← Тафсир

Тафсир · id 1419

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل

ابن الزبير الغرناطي

Полный текст (513 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهو الغفور الرحيم "، فورد جواب الشرط الثانى فى الآية الأولى بقوله: "فهو على كل شئ قدير " وفى الثانية بقوله: "فلا راد لفضله " وقال فى الأولى: "وإن يمسسك " وفى آية يونس: "وإن يردك " وأعقبت آية يونس بقوله: "وهو الغفور الرحيم " فخص هاتين الصفتين العليتين من صفاته تعالى فهذه ثلاث أسئلة فللسائل أن يسأل عن توجيهها وموجب ما ورد عليه ما ذكر؟ والجواب عن الأول والله أعلم أن مدار الأية الأولى وهى آية الأنعام على أنه سبحانه المنفرد بالخلق والاختراع والمتصرف فى عباده بما يشاء والقدير على كل شئ ونفى هذه الصفات عمن سواه سبحانه وتنزيل هذا عل ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " وقوله: "هو الذى خلقكم من طين " وقوله "وهو الله فى السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم " وقوله فيمن أهلكه من القرون بكفرهم: "مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا .... "الآية وقوله: "قل لمن ما فى السماوات والأرض ... "الآية وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ... "الآية فدارت هذه الآى كلها على التعريف بوحدانيته تعالى وانفراده بخلق الأشياء وملكها وقهرها ولم يقع فيها تعرض إلى أن أحدا من خلقه يمنع أو يدفع أو يتعاطى استبدادا بشئ وإن كان قد يفهم بعض ذلك من الجارى أثناء الكلام كقوله: "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا ... "الآية بل فى قوة الجارى فى هذه الآى أن المشار إليهم بمخالفة مقتضاها أخلدوا إلى ترك التغير واشبهوا البهائم فى البعد عن النظر وكأنهم يرون أن الأفعال وما يتجرد فى العالم من المدركات المشاهدات من الأجسام والأعراض على كثرة تنوعها واختلاف شيآتها وأشكالها زجدت بأنفسها لا عن فاعل تقدمها أوجدها بالقدرة والاختيار بل تكونت بأنفسها فقوبل مرتكبهم بالتعريف بقدرته تعالى على كل شئ وأنه الموجد لما فى العالم العلوى والسفلى وقيل له ﵇: "وإن يمسسك الله بضر .. "الآية إعلاما بأن ما يكون من هذا فمنه تعالى لأنه المنفرد بالخلق والقدير على كل شئ فهذا حاصل ما تقتضيه آية الأنعام. وأما آية يونس فقد ذكر قبلها حال من ظن أن غيره تعالى يضر أو ينفع قال تعالى:

стр. 142

"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فقد نسبوا لهم النفع بالشفاعة وقال تعالى: "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ... "الآية وقال تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ... "الآية وقال تعالى: "قل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده " وقال تعالى: "قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق " فدارت هذه الآيات على أنهم توهموا نفع ما اتخذوه معبودا من شركائهم فبطل توهمهم واضمحل باطلهم واتبع ما تقدم بقوله جل وتعالى لنبيه ﵇: "ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك " ثم بقوله تعالى: "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله " وحصل من هذا أن كل ما عبد دونه سبحانه وتوهم أنه يضر أو ينفع ليس كما ظنوه قال تعالى: "وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه " فناسب ما تقدم من التنصيص على انفراده تعالى بالخلق والأمر. والجواب عن السؤال الثانى والله أعلم: أن قوله تعالى هنا: "وإن يردك بخير " ولم يقل: "وإن يمسسك بخير " كما فى آية الأنعام أنه تقدم قبل هذه الآية قوله تعالى: "إن الذين حقت كلمة ربك لا يؤمنون ... "الآية فهو إعلام منه سبحانه بجرى الخلائق على ما قدر لهم أزلا وسبق به حكمه تعالى ثم أعقب بقوله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا " فهذا تأكيد للغرض المذكور من جرى العباد على ما قدر لهم وما شاءه سبحانه فيهم وإن ذلك لا يرده راد ولا يعارضه معارض فناسب هذا قوله تعالى: "وإن يردك بخير فلا راد لفضله " أتم مناسبة ثم وقع بعد هذا قوله تعالى: "يصيب به من يشاء من عباده " وإصابته سبحانه من يشاء بالخير هو المراد بقوله فى آية الأنعام: "وإن يمسسك بخير " فاجتمع فى آية يونس الأمران معا وكأن قد قيل: وإن يمسسك بخير ويردك به فلا راد لما أصابك به وأراده لك ففى هذه الآية من إمعان المقصود وتأكيده ما ليس فى آية الأنعام ليطابق هذا التأكيد والإمعان ما تقدم من قوله تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون " وقوله: "ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا " ولم يتقدم فى آية الأنعام مثل هذا فوقع الاكتفاء هناك بقوله: "وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير " فجاء كل على من هذا على أتم مناسبة وأوضح ملاءمة والله أعلم.

стр. 143

والجواب عن السؤال الثالث أنه لما تقدم هذه الآية من مؤثرات الخوف والجهل ومهيجات الرهب واالخشية ما اقتضاه الاخبار بغيبة للقدر وجهل للمشيئة فى قوله: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك. .. "الآية وقوله: "ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا " وعظم موقع ذلك على المؤمنين وكان مع ذلك للوفاء بمزدلفات الأعمال مما لا يحصل بالآمال أنسهم سبحانه بذكر الصفتين العليتين فقال: "وهو الغفور الرحيم " فناسب ورود الوصفين ما تقدم والله أعلم بما أراد. الآية السادسة قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون " وقال فيما بعد من هذه السورة: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ " وفى سورة الأعراف: قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون " وفى سورة العنكبوت: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه " وفى سورة الصف: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام " وفى هذه الآيات سؤالان: أحدهما وجه ورود الآيات فى هذه المواضع بهذا النص من قوله "فمن أظلم ممن افترى على كذبا " وتعقيب كل آية منها بما اتصل بها والسؤال الثانى: تعريف الكذب فى سورة الصف وتنكيره فيما عداها. والجواب عن الأول: أن الأولى تقدمها قوله: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون " ثم قال تعالى بعد: "ولو أنزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين " فحصل من هذا افتراؤهم وفى قولهم: إنه سحر. وتكذيبهم قال تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم " وجعلهم مع الله آلهة سواه فجمعوا بين الشرك والتكذيب فناسب هذا ورود قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا " على طريقة التعجب من مرتكبهم وسوء حالهم أى: من أظلم يا محمد من هؤلاء الجامعين بين الافتراء والشرك والتكذيب مع وضوح الشواهد وكثرة الدلائل الواردة أثناء هذه الآى مما لا يتوقف فيه معتبر فقد وضح تناسب هذا كله وحق لمرتكبه الوصف بالظلم الذى لا يفلح المتصف به وهو ظلم الافتراء على الله والشرك والتكذيب.

стр. 144

وأما الآية الثانية من سورة الأنعام فإن قبلها ذكر الرسل ﵈ وتعقيب ذكرهم بقوله: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " ثم قال تعالى: "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ " فأعظم تعالى مرتكبهم فى هذا وفى تعاميهم عن التوراة وما تضمنته من الهدى والنور ثم أعقب ذلك بقوله تنزيها للرسل ﵈ عن الافتراء على الله سبحانه وادعاء الوحى فصار الكلام بجملته فى قوة أن لو قيل: ألا ترون ما تضمن كتاب موسى من الهدى والنور والبراهين الواضحة وهل يمكن أحد أعظم افتراء من هذا ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه بشئ " فهذا أوضح شئ ولما لم يتقدم فى الآية الأولى ذكر الأنبياء والوحى إليهم كما فى هذه لم يناسبها ما ورد هنا فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم. وأما آية الأعراف فتقدمها وعيد من كذب بآيات الرسل واستكبر عنها وأنهم أهل الخلود فى النار فناسب هذا قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على كذبا أو كذب بآياته .. "الآية. وأما آية يونس فتقدم قبلها قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله " إلى آخر الآية ولا أظلم ممن قال من فصحاء العرب العالمين بمقاطع الكلام وجليل النظم وعلى البلاغة: "ائت بقرآن غير هذا " أو بدله مع علمهم بعلى فصاحته واعترافهم بالعجز عنه فجمعوا بين إنكار ما علموا صدقه ممن عرفوا على حاله وجليل منصبه فإخباره تعالى عنهم بقوله: "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فجمعوا بين الانكار وبين وقولهم فى إنكارهم "أو بدله " فلا أظلم من هؤلاء ثم فى إنكارهم وقولهم "أو بدله " أعظم إقدام وأوضح إجرام لأنه كفر على علم فلهذا أعقبت الأية هنا بقوله: "إنه لا يفلح المجرمون " ولم يقع قبل التى فى سورة الأنعام وقبل آية الأعراف مثل هذا الاقدام على مثل هذه الجريمة فى القول وإنما تقدم عداوتهم زظلمهم أنفسهم فى مرتكباتهم وتعاميهم فناسبه قوله: "إنه لا يفلح الظالمون " وأما آية العنكبوت وآية الصف فجوابهما بين مما تقدم. وجواب ثان: وهو أنه قد تقدم مما به الاعتبار فى الأولى من آيتى الانعام وآية يونس ما فيه كفاء وإن تنوع فقد جنعه جامع الاعتبار وفى كل شفاء لمن وفق للاعتبار به

стр. 145

فمن عدل عنه فظالم إلا أن الاجترام يبنى على أشد من الظلم وإن كان قد أجرى مع الظلم عدم الفلاح إلا أن الجرم أنبأ بالشدة وأخص بالاشعار بشناعة المرتكب وتقدم أن ترتيب السور والآى مراعى وعظيم الموقع وأنه لا يعارضه ترتيب النزول فإذا تقرر هذا فنقول: قدم وصفهم بالظلم ثم تكرر ذلك ممن افترى أو كذب وقد وصف أولا بالظلم فوصف ثانيا بالاجترام ترقيا فى الشر كما يترقى فى الخير وأيضا ليناسب ما وقع فى يونس متقدما من قوله: "وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين ". والجواب عن السؤال الثانى أن آية الصف قد انفردت عن كل ما تقدم من هذه الآى بذكر تعيين المفترى فيه الكذب منطوقا به من غير الإجمال الوارد فى الآى الأخر بل ورد على التفصيل والتعيين وذلك بين من قوله تعالى: "وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله اليكم لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد " ثم قال: "فلما جاءهم بالبينات " أى فلما جاءهم الرسول الذى سماه لهم عيسى بالبينات والدلائل القاطعة والتصديق لما بين يديه من التوراة قالوا هذا سحر مبين فافتروا الكذب وارتكبوا البهت فيما لا توقف فيه ولا اشكال فقيل متعجبا من حالهم على الجارى فى لسان العرب: "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب " معرفا بأداة العهد ليقوم مقام الوصف حتى كأن قد قيل هذا الكذب الذى لا امتراء فيه ولا توقف ولما لم يرد فى الآى الأخر ما تقدم هنا كان الوجه أن يرد منكرا كما ثبت فورد على ما يناسب ويجب والله أعلم. الآية السابعة: قوله تعالى: "ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ... "الآية وفى سورة يونس: "ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كلنوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون " فورد الفعل فى الأولى مسندا إلى ضمير المفرد وفى الثانية إلى ضمير جماعة مع استوائهم فى الجمعية ومع اتفاق الغايتين فى أن استماعهم مع قصدهم إياه لا يجب عليهم فللسائل أن يسأل فيقول: لم ورد فى الأولى "ومنهم منيستمع إليك " وفى الثانية "ومنهم من يستمعون إليك " مع اتفاق الآيتين فيما ذكر؟ والجواب والله أعلم: أن نقول "من " لفظ مفرد ويصلح للاثنين والجميع. على هذا وضعه فإذا ورد فى تكيب كلامهم فأول ما يحمل على السابق من حكمه اللفظى من

стр. 146

الافراد فلهذا ترد صلته إن كان موصولا أو صفته إن كان موصوفا أو خبره إن كان شرطا أو استفهاما كصلة "الذى "...الواقع على المفرد فتقول فى الصلة والصفة: من الناس من يفعل كذا وتقول فى الاستفهام: من يفعل ذلك؟ فيرفع الفعل ضميرا مفردا وسواء كان المراد فى المعنى واحدا أو أكثر قم قد يكون فيما اتصل بالكلام بعد ضمير أو غيره يراعى فيه معنى من حيث يراد أكثر من واحد فيأتون بع على معنى "من " لا على لفظها كقولك: "من الناس من يفعل كذا ويخطئون فى ذلك ومنهم من يفعل كذا مستمرين على فعلهم يبين ضمير الجمع فى قولك: وهم يخطئون والحال فى قوله: مستمرين على فعلهم أن المراد أكثر من واحد وعلى هذا كلام العرب فى الكثير المطرد وعيه جاء القرآن قال تعالى: "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر " ثم قال: "وما هم بمؤمنين " فعاد الضمير مجموعا فى قوله "وما هم " بعد عودته مفردا وهذا كثير وقال تعالى: "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ندخله جنات تجرى من تحتها الأنهار " فعاد الضمير من ندخلع مفردا على لفظ "من " ثم قال "خالدين " وهو حال من الضمير قتبين بهذا الجمع أن المراد جميع، وقد يجرى الكلام على أوله فى الإفراد كقوله تعالى: "ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ... "الآيات، فورد فيها ضمائر ثمانية كلها عائدة على لفظ "من " ولم يرجع منها شئ على معنى "من " مع أن المعنى على الكثرة ثم أعلم بعد أن المراد بما يبينه ما يأتى بعد الضمير المفرد المحمول على لفظ "من " إنما هو أعنى المبين كثرة أو وحدة أما إبهام التعيين فمقصود لا يرتفع فإن إبهام الصلة أو الخبر فى هذا أبلغ فى تكميل فائدة الكلام وإحرازها ألا ترى أن قول الملك لخاصته: إن منكم من يفعل كذا أهيج لنفوس السامعين وأبلغ فى التحريض على الشئ أو الزجر عنه بحسب المرتكب فإن كان مما يحبه الملك تشوقت نفوس المخاطبين إليه وإن كان على الضد من ذلك اشتد خوف جنيعهم وحذرهم وهذا يستدعى طولا قد يخرجنا عن مقصودنا والوارد من هذا فى الكتاب العزيز كثير. ونرجع إلى مقصودنا فنقول: إن آية الأنعام وردت على الأكثر المطرد وقد ورد فيما انتظم بالآية بيان كون المستمعين جماعة وذلك قوله: "وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا " فبين أن المراد جماعة وارتفع الاحتمال ولما لم يرد فيها انتظم مع آية سورة يونس ضمير ولا غير ذلك مما يبين المستمعين جماعة وكان بيان ذلك مرادا مقصودا أتى الضمير أولا ضمير جمع حملا على معنى "من " ولم

стр. 147

يحمل على لفظها فيفرد لئلا يوهم أن المستمع واحد وذلك غير مقصود فقيل: "ومنهم من يستمعون إليك " إذ ليس فى الكلام بعد ما يبين ذلك. فإن قيل فإن "من " قد تقرر حكمها أنها يراد بها الكثير وإن كانت مفردة اللفظ وصالحة له وإذا كانت فى الأكثر من كلامهم مراد بها الكثير فذلك يرفع إيهام إرادة واحد؟ فالجواب أن إرادة الواحد بها - وإن كان الأقل - مبق حكم الايهام قال تعالى: "ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ... "الآيات إلى قوله "ولبئس المهاد " نزلت هذه الآى فى الأخنس بن شريق وقد تكرر الضمير فيها ثمانى مرات ضمير مفرد وتأكد بذلك أن المعنى بها واحد كما قال المفسرون وقال تعالى: "منهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى " نزلت فى الجد بن قيس لما دعاه رسول الله ﷺ إلى جهاد الروم وقال: هل لك فى جلاد بنى الأصفر وقصته مشهورة وقال تعالى: "ومنهم من عاهد الله ... "الآية نزلت فى ثعلبة بن حاطب إلى غير هذا من المواضع وقد تقدم أيضا أنها تصلح للاثنين وأنشد سيبويه ﵀. [الفرزدق] تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى نكن مثل من ياذيب يصطحبان فإذا ثبت أن "من " تصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث وقد ذكر المفسرون وأهل السير أن المعترضين لسماع القرآن منه ﷺ كانوا جماعة سماهم المفسرون فتحرير المراد فى الآية محرز للمعنى المقصود ومتأكد إذ ليس فيما بعد مما فى المنتظم مع الآية ما يبين المراد كما فى غيرها فوجب رعى ذلك فقيل: "ومنهم من يستمعون " ولزم ذلك ليرتفع الإيهام. فإن قيل: فإن قوله تعالى فى آية يونس "أفأنت تسمع الصم " يبين ذلك كما بيبنه فى آية الأنعام قوله تعالى: "وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " وما بعد إذ الارتباط حاصل فى الآيتين ونظام الكلام ملتئم؟ فالجواب أن ارتباط قوله تعالى: "أفأنت تسمع الصم " بما قبله صحيح كارتباط قوله تعالى "وجعلنا على قلوبهم أكنة " بما قبله إلا أن قوله تعالى "وجعلنا على قلوبهم أكنة " مبين أن ما وقعت عليه "من " جماعة وكأن الكلام فى قوة أن لو قيل: وجعلنا على قلوب السامعين إذ لا يراد بالضمير غير ما وقعت عليه أما قوله تعالى: "أفأنت تسمع الصم " فليس كذلك بل المراد بلفظ الصم جنس الصم، والمستمعون بعض ذلك فحصل الارتباط بهذا الوجه لا أن الصم يراد بهم من وقعت عليه "من " فقط وهذا كقولهم: زيد نعم الرجل فإن الرجل لم يرد به زيد وحده إنما

стр. 148

أريد به جنس الرجال وإنما زيد واحد منهم فحصل الارتباط بهذا الوجه فليس كقوله "وجعلنا على قلوبهم " وبهذا يتم المعنى المقصود من تسلية نبينا ﷺ ، وكأن قد قيل له ﵇: إن الصم الذين لا يعقلون لم تكلف أسماعهم وهؤلاء منهم فلا درك عليه فيهمن ﷺ فانفصلت آية يونس من آية الأنعام وورد كل على ما يجب. فإن قيل إذا كان الأكثر فى "من " وقوعها على الكثير فقد وردت آية يونس على ما هو قليل فى كلامهم وفى هذا ما يسأل عنه؟ قلت ذلك كله فصيح ومعروف من كلامهم ولا يلزم من كون الوارد أقل أن يكون دون الكثير فى الفصاحة بل كل فصيح، وقد بوب سيبويه ﵀ على حال "من " فى وقوعها على من ذكر فقال فى كتابه: "هذا باب إجرائهم صلة من وخبرها إذا عنيت اثنين كصلة اللذين وإذا أرادت جماعة كصلة الذين ثم ذكر الآية: ومنهم منيستمع إليك " وأنشد بيت الفرزدق وقد تقدم. تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى ..... البيت وقد تقدم ذكر ما أجريت فيه مجرى التى كقول العرب: ومن كانت أمك وأيهن كانت أمك، وأورد عن [بياض] قراءة من قرأ: "ومن تقنت منكن لله ورسوله " فقد ذكر سيبويه ﵀ أن هذا كله من كلام العرب ودل قوله فى الترجمة: هذا باب إجرائهم بالاضافة إلى ضمير الجمع وإنما يريد العرب وهذا مشير إلى أن العرب تتكلم به كثيرا وأنه ليس فى كلام بعضهم دون بعض ووضح من جملة هذا أن قوله تعالى فى آية يونس "ومنهم من يستمعون " بضمير الجماعة لا يلائم الموضع سواه إذ ليس بعده ما يبين أن المراد جمع أما آية الأنعام فقد ورد فى المنتظم بها مما بعد ما يبين المراد فجاء كل على ما يحب والله أعلم. الآية الثامنة: قوله تعالى: "وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين " وفى سورة المؤمنون: "إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين " وفى الجاثية: "وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نمةت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. "الآية. للسائل أن يسأل فيقول: إن هذه الآى الثلاث قد اتحد محصولها من إنكارهم البعث الأخراوى أن لا حياة بعد هذه الحياة الدنياويه ولم يرد فيها عدول عن هذا من قولهم فما وجه الاقتصار فى آية الأنعام؟ وزيادة نموت ونحيا فى الأخريين؟ وانففراد آية الجاثية بقولهم: "وما يهلكنا إلا الدهر " عوض قولهم فى الأوليين "وما نحن بمبعوثين "؟

стр. 149

فالجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية الأنعام لم يرد فيما تقدمها زيادة على ما أخبروا به من حالهم فى إنكارهم البعث ألا ترى أن بنيت الآية على ما تقدمها من قوله تعالى: "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ... "الآية فكأن قد قيل لهم: إنكم كنتم تنكرون البعث ووجود هذه الحياة الأخراوية ولم يرد أثناء هذا ما يستدعى زائدا. أما آية المؤمنين فترتب الوارد فيها من قولهم "نموت ونحيا " على ما تقدم من دعاء الرسل إياهم، وقد ذكر الامداد فى دنياهم الحامل على عتوهم وقولهم فى المرسل إليهم: "ما هذا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون " فلما طال هذا الكلام بما أغروا به سفهاءهم ناسب هذا الطول ما زيد هنا من قوله "نموت ونحيا " أى طائفة تموت وطائفة توجد. وشأن ما يرد فى الكتاب العزيز مما ظاهره التكرر زيادة فائدة أو تتميم معنى أو لبناء غيره من الكلام عليه حتى لا يكون تكرارا عند من وفق لاعتباره. وأما آية الجاثية فهى المفصحة بمرتكبهم الشنيع من إنكارهم فاعلا مختارا حين قالوا: "وما يهلكنا إلا الدهر " فزادوا إلى إنكارهم البعث الأخراوى إنكارهم توقف الموت على آجال محدودة للخلائق ووقوعه بإرادة وتقدير من الموحد سبحانه ثم أتبعوا شنيع مرتكبهم هذا بقولهم للرسل تحكيما لإنكارهم البعث: "فأتوا بآياتنا إن كنتم صادقين " أى إن كنتم صادقين فى أنا نحيى بعد الموت فأرونا دليلا على ذلك بإحياء من مات من آبائنا وبما ورد هنا من هذه الزيادة حصل التعريف بجملة مقالهم الشنيع واستوفته هذه الآية ما لا يتأتى فى غير هذا مما يتكرر. الآية التاسعة قوله تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو " وهذه الآية الأولى مغفلة وفى هذه السورة أيضا "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت " وفى الأعراف: "قالوا إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا " وفى سورة العنكبوت: "وما هذا الحياة الدنيا إلا فلهو ولعب " وفى سورة القتال: "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " وفى سورة الحديد: "اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو " ففى آيتى الأنعام وسورة القتال وسورة الحديد تقديم اللعب على وعطف اللهو علي عليه وثبت فى الأعراف والعنكبوت بالعكس فقدم فيهما اللهو على اللعب والواو وان

стр. 150

كانت لا ترتب فانه لا يتقدم اللفظ فى الكتاب العزيز ذكرا أو يتأخر الا لموجب فوجه تقديم اللعب فى الأنعام أنه المتقدم فى الوجود الدنياوى على اللهو ولأن أول ابتداء تعقل الإنسان وميزه حاله حال اللعب وهو المطابق لسن الابتداء فإذا استمر ألهى عن التدبر والاعتبار وشغل تمادية عن التفكر فيما به النجاة والفوز وقد ينضاف إلى اللعب شاغل غيره أو يعاقبه فيحصل بالمجموع الغفلة عن النظر فى الآيات فيعقب الهلاك، قال تعالى: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس. ... " الآية فلما لم يبرح هؤلاء عن الجرى على مهيع الصم والبكم الذين لا يعقلون جرى الإخبار عنهم فى الآية الثانية من الانعام بمقتضى أحوالهم فى أعمارهم التى لم تخرج عن أحوال البهائم فأول أعمارهم لعب وعقب ذلك لهو فورد الاخبار على حسب جرى الأعمار وانهم اعتمدوا البقاء مع مقتضى الطبع الانسانى إذ لم يصغ المكلف إلى داع ولا تكلف الخروج عن مقتضى هواه ولا جنح إلى مفارقة مألوف الطباع قال تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " فأمر تعالى نبيه ﵇ بالاعراض عنهم فقال: "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا " على مقتضى الهوى والطبع وهذه الحال هى التى نبه سبحانه عباده المؤمنين على أنها حال الحياة الدنيا وصفتها التى تمتاز بها فأعلم بذلك ليجتنبوها ويحذروا غرورها فقال تعالىفى الآية الأولى من هذه السورة: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو " وقال فى سورة القتال: "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " ألا ترى أن الخطاب قبل هذه الآية خطاب للمؤمنين بالأمر بالطاعة لله ورسوله ووصية لهم وإعلام بحال عدوهم من الكفار وذلك قوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ... " الآية، وفى سورة الحديد: "اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو " فعرف عباده المؤمنين منها بالصفة التى هى فضلها وبها امتيازها على الترتيب الذى وجودها عليه من تقديم اللعب فى هذه الآى الأربع. أما آية الأعراف فإنها قول المؤمنين أهل الجنة إخبارا عن حال الكافرين الموجبة لتعذيبهم فقدموا فى الذكر اللهو الشاغل عن الاستجابة الجارى مع سن التكليف والمساوق له الثانى عن اللعب إذ وجود اللعب أولى فى السن التى معظمها غير سن التكليف وجرى الأقلام بالتزام الطاعة واجتناب المخالفة فقصدوا أن يخصوا موجب التعذيب من الأعمال فذكروا مساوقه ومظنته وهو معاقب اللعب والذى اتخذه الكافر بالقصد والاختيار عوضا عن شاق التكاليف، ولم يذكر اللعب أولا لأنه جار فى البدأة وحين لا تكليف

стр. 151

فكأن الكلام فى قوة أن لو قيل: ان الله محرم نعيم الجنة على من تأبط الكفر واعتمده واتبع اللعب واللهو من كفره فلم يبرح عن ملازمة الطبع والهوى. وأما آية العنكبوت فإنها تقدم قبلها قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله "، ولا يسأل عن هذا ويجيب الا من جاوز سن اللعب وبلغ سن التى فيها ينعلق التكايف بالمخاطب ويصح خطابه وعتابه على تفريطه. فناسب ذلك من ذكر الحياة الدنيا تقديم ما يساوق تلك السن فقدم ذكر اللهو والتلى اللعب ليناسب وايحصل ذكر مانعهم من الاستجابة وتكميل النظر المخلص لهم وآخر ذكر اللعب الذى لا يساوق مع أنه متبوع اللهو لزوما لمن لم تسبق له سابقة سعادة فهذا وجه التقديم والتأخير فيما ذكر ولو ورد على العكس لما كان ليناسب والله أعلم. الآية العاشرة قوله تعالى: "وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون " وفى سورة الأعراف: "والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون " وفى سورة يوسف: "ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون " فى هذه الآى ثلاثة أؤولة والآية الأولى من مغفلات صاحب كتاب الدرة أحدها قوله فى الأنعام "وللدار "باللام الموطية للقسم، وفى الأعراف "والدار " بغير تلك اللام والثانى جرى الأخرة على الدار نعتا لها فى السورتين وفى سورة يوسف "ولدار الآخرة " على الإضافة والثالث قوله فى السورتين "للذين يتقون " وفى سورة يوسف "للذين اتقوا ". والجواب عن الأول: أن آية الأنعام تقدمها قوله تعالى معرفا بحال الدنيا "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو " ومعنى التأكيد فى هذا حاصل من جرى الكلام وسياقه لأنك إذا قلت: ما المال إلا الإبل فكأنك نفيت عن غير الإبل أن يكون مالا وأثبت ذلك لها ثباتا مؤكدا وانها المال حقيقة وكأن ما سواها ليس بمال وعلى هذا يجرى ما دخلته الا بعد ما النافية من مثل هذا ومثل هذا هو المعنى الحاصل من لفظ القسم الصريح فناسبه هذا مجئ اللام الموطية للقسم داخلة على المبتدأ فى الآية المعرفة لحال الدار الأخرى فى قوله: "وللدار الآخرة " وكأنه نص قولك والله للدار الآخرة خير، وتناسب هذا مع ما تقدم قبله من تقدير القسم المؤكد كما تبين، وليس فى آية الأعراف ما يقتضى هذا لأنها مناطة بقوله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى "

стр. 152

ثم قال: "والدار الآخرة خير "، على هذا نظم هذا الكلام وليس فيه ما يقتضى قسما فلم تدخله تلك اللام. والجواب عن السؤال الثانى: أن جرى النعت بلفظ الآخرة على الدار فى الآيتين وجهه مطابقة ما تقدم قبل كل واحدة من الآيتين أما فى آية الأنعام فقوله تعالى مخبرا عنهم: "وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا " فطابق هذا قوله تعالى: "وللدار الآخرة خير " وأما آية الأعراف فقوله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى " المراد به الدار الدنيا فقوبل بقوله: "والدار الآخرة خير " وهذا بين ولما لم يتقدم مثل ذلك قبل آية يوسف ورد لفظ الدار مضافا بغير الألف واللام فيه فقيل: "ولدار الآخرة خير " وجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. والجواب عن السؤال الثالث: ان قوله تعالى فى سورة يوسف: "ولدار الآخرة خير للذين اتقوا " قد تقدم قبله قوله تعالى: "أولم يسيروا فى الأرض ... " الآية، والحاصل منه انهم ظلموا أنفسهم فأهلكوا ولو اتقوا لنجوا فناسب هذا المعنى المقدر ورود الماضى فى قوله تعالى: "للذين اتقوا " أوضح مناسبة. الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: "وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " وفى سورة العنكبوت: "وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه " فى قراءة نافع وأبى عمرو وحفص ولمك يختلف فى توحيد لفظ آية فى الأنعام والمقصود واحد؟ ووجه ذلك والله أعلم أن لولا فى الآيتين تحضيض وإنما يجرى فى كلامهم عندما يراه المتكلم به أولى أو أهم فى مقصود ما أو أتم فى مطلب ما إلى أشباه هذا مما يستدعى التحضيض ولما تقدم قبل آية الأنعام ذكر دلائل من خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور بحال من كذب وعاند إلى ما تبع ذلك من الآيات التى يحتاج فيها إلى النظر وإعمال الفكر والاعتبار وكان مظنه لتغبيط الجاحد، فطلبوا آية تبهر ولا يحتاج معها إلى كبير نظر كناقة صالح ﵇ أو شبه ذلك فافتتحوا فيما ذكره سبحانه عنهم بأداة لولا التحضيضية حرصا على ما طلبوه، وأتوا بالفعل مضعفا لما أرادوه من التأكيد فقالوا: نزل وأفردوا آية لما قصدوه من أنه ﵇ جاءهم بآية واحدة من الضرب الذى طلبوه، وهذا مناسب وقد صرحوا بما طلبوه من هذا الضرب بالذى ذكرنا

стр. 153

فى قولهم: "لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ... " الآية، وفى قولهم: "لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا " إلى ما أشبه هذا فقال تعالى: قل لهم يا محمد إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون أى لا يعلمون ما كان يعقبهم ذلك لو وقع على وفق اقتراحهم من تعجيل أخذهم وهلاكهم كما جرى لغيرهم من الأمم كقوم صالح ﵇ وغيرهم وقد قدم لهؤلاء التنبيه على ذلك فى قوله تعالى: "ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون " وأيضا ففى ذلك من الحكمة ما سبق فى علمه تعالى من هداية من شاء واضلال من شاء وليرفع بالعلم والنظر من هداه إليه ووفقه فلو ورد هذا الفعل غير مضعف ولم تفرد آية لما أحرز هذا المعنى. أما آية العنكبوت فقد تقدم قبلها قوله تعالى: "بل هو آيات بينات فى صدرو الذين أوتوا العلم " ثم قال تعالى: "وما يجحد بآياتنا " وتأخر بعدها قوله تعالى: "قل إنما الآيات عند الله " فلم يكن ليناسب بعد اكتناف هذه الجموع توحيد آية ثم ان هذه الآية لم يتقدمها من التهديد وشديد الوعيد ما تقدم آية الأنعام فناسب ذلك ورودالفعل غير مضعف وجاء ذلك كله على ما يجب ولم يكن عكس الوارد ليناسب والله أعلم. الآية الثانية عشرة قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين "، ثم قال بعد: "قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم " ثم قال بعد: "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون " وفى سورة يونس: "قل أرأيتكم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون " ففى هذه الآى الأربع أربعة أسؤلة: الأول ما وجه التكرار فى الواردة فى سورة الأنعام؟ والثانى: ما وجه اختصاص بعضها يتأكيد الخطاب الحاصل من الضمير بالإتيان بالأداة بعد فى قوله: "قل أرأيتم " وسقوط ذلك من بعضها؟. الثالث: ما وجه تخصيص كل آية منها بما اتبعت به؟، الرابع: ما وجه الترتيب فى الآيات الثلاث وهو قوله فى التنبيه أولا: "إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة " وتأخير التنبيه بمثل ذلك من ذكر العذاب فى قوله: "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ... " الآية وتسيط التنبيه بقوله: "قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم "؟

стр. 154

والجواب عن الأول: أنه إنما أعيد لفظ التنبيه لتسويغ معتبرات كل منها كاف فى الدلالة لمن وفق ونظير هذا ما ورد فى قوله تعالى: "قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون " ثم قال: "أمن خلق السماوات والأرض " أمن فعل كذا فهذه الدلالات التى نبهوا على الاعتبار بها نظائر الآى الواردة فى آية الأنعام وأما الإتيان بأداة الخطاب بعد الضمير المحصل لذلك فتأكيد فى إيقاظ المنبه إنباء باستحكام غفلته كما يحرك النائم باليد والمفرط الغفلة باليد واللسان وشبه هذا ألا ترى وصفهم قبل هذا بقوله تعالى: "والذين كفروا بآياتنا صم وبكم فى الظلمات " فذكروا أولا تذكير الصم والبكم، وإنما يذكر هؤلاء بأبلغ ما يقع به التحريك والتنبيه، ثم لما بسط الكلام وامتد الوعظ إلى الآية الأخرى قيل لهم: "قل أرأيتم " فلم يحتج إلى التأكيد، وذكروا بأمر مشاهد فى كثير من الخلق فقيل لهم: "إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم " ثم لما أخذوا بكل وجهة يحصل منها الإتعاظ اتبع ذلك بذكر العذاب وسوء الجزاء لمن لم يتعظ وكررت أداة الخطاب وأكد كما يقال لمن نبه فلم ينتبه ولا أجدى عليه التذكار كيف رأيت؟ ويحرك تجريك المتمادى على غيه بتكرر الخطاب فقد حصل الجواب عن الكل. وأما آية يونس فمنفردة ولم يتقدم قبلها ذكر صم ولا بكم يوجب تأكيد الخطاب وقد تقدم قبلها قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار " إلى ما بعد هذا فحصل تحريكهم وتنبيهم بما لم يبق لعده الا التذكير بعذابهم ان لم يجد ذلك عليهم فالتدريج هنا حاصل كما هناك لكن بطريقة أخرى والله أعلم بما أراد. فصل: واعلم أن من جعل الأداة المؤكد بها الخطاب فى أرأيتكم ضميرا لم يلزمه اعتراض بتعدى فعل المضمر المتضل إلى مضمره المتصل لأن ذلك جائز فى باب الظن وفى فعلين من غير باب ظننت وحسبت وهما: فقدت وعدمت، وكذلك تعدى فعل الظاهر إلى مضمره المتصل جائز فى الأفعال المذكورة والآيات المتكلم فيها من باب الظن لأن المراد برأيت رؤية القلب فهى من الباب المستثنى وإنما الممتنع مطلقا تعدى فعل المضمر المتصل إلى ظاهره فلا اختلاف فى منع هذا فى كل الأفعال وأما من جرد أداة الخطاب المؤكد بها للحرفية وهو قول الجمهور فلا كلام فى ذلك. الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: "فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون "

стр. 155

وفى سورة الأعراف: "وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلاه بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون " بإدغام تاء التفعل فى فاء الكلمة مع اتحاد المرمى فى الآيتين فيسأل عن وجه ذلك؟ والجواب والله أعلم: أن العرب تراعى مجاورة الألفاظ فتحمل اللفظ على مجاوره لمجرد المضارعة اللفظية وان اختلف المعنى ومنه الاتباع فى ينوؤك ويسوؤك قال سيبويه ﵀ وقد ذكر بعض ما تتبع فيه العرب وتحمل اللفظ على ما قرن به لول أفرد عنه لم ينطق به كذلك فقال: كما أن يتوؤك يتبع يسوؤك يريد أنك تقول: ينيئك بضم الياء وكسر النون متعديا على مثال يزيلك وزنا وتعدية إلى المفعول فإذا ذكرته بعد يسوؤط ابعته إياه فقلت يسوؤك وينوؤك مع اختلاف المعنى فهم فيما اتفق معناه من هذا أحرى أن يفعلوا فيه ذلك. وماضى الفعل من الضراعة لا إدغام فيه إنما تقول تضرع إذ لا حرف مضارعة فيه يسوغ الإدغام فلما ورد الماضى فيما بنى علي آية الأنعام من قوله: "فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا " ولا ادغام فيه لما ذكرنا ورد الأول مفكوكا غير مدغم فقيل يتضرعون رعيا للمناسبة، أمأ آية الأعراف فلم يرد فيها ما يستدعى هذه المناسبة فجاء مدغما على الوجه الأخف إذ لا داعى لخلافه والله أعلم. الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: "قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك " بتكرير ضمير الخطاب المجرور من قوله "لكم " وفى سورة هود: "ولا أقةل لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك " بغير تكرير الخطاب فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب والله سبحانه أعلم أن الوارد فى سورة هود إنما هو حكاية قوله نوح ﵇ متلطفا ومشفقا من حال قومه ألا ترى استفتاح خطابه لهم بقوله: "أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده ... " الآية وقوله: "ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ... " الآية وقوله: "يا قوم من ينصرنى من الله " إلى قوله "إنى إذا لمن الظالمين " فتأمل جليل ملاطفته ﵇ وما يفهم من كلامهم من عظيم الإشفاق من حالهم وإرادته ما به نجاتهم من العذاب ومن أخذهم بمرتكباتهم فهذا كله استلطاف فى الدعاء لا يلائمه تكرار كلمة تفهم تعنيفا أو توبيخا والتأكيد والتكرار يفهم ذلك ويردان حيث يقصد. وأما قوله تعالى فى آية الأنعام: "ولا أقول لكم إنى ملك " فوارد طى كلام أمره ﷺ بتبليغه عتاة

стр. 156

قريش والعرب توبيخا لهم وتقريعا فقيل له: "قل " والمراد: قل لهم يا محمد: ": "قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك. ... " الآية ولم يؤمر أن يقول هذا لأبى بكر وعمر وخاصة أصحابه إنما عنى به من يقول: "مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها " فمن يصدر عنه هذا وأشباههه مما ينبئ عن الازراء وفساد الظاهر والباطن فهم المقول لهم: "لا أقول لكم عندى خزائن الله. ... " الآية فتكرر فيها قوله "لكم " تأكيدا يفهم التعنيف ويناسب التوبيخ والتقريع ونظير هذا وان خالفه فى تخصيص المخاطب بمقصود الكلام وإنما قصد به تعنيف مستحقى التعنيف ممن لم يخاطب فهو من قبيل قولهم: إياك أعنى واسمعى يا جارة ... وقوله تعالى فى خطاب عيسى ﵇: "وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى " فتأمل تكرار قوله "بإذنى " وما يتضمن من توبيخ من جعل عيسى ﵇ إلها واتخذه معبودا فخزطب عيسى ﵇ وهو المحفوظ المعصوم من توهم استبداد دل قدره ﷺ عن ذلك ولكن هذا كما قيل له ﷺ : "أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله " والمراد بذلك تقريع من اتخذه ﵇ إلها ومرادنا من هذا ما اجتمعت عليه هذه الآى من إشعار التقريع والتوبيخ الحاصلين من التأكيد والتكرار ثم يصرف ذلك فى كل من الآيتين لمن تأهل له ولما لم يكن ذلك مفصودا فى آية هود لم يرد فيها تأكيد ولا تكرار وجاء كل من ذلك على ما يناسب والله أعلم. الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: "إن هو إلا ذكرى للعالمين " وفى سورة التكوير: "إن هو إلا ذكر للعالمين " للسائل أن يسأل عن وجه ورود الخبر بلفظ التأنيث فى الأولى والتذكير فى الثانية مع تذكير المبتدأ فيهما؟ والجواب عنه والله أعلم أن آية التكوير لما تقدمها القسم على القرآن بقوله تعالى: "فلا أقسم بالخنس " إلى ما وقع القسم به ثم ورد ضمير المقسم عليه فى قوله: "إنه لقول رسول كريم " أى أن القرآن لقول رسول كريم، والمراد به جبريل ﵇ ثم اتبع بوصفه إلى قوله "ثم أمين " ثم قيل "وما صاحبكم بمجنون " والاشارة إلى محمد ﷺ فنزهه

стр. 157

تعالى عن قول أعدائه ونسبتهم إياه إلى الجنون ثم وصفه تعالى بأنه على الغيب الموحى به والمأمون على تبليغه غير متهم ولا بخيل على القراءتين فقال: "وما هو على الغيب بضنين " ثم أعقب بقوله تعالى: "وما هو " أى وما القرآن "بقول شيطان رجيم " فجرت هذه الضمائر على التذكير على ما يجب ثم اتبع بقطع تعلقهم فقيل: "فأين تذهبون " أى إن كل ما رمتم من رميه ﵊ به من السحر والجنون والتقول لا يقوم شئ من ذلك على ساق ولا يتوهم ذلك ذو عقل سليم ثم قال: "إن هو إلا ذكر للعالمين " والضمير للقرآن ولا يمكن وروده خلاف هذا لمنافرة التناسب ومباعدة التلاؤم. وأما آية الأنعام فتقدمها قوله تعالى: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " فنوسب بين قوله: "إن هو إلا ذكرى " وبين ما تقدم فكأن التقدير إن هو أى الأمر أو المراد المقصود أو ما ذكر من الكتاب والحكم والنبوة إلا ذكر فناسبه ذكرى هنا لما تقدم بيانه ولم يتقدم هنا ما يستدعى لفظ التذكير ويناسبه فجاء كل على ما يجب والله أعلم. الآية السادسة عشرة: قوله سبحانه: "والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون " لم يقرأ هنا بغير هذا اللفظ وكذا فى المعارج وفى سورة المؤمنون فى قراءة الجماعة إلا الشيخين "على صلواتهم " بالجمع فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ والجواب عنه والله أعلم: أن ذلك مناسب لما اكتنف هذا الوصف فى آية سورة المؤمنون لما كان ذكر محافظتهم على صلاتهم قد اكتنفه ما تقدمه وما تأخر عنه من تفخيم الوصف فى المتقدم وتفخيم الجزاء فى المتأخر ناسب ذلك تفخيم العبارة عن فعلهم فورد بلفظ الجمع فى قراءة الأكثرين فقيل: "والذين هم على صلواتهم " أما تفخيم الوصف المتقدم فذكرهم بالفلاح وهو الظفر بالمراد والبقاء فى الخير وذكرهم بالخشوع فى صلاتهم وإعراضهم عن اللغو ولم يقع متقدم وصفهم فى سورة المعارج ما يوازن هذه الأوصاف. وأما آية الأنعام فلم يتقدم فيها غير ذكرهم بالإيمان فقط وأما نعتهم الوارد فى جزائهم فوصفهم بأنهم الوارثون ثم تخصيصهم بأنهم الوارثون ثم تخصيصهم بإرث الفردوس وهو أعلى الجنة ومنه تنفجر أنهار الجنة، ووصفهم بالخلود فيها، ولا يوازن هذا بقوله عقب آية المعارج: "أولئك فى جنات مكرمون ".

стр. 158

وأما آية الأنعام فلم يرد فيها ذكر جزائهم بالجمع كما فى آية سورة المؤمنون وإن لم يقرأ بذلك فى الأخريين وظهرت مناسبة ذلك والله أعلم. الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة "، وفى سورة الكهف: "لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة " ومرمى الآيتين واحد، فيسأل عن زيادة "فرادى " فى آية الأنعام؟ والجواب والله أعلم: أن ذلك مراعى فيه فى آية الأنعام ما أعقبت به من قوله: "وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم " أى ما أعطيناكم فى الدنيا مما شغلكم عن آخرتكم، ثم قال: "وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء " أى منفردين عما كنتم تؤملون من أندادكم ومعبوداتكم من دونه سبحانه، فلرعى هذا المعقب به فى آية الأنعام ما قيل فيها: "ولقد جئتمونا فرادى ". أما آية الكهف فقبلها قوله تعالى: "ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة فحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " ثم قال: "وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة " مجردين عن كل متعلق. ولم يقع هنا ذكر ولا إشارة إلى ما عبد من دون الله فلهذا لم يقع هنا "فرادى " وذلك بين التناسب وعكس الوارد لم يناسب والله أعلم. الآية الثامنة عشرة قوله تعالى: "قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون "، وبعد هذه: "قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون "، ثم بعد هذه: "إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون "، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف هذه الأوصاف التابعة فى الآى الثلاث؟ والجواب: أنه لما تقدم الآية الأولى قوله جل وتعالى: "وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر " فذكر سبحانه من المعتبرات التى يتوصل بالنظر فيها إلى معرفته وحدانيته تعالى ما يحصل الاطلاع عليه تعقلا وتنقلا ويستند فى كثير منه إلى التعاون فى تعرفه والاطلاع عليه بمن تقدمت له به المعرفة فيحصل فى ذلك علم منقول فيما يتعلق بذات المتعرف المطلوب به الاستدلال أو فى أدوات موصولة إليه إذ ليس علم ذلك راجعا إلى مجرد الفكر والتفطن ألا ترى أن إدراك العلم بنجوم السماء وتفصيل ذلك بتعيين الكواكب الثابتة والسيارة المتنقلة فى أبراجها وخنوس الخمسة منها واشتراكها مع الشمس والقمر فى انتقالها فى منازلها مختلفات الحالات فى السرعة

стр. 159

والبطء فكم بين قطع القمر الفلك فى ثمان وعشرين ليلة وقطع زحل إياه فى ست وثلاثين سنة جارية فى أفلاكها من غرب إلى شرق وقذف الفلك الأعظم بالكل من شرق إلى غرب على العكس "ذلك تقدير العزيز العليم " وياعرف هذا القسط مما ذكرنا يتحصل للمعتبر الاهتداء بها على الكمال فى ظلمات البر والبحر والعلم بعدد السنين والحساب والقلب فى كثير من هذا الضرب مورد على البصر فيما ينهيه إليه فصر هذا الضرب من المعتبرات الدالة على الصانع تعالى كالمخبر به الحاصل بواسطة من خارج فتناسب ذلك التعبير عن المتذكر به بالعلم الذى مواده ومحصلاته الخبر القاطع مع النظر السديد فقيل فى ختام هذه الآية: "لقوم يعلمون " وقيل ما معناه أن الوارد فى قوله تعالى: "إن الله فالق الحب والنوى " إلى قوله تعالى: "وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر " آيات تنيه على معرفة الله تعالى والعلم به وبوحدانيته وهو أشرف معلوم، فأعقب بأشرف ما يوصف به المعتبرون فقيل: "لقوم يعلمون " وذلك أعلى من الوصف بقوله تعالى: "لقوم يفقهون "و: "لقوم يؤمنون " ولذلك ما ورد وصفه تعالى بالعلم ولا يوصف سبحانه بالفقه ولا العقل فلما كان المعلوم أشرف المعلومات عبر عن الآيات التى نصبت للدلالة عليه باللفظ الأشرف انتهى وهو قول حسن والتناسب فيه واضح. أما الآية الأخرى فتقدم قبلها قوله تعالى: "وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع " ومرجع العلم بنشأة الإنسان وتقلبه من صلب إلى رحم، وارتباط أعضائه الظاهرة والباطنة، وجمع أجزائه وتصرف كل عضو فى ما له خلق، واحتياج الأعضاء بعضها إلى بعضها وجرى ما وكل منها بغذاء الإنسان اجتذابا وانتحالا وطبخا وتقسيما وتجزئة على الأعضاء واتقان كل عضو منها زجرى لما يسر له، إلى غير ذلك هذا مما يبسطه من تكلم فى التشريع، فالعلم بهذا كله جملة وتفصيلا مما لا يحصل بالسمع والبصر وإنما يطلع بالاعتبار والتفكر من ذوى الفطن السالمة والنظر العقلى السديد والفهم المصيب، فناسب هذا قوله تعالى "لقوم يفقهون " والفقه التفهم والتفطن وذلك من جملة ألهم إليه وأشار قوله تعالى: "وفى أنفسكم أفلا تبصرون ". وأما الآية الثالثة فإنه سبحانه لما ذكر إنزال الماء من السماء وإخراج النبات من الأرض به فى قوله : "وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا منه نبات كل

стр. 160

شئ فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان "، فلما أورد هذا كان مذكرا بالبعث الأخراوى والنشأة الثانية كما قال تعالى فى آية الأعرف: "كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون " وإنما يحصل العلم بذلك وسائر أمور الآخرة من قبل الرسل عليهم الصلاة والسلام والإيمان بهم وبما جاؤوا به فقال تعالى: "إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون " أى يصدقون بالبعث وأنه تعالى كما بدأهم يعودون فقد وضحت مناسبة هذه الآيات الثلاث لما أعقب بها والله سبحانه أعلم. الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: "والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " وورد فيما بعد من هذه السورة: "والزيتون والرمان متشابها وغير زتشابه كلوا من ثمره وآتوا حقه يوم حصاده "، فورد فى الآية الأولى "مشتبها وغير متشابه " وفى الثانية: "متشابها "، وفى الأولى: "انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه "، وفى الثانية: "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده "، يسأل عن المختلف فى الآيتين مع اتحاد مرماهما؟ والجواب عن الأول: أن مشتبها ومتشابها لا فرق بينهما إلا ما لا يعد فارقا إذ الافتعال والتفاعل متقاربان، أصولهما: الشين والباء والهاء من قوله أشبه هذا هذا إذا قاربه وماثله، ورد فى أولى الآيتين على أخف البناء وفى الثانية على أثقلهما رعيا للترتيب المتقرر وقد مر نحو هذا فى قوله: "فمن تبع هداى " وقوله "فمن اتبع " فى سورة طه. والجواب عن الثانى: أن قوله تعالى فى الأولى: "انظروا إلى ثمره أذا أثمر وينعه " مبنى على ما قبله مما بناه على الاعتبار، قال تعالى: "إن الله فالق الحب والنوى .... " الآية، وقال تعالى: "فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا ... " الآية، وقوله: "وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ... " الآية، ثم قال تعالى: "وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ وأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه "، فلما كان مبنى هذه الآى على الاعتبار والتنبيه بما نصب تعالى من الدلائل على وحدانيته لم يكن ليناسب ذلك ويلائمه إلا الأمر بالنظر والاعتبار لا الأمر

стр. 161

بالأكل، أما الآية الثانية فمبنية على غير هذا وقد تقدمها قوله تعالى: "وقالوا هذه أنعام وحرث حجر " أى منع: "لا يطعمها إلا من نشاء "، وجرى ما بعد على التناسب إلى قوله: "وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان " إلى قوله: "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " ثم قال بعد ذكر الأنعام: "كلوا مما رزقكم الله "، وجرى ما بعد على هذا فى تفصيل ما أحل سبحانه لعباده ورد ما ظنت يهود تحريمه على هذه الأمة، ثم أتبع سبحانه لعباده بذكر ما حرم أكله فقال لنبيه ﵇: "قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا .... " الآية، ثم أتبع تعالى بما حرم على بنى إسرائيل أكله فقال: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر " فلم يتخلل هذه الآيات من غير أحكام المأكولات فى التنويع والإباحة خلاف ذلك سوى الأمر بزكاة الحرث فى قوله: "وآتوا حقه يوم حصاده "فدارت هذه الآى على ما أنعم به سبحانه من ضروب ما خلقه تعالى مما أقام به حياة عباده مأكلا وملبسا ومعونة فى حركاتهم وانتقالاتهم ومباح ذلك ومحرمه، فلم يكن ليلائم ذلك إلا ما يناسبه، ولم يكن ليناسب الآية المتقدمة لو قيل: كلوا، ولا هذه الآية لو قيل: انظروا، فجاء كل على ما يجب ويلائم ولا يناسب خلافه، والله أعلم. الآية الموفية عشرين قوله تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل " وفى سورة غافر: "ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ". للسائل أن يسأل عن وجه التقديم والتأخير فيما قدم وأخر فى هاتين الآيتين. والجواب عن ذلك: أن آية الأنعام لما تقدم فيها قوله تعالى: "وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم "، وقوله تعالى: "أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة " كان الملائم نفى ما جعلوه وادعوه من الشركاء والصاحبة والولد، فقدم ما الأمر عليه من وحدانيته سبحانه وتعاليه عن الشركاء والولد فقال: "لا إله إلا هو "، وعرف العباد بعد بأن كل ما سواه سبحانه خلقه وملكه فقدم الأهم فى الموضع. وأما آية غافر فتقدمها قوله تعالى: "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق

стр. 162

الناس " ثم قوله تعالى: "الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا " فلما تقدم ذكر الخلق الأعظم ولم يتقدم هنا ما تقدم فى آية الأنعام ما أتبع بالتنبيه على أنه سبحانه خالق كل شئ فكان تقديم هذا التعريف هنا أنسب وأهم، ثم أعقب بالتعريف بوحدانيته تعالى فجاء كل على ما يجب ويناسب ولم تكن واحدة من الآيتين لتناسب ما تقدم الأخرى والله سبحانه أعلم. الآية الحادية والعشرون قوله تعالى: "ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون "، وورد بعد هذا: "ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون "، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف الاسمين فى قوله "ولو شاء ربك "، و"ولو شاء الله "؟ والجواب عن ذلك والله أعلم: أنه لما تقدم الآية الأولى قوله تعالى: "ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله "، فعرف سبحانه نبيه، ﵇ بما سبق لهؤلاء وما قدره عليهم فى الأزل حتى لا يجدى عليهم شئ ولا ينفعهم تذكار فلما تقدم من القدر على هؤلاء ما يثير أشد الخوف كان مظنة إشفاق فأنس نبيه ﷺ ولاطفه بإضافة اسم ربوبيته سبحانه لنبيه ﵇، مخاطبا له فقال: "ولو شاء ربك ما فعلوه " فسكن جأشه وتلطف فى تأنيسه، ﵇ وتأنيس أمته بأنسه، ولما لم يقع قبل الآية بعد مثل هذا وإنما قبلها: "وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ولو شاء الله ما فعلوه " وليس هذا فى اقتضاء الحتم عليهم المؤذن بقطع الرجاء منهم كقوله فى الأولى: "ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ... "الآية، فلذلك قال عقب هذه الآية الثانية: "ولو شاء الله ما فعلوه " فجاء باسمه الأعظم تعالى من غير إضافة إذ ليس هذا مثل الأول، ولو ورد الاسم الأعظم أولا والاسم الكريم المضاف ثانيا لما ناسب على ما تمهد، والله سبحانه أعلم. الآية الثانية والعشرون قوله تعالى: "إن ربك هم أعلم من يضل عن سبيله وهو أعمل بالمهتدين " وفى سورة النجم: قوله تعالى: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله " بزيادة الباء فى "من " من قوله: "بمن ضل عن سبيله " وكذا فى سورة القلم بخلاف الأخريين

стр. 163

"ضل " ففى هذا سؤالان: أحدهما زيادة الباء فى آيتى النجم والقلم ويقوطهما فى الأنعام والثانى ورود الماضى فى آيتى النجم والقلم وورود المضارع فى الآية الأنعام. والجواب عن الأول أن سقوط الباء الداخلة على "من " فى آية الأنعام إنما ذلك والله أعلم لاستثقال زيادتها مع الزيادة اللازمة للمضارع مع التقارب إيثارا للإيجاز أما آيتا النجم والقلم فلا زيادة فى الفعل لكونه ماضيا فزيد باء التأكيد الداخلة على "من " ويشهد لهذا اطراد زيادتها فى الآيتين لورود الماضى فيهما بخلاف آية الأنعام. والجواب عن الثانى: أن آية الأنعام قد اكتنفها من غير الماضى من الأفعال والإعلام بما يكون قطعيا أو يتوقع فى المآل ما يقتضى المناسبة فى النظم ولو ورد غير الماضى هنا لما ناسب ولا لاءم، أما آية النجم فمبنية على مطلع السورة فى قوله تعالى: "والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى "، فقال تعالى مشيرا إلى حالهم: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله " فبرأ نبيه ﷺ مما نسبوا إليه وأثبت ذلك بكناية وتعريض أوقع فى نفوسهم من الإفصاح بتعيينهم وأما آية القلم فإنه لما تقدم فيها قوله تعالى: "ما أنت بنعمة ربك بمجنون " وقوله تعالى: "فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون " تهديدا لهم وتعريفا بكذبهم فى قولهم حين نسبوه إلى الجنون أعقب ذلك بقوله تعالى: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله " فسجلت هذه الكناية بضلالهم وكذبهم وتناسب هذا كله أوضح تناسب. الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون "، وفى سورة يونس: "كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون "، للسائل أن يسأل عن الفرق؟ والجواب أنه لما تقدم قبل آية الأنعام قوله تعالى: "أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس " والمراد أو من كان ميتا فى غمرات الجهل والكفر فأحييناه بنور الإيمان والعلم كمن مثله فى الظلمات أى ظلمات الجهل والكفر متماديا على غيه غير مقلع عن كفره لا يجدى عليه إنذار ولا ينتفع بوعظ التذكار فسواء فى حقه الإنذار وعدمه فلما ذكر فى هذا الطرف من لم يشم بارق إيمان وسجل بعدم خروجه عن مقتضى موبقاته فى شنيع ذلك الخذلان أعقب تعالى: "كذلك زين للكافرين ما كانوا بعملون "فوسم بكفره للبأس من خيره. أما آية يونس فقد تقدم

стр. 164

قبلها: "وإذا مس الإنسان الضر " والمراد هنا جنس الإنسان: "دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما " أى دعانا على أى حال كان على مقتضى قوله تعالى: "ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون " ثم قال: "فلما كان كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه " ذكر سبحانه من حال الإنسان حال متذكر داع عند مس الضر غير مشرك ولا كافر حال ففى حاله فى دعائه عند الضر ومروره فى المخالفات أو الغفلة عند كشفه شبه من حال المقول فيهم: "خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا "، فأعقب ذكر هذا الضرب بقوله تعالى: "كذلك زين للمسرفين " أى أن هؤلاء زين لهم لمرتكبهم فى مرورهم بعد كشف الضر عنهم على أحوالهم قبل مس الضر إياهم كما زين للمسرفين ما كانوا يعملون، فتشبهت أحوالهم بأحوال المسرفين ليزدجر المؤمن ويستعيذ من مثل تلك الحال ويدأب على الطاعة والتضرع إلى الله سبحانه، والمسرف هنا والله أعلم محتمل أن يراد به المسرف فى المعاصى دون الكفر أو المسرف فى كفره المقول فيه وفيمن كان على حاله: "وأن المسرفين هم أصحاب النار "، فعدل فى آية يونس عن أن يقال "للكافرين " إلى قوله "المسرفين " لما فى صفة الإسراف من الاحتمال لمناسبة ما تقدمه من تقلب حالتى الإنسان عند مس الضر إياه وكشفه عنه. أما آية الأنعام فقد تقدمها قوله تعالى: "كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها " فإنما ذكر فى هذه الآية طرفان قد بولغ فيهما وهما المجعول له نور يمشى به فى الناس لا يفارقه والمتخبط فى ظلمات لا يخرج عنها فلا يمكن أن تكون حال أسوأ من حال هذا لأن ذكر الطرفين لا واسطة بينهما يقتضى من حيث اليلاغة النهاية فى كل طرف فعبر هنا بصفة الكفر أما حال المسرف من حيث ما ذكرنا من الاحتمال فدون حال المتخبط فى الظلمات فعلى هذا يحتمل أن يكون الإسراف فيما دون الكفر فيكون المتصف به غير منقطع الرجاء إذا لم يبلغ الكفر، قال تعالى: "قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله "، فشتان ما بين مسرف راج ومتخبط فى ظلمات كفر داج، فجاء كل على ما يناسب، ولم يكن ليناسب العكس بوجه، والله سبحانه أعلم. الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون " وفى سورة هود: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم

стр. 165

وأهلها صالحون " فقال فى الأولى "وأهلها غافلون " وقال فى الثانية "وأهلها مصلحون " فللسائل أن يسأل عن الفرق بين الموضعين؟ والجواب والله أعلم أنه لما تقدم هنا قوله تعالى: "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم "، فقدم سبحانه ذكر بعثة الرسل للجن والإنس وإنذارهم وتذكيرهم بالآيات وتعريف الخلق بالجزاء الأخراوى على مقتضى قوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " فلا عذر لأحد وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: "أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير " فلم يتركوا سدى ولا عذر لمغض ولا متغافل بعد تنبيهه "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون " فهذا مناسب وتقدم آية هود قوله تعالى: "فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم " ولو كانوا ينهون عن الفساد فى الأرض لكانوا مصلحين فلم يكونوا ليؤخذوا بالعقاب "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " فقد ناسب كلا من الآيتين ما أعقبت به ولم يكن ليناسب آية الأنعام "وأهلها مصلحون " ولا آية هود "وأهلها غافلون "، والله أعلم بما أراد وسيذكر إن شاء الله فرق ما بين قوله "مهلك " فبر باسم الفاعل وقوله "ليهلك " بلام الجحود الداخلة على الفعل المستقبل فى سورة هود إن شاء الله. الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: " قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون "، وكذا فى سورة الزمر وفى قصة شعيب ﵇ من سورة هود "ويا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل سوف تعلمون " فأفردت آية هود هذه بمجئ حرف التسويف عريا عن اقتران فاء التعقيب به بخلاف الأخريين مع اتفاق الآيات الثلاث فى التهديد وحرف التسويف للسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب عن ذلك والله أعلم: أن هذه الآيات الثلاث وعيد لمن كفر وكذب وآية الأنعام وآية الزمر منها أريد بهما كفار العرب من هذه الأمة وقد افتتحنا بأمره سبحانه نبيه ﵇ بوعيدهم فى قوله : "قل يا قوم اعملوا على مكانتكم " فقوى فى هاتين الآيتين تقدير معنى الشرط المنجر تقديره فى الأوامر نحو قوله تعالى: "قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة " لافتتاحها بأمره تعالى نبيه ﵇ ثم أمره

стр. 166

عليه السلام لهم فى قوله "اعملوا " فاعتضد ما يستدعى الجوابية بالفاء فوردت فى الجواب المبنى على الشرط المقدر بعد هذا الأمر على أحد مأخذى النحويين أو الذى تضمنته الجملة ونابت منابه على القول الآخر، ولما كانت آية هود إخبارا لنبينا ﵊ فضعف فيها تقدير الشرط فلم تدخل الفاء وجاء كل على ما يجب والله أعلم. الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: "سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا كذلك كذب الذين من قبلهم "، وفى سورة النحل: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم ". للسائل أن يسأل عما اختلف فى هاتين الآيتين مع أن المقصود واحد؟ والجواب عن ذلك والله أعلم أنه لما تقدم آية الأنعام قوله تعالى: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر " وهذا إخبار عن بنى إسرائيل فيما حرم عليهم ثم ورد بعدها قوله تعالى: "قل هلم شهدائكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا " وهو خطاب لهم أيضا، فقد اكتنف الآية المذكورة ما مرجعه إلى بنى إسرائيل فيما حرم عليهم وما ألحقوه بذلك تحريفا وتبديلا ووردت الآية المتكلم فيها مورد ما يرد من الجمل الاعتراضية لاتصال ما بعدها بما قبلها، فلم يكن ليلائم ذلك الاسهاب وطول الكلام إذ الوجه فيما يرد اعتراضا أن يؤخر وأما آية النحل فلم يتقدمها خطاب لغير العرب مؤمنهم وكافرهم وقد أطنب فى تذكيرهم ووعظهم، وقد بسط لهم ذكر نعم ودلائل، فناسب ذلك الاسهاب الوارد فيها من قوله: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ " ولم يكن ليناسب آية الأنعام ما ورد هنا، ولا الوارد هنا ذلك الإيجاز، والله سبحانه أعلم. الآية السابعة والعشرون قوله تعالى: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم "، وفى سورة بنى إسرائيل [الإسراء]: "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم "، ففى الأولى "من إملاق "و "نرزقكم " بتقديم ضمير المخاطبين فللسائل أن يسأل عن وجه هذا الاختلاف فى الآيتين مع اتحاد المقصد فيهما؟ والجواب عن ذلك والله أعلم أن المخاطبين بآية الأنعام إنما كان فعلهم ذلك من

стр. 167

أجل الفقر الحاصل حال قتلهم فقيل من إملاق أى من أجل الاملاق الحاصل ثم قيل لهم "نحن نرزقكم وإياهم "فقد رزقه تعالى لهم لحصول فقرهم فى الحال ليكون أمنع لهم وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد فى رفع فقر الآباء القاتلين فكأن قد قيل لهم: إنما ترزقزن بهم فلا تقتلوهم، فتأكد تقديم كفار العرب وكان وأدهم البنات خشية الفقر المتوقع والعجز عن مؤنتهن فيما يتوقعونه مستقبلا فقيل "خشية إملاق " فجعلت الخشية هى العلية فى فعلهم، فانتصبت على ذلك، والمعلول الذى هو الإملاق لم يقع بعد وضمن تعالى لهم رزقهم ورزق أولادهم ودفع ذلك المتوقع ليرفع ذلك خشيتهم، فلهذا قدم هنا ضمير الأولاد ثم عطف عليه ضمير الآباء. وكان الأهم هنا فقدم، وجاء كل فى الموضعين على ما يجب ويناسب، والله أعلم. الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى: "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون "، تلوها: "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " وفى الثالثة تليها: "ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف فى المعلل به فى هذه الآيات؟ والجواب عن ذلك والله أعلم: أنه لما كانت الخلل الخمس فى الآية الأولى وهى: الشرك والعقوق وقتل الأولاد لأجل الفقر وارتكاب الفواحش وقتل النفس التى حرم الله بغير الحق، خمستها مما يدرك العقل ابتداء قبحها، ويستقل بدركها أعنى أن العقل يستوضح قبحها شرعا لبيان أمرها فى استقباح الشرع إياها، وإلا فالعقل عندنا لا يحسن ولا يقبح. فلما كانت على ما ذكرنا أتبعت بترجى التعقل لأن السلامة منها لا تكون مع وضوح أمرها إلا بتوفيق الله تعالى ولذلك جاءت بأداة الترجى. ولما كانت الخمس التالية لها وهى قوله: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن " إلى آخرها مما تؤثر فيه الشهوات والأهواء وذلك مما يعمى ويصم أتبع برجاء التذكر فقيل: "لعلكم تذكرون " ومن تذكر أبصر فعقل فامتنع، قال تعالى: "إن الذين اتقوا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "، ولما كان مجموع هذه المرتكبات العشر مما اتفقت عليه الشرائع ولم ينسخ منها شئ وهى الحكمة التى من أخذ بها كان سالكا الصراط المستقيم الذى لا عوج فيه ولا أمت واتخذ أسنى وقاية من

стр. 168

عذاب الله قال تعالى: "وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه " والأمر عام لكافة الخلق ثم قال : "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " أتبعه بقوله: "ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " وترتب حاصلا من مضمن الآيات الثلاث أنه من عقل وتذكر اتقى والمتقون هم المفلحون فسبحان من هذا كلامه. الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: "وأنا أول المسلمين "، وفى سورة الأعراف: "وأنا أول المؤمنين "، يسأل عن الفرق ؟ والجواب والله أعلم: أن هذه الآية لما تقدمها قوله تعالى: "قل إننى هدانى ربى إلى صراطى مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا " وقد قال فى سورة آل عمران: "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " وفى وصيته عليه السام لبنيه: "يا بنى إن الله اصطفى لكم الذين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " وبهذا أوصى يعقوب ﵇ قال تعالى: "وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ... " الآية، وهى جواب بنى يعقوب حين قال لهم: "ما تعبدون من بعدى " فأجابوا بقولهم "نعبد إلهك "الى قوله "إلها واحدا ونحن له مسلمون " وقال سبحانه لنبينا ﷺ وعليهم أجمعين: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " وقال تعالى: "قل - أى يا محمد - إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا " إلى قوله: "وأنا أول المسلمين "، فإنما قال ﵇ وعمل واقتدى ظاهرا وباطنا بما أمر به وما درج عليه هؤلاء الصفوة المذكورون ومن سلك مسلكهم وعبارة الإسلام تعم الاستسلام بالظاهر والباطن، والإيمان الذى هو التصديق داخل تحت ذلك وفى جملة ما يطلق عليه اسم الإسلام فقد تحصلت عبارته ﵇ منبئة عن الكمال فى مسمى الإيمان والإسلام على الحال التى درج عليها المصطفون الأخيار وحالهم فى ذلك لا يدركها غيرهم من حيث الكمال التام صلى الله عليهم أجمعين ولا قطعنا عن التمسك بهديهم. فقد وضح بما ورد فى هذه الآية الجليلة أنه لا يناسب هنا غير هذا الوارد والله أعلم. وأما آية الأعراف وقوله فيها: "وأنا أول المؤمنين " فالقائل ذلك موسى ﵇ حين سأل الرؤية وظن أنها جائزة فى الدنيا فلم يسأل ﵇ محالا وإنما سأل جائزا

стр. 169

ممكنا وحاشاه ﵇ من أن يسأل محالا ويجهل من ربه مثل هذا لولا الجواز، فلما استعجل وطلب ذلك فى الدنيا قال له ربه تعالى: "لن ترانى " فى الدنيا وأمره أن ينظر إلى الجبل، وأراه تلك الآية العظمى وصار الجبل دكا وخر موسى صعقا لعظبم ذلك المطلع فلما أفاق قال "سبحانك تين إليك " ولم يرد ﵇ تبت من معصية ولا جهل بربه أن يجوز عليه ما لا يجوز فأقدار الأنبياء ﵈ فوق ذلك، وهو أعلم الخلق بما يجوز عليه تعالى وما يستحيل ثم قال: "وأنا أول المؤمنين " أى أول المصدقين بأنك لا ترى فى الدنيا وليس موضع التعبير بأن يقول: "وأنا أول المسلمين " لأن ذلك الوصف حاصل له ﵇ على الصفة الحاصلة اللمصطفين ممن تقدم وإنما أراد ما يعبر عن مجرد التصديق بهذا الذى غاب عند جواز تعجيله مع علمه بجوازه على الجملة فقد وضح ورود كل من العبارتين بالإسلام والإيمان على ما يجب ولا يناسب العكس بوجه والله سبحانه أعلم. الآية الموفية ثلاثين من سورة الأنعام قوله تعالى: "وهو الذى جعلكم خلائف الأرض " وفى سورة فاطر: "هو الذى جعلكم خلائف فى الأرض " بإضافة لفظ خلائف فى الأولى ولم يضف فى الثانية بل جئ بحرف الوعاء فيسأل عن وجه ذلك؟ والجواب عنه والله أعلم: أنه لما تقدم قبل آية الأعراف قوله سبحانه لنبيه ﵇ "قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم " واستمر الخطاب له معرفا عن حاله وواضح طريقه إلى قوله: "قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شئ "، فعم ما سواه سبحانه بالدخول تحت ملكه وقهره، فناسب هذا ما ذكر من إنعامه على عباده بجعلهم خلائف الأرض، ولو كان بحرف الوعاء لم يكن ليفهم التوسعة فى الاستيلاء والاطلاق إلا بضميم يحرز ذلك أن قوله فى الأرض إنما يفهم أنه موضع استخلافهم وهل كلها أو بعضها ذلك محتمل، أما بغير حرف الوعاء فأظهر فى التعميم وإن كان لم يكن مصا إلا أنه أظهر من المتقيد بحرف الوعاء فناسب الإطلاق الاطلاق. وأما قوله فى سورة الملائكة [فاطر]: "هو الذى جعلكم خلائف فى الأرض " فقد تقدم قبله: "والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها " إلى قوله: "أولم نعمركم .... " الآية ثم أعقب قوله "هو الذى

стр. 170

جعلكم خلائف فى الأرض " بقوله "فمن كفر فعليه كفره ... "الآيات، فلما اكتنف الآية ما ذكرته مما هو نقيض الوارد فى آية الأنعام ناسب ذلك التقييد بحرف الوعاء إذ لا يلائم البسط القبض فجاء كل على ما يجب ولا يناسب العكس والله سبحانه أعلم بما أراد. الآية الحادية والثلاثون: قوله تعالى: "إن ربك سريع الحقاب وإنه لغفور رحيم "، وفى الأعراف: "إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم " للسائل أن يسأل عن اختصاص آية الأعراف بزيادة اللام المؤكدة فى الخبر وسقوطها من آية الأنعام؟ والجواب والله أعلم أن آية الأنعام لما تقدمها قوله تعالى: "قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم " ثم استمر ما بعد على خطابه ﷺ لما منحه الله تعالى إلى قوله: "وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ... " الآية، فهذا له ﷺ ولأمته فجاء الخبر من قوله: "إن ربك سريع العقاب " بغير لام التأكيد مناسبا للحال إذ هؤلاء المذكورون ليسوا بجملتهم ممن استحق عقابا، ومن عوقب من أهل القبلة فعقابه منقطع بفضل الله فلا حامل على التأكيد لأن ذكر العقاب هنا تخويف يحمل المؤمن على استحاب الرغب والرهب وما ينبغى للمؤمن أن يكون عليه. وأما آية الأعراف فقد ورد قبلها قوله تعالى: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " وقد تقدم ذكر المقصودين بهذا الوعيد وذكر مرتكباتهم السيئات فتخلصت الآية للمستحقين العقاب بمجترحاتهم المفصحة بكفرهم فناسب تأكيد الخبر المنبئ بعقابهم وسوء مآلهم وجاء كل على كما يجب ويناسب.

стр. 171

سورة الأعراف الآية الأولى منها قوله تعالى: " قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ "، وقال فى سورة الحجر: " قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) "، فى الآيتين مما يسأل عنه قوله تعالى فى الأولى "ما منعك " وفى الثانية "مالك "، وفى الأولى استفتاح بسؤاله عن امتناعه بقوله "ما منعك " من غير ندائه باسمه وفى الثانية نداؤه "يا إبليس " وفى الأولى قوله "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " وفى الثانية "ألا تكون مع الساجدين " وفى الأولى قال "أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين " وفى الثانية: "لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون " وفى الأولى قال: "فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين "، وفى الثانية: "فاخرج منها فإنك رجيم "، فهذه خمس سؤالات. فأقول: إنه لما تقدم فى الأعراف ذكر خلق الإنسان وتصويره من غير ذكر المادة التى خلق منها قال تعالى: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " والخطاب لبنى آدم ولم يذكر خلق غيرهم من ملك أو جن. ثم إن الأمر بالسجود ورد للملائكة ولم يرد إشعار بأن إبليس من غيرهم فسبق من ظاهر الكلام أنه منهم ومأمور معهم لاستثنائه منهم فناسب هذا قوله: "وما منعك "، لأنه مأمور بظاهر ما تقدم وناسب ذلك أيضا وعضد ما قلناه قوله "إذ أمرتك "، ولما لم يقع ذكر لخلق غير الآدميين ولا ذكرت مادة خلق الإنسان ناسب ذلك ما ذكره سبحانه عن إبليس من قوله: "أن خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين "، فاستوفى ذكر المادتين وبنى على ذلك ما توهم من فضل النار على الطين. أما آية الحجر فقد تقدم قبلها قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون " إلى قوله: "فقعوا له ساجدين " فأشارت الآية بظاهرها إلى أن إبليس من الملائكة وقد نطقت الآية أن الملائكة هم المأمورون

стр. 172

بالسجود، فبحسب هذا البادى من الظاهر وردت المعية فى قوله: "مالك ألا تكون مع الساجدين " فلما لم يكن فى أصل الخلقة والمادة منهم وكان الأمر بظاهر العبارة لهم وإن كان مرادا أنه معهم فبحسب هذا قيل له: "مالك ألا تكون مع الساجدين "، فقيل "معهم " إذ ليس منهم قال تعالى: "إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " وبحسب ذلك استؤنف نداؤه فقيل: "يا إبليس مالك " ولم يقل "ما منعك " لأن ذلك لو قيل كا يقتضى أنه منهم ولك يكن ليناسب ما أشار إليه صدر الكلام من أنه ليس منهم فنودى باسمه المشعر بطرده ومغايرته لهم فقيل "يا إبليس " فتناسب أيضا ما ورد فى الحجر من تبيين خلق إبليس من النار وفصله من الملائكة ما أعقب به من محكى قوله: "لم أكن لأسجد لبشر من صلصال من حمإ مسنون "واحتقاره مادة الطين وتفضيله مادة النار عليها فناسب هذا تعقيب أمره بالخروج فى قوله تعالى: "اخرج منها " وقيل فى آية الأعراف: "اهبط منها " وليس التعبير بالإخراج كالتعبير بالهبوط فقد أمر آدم بالهبوط ولم يقصد من تعنيفه ما قصد بإبليس فالفرق ما بين العبارتين فيما تعطيانه قيل فى الأعراف "فاهبط منها " إذ لم يتقدم فيها من أنه ليس من الملائكة كما تقدم فى الحجر بل ظاهر ما فى الأعراف أنه منهم، فجرى الأمر آخرا مناسبا لهذا الظاهر فعبر بالهبوط، ولما تقدم فيه الحجر أنه ليس من الملائكة لخلقه من نار سموم فأشعر ذلك بشر المادة ناسبه قوله: "فاخرج منها " وإتباع ذلك بما يلائمه من الوصف ويناسبه من قوله: "فإنك رجيم " ثم بما كتب عليه من الطرد واللعنة ولم يرد فى الأعراف هكذا بل روعى فيه مناسبة ما تقدم، ولئلا يتنافر الكلام ويتنافر المعنى فقيل: "فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين " فإن قلت: فقد قيل هنا "فاخرج " كما قال فى سورة الحجر: قلت: تدرج به إلى التعنيف وسيق هناك من أول وهلة وجاء كل على ما يجب ويناسب ولم يكن ليناسب ورود العكس فى السورتين والله أعلم بما أراد وقد حصل جواب السؤالات بأسرها والحمد لله. الآية الثانية من سورة الأعراف قوله تعالى: "قال أنظرنى إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين " وفى سورة الحجر وسورة ص: "قال ربك فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " فورد فى آيتى الحجر وص وزيادة الفاء فى قوله "فأنظرنى " وفى قوله "فإنك " وزيادة قوله "رب " ولم يرد ذلك فى الأعراف، فيسأل عنه؟ وجواب ذلك والله أعلم: أن مناسبة ما تقدم كل واحدة من الآى الثلاث من الاسهاب

стр. 173

والتأكيد أو الإيجاز ألا ترى أن مجموع الكلم الواقعة من لدن قوله فى سورة الأعراف "ولقد خلقناكم " وهو ابتداء القصة إلى قوله: "قال أنظرنى إلى يوم يبعثون " بضع وأربعون كلمة، والوارد فى الحجر من لدن قوله: "ولقد خلقنا الإنسان " إلى قوله: "قال رب فأنظرنى " بضع وسبعون كلمة وفى سورة ص من لدن قوله "إذ قال ربك " إلى الآية بضع وستون كلمه، فقد وضح ما قصد فى الأعراف من إيجاز الاخبار فى القصة وما فى السورتين بعد من الإطناب ثم إنه ورد فى سورتى الحجر وص التأكيد بكل وأجمع فى قوله: "كلهم أجمعون " ولم يرد ذلك فى الأعراف فقصد ما قلناه وتناسب الإطناب والتأكيد ولاءم ما ورد من الزيادة فى السورتين الأخيرتين ولم يكن ليناسب العكس والله أعلم بما أراد. فإن قلت ما وجه ورود القصة الواحدة موجزة ومطولة أخرى؟ قلت: ليحصل من ذلك الاطلاع على علىّ البلاغة وجلالة النظم وعلى فصاحة فى طرفى الإيجاز والإطناب، فإن الفصيح البليغ من البشر إن رام هذا لم يف فى الطرفين بما يريده ووضح التفاوت فى هذا بوجه. فإن قلت فما وجه تقديم الموجز على المطول؟ قلت: شبه ذلك بالمجمل من الكلام والمفصل وإنما يريده التفصيل بعد الإجمال فهذا الجواب منزل على الترتيب الثابت، والله سبحانه أعلم بما أراد. الآية الثالثة: قوله تعالى مخبرا عن قول إبليس: " قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) "، وفى سورة الحجر: " قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) ". إن سأل سائل عن وجه اختلاف الوارد فى السورتين المحكى من قول إبليس مع اتحاد القصة فجوابه: أن المعنى الحاصل من قوله فى السورتين واحد لا إشكال فيه ثم اختلف التعبير عن ذلك بحسب ما تقدم فى كل واحدة من السورتين ومااستدعاه من المناسبة ولما تقدم فى الأعراف قوله تعالى: "اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم " والإشارة إلى القرآن لأنه يوضح الطريق إليه وهو الصراط المستقيم قال تعالى: "وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه " والاشارة بهذا إلى المنزل قرآنا لأنه مبين للصراط المستقيم الذى طمع اللعين فى الاستيلاء عليه وقطه سالكه فقيل عبارة عن مرامه

стр. 174

من ذلك: "لأقعدن لهم صراطك المستقيم " إلى آخر المحكى من كلامه، ومراده: لأستولين لهم عليه لا على ما فهمه بعض المتأخرين حين رام الحاق مثل هذا من الذروف المختصة بالمبهمة منها وخالف الناس فى ذلك، ولو كان الأمر على ما قال لكان وصول الفعل الذى هو "لأقعدن " على تقدير حرف الوعاء الذى هو "فى " وكان يفسد المعنى لأن المراد اللعين وطعمه إنما كان فى الاستيلاء على الطريق بدليل حصره الجهات فى قوله: "من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم "، فهذا طلب أخذهم بكل الجهات وطمع فى الاستيلاء وأن يكون له سلطان ولهذا قال له: "إن عبادى ليس لك عليهم سلطان " ولو كان على تقدير حرف الوعاء لناقض هذا الغرض ولكان تقديره لأقعدن لهم فى صراطك وهذا ضد ما يقتضيه تقدير على من الاستيلاء وقد بسط هذا فى موضعه وأن الصواب ما عليه جماعة النحويين وما فهموا عليه كلام سيبويه ﵀ من أن الطريق مختض لا مبهم وأن المعنى هنا فى الآية على تقدير حرف الاستيلاء لا حرف الوعاء ولما قد كان قد ورد فى الحجر منعه ومنع جنوده عن تعرف خبر السماء واستراق السمع فى قوله : "وقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين " فلما صد من هذه الجهة عدل إلى الأخرى فقال: "لأزينن لهم فى الأرض " أى إن كنت ممنوعا عن إغوائهم من حيث خبر السماء وإبداء المقدرات مما يوجهه الله إلى ملائكته مما يحدث فى علم الأرض وقد سبق فى العلم القديم فإن كتن قد معتنى عن إغوائهم من هذه الجهة رجعت إلى إغوائهم من هذه الجهة رجعت إلى إغوائهم من جهة لم تمنعنى عنها لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا من عصمته منى ولم تجعل لى السبيل إليه وهم عبادك المخلصون، فلأجل اختلاف المتقدم فى كل من السورتين ما اختلف المبنى عليه من المحكى عن إبليس من طمعه وورد كل على ما يناسب ولم يكن ليناسب تعقيب ما ورد فى الأعراف بما أعقب المتقدم فى سورة الأعراف والله سبحانه أعلم بما أراد. الآية الرابعة من سورة الأعراف قوله جل وتعالى: " وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) " وفى سورة الأنفال: " وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) " فورد فى الأولى: أن عذابهم بكسبهم وورد فى الأنفال أن عذابهم بكفرهم فللسائل أن بقول ما الفرق الموجب بين للاختلاف؟

стр. 175

والجواب عن ذلك والله أعلم: أن المذكورين قبل آية الأعراف المقول لهم فذوقوا العذاب قد خالفت حالهم حال المذكورين فى آية الأنفال وذلك أن آية الأنفال فى قوم بأعيانهم وهم كفار قريش من أهل مكة وحالهم معلومة إنما كانوا عبدة أوثان ولم تتكرر فيهم الرسل ولا كفروا بغير التكذيب به ﷺ وبتصميمهم على عبادة آلهتهم أما آية الأعراف ففى أخلاط من الأمم وأصناف من المكذبين تنوع كفرهم وتكذيبهم ضروبا من المخالفات وافتروا على الله سبحانه قال تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ... "الآية وفيها: "قال ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا " ثم قال: "وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ". فلشتى مجترحات هؤلاء واتساع مرتكباتهم وأنهم ضلوا وأضلوا ناسب ما وقع جزاؤهم عليه ذكر الاكتساب لا سيما على القول بأن الكفار مخاطبون بالفروع وهو قول حذاق الأصوليين وقول مالك ﵀، ولما انحصر مرتكب الأخرين فيما ذكر وكان مدار أمرهم على الكفر بما جاء به نبينا ﷺ ناسب ما وقع جزاؤهم عليه تخصيص ايم الكفر فكل من الاطلاقين جار على ما يجب ويناسب والله سبحانه أعلم. الآية الخامسة قوله تعالى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون " وفى سورة هود: "ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون " فزيد فى هذه الآية ضمير الفصل ولم يزد فى الأولى فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ وجوابه والله أعلم: أن ابتداء الإخبار فى الأعراف بحال هؤلاء الملعونين فى الآيتين هو قوله تعالى فى الأولى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " وابتداء الاخبار عنهم فى سورة هود قوله تعالى: "أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين " ففى هذا اطناب وتأمل ورود الظاهر فى موضع المضمر من قوله "على الظالمين " ولم يقل عليهم، فناسب زيادة ضمير الفصل وفى آية الأعراف إيجاز ناسبه سقوطه ولو لم يكن ما بين "أن "

стр. 176

و "ألا " فإن ذلك مراعى فيما قصدناه فـ "أن "أوجز من "ألا " و"أن " هنا حرف عبارة وتفسير وهى كالواردة فى قوله: "ونودوا أن تلكم الجنة " وفى قوله "وانطلق الملأ منهم أن امشوا "، وتقع بعد ما يراد به القول وليس بلفظه وتفسر بـ "أى " وأما "ألا " فاستفتاح وكل من الموضعين على ما يجب ويناسب ولو فرض العكس لما ناسب والله أعلم. الآية السادسة قوله تعالى: " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ "، وفى سورة الفرقان: " وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) " وقال فى سورة الروم: " اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) "، وقال فى سورة الملائكة [فاطر]: " وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) ". وقع فى هذه الآى اختلاف مع تشابهها فى اللفظ وتقارب مقاصدها فأول ذلك اختلاف مطالعها بورود يرسل وأرسل، الثانى وصف الرياح وإتباعها بقوله فى الأعراف والفرقان: "نشرا بين يدى رحمته " ولم يرد ذلك فى سواهما الثالث ما يكون عن إرسال الرياح ففى آية الأعراف: "حتى إذا أقلت سحابا "، وفى سورة الروم وسورة الملائكة: "فتثير سحابا " ولم يذكر ذلك فى الفرقان وفى سورة الأعراف بعد ذكر إقلال الرياح السحاب: "سقناه لبلد ميت "، وفى سورة الاملائكة: "فسقناه إلى بلد " وفى سورة الروم بعد إثارة الريح السجاب: "فيبسطه فى السماء "، "ويجعله كسفا "، وفى الأعراف: "فأنزلنا به الماء "، وفى الفرقان: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا " " وفى الروم: "فترى الودق يخرج من خلاله " ولم يرد فى الملائكة ذكر لإنزال الماء ولا كيفيته وفى الأعراف: "فأخرجنا به من كل الثمرات "، وفى الفرقان: "لنحيى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى كثيرا " وفى الروم: "فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون " وفى سورة الملائكة "كذلك النشور " ولم يقع فى الأخيرتين إحالة التشبيه، وفى الأعراف "لعلكم تذكرون " ولم يقع فى سورة الأعراف مثل هذا الترجى فهذه جملة سؤالات. والجواب عن السؤال الأول: " أن آية الأعراف لما تقدمها قوله تعالى: "إن ربكم

стр. 177

الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش " فذكر سبحانه ما تقرر وتحصل من خلق السماوات والأرض مما لا تكرر فيه وهما أعظم آياته وأعقب سبحانه بقوله: "ثم استوى على العرش " محمولا على ما تقرر بثم المقتضية التنبيه على جليل الحال فيما يعطف بها والتحريك للاعتبار بذلك وموقعه ورتبته حيث لا يراد مهلة الترتيب الزمانى لأن موضوع ثم فى اللسان قصد الترتيب الزمانى مع المهملة حيث يراد ذلك وقصد الترتيب الاعتنائى والتنبيه على حال ما عطف بها حيث لا يقصد زمان ولا يلحظ كقوله تعالى: "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر " فهذا وارد مورد الدعاء على من يخاطب به البشر كما يرد التعجب والترجى وربنا المنزه عن ذلك كله ولكن خوطب البشر على ما يتعارفون ويجرى بينهم فلما قال سبحانه: "ثم استوى على العرش " فذكر ما هو تعالى عليه منزها عن الآنية والتمكن المكانى والمناسبة والحلول جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فلما ذكر تعالى من هذه الأفعال العظيمة ما ذكر مما لا يتكرر أعقب سبحانه بما يتكرر ويتوالى من إنعامه على الخليقة مما به قوام أحوالهم ومصالح عيشهم، فقال سبحانه: "يغشى الليل النهار " وأورد ما يتوالى بطول نواله العالم بمشيئته ويتجدد عليهم مما به قوام حالهم إلى انقضاء الأمد المحدود ومجئ اليوم الموعود واتبع هذا التعريف بما يجارى الجمل الاعتراضية حال الكلام مما يلائم ويناسب ذلك تعريفه بقوله: "ألا له الخلق والأمر "، فأعلم باعتراضه لخلق ذلك كله وتصرف أمره فى الجميع بما شاء وأخبر بتعاليه وعظمته فقال: "تبارك الله رب العالمين "، وأمر عباده بالدعاء والتضرع إليه وحذرهم وذكرهم باستصحاب الخوف وتلك حال الموقنين إذ لا يؤمن مكره ولا ييأس من روحه، ثم رجاهم بقرب رحمته ممن أحسن ثم عاد الكلام إلى التذكير بجليل المتوالى من إنعامه وعظيم ألطافه فقال: "وهو الذى يرسل الرياح نشرا بين يدى رحمته " فانتظم آخر الكلام بأوله وارتبط عوده ببدئه وتناسب أوضح تناسب بما يفهمه الفعل المضارع من التكرر من حيث لا يمنع ذلك ولو ورد هنا بلفظ الماضى لما ناسب لما يقتضيه الانقطاع إلا لحامل والله أعلم. وعلى هذا النحو جرى الوارد فى سورة الروم فإنه ورد قبل الآية قوله تعالى: "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات " فذكر من آياته وإنعامه بإرسال الرياح وإجراء الفلك ليبتغى فضله ويطلب الرزق منه حال الظعن والإقامة ثم اعترض بقوله تأنيسا لرسوله ووعدا بنصره: "ولقد أرسلنا من قبله رسلا إلى قومه فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا

стр. 178

علينا نصر المؤمنين " ثم عاد الكلام إلى إتمام ما تقدم مما يرسل سبحانه به ولا جله الرياح فقال بصورة الاستئناف لأجل آية الاعتراض: "الله الذى يرسل الرياح " وأورد من النعم بها ما ذكر قبل وجاء بلفظ الاستقبال لأنه من تتميم ما تقدم وليناسبه ولو جاء بلفظ الماضى لما ناسب والله أعلم. وأما آية الفرقان فقد تقدمها قوله تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا وهو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " فورد قبلها ذكر هذه الدلالات وواضح هذه الشواهد وقد تقيد زمان خلقها بالماضى فى خمس كرات مع أنها مما يتكرر فى الآيات ويتوالى وكذا فى مطلع السورة وما وقع بعده مما يعتبر به وليس بإخبار أخراوى فأتبع سبحانه ذلك بموافق مناسب فقال: "وهو الذى أرسل الرياح نشرا " ولم يكن ورود المستقبل هنا ليناسب فجاء على ما يجب. وأما آية سورة الملائكة فمبنية على مطلع السورة وذلكم قوله تعالى: "الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة " و"فاطر "و "جاعل "هنا بمعنى المضى ولا يمكن فيهما غير ذلك ولم يقع بعد هذا ذكر مقصود به الاعتبار من مخلوقاته سبحانه مما نصبه دالا عليه إلا قوله: "الله الذى أرسل الرياح " فجاء ذلك مناسبا لقوله: "فاطر السماوات والأرض "و " جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة " لموافقة الفعل الماضى اسم الفاعل معنى ومناسبته ولا يناسبه المستقبل وأما ما وقع بين الآية وبين ما بنيت عليه مما ذكرنا فليس من قبيل المذكور فيه ما نصبه سبحانه دليلا للاعتبار لذوى الافتكار كخلق السماوات والأرض وإرسال الرياح فهذه المذكورات الثلاث هى المقصودة هنا للاعتبار. أما قوله: "يزيد فى الخلق ما يشاء " إلى ما بعده إلى آية إرسال الرياح مع جليل إلتحامه بما اتصل به فليس من قبيل ما ذكرناه ولا يمنع من حمل الآية المتكلم فيها على نحو ما ذكر وجملها عليه ولا يناسب المستقبل هنا ما تقدمه مما بينا حمله عليه وأنه لا يصح حمله على غير ما ذكر والله أعلم بما أراد. والجواب عن السؤال الثانى: إن آية الأعراف قد تقدمها قوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض " ثم قال: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية " وقال: "وادعوه خوفا وطمعا " ثم قال: "إن رحمة

стр. 179

الله قريب من المحسنين " وفى هذا كله استلطاف وتعطف ترج ومن نحو هذا الاستلطاف ومجاريه فى قوة الترجى قوله سبحانه فى سورة الفرقان: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ... "الآية، ثم قال: "هو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " فهذا أعظم استلطاف فناسب الوارد فى السورتين من هذا قوله تعالى عقب إرسال الرياح قوله: "نشرا بين يدى رحمته " ولما يرد فى سورة الروم ولا فى سورة الملائكة مثل ذا الاستلطاف ولا بعضه لم يتبع ذكر إرسال الرياح بما اتبع فى آيتى الأعراف والفرقان إذ لم يكن ذلك ليناسب فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم. والجواب عن السؤال الثالث: أن آية الأعراف لما قيل فيها: "فأخرجنا به من كل الثمرات " فعم بكل وهى من نصوص ألفظ العموم ناسب ذلك ورود ما يفهم كثرة ماء السحاب إذ لا يحصل منه إخراج ما يقدر إخراجه من كل الثمرات الا بكثرته فذكر استقلال السحاب الكثير وهو الذى يعطيه قولا "ثقالا " وانما تثقل بكثرة مائها وذلك يثقلها ولا يكون استقلالها بما يثقلها من الماء الا بعد إشارتها فكأن قد قيل: أثارت الرياح السحب فأثقلتها بالماء الكثير فناسب هذا كله ولم يكن مجرد ذكر إثارة السحاب ليعطى كثرة مائها وتكثير الثمر المخرج به مع أن الإثارة مفهومة فحصل فى هذا النظم العلى الإيجاز والوفاء بالتوسعة والتعميم المقصود ولما لم يقع فى الآى الأخر توسعة فى المخرج بالماء وقع الاكتفاء بذكر إثارة السحاب وحصل إرسالها الماء مما بعد. فإن قلت: فقد ورد فى سورة الملائكة: "فأحيينا به الأرض بعد موتها " وذلك تعميم ومع ذلك فقد وقع الاكتفاء فيها بقوله: "فتثير سحابا " قلت لفظ الأرض لا يعم فى كل موضع إذ ليس من ألفاظ العموم بدليل قوله تعالى: "إن فرعون علا فى الأرض " وهو لم يستول إلا على بعضها وبدليل قوله تعالى: "أو ينفوا من الأرض " وبالجملة فليست الألف واللام هنا للعموم ولا هى حيث تفهم العموم بمنزلة كل وطرأ وأجمعين ولا نزاع فى هذا فالاكتفاء فى سورة الملائكة بذكر الاثارة فقط بين. وأما سورة الروم فليس فيها عموم بل فيها خصوص حاصل من التقييد بقوله: "فإذا أصاب له به من يشاء من عباده "، والاكتفاء فيها بذكر إثارة الرياح السحاب أبين شئ فجاء كل على ما يناسب ولا يمكن خلافه.

стр. 180

ولم يرد فى سورة الفرقان ذكر إثارة الرياح السحاب اكتفاء ببشارة قوله: "بين يدى رحمته " لأنه قصد هنا ذكر الإنعام ولم ينط بذلك ما يقصد به امتداد الاعتبار ألا ترى قوله قبل الآية: "وهو الذى جعل لكم الليل لباسا وجعل النهار نشورا " فقصد ذكر الإنعام ثم الاعتبار جار مع ذلك ثان عن المقصود من ذكر الإنعام فلم يذكر الا بادئ الإنعام، فجاء كل على ما يناسب ولا يمكن خلافه والله سبحانه أعلم. والجواب عن السؤال الرابع: وهو الفرق بين ما فى الأعراف وسورة الملائكة من سوق الرياح السحاب إلى البلد الميت وما فى سورة الروم من قوله: "فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفا " بزيادة ذكر سوقه إلى بلد ميت فى آيتى الأعراف والملائكة وسقوط ذلك فى سورة الروم مع زيادة بيان حال السحاب وانتشارها فى السماء وتقطيعها لانبعاث المطر فيقول السائل: إن كان الكلام مقصودا به قصد الإطالة فلم يرد فيها الوارد فى الأخريين من قوله: "فسقناه إلى بلد ميت " وإن كان قد قصد به الإيجاز فلم ورد هذا الإطناب هنا بما بسط من حال السحاب؟ والجواب عن ذلك: ان الآيات الثلاث محرزة أجل إيجاز وأبلغه، وان آية الروم لم يسقط منها شئ من التعريف بسوق السحاب إلى البلد الميت وإنما الحاصل على ما زيد فيها من بيان حال السحاب ما قصد من تحريك المعتبر وتنبيهه على ما فيه أعظم دلالة وأوضح برهان، ألا ترى تقديم قوله: "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته " وجليل موقع هذه الاستعارة وقوله: "ولتجرى الفلك بأمره " ثم أشير إلى تسخير الفلك بقوله: "ولتبتغوا من فضله " فقد ورد هنا تعداد نعم جليلة فلما عاد الكلام إلى ارسال الرياح وذكر إثارتها السحاب اتبع ذلك بما يناسب فقال تعالى: "يبسطه فى السماء كيف يشاء "والإشارة إلى ما تؤمه السحاب ببسطه سبحانه إياها فتوارى من أقطار الأرض وجهاتها ما يشاء سبحانه إحياءه وسقيه ويجعلها سبحانه كسفا أى قطعا متخلخلة لنفوذ ما تحملت من الماء فينبعث الماء من تلك المسام كانبعاث العرق من مسام الأجساد: "فترى الودق يخرج من خلاله " وبحسب ما حملها سبحانه أو ثقلها من الماء يكون المرسل عنها فى الكثرة وما دونها: "فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون " فلما انبنت هذه الآية على ما قصد من زيادة التنبيه وتوفيه الاعتبار خصت بما لم يقع فى آيتى الأعراف
следующие страницы →