Полный текст (513 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
و "ألا " فإن ذلك مراعى فيما قصدناه فـ "أن "أوجز من "ألا " و"أن " هنا حرف عبارة وتفسير وهى كالواردة فى قوله: "ونودوا أن تلكم الجنة " وفى قوله "وانطلق الملأ منهم أن امشوا "، وتقع بعد ما يراد به القول وليس بلفظه وتفسر بـ "أى " وأما "ألا " فاستفتاح وكل من الموضعين على ما يجب ويناسب ولو فرض العكس لما ناسب والله أعلم.
الآية السادسة قوله تعالى: " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ "، وفى سورة الفرقان: " وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) " وقال فى سورة الروم: " اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) "، وقال فى سورة الملائكة [فاطر]: " وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) ".
وقع فى هذه الآى اختلاف مع تشابهها فى اللفظ وتقارب مقاصدها فأول ذلك اختلاف مطالعها بورود يرسل وأرسل، الثانى وصف الرياح وإتباعها بقوله فى الأعراف والفرقان: "نشرا بين يدى رحمته " ولم يرد ذلك فى سواهما الثالث ما يكون عن إرسال الرياح ففى آية الأعراف: "حتى إذا أقلت سحابا "، وفى سورة الروم وسورة الملائكة: "فتثير سحابا " ولم يذكر ذلك فى الفرقان وفى سورة الأعراف بعد ذكر إقلال الرياح السحاب: "سقناه لبلد ميت "، وفى سورة الاملائكة: "فسقناه إلى بلد " وفى سورة الروم بعد إثارة الريح السجاب: "فيبسطه فى السماء "، "ويجعله كسفا "، وفى الأعراف: "فأنزلنا به الماء "، وفى الفرقان: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا " " وفى الروم: "فترى الودق يخرج من خلاله " ولم يرد فى الملائكة ذكر لإنزال الماء ولا كيفيته وفى الأعراف: "فأخرجنا به من كل الثمرات "، وفى الفرقان: "لنحيى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى كثيرا " وفى الروم: "فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون " وفى سورة الملائكة "كذلك النشور " ولم يقع فى الأخيرتين إحالة التشبيه، وفى الأعراف "لعلكم تذكرون " ولم يقع فى سورة الأعراف مثل هذا الترجى فهذه جملة سؤالات.
والجواب عن السؤال الأول: " أن آية الأعراف لما تقدمها قوله تعالى: "إن ربكم
стр. 177
الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش " فذكر سبحانه ما تقرر وتحصل من خلق السماوات والأرض مما لا تكرر فيه وهما أعظم آياته وأعقب سبحانه بقوله: "ثم استوى على العرش " محمولا على ما تقرر بثم المقتضية التنبيه على جليل الحال فيما يعطف بها والتحريك للاعتبار بذلك وموقعه ورتبته حيث لا يراد مهلة الترتيب الزمانى لأن موضوع ثم فى اللسان قصد الترتيب الزمانى مع المهملة حيث يراد ذلك وقصد الترتيب الاعتنائى والتنبيه على حال ما عطف بها حيث لا يقصد زمان ولا يلحظ كقوله تعالى: "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر " فهذا وارد مورد الدعاء على من يخاطب به البشر كما يرد التعجب والترجى وربنا المنزه عن ذلك كله ولكن خوطب البشر على ما يتعارفون ويجرى بينهم فلما قال سبحانه: "ثم استوى على العرش " فذكر ما هو تعالى عليه منزها عن الآنية والتمكن المكانى والمناسبة والحلول جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فلما ذكر تعالى من هذه الأفعال العظيمة ما ذكر مما لا يتكرر أعقب سبحانه بما يتكرر ويتوالى من إنعامه على الخليقة مما به قوام أحوالهم ومصالح عيشهم، فقال سبحانه: "يغشى الليل النهار " وأورد ما يتوالى بطول نواله العالم بمشيئته ويتجدد عليهم مما به قوام حالهم إلى انقضاء الأمد المحدود ومجئ اليوم الموعود واتبع هذا التعريف بما يجارى الجمل الاعتراضية حال الكلام مما يلائم ويناسب ذلك تعريفه بقوله: "ألا له الخلق والأمر "، فأعلم باعتراضه لخلق ذلك كله وتصرف أمره فى الجميع بما شاء وأخبر بتعاليه وعظمته فقال: "تبارك الله رب العالمين "، وأمر عباده بالدعاء والتضرع إليه وحذرهم وذكرهم باستصحاب الخوف وتلك حال الموقنين إذ لا يؤمن مكره ولا ييأس من روحه، ثم رجاهم بقرب رحمته ممن أحسن ثم عاد الكلام إلى التذكير بجليل المتوالى من إنعامه وعظيم ألطافه فقال: "وهو
الذى يرسل الرياح نشرا بين يدى رحمته " فانتظم آخر الكلام بأوله وارتبط عوده ببدئه وتناسب أوضح تناسب بما يفهمه الفعل المضارع من التكرر من حيث لا يمنع ذلك ولو ورد هنا بلفظ الماضى لما ناسب لما يقتضيه الانقطاع إلا لحامل والله أعلم.
وعلى هذا النحو جرى الوارد فى سورة الروم فإنه ورد قبل الآية قوله تعالى: "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات " فذكر من آياته وإنعامه بإرسال الرياح وإجراء الفلك ليبتغى فضله ويطلب الرزق منه حال الظعن والإقامة ثم اعترض بقوله تأنيسا لرسوله ووعدا بنصره: "ولقد أرسلنا من قبله رسلا إلى قومه فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا
стр. 178
علينا نصر المؤمنين " ثم عاد الكلام إلى إتمام ما تقدم مما يرسل سبحانه به ولا جله الرياح فقال بصورة الاستئناف لأجل آية الاعتراض: "الله الذى يرسل الرياح " وأورد من النعم بها ما ذكر قبل وجاء بلفظ الاستقبال لأنه من تتميم ما تقدم وليناسبه ولو جاء بلفظ الماضى لما ناسب والله أعلم.
وأما آية الفرقان فقد تقدمها قوله تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا وهو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " فورد قبلها ذكر هذه الدلالات وواضح هذه الشواهد وقد تقيد زمان خلقها بالماضى فى خمس كرات مع أنها مما يتكرر فى الآيات ويتوالى وكذا فى مطلع السورة وما وقع بعده مما يعتبر به وليس بإخبار أخراوى فأتبع سبحانه ذلك بموافق مناسب فقال: "وهو الذى أرسل الرياح نشرا " ولم يكن ورود المستقبل هنا ليناسب فجاء على ما يجب.
وأما آية سورة الملائكة فمبنية على مطلع السورة وذلكم قوله تعالى: "الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة " و"فاطر "و "جاعل "هنا بمعنى المضى ولا يمكن فيهما غير ذلك ولم يقع بعد هذا ذكر مقصود به الاعتبار من مخلوقاته سبحانه مما نصبه دالا عليه إلا قوله: "الله الذى أرسل الرياح " فجاء ذلك مناسبا لقوله: "فاطر السماوات والأرض "و " جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة " لموافقة الفعل الماضى اسم الفاعل معنى ومناسبته ولا يناسبه المستقبل وأما ما وقع بين الآية وبين ما بنيت عليه مما ذكرنا فليس من قبيل المذكور فيه ما نصبه سبحانه دليلا للاعتبار لذوى الافتكار كخلق السماوات والأرض وإرسال الرياح فهذه المذكورات الثلاث هى المقصودة هنا للاعتبار.
أما قوله: "يزيد فى الخلق ما يشاء " إلى ما بعده إلى آية إرسال الرياح مع جليل إلتحامه بما اتصل به فليس من قبيل ما ذكرناه ولا يمنع من حمل الآية المتكلم فيها على نحو ما ذكر وجملها عليه ولا يناسب المستقبل هنا ما تقدمه مما بينا حمله عليه وأنه لا يصح حمله على غير ما ذكر والله أعلم بما أراد.
والجواب عن السؤال الثانى: إن آية الأعراف قد تقدمها قوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض " ثم قال: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية " وقال: "وادعوه خوفا وطمعا " ثم قال: "إن رحمة
стр. 179
الله قريب من المحسنين " وفى هذا كله استلطاف وتعطف ترج ومن نحو هذا الاستلطاف ومجاريه فى قوة الترجى قوله سبحانه فى سورة الفرقان: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ... "الآية، ثم قال: "هو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " فهذا أعظم استلطاف فناسب الوارد فى السورتين من هذا قوله تعالى عقب إرسال الرياح قوله: "نشرا بين يدى رحمته " ولما يرد فى سورة الروم ولا فى سورة الملائكة مثل ذا الاستلطاف ولا بعضه لم يتبع ذكر إرسال الرياح بما اتبع فى آيتى الأعراف والفرقان إذ لم يكن ذلك ليناسب فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثالث: أن آية الأعراف لما قيل فيها: "فأخرجنا به من كل الثمرات " فعم بكل وهى من نصوص ألفظ العموم ناسب ذلك ورود ما يفهم كثرة ماء السحاب إذ لا يحصل منه إخراج ما يقدر إخراجه من كل الثمرات الا بكثرته فذكر استقلال السحاب الكثير وهو الذى يعطيه قولا "ثقالا " وانما تثقل بكثرة مائها وذلك يثقلها ولا يكون استقلالها بما يثقلها من الماء الا بعد إشارتها فكأن قد قيل: أثارت الرياح السحب فأثقلتها بالماء الكثير فناسب هذا كله ولم يكن مجرد ذكر إثارة السحاب ليعطى كثرة مائها وتكثير الثمر المخرج به مع أن الإثارة مفهومة فحصل فى هذا النظم العلى الإيجاز والوفاء بالتوسعة والتعميم المقصود ولما لم يقع فى الآى الأخر توسعة فى المخرج بالماء وقع الاكتفاء بذكر إثارة السحاب وحصل إرسالها الماء مما بعد.
فإن قلت: فقد ورد فى سورة الملائكة: "فأحيينا به الأرض بعد موتها " وذلك تعميم ومع ذلك فقد وقع الاكتفاء فيها بقوله: "فتثير سحابا " قلت لفظ الأرض لا يعم فى كل موضع إذ ليس من ألفاظ العموم بدليل قوله تعالى: "إن فرعون علا فى الأرض " وهو لم يستول إلا على بعضها وبدليل قوله تعالى: "أو ينفوا من الأرض " وبالجملة فليست الألف واللام هنا للعموم ولا هى حيث تفهم العموم بمنزلة كل وطرأ وأجمعين ولا نزاع فى هذا فالاكتفاء فى سورة الملائكة بذكر الاثارة فقط بين.
وأما سورة الروم فليس فيها عموم بل فيها خصوص حاصل من التقييد بقوله: "فإذا أصاب له به من يشاء من عباده "، والاكتفاء فيها بذكر إثارة الرياح السحاب أبين شئ فجاء كل على ما يناسب ولا يمكن خلافه.
стр. 180
ولم يرد فى سورة الفرقان ذكر إثارة الرياح السحاب اكتفاء ببشارة قوله: "بين يدى رحمته " لأنه قصد هنا ذكر الإنعام ولم ينط بذلك ما يقصد به امتداد الاعتبار ألا ترى قوله قبل الآية: "وهو الذى جعل لكم الليل لباسا وجعل النهار نشورا " فقصد ذكر الإنعام ثم الاعتبار جار مع ذلك ثان عن المقصود من ذكر الإنعام فلم يذكر الا بادئ الإنعام، فجاء كل على ما يناسب ولا يمكن خلافه والله سبحانه أعلم.
والجواب عن السؤال الرابع: وهو الفرق بين ما فى الأعراف وسورة الملائكة من سوق الرياح السحاب إلى البلد الميت وما فى سورة الروم من قوله: "فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفا " بزيادة ذكر سوقه إلى بلد ميت فى آيتى الأعراف والملائكة وسقوط ذلك فى سورة الروم مع زيادة بيان حال السحاب وانتشارها فى السماء وتقطيعها لانبعاث المطر فيقول السائل: إن كان الكلام مقصودا به قصد الإطالة فلم يرد فيها الوارد فى الأخريين من قوله: "فسقناه إلى بلد ميت " وإن كان قد قصد به الإيجاز فلم ورد هذا الإطناب هنا بما بسط من حال السحاب؟
والجواب عن ذلك: ان الآيات الثلاث محرزة أجل إيجاز وأبلغه، وان آية الروم لم يسقط منها شئ من التعريف بسوق السحاب إلى البلد الميت وإنما الحاصل على ما زيد فيها من بيان حال السحاب ما قصد من تحريك المعتبر وتنبيهه على ما فيه أعظم دلالة وأوضح برهان، ألا ترى تقديم قوله: "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته " وجليل موقع هذه الاستعارة وقوله: "ولتجرى الفلك بأمره " ثم أشير إلى تسخير الفلك بقوله: "ولتبتغوا من فضله " فقد ورد هنا تعداد نعم جليلة فلما عاد الكلام إلى ارسال الرياح وذكر إثارتها السحاب اتبع ذلك بما يناسب فقال تعالى: "يبسطه فى السماء كيف يشاء "والإشارة إلى ما تؤمه السحاب ببسطه سبحانه إياها فتوارى من أقطار الأرض وجهاتها ما يشاء سبحانه إحياءه وسقيه ويجعلها سبحانه كسفا أى قطعا متخلخلة لنفوذ ما تحملت من الماء فينبعث الماء من تلك المسام كانبعاث العرق من مسام الأجساد: "فترى الودق يخرج من خلاله " وبحسب ما حملها سبحانه أو ثقلها من الماء يكون المرسل عنها فى الكثرة وما دونها: "فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون " فلما انبنت هذه الآية على ما قصد من زيادة التنبيه وتوفيه الاعتبار خصت بما لم يقع فى آيتى الأعراف
стр. 181
والملائكة وإنما لم يذكر هنا سوقها للبلد الميت لحصول ذلك من قوله بعد: "فتنظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها " فلو قيل أولا: "فسقناه إلى بلد ميت " لكان تكرارا فإذا تأملت ما ذكرناه وعظيم التنبيه مع جليل الإيجاز بحسب ما قصد وعلى البلاغة وموجب المزيد فى آية الروم وما يستدعيه المكتنفان لهما من قوله قبلها: "ومن آياته أن يرسل الرياح " وقوله بعدها: "فانظر إلى أثر رحمة الله ... "الآية وتحريك المعتبر ولم يذكر ذلك فى الأخريين ويتبين لك أنه لم ينقص منها شئ وإن كلا منها وارد على ما يجب ولم يكن ليناسب خلافه والله أعلم.
والجواب عن السؤال الخامس: أن قوله فى الأعراف: "سقناه لبلد ميت " وفى سورة الملائكة: "فسقناه إلى بلد ميت " لفارق بين الموضعين هو أن قوله تعالى فى الأعراف: "حتى إذا أقلت سحابا ثقالا " كلام يستدعى جوابا ألا ترى أنه فى قوة قول القائل: فلما استقلت السحاب بما فيها من الماء ومثل هذا فى استدعاء الجوابية لا توقف فيه وليس مما يجاوب بالفاء وإنما جواب ذلك مثل هذا مجردا فيه الفعل عن الفاء وغيرها قال تعالى: "حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم ريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف " فالجواب هنا قوله: "جاءتها ريح عاصف " وقال تعالى: "فلما جاءتهم ما عرفوا كفروا به " ومنه آية الأعراف المذكورة لا مدخل فيها للفاء لا التى تقع جوابا ولا العاطفة إذ ليس قوله تعالى: "فسقناه لبلد ميت " معطوفا على ما قبله أما قوله تعالى فى سورة الملائكة: "الله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها " فكلام معطوف بعضه على بعض بالفاء المقتضية الترتيب والتعقيب ليطابق اللفظ ما تحته من المعنى فلزمت الفاء هنا لاحتراز معناها وقد تقرر انها لا مدخل لها فى آية الأعراف فورد كل على ما يجب ولما استدعى لفظ "سقناه "المكان المسوق إليه وإنما يصل إليه بلام الجر أو بإلى عدى فى الإعراب بلام الجر فقيل "لبلد " ليناسب المجرور فعله الذى استدعاه فى الوجازة ولما طال الفعل فى الآية الأخرى بما لزمه من حرف التعقيب ناسبه تعديته بإلى إسهابا وإيجازا مقابل إيجاز وأما آية الروم ففيها زيادة التعريف بكيفية انفصال الماء من السحاب وانه يخرج من خلاله مقسطا على الأرض مجزءا ليستوى اليقى ويتناسب كسريان الغذاء فى الأبدان بعد تهيئته ولو صب من جانب دون ما أشار إليه التخلل لأضر ولم تحصل به المنفعة وهو زيادة فى الاعتبار وإطلاق على عظيم
стр. 182
الحكمة زكل هذه الآى متلائمة متعاضدة لا تعارض فيها ولا إشكال وقد تضمن هذا الجواب أجوبة عن مواضع من هذه الآى وقوله فى
الأعراف: "فأخرجنا به من كل الثمرات " مناسب لقوله: "حتى إذا أقلت سحابا ثقالا " لما تقدم ما يشير إلى كثرة مائها ناسبه التعريف بكثرة ما يخرج سبحانه به من مختلف الثمرات ولما قصد فى آية الفرقان سقى الحيوان العاقل وغير العاقل ناسبه ما تقدم من وصف الماء بالطهورية والطيب وقد حصل إخراج الثمرات بقوله لنحيى به بلدة ميتا وأما قوله فى سورة الروم: "فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم مستبشرون " فجار مع قوله قبل الآية: "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات " لما ذكر سبحانه إرسالها مبشرات اتبع ذلك ما به البشارة وهو الودق المرسل من السحاب المشار بها والاخبار بمن المبشر بها وهو من يشاء تخصيصه من عباده بتلك الرحمة فأوضح آخر الآية المجمل قبلها وحصلت ما قصد بها على أكمل تناسب وأما قوله فى سورة الملائكة: "فأحيينا به الأرض بعد موتها " فمبنى على قوله: "يأيها الناس إن وعد الله حق " والمراد بهذا العودة الأخراوية فأرى سبحان مثالا يوضحها لمن تدبر وعقل فقال تعالى: "سقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها " ثم قال: "كذلك النشور " والآى قبلها لم يتقدمها مثل ما تقدم هذه من تحريك الخلق وتخويفهم بالوعد الأخراوى فلم تعقب بمثل ما أعقبت به من هذه من تحرير التشبيه وان كان فى أكثرها التشبيه على إحياء الموتى ولكنه ليس كالواقع هنا.
والجواب عن قوله فى سورة الأعراف: "كذلك نخرج الموتى " أنه مقابل بقوله: "فأخرجنا به من كل الثمرات " ولم يرد هكذا فى سائر الآيات أعنى التعبير بلفظ الإخراج لما ينبت المطر وما يخلق سبحانه فى الأرض ولما ورد فى سورة الملائكة قوله سبحانه: "فأحيينا به الأرض بعد موتها " قوبل تشبيها بقوله: "كذلك النشور " ولم يكن ليتحر المراد لو قيل: كذلك الإحياء ولو قيل: كذلك إحياء الموتى لاجتمع فيه الطول مع مخالفة الفواصل فيما قبل الآية وما بعدها، ألا ترى قوله تعالى: "ولا يغرنكم بالله الغرور " قوله بعد الآية: "ومكر أولئك هو يبور " وما تخلل الآيتين وما ورد بعدها ثم إن النشور هو إخراج الموتى وإحياؤهم مع أنه أوجز وأطبق للفواصل فجاء كل على ما يناسب واما سائر الآي فلم تبن على قصد التشبيه ولا جرى فيها ذلك فوقع الاكتفاء فيها بمجرد الإيماء والإحالة على غير طريقة التشبيه.
стр. 183
والجواب عن تعقيب آية الأعراف بترجى التذكير من قوله: "لعلكم تذكرون " مناسب لقوله: "فأحيينا به من كل الثمرات " لأن الماء المنزل من السماء واحد لا يختلف وان اختلفت أحواله فى الكثرة والقلة وطول زمن الانزال وقصره فالمذاق والطعم والصفة لا تختلف والمخرج به بإذن الله من ضروب الثمرات مختلف فى الطعم واللون والرائحة إلى غير ذلك من صفاته قال تعالى: "تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل " ففى هذا أعظم عبرة لمن استبصر وأدل دليل على القدرة التى تجل عن الحد والغاية وأعظم شاهد على إحياء الموتى فلهذا أعقبت برجاء التذكير فقيل: "لعلكم تذكرون ".
الآية السابعة قوله جل وتعالى: " لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) "، وفى سورة هود: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) "، وفى سورة المؤمنون: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) ".
فى هذه الآى ست سؤالات: السؤال الأول فوله فى سورة الأعراف: "لقد أرسلنا " غير منسوق بواو العطف وفى السورتين الأخيرتين: "ولقد أرسلنا " بواو العطف والثانى اختلاف مقاله ﵇ لهم والثالث وجه اختصاص الواقع فى كل سورة من الثلاث من مقاله بتلك السور والرابع وجه اختلاف ما خوفهم به وأنذرهم إثر أمرهم بالعبادة فى كل واحدة والخامس وجه ندائهم لهم فى السورتين وسقوط ذلك فى سورة هود والسادس وجه افتتاح أمرهم بالعبادة فى السورتين وقوله فى سورة هود قبل أمره إياهم: "إنى لكم نذير مبين " فهذه ست سؤالات.
الجواب عن الأول: أن آية الأعراف لم يتقدمها ذكر إرسال ولا أمر بدعاء الخلق ولا جملة يناسبها عطف إرسال الرسل إلى الأمم ودعاء الخلق إلى الإيمان إنما تقدم قبلها ذكر أصحاب الأعراف ثم قوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض " إلى قوله: "لقوم يشكرون " ثم ابتدأت قصص الرسل مع أممهم فقال تعالى: "لقد أرسلنا نوحا إلى قومه " وتتابع قصصهم.
أما آية هود فقد تقدم قبلها ذكر رسالة محمد ﷺ وبذلك افتتحت السورة قال تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله "
стр. 184
ثم استمر ذكر دعائهم وتحذيرهم من التولى وما يعقبه إن وقع منهم ثم ذكر تحديه ﵇ إياهم بالقرآن وطلبهم بمعارضته والإتيان بعشر سور مثله فى البلاغة وعلى النظم وان كان ما يأتون به مفترى ليكون أسهل عليهم ولم يعدل بالآى عن هذا الغرض وما يرجع إليه إلى ذكر إرسال نوح ﵇ فوردت الآى بذلك منسوقة فقد ورد قبلها ما يناسب عطفها عليه قال تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ... "الآيات وبعدها: "ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ... "الآيات، فذكرهم بإيجادهم وانتقالهم متقلبين فى أطوار مكتنفين بتوالى إنعامه منسوقا بعض ذلك على بعض مفتتحة المطالع بما يتأتى به القسم من قوله تعالى تحكيما وإظهارا للظاهر من اكتناف إنعامه وإحسانه ثم عطف على ذلك ما أنعم به من إرسال الرسل فذكر أولهم إرسالا إلى الخلق ليناسب ما بدأوا به من النعم الأولية فقال: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه " وكل ما ذكر فى هذه الآى نعم متناسبة والآء متوالية ولهذا لم يذكر فى هذه الآية ذكر عذاب الا بالإيماء الوجيز وخصت بقوله عقب الأمر بالعبادة: "أفلا تتقون " فذكرهم بالتقوى المجردة لنجاتهم وتخلصهم من العذاب ولم يكن ليلائم ذكر العذاب والإفصاح به ما تقدم من التذكير بإحسانه سبحانه وإنعامه من أول السورة إلى هنا.
والجواب عن السؤال الثانى: ان دعاء الرسل أممهم مما يتكرر ويتوالى فى أوقات مختلفة محال متباينة فمرة يرغبون ومرة يخوفون وينذرون وذلك بسبب حال حال ولكل مقام مقال.
فاختلاف المحكى من مقالهم إنما هو بحسب اختلاف الأوقات وما يناسب كل وقت وقت وما يجرى فيه ويشاهد من أقوال المدعوين وأحوالهم وكل المحكى من معنى مقالاتهم لا إشكال فيه، ألا ترى أن نبيا ﷺ وعليهم أجمعين كان يدعوا قبائل العرب إذا وفدوا على مكة ويقف على كل قبيلة قبيلة فيكلمهم ويسمعهم القرآن ويدعوهم إلى الله بما يناسب أحوالهم ومقالهم ألا ترى قوله ﵇ لقبيلة كانت تعلاف ببنى عبد الله "يا بنى عبد الله ان الله قد حسن اسم ابيكم " فكان يفتتح دعاء كل طائفة بمثل هذا فلكل مقام مقال، فلا سؤال فى المحكى من قول نوح ﵇، لقومه واختلاف ذلك وإنما السؤال فى اختصاص كل سورة بالوارد فيها من حكاية كلامه ﵇ إذ لا يذكر فى كل سورة الا ما يناسب وهو السؤال الثالث.
стр. 185
والجواب عنه: أنه لما تقدم ذكر اليوم الآخر فى غير ما آية من أول هذه السورة إلى ابتداء قصة نوح وقد تضمن ما ذكر من ذلك من أهوال ذلك اليوم ما يعظم أمره كقوله: "والوزن يومئذ الحق ... "الآية، وقوله: "قال ادخلوا فى أمم من قبلكم من الجن والإنس فى النار "الى قوله: "فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون " وقوله: "إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ... "الآية قوله: "ونادى أصحاب الجنة ... "الآية وقوله: "إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار "الى قوله: "ولا أنتم تحزنون " وقوله: "ونادى أصحاب النار ... "الآية
وقوله: "هل ينظرون إلا تأويله " فلما تقدم من أهوال هذا اليوم ما لم يتقدم فى السورتين الأخريين ناسبه من مقالات نوح لقومه: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " وناسب قوله: "ما لكم من إله غيره " قول الممتحنين: "فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا " وأما افتتاح الآية بأمرهم بالعبادة فبين وأما آية هود فافتتاح دعاء نوح قومه فيها بقوله: "إنى لكم نذير مبين " يناسب قول نبينا ﷺ للعرب فى إخبار الله تعالى عنه: "إننى لكم منه نذير بشير " قوله سبحانه: "إنما أنت نذير " وأما قوله: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم " فمناسب لقوله تعالى على لسان نبينا ﵇ لقومه ممن خاطبه وشافهه: "وإن تولوا فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير "وقوله: "ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم "وقوله: "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده "فتكرر ذكر العذاب يناسبه ما ختمت به آية دعاء نوح ﵇ من قوله: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم "وأما آية المؤمنين فالجواب عنها ما تقدم منجرا فى الجواب عن السؤال الأول وتحصل من أنه حكى من مقالاته ﵇ فى كل سورة من هذه الثلاث ما يجرى مع ما اتصل به ويناسبه حسبما تبين ولم يكن ليناسب ورود ما فى سورة منها ما ورد من ذلك فى الأخرى والله أعلم بما أراد.
والجواب عن السؤال الرابع: قد انجر فيما تقدم وعن الخامس أن ندائهم فى السورتين لا كلام فيه لجريانه على ما ينبغى فإنما يسأل عن سقوط ذلك فى سورة هود؟ ووجهه أن ذلك جار مع ما افتتحت به السورة من قوله على لسان نبينا ﵇: "ألا
стр. 186
تعبدوا إلا الله " فدعاهم عبادة الله وأن يفردوه بها ولم ينادهم لأن ذلك لم يكن ليلائم مطلع السورة إذ لم يجر ذكره ﵇ منطوقا به فينزل عليه نداؤهم بل قيل له: "الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير "ثم اتبع هذا بأمرهم مبتدئا بحرف العبارة والتفسير وهو أن الحرف الواقع بعد ما ينبئ ويحصل منه معنى القول وليس بصريح قول ولا مرادف الا أنه يفهمه كقوله تعالى: "وانطلق الملأ منهم أن امشوا " فأن الواقعة حرف عبارة وتفسير المقدرة بأى إنما تأتى بعد ما يفهم القول فكما يقع بعدها ما يدل على تقدير القول وليس بقول كذلك يقع بعد مالا يلتئم معه ذكر القول ويكون مع ذلك مغنيا عنه ومنه مطلع هذه السورة بعد التنبيه بالحروف المقطعة فقيل: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله "كما قيل فى آية ص: "ان امشوا واصبروا "فليس موضع صريح القول الذى يقصد به الحكاية ورد دون صريح قول ثم وردت قصة نوح ﵇ على هذا المنهج للمناسبة ثم جئ بقصة هود وصالح بعد هذا مفتتحين بالقول على ما يجب والله أعلم.
والجواب عن السؤال السادس: ان افتتاح أمرهم بعبادة الله فى سورتى الأعراف والمؤمنين لا سؤال فيه أول ما يطلب به الخلق وإنما يسأل عن افتتاح مكالمتهم فى سورة هود بقوله: "إنى لكم نذير مبين "؟ وجه ذلك مطابقته لما افتتحت به السورة من قول محمد ﷺ بأمر ربه مخاطبا بكلامه تعالى: "إننى لكم منه نذير وبشير ".
الآية الثامنة
قوله تعالى: " قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) "، وقال فى سورة هود: " فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا " وقال فى سورة المؤمنين: " فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ".
قلت هذه أجوبة فى مقامات شتى وأحوال مختلفة فلا سؤال فى اختلافها وإنما السؤال عن وجه الواقع فى كل سورة إذ لا يكون الا لمناسبة وقد تقدم بيان هذا فى الآية قبلها فيسأل عن ذلك؟ وعن ثبوت الفاء فى قوله: "فقال " فى سورة هود وسورة المؤمنين وسقوطها فى سورة الأعراف؟ وعن وصف الملإ بالكفر فى السورتين وسقوط هذا الوصف من آية الأعراف؟ فهذه ثلاثة أسئلة.
стр. 187
والجواب عن الأول والله أعلم: إن تقول: أن تخصيص الواقع من الملأ من قوم نوح ﵇ جوابا له عند دعائهم فى سورة الأعراف إلى عبادة الله مناسب لما تقدم فيها من قول مكذبى الرسل حين تتوفاهم الملائكة قال تعالى: "حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا "وقول أخراهم لأولاهم عند دخولهم النار وتداركهم فيها جميعا: "ربنا هؤلاء أضلونا " فصار هذا مألوفا من كلامهم وجوابا متكررا منهم ثم قد جرى على هذا إخبار الله سبحانه عنهم عند تمنيهم الشفعاء أو الرد إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم قال الله تعالى: "قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون " ولم يتقدم فى السورتين بعد مثل هذا فناسب هذا ما تقدم.
وأما فى سورة هود من قول الملأ المذكورين من قوم نوح فقد تقدم فى صدر السورة قوله تعالى مخبرا عن كفار قريش وغيرهم من معاندى رسول الله ﷺ : "ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم " فأعلم سبحانه بطغيانهم وتمردهم فى كفرهم فناسب هذا قول المتمردين من قوم نوح: "ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ".
وأما الوارد فى سورة المؤمنين فإنه تقدم فيها قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين "، فذكر سبحانه تطور الإنسان فى تقلبات وأحوال تشهد بحاله الحضيضه ومهانته الأوليه إلى أن تلحقه العناية الربانية والاختصاص الاصطفائى فيعز بإعزاز موجده ويختص باختصاص التقريب والتشريف فتتفاوت أقدار الخلق عند ذلك فمنهم اللاحق بأشراف المقامات وأسنى الحالات ومنهم الباقى فى حضيضيته من غير ترق لما فوقها من الانتقالات ولما لم يتلمح الملأ من قوم نوح جليل مزية التشريف وما منحه هذ النبى الكريم من على قدره المنيف، وظنوا التساوى على مقتضى الحاله الأوليه قالوا يخاطبون أتباعهم وجوابا لنبيهم ﵇: "ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ... " الآية.
وتأمل مقال الملأ هنا ومناسبته لما قدم من خلق الإنسان تجده أنسب شئ ولم يكن مقالهم فى كل موضع من هذه ليناسب غير ما وقع فيه والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثانى: أن الواقع فى سورة هود من قوله تعالى مخبرا عن
стр. 188
جواب قوم نوح: "ما نراك إلا بشرا مثلنا "إلى آخر كلامهم كلام لا يستقل مبتدأ به بل يستدعى ما يبنى عليه إذ لا يفتتح أحد أحدا مبتدئا بمثل هذا وإنما يتكلم بهذا جوابا ولما قال لهم نوح ﵇: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " إلى ما عرفهم به مما حصل منه الإعلام بمقامه النبوى جاوبوه بعدا عن تعرف صدقة ومعرفة حقه بقولهم: "ما نراك إلا بشرا مثلنا "، أى لو كنت كما تزعم لكنت من جنس الملائكة ولم تكن من جنس البشر وقد أفصحوا بهذا فى سورة المؤمنين وتكرر هذا المرتكب من غيرهم فى غير ما آية فلبناء هذا الكلام على ما قبله وتمحض الجوابية فيه ورد بالفاء المقتضية السببية والمبنية للجوابية ومثل هذا من غير فرق هو والوارد من جوابهم فى سورة المؤمنين من قولهم: "ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم "، ثم قالوا: "ولو شاء الله لأنزل ملائكة " وهذا هو الذى أشرنا إليه من مقالهم فى هاتين السورتين بالفاء لربط الجوابية وضوح السببية وأما قوله فى سورة الأعراف: "قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين " فإن هذا وإن تضمن الجوابية فإنه كلام يستأنف ويبتدأ بمثله ولا يفتقر إلى ما يبنى عليه فناسب ذلك وروده بغير الفاء وحصلت الجوابية من حيث المعنى مع رعى ما يناسب فى النظم ونظير هذا فى وروده بغير الفاء لما ذكر قوله تعالى فى قصة هود ﵇: "قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين " فتأمل جوابهم هنا لما كان الوارد فى قصة نوح ﵇ فى أنه يبتدأ بمثله ولا يفتقر إلى ما يبنى عليه كيف ورد بغير الفاء فهذا يزيدك وضوحا فيما قدمناه والله سبحانه أعلم.
والجواب عن السؤال الثالث: ويتنزل على تمهيد هو أن الله تعالى أمر رسله ﵈ بالرفق فى دعاء الخلق وحضهم على التلطف بهم والصبر على آذاهم فقال: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن " وقال تعالى: "واصبر على ما يقولون " وقال: "لست عليهم بمصيطر " وقال تعالى: "ودع أذاهم " وقال تعالى: "إن عليك إلا البلاغ "وقال: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " وهذا كثير وقال تعالى لموسى وهارون: "اذهبا إلى فرعون أنه طغى فقولا له قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " وعلى هذا جرى دعاء الرسل أممهم فى إخبار الله تعالى عنهم وتأمل ما تحمل من التلطف والرفق بالعباد قول الله سبحانه:
стр. 189
"يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم " إلى قوله: "ولا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " وعلى هذا المنهج جرى ما ورد فى الكتاب العزيز من دعاء الرسل أممهم: "يا قوم استغفروا ربكم إنه كان غفارا ... "الآيات إلى قوله: "لتسلكوا منها سبلا فجاجا " ثم اختلف جواب الأمم فمن مسرع فى الإجابة بهداية الله تعالى ومن مبطئ ومن مصمم على ضلاله: "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " ثم لكل نبى مقامات ومقالات بحسب اختلاف الموطن والمجتمعات ولكل مقام مقال يناسبه فجرى اختلاف ما ورد جوابا بنسبة ما وقع الجواب عليه مع إحراز الأنبياء ﵈ ما أمروا به من الصبر والتلطف فى أكثر أحوالهم متوقفين فيما وراء هذا على ما يرد منه تعالى كما قيل لنوح ﵇: "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن "فقطع ﵇ رجاءه منهم وفهم من ربه تعالى جواز دعائه عليهم واستشعر انتقامه منهم فقال: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " وذلك بعد مبالغتهم فى البعد عن الاستجابة وقولهم: "قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " قال تعالى فيمن سلك مسلكهم فى التكذيب: "فلما آسفونا انتقمنا منهم " وقال تعالى: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم
قد كذبوا جاءهم نصرنا ... "الآية.
فأقول بناء على ما تمهد أن قوم نوح لما ذكر تعالى عنهم فى سورتى هود والمؤمنين إساءة فى جوابهم لنبيهم وإطالة فى المرتكب حين قالوا فى سورة هود: "ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين " فجمعوا فى هذه الإطالة توهمهم مساواته ﵇، فيما رآه البادى من البشؤية والصورة الإنسانية إلى استرذال أتباعه كما قالوا فى الموضع الآخر: "أنؤمن لك واتبعك الأرذلون "وإلى التعامى عن فضله ﵇ عليهم وظنهم كذبه وقد نزهه الله من ذلك كله فإذا تأملت مجموع هذا استطلعت منه مكنون كفرهم ومثل هذا من غير فرق قولهم فى آية المؤمنين: "ما هذا إلا بشر مثلكم "إلى قولهم: "إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين " فلإساءتهم فيما ذكر من الوارد عنهم فى الموضعين وصفوا بالكفر فقال تعالى: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه " فوصفهم
стр. 190
بالكفر فى السورتين وأما آية الأعراف فقولهم فيها: "إنا لنراك فى ضلال مبين " ليس كجوابهم فى السورتين الأخريين لا من جهة الطول ولا من جهة المعنى لأن لفظ الضلال ليس بنص فى الضلال عن الدين لأنه يقال ضل بمعنى تحيز وجار عن دين أو طريق ويتسع فى إطلاق لفظ الضلال على غير ما ذكرنا وقد قال بعض المفسرون هنا فى تفسير الضلال: "إنه الذهاب عن طريق الصواب والحق " وبالجملة فإنهم لم يريدوا هنا الضلال الذى هو الكفر وإن كان قد يقع إذا تقدمته قرينة على أعظم من الكفر وأما هنا فليس كذلك فلما لم يكن فى الوارد فى سورة الأعراف من الإطالة فى العبارة والإبلاغ فيما قصدوه من المعنى مثل ما فى السورتين ناسبه الإيجاز وإن لم يوصفوا هنا بالكفر فقال تعالى: "قال الملأ من قومه "ومما يشهد أن قوم هود ﵇ لما بلغوا فى إساءة جوابهم لنبيهم فى قولهم: "إنا لنراك فى سفاهة " وأرادوا فى قلة علم وخفة حلم قاله الغرنوى: وقال غيره: فى خفة حلم
وسخافة عقل، فلما أساؤوا فى مقالهم هذا عبر عنهم بقوله تعالى: "قال الملأ الذين كفروا من قومه " فوصفوا بالكفر مناسبة لقولهم ولما لم يقع فى جواب قوم صالح مواجهة نبيهم بمثل هذا بل عدلوا إلى مخاطبة ضعفائهم بقولهم لمن آمن منهم: "أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه "فلما لم يواجهوا نبيهم بما واجه قوم هود عبر عن هؤلاء بقوله تعالى: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه ".
فإن قيل قد وصفوا بما يفهم كفرهم وهو الاستكبار قلت قوبل بهذا وصف مخاطبيهم بالاستضعاف وليس كالإفصاح بالكفر فوضح ما بسطناه أولا وجرى كل من ذلك على ما يناسب والله أعلم بما أراد.
الآية التاسعة من سورة الأعراف
قوله تعالى: " أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) " وفى قصة هود: " أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) " فيهما سؤالان قوله "وأنصح لكم " وفى الأخرى: "وأنا لكم ناصح أمين " والثانى أن كل واحد من هذين النبيين الكريمين يعلم من الله سبحانه ما لا يعلمه قومه فهل فى قصة نوح ما يحمله على قوله لقومه: "وأعلم من الله مالا تعلمون " ما ليس فى قصة هود؟
والجواب عنهما معا: أن قوم نوح ﵇ لما رموه بالضلال وأكدوا ذلك
стр. 191
وزعموا استحكامه بالوصف فى قولهم له ﵇: "إنا لنراك فى ضلال مبين " فزعموا أن ضلاله غير خاف وهو الذهاب عن طريق الصواب ولا يكون إلا عن عدم العلم بما فيه رشاد الضال واستقامة حاله نفى ﵇ كل ذلك عن نفسه بقوله: "ليس بى ضلالة " ثم أتبع بأوصاف عليع تناقض قولهم وتدفعه وتشهد للمتصف بها ببراءته من ذلك وترد ذلك الوصف عليهم وأنهم الأهلون لما رموه به فقال: "ولكنى رسول من ب العالمين " ولا يرسل رب العالمين المالك للكل العليم بهم إلا من جعله درجات المهتدين العالمين بنصاب الرسالة وما يلزم متحملها ثم بين لهم نصحه واستمراره فى إبلاغهم ونصحهم فقال: "أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم " ثم أتبع تعريفهم بجهلهم بما عنده من ربه ويعلمه هو بذلك فقال: "وأعلم من الله ما لا تعلمون " وإنما قال "وأنصح "، "وأعلم " ليعلم بتماديه على النصح لهم وهم لا يشعرون ولا يهتدون وبإمداده بزيادة علومه بالوحى وهم عن ذلك فى أشنع ضلال وأبعده فجمه ﵇ فيما خاطبهم به رد مقالهم ورميهم بأكثر مما رموه به ورد ذلك عليهم بألطف رد وأبينه لمن وفق ونزه ﵇ عبارته المخلصة لذلك على أتم الوجوه عن شنيع عبارتهم وقبح مواجتهم واما جواب هود ﵇ فإن قومه لما قالوا: "إنا لنراك فى سفاهة " فرموه بخفة الحلم وقلة الثبات وكثرة الطيش نفى ﵇ ذلك عن نفسه فقال: "ليس بى سفاهة " فرد قولهم ثم عرفهم برسالته وقدم ما ينبغى للرسول أن يكون عليه ثم أتبع بجليل أداء أمانة الرسالة من التبليغ والتمادى عليه فقال "أبلغكم " فجاء بالفعل المشعر بالتكرر والاستمرار قياما بإبلاغ رسالته وحفظا لأمانتها ثم قال: "وأنا لكم ناصح أمين " فعرفهم بصفتين جليلتين قد اكتنفته العصمة فيهما ومن كانت صفتاه اللازمتان له النصح والأمانة فقد تنزه قدره عن الطيش وعدم الحلم: "إلا إنهم هو السفهاء ولكن لا
يعلمون " وإنما أتى فى إخبارهم بنصحه وأمانته بالاسم فقال: "ناصح أمين " وكم يقل: أنصح - فيأتى بالفعل - ليحصل منه أن ذلك الوصف الجليل لازم له غير مفارق ولم يكن الفعل ليعطى ذلك فجاء بالاسم وجعله الخبر عن ضميره الذى هو "أنا " فهذا مقصود ثابت الوصف ولزومه مثل الوارد فى قوله تعالى مخبرا عن المنافقين: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم " فأخبر عن قولهم للمؤمنين "آمنا " بالفعل
стр. 192
الماضى وليس من وضعه إعطاء الدوام فى الأكثر إذ قد يقول فعلت من أوقع الفعل مرة واحدة وأخبر تعالى عن قولهم لإخوانهم وشياطينهم بقولهم: "إنا معكم إنما نحن مستهزئون " فجاؤوا بالاسم إعلاما بصفتهم التى هم عليها مستمرون فكذا هذا الاخبار الواقع هنا فى هذا النقصود من التمادى والاستمرار حين قال هود ﵇: "وأنا لكم ناصح أمين " فجاء الاسم فانتفى ما رموه به من السفاه جملة وقابل ﵇ مقالهم الشنيه بخبره الصادق عن نفسه فرد مقالهم ولم يكن الفعل يحرز هذا القصد كما أحرز قول نوح ﵇: "وأعلم من الله مالا تعلمون " الإخبار عن نفى ما رموه به جملة فجاء كل على ما يجب والله أعلم.
ومما يسأل عنه فى هاتين الآيتين أن نوحا وهودا ﵉ إنما دعوا إلى العبادة قوما كفارا فى قصة نوح ﵇: "قال الملأ من قومه " وفى قصة هود ﵇: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه " فوسموا بالكفر بخلاف قوم نوح؟ ﵇ من قوله: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " وخوفه من تعذيبهم إنما كان لكفرهم ولم يقع ذلك فى دعاء هود لأن قوله: "أفلا تتقون " ليس فيما يعطيه من التخويف فى قوة: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " إذ قد يؤمر بالتقوى المؤمن ويقال للعاصى بصغيرة أفلا تتقى فلما كان فى دعاء نوح ما يشير إلى الكفر ويدل عليه اقتضى الإيجاز الاكتفاء بذلك ويشهد لهذا أن قصة صالح وقصة شعيب الوارد فيهما الدعاء إلى الإيمان على هذا المنهج لما لم يقع فى دعاء هذين النبين ﵉ ما وقع فى دعاء نوح ﵇ مما ينبئ بالكفر ورد فى حكاية مقالة قومهما ما يحصل منه ذلك المقصود وذلك قوله تعالى: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه " وذلك جار من الواقع فى قصة هود من غير فرق لأن استكبارهم عن إجابته والإيمان به كفر والله أعلم بما أراد.
الآية العاشرة
قوله تعالى: " فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) " وفى سورة يونس: " فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) "ففيهما أربع سؤالات يذكر كل سؤال منها متصلا به فى جوابه.
الأول قوله "فأنجيناه "وفى الثانية "فنجيناه "فاختلف نقل الفعل بالهمزة فى
стр. 193
الأولى وفى الثانية بالتضعيف وفى الأولى "والذين معه " وفى الثانية "ومن معه " فاختلف الموصول أيضا.
والجواب عن هذين السؤالين والله أعلم: أنا قد وضحنا فى كتاب البرهان أن ترتيب السور مراعى وترتيب الآى فى هذا الحكم أولى وأبين، وإذا تقرر هذا فاعلم أيضا أن لفظ الذى وما تصرف منه للمثنى والمجموع أصل فى الموصولات إذ لا يخرج لفظ الذى عن الموصولية أما من فإنها تخرج إلى الاستفهام والشرط وغيرهما والأصل فى النقل أيضا يكون بالهمزة وأما النقل بالتضعيف والباء وغيرهما فثان عن الأصل ومن يقول بالقياس فى النقل على اختلاف مذاهبهم من أن المقيس فيه النقل من الفعل إنما هو غير المتعدى أو المتعدى إلى واحد مغ غير المتعدى إلى اثنين مع الضربين قبله وهو قول الأخفش فكل هؤلاء إنما المقيس عندهم مما ينقل بالهمزة ويجعلون النقل بالتضعيف وغيره موقوفا على السمع.
فإذا قرر ما ذكرناه فنقول إن سورة الأعراف ورد فيها قوله: "فأنجيناه والذين معه " كل منهما على الأصل فى نقل الفعل وفى الموصول فقيل: "فأنجيناه " وقيل: "والذين معه " وورد ذلك فى سورة يونس على ما هو ثان عن الأصل فى النقل وفى الموصول رعيا للترتيب ولا يمكن العكس على هذا.
ثم انجر مع ذلك رعى تناسب التقارن لما ورد فى الأولى فأنجيناه بزيادة همزة النقل المثبت لها صورة الألف فى الخط ونطق يخصها بحركة الهمزة فطالت الكلمة بالألف خطأ وبالنطق بحركة الهمزة لفظا ناسبها الموصول الذى هو: الذين بزيادة حروفه على حروف "من ".
ولما قيل فى الثانية: فنجيناه فجئ بما هو أخصر فى الخط ناسبه من الموصولات من المفرد فى معنى الذى وهو أخصر.
السؤال الثالث: زيادة "وجعلناهم خلائف " فى سورة يونس وذلك مثال تفصيلى فى طائفة معينة من المجمل الوارد فى أول السورة من قوله تعالى: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات " إلى قوله: "ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون " وقوم نوح ﵇ أول أمة أهلكت بتكذيبها ثم خلفها غيرها فذكر من المتقدم مجملا أول واقع منه وأنهم جعلوا خلائف كما جرى فيمن بعدهم.
والسؤال الرابع قوله تعالى: "إنهم كانوا قوما عمين " وذلك
стр. 194
مقابل به قولهم لنوح ﵇: "إنا لنراك فى ضلال مبين " فقيل لهم بل أنتم قوم عمون فأنى لكم بالتفريق بين الهدى والضلالة.
وأما قوله فى الأعراف: "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " فليجرى مع آية الأعراف فيما ورد فيها من التعريف بإنذارهم فى قوله: "أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم " فوقع هنا التعريف بإنذارهم ثم ورد فى يونس بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " فحصل التعريف فى الآيتين بإنذارهم وعاقبة من أنذر فلم يرجع عن غيه.
الآية الحادية عشرة من سورة الأعراف
قوله تعالى فى قصة صالح: " قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " وفى سورة هود: " وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ " وفى سورة الشعراء: " قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ "
فاختلف الوصف لمختوم به فى الآى الثلاث فقد يسأل عن ذلك؟
والجواب: مثل هذا ليس بخلاف ولا مشكل لأن وصف العذاب بالإيلام لا ينافى وصفه بالقرب وإنما وصف فى سورة هود بالقرب ليجرى مع قوله بعد: "تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام " فجرى فى الوصف رعى هذا ولا ينافى ذلك الإيلام وأما الوصف فى سورة الشعراء بعظيم فمن صفة اليوم لما فيه من الأهوال لا من صفة العذاب فلا إشكال فى شئ من هذا.
الآية الثانية عشرة قوله تعالى فى قصة صالح: "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين " وكذا فى قصة شعيب فى السورة فيما بعد وفى سورة هود فى القصة المذكورة قبل: "فعقروها فقال تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام " وقال فى قصة شعيب فى سورة هود أيضا: "وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين " فورد فى هذه الآية الأخيرة تسمية عذابهم بالصحية وجمعه اسم الدار وفى الآيات قبل "بالرجفة " وإفراد الدار.
فأقول إن وجه اختصاص كل سورة بما خصت به أن اسم الدار لفظ يقع على المنزل الواحد والمسكن المفرد ويقع على مساكن القبيلة والطائفة الكبيرة وإن اتسعت وافترقت وتعددت مساكنها وديارها إذا ضمها إقليم واحد واجتمعت فى
стр. 195
حكم أو مذهب، وإذا تقرر هذا فوجه اختيار لفظ الجمع فى الآية من سورة هود مناسبة ما اقترن به من لفظ الصيحة وهى عبارة هنا عن العذاب مطلقا دون تقييد بصفة وهو من الألفاظ الكلية فإن لم يكن عاما فانتشار مواقعه من حيث الكلية حاصلة.
وأما الرجفة الزلزلة فلهذا اللفظ خصوص وهو جزئى ومن المعلوم بالضرورة انحصار الألفاظ فى الضربين فإن اللغة لا تختلف فى ذلك فالصيحة من حيث الكلية تطلق على ما كان من العذاب بالرجفة وغيرها وإذا عبرنا بالرجفة لم يتناول لفظها إلا ما كان عذابا بها فناسب عموم الصيحة جمع الديار مناسبة تركيب النظم وناسب خصوص الرجفة إفراد الدر.
ثم إن وجه تخصيص سورة هود بما وقع فيها أنه ذكر قبلها من مرتكبات قوم شعيب وسوء ردهم على نبيهم ﵇ ما لم يرد مثله فى آية سورة الأعراف وتأمل قولهم له: "ما نفقع كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز "، فتأمل ما فى ردهم هذا من الاستهزاء والإساءة وشنيع المقابلة لجليل وعظه ﵇، لهم ورأفته فى دعائهم إياهم بقوله: "إنى أراكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط " وقوله: "بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ " وقوله: "أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقنى منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت " وقوله: "ولا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح " وقوله: "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود ".
فما أجل تلطف هذا النبى الكريم فى دعائه إياهم وما أشنع ردهم عليه فلهذا ما عبر عن عذابهم وأخذهم هنا بأعم مما ورد فى غير هذه الآية ولما لم يرد فى غيرها مثل هذا فى الدعاء والجواب ناسبه اللفظ الأخص رعيا لإحراز النظم الجليل وعلى تناسبه مع أن لا كبير اختلاف فى المعنى الحاصل عن العبارتين والله أعلم.
وجواب ثان فى اختلاف الوارد فيما أخذ به قوم شعيب وهو أن يكون المراد أخذهم بضروب من العذاب لقبيح مرتكبهم وسوء ردهم على نبيهم فبين ذلك قوله تعالى فى سورة الشعراء: "فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة " والظلة غيم تحته سموم فهذا ولا غير الرجفة لأنها زلزلة فعلى هذا يكونون قد أخذوا بعذاب الزلزلة
стр. 196
وعذاب الصيحة وهو عذاب يصحبه صوت وعذاب الظلة فورد ذلك على التدريج والتناسب بحسب ما ذكر قبل كل من هذا من مرتكباتهم وقد ذكر المفسرون تنوع عذابهم بالرجفة والصيحة والظلة كما امتحن آل فرعون بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة.
الآية الثالثة عشرة من سورة الأعراف
قوله تعالى فى قصة صالح: "فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين " وقال فى قصة شعيب ﵇: "الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين قتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين "
للسائل أن يسأل ويقول: إذا كان كل من الرسل ﵈ قد أبلغ قومه ما أرسل به وكلهم فى أداء تلك الأمانة وحفظها على نهج سواء من غير تفاضل فى هذا - أعنى الأمانة والإبلاغ والعصمة فى ذلك - وإنما التفاضل بأشياء غير ما ذكر فإذا تساووا فيما ذكر وكلهم أمر بإفراد الله سبحانه بالعبادة واتقاء عذابه بالتزام الطاعات وامتثال الأوامر والنواهى وكلهم أمر ونهى وأوضح لقومه طريق النجاة وحذرهم من المهالك ووصف كل واحد منهم ربسول ووصف ما جاء به بالرسالة فالإفراد محصل للمقصود فما وجه الجمع فى قوله فى قصة شعيب ﵇: "أبلغتكم رسالات ربى " ولم لم يرد على الإفراد كما ورد فى قصة صالح؟
والجواب: أن العرب تراعى فى أجوبتها ما نيتها عليه من سؤال أو غيره، إن إطالة فإطالة أو إيجاز فإيجاز فأجوبتهم مراعى فيها المعنى ملحوظ فيما وردت جوابا له ولما ورد فى دعاء شعيب ﵇ تفصيل فى الأمر والنهى والتحذير ألا ترى قوله بعد أمرهم بتوحيد الله: "قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها " ثم قال: "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا " وذكرهم بتكثيرهم بعد القلة فقال: "واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " وإن يتذكروا حلا من تقدمهم ممن كذب فقال: "وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين " وورد عقب هذا من قول قومه له فى قوله تعالى حاكيا
стр. 197
عنهم: "لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودون فى ملتنا " وقولهم: "لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون " وقد انطوى هذا الكلام من التعريف بقبيح ردهم وشنيه مرتكبهم فى مجاوبتهم على أعظم اجترام، فحصل فى هذا من خطابه إياهم وما ردوا به وجاوبوه ﵇ إطناب فى العبارة وإمعان فيما تحتها من المعانى فى كلا الضربين فناسب ذلك الجمع فى قوله: "أبلغكم رسالات ربى " أما قصى صالح ﵇ فلم يقع فيها بعد أمرهم بالعبادة غير تعريفهم بأمر الناقة وأمرهم برعيها وتذكيرهم بقوم هود فى قوله: "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ... "الآية ولم تنفصل مكالمته إياهم كتفصيل ما تقدم وأما المحكى عنهم من جوابهم فقوله تعالى مخبرا عنهم من قول كافريهم لمن آمن منهم: "إنا بالذى آمنتم به كافرون " وقولهم: "ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين " فليس هذا مثل المتقدم من جواب قوم شعيب له فى المحكى من العبارة ولا فيما تحتحته من المعنى فناسبه الإفراد الوارد فى قوله: "أبلغتكم رسالة ربى ".
فإن قلت فقد ورد: "أبلغكم رسالات ربى " بالجمع فى قصة نوح وهود ﵉، ولم يتقدم فى القصتين إطناب ولا إطالة تقتضى ذلك فإن الوارد فى قصة نوح من قول قومه له قوله تعالى: "قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين " وهذا ليس كجواب قوم شعيب ﵇ فى إطالته وإذا لم يكن فى ذلك طول فما وجه الجمع فى قوله: "رسالات ربى "؟ ولم لم يفرد كما فى قصة صالح إذ هى شبيهتها فى الإيجاز؟ فالجواب أن افظ الضلال وإن كان هنا لا يرادف الكفر حسبما تقدم وما يأتى فإنه يقتضى بحسب كليته وانتشار مواقعه مقتضيات عدة، وأنهم لم يريدوا تخصيصه بقوله بعينه من قوله ﵇ بل أرادوا أقوالا كثيرة مما أمرهم به ونهاهم عنه ومما حذرهم وأنذرهم من عذاب الآخرة حين قال لهم: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " فلانسحاب اسم الضلال على مسميات شتى كان فى وزان ما طال من الكلام فأشبه الواقع فى قصة شعيب ﵊ قال الزمخشرى: "الضلال الذهاب عن طريق الصواب والحق "فكأنهم قد فصحوا بأن قالوا لا نعتمد قولك فى شئ ولا نعول عليه لأنك ذاهب فيه عن طريق الصواب والحق ويشهد لإرادتهم هذا التفصيل قول نوح ﵇ فى رد مقالتهم: "ليس بى ضلالة " ولم يقل ليس بى ضلال فينفى عين ما قالوه بل عدل إلى ما يدفع قليل
стр. 198
ذلك وكثيره فى كل قضية قضية، وإذا نفى وجود الضلال فى كل واحدة من تلك القضايا بعد انتفاء الضلال عن كلها وبرئت ذمته الرفيعة عن الاتصاف بشئ مما رموه به ومثله الزمخشرى بجواب من قيل له: "ألك ثمر فقال ولا ثمرة واحدة " وهو تنظير حسن فقد حصل إطناب وتفصيل فى المعنى ولطول المجاورة بينه وبين قومه ما قالوه له فى آخر مقالهم: "قد جادلتنا فأكثرت جدالنا "فلهذا قال: "أبلغكم رسالات ربى " فجمع فكأنه ﵇ يقول: كل قضية أبلغتكم إياها فربى أرسلنى بها وكل منها رسالة أرسلت بها إليكم محفوظا فى ذلك بعصمة الله إياى منزها عما توهمتم من الضلال ثم أتبع
بقوله: "وأعلم من الله مالا تعلمون " يريد مما منعكم من تصديقى فيه ما رميتمونى به من الضلال فرد ﵇ قولهم بألطف رد وأرفقه بقوله: "وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون " وفى طى هذا الكلام ما يفهم توبيخهم ويشير إلى تعاميهم وجهلهم فهو يرمى ما تمهد موضع جمع رسالة لما تحصل مما يفهمه النظم الجليل من التفصيل الذى به يتم المعنى المقصود فكلامه ﵇ مع ما بنى عليه من التفصيل الذى تضمنه جوابهم فليس كالوارد فى قصة صالح ﵇ فى قضية خاصة والله أعلم.
ألا ترى قول ملإ قومه من كفارهم لمن آمن منهم: أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه فقصروا سؤالهم وخصوه بصحة الرسالة ثم قالوا للملإ من المؤمنين: "إنا بالذى آمنتم به كافرون " ثم بنوا على هذا سائر ما كان منهم من الكفر والعتو وعقر الناقة وإنما سألوا أولا ودار أمرهم على صحة إرساله ﵇ فطابق ذلك الإفرد فى قوله: "أبلغتكم رسالة ربى " واما قول قوم هود فى جوابهم لنبيهم: "إنا لنراك فى سفاهة " والسفاهة الطيش وقلة الحلم فحال من اتصف بذلك كحال من اتصف بالضلال فلا يثبت على قول ولا يعتمد عليه فهذه كقضية قوم نوح فالجواب عنها كما تقدم فى تلك وكل وارد على ما يجب ويناسب والله سبحانه أعلم بما أراد.
فصل: قد تقدم لنا فى هذه الآية وفيما قبلها أن الضلال يقع ما دون الكفر فيكون مع شناعة فيما يقتضيه بوصفه وإن لم يرد به الكفر دون الإفصاح بلفظ الكفر إذ يصح أن يطلق على متصف بالإيمان برئ من الكفر وقد قال تعالى مخبرا عن إخوة يوسف فى قولهم لأبيهم ﵇: "إنك لفى ضلالك القديم " وإنما أرادوا ما يرجع إلى خاطره ﵇ برجائه يوسف وما يرجع إلى هذا وقد
стр. 199
تكرر نحوه فى القرآن فاعلم أن الرسل ﵈ لم يجر أمرهم فى دعائهم أممهم إلى الإيمان اولا كما جرى آخرا وبنسبة ذلك جرى جواب أممهم فى مراجعتهم فى الأكثر فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام ابتدأوا دعاءهم الأمم بالتلطف والرفق والصبر وبذلك أمروا قال تعالى لموسى ﵇ فى إرساله فرعون: "فقولا له قولا لينا " وهذا واضح والغال فى مجاوبة أممهم إنما جرى نسبة من هذا ألا ترى قول قوم نوح ﵇ فى أول دعائه إياهم: "أنؤمن لك واتبعك الأرذلون " وظاهر هذا أنهم إنما أنفوا من الانقياد إلى أمره وقد سبقهم فى ذلك ضعفاؤهم ومن لم يروه بحسب التوهم الخيالى الضعيف أهلا أن يقتدى به وهذا كما قال غيرهم فى إخبار الله تعالى عنهم: "أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " وقول الآخرين: "لو كان خيرا ما سبقونا إليه " وهذا كله ليس إفصاحا بالتكذيب وإن أرادوه وكذا قول قوم نوح ﵇: "ما نراك إلا بشرا مثلنا " إلى ما اتبعوه من هذا وإنما أفصحوا بالتكذيب أخيرا قال تعالى فى أمر الكافة من الرسل حين توقف أممهم عن الاستجابة: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " وقال تعالى فى مكذبيهم: "فلما آسفونا انتقمنا منهم " وتأمل دعاء الرسل حيث دعوا أممهم والتدريج فيما جرى منهم وسير نبينا ﷺ يلح لك هذا وهو أبين من أن يطول بذكره فعلى هذا قلنا إن مقول قوم نوح فى أول جوابهم له: "إنا لنراك فى ضلال مبين " ليس كقولهم أخيرا: "قد جادلتنا فأكثرت جدالنا " وإنما قالوا: "بل
نظنكم كاذبين " بعد طول محاورة ثم إنهم لم يدعوا علما بما قالوه من ذلك بل أفصحوا بأن ذلك ظن فالمراد والله أعلم بما رمى به قوم نوح نبيهم من الضلالة وإن تضمن من حيث انتشار مواقع التفصيل واحتمل قصدهم الكفر وغيره ليس كما لو أفصحوا أولا فقالوا: إنك كاذب أو كافر واعتبر هذا الذى أوجزته تجده أوضح شئ والله سبحانه أعلم.
الآية الرابعة عشرة من سورة الأعراف
قوله تعالى: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) " وفى
стр. 200
سورة النمل: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) " وقال فى سورة العنكبوت: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) ".
قلت: قد تقدم البيان أن اختلاف مقالات الأنبياء لأممهم إنما هو لاختلاف مقاماتهم إذ ليس دعاؤهم إياهم فى موقف واحد زلا لقوم مخصوصين بل يدعوا النبى طوائف من قومه فى أوقات مختلفة ومواطن شتى وقد يكون للطائفة منهم خصوص مرتكب فيراعى نبيهم ذلك فى دعائهم وقد يخاطب ملأهم الأعظم فى مواطن والفئة القليلة منهم فى موطن آخر وربما أطال فى موطن وأوجز فى موطن وذلك بحسب ما يرونه ﵈ أجدى وأنفع ولا اختلاف مجاوبة أممهم لهم، فهذا مما لا يحتاج إلى سؤال عنه وقد مر ذكر بيان ذلك وإنما يبقى السؤال عن وجه خصوص كل سورة بما خصت به من ذلك؟ وإذا أجبنا عن ذلك وأبدينا بحول الله المناسبة والالتحام حتى يتبين أن كلا من ذلك لا يصلح تأخيره عن الموضع الذى ورد فيه تعويضا بالوارد فى غير ذلك الموضع منه لم يبق فى هذه الآيات ما يشكل والحمد لله.
وفى قصة لوط ﵇ سبع سؤالات أولها: قوله فى مطلع الآيات فى الأعراف والنمل: "أتأتون الفاحشة " وقال فى سورة العنكبوت: "أئنكم لتأتون الفاحشة " وثانيها: وصف حالهم فى مرتكبهم فى الأعراف والعنكبوت بقوله: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين " وفى سورة النمل: "وأنتم تبصرون ".
والجواب عن هذين السؤالين: أن قوله فى الأعراف والنمل: "أتأتون الفاحشة " الهمزة فيها للاستفهام المقصود به الانكار والتعظيم فى توبيخهم على الفاحشة الشنعاء التى لم يأتها غيرهم ولما كان قد تقدم فى الأعراف من ذكر الأمم المكذبين ذكر قوم نوح وهود وصالح وذكرت مرتكباتهم السيئة من معاندتهم للرسل وتكذيبهم وسوء
стр. 201
مراجعتهم وذلك مما يطلع عليه من أتى بعدهم وقد خص بالذكر من مرتكباتهم أقبحها مما استوجبوا به العذاب وأخذ كل طائفة بذنبها قيل لقوم لوط، ﵇: إن هؤلاء المكذبين من قبلكم على سوء مرتكباتهم لم يسبقوكم إلى ما أنتم عليه وقد سمعتم بهم وخلت من قبلكم المثلات فناسب ما قدم من أحوال من قبلهم فى هذه السورة وذكر تلك الأحوال على التفصيل أن وبخ قوم لوط بقبيح جريمتهم وأم من قبلهم على سيئ أحوالهم لم يرضها فكأن قد قيل لهم: هذه قصص من تقدمكم وذكر مرتكباتهم التى أخذوا بها فهل وقع منهم ما وقع منكم؟ أو هل سبق أحد منهم إلى مرتكبهم الشنيع؟ فناسب ذكر الأمم المكذبين قبلهم تقريع هؤلاء بكونهم أول من فعل تلك الشناعة وأنهم لم يسبقهم قيل لهم فى سورة النمل: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " أى تدركون فحشها ببصائركم وأمرها غير خاف على كل ذى عقل، فهل يصدر هذا إلا عن معاند متصف بأعظم الجهل؟ وقيل إنهم كانوا يتجاهرون بها ولا يستحيى بعضهم من بعض فالمراد بقوله: "وأنتم تبصرون " أى ترون ذلك بأعينكم لا يستتر بعضكم من بعض تهكما واستهتارا هذا أعظم الجهل فلستم ممن يعقل أو يعلم شيئا بل أنتم قوم تجهلون.
ولما لم يتقدم فى هذه السورة تفصيل أحوال الأمم المكذبين وأخذهم ولم يذكر ذلك كان ذكرهم كأن لم يتعرفوا حال من تقدمهم فعدل عن توبيخهم بما وبخوا حيث ذكر من كان قبلهم إلى ضرب آخر من التوبيخ لم يكن نص عيه فى الأعراف من بيان شنيع المرتكب فى فعلهم.
وأنه غير خاف، فقيل: "وأنتم تبصرون " أى أن من شأن من له عقل أو بصر يبصر على المأخذ الآخر أن يكتفى بعقله وإبصاره فى ميز ما يشنع.
ثم قد تقدم فى هذه السورة قوله فى قصة موسى ﵇: "فلما جاءتهم آياتنا مبصرة " أى بينة واضحة جحدوا بها، وهذا أقبح واضحة أو مرئية مشاهدة بالابصار جحدوا بها وهذا من أقبح مرتكب.
فلما تقدم هذا ناسبه فى قصة لوط ﵇ قوله: "وأنتم تبصرون " ولقبح هذا التعامى ما أعقب بقوله بعد: "إنكم قوم تجهلون ".
ولما تقدم فى سورتى الأعراف والنمل تقريرهم تقريعا وتوبيخا وعرفوا بذلك مرة بعد مرة وردت قصتهم فى العنكبوت مؤكدة بأن واللام لثبوتها فوردت مورد ما يجئ بعد القسم متلقى به القسم، إذ قد تقدم تقريرهم التوبيخى مرتين فجاء الاخبار بعد بما به يخبر عن المتقرر الثابت ولم يكن ليناسب العكس وهذا على مقتضى الترتيب فى السور والآى فجاء كل على ما يجب.
стр. 202
والسؤال الثالث إنه لما تقرر بقوله فى الأعراف والنمل: "إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء " ذكر مرتكبهم القبيح وأنهم فى ذلك من حيث لم يراعوا فى فعلهم إلا مجرد الشهوة ولم يلحظوا ما يلحظه العقلاء ولا ما قررته الشرائع من قصد التناسل والتوالد وقد جبلت عليه البهائم وجرى التعريف من حالهم فى سورة العنكبوت بمثل ذلك فقال تعالى: "أئنكم بتأتون الرجال " فللسائل أن يقول ما وجه اختلاف ما بنى علي هذا الإخبار فى السورتين من وصفهم فقيل فى الأولى: "بل أنتم قوم مسرفون " وفى الثانية: "بل أنتم قوم تجهلون "؟ والعدول فى سورة العنكبوت عن قوله: "شهوة من دون النساء " إلى قوله: "وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر "؟ ما الوجه فى هذا وقد اتفق الإخبار فى مطلع الآى فى هذه السور الثلاث؟
والجواب عن ذلك والله أعلم أنه قصد بما ذكر فى سورة الأعراف الإشارة إلى التعريف بانهماكهم فى الجرائم وقبيح المرتكبات فنص على أفحشها وحصل الإيماء إلى ما وراء ذلك بما ذكر من إسرافهم: "بل أنتم قوم مسرفون ".
ولما قيل فى سورة النمل: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " كان أهم شئ أن تنفى عنهم فائدة الأبصار إذ لم تغن عنهم شيئا فأعقب بقوله: "بل أنتم قوم تجهلون " أى أن مرتكبكم مع علمكم بشنيع ما فيه من أقبح ما يرتكبه الجهال ولم يذكر هنا إسرافهم إذ قد حصل فيما ذكر فى الأعراف.
وأما سورة العنكبوت فقصد فيها تفصيل ما أشير إليه فى الأعراف من شنيع ما ارتكبوه من إسرافهم فقيل: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر " وورد أولا - بحسب التريب المتقرر عليه السور والآيات - ذكر أفحش مرتكباتهم ثم أجمل القول فى سائر جرائمهم ثم أتبع فى السورة الثانية بشنيع حالهم فى تلك الفعلة المنصوص عليها من حيث بيان فحشها للأبصار والبصائر ثم أتبع ذلك فى السورة الثالثة بتفصيل بعض قبائح أفعالهم والتنصيص عليها وجاء كله على ما يجب ولا يمكن العكس فيما ورد والله أعلم.
والسؤال الرابع: ما وجه الاختلاف الوارد فى جواب قوم لوط ﵇ له فى سورة الأعراف: "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " وفى سورة النمل: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس
стр. 203
يتطهرون " وفى سورة العنكبوت: "ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين "؟
والجواب أنه لما زيد فى تعنيفهم فى النمل وتعريفهم بإتيانهم الفاحشة على علم بها أو مع مشاهدة بعضهم بعضا وعدم استخفائهم بها وذلك أقبح فى المرتكب فلما زيد فى تعليل الاخراج التنصيص على الآل لأن قوله: "آل لوط " - أنص فى إخراج جميع من للوط ﵇ من ذويه وأهله من قوله: "أخرجوهم " بزيادة التنصيص الأعم بإزاء الأزيد فى التقريع ولما عدد من قبائح مرتكباتهم فى العنكبوت ما عدد بقوله: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر " فكان تعداد مرتكباتهم أشد توبيخا فى تقريعهم وأنكأ لتمييز أفئدتهم كان مظنة تهيج واشتعال لسئ أخلاقهم وقبيح جوابهم فجاوبوا جواب من استحكم حنقه وطبع على قلبه فقالوا: "ائتنا بعذاب الله " تحكيما وتحقيقا لتكذيبهم وشاهدا بتصميمهم على المعاندة والكفر لأن قولهم فى الموضعين قبل: "أخرجوهم من قريتكم " على شناعة مرتكبهم فيه ليس كقوله: "ائتنا بعذاب الله " لأن قولهم: "أخرجوهم من قريتكم " يفهم فحواه ما يستلزم إخراجهم من مجازاتهم على ذلك فهو فى قوة قول القائل لمعانده: أنا أعاملك بكذا فإن قدرت على الانتصار لنفسك فافعل وقول القائل: أنا أفعل كذا ولا أبالى بما يكون عن ذلك وكأن قد قالوا: أخرجوهم فإن كان عذاب فليأت به فلما اشتد حنقهم نا طلبوا العذاب وعدلوا عن ذلك السبب استعجالا للمسبب فجاء كل من هذا على ما يجب والله سبحانه أعلم.
والسؤال الخامس قوله فى الأعراف: "فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين " وفى سورة النمل: "قدرناها من الغابرين "، وقد ورد فى إهلاك امرأة لوط ﵇ فى الحجر: "إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين " وللسائل أن يسال عن وجه الاختلاف فيما ذكر وورود كل من هذه العبارات حيث ورد؟
والجواب أن قدرناها معط من المعنى ما يعطيه كانت من غير فرق لأن المراد إلحاقها بالهالكين وإخراجها من الناجين وهذا المعنى هو المراد بقدرناها مشددا وذكلك قوله فى الحجر: "قرنا أنها " وأما وجه اختصاص "كانت " بآية الأعراف فليناسب إيجازا قوله: "أخرجوهم " وقوله فى النمل "قدرناها " ليناسب: "أخرجوا آل لوط " وقوله فى
стр. 204
الحجر: "قدرنا أنها " ليجرى مع ما وكد قبل بأن ويناسبه كقوله: "إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " وقوله: "إنا لمنجوهم أجمعين " فقيل مناسبا لذلك: "قدرنا أنها " وتناسب هذا كله.
والسؤال السادس ما وجه تعقيب قوله فى الأعراف: "وأمطرنا عليهم مطرا " بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين " وفى النمل بقوله: "فساء مطر المنذرين " وهل كان يحسن العكس؟ والجواب أنه لما تقدم فى الأعراف قوله: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين "حصل منه أن ارتكابهم ما لم يسبق إليه غيرهم قد جمع إلى قبيح الفحش الاجترام من حيث لم يفعل تلك الفعلة الشنعاء من تقدمهم فأجمع إلى الفحش الاجترام فأعقب بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين " ولما تقدم فى النمل قوله: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " حصل منه تعنيف وإنذار لم يقع مثله فى الأعراف إذ ليس موقع قوله: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين " فى الانذار والتعنيف كموقع تعريفهم بعلمهم بها وشنعة معاينة بعضهم بعضا من ارتكابها فناسب إنذارهم بهذا ما أعقب به من قوله: طفساء مطر المنذرين " ولو أعقبت آية الأعراف بهذا أو آية النمل بما أعقبت به آية الأعراف لم يكن متناسبا فجاء كل على ما يجب والله أعلم.
والسؤال السابع ما وجه قوله فى الأعراف: "وما كان جواب قومه "منسوقا بالواو وفى النمل والعنكبوت: "فما كان جواب قومه " بالفاء مع ان القصة واحدة فلا فرق بين الجوابين؟
والجواب أنه حيث يراد مع ما سببية أو ما يشبه معنى المجازاة وكان الكلام المجاوب بصريح الفعل إذ هو أوضح إحرازا لهذا المعنى فحيث يجئ هذا فالوجه والأولى أن يترتب الجواب بالفاء وسواء تسبب عن الأول أو أقيم مقام ما تسبب عن الأول مثال الجارى على طريقة السببية قوله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى " وقوله: "فآمنوا فمتعناهم إلى حين " وقوله: "فكذبوه فأنجيناه "وهذا كثير.
ومثال الثانى: "ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " وقوله: "وجعلنا لهم سمعا وأبصرا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ ".
стр. 205
ولما تقدم فى سورة النمل قوله تعالى: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون "أى وقد منحتم بصائر للفه والاعتبار أو أبصارا لإدراك الأشياء وإحراز الحياء المانع من مواقعة العار.
فما أثمر أنس ذلك لكم إلا التعامى عن رشادكم وتمادى عنادكم فختام الآيتين بقوله: "وأنتم تبصرون " وقوله: "بل أنتم قوم تجهلون " فالجملة الفعلية فى خبر المبتدأ فى الأول وفى الصفة الموطئة للخبر فى الثانية مسوغ لتقدير معنى السببية لذلك من الواو فى سورة الأعراف إذ الختم فى الآيتين قبل آية الجواب بالجمل الإسمية: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين بل أنتم مسرفون " فليس هذا فى تقدير السببية كالأول فالجواب هنا بالواو وحسن مع جواز الفاء والجواب بالفاء حيث تقدم أقوى لمكان الفعل وكون المعنى عليه فورد على ما يقويه السياق ويشهد له المعنى.
وأما آية العنكبوت فقد تقدم فيها أيضا قوله تعالى: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر " فهذه جملة فعلية وتقدير معنى السببية فيها كآية النمل، فالجواب فيها بالفاء كما فى آية النمل أولى وأجرى مع المعنى وما يعطيه السياق وجاء كل ذلك على ما يناسب والله أعلم.
الآية الخامسة عشرة من سورة الأعراف
قوله تعالى: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره "وفى سورة هود: "وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره " وفى سورة العنكبوت: "وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله "فاختصت آية العنكبوت بالفاء فى قوله "فقال "فيسأل عن ذلك؟
والجواب عنه: أنه لم يقع فى سورة العنكبوت من ذكر إرسال الرسل ما بنى على أرسلنا ظاهرا ومقدرا منوطا به ذكر المرسل إليهم بحرف الغاية الذى هو "إلى " غير قوله تعالى: " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه "وقوله: "وإلى مدين أخاهم شعيبا " وتعلق حرف الغاية فى الأولى بالفعل الظاهر وهو "أرسلنا " وتعلق فى الثانية بأرسلنا المقدر وقد قيل فيما بنى على الأخبار بالإرسال فى الأولى: "فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " بالفاء فى قوله "فلبث فيهم " فقيل فى الثانية "فقال " بالفاء لتناسب ما ورد فى هذه السورة من ذكر إبراهيم ولوط ﵉ فعلى غير البناء على أرسلنا ظاهرا أو مقدرا أو إيصاله إلى المرسل إليهم
стр. 206
بإلى عدل فى ذلك إلى ما يصح فيه تقدير أذكر كقوله: "وابراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه " وقوله: "ولوطا إذ قال لقومه " فلما انفردت الآيتان اولا وهما آية إرسال نوح وآية إرسال شعيب لما انفردتا بما ذكر نوسب بينهما فدخلت الفاء فى قوله "فقال " فى قصة شعيب ﵇ كما دخلت فى قوله "فلبث " فى قصة نوح كما تقدم.
وأما آية الأعراف وآية هود فإنه لما ذكر فى كل واحدة من هاتين السورتين جماعة من الرسل مبينا أخبارهم على وتيلة واحدة من ذكر الرسل والمرسل إليهم وتكرر ذلك بدئ بأول قصة على الاستيفاء فقيل: "لقد أرسلنا نوحا إلى قومه " ثم أوجز بعد فورد بغير الافصاح بلفظ الارسال وبغير الفاء والتحم ذلك وتناسب لاتحاد المقصد فى السورتين والله أعلم.
الآية السادسة عشرة قوله تعالى: " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ " وفى سورة يونس: " ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) " وورد فى أول هذه السورة أيضا: " وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ".
فيها أربع سؤالات الأول: ورود الضمير المجرور فى الآية الثانية من سورة يونس وهو قوله "به " وسقوطه مما سواها والثانى قوله "كذلك يطبع الله " فجئ بالاسم الظاهر فى سورة الأعراف بالكفر وفى ثانية يونس بالاعتداء والرابع قوله تعالى فى الأولى فى سورة يونس عدولا عما فى السورتين "كذلك نجزى القوم المجرمين ".
للسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب عن الأول: أنه لما تقدم فى سورة الأعراف قوله تعالى: " وتصدون عن سبيل الله من آمن به " وقوله: "وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا " ثم قال بعد: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا " وقع الاكتفاء بما تقدم من قوله "بالذى أرسلت به " والذى أرسل به هو الذى طلب منهم الإيمان به فحصل المقصود فلو قيل أخيرا "به " لكان تكرارا فاقتضى الإيجاز وإحراز البلاغة حذفه لحصوله كما حذف من قوله:
стр. 207
"وطائفة لم يؤمنوا " مع أنه مراد فحذف الموصول وصلته ورابطها إذ التقدير وطائفة لم يؤمنوا بالذى أرسلت به لحصول ذلك مما تقدم وأما قوله فى يونس: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل " فإنه لما تقدم هنا ما تقدم هناك فلم يكن بد من الإتيان بالضمير ليحصل ما وقع من التكذيب ولترتبط الصلة بالموصول.
والجواب عن الثانى: أن قوله تعالى فى سورة يونس: "كذلك نطبع على قلوب المعتدين " مناسب ومرتبط بما افتتحت به الآية من قوله تعالى: " ثم بعثنا " فأخبر تعلاى بإنعامه على عباده - ممن هداه - بنعمة الرسل إحسانا وامتنانا ولتقوم الحجة على الخلق فقال تعالى: "بعثنا " بإضافة هذا الفعل إلى الكناية العلية وهى ضمير المتكلم فناسب ذلك ما بنى عليه وارتبط به من قوله تعالى: " كذلك نطبع " مراعاة للتناظر والتقابل وأما آية الأعراف فمبنية على مطلعها من قوله تعالى أول الآية: "ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " فلم يتقدم ما يطلب بورود الفاعل مضمرا فجاء على ما يجب إذ لا طالب بمناسبة.
والجواب عن الثالث: أن آية الأعراف لما تقدمها قصص قد جرى فيها ذكر مكذبى الأمم أنبياءهم وما ردوا عليهم وخاطبوهم به كقول كفار قوم صالح ﵇ لمن آمن به منهم: "إنا بالذى آمنتم به كافرون " وقولهم: "ياصالح ائتنا بما تعدنا " وقول الملإ من قوم شعيب لمن آمن منهم: "لئن اتبعتم شهيبا إنكم إذا لخاسرون " إلى ما بعد وما قبل من سئ المجاورة من مكذبى الأمم فحصل من هذه الآى من التعريف بحال هؤلاء الأمم هذه القصص بذكر غيرهم ممن سلك مسلك من تقدمهم من المذكورين ما ناسبه قوله تعالى عقب جميعها: "كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " وأما آية يونس فلم يتقدم قبلها تفصيل ولا إفصاح بمخاطبة نبى ومواجهته بمثل ما فى آى الأعراف بل ورد ذلك مورد الإجمال فناسبه وصفهم بالاعتداء وإن لم يقع إفصاح بكفرهم مع أنهم كفار وإن ذلك حاصل من مجمل ذكرهم إلا أن جليل مناسبة النظم مقتض ما ورد عليه كل مما فى السورتين وذلك واضح، والله أعلم بما أراد.
والجواب عن السؤال الرابع: أن قوله تعالى: " كذلك نجزى القوم المجرمين " لم يتقدم قبله تفصيل قصص ولا بسط قصة منها بل أوجز معنى ما انطوت عليه تلك القصة فعبر عن ذلك بقوله تعالى: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا "
стр. 208
فناسب هذا الإيجاز ما بنى عليه من قوله: "كذلك نجزى القوم المجرمين " ومن التعبير عن المشار إليهم من المهلكين بالاجرام - وهو أكبر موقعا من الاعتداء - ليطابق وصفهم بالظلم والمراد به تكذيبهم الرسل وكفرهم بما جاؤوهم به، فلم يكن ليطابق ذلك الوصف الاعتداء ولم يوصفوا أيضا بالكفر إذ لم يقع به إفصاح فيما تقدم فكان وصفهم بالإجرام أنسب والله أعلم.
الآية السابعة عشرة قوله تعالى: " قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل فى المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون " وقال فى الشعراء: "قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة ".
فى هذا أربع سؤالات: أولها قوله تعالى فى الأعراف: "قال الملأ من قوم فرعون " وفى الشعراء: "قال للملإ من حوله " والثانى قوله فى الشعراء: "بسحره " ولم يثبت ذلك فى الأعراف، والثالث قوله فى الأعراف: "وأرسل " وفى الشعراء: "وابعث " ولارابع قوله فى الأعراف عقب قوله: "يأتوك بكل ساحر عليم ".
"وجاء السحرة فرعون " وأعقب فى السعراء قوله: "يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين " وبعد ذلك قيل: "فلما جاء السحرة ".
والجواب عن الأول أنه لا توقف فى أن موسى ﵇ خاطب فرعون وملأه وأنه أمر بخطابهم وإليهم أرسل قال تعالى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرون وملئه " وإنه لما دعاهم لتصديقه والإيمان به جاوب فرعون وجاوب ملأه بقول فرعون: "إن هذا لساحر عليم " إنما قاله لملئه ولمن حضره ثم قال ذلك ملؤه لحاضريهم وبعضهم لبعض وإذا وضح أن ذلك القول صدر من فرعون وقاله أيضا ملؤه بقى السؤال عن جه اختصاص كل سورة بما خصت به؟
والجواب أنه لما تقدم فى سورة الأعراف قوله تعالى: " ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه " فوقع ذكر الملأ مبعوثا إليهم مع فرعون
стр. 209
ناسب ذلك أن يذكروا فى الجواب حتى يكون فى قوة أن لو قيل: بعث إليهم وخوطبوا فقالوا ولم يكن ليناسب "بعث إليهم " فقال: فرعون.
ولما تقدم فى سورة الشعراء قوله: "فأتيا فرعون " ثم جرى ما بعد المحاورة ومراجعة الكلام بين موسى ﵇، وفرعون ولم يقع الملأ هنا ناسب ذلك قوله "قال فرعون " لأنه الذى راجع وخوطب فجاء كل على ما يناسب.
فإن قيل: فقد قيل فى الأعراف: "إلى فرعون وملئه " فقد فرعون فهو أعمد من الملأ لأنهم أتباعه وآله فلم لم يبن الجواب على ذلك فيقال "قال فرعون " فالجواب أنه لو قيل: قال فرعون لبقى التشوف إلى تعريفهم قول الملأ وهم قد بعث إليهم وخوطبوا ولابد من تعرف جوابهم وبه يحصل تعرف جوابه هو لأنه اله وتابعوه إنما يتكلمون غالبا بما يريد ويصدر عنه ويبدأ به وقد تبين ذلك فى سورة الشعراء وان فرعون خاطبهم وذلك فى قوله تعالى: " قال للملإ حوله " فجاوبوا فحصل من جوابهم جوابه ولو جاوب هو وسكت ملؤه لأمكن أن يكونوا قد استوضحوا الحق وخالفوا فرعون كما جرى للسحرة وقد كانوا ناصرين لفرعون ومن معه فجاء جواب الملأ منصوصا وحصل منه جواب متبوعهم ولم يكن ليحصل من جوابه على انفراده وحصلت مناسبة ما تقدم من قوله: "إلى فرعون وملئه ".
فإن قلت ورد فى الشعراء جواب فرعون دون جواب ملئه؟.
فالجواب: أنه قد جاوبوا بعد وذلك أنه لما خاطب فرعون ملأه الأقربين وألقى إليهم ما اعتقده بضلاله فى أمر بنى الله موسى ﵇، واستشارتهم بقوله: "فماذا تامرون "وجاوبوه بموافقته العائدة على جميعهم بالخسران المبين بين ذلك قوله تعالى مخبرا عنهم: "قال للملإ حوله " وهذا يوضح أن جوابهم فى الأعراف مبنى على استطلاع ما عنده وسماع ذلك منه كما وضح منه كما وضح هنا، ثم روعى تناسب النظم والتقابل كما تقدم.
فقد تبين أن الوارد فى سورة الأعراف ليناسب ما تقدم فى سورة الشعراء بوجه: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ".
والجواب عن السؤال الثانى: أن زيادة "بسحره " فى الشعراء لأنه من قول فرعون طاغية موسى ﵇ وهو أحنق عليه من الملأ بجمعهم وأعظمهم بغضا له وكراهة لما جاء به موسى فأكد بقوله "بسحره " طمعا فى صغوهم لقوله والثبات على
стр. 210
مذهبه الشنيع ومرتكبه ورجاء أن يعتقد الملأ من قومه أن آية موسى ﵇ سحر لا توقف فيها فلم يقنع بقوله لملئه: أنه لساحر عليم وأنه يريد إخراجهم من أرضهم حتى سجل على ذلك وأكده طمعا فى قبول باطله بقوله "بسحره " ولا لم يكن حال الملإ من قومه كحاله فيما ذكر اكتفوا بقولهم لرسولهم وبعضهم لبعض: "إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم " فهذا قول الملإ والذى ثبت فى الشعراء قول فرعون وزيادة "بسحره " لتبين حال الملإ من حال فرعون المتولى كبير الأمور والتناسب بين وكل فى السورتين وارد على ما يجب وقد وضح أن العكس غير مناسب والله أعلم.
ويشهد أن زيادة "بسحره " من فرعون لزيادة حنقه تكرر ذلك من قوله فى سورة طه: "قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى " فأما بعد فى هذه السورة من قوله سبحانه مخبرا عن الملإ: "قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما " فإنما قالوه بعد تنازع وتعارض فيما بينهم وفرعون فى جملتهم يدل على هذا ما تقدم من قوله تعالى: " فتول فرعون فجمع كيده ثم أتى " وقوله: "فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى " وإنما أسروا نجواهم - بعد تنازعهم فى أعمال المكيدة - فيما حل بهم وفرعون مرجح لرأيهم وأبلغهم احتيالا وكيدا فيما تشاورا فيه فلم يمكنهم فى هذا المجتمع الا القول بما رآه بعد تنازعهم عليه فقالوه بتوقيف منه وهو حاضرهم حال تنازعهم وقولهم لموسى ﵇ فإذا هو القائل لا الملأ وان الوارد فى الأعراف فقول الملإ إذ لا يقتضى قوله: "قال الملأ من قوم فرعون " أن فرعون هو القائل وان كان كذلك بل الظاهر السابق من هذه العبارة أنه قول الملإ منفردين عن فرعون والتناسب اللفظى هو المطلوب وقد تبين.
والجواب عن السؤال الثالث وهو ورود "وأرسل " فى سورة الأعراف وفى الشعراء "وابعث " فالجواب عنه مبنى على الترتيب الذى استقر عليه المصحف فنقول: "إن أرسل أخص فى باب الارسال من البعث إذ لا يقال أرسل الا فيما كان توجيها فيه معنى الانتقال حقيقة أو مجازا أما بعث فأوسع فإنه يقع بمعنى الارسال وبمعنى الاحياء ومنه البعث الأخراوى ففيه اشترك فلما كان الارسال أخص وقع الاخبار به أولا ثم وقع ثانيا بالبعث تنوعيا للعبارة وعلى الترتيب فى موضع اللفظ المطرد من القرآن ولا يمكن على ما تقرر من ذلك العكس ونظير هذا مما تقدم تبع واتبع ويذبحون ويقتلون وقد مر بيانه والإطراد واضح شاهد فى هذا.
стр. 211
والجواب عن السؤال الرابع وهو ورود قوله تعالى: " وجاء السحرة فرعون " فى الأعراف عقب قوله: "يأتوك بكب ساحر عليم " وتأخير الإخبار بمجيئهم فى الشعراء وورود: "فجمع السحرة ... "الآيات المذكورة فاصلة بين ما اتصل فى الأعراف؟ فاعلم أولا أن كلا من العبارتين لابد منهما فى تحصيل المطلوب إذ جمعهم لا يعطى بهذه العبارة أنهم جاؤوا فرعون ولا مجيئهم فرعون يحصل منه المعنى الحاصل من قوله: "فجمع السحرة لميقات يوم معلوم " فلابد من العبارتين اجتمع مجموع ذلك فى الشعراء ولم يذكر فى الأعراف جمع السحرة وما بعده فيبقى السؤال عن وجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيهما؟ واختصاص الشعراء بالاستيفاء والجواب عن ذلك أن قوله تعالى: " فجمع السحرة لميقات يوم معلوم " إلى ما اتصل بهذا مما يتضمن معناه فيه إطناب يناسب ما تقدم من ذلك فى محاورة موسى ﵇ ومكالمته فرعون من لذن قوله تعالى: " وإذ ينادى ربك موسى "الى هذه الآية ولم يقع فى قصصه ﵇ فى السورة الوارد فيها قصصه من الإطالة فى مراجعة فرعون مثل الوارد هنا فناسبه ما أعقب به مما لم يقع الإخبار فى الأعراف ولما كان الوارد قبل آية الأعراف مبنيا على الإيجاز ويحصل المراد بأوجز كلام، ناسبه إيجاز الآية المذكورة وورد كل من ذلك على ما يجب ويناسب ولا يحسن فيه العكس والله أعلم.
الآية الثامنة عشرة قوله تعالى فى سورة الأعراف: "وجاء السحرة فرعون قالوا أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين " وفى الشعراء: "فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجر إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين " فيسأل عن زيادة "إذا " فى سورة الشعراء وسقوطها فى سورة الأعراف؟ وتحرير الأعراف فى قوله: "وجاء السحرة فرعون قالوا " بخلاف الوارد فى سورة الشعراء من قوله: "فلما جاء السحرة فرعون قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا "؟
والجواب عن الأول: أن "إذا " تقع جوابا وجزاء والمعنى فى السورتين مقصود به الجزاء فوقع الاكتفاء فى الأعراف بقوله تعالى "نعم "والمعنى: نعم لكم ما أردتم من الأجر وزيادة التقريب والحظوة ولا شك ان المعنى: إن غلبتم فلكم ذلك فالمعنى على ذلك ثم ورد فى سورة الشعراء مفصحا بالأداة المحرزة له وهى "إذا " ليناسب
стр. 212
بزيادتها ما مضت عليه - أى هذه السورة - من الاستيفاء والإطناب كما تقدم وناسب سقوطها فى الأعراف مقصود الإيجاز فى هذه القصة وقد مر هذا وعلى ذلك جرى الوارد من قوله فى الأعراف: "وجاء السحرة فرعون قالوا " ويجرى فى مثل هذا كثيرا عطفه بالفاء مناسبا لما يقصد فى الكلام من الارتباط أو بالواو تحكيما للاشتراك كقوله [بياض فى كل النسخ] ونظير الآية فى سقوط حرف التشريك: "وجاؤوا أباهم عشاءا يبكون قالوا يأبانا " ومجرى الإعراب فى الآية أن يكون قوله "قالوا " مقدرا لاستئناف كأن قد قال قائل: لما قال: " وجاء السحرة فرعون "قيل فما فعلوا أو ما قالوا فجووب بهذا المقدر بقوله: "قالوا أئن لنا لأجرا " وهذا الضرب كثير فصيح وموجود حيث يقصد بالإجاز كهذه الآية وأما الوارد فى الشعراء من قوله: "فلما جاء السحرة قالوا " فوارد على مالا يحتاج فيه إلى تقدير وعلى ما هو الأصل فى تركيب مثله من الكلام ومناسب للاطناب المبنى عليه ما قبل الآية وكل على ما يجب والله أعلم.
الآية التاسعة عشرة من الأعراف قوله تعالى: " قالوا ياموسى إما ان تلقى وإما أن نكون نحن الملقين " وفى طه: "قالوا ياموسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى " وهنا سؤالان: أحدهما أن كلام السحرة وتخييرهم فى الإلقاء على ظاهر السياق كان فى موطن واحد فما وجه الاختلاف ما ورد فى السورتين؟ والثانى ما وجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيها؟
والجواب عن الأول: أن لا يلزم من الآية أن كلام السحرة هذا كان فى موطن واحد بل لعله كان فى موطنين أو لعله قد تكرر منهم وإن كان فى موطن واحد أو لعل بعضهم قال هذا وقال بعضهم هذا أو لعل المعنى الذى حكى عنهم تعطيه العبارتان وهذا أقرب شئ لما بين اللغات من اختلاف المقاصد عند المواضع الأولى أو قصد الإلهام على الخلاف فى ذلك ومع هذه الاماكانات يسقط الاعتراض رأسا.
والجواب عن السؤال الثانى: أن كل واحدة من الآيتين جرت على وفق فواصل تلك السورة ورؤس آياتها فالعكس لا يناسب بوجه فوجب اختصاص كل سورة بما ورد فيها.
الآية الموفية عشرين قوله تعالى: " قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون "
стр. 213
وكذا فى الشعراء، وورد فى طه: "قالوا آمنا هارن وموسى " هنا كالمتقدمتين الجواب كالجواب من غير فرق.
الآية الحادية والعشرون قوله تعالى: " قال فرعون آمنتك به قبل أن آذن لكم " وقال فى طه والشعراء: "قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ".
هنا سؤالان: أحدهما ظهور اسم فرعون فى آية الأعراف وإضماره فى السورتين والثانى قوله فى الأعراف: "آمنتم به "بجر موسى ﵇ بالباء وقوله فى طه والشعراء: "فآمنتم له " بجر الضمير باللام والمقصود واحد.
والجواب عن الأول: أنه لما تقدم فى الأعراف قوله: "قال الملأ من قوم فرعون " فعرفت هذه الآية انهم كانوا المتولين للجريمة من تكذيب الآية ورد ما جلء به موسى ﵇ ولم يجر هنا ذكر لفرعون ولا فيما تلى الآية ويتلوها من المحاورة والمراجعة بين الملإ وأتباعهم إلى قوله: "رب موسى وهارون " فلما لم يقع إفصاح باسمه فى هذه الجملة مع أنه هو القائل على كل حال: "آمنتم به " إخبارا أو استفهاما إنكاريا ناسب هذا أن يفصح باسمه ليرتفع الالتباس وهو امكان أن يكون القائل "آمنتم به " غير فرعون وان بعد ذلك ولو لم يكن لبس البته فإن كونه لم يجر له ذكر مما يقتضى أن ذمر.
ولما تقدم فى سورة طه أمر مويى ﵇ بإرساله إلى فرعون فى قوله تعالى: " اذهب إلى فرعون أنه طغى "وقوله لموسى وهارون: "اذهبا إلى فرعون أنه طغى " ثم كرر ذلك ثم وقع بعد ذلك سؤال فرعون لهما فى قوله: "فمن ربكما ياموسى " ثم فى قوله: "فما بال القرون الأولى " ثم أن الله تعالى أخبر عنه بقوله: "ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى " ثم أخبر أيضا عنه بقوله: "قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى " ثم قال تعالى: "فتول فرعون فجمع كيده ثم أتى " فتكرر ذكر فرعون واسمه ظاهرا ومضمرا ولم يجر لملئه ذكر مفصح به ظاهر البته ولا مضمر سوى الجارى مضمرا فى قوله: "قتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا " إلى ما بعد هذا من غير إظهار البته فلتكرر اسم فرعون كثيرا ظاهرا ومضمرا وارتفاع اللبس البته حسن إتيانه مضمرا فى قوله: "قال آمنتم له " إذ ليس الوارد هنا كالوارد فى الأعراف للافتراق من حيث ذكرنا وكذا جرى فى سورة الشعراء
стр. 214
من ترداد ذكر فرعون فى محاورته من أول السورة إلى الآية ولم يجر ذكر ملئه الا مقولا لهم فى قوله: "قال للملإ حوله " فناسب ما ذكر إظهار اسم فرعون فى قوله: "آمنتم له ".
والجواب عن السؤال الثانى: أن الباء فى قوله: "آمنتم به " واللام فى "آمنتم له " محتاج إلى كل واحدة منهما من حيث أن التصديق والانقياد معنيان يحتاج إليهما والباء تحرز التصديق واللام تحرز الانقياد والاذعان فبدئ بالباء المعطية معنى التصديق وهى أخص بالمقصود من اللام فاقتضى الترتيب تقديمها ثم أعقب فى السورتين بعد باللام حتى كأن قد قيل لهم أصدقتموه منقادين له فى دعائه إياكم إلى الإيمان بما جاء من عند الله فحصل المقصود على أكمل ما يمكن والله أعلم.
الآية الثانية والعشرون قوله تعالى: "فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " وفى سورة الشعراء: "فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " وفى سورة طه: "فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " للسائل أن يسأل عن زيادة اللام فى قوله فى الشعراء "فلسوف " وسقوطها فى الأعراف؟ وعن سقوط حرف التسويف واللام فى طه جملة؟ فهذان سؤالان.
والجواب عن الأول منهما: أن زيادة اللام فى الشعراء مناسب لما تضمنته من الاستيفاء الجارى فى هذه القصة وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك وذلك أن هذه اللام مقربة من زمان الحال وتحقيق الوقوع ولم يكن تقدم فى الأعراف ولا فى طه ما يحرز هذا المعنى فاستوفته هذه السورة ليناسب ذلك استيفائها لما كان بين موسى ﵇ وفرعون وهذا مع ما تعطيه من التأكيد وما سوى هذا المعنى فى هذه الآية فلا فرق بين آية الأعراف وآية الشعراء إلى قوله: "من خلاف ".
واما سقوط حرف التسويف فى طه واللام - وهو جواب السؤال الثانى - فللعوض منهما وذلك العوض هو اللام والنون الشديدة المؤكدة فوله "ولتعلمن "مع أن معنى التسويف قد قدم بمراعاة الترتيب وإذا روعى ذلك وجد تدريج زيادة التأكيد على ترتيب السور فالوعيد الواقع فى آية طه آكد من الذى فى آية الأعراف والذى فى الشعراء آكد من الوارد فى طه وان استوضحت ذلك فهمت وجه تخصيص كل من السور الثلاث بما خصت به.
стр. 215
الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: " ثم لأصلبنكم أجمعين "وفى طه والشعراء "ولأصلبنكم "بالواو والمتوعد به واحد فى الموضعين فيسأل لم لم يكن العطف فيهما بحرف واحد؟ والواو أنسب إذ التوعد بقوله: "لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم " لم يقصد فيه تراخ فى الزمان ولا مهلة فبابه أن يأتى بالواو أو بالفاء إن قصد رعى التعقيب فللسائل أن يقول: لم عدل فى الأعراف إلى ثم.
والجواب أن ثم للتباين والتراهى فى الزمان ويعبر النحويون عن ذلك بالمهلة وتكون للتباين فى الصفات والأحكام وغير ذلك مما يحمل به ما بعدها على ما قبلها من غير قصد مهلة زمانية بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله وأنه لو انفرد لكان كافيا فيما قصد به ومنه قوله تعالى: " فتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر "وقوله تعالى: "فلا اقتجم العقبة " ثم عطف بعد قوله: "ثم كان من الذين آمنوا "وقوله تعالى: "وعمل صالحا ثم اهتدى " ولم يقصد فى شئ من هذا ترتيب زمانى بل تعظيم الحال فيما عطف وموقعه وماكنته وتجريك النفوس لاعتباره ولما تقدم فى الأعراف تهويل الواقع من فعل السحرة وموقعه من نفوس الحاضرين ولذلك أنس سبحانه نبيه موسى ﵇ بقوله: "لا تخف إنك أنت الأعلى "ووقع التعبير غما ذكرنا بقوله: "واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم "فناسبه رعيا لفظيا وتقابلا نظميا تهويل ما توعدهم به فرعون فعطف بثم لتحرز ما قصد فرعون من تعظيم موقع ما توعدهم به ثانيا فى قوله: "لأصلبنكم "عليهم وأيضا فإن فرعون وملأه حين رأوا ما جاءت به السحرة ووقع منهم موقعا أطمعهم وتعلق به رجاؤهم ثم لما وقع ما أبطله وأوضح كيدهم فيه وباطلهم الخيالى وجد الملأ لذلك واستشعر فرعون ما حل به وبملئه فهول فى توعدهم ومقاله تجلدا وتصبرا أو تعزية لنفسه عما نزل به فأرعد وأبرق فى تهويله ما توعد به السحرة فقال: "ثم لأصلبنكم " فقد تناسب المتقابلان لفظا ومعنى ولما ضم الواقع فى سورة الشعراء لم يحتج إلى هذا الرعى فعطف بالواو ولم يكن على ما تقرر ليمكن العكس والله أعلم.
الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: " قالوا إنا إلى ربنا منقلبون " وفى الشعراء: "قالوا لاضير إنا إلى ربنا منقلبون " للسائل أن يسأل عن زيادة قوله: "لاضير "فى سورة الشعراء ولم يرد ذلك فى الأعراف؟
следующие страницы →