قلت: وفي وفيات الونشريسي أن وفاته عام أحد وتسعمائة، ووصفه بالفقيه الحافظ المصقع، وآخذ عنه الخطيب ابن مرزوق ابن أخته وابن العباس الصغير ووصفه بشيخنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ المغرب، قرأت عليه الصحيحن وبعض مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي وحضرت عليه جملة من التهذيب والخونجي وغيرها- اهـ.
وبالإجازة ابن غازي نقل عنه في المازونية، وتقدم ترجمة جد والده الخطيب قريبًا.
٦٩٩ - محمد بن أبي الفضل بن سعيد بن صعد (١).
وبه عرف التلمساني الفقيه العالم المحصل العلامة، أخذ عن الإمام خاتمة العلماء محمد بن العباس والحافظ التنسي والإمام السنوسي وألف كتاب النجم الثاقب فيما لأولياء اللَّه من المناقب، وروضة النسرين في مناقب الأربعة الصالحين وهم: الهواري وإبراهيم التازي والحسن أبركان وأحمد بن الحسن العماري، وله تأليف في الصلاة على النبي ﷺ وفيه يقول محمد العربي الغرناطي:
إذا جئت لتلمسان فقل ... لصنديدها ابن صعد
علمك فاق كل علم ... مجدك فاق كل مجد
في أبيات. توفي بالديار المصرية في رجب سنة إحدى وتسعمائة، قاله الونشريسي في وفياته.
٧٠٠ - محمد بن إبراهيم بن عثمان الخطيب الوزيري (٢).
اشتغل في ابتدائه بالعربية على النور الوراق ثم أخذ الفقه والعربية على السنهوري وعن ابن أخت الشيخ مدين وحضر مجالس السادات الوفائية، وربما أفتى، وسمعت أنه كتب على تفسير البيضاوي وقال لي إنه شرح رسالة صوفية
стр. 562
واختصر شرح الأسماء الحسنى للغزالي. ولد سنة سبع وأربعين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي.
قلت: وله مراجعات في البيان والأصول مع الجلال السيوطي، ألف فيه السيوطي تآليف صغارًا.
٧٠١ - محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي (١).
التلمساني خاتمة المحققين الإمام العالم العلامة الفهامة القدوة الصالح السني أحد الأذكياء ممن له بسطة في الفهم والتقدم متمكن المحبة في السنة وبعض أعداء الدين، وقع له بسبب ذلك أمور مع فقهاء وقته حين قام على يهود توات وألزمهم الذل بل قتلهم وهدم كنائسهم ونازعه في ذلك الفقيه عبد اللَّه العصنوني قاضي توات وراسلوا في ذلك علماء فاس وتونس وتلمسان فكتب في ذلك الحافظ التنسي كتابة مطولة، كما تقدم، بصواب رأي صاحب الترجمة ووافقه عليها الإمام السنوسي، فمما كتب السنوسي له: من عبيد اللَّه محمد بن يوسف السنوسي إلى الأخ الحبيب القاسم بن اندرس في فاسد الزمان من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي القيام بها لا سيما في هذا الوقت علم على الاتسام بالذكورة العلمية والغيرة الإسلامية وعمارة القلب بالإيمان السيد أبي عبد اللَّه بن عبد الكريم المغيلي، حفظ اللَّه حياته وبارك في دينه ودنياه وختم لنا وله ولسائر المسلمين بالسعادة والمغفرة بلا محنة يوم نلقاه، بعد السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
فقد بلغني أيها السيد ما حملتكم عليه الغيرة الإيمانية والشجاعة العلمية من تغيير أحداث اليهود، أذلهم اللَّه، كنيسة في بلاد الإسلام وحرصكم على هدمها، وتوقف أهل تمنطيطة فيه من جهة من عارضكم فيه من أهل الأهواء فبعثتم إلينا مستنهضين همم العلماء فيه فلم أر من وفق لإجابة المقصد وبذل وسعه في تحقيق الحق وشفاء الغلة ولم يلتفت لقوة إيمانه ونصوع إيقانه لما يشير
стр. 563
إليه الوهم الشيطاني من مداهنة من يتقي شوكته سوى الشيخ الإمام القدوة الحافظ المحقق علم الأعلام أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الجليل التنسي، أمتع اللَّه به، إلى آخر كلامه المتقدم بعضه.
وممن أجاب في المسألة الرصاع مفتي تونس وأبو مهدي الماواسي مفتي فاس وابن زكري مفتي تلمسان والقاضي أبو زكرياء يحيى ابن أبي البركات الغماري وعبد الرحمن بن سبع التلمسانيان، وحين وصل جواب التنسي ومعه كلام السنوسي لتوات أمر صاحب الترجمة جماعته فلبسوا آلات الحرب وقصدوا كنائسهم وأمرهم بقتل من عارضهم دونها فهدموها، ولم يتناطح فيه عنزان ثم قال لهم: من قتل يهوديًّا فله على سبع مثاقيل وجرى في ذلك أمور، فنظم في تلك القضية قصائد في مدح النبي ﷺ وذم اليهود ومن ينصر اليهود.
ثم دخل بلاد أهر ودخل بلاد تكدة واجتمع بصاحبها وأقرأ أهلها وانتفعوا به ثم دخل بلاد كنو وكشن من بلاد السودان واجتمع بصاحب كنو واستفاد عليه وكتب رسالة في أمور السلطنة يحضه على اتباع الشرع وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرر لهم أحكام الشرع وقواعده.
ثم رحل لبلاد التكرور فوصل إلى بلدة كاغو واجتمع بسلطانها ساسكي محمد الحاج وجرى على طريقته من الأمر بالمعروف وألف له تأليفًا أجابه فيه عن مسائل وبلغه هناك قتل ولده بتوات من جهة اليهود فانزعج لذلك وطلب من السلطان قبض أهل توات الذين بكاغو حينئذ فقبض عليهم، وأنكر عليه سيدنا أبو المحاسن محمود بن عمر إذ لم يفعلوا شيئًا، فرجع عن ذلك وأمر بإطلاقهم ورحل لتوات فأدركته المنية بها فتوفى هناك سنة تسع وتسعمائة.
ويقال: إن بعض ملاعين اليهود أو غيرهم مشى لقبره فبال عليه فعمى مكانه، وكان، ﵀، مقدامًا على الأمور جسورًا جريء القلب فصيح اللسان محبًا في السنة جدليًا نظارًا محققًا.
له تآليف منها: البدر المنير في علوم التفسير ومصباح الأرواح في أصول الفلاح كتاب عجيب في كراسين أرسله للسنوسي وابن غازي فقرظاه، وشرح
стр. 564
مختصر خليل سماه مغني النبيل اختصر فيه جدًّا وصل فيه للقسم بين الزوجات، وله عليه قطع أخر من البيوعات وغيرها بل قيل إنه شرح ثلاثة أرباع المختصر وحاشية عليه سماها إكليل الغني وقفت منها إلى التيمم، وشرح بيوع الآجال من ابن الحاجب فبحث فيه مع ابن عبد السلام وخليل وتأليف في المنهيات ومختصر تلخيص المفتاح وشرحه ومفتاح النظر في علم الحديث فيه أبحاث مع النووي في تقريبه وشرح الجمل في المنطق ومقدمة فيه ومنظومة فيه سماها منح الوهاب وثلاثة شروح عليها، وقد شرحها والدي بشرح حسن استوفى فيه.
وله أيضًا تنبه الغافلين عن مكر الملبسين بدعوى مقامات العارفين، وشراح خطبة المختصر ومقدمة في العربية وكتاب الفتح المبين وفهرسة مروياته، وعدة قصائد كالميمية على وزن البردة ورويها في مدحه ﷺ .
أخذ عن الإمام عبد الرحمن الثعالبي والشيخ يحيى بن بدير وغيرهما، وأخذ عنه جماعة كالفقيه أيد أحمد والشيخ العاقب الأنصمني ومحمد بن عبد الجبار الفيجي وغيرهم.
وقع له مراسلة مع الجلال السيوطي في علم المنطق، فمما كتب للسيوطي قوله:
سمعت بأَمرٍ ما سمعتُ بمثله ... وكلُّ حديثٍ حُكْمُهُ حكمُ أصلِهِ
أَيمكنُ أَنَّ المرءَ في العلم حجةٌ ... وينهى عن الفُرقانِ في بعضِ قولِهِ
هل المنطقُ المعنيُّ الا عبارةٌ ... عن الحقِّ أو تحقيقِهِ حينَ جَهْلِهِ
معانيهِ في كلِّ الكلامِ وهلْ ترَي ... دَليلًا صحيحًا لا يُرَدُّ لَشكْلِهِ
أَريني (١) هَدَاكَ اللَّه منه قضيةٌ ... على غير هذا تَنْفِهَا عن مَحَلِّهِ
وَدَعْ عَنك أَبْدَاهُ كفُورٌ وَذَمَّهُ ... رجالٌ وإنْ أثبتَّ صحةً نقلِهِ
خذِ الحقَّ حتى مِنْ كَفُورٍ ولا تُقِمْ ... دليلًا على شَخْصٍ بِمَذْهَبِ مثلِهِ
عَرفْناهُمُ بالحقِّ لا العَكْسُ فاستبِنْ ... بِهِ لا بِهِمْ إذ هُم هداةٌ لأجلِهِ
لَئِن صَحَّ عنهمْ ما ذكرتَ فَكَمْ هُمُ ... وَكَمْ عالمٍ بالشَّرْعِ بَاحَ بضلِّهِ
стр. 565
من أبيات تركتها فأجابه السيوطي بقوله:
حمدتُ إلهَ العرشِ شُكْرًا لفضلِه ... وأَهدي صلاةً للنبيِّ وأَهْلِهِ
عجيبٌ لنظمٍ ما سمعتُ بمثلِهِ ... أَتانيَ عن حبر أُقرُّ بنبلِهِ
تَعَجَّبَ مني حينَ أَلَّفتُ مُبْدِعًا ... كتابًا جموعًا فيه جمٌّ بنقلِهِ
أَقَرِّرُ فيه النهيَ عَنْ عِلمِ منطقِ ... لما قاله الأعلامُ من ذم شكلِهِ
وَسَمَّاهُ بالفرقانِ يا ليتَ لم يقلْ ... فذا وصفُ قرآن كريمٍ لفضلِهِ
وقالَ [بِهِ] فيما يقرر رأيه ... مقالًا عجيبًا نائيًا عن محلِّهِ
ودعْ عنكَ أبْداهُ كَفُورٌ وبعد ذا ... خُذِ الحقَّ حتى من كَفُورٍ بختلِهِ
وقد جاءتِ الآثارُ في ذمِّ من حَوَى ... علومَ يهودٍ أو نصارى لأجلِهِ
يعززْ بِهِ علمًا لديهِ وأَنَّهُ ... يُعَذِّبُ تعذيبًا يليقُ بفعلِهِ
وقد منعَ المختارُ فاروقَ صحبِهِ ... وقد خطَّ لوحًا بعد توراةِ أهلِهِ
وقد جاءَ من نهي اتباعٍ لكافرٍ ... وإن كانَ ذاك الأمرُ حقًّا بأَصلِهِ
أقمتُ دليلًا بالحديثِ ولم أُقِمْ ... دليلًا على شخصٍ بمذهبِ مثلِهِ
سلامٌ على هذا الإمام فكمْ لهُ ... لديَّ ثناءٌ واعترافٌ بفضلِهِ
- اهـ.
٧٠٢ - محمد بن عبد الرحمن الحوضي (١).
الفقيه الأصولي التلمساني العالم الشاعر المكثر، له نظم في العقائد وشرحه الإمام السنوسي وله غيره. قال الونشريسي: توفي في ذي القعدة عام عشرة وتسعمائة بتلمسان- اهـ.
٧٠٣ - محمد بن أبي العيش الخزرجي التلمساني، الفقيه الأصولي أبو عبد اللَّه، من فقهائها (٢).
له فتاوى منقول بعضها في المعيار وتأليف كبير في الأسماء الحسنى في
стр. 566
سفرين. توفي في صفر سنة إحدى عشرة وتسعمائة، ذكره في الوفيات للونشريسي.
٧٠٤ - محمد بن محمد بن محمد الديمي النحريري (١).
أخذ الفقه عن أبي الجود والقاضي ولي الدين السنباطي ويحيى العلمي والسنهوري، وحضر دروس أبي القاسم النويري وتميز في الفضائل عن كثير من القضاة، ولد ثاني عشر إحدى الجمادين سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وبالجملة فهو من نوادر قضاة المالكية -اهـ- من السخاوي.
٧٠٥ - محمد بن محمد بن أحمد بن موسى السخاوي المدني (٢).
قرأ الفقه على المحيى عبد القادر بن عبد الوارث، وأخذ أيضًا عن القرافي والعلمي والسنهوري واللقاني ولازم أحمد بن يونس في كثير من الفنون وأذن له القرافي بعده، وكذا الحسام بن حريز وأخوه، وناب في القضاء، وأوقفني على شرح لأماكن في المختصر وشرح منه كاملًا من القضاء لآخر الكتاب وقرئ عليه بالمدينة -اهـ- من الضوء اللامع للسخاوي.
ورأيت في تاريخ المدينة لعبد المعطي السخاوي أن صاحب الترجمة تولى قضاء المدينة ثلاثين سنة وأنه توفي عام ثلاثة عشر وتسعمائة وأن والده أحمد بن أحمد تولى القضاء بها نحو خمسين عامًا إلى قرب وفاته فتولاها ولده المذكور -اهـ- أخذ عنه سقين العاصمي راوية فاس.
٧٠٦ - محمد بن أبي جمعة المغراوي (٣).
الفقيه المدرس أبو عبد اللَّه، توفي يوم الخميس سادس ربيع الأول سنة سبع عشرة وتسعمائة بعد صلاة الجمعة.
٧٠٧ - محمد بن أبي البركات النالي (٤) التلمسانى، أحد المشهورين بها، له نظم حسن، لم أقف على وفاته.
стр. 567
٧٠٨ - محمد بن أحمد بن عبد اللَّه اليفرني الفاسي قاضي الجماعة بها، شهر بالمكناسي (١).
أخذ عن القوري وغيره، قال بعض أصحابنا: كان فقيهًا قاضيًا فرضيًا حسابيًا، تولى قضاء فاس أزيد من ثلاثين سنة لأنه ولى سنة خمس وثمانين إلى أن مات، وكان فاضلًا ذا سياسة، أخذ عن القوري وعن أبيه، وهو من بيت علم من ذرية أبي الحسن الطنجي المعروف بالمكناسي، له تقييد على الحوفية، ولجده عبد اللَّه أيضًا تقييد عليها أجاد فيه، توفي قاضيًا سنة ثمان عشرة وتسعمائة، مولده سنة تسع وثلاثين وثمانمائة- اهـ.
قلت: وله تآليف في القضاء نقل عنه عصريه الشيخ ابن غازي في تكميل التقييد وأنجب ولده، تولى الفتوى بفاس.
٧٠٩ - محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي ثم الفاسي (٢).
شيخ الجماعة بها الإمام العلامة البحر الحافظ الحجة المحقق الخطيب جامع شتات الفضائل خاتمة علماء المغرب وآخر محققيهم ذو التصانيف المفيدة العجيبة، قال تلميذه عبد الواحد الونشريسي: شيخنا الإمام العالم الأثير السيد أبو عبد اللَّه، كان إمامًا مقرئًا مجودًا صدرًا في القراءات متقنًا فيها، عارفًا بوجوهها وعللها، طيب النغمة قائمًا بعلم التفسير والفقه والعربية متقدمًا فيها عارفًا بوجوهها ومتقدمًا في الحديث حافظًا له واقفًا على أحوال رجاله وطبقاتهم ضابطًا لذلك كله معتنيًا به ذاكرًا للسير والمغازي والتاريخ والأدب، فاق في كله أهل وقته.
ولد مكناسة الزيتون وأخذ العلم بها وبفاس عن مشايخ جلة كالأستاذ
стр. 568
النيجي والفقيه القوري وغيرهما ممن ذكره في برنامجه، أنفق عمره في طلب العلم وإقرائه والعكوف على تقييده ونشره، ألف في القراءات والحديث والفقه والعربية والفرائض والحساب والعروض وغيرها تآليف نبيلة، ولى خطابة مكناسة ثم بفاس الجديدة ثم الخطابة والإمامة بجامع القرويين آخرًا ولم يكن في عصره أخطب منه، وكان يسمع في كل شهر رمضان صحيح البخاري وله عليه تقييد نبيل.
وتخرج بين يديه عامة طلبة فاس وغيرها، رحل الناس للأخذ عنه وتنافسوا فيه، كان عذب المنطق حسن الإيراد والتقرير فصيح اللسان عارفًا بصنعة التدريس ممتع المجالسة جميل الصحبة سري الهمة نقي الشيبة حسن الأخلاق والهيئة عذب الفكاهة معظمًا عند الخاصة والعامة، حضرت مجالس إقرائه تفسيرًا وحديثًا وفقهًا وعربية وغيرها وكلها في غاية الاحتفال وانتفعت به.
وبالجملة فهو آخر المقرئين وخاتمة المحدثين لم يزل باذل النصيحة للمسلمين محرضًا لهم في خطبه ومجالس إقرائه على الجهاد والاعتناء بأموره، حضر فيه بنفسه مواقف عديدة ورابط مرات كثيرة وخرج في آخر عمره لقصر كتامة للحراسمة فمرض ورجع لفاس فاستمر به إلى أن توفى اثر صلاة الظهر يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة تسع عشرة وتسعمائة ودفن في عدوة فاس الأندلس صبح يوم الخميس واحتفل الناس بجنازته عظيمًا، حضرها السلطان ووجوه دولته فمن دونه، وتبعه ثناء حسن جميل وتأسفوا عليه عظيمًا -اهـ- من خط من نقله من خط عبد الواحد الونشريسي.
قلت: وممن أخذ عنه ابن العباس الصغير وأحمد الدقون والمفتي علي ابن هارون في خلق لا يحصون، وأما تآليفه فمنها شفاء الغليل في حل مقفل خليل بيَّن فيه هفوات وقعت لبهرام ومواضع مشكلة من المختصر أجادها ما شاء من أحسن الموضوعات عليه، متداول شرقًا وغربًا، وتكميل التقييد وتحليل التعقيد على المدونة كمل به تقييد أبي الحسن الزرويلي وحل مشكل كلام ابن عرفة في مختصره في ثلاثة أسفار كبار، سمعت أن بعض معاصريه الفاسيين يقول: أما
стр. 569
التكيل فقد كمله وأما التعقيد فما حله- اهـ.
وحاشية لطيفة على الألفية مفيدة نبه فيها على مواضع من كلام المرادي، مع نقل زوائد الإمام الشاطبي وتحقيقاته العجيبة، ومنية الحساب في الحساب بديع النظم وشرحها حسن مفيد سماه بغية الطلاب في مجلد وذيل الخزرجية في العروض ونظم مشكلات الرسالة وفهرسة شيوخه وحاشية لطيفة في أربعة كراريس على البخاري، وإنشاد الشريد في ضوال القصيد تكلم فيه على الشاطبية، والمطلب الكلي في محادثة الإمام القلي والروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون في نحو كراس، وقد وقفت على الجميع.
ومما لم أقف عليه من تآليفه الجامع المستوفى بجداول الحوفي والمسائل الحسان المرفوعة إلى حبر فاس وتلمسان ونظم مراحل الحجاز وشرحه، واستنبط من حديث أبي عمير ما فعل النغير مائتي فائدة وترجمها، وقد وقفت على التراجم. مولده عام أحد وأربعين وثمانمائة، قاله المنجور في فهرسته ورثاه تلميذه العلامة شقرون بن أبي جمعة الوهراني بقصيدة مليحة تركتها لطولها.
٧١٠ - محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن يجبش (*) التازي (١).
الفقيه الصالح الأديب الناظم الناثر أبو عبد اللَّه، كان فقيهًا نحويًا عروضيًا، له منفرجة مطلعها:
اشتدي أزمة تنفرجي ... قد أُبْدِلَ ضيقُكِ بالفَرَج
مهما اشتدت بك نازلة ... فاصبر فعسى (٢) التفريج يجي
توفي عام عشرين وثمانمائة، كذا وجدته بخط بعض أصحابنا، وقال غيره: كان عالمًا صالحًا فقيهًا شاعرًا، له قصائد يندب الناس بها للجهاد عند كائنة غرناطة، أعاذها اللَّه تعالى- اهـ.
قلت: وله قصائد في مدح تآليف الإمام السنوسي كالصغرى وشرح
стр. 570
مسلم ومراسلات معه، ذكره تلميذه الإمام الملالي، ومن نظمه في الرد على البيتين اللذين ذكرهما الزمخشري في الطعن علي السنة.
٧١١ - محمد بن أحمد بن محمد بن أبي يحيى بن أحمد بن الخطيب بن مرزوق (١).
فيه اجتمع أبواه وهو ولد الخطيب شمس الدين بن مرزوق، قال أبو عبد اللَّه ابن العباس الشهير محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التلمساني شهر بالخطيب سبط الإمام الحبر قطب المغرب الحفيد ابن مرزوق ابن بنته حفصة، و (٢) صاحب الترجمة أحمد المذكور هو والد الحفيد ابن مرزوق وفيه اجتمع أبواه وهو ولد شمس الدين ابن مرزوق، وقال أبو عبد اللَّه بن العباس في صاحب الترجمة: آخر علماء قطرنا الآخذ من كل فن بأوفر نصيب الحائز قصب السبق فيه خصوصًا علم الحديث فإنه حصل له بالفرض والتعصيب، صدر الحفاظ المبرزين وإمام الجهابذة النقاد المتقنين السيد الأعدل الأكمل ابن السيدة حفصة بنت زعيم العلماء وسيد الكلمة الشرفاء العالم المطلق محمد بن مرزوق الحفيد، قرأت عليه أبعاضًا من شفاء عياض والبردة والشقراطيسية وشمائل الترمذي وتأليف جده الأعلى الخطيب المسمى عجالة المستوفى، وحضرت عليه تفسير القرآن وسمعت عليه جملة الصحيحين- اهـ.
أخذ عن خاله الكفيف ابن مرزوق والإمام ابن العباس وغيرهما، وكان حيًا في حدود العشرين وتسعمائة.
٧١٢ - محمد بن أبي مدين .
التلمساني تلميذ الإمام السنوسي، قال أبو عبد اللَّه بن العباس: شيخنا السيد الفاضل العلامة أبو عبد اللَّه محيي دارس علم الشريعة، علم الأعلام، حائز قصب السبق منقولًا ومعقولًا خصوصًا علم الكلام لولا هو لتلاشى في
стр. 571
علم المعقول بأسره بمغربنا، تفقهت عليه دراية في مقدمة السنوسي وصغراه وكبراه ومختصره المنطقي ودولًا من شرح الكبرى ومختصر الأبي على مسلم وابن الحاجب الأصلي وتلخيص المفتاح، ودولًا من البخاري رواية- اهـ.
وكان حيًا قرب العشرين وتسعمائة.
٧١٣ - محمد بن محمد بن العباس التلمساني (١).
شهر بأبو عبد اللَّه الفقيه العالم النحوي ابن الإمام العلامة المحقق ابن العباس، أخذ عن جماعة كالإمام السنوسي والكفيف ابن مرزوق والحافظ التنسي وابن زكري وغيرهم، ورحل لفاس وأخذ عن ابن غازي ورجع لبلاده. له مجاميع وفوائد ومرويات وأبحاث وقفت على بعضها. وكان حيًا بعد العشرين وتسعمائة.
٧١٤ - محمد الكفيف الأنفاسي (٢).
الأديب أبو عبد اللَّه، من أصحاب ابن غازي، ومن نظمه في تذليل بيت بعض القدماء وهو:
لقد هتكتْ قلبي سِهامُ جفونها ... كما هَتَكَ اللَّخميُّ مذهبَ مالِكِ
وصالتْ على الأوصال بالقدِّ قدِّها ... فأَمستْ كأَبياتٍ بتقطيعِ مالكِ
وقلدتُ إذ ذاك الهوى في مُرادها ... كتقليدِ أعلامِ النُّحاةِ ابنَ مالكِ
وملَّكْتُها رِقِّي لِرِقَةِ عطفِهَا ... وَإنْ كُنْتُ لا أرضاهُ مُلْكًا لمالكِ
وناديتُهَا يا بُغيتي بذلُ مُهجتيَ ... وما لي قليلٌ في بديعِ جمالكِ
توفي، على ما قيل، في حدود ثمان وعشرين وتسعمائة.
٧١٥ - محمد بن موسى الوجديجي (٣).
التلمساني أدرك السنوسي وطبقته من حفاظ مختصر ابن الحاجب معتنيًا
стр. 572
به، لقيه أبو العباس الزقاق وباحثه، وأخذ عنه شقرون بن هيبة والشيخ محمد ابن جلال التلمساني وغيرهما، وكان حيًا قرب الثلاثين وتسعمائة.
٧١٦ - محمد بن أبي جمعة الهبطي (١).
عالم فاسي، توفي عام ثلاثين وتسعمائة.
٧١٧ - محمد بن محمد بن محمد القوري (٢).
الفاسي، مفتيها الفقيه العالم، توفي بعد الثلاثين وتسعمائة.
٧١٨ - محمد بن حسن بن علي بن عبد الرحمن شمس الدين اللقاني (٣).
قال البدر القرافي: شيخ شيوخنا الفقيه الصالح العلامة المحقق، قال في الضوء اللامع: ولد بلقانة من قرى مصر وحفظ بها القرآن والشاطبية والرسالة ثم قدم القاهرة فحفظ مختصر الشيخ خليل وألفية ابن مالك فلازم في الفقه البرهان اللقاني والسنهوري، وأخذ العربية عن الأخير والأصول مع العربية عن الجوجري والمنطق عن التقي الحصني، وجلس بباب البرهان اللقاني أيام قضائه. ولد وقت صلاة الجمعة عاشر المحرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي.
قال القرافي: ومات كما وجدته بخط الداودي يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الثاني سنة خمسين وثلاثين وتسعمائة- اهـ.
ولم يخلق بعده مثله، وعم نفعه في الفتوى، عكف عليه الناس وتزاحموا عليه، انفرد بإقراء مختصر الشيخ خليل وتفقه عليه شيوخنا وله تحريرات بديعة من الطرر عليه موجودة عند بعض الأصحاب، وذكر أنه كتب حاشية عليه فلما ظهرت حاشية ابن غازي وجدت موافقة لما حرره بالمعنى فامتنع من إظهار حاشيته وكان ينفر من قراءة حاشية ابن غازي عنده في درسه، وله مكاشفات
стр. 573
عديدة عجيبة. أخذ عن زروق وانتفع بعلمه وعمله وداوم خدمته وحصل له بذلك خير كثير- اهـ.
وقال أيضًا: هو وأخوه الناصر من العلماء الأجلاء العاملين، عليهما مدار المذهب بمصر، وهو أكبر سنًا وأكثر فقهًا، له قدم راسخ في الكشف، اجتمع بعدة أولياء من المصريين والمغاربة، وأخوه ناصر الدين أكثر تحريرًا وتحقيقًا في العلوم العقلية. زاد النفع يه لطول عمره واشتغاله ليلًا ونهارًا وكثرت تلامذته- اهـ.
٧١٩ - محمد بن أحمد بن أبي محمد التازختي .
شهر بأيد أحمد، بهمزة مفتوحة ثم ياء ساكنة ثم دال مفتوحة بعدها، اسم أحمد ومعناه بلغتهم أبركان شيخنا فقيهًا عالمًا علامة محققًا فهامة محدثًا متفننًا رحلة شهيرًا محصلًا نافذًا جيد الخط والفهم حسن الإدراك كثير النزاع.
قرأ ببلده على جدي الحاج أحمد بن عمر وعلى خاله الفقيه علي وحصل ثم وحل إلى تكدة فلقي بها المغيلي وحضر دروسه، ثم الشرق صحبة سيدنا الفقيه محمود فلقي أجلاء كشيخ الإسلام زكريا والبرهانين والقلقشندي وابن أبي شريف وعبد الحق السنباطي في جماعة فأخذ عنهم علم الحديث وسمع وروى وحصل ودأب حتى تميز في فنونه وصار في أعداد المحدثين.
ولقي الشمس اللقاني والناصر أخاه حضر دروسهم وتصاحب مع أحمد بن عبد الحق السنباطي وأجازه من أهل مكة أبو البركات النويري وابن عمه عبد القادر وعلي بن ناصر الحجازي وأبو الطيب البستي وغيرهم، واجتهد حتى صار من محصلي العلماء ثم قفل للسودان فنزل بلدة كشن فأكرمه صاحبها غاية وولاه قضاءها. وتوفي بها في حدود ست وثلاثين وتسعمائة عن نيف وستين سنة، له تقاليد وطرر على مختصر خليل وغيره.
стр. 574
٧٢٠ - محمد بن إبراهيم التتائي (١).
بتاءين فوقيتين مخففتين، أبو عبد اللَّه شمس الدين المصري قاضي القضاة بها، قال البدر القرافي: كان موصوفًا بدين وعفة وصيانة وفضل تواضع، تولى القضاء ثم تركه وأقبل على الاشتغال والتصنيف.
له يد طولى في الفرائض شرح المختصر بشرحين سمى الكبير فتح الجليل والآخر جواهر الدرر وشرح ابن الحاجب الفرعي في سفرين لخصه من التوضيح، وشرح الإرشاد لابن عساكر والجلاب والقرطبية والشامل ولم يكمله، ومقدمة ابن رشد وألفية العراقي، وله حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع وغيرها في الفرائض والحساب والميقات، كما وجدته بخط بعض أصحابنا، وأنكر بعض أصحابه أن يكون حشي على المحلي، سمعت بعض أشياخي يقول: أخذ ما تعب فيه أبو الحسن الشاذلي مما جمعه في شروحه على الرسالة الستة ووضعه في شرحه باختصار، توفي بعد الأربعين وتسعمائة- اهـ.
قلت: ما قاله بعض شيوخه غير مسلّم، بل من وضع شرحه على خليل وغيره، ولا يصعب عليه وضع شرح على الرسالة حتى يستعين بما ذكره، وإنما هو تحامل وعصبية، اللهم غفرًا، واللَّه أعلم.
على أن شرحه الكبير على خليل فيه مواضع كثيرة جدًّا حصل له فيها الوهم نقلًا وتقريرًا وبحثًا تتبعها سيدي والدي ثم شيخنا الفقيه محمد بغيع، كما سيأتي في ترجمته. أخذ صاحب الترجمة عن السنهوري والشيخ داود وأحمد بن يونس القسنطيني وعن زكريا وسبط المارديني وغيرهم.
٧٢١ - محمد بن عبد الرحمن بن حسين (٢).
أبو عبد اللَّه الرعيني، أندلسي الأصل الطرابلسي ثم المكي عرف بها بالحطاب، ولد بطرابلس وتفقه على محمد الفاسي وعلى أخيه في المختصر، ثم
стр. 575
تحول مع أبويه وأخويه إلى مكة سنة سبع وسبعين وحضر عند السراج معمر في الفقه وجلس للإقراء في الفقه والعربية. ولد وقت صلاة الجمعة في العشر الأواخر صفر سنة إحدى وستين وثمانمائة -اهـ- من السخاوي.
قلت: وأخذ أيضًا عن السنهوري والشيخ عبد المعطي بن خصب ويحيى العلمي وقاضي المدينة محمد بن أحمد السخاوي والإمام أحمد زروق والحافظ أبي الخير السخاوي المذكور والشمس الراعي بن الناصر الشافعيين وغيرهم، ذكر ذلك ولده العلامة محمد الحطاب، وأخذ عنه جماعة كوليد وغيرهما، وبيان حيًا في حدود أربع وأربعين وتسعمائة.
٧٢٢ - محمد بن علي بن أبي الشرف التلمساني (١).
الشريف الحسني، أخذ عن ابن غازي والقون وغيرهما، له تعليق على شفاء عياض في سفر سماه المنهل الأصفى في شرح ألفاظ الشفا لخصه من شرح العلامة الحافظ محمد بن الحسن أبركان، ومن شرح الزموري مع أشياء من كلام ابن مرزوق والشمني، كتب له على ظهره ابن غازي: طالعت بعض هذا المجموع فأعجبني، وذلك في عام ثمانية عشر وتسعمائة- اهـ.
ولم أقف على وفاته.
٧٢٣ - محمد بن عبد الكريم بن أحمد الدميري .
نسبة لبعض قرى مصر بغربيها، قال سبطه البدر القرافي: ولد بها وحفظ القرآن ثم قدم القاهرة فشغل بالعلم وبرع في الفقه، تولى قضاءها معتمدًا عليه في المهمات ومشارًا إليه في علم القضاء والنوازل وصحيح الوثائق، لا يقر على باطل يضرب بوثيقته المثل، يملي وثيقتين على كاتبين في وقت واحد لا يجف قلم أحدهما.
أخذ عن الشمس التتائي وغيره وخطب الغورية ودرس بالطولوني الفقه والحديث وبالمنصورية والأشرفية والشيخونية وغيرها الفقه، وكان ذا همة
стр. 576
وصرامة وشهامة منفذًا للأحكام يهابه الخصوم، استقر في القضاء منفردًا، مع وجود شيوخه نائبًا عن القاضي الرومي، وكان الناصر اللقاني إذا عرضت عليه فتوى تحرز فيها ويقول: يحتمل أن يقول الدميري: أردت وجهًا شرعيًا بلفظ كذا. له نظم لطيف وشرح من أول المختصر لصلاة السفر ومن البيوع للجراح. توفي ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة.
٧٢٤ - محمد ماغوش أبو عبد اللَّه التونسي (١).
عالمها وفقيهها الإمام العلامة الكبير الحافظ المحقق المعقولي البارع، قرأ بتونس فحصل، وكان أعلم أهلها بالمعقولات، ثم لما أُخذت تونس خرج عنها، ورحل لبلد الروم، دخل اسطنبول فلقي علماءها فأثنوا عليه عند السلطان سليمان فأكرمه، وطلب منه الإقامة بها فامتنع، ورجع إلى مصر واجتمع بعلمائها وتعجبوا من درجته في الفنون فأدركته الوفاة بها في قرب ومات في حدود خمسين ظنًا، وذكر من حفظه أنه يحفظ صحيح البخاري، أخذ عنه الشيخ اليستيني الفاسي وغيره.
٧٢٥ - محمد بن حسن الشيخ ناصر الدين اللقاني (٢).
شيخ شيوخنا الإمام العلامة المحقق الفهامة بقية السلف ذو الفضائل العديدة والعلوم النفسية، قال القرافي: شارك أخاه في غالب شيوخه وأخذ عن علامة المعقولات منلا على العجمي وغيره، وجلس لإقراء العلوم على اختلافها على وجه لم يشاركه فيه أهل عصره من فك العبارات وتحريرها والنظر فيها، فأقرأ تفسير البيضاوي وأصله والطوالع والعضد وتلخيص المفتاح وشرحي السعد والمحلي على السبكي والشمسية ومغني ابن هشام والألفية وشرحها والرضي وغيرها والتهذيب مرتين بمطالعة أبي الحسن الزرويلي وابن الحاجب بالتوضيح ومختصر خليل وغيرها من الفقه نحو ستين سنة لا يفتر عن الاشتغال والأشغال طول نهاره، ولذا لم يصنف أشياء إلا ما كتب على الطرر على نسخة
стр. 577
التوضيح، وكنت سببًا في جمعه بعد موته فجاءت في مجلدين لطيفين بعد أن صمم وارثه على الامتناع من ذلك فعمّ النفع به، ونسب إليه تقييد على المحلي شارح السبكي جرد من خطه، وعلى شرح السعد للعقائد وعلى شرحه أيضًا للتصريف الغزي وشرح خطبة المختصر.
ودارت عليه الفتوى بمصر بعد موت أخيه لإشارته له بذلك وكتب قليلًا في حياته واستفتى من سائر الأقاليم في العلوم العقلية والنقلية، وكان حافظًا لناموس العلم لا يدخل بيت أمير ولا غيره بل صلى نائب السلطان الجمعة بجامع الأزهر وطلب الاجتماع به فأرسل إليه لا يأتيني ويزكني أدعو له في موضعي، ولم يجتمع به وامتنع من الولاة والدخول في دنياهم.
وتجرّد في آخر عمره عن الدنيا وفرق ماله بيده على أماثل طلبة الفقراء لوجهه تعالى، وأنكر على من حسّن له إبقاءه بيده خوف الفقر في آخر العمر وقال: تريد أن تغشني في آخرتي وأعرض عنه.
وبالجملة فهو آخر من انتهت إليه رياسة العلم بمصر ممن رأيناه لم يبق من أهل المذاهب المخالفة وغيرهم إلا من طلبته وطلبة طلبته. توفي في شعبان سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، مولده كتبه بخطه سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وكثر النفع به لطول عمره وجميل صبره على الطلبة من المذاهب الأربعة في العلوم العقلية، فشيوخ الوقت كلهم من طلبته، وطلب وكيل السلطان الاجتماع به فقال: إن عدل عن الاجتماع بي دعوت له وإلا فلا -اهـ- ملخصًا.
قلت: وأخذ عنه شيوخنا كسيدي والدي أحمد بن أحمد وسيدي القاضي العاقب أجازه جميع ما يجوز له، وشيخنا الفقيه محمد بغيع وأخيه أحمد، والحمد للَّه تعالى.
٧٢٦ - محمد أبو السعادات بن أبي القاسم .
أحمد بن الشيخ عبد القادر المكي، من فقهائها نقل عنه عصريه سيدي الحطاب في شرح المختصر، ثم رأيت في بعض تقاييده أنه أخذ عن جده
стр. 578
قاضي القضاة عبد القادر المكي والشرف العلمي والعلامة الفهامة سعيد الدكالي المغربي ووالده العلامة الحافظ محمد بن سعيد الدكالي والعلامة العارف باللَّه أحمد زروق والعلامة سراج الدين البياني المغربي وعن الشمس السخاوي والشهاب أحمد الصنهاجي المغربي والعلامة القطب الطبري والعلامة المجد إسماعيل اليمني والعلامة الشريف عبد اللَّه الامحي الشافعي، والعلامة العارف باللَّه البرهان المواهبي الحنفي وغيرهم وأنه ولد في عاشر ذي الحجة عام سبعة وستين وثمانمائة، وكان حيًا عام ثلاثة وعشرين وتسعمائة.
٧٢٧ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حسن الرعيني المغربي الأصل المكي المولد، شهر بالحطاب (١).
شيخ شيوخنا الإمام العلامة المحقق البارع الحافظ الحجة الجامع الثقة النظار الورع الصالح الأبرع الجليل، كان من سادات العلماء وسراتهم جامعًا فنون العلم متقنًا محصلًا متفننًا نقادًا عارفًا بالتفسير ووجوهه، محققًا في الفقه وأصوله عارفًا بمسائله مقتدرًا على استنباطه يقيس على المنصوص غيره، حافظًا كبيرًا للحديث وعلومه محيطًا باللغة وغريبها عالمًا بالنحو والتصريف فرضيًا حسابيًا معدلًا محققًا لها، له الإمامة المطلقة في ذلك جامعًا لسائر الفنون. وبالجملة فهو آخر الأئمة المتصرفين في الفنون التصريف التام بالحجاز وآخر أئمة المالكية بها.
له تآليف بارعة تدل على إمامته وسعة علمه وحفظه وسيلان ذهنه وقوة إدراكه وجودة نظره وحسن اطلاعه، يستدرك فيها على الأئمة الفحول كابن عبد السلام وخليل وابن عرفة فمن فوقهم، وفي الحديث على الحفاظ كابن حجر والسخاوي والسيوطي وناهيك به في درجته.
أخذ الفقه وغيره عن جماعة كوالده الحطاب الكبير والعلامة أحمد بن عبد الغفار والعارف باللَّه محمد بن عراق، وروى عن الحفاظ الشيخ عبد القادر
стр. 579
النويري وابن عمه المحب أحمد بن أبي القاسم النويري والبرهان القلقشندي والعز عبد العزيز بن فهد والجمال الصاني وعبد الرحمن القابوني وغيرهم وأجازوه.
وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن التاجوري والشيخ محمد القيسي وولده شيخنا يحيى الحطاب وشيخنا محمد الفلاني وغيرهم.
وألف تآليف حسانًا أجاد فيها ما شاء كشرحه على مختصر خليل، مات عنه مسودة فبيضه ولده الشيخ يحيى في أربعة أسفار كبار، وفيه دليل على جودة تصرفه وكثرة اطلاعه وحسن فهمه، لم يؤلف على خليل مثله في الجمع والتحصيل بالنسبة لأوائله والحج منه، استدرك فيه أشياء على خليل وشراحه وابن عرفة وشراح ابن الحاجب وغيرهم، وشرح مناسك خليل شرحًا حسنًا وشرح قرة العين في الأصول لإمام الحرمين وألّف في مسائل إلزام الإنسان نفسه معروفًا سماه تحرير الكلام في مسائل الالزام، حسن في نوعه لم يسبق إليه ومناسك سماه هداية السالك المحتاج لبيان فعل المعتمر والحاج في كراسين وشرح رجز ابن غازي في نظائر الرسالة سماه تحرير المقالة وكتاب تفريج القلوب بالخصال المكفرة لما تقدم وما تأخر من الذنوب جمع فيه بين تأليفي الحافظ بن حجر والسيوطي وزاد عليهما في كراسة، والبشارة الهنيئة بأن الطاعون لا يدخل مكة والمدينة والقول المتين بأن الطاعون لا يدخل البلد الأمين وعمدة الراوين في أحكام الطواعين، والمقدمة التي بسط فيها مسائل الآجرومية وثلاثة رسائل في استخراج أوقات الصلاة بالأعمال الفلكية من غير آلة من الآلات كبرى ووسطى وصغرى كمل منها الوسطى وانتشرت.
ومؤلف يشتمل على تفضيل نبينا ﷺ على جميع الأنبياء والمرسلين وعلى تفضيله على الملائكة وما يلزم من فضل عليه أحدًا من الأنبياء والملائكة، ومؤلف في استقبال عين الكعبة وجهتها والفرق بين العين والجهة جعله شرحًا على كلام صاحب الاحياء في كتاب السفر لطيف جدًّا في نصف كراس مفيد، ومختصر إعراب الألفية لخالد الأزهري مع يسير من زيادة في أربعة كراريس،
стр. 580
وله عدة تآليف لم تكمل منها: تفسير القرآن وصل فيه لسورة الأعراف وحاشية على تفسير البيضاوي وحاشية على الاحياء نحو ثلاثة أرباع الكتاب وصل فيه إلى أواخر ذم الجاه، وشرح قواعد عياض وصل فيه إلى أثناء القاعدة الثانية وحاشية على شرحها للقباب وقواعد على نمط قواعد عياض وصل فيه إلى القاعدة الثانية وتعليق على ابن الحاجب يتضمن ما أطلقه من الخلاف والتنبيه على ما خالف فيه المشهور والمذهب وصل فيه إلى سنن الصلاة، وتعليق في المسائل التي انفرد بها الإمام مالك وذكر فيه بعض مسائل وتعليق في المسائل التي لم يقف فيها على نص في المذهب، وتعليق على ما في كلام بهرام في شروحه الثلاثة مما فيه الاشكال ومخالفة للمنقول لم يتم وإنما كتب منه يسيرًا، وتعليق على الجواهر وصل فيه إلى شروط الصلاة، وتعليق على ابن عرفة يتضمن الكلام على تعريفاته والتنبيه على بعض اعتراضاته من كلامه كتب منه يسيرًا، وحاشية على توضيح النحو وشرح الشيخ خالد عليه وشرح على مختصر الحوفي وصل فيه إلى المناسخات، وتعليق جميع المواضع التي غلّط فيها صاحب القاموس صاحب الصحاح وتعليق يذكر فيه الألفاظ العربية التي فسر صاحب الصحاح كل لفظ منها بمرادفه فاستغنى بها عن التفسير كقوله في فصل الجيم في باب الباء: الجدب نقيض الخصب ثم قال في فصل الخاء: الخصب بالكسر نقيض الجدب، ثم يفسر الشيخ كل واحد من اللفظين بما قاله أهل اللغة، وحاشية على الشامل وصل فيه إلى شروط الصلاة وحاشية على الإرشاد وصل فيه إلى الاستقبال وتأليف في القراءات وحاشية على قطر الندى في النحو.
مولده ليلة الأحد ثامن عشر من رمضان سنة اثنين وتسعمائة، وتوفي يوم الأحد تاسع ربيع الثاني سنة أربع وخمسين.
٧٢٨ - محمد بن أحمد بن عبد الرحمن اليستني الفاسي (١).
قال تلميذه أبو العباس المنجور: شيخنا الفقيه العلامة الإمام المحقق الجامع بين المعقول والمنقول الحاج الخطيب المفتي الصالح، كان مجتهدًا في
стр. 581
طلب العلم نابذًا للراحة والرفاهية مازال يدرس حتى مات لا يتكلف في لباسه وطعامه وشأنه كله، حريصًا على نشر العلم لا يمنع كتابًا من الطلبة.
قرأ على الإمام ابن غازي قليلًا وعلى الفقيه يحيى السوسي الفقه والأصلين وعلى الفقيه أبي العباس الزقاق مختصر خليل والألفية والتفسير والحديث وغيرها، وعلى الأستاذ أبي عمران الزواوي لازمه كثيرًا، وعلى المفتيين ابن هارون وعبد الواحد الونشريسي والمحدث سقين العاصمي لازمه، والإمام الصالح المتفنن أبي العباس الحباك قرأ عليه تفسير ابن عطية وقال: ما أدركت أورع منه، ثم اشتغل بالتصوف وصحبة الصالحين فحسنت أخلاقه وكثرت صدقاته وحرصه على الخير كثير البكاء سريع الدمعة، ثم ارتحل فلقي بتلمسان جماعة كالفقيه الفتي الكبير الصالح محمد بن موسى والإمام المتفنن أبي عثمان سعيد المنوي وبقسنطينة فقيهها العالم المحقق المتفنن الصالح عمر الوزان والفقيه الأصولي المتفنن محمد العطار.
كان قائمًا على الطوالع وبتونس إمام المعقولات ماغوش وقاضيها أبي العباس أحمد سليطين والمعقولي الصوفي محمد الحويحب والفقيه الشريف ابن علي والفقيه القاضي أبي القاسم البركشي وخطيبها ومفتيها أبي محمد حسن الزلديوى والفقيه الأصيل أبي عبد اللَّه بن عبد الرفيع، له قدم في المنطق وأبي عبد اللَّه البياشي.
كان غاية في تقرير أصلي ابن الحاجب فأخذ عنهم وبمصر عن الأخوين الفقيهين شمس الدين وناصر الدين اللقانيين عام أحد وثلاثين والفقيه المفسر الصوفي أبي الحسن البكري والشيخ البحيري، وبمكة الشيخ ملا عبد الرحمن العجمي والشيخ الصالح محمد الحطاب والفقيه المتفنن عبد العزيز اللمطي، ثم رجع لفاس سنة اثنين وثلاثين فدرّس بها، وكان يطيل الدرس بالنقل والبحث، ثم حصل له كلل وملل.
كان متواضعًا يحضر مجالس أقرانه، لازمته نحو إحدى عشرة سنة فأخذت عنه الفقه والأصلين والنحو والبيان والحديث والتفسير حتى توفي ليلة
стр. 582
الأربعاء فاتح تسعة وخمسين، ولما احتضر كبّر إحدى عشرة مرة ثم قضى وتنوّر لونه بعد موته وقال غاسله، وكان صالحًا، ما رأيت مثل نوره لميت، صلى عليه السلطان فمن دونه. مولده سنة سبع وتسعين وثمانمائة.
وكان شديد التغيير للمنكر لا يتمالك عند رؤيته حتى يغيره بيده وكثيرًا ما يحسد ويؤذى فيصبر، أصله من يسيتن بربر من أعمال دبد ينتمون للشرف، كان أبوه وجده ينتمون لذلك وتورع هو عنه. أخذ عنه جماعة كأبي الحسن السكتاني قاضي مراكش.
له تآليف منها: جزء على التاجوري في تصحيح قليلة فاس والرد على مخلوف البلبالي في إنكاره القول بطهارة بول المريض الذي باله بأوصاف الماء بلا تغير، وكان مخلوف ألف فيه تأليفًا رد به على من نقل طهارته سلك فيه طريقة المعقول فناقصه، والرد على عبد الوهاب الزقاق في زعمه صحة الخلف في وعيده تعالى، وشرح مختصر خليل وصل إلى النواقض وتأليف في حقوق السلطان على الرعية وحقوقهم عليه، وتأليف في الرد على من زعم أن لا إله إلا اللَّه لا ينتفي بها ألوهية صنم وغيره ونحوه مما عبد دونه تعالى -اهـ- ملخصًا.
٧٢٩ - محمد بن مهدي الدرعي الجَراري (١).
وجرار، بفتح الجيم، على وزن فعال نسبة لقبيلة من العرب بسوس الأقصى، قال تلميذه عبد الواحد الشريف في فهرسته: كان آية في حسن الطوية وسلامة الصدر وحسن الخلق والأنقباض عن الدنيا وزينتها والزهد فيها، دعاه الملوك لدنياهم فما التفت إليها وأعطوه صلات فلم يئن لها عنانًا مع فادح الضرورة.
كساه اللَّه هيبة عندهم فلا أذل في نفسه من العمال فلا يلقي لهم بالًا ولا يرون منه اهتبالًا، أفنى عمره في العلم والتعليم صبورًا في ذلك فانتفع به كل من قرأ عليه لصلاح نيته وسيرته في الإقراء والاقتصار على تصحيح المتن
стр. 583
وحل المشكل وإيضاح المقفل ويقول: حقيقة الإقراء تصحيح المتن وحل المشكل وزيادة غيره ضررها بالمتعلم أكثر من نفعها، ويحكيه عن ابن عرفة أو غيره، كان سهل الخلق ذا ذهن ثاقب وتواضعٍ، مواظبًا على وظائف العبادات معمور الأوقات بالأوراد مستمر الإقراء دائمًا صباحًا ومساءً كثير الإفادات والإنشادات، ورأينا له من صالح الحالات وإجابة الدعوات وعموم البركات ما هو معروف للصالحين.
قرأت عليه صحيح البخاري مع بحث وعربية ومعنى وأربعينيات النووي والتهذيب ورجز التلمساني والونشريسي في الفرائض والخزرجية في العروض ومغني ابن هشام وقوانين ابن أبي الربيع في النحو وتنقيح القرافي وبعض شرحه وتشوف التادلي وشرح صغرى السنوسي وغيرها، وسمعت تفسير ابن عطية وغيره وحكم ابن عطاء اللَّه وشرحها ومختصر ابن الحاجب وخليل والألفية واللامية. ولا أشرف على معترك المنايا صرف أكثر عنايته لصالح الأعمال فامتطى الليل جملًا وبلغ في طاعة ربه أملًا فلا يزال لسانه رطبًا بذكره تعالى وقلبه منيبًا مع التزهيد في الدنيا ومعاناة شاق الأعمال حتى توفي ليلة الخميس حادي عشرين من جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وتسعمائة، مولده آخر يوم من ذي الحجة سنة اثنين وتسعمائة.
٧٣٠ - محمد بن محمود بن عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى الصنهاجي قاضي تنبكت (١).
كان، ﵀، على ما أخبرني به والدي، ذا فهم ثاقب وذهن صاف واقد، فهامًا دراكًا من دهاة الناس وعقلائهم، تولى القضاء بعد أبيه فساعدته السعادة فنال ما شاء من دولة ورياسة تفيأ منها ظلًا ظليلًا واكتسب من الدنيا عريضًا وطولًا، له تعليق على رجز المغيلي في المنطق. أخذ عنه والدي البيان والمنطق وتوفي في صفر سنة ثلاث وسبعين، السنين مولده سنة تسع وتسعمائة.
стр. 584
٧٣١ - محمد بن مجبر الفاسي .
قال المنجور في فهرسته: شيخنا الفقيه الأستاذ العروضي المتفنن، كان متقنًا للقراءات حفظًا وفهمًا، فاق أقرانه فيها مع رسوخ القدم، وتحقيق الألفية وشروحها واعتناء بالمرادي، قيد عليه كثيرًا عن شيخه الزواوي ويحيى السوسي مشاركًا في الفقه يحفظ ابن الحاجب وقرأه مرارًا على عبد الواحد الونشريسي وأخذ الفرائض عن أبي القاسم الكوشي الدرعي وعن ابن هارون، وحضر على أبي العباس الزقاق في الفقه والتفسير، ويحفظ السبع حفظًا بالغًا يستحضر نصوص الشاطبية، له أبحاث ونكت مع المكودي على الألفية جمعها عن شيوخه، ومن شروح التسهيل قيدها الطلبة، ولد في حدود ثمان وتسعين وثمانمائة- اهـ.
قال عبد الواحد الشريف: كان غاية في صلاح النية والبعد عن الأخلاق الردية وإضمارًا الخير لكل البرية، مقبلًا على ما يعنيه لا يخوض فيما لا ينبغي مع عفة ونزاهة ومسكنة وقناعة ووقار وخلق، عليه المدار في قطره في تحقيق السبع وأحكامها مع انفراده بحمل لواء النحو وتحقيقه، له إيراد يهز النفوس سماعه واشكال يحير الأفكار إبداعه -اهـ- ملخصًا.
٧٣٢ - محمد بن محمد محب الدين بن أحمد الفيشي، أحد أعيان مالكية مصر (١).
أخذ عن الناصر اللقاني والشمس التتائي والدميري والشرف الطخيخي والزينين البحيري الأجهوري والفتح الوفائي، قرأ عليهم مختصر خليل وأكثر ابن الحاجب على الأجهوري، والبخاري على السراج العبادي ويوسف السالمي الشهير بالجمل من بقية السادات وشيخ الإسلام التنوخي الحنبلي والشمس الأبودري وغيرهم. ولد في رجب عام سبعة عشر وتسعمائة.
وقال البدر القرافي في فهرسته: شيخنا علم المحدثين صاحب السند المتن، الزاكي خَلقًا وخُلقًا ابن الشيخ محب الدين ابن الإمام الحجة عين القضاة الأخيار الشهاب الفيشي، بفاء مكسورة فمثناة تحتية ثم شين معجمة ثم
стр. 585
ياء، نسبة لبعض قرى مصر، حاله حسنة كامل الدين والخير والصلاح يعامل اليتامى بكل جميل، مع الذكاء الثاقب وحسن حال جدًّا، قرأت عليه أول سيرة شيخه الإمام ختام المحدثين محمد الشامي الشافعي المسمى سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، ومن شيوخه الشمس اللقاني محمد بن عمر الفشلي وأحمد ابن النجار والمسند الرحلة عبد العزيز الأزدي -اهـ- ملخصًا.
٧٣٣ - محمد بن عبد الرحمن بن جلال وبه عرف، التلمساني نزيل فاس مفتيها (١).
قال المنجور: كان فقيهًا موحدًا مشاركًا مفتيًا خطيبًا، أفادني في الفقه والعقائد والحديث والأدب وغيرها، أخذ عن الفقيه المفتي الصالح أبي عثمان سعيد المنوي والأستاذ المحقق أحمد بن أطاع اللَّه، وحضر في التفسير عند الفقيه الفسر النوازلي عبد الملك البرجي، كان ذا تؤدة وسكون وهمة وسخاء. توفي بفاس في رمضان سنة إحدى وثمانين، مولده سنة ثمان وتسعمائة.
٧٣٤ - محمد شقرون بن هيبة الوجديجي التلمساني مفتي مراكش (٢).
قال المنجور: كان فقيهًا علامة مشاركًا، ترب الفقيه ابن جلال ومشاركه في شيوخه، نافذًا في الفروع منطبعًا معها، مشاركًا في الفرائض والحساب والبيان والمنطق. توفي آخر سنة ثلاث وثمانين عن خمس وسبعين سنة- اهـ.
وله شرح على التلمسانية وأخذ عنه صاحبنا إبراهيم الشاوي.
٧٣٥ - محمد البنوفري وبه عرف (٣).
المصري الفقيه الصالح الزاهد الورع، من أعيان فقهائها مشهورًا بالدين والخير والورع والزهد، أخذ عن الناصع اللقاني والتاجوري وغيرهما، واتفرد أخيرًا برياسة المذهب مع شهوته يالديانة، كان، على ما قيل، يختم إقراء
стр. 586
مختصر خليل في أربعة أشهر ويمشي لرباط اسكندرية أربعة أشهر ويحج في أربعة أشهر، هذا حاله في العام. توفي في حدود سنة ثمان وتسعين وتسعمائة.
٧٣٦ - محمد بن محمود بن أبي بكر الونكرمي التنبكتي عرف ببغيع (١).
بباء مفتوحة فغين معجمة فياء مضمومة فعين مهملة مضمومة، شيخنا وبركتنا الفقيه العالم المتفنن الصالح العابد الناسك المفتي، من خيار عباد اللَّه الصالحين والعلماء العاملين مطبوعًا على الخير وحسن النية وسلامة الطوية والانطباع على الخير واعتقاده في الناس حتى كاد يتساوى عنده الناس في حسن ظنه بهم وعدم معرفة الشر، مع السعي في قضاء الحوائج وارتكاب ضرر نفسه فيه والتفجع لمكروههم والإصلاح بينهم ونصحهم إلى محبة العلم وملازمة تعليمه ودرسه وصرف أكثر وقته فيه ومحبة أهله والتواضع التام ومساعدتهم والاعتناء بهم وبذل نفائس الكتب الغريبة العزيزة لهم، بحيث لا يفتش بعد ذلك عنها كائنًا ما كان من جميع الفنون فضاع له بذلك جملة من كتبه نفعه اللَّه تعالى بذلك.
وربما يأتي لباب داره طالب فيرسل له براءة فيها اسم كتاب بطلبه فيخرجه من الخزانة ويرسله له من غير معرفته من هو فكان في ذلك العجب العجاب إيثارًا لوجهه تعالى، مع محبته للكتب وسعيه في تحصيلها شراء ونسخًا، وقد جئته يومًا أطلب منه كتب نحو ففتش في داره فأعطاني كل ما ظفر به منها، وكان له صبر عظيم على التعليم آناء النهار وحصل على ايصال الفائدة للبليد بلا ملل ولا كسل حتى يضجر حاضروه وهو لا يكثرت، فنفع اللَّه به كثيرًا حتى سمعت بعض أصحابنا يقول: أظن هذا الفقيه شرب ماء زمزم لئلا يمل في الإقراء تعجبًا منه لما رأى من صبره، مع ملازمة العبادة وصلاح النية والتجافي عن رديء الأخلاق وإضمار الخير لجميع البرية حتى للظلمة، مقبلًا على ما يعنيه متجنبًا الخوض في الفضول.
стр. 587
ارتدى من العفة والمسكنة أزين رداء، وأخذ بيده من النزاهة أقوى لواء مع سكينة ووقار وحسن أخلاق سهلة الورود والإصدار فألقى له المحبة في القلوب كافة وأثنوا عليه بلسان واحد إلى الغاية، فلا ترى إلا محبًا له مادحًا ومثنيًا بالخير صادقًا اتفق على هديه الألسنة وائتلفت عليه الأفئدة، طويل الروح في التعليم لا يأنف من مبتدئ ولا بليد.
أفنى فيه عمره مع تشبته بحوائج العامة وأمور القضاة إذ لم يصيبوا عنه بديلًا ولا نالوا له مثيلًا، طلب من جهة السلطان بتولية قضاء محل السلطنة فأنف منه وامتنع وأعرض عنه واستشفع فخلصه اللَّه تعالى، لازم الإقراء لاسيما بعد موت سيدي أحمد بن سعيد، أدركته أنا يقرئ من صلاة الصبح أول وقته إلى الضحى الكبيرة دولًا مختلفة ثم يقوم لبيته ويصلي الضحى مدة وربما مشى بعدها للقاضي في أمر الناس ويصلح بين الناس، ثم يقرأ في بيته وقت الزوال ثم يصلي الظهر بالناس ويدرس إلى العصر ثم يصليها ويذهب إلى موضع آخر يدرس فيه إلى الاصفرار أو قرابه وإذا صلى المغرب درس في الجامع إلى العشاء ثم رجع لبيته، وسمعت أنه يحيي آخر الليل دائمًا.
وكان مع ذلك محققًا دراكًا ذكيًا فطنًا غواصًا على اللطائف حاضر الجواب سريع الإدراك وجودة الفهم معروفًا بذلك، أخذ العربية والفقه على أبيه القاضي الصالح محمود وعلى خاله الفقيه الصالح ثم رحل لتنبكت مع أخيه الفقيه الصالح أحمد فلازما الفقيه أحمد بن سعيد في المختصر ثم حجا مع خالهما فلقوا بمصر الناصر اللقاني والتاجوري والزين البحيري والشريف يوسف والبرهمتوشي الحنفي، والشيخ الإمام ولي اللَّه محمد البكري وغيرهم فحصّلا هناك ما حصّلا.
ثم رجعا بعد أداء فريضة الحج وموت خالهما فاستوطنا تنبكت فأخذا أيضًا عن ابن سعيد الفقه والحديث وقرأ عليه المدونة والموطأ والمختصر وغيرها ولازماه، وعلى السيد الوالد أحمد بن أحمد الأصول والبيان والمنطق فقرأ عليه أصول السبكي والتلخيص.
стр. 588
وحضر عليه شيخنا الخونجي ولازم مع ذلك الإقراء فحصل له علوم حتى صار في آخرة الحال شيخ وقته في الفنون لا نظير له.
لازمته أكثر من عشر سنين فقرأت عليه بلفظي مختصر خليل وفرعي ابن الحاجب قراءة بحث وتحقيق وتحرير ختمتها عليه، أما خليل فمرارًا عديدة نحو عشر مرات أو ثمان بقراءتي وقراءة غيري، وحضرت عليه التوضيح كذلك لم يفتني منه إلا اليسير من الوديعة إلى الأقضية عليه وختمت عليه الموطأ قراءة تفهم، وحضرته كثيرًا في المنتقى والمدونة بشرح المحلي ثلاث مرات وألفية العراقي في علم الحديث مع شرحهما، وحضرتهما عليه مرة أخرى وختمت عليه تلخيص المفتاح مرتين وبعض الثالث بمختصر السعد وصغرى السنوسي مع شرح الجزيرية وحضرت عليه الكبرى وشرحها وقرأت عليه حكم ابن عطاء اللَّه مع شرح زروق عليه ونظم أبي مقرعة والهاشمية في التنجيم مع شرحها ومقدمة التاجوري فيه ورجز الغيلي في المنطق والخزرجية في العروض بشرح الشريف والدماميني وكثيرًا من تحفة الحكام لابن عاصم في الأحكام مع شرح ولده عليها، وسمعت بقراءته هو كثيرًا من البخاري ومسلمًا كله ودولًا من مدخل ابن الحاج وبقراءة غيري دروسًا من الرسالة والألفية وغيرها.
وسمعت بلفظه جامع معيار الونشريسي كاملًا وهو مجلد كبير ومواضع أخر منه وباحثته كثيرًا في المشكلات وراجعته طويلًا في المهمات.
وبالجملة فهو شيخي وأستاذي ما انتفعت بأحد انتفاعي به وبكتبه، ﵀ ونفعه، وأجازني جميع ما يجوز له وعنه وكتب لي بخطه في ذلك وأوقفته على بعض تآليفي وتقاييدي فكتب لي بخطه الثناء والموافقة بل كتب عني أشياء من أبحاثي لحسن نيته، وسمعته ينقل في دروسه بعضها لإنصافه وتواضعه وقبوله الحق حيث تعين.
وكان حاضرًا معنا يوم الكائنة العظمى علينا بتنبكت فنجاه اللَّه تعالى، فكان آخر عهدي به، ثم بلغني وفاته بها يوم الجمعة من شوال في عام اثنين. وألف، رحمه اللَّه تعالى، وأخبرني أن مولده سنة ثلاثين وتسعمائة، وله تعاليق
стр. 589
وطرر نبه فيها على هفوات لشرح خليل وغيره وتتبع شرح التتائي الكبير من أوله التي آخره فبين ما فيه من السهو نقلًا وتقريرًا في غاية الإفادة، وقد جمعتها في عدة كراريس تاليفًا مستقلًا، وله فتاوى عديدة.
٧٣٧ - محمد بن يحيى بن عمر بن أحمد بن يونس المصري، عرف بالقرافي (١).
القاضي بدر الدين أحد شيوخ العصر، كان مشارًا إليه بالعلم والصلاح موسعًا عليه في دنياه، أخذ عن الشيخين التاجوري والأجهوري والزين الجيزي وروى الحديث عن جماعة أجلهم الولي الصالح البقية جمال الدين يوسف ابن الشيخ زكريا والعلامة العلم خاتمة المحدثين النجم الغطي والولي الصالح أبو عبد اللَّه بن أبي الصفا ابن الأستاذ محمد البكري عرف الحنفي، تولى قضاء المالكية بمصر وكان، على ما قيل، أمثل قضاته، شرح مختصر الشيخ خليل بشرح عظيم في أسفار سماه عطاء اللَّه الجليل الجامع لما عليه من شرح جميل، وله حاشية على القاموس سماه القول المأنوس وتعليق على أوائل ابن الحاجب وذيل على الديباج فيه نيف وثلاثمائة شخص في خمسة كراريس وشرح الموطأ وشرح التهذيب قصد فيه تعيين المشهور خصوصًا ما ذكره أبو الحسن في التقييد من الخلاف، هكذا ذكر هو في فهرسته، وهو الآن بقيد الحياة، حفظه اللَّه تعالى وعلماء الإسلام كلهم، مولده، على ما قال، سنة تسع وثلاثين في رمضان ليلة سبع وعشرين منه، ثم توفي عام تسعة وألف، على ما بلغنا.
بقية الأسماء من حرف الميم
من اسمه موسى
٧٣٨ - موسى بن يحيى الصديني الفاسي أبو عمران .
كان فقيهًا حافظًا، لقي أبا جعفر الأسواني وغيره ودخل الأندلس، وحدث عنه أبو الفرج عبدوس وغيره، توفي بفاس يوم الجمعة يوم عرفة سنة
стр. 590
ثمان وثمانين وثلاثمائة، ذكره ابن سعادة في ذيله وابن سهل في اختصار المدارك. صح من خط بعض أصحابنا.
٧٣٩ - موسى بن أبي علي الزناتي الزموري المولد والمنشأ، نزيل مراكش (١).
الفقيه الصالح المدرس المذكر أبو عمران شارح الرسالة والمدونة والمقامات وغيرها كتأليفه في المولد. أخذ عنه أبو العباس بن البنا بمراكش في العشر الأول من المائة الثامنة بل في سنة اثنين منها. صح من خط بعض أصحابنا.
٧٤٠ - موسى بن محمد بن معطي العبدوسي (٢).
وبه عرف أبو عمران الفاسي مدرسها وعالمها ومفتيها، قال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا ومفيدنا طريقة الفقيه الشيخ الحافظ، مجلسه بفاس أعظم المجالس يحضره الفقهاء والمدرسون والصلحاء وحفاظ المدونة يحضره من نسخها بيد الطلبة نحو أربعين، وله ادلال عجيب في إقراء التهذيب، سمعته يقول: لي أربعون سنة نقرئ المدونة، وفي عام وفاته وقف قارئ الرسالة على باب الجنازة فكره ذلك الطلبة وأرادوا الزيادة ففهم وقال لهم: كرهتم الوقوف على الجنائز، واللَّه لا أقف إلا عليه فوقف القارئ وتوفي الشيخ تلك السنة.
وما رأيت في الفقهاء من يعظم الشيخ يعزي أعظم منه، كان في أكثر مجالسه يذكر لنا أحواله ويشير أن ما ثم من الأولياء مثله ويحكى عنه أنه إذا حرث يخرج للضعفاء تسعة أعشار صابته ويمسك عشرها عكس الزكاة ويقول: من سعوء أدبي أخرج العشر وأتمسك بالتسعة.
وذكر أن أبا الحسن بن حرزهم سجنه سلطان مراكش فقال لتلامذته في الطريق: لا ألبث في السجن فقالوا له: سبحان اللَّه اسكت وهل سجنت إلا على مثل هذه الأحوال فقال لهم ها هو الشيخ أبو يعزى ينظرني لا يتركني فإنه
стр. 591
كل ما طلبه من مولاه يلمله له، وبينهما مسيرة خسة أيام فاطلق من ساعته.
أخذ شيخنا العبدوسي عن عبد العزيز القوري والشيخ الصالح عبد الرحمن الجزولي صاحب تقاييد الرسالة، وتوفي أوائل عام ست وسبعين وسبعمائة، وكان في مجلسه يشير لنا بذلك -اهـ- من رحلته.
وقال الإمام القوري: قال لي الشيخ الصالح أحمد بن مالك خديم سيدي ابن عباد: كان الشيخ العبدوسي آية اللَّه في المدونة وكان الشيوخ يقولون: فقهاء العصر على ثلاثة أقسام: من أعطى الحفظ فقط ومن أعطى الفهم فقط ومن جمعا له وهو سيدي العبدوسي، وقد قيَّد عنه شيخنا الفقيه الحافظ عمر بن موسى تقييدًا كبيرًا في عشرة أسفار على المدونة، وله تقييد آخر عليها وآخر على الرسالة- اهـ.
وقال ابن الخطيب أيضًا في موضع آخر: كان له في الفقه مجلس لم يكن لغيره في زمانه، لازمته في المدونة والرسألة بفاس ثمان سنين- اهـ.
قلت: وممن كان يحضره من كبار الصالحين ابن عباد وأبو حفص الرجراجي وأبو عبد اللَّه الهواري وناهيك بهم في الولاية والإمامة.
٧٤١ - موسى بن الحاج أبو عيسى (١).
قال في الروض الهتون: شيخ شيوخنا كان إمامًا في العربية، يقوم على تسهيل ابن مالك ويقرر الألفية بجامعها الأعظم تقريرًا حسنًا وكثيرًا ما يتمثل:
خلت الديار فَسُدْت غير مسوَّدٍ. . . البيت
حدثني عنه بذلك الشيخ أبو عبد اللَّه ابن الأستاذ ابن جابر.
٧٤٢ - موسى بن يحيى بن عيسى المازوني المغيلي (٢).
قاضي مازونة، وصفه بعضهم بالفقيه الأجل المدرس المحقق القاضي
стр. 592
الأكمل، وهو والد صاحب النوازل الآتي، ولصاحب الترجمة تأليف في الوثائق سماه الرائق في تدريب الناشئ من القضاة وأهل الوثائق في مجلد وذكر فيه ما نصه من الاستغناء قال المشاور إن أوصى بثلثه لسارق فليس للقاضي عزله لأن ربه يوصي به حيث شاء، لكن يلزمه الاشهاد على التنفيذ لئلا يخون المنتخب الذي جرى به العمل عندنا كشفهم عن تنفيذ ما جعل لهم وإن كان مأمونًا وهو أحوط.
ثم قال: وإذا ملك اليتيم أمره وطلب محاسبة وليه أو طلبه الوصي بفور إطلاق الوصي له لم ينفع ذلك حتى يطول الأمر طولًا تنتفي عنه به التهمة من أن يقال إنما أطلقه ليبرئه.
قال أبي عن شيخه القاضي أبي محمد عبد الحق الملياني، وهو ممن يعول على قوله لمعرفته ودينه: يسحب تأخير المحاسبة بينهما سنة من وقت إطلاقه بخلاف محجور ولي القاضي فإن له محاسبته إن أحب بفور إطلاقه إذ لا تهمة عنه لأنه إنما يطلق بظهور رشده وإذن القاضي- اهـ.
٧٤٣ - موسى الخلطي عرف بالعربي .
أبو عمران، قال الشيخ زروق: الفقيه المدرس الإمام الخطيب مدرس المتوكلية كان يعرف المدونة ويقرئها، مع تجمله في حاله وشغله بنفسه وإقباله على حاله. توفي سنة إحدى وثمانين- اهـ.
٧٤٤ - موسى بن علي الأغصاري والصلتاني أبو عمران بن القعدة (١).
الفقيه الفرضي الحساب، ذكر بعصهم أنه أول من أدخل شامل بهرام لفاس. توفي سادس رمضان سنة إحدى عشرة وتسعمائة. ذكره الونشريسي في وفياته ووصفه بالفقيه الفرضي.
٧٤٥ - مبارك المصمودي (٢).
قال الشيخ المنجور في فهرسته: كان فقيهًا نافذًا في درس مختصر خليل
стр. 593
يحل لفظه، قليل الزيادة عليه، ختمته عليه أربع مرات وقرأ عليّ فرائض الحوفي وتلخيص ابن البنا، وقرأ على شيوخ المصامدة واليسيتني وغيره. توفي سنة ثمانين وتسعمائة عن سن عالية.
٧٤٦ - محمود بن عمر بن محمد أقيت (١).
ابن عمر بن علي بن يحيى الصنهاجي المسوفي قاضي تنبكت أبو الثناء وأبو المحاسن عالم التكرور وصالحها ومدرسها وفقيهها وإمامها بلا مدافع، كان من خيار عباد اللَّه الصالحين العارفين به ذا ثبت عظيم في الأمور وهدى تام وسكون ووقار وجلالة، اشتهر علمه وصلاحه في البلاد وطار صيته في الأقطار شرقًا وغربًا وظهرت ديانته وورعه وصلاحه وعدله في القضاء ونزاهته، لا يخاف في اللَّه لومة لائم يهابه السلاطين فمن دونهم ويزورونه في بيته فلا يقوم لهم ولا يلتفت إليهم ويهادونه بالهدايا والتحف تترى وكان شيخنا كريمًا جوادًا يفرق ما يهدى له بين الناس.
تولى قضاء عام أربعة وتسعمائة فشدد في الأمور وسدد وتوخى الحق في الأحكام، ولذوي الباطل هدد فظهر عدله بحيث لا يعرف له نظير في وقته مع ملازمة التدريس، فانتفع به بشر كثير وأحيا العلم بتلك البلاد واشتهر هناك وكثر طلبته في الفقه ونجب منهم جماعة كثيرة، وكان أكثر ما يقرئ المدونة والرسالة ومختصر خليل الألفية والسلالجية وربما أقرأ غيرها، وعنه انتشر قراءة خليل هناك وقيد عنه تقاييد عليه أخرجوها شرحًا في سفرين وانتشر.
وحج في عام خمسة عشر وتسعمائة فلقي السادات كإبراهيم المقدسي والشيخ زكريا والشيخ القلقشندي واللقانيين وغيرهم، وذكر صلاحه هناك ثم رجع لبلاده ولازم الإفادة وانفاذ الحق وطال عمره فألحق الأبناء بالآباء حتى توفي سنة خمس وخمسين ليلة الجمعة سادس عشر رمضان، وبلغ من جلالة وتعظيم القدر وشهرة الذكر بالصلاح والولاية مبلغًا لم ينله غيره. مولده سنة
стр. 594
ثمان وستين وثمانمائة، ﵀، أخذ عنه والدي، ﵀، وأولاده الثلاثة القضاة محمد والعاقب وعمر وغيرهم.
٧٤٧ - مخلوف بن علي بن صالح البلبالي (١).
الفقيه الحافظ الرحلة، اشتغل بالعلم على كبر، على ما قيل، فأول من أخذ عنه الشيخ الصالح عبد اللَّه بن عمر بن محمد أقيت أخو جدي ببلاد ولاتن، قرأ عليه الرسالة ورأى منه نجابة فحضه على العلم وترك التجارة فحصل له الرغبة في الطلب فسافر للغرب فأدرك ابن غازي وغيره فأخذ عنه وانتشر علمه واشتهر بقوة الحافظة حتى ذكر عنه فيه العجب حتى قيل إنه يحفظ صحيح البخاري.
ثم دخل بلاد السودان كبلد كندوكش وغيرهما وأقرأ أهلها وجرى له هناك نوازل وأبحاث مع الفقيه العاقب الانصمني ثم دخل تنبكت ودرس هناك ورجع، ثم رجع إلى الغرب فدخل مراكش ودرس بها وسم هناك فرجع لبلاده وتوفي بعد الأربعين وتسعمائة.
٧٤٨ - مسعود بن يحيى من أهل المرية .
قال الحضرمي: شيخنا الفقيه الجليل الأصيل الماجد الفاضل ابن الفقيه الجليل قاضي الجماعة أبي بكر يحيى، ولى القضاء بجهات شتى نائبًا عن والده ثم استقلالًا بعده، عرفنا بحاله في تأليفنا في قضاة المرية. توفى قاضيًا ليلة الخميس ثالث جمادي عام أحد وأربعين وسبعمائة وصلى عليه أبو البركات ابن الحاج. مولده بغرناطة يوم السبت الثاني والعشرين سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وقد عرفت بأسلافه الكرام فهو قاض ابن قاض ابن قاض ابن قاض أربعة دونه على نسق -اهـ- ملخصًا.
٧٤٩ - مصباح بن عبد اللَّه الياصلوتي (٢).
أبو الضياء الفاسي، من أكابر أصحاب أبي الحسن الصغير، كان فقيهًا
стр. 595
صالحًا حافظًا نوازليًا، وهو أول من درّس بمدرسة أبي الحسن المريني بفاس فنسبت إليه، وكانت أمه من الصالحات ولا ترضعه إلا على وضوء، وتفقه على أبي الحسن الصغير وغيره. توفي بفاس سنة خمسين وسبعمائة. وله فتاوى نقل بعضها في العيار.
من اسمه منصور
٧٥٠ - منصور بن أحمد بن عبد الحق المشذالي (١).
أبو علي الشيخ ناصر الدين الإمام الفذ الأوحد الحافظ العلامة المجتهد، قال الغبريني في عنوان الدراية: كان فقيهًا محصلًا متقنًا رحل للشرق ولقي أفاضل، وله مشاركة في علم المنطق والعربية وكل هذه الفنون تقرأ عليه، له دروس حسنة منقحة وعبارة جيدة، يتكلم على التفسير والحديث فيجيد، وهو من أهل الشورى والفتيا، له شرح على الرسالة لم يكمل وتحصيله الأصلين على طريقة الأقدمين والمتأخرين، وهو ممن ينتفع بالأخذ عنه والسماع منه- اهـ.
وقال التجيبي في رحلته: لقيت ببجاية الشيخ الفقيه الإمام أوحد الفضلاء الأعلام أبا على منصور الزواوي المشذالي وآخر رجالات الكمال بأفريقيا والمغرب الأقصى ممن جمع بين معرفة الفقه وأصوله وأحكم حظًا وافرًا من العربية وحصل المنطق والجدل وغيرهما، وحاز السبق في علوم كثيرة واستبحر فيها وتكلم في أنواعها وناظر في جميعها وتفنن في المعارف كلها، وليس على اللَّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد.
وقد اطلع على مذاهب الأئمة خصوصًا مذهب مالك فإنه انفرد بمعرفته والقيام بتقربه ونصرته يصور ويحرر ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح، مع ثقوب ذهن وصحة استنباط وفهم، رحل للشرق صغيرًا مع أبيه وبه قرأ وتفقه وسمع بالشام ومصر وأقام في رحلته نيفًا وعشرين، فيما بلغنا، ولزم العز بن
стр. 596
عبد السلام كثيرًا وانتفع بعلمه واهتدى بهديه ولقي غيره من الأئمة وسمع الشرف المرسي والرضي الواسطي المجتهد وغيرهم. أخبرني أن مولده سنة إحدى أو اثنين وثلاثين وستمائة، وقد كان كتب قبل ذلك أن مولده سنة إحدى وثلاثين بلا شك -اهـ- ملخصًا. وكان لقاؤه إياه آخر القرن السابع.
وقال العبدري في رحلته: رأيت بملالة الفقيه أبا علي منصور المشذالي، ومشذالة قبيلة من زواوة ويلقب بناصر الدين، رحل للشرق قديمًا فقرأ به الأصول والفروع درسة وتفقهًا، وله منهما حظ وافر غير معتن بالرواية ليس له فيها حظ، حدثني أنه حضر وفاة أبي عبد اللَّه بن أبي الفضل السلمي بالشام وسألته عن تاريخه وكان غرضي فلم يحفظه شهرًا ولا عامًا، وهذا نهاية الاغفال- اهـ.
وقال أبو حيان في النظار: كان يشتغل ببجاية في النحو والفقه والأصول، رحل للقاهرة ولزم العز بن عبد السلام وسمع من إبراهيم بن مضر- اهـ.
قال الخطيب ابن مرزوق الجد: قد وصل شيخنا أبو علي درجة الاجتهاد، سمعته من جماعة من أصحابه كالفقيه السفر والفقيه محمد بن الكاتب والفقيه عمران الشذالي وغيرهم ممن سمع كلامه وكان السامع مضطلعًا بالعلوم بما يدرك به تفننه في تآليفه وأجوبته في النوازل المختلفة والفنون المتباينة لم يبعد إدراكه هذا الرتبة وبلوغه تلك الدرجة -اهـ- ملخصًا.
وقال الشيخ منصور الزواوي: شيخنا ناصر الدين هو الإمام المجتهد علم الأعلام وقطب الفقهاء وقدوة النظار وإمام الأمصار، ارتحلت إليه فوجدته قد بلغ من السن غايته وأوجبت جلوسه في داره، إلا أنه يفيد بفوائده بعض زواره. وتوفي عام أحد وثلاثين وسبعمائة، فخص مصابه البلاد وعم ولفّ سائر الطلبة وضم لكن ملأ بجاية وأقطارها بالعلوم النظرية والفهوم النقلية والعقلية -اهـ- وعمره مائة سنة.
стр. 597
٧٥١ - منصور بن علي بن عبد اللَّه الزواوي أبو علي، نزيل تلمسان (١).
قال ابن الخطيب في الإحاطة: هذا الرجل صاحبنا طرف في الخير والسلامة وحسن العهد والصون والطهارة والعفة قليل التصنع مؤثر الاقتصاد، منقبض عن الناس مكفوف اللسان واليد مشتغل بشأنه عاكف على ما يعنيه مستقيم الظاهر ساذج الباطن منصف في الذاكرة موجب لحق الخصم حريص على الإفادة والاستفادة مثابر على تعلم العلم وتعليمه غير آنف من حمله عمن دونه جملة من جمل السذاجة الرجولية وحسن العاملة صدر من الصدور له مشاركة حسنة في كثير من العلوم العقلية والنقلية واطلاع وتقييد ونظر في الأصول والمنطق والكلام ودعوى في الحساب والهندسة والآلات يكتب ويشعر فلا يعدو الإجازة والسداد.
قدم الأندلس عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة فلقي رحبًا وعرف قدمه فتقدم مقرنًا بالمدرسة تحت جراية نبيهة وحلق للناس متكلمًا على الفروع الفقهية والتفسير وتصدر للفتيا، وجربته وصحبته فرأيت منه دينًا ونصفة، حسن عشرة، ثم امتحن في هذا الوقت بمطالبة شرعية في توقفه حين جمع الفقهاء في عقد على رجل نال من جانب اللَّه والنبوة وشك هو في القول بتكفيره فقال القوم بإشراكه في ذلك ولطخه إذ كان كثير المشاحة لجماعتهم فأجلت الحال عن صرفه عن الأندلس في عام خمسة وستين.
أخذ عن جماعة كوالده علي بن عبد اللَّه والإمام المجتهد منصور المشذالي قرأ عليه أوائل ابن الحاجب وابن المسفر وأبي علي بن حسين قرأ عليه جملة من الحاصل والمعالم الدينية والفقهية والآيات البينات والخونجي وقاضي بجاية أبي عبد اللَّه بن يوسف الزواوي وأبي العباس بن عمران بتلمسان عن الإمام المجمع على جلالته وإمامته العالم الفاضل عبد المهيمن الحضرمي وأبي العباس بن يربوع والقاضي أبي إسحاق بن يحيى، وبالأندلس عن إمام الصنعة
стр. 598
ابن الفخار البيري. لازمه لوفاته وأجازه وأذن له في التحليق بموضع تدريسه والقاضي الشريف السبتي نسيج وحده لازمه وأخذ عنه تآليفه وقرأ عليه التسهيل، وروى عن أبي البركات بن الحاج والخطيب أبي جعفر الطنجالي، وهو الآن بحاله الموصوفة، أعانه اللَّه وأمتعه من حين أزعج عن الأندلس مقيم بتلمسان يقرئ ويدرس -اهـ- ملخصًا من الإحاطة.
وفي فهرست الشيخ يحيى السراج شيخنا الفقيه الأستاذ الجليل المقرئ المدرس الأصولي النحوي أبو علي منصور كان شيخًا فاضلًا فقيهًا نظارًا معدودًا في أهل الشورى، له مشاركة في كثير من العلوم النقلية والعقلية واطلاع وتقييد ونظر في الأصول والمنطق والكلام حريصًا على الإفادة والاستفادة مثابرًا على التعلم والتعليم. أخبرني أن مولده في حدود عشرة وسبعمائة- اهـ.
وممن أخذ عنه الإمام أبو إسحاق الشاطبي وذكر عنه في الإفادات والإنشاءات عن شيخه الأستاذ الشهير أبي عبد اللَّه المسفر أنه قال: إن تفسير الفخر ابن الخطيب احتوى على أربعة علوم نقلها من أربعة كتب مؤلفوها كلها معتزلة فأصول الدين من كتاب الدلائل لأبي الحسين وأصول الفقه من كتاب المعتمد له أيضًا وهو أحد نظار المعزلة الذي قال فيه بعض الشيوخ إذا خالف أبو الحسين في مسألة صعب الرد عليه فيها، ومن التفسير من كتاب القاضي عبد الجبار والعربية والبيان من كشاف الزمخشري، وذكر عنه أيضًا أن الفخر ابن الخطيب سأل السيف الآمدي لم أجاز الشرع ذبح الحيوان في حق الإنسان وهو تعذيب له وتعذيب الحيوان على خلاف المعقول؟ فأجابه بأن اتلاف الخسيس في حق النفيس من مناهج العقول فقال له الفخر لو كان كذلك لجاز أن تذبح أنت في حق ابن سينا- اهـ.
وذكر عنه أيضًا قال: وكثيرًا ما أسمع الفقيه الجليل الأصولي أبا علي الزواوي يقول: قال بعض الفضلاء: لا يسمى العالم بعلم ما عالمًا بذلك العلم على الاطلاق حتى تتوفر فيه أربعة شروط: أحدها كونه محيطًا بمعرفة أصول ذلك العلم على الكمال، ثانيها: كونه قادرًا على التعبير عن ذلك العلم
стр. 599
ثالثها: كونه عارفًا بما يلزم عنه، رابعًا: كونه قادرًا على رفع الاشكالات الواردة عليه- اهـ.
قال الشاطبي: رأيتها منصوصِة لأبي نصر الفارابي الفيلسوف في بعض كتبه- اهـ.
وكان حيًا بعد السبعين وسبعمائة.
٧٥٢ - منصور بن علي بن عثمان الزواوي (١).
المنجلاتي البجائي، عالمها ومفتيها الإمام العلامة الفقيه الحجة أبو علي ابنِ الفقيه العلامة أبي الحسن. له فتاو عدة منقولة في المازونية والمعيار، كان حيًا في حدود الخمسين وثمانمائة. في غالب الظن معاصرًا لأبي عبد اللَّه المشذالي. لم أقف على ترجمته.
٧٥٣ - منديل بن محمد بن محمد بن داود بن آجروم الصنهاجي اسمه أحمد (٢).
قال ابن الأحمر: شيخنا الفقيه الأستاذ المقرئ المصنف الأديب الحاج أبو المكارم ابن الأستاذ النحوي أبي عبد اللَّه بن آجروم. توفى سنة اثنين وسبعين، يروي عن أثير الدين أبي حيان والفاكهاني وغيرهما- اهـ.
وقال أبو زكرياء السراج في فهرسته: الشيخ الأستاذ الحاج المقرئ اللغوي الأديب ابن الفقيه الأستاذ المقرئ العلامة، كان شاعرًا أديبًا مكثرًا مجيدًا منبسطًا جميل المجلس، من أعجب المقرئين فصاحة وحسن إلقاء، وكان جل إقرائه مقامات الحريري، كان فيه أوحد زمانه، ونبلاء الطلبة يرصدونه فلا يسمعون منه لحنة، حج سنة إحدى وأربعين ولقي جماعة وأجازوه منهم: أبو حيان أجازه جميع ما روى وصنف.
ومما أملى عليه: يعلم واقفه أن شخصًا يسمى إبراهيم الصفاقسي وقف
стр. 600
على نسخة سقيمة غاية الرداءة والتصحيف والتحريف من كتابي البحر المحيط فنقل منه مسائل في كتب جمعه من الإعراب وغيره نسبها لي لم ينقل نص كلامي بل على ما فهمه وانتقاه، على زعمه، وزاد من كلام أبي البقاء، وإنما ذكر كلامي ليروج به كتابه وأنا برئ من عهدة ما نقل عني إذ لم ينقل كلامي بلفظه ولم ينتقه وليس بأهل لفهم كلامي لضعفه جدًّا في العربية مشتغل بفروع مذهب مالك وشيء من أصول الفقه مع صغر السن وعدم الأصيل ومنشأ يعرفه من يعرفه، وقد عاتبته على ذلك- اهـ.
قلت: وتقدمت هذه الحكاية في ترجمة الصفاقسي عن أبي المترجم به هنا، وما هنا هو الصواب.
ثم قال السراج: أخذ صاحب الترجمة بتونس عن أبي برال والفقيه الجليل أبي العباس بن أبي بكر بن أبي القاسم اليحصبي التونسي والقاضي بن عبد السلام وابن جابر الوادي آشي والفقيه العدل مبارك بن يوسف بن محمد بن أحمد ابن زيري النقاسي والفقيه المدرس أبي مهدي عيسى بن موسى بن فركان الزواوي والفقيه الشهير أبي عزيز ببجاية وابن المسفر والفقيه قاضي الجماعة أبي عبد اللَّه ابن يوسف وأبي العباس أحمد بن محمد الزواوي وغيرهم. توفي رابع جمادى الأولى عام اثنين وسبعين -اهـ- ملخصًا.
٧٥٤ - ميمون بن مساعد المصمودي مولى أبي عبد اللَّه الفخار (١).
كان فقيهًا أستاذًا. له تآليف في علوم القرآن وسما وقراءة. توفي بفاس جوعًا سنة ست عشرة وثمانمائة.