدر معرفته يزداد خوفه، تعالى- اهـ. وانفرد بمعرفته إلى الغاية، وعقائده كافية فيه خصوصًا الصغرى لا

стр. 551

يعادلها شيء من العقائد كما أشار إليه وسمعته يقول: العالم حقًّا من يستشكل الواضح ويوضح المشكل لسعة فهمه وعلمه وتحقيقه، فهو الذي يحضر مجلسه ويستمع فوائده- اهـ. وبموته فقد من يتصف بها وإن كان العلماء الحافظون موجودين، لكن المراد العلم النافع المتصف صاحبه بالخشية فهو في علوم الباطن قطب رحاها وشمس ضحاها وقد غاب بكلامه فيها في غيب اللَّه تعالى واطلع على معادن أسراره وطالع أنواره فيؤثر حب مولاه ويراقبه لا يأنس بأحد بل يفر كثيرًا إلى الخلوات يطيل الفكرة في معرفته فانكشفت له عجائب الأسرار وتجلت له الأبصار فصار من وارثي الأنبياء جامعًا بين الحقيقة والشريعة على أكمل وجه، له لطائف الأحوال وصحائح الأقوال والأفعال. باطنه حقائق التوحيد وظاهره زهد وتجريد وكلامه هداية لكل مريد، كثير الخوف طويل الحزن يسمع لصدره أنين من شدة خوفه مستغرقًا في الذكر فلا يشعر بمن معه، مع تواضع وحسن خلق ورقة قلب رحيمًا متبسمًا في وجه من لقيه مع إقبال وحسن كلام، يتزاحم الأطفال على تقبيل أطرافه لينًا هينًا حتى في مشيه ما ترى أحسن خلقًا ولا أوسع صدرًا وأكرم نفسًا وأعطف قلبًا وأحفظ عهدًا منه يوقر الكبير ويقف مع الصغير ويتواضع للضعفاء معظمًا جانب النبوة غاية لا يعارضه أحد إلا أفحمه جمع له العلم والعمل والولاية إلى النهاية، مع شفقته على الخلق وقضاء حوائجهم عند السلطان والصبر على إذايتهم، وضع له من القبول والهيبة والإجلال في القلوب ما لم ينله غيره من علماء عصره وزهاده. ارتحل الناس إليه وتبركوا به، وسمعته آخر عمره يقول: من الغرائب في زماننا هذا أن يوجد عالم جمع له علم الظاهر والباطن على أكمل وجه بحيث ينتفع به في العلمين فوجود مثله في غاية الندور فمن وجده فقد وجد كنزًا عظيمًا دنيا وأخرى، فليشد عليه يده لئلا يضيع عن قرب فلا يجد مثله شرقًا وغربًا أبدًا- اهـ.

стр. 552

وكأنه أشار به لنفسه فلم يلبث بعده حتى خطف فكأنه كاشفنا بذلك ولا شك أنه لا يوجد مثله أبدًا، وأما زهده وإعراضه عن الدنيا فمعلوم ضرورة عند الكافة، بعث إليه السلطان في أخذ شيء من غلات مدرسة الحسن أبركان فامتنع فألحوا عليه فكتب في الاعتذار كتابة مطولة فقبل منه، وسمعته يقول: الولي الحقيقي من لو كشف له عن الجنة وحورها ما التفت إليها ولا ركن لغيره تعالى، فهذه حقيقة العارف- اهـ. فهذا حاله، وأما وعظه فكان يقرع الأسماع وتقشعر منه الجلود، كل من حضر يقول معي يتكلم وإياي يعني جله في الخوف والمراقبة وأحوال الآخرة، لا تخلو مجالسه منه مع حلاوة له لا، توجد في كلام غيره، يعظ كل أحد بحسب حاله ما رأيته قط إلا وشفتاه متحركتان بالذكر وربما يكلمه إنسان وأسمعه يذكر اللَّه تعالى وتسمع لقلبه أنينًا من شدة خوفه ومراقبته على الدوام، سمعته يقول: حقيقة العبودية امتثال الأمر واجتناب النهي مع كمال الذلة والخضوع- اهـ. كان أورع زمانه، يبغض الاجتماع بأهل الدنيا والنظر إليهم وقربهم، خرجنا معه يومًا صحراء فرأى على بعد ناسًا راكبين على خيول مع ثياب فاخرة، فقال: من هؤلاء؟ قلنا: خواص السلطان، فتعوذ باللَّه ورجع لطريق آخر ولقيهم مرة أخرى وما تمكن من الرجوع فجعل وجهه للحائط وغطاه حتى جازوا ولم يروه، ولما وصل في تفسيره سورة الإخلاص وعزم على قراءتها يومًا والمعوذتين يومًا سمع به الوزير وأراد حضور الختم فبلغه ذلك فقرأ السور الثلاثة يومًا واحدًا خيفة حضوره عنده. وطلبه السلطان أن يطلع إليه ويقرأ التفسير بحضرته، على عادة المفسرين، فامتنع فألحوا عليه فكتب إليه معتذرًا بغلبة الحياء له ولا يقدر على التكلم هناك فأيسوا منه، وإذا سمع بوليمة أحد من أبناء الدنيا يخلف يومه عن الحضور خيفة أن يدعى فلا يظهر بالكلية حتى تمر أيام الوليمة، وربما تخلف قبله أيامًا ولا يقبل عطية السلطان ومن لاذ به وربما تأتي داره وهو غائب

стр. 553

فإذا وجدها أنكر على أهل داره وتغير كثيرًا، ويقبل عطية غيرهم ويدعو لهم. وكان رفيع الهمة عن أهل الدنيا يتطارحون عليه فيعرض عنهم، أتى إليه ابن الخليفة يومًا ومعه عين فقبل يديه ورجليه وطلب منه قبوله، فتبسم في وجهه ودعا له وأبى، فلما أيس منه قال له تصدق بها يا سيدي على من شئت من الفقراء فامتنع منها مع ما جبل عليه من الحياء حتى لا يقدر أن يخالف الناس في أعراضهم أو يقابلهم بسوء. وكان يكره الكتب للأمراء فإذا طلب بذلك كتب لهم حياء، وعاتبه أخوه علي التالوتي قائلًا يومًا: لأي شيء تكثر الكتب للسلطان وغيره فقال: كلفت به فقال: لا توافق عليه وقل لا أكتب فقال: واللَّه يا أخي يغلب عليّ الحياء ولا أقدر على المنع قال: لا تستحيي من أحد فقال له: إذا دخل النار أحد بالحياء فأنا أدخلها، وبالجملة فرفع همته عن الخلق معلوم عند الكافة، لا يأنس بأحد ولا يتسبب في معرفة ويود أن لا يراه أحد، وقال لي يومًا: واللَّه يا ولدي لو صبت ما نرى أحدًا ولا يراني أحد بل أشتغل وحدي وما يأتيني من قبل الناس إن قصدوا به نفعي سلمت لهم فيه، لا حاجة لي بأحد ولا بما له- اهـ. وكان مع ذلك حليمًا كثير الصبر، ربما يسمع ما يكره فيتعامى عنه ولا يؤثر فيه بل يتبسم، وهذا شأنه في كل ما يغضبه ولا يلقي له بالًا، ولا يحقد على أحد ولا يعبس في وجهه، يفاتح من تكلم في عرضة بكلام طيب وإعظام حتى يعتقد أنه صديقه وقع له ممن يدعي أنه أعلم أهل الأرض ينقصه فما بالى به، ولا ألّف بعض عقائده أنكر عليه كثير من علماء أهل وقته وتكلموا بما لا يليق فتغير لذلك كثيرًا وحزن أيامًا ثم رأى في منامه عمر بن الخطاب واقفًا على رأسه بيده سيف أو عصا فهزها على رأسه وهدده بها وكأنه قال: ما هذا الخوف من الناس فأصبح قد زال حزنه واشتد قلبه على المنكرين فخرست حينئذ ألسنتهم فحلم عنهم وسمح فأقروا بفضله. وبلغ من شفقته أنه مر به ذئب يجري معه الصياد والكلاب فحبسوه

стр. 554

وذبح فوصل إليه ملقى على الأرض فبكى وقال: لا إله إلا اللَّه أين الروح التي يجري بها؟!. وسمعته يقول: ينبغي للإنسان أن يمشي برفق وينظر أمامه لئلا يقتل دابة في الأرض وإذا رأى من يضرب دابة ضربًا عنيفًا تغير وقال لضاربها، ارفق يا مبارك، وينهي المؤدبين عن ضرب الصبيان، وسمعته يقول: للَّه تعالى مائة رحمة لا مطمع فيها إلا لمن اتسم برحمة جميع الخلق وأشفق عليهم، وما رأيته قط دعا على أحد إلا مرة رأى في مسكن منكرًا لا يقدر على صبره فغضب ودعا عليه بالجلاء فنفذ في أقرب مدة. وأتاه في مرضه بعض من يذمه من علماء عصره فطلب منه أن يسمح له، فغفر له ودعا له، ولما مات بكى عليه هذا العالم شديدًا وتألم ومتى ذكره بكى ويقول: فقدت الدنيا بفقده، وسمعته يثني كثيرًا على رجلين من علماء عصره ممن يذمونه ويسيئون إليه، وكان يصلح بين الخصام ويقضي الحوائج، ذكر أنه كتب يومًا ثلاثين كتابًا بلا فترة، قال: كلفني بها إنسان لم أقدر على ردها قال: ولو كان إنسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بعدة أسفار وهذه مصائب ابتلينا بها. ومن صبره كثرة وقوفه مع الخلق ولا يفارق الرجل حتى ينصرف وهذا كله مع إدامة الطاعات وسواء الطريقة وشدة التحرز والإسراع بوفاء حقوق العباد قبل استحقاقها، إذا أعار كتابًا رده في أقرب مدة قبل طلب صاحبه وربما كان سفرًا ضخمًا لا يمكن مطالعته إلا في ثلاثة أيام فيطالعه يومًا واحدًا ويرده. وكان يأمر أهله بالصدقة سيما وقت الجوع ويقول: من أحب الجنة فليكثر الصدقة خصوصًا في الغلاء، كثير التصدق بيده ويكثر الخروج للخلوات ومواضع الخرب الباقية آثارها للاعتبار، وإذا رأى ما كان منها متقنًا ذكر حديث رحم اللَّه عبدًا صنع شيئًا فأتقنه ويقول: أين سكانها وكيف يتنعمون؟

стр. 555

وسمعته يقول: كم من ضاحك مع الناس وقلبه يبكي خوف ربه، فهذا شأن العارفين. سأله بعض أصحابه ممن يبحث عن أحواله لأي شيء يتلون وجهك ويتغير كثيرًا مع الانقباض؟ فأجابه بعد تمنع بشرط أن لا يخبر به أحدًا فقال: نعم، فقال الشيخ: أطلعني اللَّه تعالى على رؤية جهنم وما فيها، نعوذ باللَّه منها، فمن حينئذ صرت أتغير وأحزن إلى الآن فهذا سبب تغيري. وقال شيخنا بلقاسم الزواوي، حفظه اللَّه، من أكابر أصحابه: سمعته يقول: ضاقت على العوالم كلها من العرش إلى الفرش ولم أر منها ما يسرني فلم أمل لشيء منها بالكلية- اهـ. وحاله في الدنيا كالمسجون لشدة خوفه ومراقبته كل لحظة وكثرة تفكره، كان يصوم يومًا بيوم. صوم داود ﵇، ويفطر على يسير طعام ولا يطلب يوم فطره ما يأكله وربما بقي ثلاثة أيام أو أزيد لا يأكل ولا يشرب إن أتي بطعام أكل وإلا بقي كذلك، وربما سألوه بعد مضي جل النهار أمفطر هو؟ فيقول: لا مفطر ولا صائم فيقال له لم لا تعلمنا بفطرك فتبسم. وربما مازح بعض أصحابه فلا ترى أحسن منه حينئذ لا يرفع صوته بل يعتدل فيه ويصافح الناس ولا يمنع من قبل يده، وليس له لباس مخصوص يعرف به بل معتاد الناس اليوم، ويكره الكلام بعد صلاة الصبح والعصر ويتراخى في تكبيرة الإحرام بعد الإقامة ولا يكبر إلا بعد حين. وأخبرتني زوجته أنه في بدء أمره إذا قام من الليل نظر السماء ويقول: يا سعيد كيف تنام وأنت تخاف الوعيد؟! ثم التزم صوم عام إن رجع إلى النوم متى استيقظ منه فمن حينئذ لا يرجع إليه إذا استبقظ حتى مات، ينام أول البيل ويحييه كله للفجر حتى أثر في وجهه- اهـ. وكان لكثرة انقباضه لا ينبسط مع أحد ويشق عليه الخروج للمسجد للإقراء والصلاة، لا يخرج في بعض الأيام إلا حياء ممن ينتظره، ولما أحس بمرض موته انقطع عن المسجد ولازم فراشه حتى مات، ومرض عشرة أيام ولما

стр. 556

احتضر لقنه ابن أخيه مرة بعد مرة فالتفت إليه وقال له: هل ثم غيرها، وقالت له ابنته: تمشي وتتركني فقال لها: الجنة مجمعنا عن قرب إن شاء اللَّه تعالى، وكان يقول عند موته: نسأله سبحانه أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بالشهادة عالمين بها. وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأخيرة عام خمسة وتسعين وثمانمائة وشم الناس المسك بنفس موته، ﵀. مولده بعد الثلاثين وثمانمائة، ومن عاداته أنه إذا صلى الصبح في مسجده وفرغ من ورده أقرأ العلم إلى وقت الفطور المعتاد ثم خرج ووقف مع الناس ساعة بباب داره ثم دخل وصلى الضحى قدر قراءة عشرة أحزاب، ثم اشتغل بالمطالعة في وقت طول النهار وإلا ربما زالت الشمس وهو في الضحى وخرج بعد الزوال للخلوات فلا يرجع إلا للغروب أو يبقى في بيته فيتوضأ ويصلي أربع ركعات ثم خرج لمسجده وصلى بالناس الظهر وتنفل أربعًا ويقرئ ثم يتنفل وقت العصر أربعًا ويصلي العصر ويقرأ أو يخرج لداره واشتغل بالورد إلى الغروب ثم خرج للمغرب وتنفل بست ركعات ويبقى هناك حتى يصلي العشاء ويقرأ ما تيسر ورجع لداره ونام ساعة، ثم اشتغل بالنظر أو النسخ ساعة وتوضأ، ويصلي باقيًا فيها، أو في ذكر لطلوع الفجر، هذا أكثر حاله. وأخبرني قبل موته بنحو عامن أن سنه خمس وخمسون سنة- اهـ من الجزء الذي لخصته من تأليف الملالي. قلت: ورأيت مقيدًا عن بعض العلماء أنه سأل الملالي المذكور عن سن الشيخ فقال له: مات عن ثلاث وستين سنة، واللَّه أعلم، ورأيت مقيدًا في موضع آخر من كراماته أن رجلًا اشترى لحمًا من السوق فسمع الإقامة في المسجد فدخل واللحم في قبه فخاف من طرحه فوات ركعة فكبر كذلك، فلما سلم ذهب لداره فطبخ اللحم فبقي إلى العشاء فأرادوا طرحه فإذا هو بدمه لم يتغير فقالوا: لعله لحم شارف فباتوا يوقدون عليه إلى الصبح فلم يتغير عن حاله حين وضعوه فتذكر الرجل، فذهب إلى الشيخ فأعلمه فقال له: يا بني

стр. 557

أرجو اللَّه أن كل من صلى ورائي أن لا تعدو عليه النار، ولعل هذا اللحم من ذلك، ولكن اكتم ذلك- اهـ. وسمعت أيضًا أنه كان في صغره إذا مر مع الصبيان على الإمام ابن مرزوق الحفيد وضع يده على رأسه ويقول: نقرة خالصة. وأما تآليفه فقال الملالي: منها شرحه الكبير على الحوفية المسمى المقرب المستوفى كبير الجرم كثير العلم ألفه وهو ابن تسعة عشر عامًا، ولما وقف عليه شيخه الحسن أبركان تعجب منه وأمر بإخفائه حتى يكمل سنه أربعين سنة لئلا يصاب بالعين ويقول له: لا نظير له فيما أعلم ودعا لمؤلفه، وعقيدته الكبرى سماها عقيدة التوحيد في كراريس من القالب الرباعي أول ما صنفه في الفن ثم شرحها ثم الوسطى وشرحها في ثلاثة عشر كراسًا ثم الصغرى وشرحها في ست وهي من أجل العقائد لا تعادلها عقيدة، كما أشار إليه هو. حدثني بعضهم أنه مات قريبه وكان صالحًا فرآه في النوم فسأله عن حاله فقال: دخلت الجنة فرأيت إبراهيم الحليل، ﵇، يقرئ صبيانًا عقيدة السنوسي يدرسونها في الألواح يجهرون بقراءتها- اهـ. قال الشيخ: لا شك أن لا نظير لها فيما علمت تكفي من اقتصر عليها عن سائر العقائد، وقد نظم سيدي محمد بن يحبش التازي في مدحها أبياتًا، وعقيدته المختصرة أصغر من الصغرى وشرحها أربع كراريس، وفيه فوائد ونكت، والمقدمات المبينة لعقيدته الصغرى قريبة منها جرمًا وشرحها خمس كراريس وشرح الأسماء الحسنى في كراريس، وشرحه الكبير على الجزيرية فيه نكت نفيسة، ومختصر الأبي على مسلم في سفرين فيه نكت حسنة، وشرح ايسا غوجي في المنطق تأليف البرهان البقاعي كثير العلم، ومختصره العجيب فيه زوائد على الخونجي وشرحه الحسن جدًّا، وشرح قصيدة الحباك في الأسطرلاب شرح جليل وشرح أبيات الإمام الاليري في التصوف وشرح الأبيات التي أولها تطهر بماء الغيب وشرحه العجيب على البخاري وصل فيه التي باب "من استبرأ لدينه" وشرح مشكلات البخاري في كراسين ومختصر الزركشي على البخاري.

стр. 558

قلت: وقد وقفت على جميع هذه الكتب، ثم قال الملالي: ومنها عقيدة أحْرى فيها دلائل قطعهية على من أثبت تأثير الأسباب العادية كتبها لبعض الصالحين، ومختصر حاشية التفتازاني على الكشاف، وشرح مقدمة الجبر والمقابلة لابن الياسمين، وشرح جمل الخونجي في المنطق وشرح مختصر ابن عرفة فيه حل صعوبته وقال لي: إن كلامه صعب سيما هذا المختصر تعبت كثيرًا في حله لصعوبته إلى الغاية، لا أستعين عليها إلا بالخلوة. ومنها شرح رجز ابن سينا في الطب لم يكمل ومختصر في القراءات السبع وشرح الشاطبية الكبرى لم يكمل شرح الوغليسية في الفقه لم يكمل ونظم في الفرائض واختصار رعاية المحاسبي ومختصر الروض الأنف للسهيلي لم يكمل، ومختصر بغية السالك في أشرف المسالك للساحلي وشرح المرشدة والدر المنظوم في شرح الجرومية وشرح جواهر العلوم المعضد في علم الكلام على طريقة الحكماء وهو كتاب عجيب جدًّا في ذلك، إلا أنه صعب متعسر على الفهم جدًّا، وتفسير القرآن إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في ثلاثة كراريس ولم يمكن له التفرغ له، وتفسير سورة ص وما بعدها، فهذا ما علمت من تآليفه مع ما له من الفتاوى والوصايا والرسائل والواعظ، مع كثرة الأوراد وقضاء الحوائج والإقراء- اهـ. قلت: سمعت أن له تعليقًا على فرعي ابن الحاجب وغيره، نفعنا اللَّه به. قلت: أخذ عنه أعلام كابن صعد وأبي القاسم الزواوي وابن أبي مدين، والشيخ يحيى بن محمد وابن الحاج البيدري وابن العباس الصغير وولي اللَّه محمد لقلعي ريحانة زمانه، وإبراهيم الوجديجي وابن ملوكة وغيرهم من الفضلاء. ٦٩٧ - محمد بن عبد الجليل التنسي (١). وبه عرف التلمساني الفقيه الجليل الحافظ الأديب المطلع، من أكابر

стр. 559

علمائها الجلة، أخذ عن الأئمة أبي الفضل بن مرزوق وقاسم العقباني وابن الإمام، والإمام الأصولي محمد الفخار والولي إبراهيم التازي والإمام ابن العباس وغيرهم، واشتهر علمه حتى لقد ذكر عن الشيخ أحمد بن داود الأندلسي أنه سُئل حين خرج من تلمسان عن علمائها فقال: العلم مع التنسي والصلاح مع السنوسي والرياسة مع ابن زكري، واللَّه أعلم بصحته، ووصفه ابن داود المذكور فيما رأيته بخطه: شيخنا بقية الحفاظ قدوة الأدباء العالم الجليل ابن الإمام العلامة أبي محمد- اهـ. وله تآليف منها: نظم الدرر والعقبان في دولة آل زيان، وتأليف في الضبط وراح الأرواح، وسمعت أن له تعليقًا على فرعي ابن الحاجب وجواب مطول عن مسألة يهود توات أبان فيه عن سعة الدائرة في الحفظ والتحقيق وأثنى عليه عصريِّه الإمام السنوسي غاية، فمما قال: لقد وفق لإجابة المقصد وبذل وسعه في تحقيق الحق وشفا غليل أهل الإيمان في المسألة، وما بالى لقوة إيمانه ونصوع إلقانه بما يشير إليه الوهم الشيطاني، الشيخ الإمام القدوة علم الأعلام الحافظ المحفق أبو عبد اللَّه التنسي، جزاه اللَّه خيرًا، قد أمد لإبانة الحق ونشر أعلامه النفس، وحقق نقلًا وفهمًا وبالغ فأبدى من نور إيمانه الماحي ظلمة الكفر أعظم قبس -اهـ- ملخصًا. أخذ عنه جماعة كالعلامة أبي عبد اللَّه بن صعد والخطيب ابن مرزوق السبط وابن العباس الصغير، قال: لازمت مجلس الفقيه العلم الشهير سيدي التنسي عشرة أعوام وحضرت إقراءه تفسيرًا وحديثًا وفقهًا وعربية وغيرها- اهـ. والشيخ بالقاسم الزواوي وعبد اللَّه بن جلال وغيرهم. في وفيات الونشريسي توفي الفقيه الحافظ التاريخي الأديب الشاعر أبو عبد اللَّه التنسي في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وثمانمائة- اهـ. ونقل عنه عدة فتاوى في معياره.

стр. 560

٦٩٨ - محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب، الشهير محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق (١). العجيسي التلمساني عرف بالكفيف، ولد الإمام أبي الفضل قطب المغرب الحفيد ابن مرزوق شارح المختصر المتقدم، كان ولده صاحب الترجمة إمامًا عالمًا علامة، وصفه ابن داود البلوي بشيخنا الإمام علم الأعلام فخر خطباء الإسلام سلالة الأولياء وخلف الأتقياء المسند الراوية المحدث العلامة القدوة الحافل الكامل أبو عبد اللَّه ابن سيدنا شيخ الإسلام خاتمة العلماء الأعلام الحبر البحر الناقد النافذ النحرير المشاور العمدة الكبير، ذي التصانيف العديدة والأنظار السديدة أبي عبد اللَّه بن مرزوق. أخذ العلم عن جماعة منهم أبو شيخ الإسلام قرأ عليه الصحيح والموطأ وغير كتاب من تآليفه وغيرها وتفقه عليه وأجازه ما يجوز له، وعنه روايته والإمام العالم النظار الحجة أبو الفضل ابن الإمام والإمام العلامة قاضي الجماعة المعمر المشاور أبو الفضل قاسم العقباني والأستاذ المقرئ العالم أحمد بن محمد بن عيسى اللجائي الفاسي والإمام العالم والولي الصالح الحديث عبد الرحمن الثعالبي والإمام العالم الفقيه النظار أبو عبد اللَّه محمد بن قاسم المشذالي، والإمام قاضي الجماعة العالم المحقق أبو عبد اللَّه ابن عقاب الجذامي التونسي والإمام العالم الراوية الرحال قاضي الأنكحة أبو محمد عبد اللَّه بن سليمان بن قاسم البجيري التونسي، قرأ وسمع عليهم وأجازوه عامة، وأجازه مكاتبة من شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر مع أولاد مرزوق عام تسعة وعشرين، ومولده ليلة الثلاثاء غرة ذي القعدة عام أربع وعشرين وثمانمائة- اهـ. قلت: ومن شيوخه الإمام ابن العباس، قال السخاوي: قدم صاحب الترجمة مكة فعرض عليه ظهيرة، وأخذ عنه في الفقه وأصوله والعربية والمنطق في سنة إحدى وستين، وسمعت في إحدى وسبعين أنه حي- اهـ.

стр. 561

قلت: وفي وفيات الونشريسي أن وفاته عام أحد وتسعمائة، ووصفه بالفقيه الحافظ المصقع، وآخذ عنه الخطيب ابن مرزوق ابن أخته وابن العباس الصغير ووصفه بشيخنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ المغرب، قرأت عليه الصحيحن وبعض مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي وحضرت عليه جملة من التهذيب والخونجي وغيرها- اهـ. وبالإجازة ابن غازي نقل عنه في المازونية، وتقدم ترجمة جد والده الخطيب قريبًا. ٦٩٩ - محمد بن أبي الفضل بن سعيد بن صعد (١). وبه عرف التلمساني الفقيه العالم المحصل العلامة، أخذ عن الإمام خاتمة العلماء محمد بن العباس والحافظ التنسي والإمام السنوسي وألف كتاب النجم الثاقب فيما لأولياء اللَّه من المناقب، وروضة النسرين في مناقب الأربعة الصالحين وهم: الهواري وإبراهيم التازي والحسن أبركان وأحمد بن الحسن العماري، وله تأليف في الصلاة على النبي ﷺ وفيه يقول محمد العربي الغرناطي: إذا جئت لتلمسان فقل ... لصنديدها ابن صعد علمك فاق كل علم ... مجدك فاق كل مجد في أبيات. توفي بالديار المصرية في رجب سنة إحدى وتسعمائة، قاله الونشريسي في وفياته. ٧٠٠ - محمد بن إبراهيم بن عثمان الخطيب الوزيري (٢). اشتغل في ابتدائه بالعربية على النور الوراق ثم أخذ الفقه والعربية على السنهوري وعن ابن أخت الشيخ مدين وحضر مجالس السادات الوفائية، وربما أفتى، وسمعت أنه كتب على تفسير البيضاوي وقال لي إنه شرح رسالة صوفية

стр. 562

واختصر شرح الأسماء الحسنى للغزالي. ولد سنة سبع وأربعين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي. قلت: وله مراجعات في البيان والأصول مع الجلال السيوطي، ألف فيه السيوطي تآليف صغارًا. ٧٠١ - محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي (١). التلمساني خاتمة المحققين الإمام العالم العلامة الفهامة القدوة الصالح السني أحد الأذكياء ممن له بسطة في الفهم والتقدم متمكن المحبة في السنة وبعض أعداء الدين، وقع له بسبب ذلك أمور مع فقهاء وقته حين قام على يهود توات وألزمهم الذل بل قتلهم وهدم كنائسهم ونازعه في ذلك الفقيه عبد اللَّه العصنوني قاضي توات وراسلوا في ذلك علماء فاس وتونس وتلمسان فكتب في ذلك الحافظ التنسي كتابة مطولة، كما تقدم، بصواب رأي صاحب الترجمة ووافقه عليها الإمام السنوسي، فمما كتب السنوسي له: من عبيد اللَّه محمد بن يوسف السنوسي إلى الأخ الحبيب القاسم بن اندرس في فاسد الزمان من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي القيام بها لا سيما في هذا الوقت علم على الاتسام بالذكورة العلمية والغيرة الإسلامية وعمارة القلب بالإيمان السيد أبي عبد اللَّه بن عبد الكريم المغيلي، حفظ اللَّه حياته وبارك في دينه ودنياه وختم لنا وله ولسائر المسلمين بالسعادة والمغفرة بلا محنة يوم نلقاه، بعد السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. فقد بلغني أيها السيد ما حملتكم عليه الغيرة الإيمانية والشجاعة العلمية من تغيير أحداث اليهود، أذلهم اللَّه، كنيسة في بلاد الإسلام وحرصكم على هدمها، وتوقف أهل تمنطيطة فيه من جهة من عارضكم فيه من أهل الأهواء فبعثتم إلينا مستنهضين همم العلماء فيه فلم أر من وفق لإجابة المقصد وبذل وسعه في تحقيق الحق وشفاء الغلة ولم يلتفت لقوة إيمانه ونصوع إيقانه لما يشير

стр. 563

إليه الوهم الشيطاني من مداهنة من يتقي شوكته سوى الشيخ الإمام القدوة الحافظ المحقق علم الأعلام أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الجليل التنسي، أمتع اللَّه به، إلى آخر كلامه المتقدم بعضه. وممن أجاب في المسألة الرصاع مفتي تونس وأبو مهدي الماواسي مفتي فاس وابن زكري مفتي تلمسان والقاضي أبو زكرياء يحيى ابن أبي البركات الغماري وعبد الرحمن بن سبع التلمسانيان، وحين وصل جواب التنسي ومعه كلام السنوسي لتوات أمر صاحب الترجمة جماعته فلبسوا آلات الحرب وقصدوا كنائسهم وأمرهم بقتل من عارضهم دونها فهدموها، ولم يتناطح فيه عنزان ثم قال لهم: من قتل يهوديًّا فله على سبع مثاقيل وجرى في ذلك أمور، فنظم في تلك القضية قصائد في مدح النبي ﷺ وذم اليهود ومن ينصر اليهود. ثم دخل بلاد أهر ودخل بلاد تكدة واجتمع بصاحبها وأقرأ أهلها وانتفعوا به ثم دخل بلاد كنو وكشن من بلاد السودان واجتمع بصاحب كنو واستفاد عليه وكتب رسالة في أمور السلطنة يحضه على اتباع الشرع وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرر لهم أحكام الشرع وقواعده. ثم رحل لبلاد التكرور فوصل إلى بلدة كاغو واجتمع بسلطانها ساسكي محمد الحاج وجرى على طريقته من الأمر بالمعروف وألف له تأليفًا أجابه فيه عن مسائل وبلغه هناك قتل ولده بتوات من جهة اليهود فانزعج لذلك وطلب من السلطان قبض أهل توات الذين بكاغو حينئذ فقبض عليهم، وأنكر عليه سيدنا أبو المحاسن محمود بن عمر إذ لم يفعلوا شيئًا، فرجع عن ذلك وأمر بإطلاقهم ورحل لتوات فأدركته المنية بها فتوفى هناك سنة تسع وتسعمائة. ويقال: إن بعض ملاعين اليهود أو غيرهم مشى لقبره فبال عليه فعمى مكانه، وكان، ﵀، مقدامًا على الأمور جسورًا جريء القلب فصيح اللسان محبًا في السنة جدليًا نظارًا محققًا. له تآليف منها: البدر المنير في علوم التفسير ومصباح الأرواح في أصول الفلاح كتاب عجيب في كراسين أرسله للسنوسي وابن غازي فقرظاه، وشرح

стр. 564

مختصر خليل سماه مغني النبيل اختصر فيه جدًّا وصل فيه للقسم بين الزوجات، وله عليه قطع أخر من البيوعات وغيرها بل قيل إنه شرح ثلاثة أرباع المختصر وحاشية عليه سماها إكليل الغني وقفت منها إلى التيمم، وشرح بيوع الآجال من ابن الحاجب فبحث فيه مع ابن عبد السلام وخليل وتأليف في المنهيات ومختصر تلخيص المفتاح وشرحه ومفتاح النظر في علم الحديث فيه أبحاث مع النووي في تقريبه وشرح الجمل في المنطق ومقدمة فيه ومنظومة فيه سماها منح الوهاب وثلاثة شروح عليها، وقد شرحها والدي بشرح حسن استوفى فيه. وله أيضًا تنبه الغافلين عن مكر الملبسين بدعوى مقامات العارفين، وشراح خطبة المختصر ومقدمة في العربية وكتاب الفتح المبين وفهرسة مروياته، وعدة قصائد كالميمية على وزن البردة ورويها في مدحه ﷺ . أخذ عن الإمام عبد الرحمن الثعالبي والشيخ يحيى بن بدير وغيرهما، وأخذ عنه جماعة كالفقيه أيد أحمد والشيخ العاقب الأنصمني ومحمد بن عبد الجبار الفيجي وغيرهم. وقع له مراسلة مع الجلال السيوطي في علم المنطق، فمما كتب للسيوطي قوله: سمعت بأَمرٍ ما سمعتُ بمثله ... وكلُّ حديثٍ حُكْمُهُ حكمُ أصلِهِ أَيمكنُ أَنَّ المرءَ في العلم حجةٌ ... وينهى عن الفُرقانِ في بعضِ قولِهِ هل المنطقُ المعنيُّ الا عبارةٌ ... عن الحقِّ أو تحقيقِهِ حينَ جَهْلِهِ معانيهِ في كلِّ الكلامِ وهلْ ترَي ... دَليلًا صحيحًا لا يُرَدُّ لَشكْلِهِ أَريني (١) هَدَاكَ اللَّه منه قضيةٌ ... على غير هذا تَنْفِهَا عن مَحَلِّهِ وَدَعْ عَنك أَبْدَاهُ كفُورٌ وَذَمَّهُ ... رجالٌ وإنْ أثبتَّ صحةً نقلِهِ خذِ الحقَّ حتى مِنْ كَفُورٍ ولا تُقِمْ ... دليلًا على شَخْصٍ بِمَذْهَبِ مثلِهِ عَرفْناهُمُ بالحقِّ لا العَكْسُ فاستبِنْ ... بِهِ لا بِهِمْ إذ هُم هداةٌ لأجلِهِ لَئِن صَحَّ عنهمْ ما ذكرتَ فَكَمْ هُمُ ... وَكَمْ عالمٍ بالشَّرْعِ بَاحَ بضلِّهِ

стр. 565

من أبيات تركتها فأجابه السيوطي بقوله: حمدتُ إلهَ العرشِ شُكْرًا لفضلِه ... وأَهدي صلاةً للنبيِّ وأَهْلِهِ عجيبٌ لنظمٍ ما سمعتُ بمثلِهِ ... أَتانيَ عن حبر أُقرُّ بنبلِهِ تَعَجَّبَ مني حينَ أَلَّفتُ مُبْدِعًا ... كتابًا جموعًا فيه جمٌّ بنقلِهِ أَقَرِّرُ فيه النهيَ عَنْ عِلمِ منطقِ ... لما قاله الأعلامُ من ذم شكلِهِ وَسَمَّاهُ بالفرقانِ يا ليتَ لم يقلْ ... فذا وصفُ قرآن كريمٍ لفضلِهِ وقالَ [بِهِ] فيما يقرر رأيه ... مقالًا عجيبًا نائيًا عن محلِّهِ ودعْ عنكَ أبْداهُ كَفُورٌ وبعد ذا ... خُذِ الحقَّ حتى من كَفُورٍ بختلِهِ وقد جاءتِ الآثارُ في ذمِّ من حَوَى ... علومَ يهودٍ أو نصارى لأجلِهِ يعززْ بِهِ علمًا لديهِ وأَنَّهُ ... يُعَذِّبُ تعذيبًا يليقُ بفعلِهِ وقد منعَ المختارُ فاروقَ صحبِهِ ... وقد خطَّ لوحًا بعد توراةِ أهلِهِ وقد جاءَ من نهي اتباعٍ لكافرٍ ... وإن كانَ ذاك الأمرُ حقًّا بأَصلِهِ أقمتُ دليلًا بالحديثِ ولم أُقِمْ ... دليلًا على شخصٍ بمذهبِ مثلِهِ سلامٌ على هذا الإمام فكمْ لهُ ... لديَّ ثناءٌ واعترافٌ بفضلِهِ - اهـ. ٧٠٢ - محمد بن عبد الرحمن الحوضي (١). الفقيه الأصولي التلمساني العالم الشاعر المكثر، له نظم في العقائد وشرحه الإمام السنوسي وله غيره. قال الونشريسي: توفي في ذي القعدة عام عشرة وتسعمائة بتلمسان- اهـ. ٧٠٣ - محمد بن أبي العيش الخزرجي التلمساني، الفقيه الأصولي أبو عبد اللَّه، من فقهائها (٢). له فتاوى منقول بعضها في المعيار وتأليف كبير في الأسماء الحسنى في
следующие страницы →