Полный текст (513 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
والجواب عن السؤال الرابع وهو ورود قوله تعالى: " وجاء السحرة فرعون " فى الأعراف عقب قوله: "يأتوك بكب ساحر عليم " وتأخير الإخبار بمجيئهم فى الشعراء وورود: "فجمع السحرة ... "الآيات المذكورة فاصلة بين ما اتصل فى الأعراف؟ فاعلم أولا أن كلا من العبارتين لابد منهما فى تحصيل المطلوب إذ جمعهم لا يعطى بهذه العبارة أنهم جاؤوا فرعون ولا مجيئهم فرعون يحصل منه المعنى الحاصل من قوله: "فجمع السحرة لميقات يوم معلوم " فلابد من العبارتين اجتمع مجموع ذلك فى الشعراء ولم يذكر فى الأعراف جمع السحرة وما بعده فيبقى السؤال عن وجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيهما؟ واختصاص الشعراء بالاستيفاء والجواب عن ذلك أن قوله تعالى: " فجمع السحرة لميقات يوم معلوم " إلى ما اتصل بهذا مما يتضمن معناه فيه إطناب يناسب ما تقدم من ذلك فى محاورة موسى ﵇ ومكالمته فرعون من لذن قوله تعالى: " وإذ ينادى ربك موسى "الى هذه الآية ولم يقع فى قصصه ﵇ فى السورة الوارد فيها قصصه من الإطالة فى مراجعة فرعون مثل الوارد هنا فناسبه ما أعقب به مما لم يقع الإخبار فى الأعراف ولما كان الوارد قبل آية الأعراف مبنيا على الإيجاز ويحصل المراد بأوجز كلام، ناسبه إيجاز الآية المذكورة وورد كل من ذلك على ما يجب ويناسب ولا يحسن فيه العكس والله أعلم.
الآية الثامنة عشرة قوله تعالى فى سورة الأعراف: "وجاء السحرة فرعون قالوا أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين " وفى الشعراء: "فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجر إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين " فيسأل عن زيادة "إذا " فى سورة الشعراء وسقوطها فى سورة الأعراف؟ وتحرير الأعراف فى قوله: "وجاء السحرة فرعون قالوا " بخلاف الوارد فى سورة الشعراء من قوله: "فلما جاء السحرة فرعون قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا "؟
والجواب عن الأول: أن "إذا " تقع جوابا وجزاء والمعنى فى السورتين مقصود به الجزاء فوقع الاكتفاء فى الأعراف بقوله تعالى "نعم "والمعنى: نعم لكم ما أردتم من الأجر وزيادة التقريب والحظوة ولا شك ان المعنى: إن غلبتم فلكم ذلك فالمعنى على ذلك ثم ورد فى سورة الشعراء مفصحا بالأداة المحرزة له وهى "إذا " ليناسب
стр. 212
بزيادتها ما مضت عليه - أى هذه السورة - من الاستيفاء والإطناب كما تقدم وناسب سقوطها فى الأعراف مقصود الإيجاز فى هذه القصة وقد مر هذا وعلى ذلك جرى الوارد من قوله فى الأعراف: "وجاء السحرة فرعون قالوا " ويجرى فى مثل هذا كثيرا عطفه بالفاء مناسبا لما يقصد فى الكلام من الارتباط أو بالواو تحكيما للاشتراك كقوله [بياض فى كل النسخ] ونظير الآية فى سقوط حرف التشريك: "وجاؤوا أباهم عشاءا يبكون قالوا يأبانا " ومجرى الإعراب فى الآية أن يكون قوله "قالوا " مقدرا لاستئناف كأن قد قال قائل: لما قال: " وجاء السحرة فرعون "قيل فما فعلوا أو ما قالوا فجووب بهذا المقدر بقوله: "قالوا أئن لنا لأجرا " وهذا الضرب كثير فصيح وموجود حيث يقصد بالإجاز كهذه الآية وأما الوارد فى الشعراء من قوله: "فلما جاء السحرة قالوا " فوارد على مالا يحتاج فيه إلى تقدير وعلى ما هو الأصل فى تركيب مثله من الكلام ومناسب للاطناب المبنى عليه ما قبل الآية وكل على ما يجب والله أعلم.
الآية التاسعة عشرة من الأعراف قوله تعالى: " قالوا ياموسى إما ان تلقى وإما أن نكون نحن الملقين " وفى طه: "قالوا ياموسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى " وهنا سؤالان: أحدهما أن كلام السحرة وتخييرهم فى الإلقاء على ظاهر السياق كان فى موطن واحد فما وجه الاختلاف ما ورد فى السورتين؟ والثانى ما وجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيها؟
والجواب عن الأول: أن لا يلزم من الآية أن كلام السحرة هذا كان فى موطن واحد بل لعله كان فى موطنين أو لعله قد تكرر منهم وإن كان فى موطن واحد أو لعل بعضهم قال هذا وقال بعضهم هذا أو لعل المعنى الذى حكى عنهم تعطيه العبارتان وهذا أقرب شئ لما بين اللغات من اختلاف المقاصد عند المواضع الأولى أو قصد الإلهام على الخلاف فى ذلك ومع هذه الاماكانات يسقط الاعتراض رأسا.
والجواب عن السؤال الثانى: أن كل واحدة من الآيتين جرت على وفق فواصل تلك السورة ورؤس آياتها فالعكس لا يناسب بوجه فوجب اختصاص كل سورة بما ورد فيها.
الآية الموفية عشرين قوله تعالى: " قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون "
стр. 213
وكذا فى الشعراء، وورد فى طه: "قالوا آمنا هارن وموسى " هنا كالمتقدمتين الجواب كالجواب من غير فرق.
الآية الحادية والعشرون قوله تعالى: " قال فرعون آمنتك به قبل أن آذن لكم " وقال فى طه والشعراء: "قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ".
هنا سؤالان: أحدهما ظهور اسم فرعون فى آية الأعراف وإضماره فى السورتين والثانى قوله فى الأعراف: "آمنتم به "بجر موسى ﵇ بالباء وقوله فى طه والشعراء: "فآمنتم له " بجر الضمير باللام والمقصود واحد.
والجواب عن الأول: أنه لما تقدم فى الأعراف قوله: "قال الملأ من قوم فرعون " فعرفت هذه الآية انهم كانوا المتولين للجريمة من تكذيب الآية ورد ما جلء به موسى ﵇ ولم يجر هنا ذكر لفرعون ولا فيما تلى الآية ويتلوها من المحاورة والمراجعة بين الملإ وأتباعهم إلى قوله: "رب موسى وهارون " فلما لم يقع إفصاح باسمه فى هذه الجملة مع أنه هو القائل على كل حال: "آمنتم به " إخبارا أو استفهاما إنكاريا ناسب هذا أن يفصح باسمه ليرتفع الالتباس وهو امكان أن يكون القائل "آمنتم به " غير فرعون وان بعد ذلك ولو لم يكن لبس البته فإن كونه لم يجر له ذكر مما يقتضى أن ذمر.
ولما تقدم فى سورة طه أمر مويى ﵇ بإرساله إلى فرعون فى قوله تعالى: " اذهب إلى فرعون أنه طغى "وقوله لموسى وهارون: "اذهبا إلى فرعون أنه طغى " ثم كرر ذلك ثم وقع بعد ذلك سؤال فرعون لهما فى قوله: "فمن ربكما ياموسى " ثم فى قوله: "فما بال القرون الأولى " ثم أن الله تعالى أخبر عنه بقوله: "ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى " ثم أخبر أيضا عنه بقوله: "قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى " ثم قال تعالى: "فتول فرعون فجمع كيده ثم أتى " فتكرر ذكر فرعون واسمه ظاهرا ومضمرا ولم يجر لملئه ذكر مفصح به ظاهر البته ولا مضمر سوى الجارى مضمرا فى قوله: "قتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا " إلى ما بعد هذا من غير إظهار البته فلتكرر اسم فرعون كثيرا ظاهرا ومضمرا وارتفاع اللبس البته حسن إتيانه مضمرا فى قوله: "قال آمنتم له " إذ ليس الوارد هنا كالوارد فى الأعراف للافتراق من حيث ذكرنا وكذا جرى فى سورة الشعراء
стр. 214
من ترداد ذكر فرعون فى محاورته من أول السورة إلى الآية ولم يجر ذكر ملئه الا مقولا لهم فى قوله: "قال للملإ حوله " فناسب ما ذكر إظهار اسم فرعون فى قوله: "آمنتم له ".
والجواب عن السؤال الثانى: أن الباء فى قوله: "آمنتم به " واللام فى "آمنتم له " محتاج إلى كل واحدة منهما من حيث أن التصديق والانقياد معنيان يحتاج إليهما والباء تحرز التصديق واللام تحرز الانقياد والاذعان فبدئ بالباء المعطية معنى التصديق وهى أخص بالمقصود من اللام فاقتضى الترتيب تقديمها ثم أعقب فى السورتين بعد باللام حتى كأن قد قيل لهم أصدقتموه منقادين له فى دعائه إياكم إلى الإيمان بما جاء من عند الله فحصل المقصود على أكمل ما يمكن والله أعلم.
الآية الثانية والعشرون قوله تعالى: "فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " وفى سورة الشعراء: "فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " وفى سورة طه: "فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " للسائل أن يسأل عن زيادة اللام فى قوله فى الشعراء "فلسوف " وسقوطها فى الأعراف؟ وعن سقوط حرف التسويف واللام فى طه جملة؟ فهذان سؤالان.
والجواب عن الأول منهما: أن زيادة اللام فى الشعراء مناسب لما تضمنته من الاستيفاء الجارى فى هذه القصة وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك وذلك أن هذه اللام مقربة من زمان الحال وتحقيق الوقوع ولم يكن تقدم فى الأعراف ولا فى طه ما يحرز هذا المعنى فاستوفته هذه السورة ليناسب ذلك استيفائها لما كان بين موسى ﵇ وفرعون وهذا مع ما تعطيه من التأكيد وما سوى هذا المعنى فى هذه الآية فلا فرق بين آية الأعراف وآية الشعراء إلى قوله: "من خلاف ".
واما سقوط حرف التسويف فى طه واللام - وهو جواب السؤال الثانى - فللعوض منهما وذلك العوض هو اللام والنون الشديدة المؤكدة فوله "ولتعلمن "مع أن معنى التسويف قد قدم بمراعاة الترتيب وإذا روعى ذلك وجد تدريج زيادة التأكيد على ترتيب السور فالوعيد الواقع فى آية طه آكد من الذى فى آية الأعراف والذى فى الشعراء آكد من الوارد فى طه وان استوضحت ذلك فهمت وجه تخصيص كل من السور الثلاث بما خصت به.
стр. 215
الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: " ثم لأصلبنكم أجمعين "وفى طه والشعراء "ولأصلبنكم "بالواو والمتوعد به واحد فى الموضعين فيسأل لم لم يكن العطف فيهما بحرف واحد؟ والواو أنسب إذ التوعد بقوله: "لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم " لم يقصد فيه تراخ فى الزمان ولا مهلة فبابه أن يأتى بالواو أو بالفاء إن قصد رعى التعقيب فللسائل أن يقول: لم عدل فى الأعراف إلى ثم.
والجواب أن ثم للتباين والتراهى فى الزمان ويعبر النحويون عن ذلك بالمهلة وتكون للتباين فى الصفات والأحكام وغير ذلك مما يحمل به ما بعدها على ما قبلها من غير قصد مهلة زمانية بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله وأنه لو انفرد لكان كافيا فيما قصد به ومنه قوله تعالى: " فتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر "وقوله تعالى: "فلا اقتجم العقبة " ثم عطف بعد قوله: "ثم كان من الذين آمنوا "وقوله تعالى: "وعمل صالحا ثم اهتدى " ولم يقصد فى شئ من هذا ترتيب زمانى بل تعظيم الحال فيما عطف وموقعه وماكنته وتجريك النفوس لاعتباره ولما تقدم فى الأعراف تهويل الواقع من فعل السحرة وموقعه من نفوس الحاضرين ولذلك أنس سبحانه نبيه موسى ﵇ بقوله: "لا تخف إنك أنت الأعلى "ووقع التعبير غما ذكرنا بقوله: "واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم "فناسبه رعيا لفظيا وتقابلا نظميا تهويل ما توعدهم به فرعون فعطف بثم لتحرز ما قصد فرعون من تعظيم موقع ما توعدهم به ثانيا فى قوله: "لأصلبنكم "عليهم وأيضا فإن فرعون وملأه حين رأوا ما جاءت به السحرة ووقع منهم موقعا أطمعهم وتعلق به رجاؤهم ثم لما وقع ما أبطله وأوضح كيدهم فيه وباطلهم الخيالى وجد الملأ لذلك واستشعر فرعون ما حل به وبملئه فهول فى توعدهم ومقاله تجلدا وتصبرا أو تعزية لنفسه عما نزل به فأرعد وأبرق فى تهويله ما توعد به السحرة فقال: "ثم لأصلبنكم " فقد تناسب المتقابلان لفظا ومعنى ولما ضم الواقع فى سورة الشعراء لم يحتج إلى هذا الرعى فعطف بالواو ولم يكن على ما تقرر ليمكن العكس والله أعلم.
الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: " قالوا إنا إلى ربنا منقلبون " وفى الشعراء: "قالوا لاضير إنا إلى ربنا منقلبون " للسائل أن يسأل عن زيادة قوله: "لاضير "فى سورة الشعراء ولم يرد ذلك فى الأعراف؟
стр. 216
والجواب عنه أن قوله "لاضير " مقابل به ما تقدم من قوله: "وقالوا بعزة فرعون "لما اعتقدوه أولا أن له عزة ونسبوها إليه فظنوا أنه يقدر على ما يريده ويستبد بفعله ثم لما وضح لهم الحق ورجعوا عن اعتقادهم وظنوا وعلموا أن القدرة والعزة لله سبحانه وسلموا لخالقهم ولم يبالوا بفرعون وملئه فقالوا "لاضير " أى لا ضرر ولا خوف من فرعون إذ العزة له وحده ولما لم يقع من قولهم فى الأعراف أولا مثل الواقع هنا لم يجيئوا فى الجواب بما جاؤوا هنا فافترق الموضعان وجاء كل على ما يجب والله أعلم.
الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: " قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير " وفى يونس: "قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون "
للسائل أن يسأل هنا عن تقديم النفع فى الأعراف وتأخيره فى يونس؟ وعن تعقيب آية الأعراف بقوله: "لو كنت أعمل الغيب ... "الآية وآية يونس بقوله: "لكل أمة أجل "؟
والجواب عن الأول: أنه لما تقدم سؤالهم عن الساعة وتكرر فى قوله: "يسألونك كأنك حفى عنها "أى عالم بها وكان ظاهر السياق يشير إلى أنهم كانوا يظنون أنه ﵇ يعلمها فطلبوا تعريفهم بها وأن يخصهم بذلك ولاشك أن العلم بالشئ نفع لصاحبه فعرفهم أنه لا يملك لنفسه نفعا ولاضرا وتقدم ذكر النفع لأنه مشير إلى ما ظنوه أنه عنده من علمها فأعلمهم أنه سبحانه استأثر بعلمها وأنه ﵇ لا يملك من ذلك شيئا إلا ما شاء الله له مما عدى علم الساعة لانفراده سبحانه عن خلقه بعلمها، "لا يجليها لقوتها إا هو " ثم تأكد هذا الغرض بقوله تعالى على لسان بيه ﵇: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير " وهذا كله بين التناسب.
وأما تأخير ما تقدم فى الأعراف فى سورة يونس وهو قوله: "قل لا أملك لنفسى ضرا ولانفعا " فقدم الضر فللمتقدم قبله من قوله: "ويقولون متى هذا الوعد " فطلبوا تعجيل العذاب استهانة وتكذيبا ولم يعلموا ما فى مطالبهم من المحنة والمضرة العاجلة فقال لهم ﵇ بأمر الله تعالى إنى لا أملك الضر ولا النفع لنفسى ولا لكم فلا تستعجلونى ذلك فليس بيدى فقدم الضر لأجل ما تقدم من
стр. 217
طلبهم إياه وأخبروا أن لكل أمة أجلا لما شاءه الله وقدره لهم: "إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " فقد وضح وجه التقديم والتأخير فى الضر والنفع وتوجيه التعقيب بما أعقب كل من الآيتين.
الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم " وفى سورة حم السجدة [فصلت]: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم " فوردت الصفتان فى سورة الأعراف على طريقة التنكير ووردتا فى السورة الأخرى معرفتين وزيد قبلهما الضمير الواقع فصلا فقيل: "إنه هو " وللسائل أن يسأل عن وجه التعريف والتنكير؟ وعن زيادة الضمير؟
والجواب عن السؤالين: أن سورة الأعراف تقدم فيها قبل الآية وصف آلهتهم المنحوتة من الحجارة والخشب التى وبخوا بعبادتها فى قوله فى موضع آخر: "أتعبدون ما تنحتون " فوصفت هنا بأنها لا تخلق شيئا ولا يستطيعون لهم نصرا "وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون " فنفى عنهم القدرة والسمع والبصر وآلة المشى وآلة البطش بقوله: "ألهم أجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها " ولم يتقدم هنا ما يوهم أدنى شئ يلحقها بشبه الأحياء فضلا عما فوق ذلك فورد الصفتان بقوله: "سميع عليم " موردا لم يتقدمه ما يوهم صلاحية شئ من ذلك لغيره تعالى مما عبدوه من دونه مما قصد هنا ولا ذكر دعوى شئ من ذلك من مدع فيستدعى ذلك التوهم مفهوما ينفيه فجاء على ما يجب.
أما آية الأعراف فتقدم قبلها قوله تعالى: " ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعلمون " وقوله تعالى: "وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم " وقوله تعالى: "أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس " فحصل من هذا أن مضليهم إنما كانوا من عالم الإنس والجن وكلا الصنفين موصوف بالسمع والبصر وممن ينسب إليه علم بخلاف المقدم ذكر فى الأعرفا فلما تقدم فى سورة السجدة من يظن منه الغنى ويمكن منه أن يسمع ويبصر ويعلم ناسبه التعريف فى الصفة ليعطى بالمفهوم نفى ذلك عن غير الموصوف بهما تعالى ثم أكد ذلك بضمير الفصل المقتضى التخصيص فقوى المفهوم المسمى عند كثير من الأصوليين
стр. 218
بدليل الخطاب فصار الكلام فى قوم أن لو قيل: الله هو السمبع العليم لا غيره وأحرز الفصل بالضمير هذا المعنى مع إعطاء المفهوم إياه ولم يكن ورود ما فى سورة الأعراف من التنكير ليناسب الوارد متقدما فى سورة السجدة ولا التعريف الوارد فى الصفتين العليتين فى سورة السجدة ليناسب ما تقدم آية الأعراف فجاء كل على ما يناسب والله أعلم.
стр. 219
سورة الأنفال
قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض " وفى سورة براءة: "الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " فتقدم فى آية براءة قوله: "فى سبيل الله " على قوله: "بأموالهم وأنفسهم " وفى الأنفال عكس ذلك فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك وخصوص كل من السورتين بما خصت به؟
والجواب عن ذلك أن آية الأنفال مقصود فيها مع المدحة تعظيم الواقع منهم من الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس وتغبيطهم بما من الله عليهم به من ذلك وتفخيم فعلهم الموجب لموالاة بعضهم بعضا فقدم ذكر الأموال والأنفس تبيها معرفا بموقع ذلك من النفوس وأنهم بادروا بها على حبها وشح الطباع بها كقوله: "وآتى المال على حبه "وليس تأخير هذا المجرور كتقديمه لأنه إنما يقدم حيث يقصد اعتناء وتخصيص وتنبيه على موقعه ومن نحو هذا قوله تعالى: " ولم يكن له كفوا أحد " وقد تقدم هنا فإنما قدم هذا تغبيطا لهم وإعظاما لفعلهم.
أما آية براءة فتعريف بأمر قد وقع مبنى على التعريف بالمفاضلة بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وبين من آمن وهاجر وجاهد فى سبيل الله بماله ونفسه بقصد رد من ظن أن السقاية وعمارة المسجد الحرام أفضل وعرف أن الإيمان وما ذكر معه أعظم درجة عند الله فلم يعرض هنا داع إلى تقديم ما قدم فى الأخرى فتمخضت فضيلة ذلك المجرور هنا فأخر.
وقد نص سيبويه ﵀ على أن المجرور إنما يقدم حيث يكون مستقرا ويعنى بذلك الخبر نحو: عندك مال "ولكم فى الأرض مستقر " والقصد تخصيص كناية الإخلاص والتخصيص مقصود فى آية الأنفال ولم يقصد ذلك فى براءة ولا وقع المجرور فيها خبرا فوجب بمقتضى اللسان أن يقدم فى آية الأنفال قوله: "بأموالهم وأنفسهم " ويؤخر فى سورة براءة وقد وقع فى كل زاحدة من الآيتين فى كل من السورتين ما استدعى اتصال ما بعده به ولم يكن ايناسب لورود العكس فوضح وجه تخصيص الواقع فى كل من السورتين بموضعه والله أعلم.
стр. 220
سورة التوبة
قوله تعالى: وهى أول آية من متشابه هذه السورة -: "ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم " وفيما بعد: "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفرو رحيم " فاستوت الآيتان فى إعلامه تعالى نبيه والؤمنين أنه يتوب على من يشاء وفى ختم الآيتين بصفتين من صفاته سبحانه ثم اختلفت الصفتان فقيل فى الأولى "عليم حكيم " وفى الثانية "غفور رحيم "؟
ووجه ذلك والله أعلم أن الآية الأولى أعقب بها ما تقدمها متصلا بها من الآى فى كفار مكة وفعلهم مع رسول الله ﷺ وأصحابه من التضييق والاحراج وبدئهم بالقتال يوم بدر ونقضهم العهد فى قصة خزاعة فى صلح الحديبة وهذا كله مبسوط فى كتب السير والتفسير فأمر الله تعالى بقتالهم وخزيهم والنصر عليهم وشفاء صدور من آمن من خزاعة وغيرهم ممن آذوه قال تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صور قوم مؤمنين " ثم قال تعالى: "ويتوب الله على ما يشاء " كأبى سفيان ابن حرب وعكرمة بن أبى جهل إلى من أسلم منهم بعد ما صدر من اجتهادهم فى الاذاية والصد عن سبيل الله ثم قال "والله عليم حكيم " أى بما فى القتال وفى طى ما جرى من ذلك كله بتقديره السابق أولا إذ لا تترحك ذرة إلا بإذنه وتقدم علمه أولا وما فى ذلك من الحكمة وختم أفعالهم السيئة بالأوبئة والرجوع إليه سبحانه بسابق سعادة لمن شاهدها له منهم فهذا وجه النظم والتناسب فيه واضح.
وأما الآية الثانية فسببها - والله أعلم - ما جرى يوم حنين من تولى الناس مدبرين حين ابتلوا بإعجابهم بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئا ولم يثبت مع رسول الله ﷺ فى ذلك اليوم أحد إذ لم يبرح ﵇ من مكانه فلم يثبت معه إلا القليل من العدد القليل فنادى العباس رضى الله عنه بآل الانصالر فاستجاب ناس وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ومكن نبيه والمسلمين أعدائهم والقصة معروفة فختمت هذه الآى بقوله تعالى: "والله غفور رحيم " تأنيسا لمن فر من
стр. 221
المسلمين فى ذلك اليوم وبشارة لهم بتوبة الله عليهم وإن ما وقع منهم من الفرار مغفور لهم رحمة من الله سبحانه فجاء كل هذا على ما يناسب ولا يلائم خلافه والله أعلم.
الآية الثانية قوله تعالى: " والله لا يهدى القوم الظالمين " وورد بعد هذا بآيات "والله لايهدى القوم الفاسقين " وبعد الحزب الأول من هذه السورة: "والله لا يهدى القوم الكافرين " وفى ذكر المنافقين من هذه السورة: "والله لا يهدى القوم الفاسقين " للسائل أن يسأل عن وجه افتراق أوصاف المذكورين فى هذه الآى بالظلم والفسق والكفر؟ وهل ذلك لداع من المعنى؟
والجواب أن كل وصف منها إنما جرى على ما تقدمه لداع مناسب من المعنى أما الآية الأولى فإن قبلها قوله تعالى: " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله " وهؤلاء المقول لهم: "أجعلتم " إنما هم كفار قريش ممن ظلم نفسه بالتقصير فى النظر وظن أن عمله من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كاف مخلص عند الله وأن المؤمن بالله واليوم الآخر المجاهد فى سبيل الله ليس بأفضل حالا وعملا منه فرد الله مقالهم وقيل لهم: "لا ستوون عند الله " ومن ظن ذلك كما ظننتم فظالم لنفسه من حيث قصر فى نظره مع تنبيهه على النظر فى وجه مابه خلاصه: "والله لايهدى القوم الظالمين " وهم الذين سبق فى علم الله أنهم لا يؤمنون بظلمهم أنفسهم ".
وأما الآية الثانية فكف ومنع للمؤمنين عن ارتكاب ماليس من شأنهم ألا ترى أن قبلها: "يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء " فنهوا عن موالاة من ذكر من آباءهم وإخوانهم إذا كانوا مؤثرين للكفر مستحبيه على الإيمان ثم قيل لهم: "ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون " ثم أعقب بقوله: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم " أى إن آثرتم ما ذكر وكان أحب إليكم "من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره " أى أنكم إذا أنصفتم بهذا فقد خرجتم عن دينكم وفارقتم إيمانكم ولحقتم بمن كفر بعد إيمانه "والله لا يهدى القوم الفاسقين " والفاسق الخارج.
وأما الآية الثالثة فقبلها قوله تعالى: " إنما النسئ زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا "، ثم ذكر مرتكبهم فيه وتزيين ذلك لهم ولما قدر لهم من تماديهم فى
стр. 222
كفرهم فقال: "زين لهم سزء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين " فوسموا أولا بالكفر فقيل: "يضل به الذين كفروا " إذ لم يكن تقدم لهم إيمان ثم خرجوا عنه بل كانت حالهم التمادى على كفرهم الذى لم يتقدمه إيمان ولما ذكر بعض ما حملهم عليه كفرهم وأنه من سوء أعمالهم ومما زينه الشيطان لهم قال تعالى: "ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين " الآيات فوصفوا بالتظاهر بالاسلام ثم خرجوا عنه بشنيع كفرهم وقبيح مرتكباتهم ووصفهم تعالى بأنهم "يلمزون المطوعين من المؤمنين " ومن لا يجد إلا جهده إلى قوله: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله " ثم قال: "والله لا يهدى القوم الفاسقين " فلخروجهم ومفارقتهم ما قد كانوا تظاهروا به من الإسلام وصفوا بالفسق الذى هو الخروج والمفارقة من قولهم فسق الرطبة إذا خرجت من قشرها قال تعالى: "إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " فقد وضح فى كل آية من هذه أن ما انجر فيها من وسم من أريد بها وجرى ذكره قبلها يقتضى ورود ذلك الوصف على ما ورد عليه وأنه لا يلائم كل آية منها إلا ما أعقبت به والله أعلم.
الآية الثالثة قوله تعالى: " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " وفى سورة الصف: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " ومعنى الآيتين فى السورتين واحد وقد زادت آية براءة على آية الصف عشرة أحرف صورا فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟
والجواب عنه والله أعلم: أن زيادة آية براءة مقابل بها ما ورد من الطول فى المحكى فى هذه السورة من قول الطائفتين من اليهود والنصارى قال تعالى حاكيا عنهم: "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله " فوقع فى المحكى هنا طول اقتضى ما بنى جوابا عليه ليتناسب.
وأما آية الصف فمقابل بها قول عيسى ﵇ لما قال لهم: "يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد " ثم قال تعالى: "فلما جاءهم البينات قالوا هذا سحر مبين " وإنما الجواب على المحكى من قولهم خاصة وهو قولهم: "هذا سحر مبين " وليس هذا فى الطول وعدة الكلم المحكى فى سورة براءة ألا ترى أن الواقع فى سورة براءة ست كلمات وفى الصف ثلاث كلمات ثم إن الواقع فى سورة براءة مقال طائفتين منهم اليهود
стр. 223
والنصارى مفصحا به والواقع فى الصف مقالة طائفة واحدة وهذا مراعى فقد وضح ورود كل من الآيتين مناسبا لما اتصل به وعلى ما يجب فى السورتين والله أعلم بما أراد.
الآية الرابعة: قوله تعالى: " والله يعلم إنهم لكاذبون " وفيما بعد من هذه السورة: "والله يشهد إنهم لكاذبون " وكذا فى سورتى الحشر والنافقين فورد فى الأولى: "يعلم " وفى البواقى "يشهد " مع أن المقصود فى الأربع آيات واحد وهو أنه سبحانه عليم بما يخفونه أو يظهرونه من أعمالهم فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟
والجواب والله أعلم: أن الاستطاعة وعدمها حكم لا يطلع عليه فى الغالب بل ينفرد كل بحاله فى ذلك إلا أن يعلم ذلك بقرينة فقول المنافقين فى إخبار الله تعالى عنهم: "لو استطعنا لخرجنا معكم " غير مشاهد من ظاهرهم فقد كان يمكن صدقهم أو صدق بعضهم لولا أنه سبحانه أعلم نبيه ﷺ بحالهم وما يكون من اعتذارهم قبل أن يقع منهم وبتقاسعهم عن الخروج فقال تعالى: "لو كان عرضا قريبا قاصدا لأتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم " فأعلم تعالى بما يكون منهم قبل أن يكون وذلك غيب وأعلم بوجه تقاسعهم وتثبطهم ثم أعلم بكذبهم فقال: "والله يعلم إنهم لكاذبون " فحصل العلم بحالهم بإخباره تعالى ثم تكاثرت الشواهد عنهم.
فلما كان حال الاستطاعة على ما ذكرنا من الخفاء حتى لا يطلع عليها ناسب ذلك التعريف عن اطلاعه تعالى على ما أخفوه من حالهم بالعلم فقال سبحانه: "والله يعلم إنهم لكاذبون "ولا يناسب غيره.
أما الآية الثانية فهى فى أهل مسجد الضرار وأمرهم مما قد كانوا تواطئوا عليه ولم يخف حال بعضهم عن بعض وذلك بخلاف حال الاستطاعة وما يمكن فيها من الخفاء فكان هذا مما يرجع إلى حكم الظهور والشهادة فكان ورود قوله تعالى هنا: "والله يشهد " أنسب وكذا الحكم فى آية الحشر لبنائها على قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم " إلى آخر الآية وكل هذا قول مشاهد معلوم مدرك بحاسة السمع وما وعدوا به إخوانهم من نصرتهم والخروج معهم أن خرجوا كل
стр. 224
ذلك مما كنا يشاهد لو وقع وليس شئ من ذلك كالاستطاعة فى خفائها وغيابها فناسب هذا قوله تعالى: " والله يشهد إنهم لكاذبون " الوارد فى سورة المنافقين لأن قولهم: "نشهد إنك لرسول الله " قول مدرك بالسمع مع أن هذه الآية قولهم نشهد فطابق هذا وناسبه قوله: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " وجاء كل من هذه الآى على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الخامسة قوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " وفيما بعد من هذه السورة: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدى القوم الفاسقين " وبعد هذه الآية: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " للسائل أن يسأل عن زيادة الباء فى قوله "وبرسوله " ولم تزد فى الآيتين بعد والظاهر من بعد ما يسأل فيه لأنها مقاصد مختلفة؟
والجواب: أنك إذا قلت مثلا المانع من تقريب زيد نفاقه فإنك لم تزد على أن أخبرت عن علة منع تقريب زيد شيئا فإذا قلت أن المانع من تقريب زيد نفاقه فقد زدت على الاخبار بالمانع من تقريب زيد أنه نفاقه وإن قلت إنما المانع من تقريب زيد نفاقه فقد حصرت المانع من التقريب فى النفاق وأكدت ذلك تأكيدا أكثر من الحاصل بإن ولذا اتفق الأصوليون على قوم المفهوم الحاصل من قوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق " ولم يتفقوا فى المفهوم الحاصل من قوله ﵊: "فى سائمة الغنم بالزكاة " وذلك بسبب ما تقتضيه إنما من معنى الحصر وقد جرده بعضهم عن المفهومات وجعله دليلا برأسه لقوته وأبى أن يجعل هذا من دليل الخطاب وفى معنى قوله: "إنما الولاء لمن أعتق " وفى قوم قولك: "ما الولاء إلا لمن أعتق " فإن معناه حصر الولاء فى المعتق وأنه لا ولاء لغيره ومن هذا قوله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " أى ما يخشاه تعالى حق الخشية إلا العلماء وقال تعالى: "إن هو إلا وحى يوحى " فنزه سبحانه نطق نبيه عن أن يكون غير وحى وليس قولك فى الكلام: هو وحى فى قوة قولك: إنه وحى يوحى لما زدت من التأكيد بإن ولا قولك: إنه يوحى فى قوة الاخبار القرآنى من قوله تعالى: " إن هو إلا وحى يوحى " لما بين قبل.
فإذا وضح هذا فقوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا
стр. 225
بالله وبرسوله " وقد ورد على أبلغ وجوه التأكيد وحصل حصر المانع من القبول فى كفرهم وأنه لو لم يكن الكفر لكان القبول فناسب هذا التأكيد الذى بلغ به الغاية زيادة الباء فى قوله "وبرسوله " لإعطائها معنى التأكيد وإحرازها إياه.
ولما لم يكن هذا التأكيد الحصرى واقعا فى الآيتين بعد وإنما وكد فيها بأن قال تعالى: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله " وقال تعالى: "إنهم كفروا بالله ورسوله " فلم يبلغ بهذا الاخبار مع تأكيده وقوته مبلغ الأول لم تلحقه الباء وجاء كل على ما يجب والله أعلم بما
أراد.
الآية السادسة من سورة براءة قوله تعالى فى المنافقين: "ولا ينفقون إلا وهم كارهون فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم فى الحياة الدنيا " وقال فيما بعد: "ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها فى الدنيا " فحملت الآية الأولى على ما قبلها بالفاء والصانية بالواو وزيدت لا النافية فى الأولى وسقطت من الثانية وقيل فى الأولى "ليعذبهم " وفى الثانية "أن يعذبهم " وقال فى الأولى "فى الحياة الدنيا " واكتفى بالوصف فى الثانية فقيل "فى الدنيا " فتلك أربع سؤالات.
والجواب عن الأول: أنه لما وصف تعالى أقوال المنافقين فى كفرهم وشتى مرتكباتهم وقرر ما هم عليه فى آيات إلى قوله: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " فلما عرف بأحوالهم قال لنبيه ﵇: "فلا تعجبك أموالهم " وكان الكلام فى قوم أن لو قيل: إذا عرفت أحوالهم فلا تغتر بما لديهم فتظن أن ما مكناهم فيه ومنحناهم إياه من مال وولد إحسان عجلناه لهم "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون "، "وإنما نملى لهم ليزدادوا إثما " فالكلام فى قوة الشرط والجزاء فكان موضع الفاء.
أما قوله فى الآية الأخرى: "ولا تعجبك أموالهم وأولادهم " فمنسوق على قوله: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ولا تعجبك أموالهم وأولادهم " وكل هذا نهى له ﷺ أن يفعله وليس كالأولى فى أن ذكر مرتكباتهم ما بنى نهيه ﵇ عليه فيتصور فيه معنى شرط وجزاء فلا مخل للفاء هنا ولا هو موضعها.
стр. 226
والجواب عن الثانى: أن الآية الأولى مقصود فيها من التأكيد ما لم يقصد فى الثانية لما قيل له ﵇: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله " وذكر له من قبح مرتكباتهم أشنعها أكد نهيه ﵇ عن أن يلتفت إليهم تنزيها لقدره العلى عن الصغو إلى ما حاصله إملاء ولأهله فى الحقيقة استدراج وعناء فدخلت لا النافية تأكيدا يناسب هذا القصد ولما لم يكن فى الآية الأخرى اشتراط وجزاء يقتضى التأكيد فلم تخل لا فجاء كل على ما يجب ويناسب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن قوله فى الآية الأولى: "إنما يريد الله ليعذبهم " بلام كى مناسب لما فى الآية من التأكيد إذ لا تقتضى تراخيا فناسب هذا ما ذكر من التأكيد أما قوله فى الآية الثانية: "إنما يريد الله أنيعذبهم " فيقتضى أن التأكيد لما لم يبلغ فى هذه الثانية مبلغ الأولى بما تقدم فيها أشعرت أن بما فيها من التراخى فأن هذه ليست من التأكيد فى نمط الأولى وهذا رعى مناسبة لفظية إذ الاخبار بحالهم واحد فى الآيتين من غير فرق.
فإن قيل فإن لام كى فى قوله تعالى: " ليعذبهم " تقدر بعدها أن على قول الجمهور فقد تساوت الآيتان قلت ليس المعنى مع تقديرها هو المعنى مع ظهورها بل لظهورها حكم لا يكون فى تقديرها وقد نص سيبويه ﵀ على ذلك فى باب الجواب بالفاء من كتابه أنه كلام العرب فتبين أن قوله تعالى: " ليعذبهم " ليس كقوله: "أن يعذبهم " فيما يعطيه ظهور أن من التراخى والله أعلم.
والجواب عن السؤال الرابع: أن قوله "فى الحياة الدنيا " فى الآية الأولى بالجمع بين الصفة والموصوف مناسب أيضا وملائم أوضح ملاءمة للتأكيد الجارى فيها، أما الآية الأخرى فلا تأكيد فيها فناسب ذلك الاكتفاء بقوله: "فى الدنيا " وجاء الكل على ما يجب ويناسب.
الآية السابعة من سورة براءة قوله : "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " وقال بعدها: "إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون " فيهما سؤالان: قوله فى الأولى "وطبع على قلوبهم " ببناء الفعل للمفعول مكتفى به، وفى الثانية "وطبع الله " ببناء الفعل على
стр. 227
الأصل؟ والثانى قوله فى الأولى "فهم لا يفقهون " وفى الثانية "فهم لا يعلمون ".
والجواب عن الأول: أن مطلع الآية قبلها قوله تعالى: " وإذا أنزلت سورة " على بناء الفعل للمفعول فجاء قوله "وطبع على قلوبهم " على ذلك ونوسب بختام هذه الآية بداءة ما قبلها وأما الثانية فلم يقع قبلها فعل بنى للمفعول وقد ذكر الفاعل فيها فجرى الكلام على ما يجب فقيل "وطبع الله على قلوبهم ".
والجواب عن الثانى: أن قوله "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله " لما اجتمع ذكر إنزال السورة والاشارة إلى ذكر المراد بها بقوله: "أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله " استدعى ذلك نظر من بلغه هذا المنزل واعتباره وتفهم المقصود به إلى الكمال ليقع الامتثال على وجهه فلما تراموا إلى الخلود إلى الراحة وترك الجهاد الذى تحملت الآية الأمر به ناسب ذلك أن ينفى عنه الفهم والتدبر فقيل: "وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " والتفقه التفكر والاعتبار ولما لم يقع فى الآية بعد ذكر تديره وتفهمه لقرب المعنى المراد منه وذلك قوله: "إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء " صرف النفى إلى الحاصل على التفهم وهو العلم فقيل: "وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ".
الآية الثامنة من هذه السورة قوله تعالى: " قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " وقال بعد هذا: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة. .. "الآية فيها أربع سؤالات: الأول: قوله فى الأولى "وسيرى الله عملكم " بواو النسق ولم يرد فيها "والمؤمنون " وقال فيها "ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة " وقال فى الثانية "فسيرى الله " بفاء التعقيب وفيها "والمؤمنون " ولم يقل فى الأولى "والمؤمنون " وقال "وستردون " بالواو وفى الأولى "ثم تردون ".
فاختلفت الآيتان فى ثلاثة مواضع فيسأل عنها وهل كان يصح وقوع الأولى فى موضع الثانية؟ والثانية فى موضع الأولى؟ وكل منهما على ما بنى؟ فهذه أربعة أسئلة.
والجواب عنها على الجملة أن الآية الأولى فى المنافقين لم يخالطهم سواهم والثانية فى طائفة من المؤمنين كان فيهم تقصير ولهم إيمان فأنسوا وقوى رجاؤهم قال الطبرى: "هى فيمن تاب من المخلفين " قلت ويشهد لهذا ما اتصل بالآية مما قبلها والواقع
стр. 228
قبل الأولى من قوله: "قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم " أى لستم صادقين فى اعتذاركم ثم قال: "قد نبأنا الله من أخباركم " أى قد أطلعنا على نفاقكم وسوء سرائركم ثم قال: "وسيرى الله عملكم ورسوله " وهذا تهديد عطف على مثله وقصد تعريفهم بالمجموع مما استوجبوا به المقت ولم يعطف بالفاء إذ ليس ما تعطيه من المعنى مقصودا هناا ولم يقل هنا والمؤمنون إذ النفاق عمل يخفيه المنافق فلا يطلع عليه إلا الله سبحانه وقد يطلع عليه رسوله ومن شاء من عباده وإنما كانوا يتظاهرون بخلاف ما يبطنون ثم قال "ثم تردون " فعطف ردهم إلى الله بثم المعطية مع مهلة الزمان هنا تفاوتا فى التهديد والوعيد ولم تكن الواو لتعطى هذا المعنى وتحرزه وقد بينت المواضع الثلاثة التى خالفت فيها هذه الآية الآية التى بعدها.
وأما الثانية فهى فى المتخلفين عن غزوة تبوك قال الطبرى: "فيمن تاب منهم " كما تقدم وقد وقع قبلها قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " ثم قال: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم " فأمره سبحانه بأخذ زكواتهم وأخبره أنها تطير لهم وتزكية وأمره أن يدعوا لهم بقوله: "وصل عليهم " ثم زادهم تأنيسا بقوله: "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ".
فإن قيل إنك قد عضدت هذا المأخذ فى هذه الآية لما اتصل بها من قوله: "خذ من أموالهم " وهذه الآية مطلقة يراد بها جميع من امر بالزكاة وهم المؤمنون ولم تختص بأهل تبوك ولا غيرهم قات إنما دليلى فى اتصال بالآية عقبها المتكلم فيها وفى اتصالها بها بل تحصل الشهادة ويعتضد المراد ويلتئم النظم لأن من كان مقصودا بالآية الثانية وهى قوله: "قل اعملوا " على ما تمهد من جملة المؤمنين المخاطبين بالزكاة فالمعنى ومقتضى النظم وجلالة التركيب وتناسب السياق تحصل الشهادة فنقول قال تعالى: "وقل اعملوا " والمراد بالدأب على أعمال البر ما سلف من تقصيرهم ونظير هذا ما وقع عقب قوله تعالى: " قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ... "الآية ثم قال تعالى: "وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب " فليس قوله: "وقل اعملوا " وإن كان قد يبدو منه تهديد كالواقع فى الآية قبل إنما هو فى الحقيقة أمر بالعمل المرجو محوه لما سلف من تقصير وتهذيد لمن لم يتب.
وقوله: "فسيرى الله عملكم " جواب للأمر من قوله: "اعملوا " فالفاء فاء جواب
стр. 229
وكأن قد قيل تأنيسا لهم: اعملوا فلن يضيع عملكم، وقيل هنا "والمؤمنون " لأن الاعمال الاسلامية يشاهدها المسلمون بعضهم من بعض كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الأعمال فيرى المسلمون ما تظوهر به من هذه الأعمال ويشهدون لما وراءها مما يرجع إلى قبيل الإيمان من الاعتقادات القلبية وما يرجع اليها قال ﵇: "إذا رأيتم الرجل يشهد المسجد فاشهدوا له بالايمان " وقال تعالى: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ... "الآية فلهذا قيل فى هذه الآية "والمؤمنون " ولم يقل ذلك فى أعملا المنافقين لأنها مما لا يتظاهرون بها للمؤمنين وهذا مما يعضد قول الطبرى: أن هذه الآية فى التائبين من المتخلفين " لأن أعمال المنافقين قل ما يتظاهرون بها للمؤمنين إنما يبدونها إخواهم قال تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا الى
شياطينهم قالوا إنا معكم ".
وقال تعالى: "وإذا جاؤوك قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " وقال تعالى: "يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك " فإنما يشاهده المؤمنون ويرو ما يتظاهر به من الأعمال وفى هذا يشاركون نبيهم ﵇ فى رويته فتلك أعمال المسلمين لا أعمال المنافقين فقوله: "فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " على هذه الصفة من التشريك بينهم وبين نبيهم ﵇ فى رؤيته إنما هى أعمال الطاعة فهى التى تشاهد ويشاهد التفوت فيها بين المحافظ والمقصر ألا ترى قوله تعالى فى الآية الأولى: "قد نبأنا الله من أخباركم " فإنما نبأهم بما لم يشاهدوه ولا رأوه من مضمرات المنافقين ولما كان وصول المؤمنين إلى تعرف ذلك باخبار الله تعالى من غير رؤية من المؤمنين لذلك ما قال تعالى: "وسيرى الله عملكم ورسوله " ولم يقل هنا "والمؤمنون " لأنهم لم يحصل لهم شئ من أخبار المنافقين إلا بإنباء الله تعالى لا بإدراك رؤيته.
أما الآية الثانية فقيل فيها "المؤمنون " لأن الواقع من هؤلاء - والله أعلم - أعمال مرئية كما قدمنا فشهد هذا السياق - والله أعلم - أن الآية الأولى فى المنافقين المستمرين على نفاقهم وان الثانية فى التائبين بعد على أعمال محمودة تشاهد وترى هذا حاصل قول الطبرى وان قلنا بما قال أبو محمد بن عطية ورغم أنه الظاهر من أن الماد بقوله "وقل اعملوا ... "الآية المعتدون الذين لم يتوبوا المتوعدون المعنيون بقوله: "ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم " فيعارضنا اتصالها بما اتصلت به وأما على قول الطبرى فلا اشكال وهة أظهر، والله أعلم بما أراد.
وقد استمر كلام من وقفنا على كلامه من المفسرين على عبور الموضع دون
стр. 230
نزول للاعتبار وهو من المواضع التى يجب أن يتعرض لها وقد جرى فيها كلام الزمخشرى على مقتضى قول الطبرى من غير تعرض لذلك وهو ظاهر والله أعلم.
الآية التاسعة: قوله تعالى: "إن إبراهيم لأواه حليم " وفى سورة هود: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب " فتقدم فى الأولى الوصف بأواه على حليم وتأخر فى الثانية وتقدم فيها وصفه بحليم.
ووجه ذلك والله أعلم ان الأواه الكثير التأوه وفى كتاب ابن عطية أن التأوه التفجع فالمراد بالآية أن إبراهيم ﵇ مع غلظة أبيه وقساوته حتى قال له "لئن لم تنته لأرجمنك " وابراهيم ﵇ مع ذلك يتأوه تأسفا وتحسرا على اباية أبيه عن إجابته واتباعه مع تلطف إبراهيم ﵇ فى قوله دعاء لأبيه إلى الإيمان فى إخبار الله تعالى عنه: "يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا " إلى قوله: "يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " فكان ﵇ لفرط ترحمه ورأفته وحلمه يتعطف على أبيه ويستغفر له ولم يزل على ذلك إلى أن قطع من حاله وتبين له أنه عدو الله فتبرأ منه فإخبر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بما كان من أبيه إبراهيم فى ذلك ليقتدى به ويهتدى بهديه فقال تعالى: "ما كان لنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم " وأعلمه تعالى بعذر إبراهيم فى استغفاره وان ذلك كان عن موعدة تقدمت منه لأبيه فتقدم وصف إبراهيم ﵇ فى هذه الآية بأنه أواه وذلك مناسب لما بيناه أما آية هود فمنزلة على ما ذكر سبحانه من مجادلته فى قوم لوط جريا على ما وصفه سبحانه به من الحلم فكان تقديم وصفه هنا بالحلك أنسب وأجرى على ما بنى عليه فوضح ورود كلا الموضعين على ما يجب ويناسب ولا يمكن عكس الوارد والله أعلم.
стр. 231
سورة يونس
الآية الأولى منها: قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب الحكيم " وفى سورة لقمان "الم تلك آيات الكتاب الحكيم " وفى مطلع يوسف: "الر تلك آيات الكتاب المبين " فافتتحت تلك السور الثلاث بعد الحروف المقطعة فى مطالعها بالاشارة إلى الكتاب المذكر به والمنبه بآياه فقيل: "تلك آيات الكتاب " ثم وصفه فى السورتين بالحكيم وفى سورة يوسف بالمبين فيسأل عن ذلك؟
والجواب والله أعلم ان سورتى يونس ولقمان تردد فيهما من الآيات المعتبر بها المطلعة على عظيم حكمته تعالى واتقانه للأشياء ما لم يرد فى سورة يوسف كقوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام " وخلق السماوات والأرض وما انطوت عليه من أعظم المعتبرات قال تعالى: "لخلق السماوت والأرض أكبر من خلق الناس " وقال تعالى: "إن فى السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " وقد تبع الآية المذكورة من سورة يونس ما يجاريها فى التنبيه بما به الاعتبار كقوله تعالى: "هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " إلى قوله: "لقوم يعلمون " ثم قال تعالى: " إن فى اختلاف اليل والنهر وما خلق الله فى السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون إن الذين لا يرجون لقاءنا " لم يتخللها ما يخرج عن باب الاعتبار من حكم أو غيره ولا من القصص الا ما تضمن اعتبارا كالوارد من قصة نوح من قومه لقومه: "يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى ... " الآية إلى قوله: "ثم اقضوا إلى ولا تنظرون "، والمراد من هذا الكلام تعجيزهم وقطعهم عما كانوا يرومون من الكفر به ﵇ وإرادة إهلاكه وقد قطع ﵇ بنصرة الله إياه عليهم وقطعهم دون ما يرومونه وإن تألبوا واجتمعوا وذكر ﵇ شركاءهم وأن يكونوا معهم تهكما بهم وتوبيخا على اعتمادهم على مالا يعقل ولا يضر ولا ينفع وفى هذا كله أعظم معتبرة ثم ذكر تعالى نجاة نوح ﵇ منهم فى الفلك هو ومن آمن معه وجعلهم خلائف
стр. 232
وإغراق أعدائهم من المكذبين ولم يغن
عنهم كيدهم.
ولم يرد هذا الضرب المقتضب من قصة نوح ﵇ على هذه الصفة فى غير هذه السورة لما قدمنا ذكره ولم يكن ليناسب ما بنيت عيه السورة غير هذا الوارد.
ومن نحو هذا ما ورد فيها من قصة موسى ﵇ ودعائه فى قوله: "ربنا اطمس على أموالهم "فكان ذلك حسب ما دعاه إلى ذكر إغراق فرعون وملئه وطمعه فى الإيمان حين أدركه الغرق فقال: "آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل " فلم ينفعه ذلك لفوات وقته فاقتصر أيضا على هذا القدر من قصة موسى ﵇ لما تقدم من مناسبة هذه السورة.
وأما سورة لقمان فورد فيها قوله تعالى: " خلق السماوات والأرض بغير عمد ترونها " إلى قوله: "هذا خلق الله " وبعد ذلك قوله تعالى: " ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " وقوله: "إن الله غنده علم الساعة ... " الآية وفى هذه السورة أيضا ما منح لقمان من الحكمة وما انطوت عليه قصته من حكمة وما صدر عنه فى وصيته ولم تخرج آى هذه السورة عن هذا فهذا وجه وصف الكتاب فى هاتين السورتين بالحكيم.
وأما سورة يوسف ﵇ فلم تنطو على غير قصته وبسط التعريف بقضيته وبيان ما جرى له مع أبيه من فراقه وامتحانه بإلقائه فى الجب والبيع والتعرض له بالفتنة وتخلصه بسابق اصطفائه مما كيد به وابتلائه بالسجن وجمعه بأخيه واشتمال شملة بأبيه ﵉ واخوته ولم تخرج آية من آى هذه السورة عن هذا من بسط هذه القصة فلهذا اتبع الكتاب بالوصف بالمبين.
فقد وضح ورود كل من الموضعين على ما يجب ويناسب والله أعلم.
فإن قيل فما وجه ورود الميم فى سورة لقمان مكان الراء فى قوله تعالى: " الر "فى السورتين فقيل فى مطلع لقمان: "الم " مع موافقتها سورة يونس ﵇ فيما تمهد ثم خالفتها فى هذه فقيل: "الم " فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟
والجواب عن ذلك - والله أعلم - ان سورة لقمان تضمنت من التنبيه والتحريك والاعتبار إفصاحا وإيماء للمؤمن والكافر مالم تتضمن سورة يونس على طولها وان كانت آيها كلها آى اعتبار الا انها ليست كالوارد من ذلك فى سورة لقمان فمن التنبيه المتضمن تقريع من عبد غيره سبحانه قوله تعالى بعد ذكر خلق السماوات بغير عمد
стр. 233
وارساء الأرض بالجبال وذكر ما بث فيها من الدواب وانزال الماء من السماء وذكر ما أنبت سبحانه به من كل زوج بهيج فقال تعالى: "هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه " ولا نجد مثل هذا حيث تراد المبالغة فى توبيخ من عبد اله غيره.
ويجارى هذا فى هذا القصد الا أنه أرفق فى التعنيف قوله تعالى فى سورة يونس: "قل هل من شراكائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ..
"الآيات الا انها ليست كآية لقمان ولا ختمت بمثل ما ختمت به وقد تكرر هذا فى آيات وآية لقمان من أشدها وعيدا ولعظيم ما انطوت عليها اتبعها تعالى بتأنيس نبيه ﷺ بعد قصة لقمان بقوله: "ومن كفر فلا يحزنك كفره " وبإخباره انهم لو سئلوا من خلق السماوات والأرض لم يجدوا مصرفا غير الاعتراف فقال تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " ليعلم ﵇ أن ذلك من حالهم جار عليهم بقدر الله وما سبق فى علمه وهو الحكيم فى أفعاله.
ومن التنبيه للمؤمنين ولغيرهم - ممن سبقت له السعادة - قوله مخاطبة لنبيه ﷺ والمؤمنين: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض وأسبغ عليكم عمه ظاهرة وباطنة " وقوله تعالى: "ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار.
... " الآية وقوله تعالى: "ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر ... " الآية فورد هذا التنبيه بهمزة التقرير ولم الجازمة وهى الأداة المتكررة فى آى التنبيه فتكررت فى هذه السورة فى ثلاث آيات ولم تقع متكررة فى شئ مما أتى بعدها من السور إلى آخر القرآن ولا فى سورة مما قبلها مما يماثلها فى عدد كلمها ولا فيما هو على الضعف منها الا فى سورة فاطر وهى أطول من سورة لقمان فتناسب ذلك مع ما فى هذه السورة من التنبيه فى مطلعها بوقوع الميم مكان الراء الواردة فى مطلع سورة يونس.
وأما سورة يونس فمبنية على التعريف بربوبيته تعالى وقصره وقد ابتدأت ثالثة آيها بقوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام " ثم تكرر فيها اسمه الرب سبحانه فى بضعة عشر موضعا أولها هذا وآخرها قوله تعالى: " قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم " ولم يرد من هذا فى سورة لقمان غير قوله تعالى: "يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ... " الآية ثم إنه تكرر فى سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا
стр. 234
وعشرون كلمة أو نحوها وأقرب السور إليها مما يليها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة من سورة النحل وهى أطول منها والوارد فيها مما تركب على الراء من كلمها مئتا كلمة مع زيادتها فى الطول عليها فلمجموع ما ذكرنا وردت فى الحروف المقطعة الراء مكان الميم الواردة فى لقمان وجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الثانية من سورة يونس قوله تعالى: " ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم " وقال فى الأنبياء: "قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم " وقال فى سورة الفرقان: "ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم " فقدم فى سورة يونس ما أخر فى سورة الأنبياء والفرقان فيسأل عن ذلك؟
والجواب عنه - والله أعلم - ان الموجب لتأخير "ولا ينفعهم " فى سورة يونس ما وصل به من قولهم: "ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فكأن قد قيل: ويعدبون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويزعمون أن ذلك ينفعهم لوم يكن ليناسب لو قيل: "ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " تناسب الوارد من متصل قوله: "ولا ينفعهم " بقوله: "ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فلما كان الاتصال فيما ذكر أنسب وردت الآية بحسب ذلك.
أما آية الفرقان فإن قبلها ذكر دلائل وشواهد من مصنوعاته تعالى يهتدى المعتبر بالنظر فيها تخلصه من ورطات الشكوك ويستقيم له دينه وذلم أعظم النفع وأجله وقال تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " إلى قوله: "وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان بك قديرا " فلما تقدم التنبيه بهذه الآيات الواضحات الموقظات من سنات الغفلات والمحصلات أعظم النفع فى امتثال الواجبات والنجاة من الضلالات ناسبها تقديم ما قدم فى الآية من قوله: "ويعبدون من دون الله ما لا يتفعهم ولا يضرهم " وصار الكلام بقوته مجاوبا لقوله: "أفمن يخلق كمن لا يخلق " وورد كل على ما يجب والله أعلم.
الآية الثالثة من سورة يونس: قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض " وفى سورة سبأ: " قل من يرزقكم من السماوت والأرض " فأفرد لفظ السماء فى الأولى وجمع فى الثانية مع اتحاد المعنى والتساوى فى ألفاظ الآية غير ما ذكر فيسال عن ذلك؟
стр. 235
والجواب عنه ان الافراد الوارد فى آية يونس محصل للمعنى مع الإيجاز فورد هنا على ما يجب وأما الوارد فى سورة سبأ على الجمع فروعى فيه ما تقدم من قوله تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شركاء وماله من ظهير " والمراد بذلك نفى الشركاء له تعالى ثم عاد الكلام إلى ذلك أيضا فقال تعالى: "قل من يرزقكم من السماوات والأرض " على الجمع مناسبة إذ الآية قبل وهذه فى قضية واحدة وهى نفى الشركاء والأنداد فجاءت على ما يناسب التى قبلها.
فإن قيل: فلم ورد الجمع فى قوله فى الأولى: "لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات " وقد كان لفظ الافراد يحرز هذا المعنى مع أنه أوجز؟ فالجواب ان ما قصد من قطه توهمهم أن شركاءهم ينفعونهم أو يملكون شيئا وان قل والتصرف فى شئ مما قصد من هذا يقتضى تعميم النفع وتأكيد هذا الغرض بأعم ما يعبر به ذلك فناسب ذلك جمع السماوات ولم يكن الافراد ليناسب ثم نوسب بين هذه الآى التى بعدها فى الجمع ولم يكن فى آية يونس ما يستدعى ذلك فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الرابعة من سورة يونس قوله تعالى: "كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لايؤمنون " وقال فى سورة الؤمن: "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار "، للسائل أن يسأل هنا عن قوله فى الأولى "كذلك " بغير حرف عطف وفى الثانية "وكذلك " وعن قوله فى الأولى: "على الذين فسقوا " وفى الثانية: "على الذين كفروا " وعن قوله فى الأولى: "أنهم لايؤمنون " وقوله فى الثانية: "أنهم أصحاب النار "؟ فتلك ثلاث مسائل.
والجواب: أنه لما تقدم فى سورة يونس قوله تعالى: " قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار " إلى قوله: "فأنى تصرفون " فذكر سبحانه عباده بما لا يجدون محيصا عن إضافة ذلك كله وإسناده إليه سبحانه إذ الرزق كالخلق وقد كانوا يقرون بإسناد الخلق إليه سبحانه قال تعالى: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " وأخبر هنا سبحانه باعترافهم بإسناد ما قرروا عليه إليه بقوله: "فسيقولون الله " قيل لهم: "أفلا تتقون " أى عجبا لكم كيف تجمعون بين الاقرار بهذا كله ثم لا تخافون من إليه ذلك كله
стр. 236
وتتخذون وقاية من عذابه على مخالفتكم ثم قيل لهم: "فذلكم الله ربكم الحق " أى مالك ذلك كله والمنفرد بتدبيره هو ربكم الحق فكيف تنصرفون عنه ثم أخبر تعالى أن كلمته التى لا مبدل لها حقت على من انصرف عن الحق وتركه بعد بيانه بحسب ما قدر له فى الأزل ولم يقلع عن ذلك أنه لا يؤمن أبدا "إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية " ولما لم يتقدم قبل هذه الآيات فيما اتصل بها مقال من ذكر ممن حقت عليه كلمة العذاب أتى قوله: "كذلك حقت " فصورة الاستئناف غير معطوفة إذ لم يتقدم ما يعطف عليه وقيل "فسقوا " لأن بما تقدم مما قرروا عليه مع ما جعل لهم من الاسماع والابصار والافئدة مكنوا من النظر بما خلق لهم من الادوات ووضوح المنظور فيه فبمجموع هذا كله كانوا بمنزلة من تحصل الأجر وكأنه قج اتصف به وتمكنت حاله فيه ثم تركه وخرج عنه ونظير هذا قوله تعالى: " أولئك ال ذين اشتروا الضلالة بالهدى " فلاءم هذا الحال وسمهم بالفسق فقيل: "على الذين فسقوا " فاستحقوا على فسقهم بقدر الله عليه أن منعوا التصديق وهو الإيمان فأضلهم الله على علم.
أما آية غافر فإنه تقدم قبلها قوله تعالى: " ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا " ثم أعقب بذكر قوم نوح والأحزاب وهم كل أمة منهم برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذهم الله وأهلكهم بما حق عليهم.
ثم قال تعالى: " وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار " وأهلها فكيف يصح منهم الإيمان وقد حقت عليهم الكلمة: "أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار " فلما تقدم فى هذه السورة ذكر من حقت عليه كلمة العذاب عطف عليه: "وكذلك حقت " ولم يتقدم ذلك فى يونس ولما تقدم قوله تعالى: " ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا " ولم يتقدم بسط دلالات مما به الاعتبار لم يكن هؤلاء بمنزلة المذكورين فى يونس وإن كانت الدلالات عنده فى حق الكل ولكن مراعاة النظم أمر ملتزم والافصاح بالذكر كما أفصح فى آية يونس لم يقع هنا فلما تكن هذه الآية كتلك فيما ذكر وسم هؤلاء بالكفر وقيل "على الذين كفروا " ولم يقل "فسقوا " إذ لم يتقدم هنا ما تقدم هناك ما يتقدم معه ذكر الفسق وأيضا فقد تقدم فى غافر قوله تعالى: " ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا " فناسبه "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا " وإذا كانوا كافرين فهم أصحاب النار فأما الفاسق فإن كان فسقه يخرجه من الإيمان كان كافرا وان كان بالخروج إلى
стр. 237
المعصية دون الكفر لم يكن كافرا إلا أن المراد بفسوق من ذكر فى سورة يونس إنما هو ترك الاعتبار الحامل على الإيمان إذا وفق المعتبر فالتارك لذلك خارج عن التصديق فكان كافرا فقد حصل الجواب عن السؤالات الثلاث ووضح مجئ كل على ما يناسب وإن الوارد فى سورة يونس لا يناسبه ما تقدم قبل الآية فى سورة غافر ولا الوارد فى سورة غافر يناسب ما تقدم فى سورة يونس والله أعلم.
الآية الخامسة قوله تعالى: " ألا إن لله ما فى السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون " وقال فيما بعد: "ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء " ثم قال بعد: "قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغنى له ما فى السماوات وما فى الأرض إن عندكم من سلطان بهذا " هنا ثلاث سؤالات يسأل عن سقوط "ما " من قوله فى الآية الأولى: " ألا إن لله ما فى السماوات والأرض "؟ ووجه ثبوتها فى الآية الثالثة فى قوله: " له ما فى السماوات وما فى الأرض "؟ وعن ورود "من " مكان "ما " فى الآية المتوسطة فى قوله: " ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض "؟
والجواب عن السؤال الأول: أنه تقدم قبل الآية قوله تعالى: " ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به " وهذه الآية مبنية عليها ومجموع الآيتين فى قوة أن لو قيل: "ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به " وليس ذلك لها بل كل ذلك لله سبحانه: "ألا إن لله ما فى السماوات والأرض " فلما كانت الآية مبنية على هذه التى قبلها - والمعنى بين ذلك - وقع الاكتفاء بوقوع ما فى الأولى واجتزئ بذا عن تكرارها فى الثانية وليس الموضع موضع تأكيد فتكرر لذلك.
وأما ثبوتها فى الآية الثالثة - وهو السؤال الثانى - فوجهه أن التأكيد مقصود فى هذه الآية لأن قبلها حكاية قول الكفار: "قالوا اتخذ الله ولدا " فنزه تعالى نفسه عن مقالهم فقال: "سبحانه هو الغنى له ما فى السماوات وما فى الأرض "وإذا ورد فى القرآن ذكر مقال هؤلاء المعتدين فى ضلالهم تبعه ذكر ملكه سبحانه لكل من فى السماوات والأرض كقوله تعالى: "وقالوا اتخذ الرحمان ولدا " ثم قال: "لقد جئتم شيئا إدا " ثم ذكر سبحانه عظيم مرتكبهم فى شنيع
стр. 238
مقالهم فقال: "تكاد السماوت يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمان ولدا " أى من أجل ادعائهم الولد لله سبحانه ثم قال: "وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا " وكيف والكل عبيده وملكه: "إن كل ما فى السماوت والأرض إلا آتى الرحمان عبدا " وهو الغنى عن العالمين فلما كان موضع تأكيد ناسبه الاتيان بما والتأكيد بها وإن كان المعنى حاصلا دونها.
والجواب عن السؤال الثالث: أن ورود "من " فى الآية المتوسطة مناسب لما قصد بها وبنيت عليه ألا ترى أن ما ثبت قبل هذه الآية من قوله تعالى: " ولا يحزنك قولهم " فأنسه تعالى وثبته كما قال فى موضع آخر: "قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فتأمل عظيم هذا التأنيس وما تضمنه قوله: "فإنهم لا يكذبونك " من وضوح صدقه ﵇ وتصديقه فلم يبق إلا الحسد وقصد إطفاء نور الله: "زيأبى الله إلا أن يتم نوره " فلما قال له تأنيسا وتكفلا لحفظه إياه: "ولا يحزنك قولهم " أتبع ذلك سبحانه بإعلامه إياه أن العزة له ﷻ لا يشركه فى ذلك أحد ولا يعتز مخلوق إلا بإعزازه يعز من يشاء ويذل من يشاء وإلى ذلك أشار قوله "جميعا " ثم قال: "هو السميع العليم " أى لا يخفى عليه مقالهم فيك وما يسرونه من مكر أو مكيدة ثم أعلمه باحتواء ملكه سبحانه على ما أعلمه به فى قوله: "ألا إن لله من فى السماوات والأرض " فهو يعزك بإمداده إياك بمن شاء من مخلوقاته "ولله جنود السماوات والأرض " ولما كان تأييده ﵇ فى الغالب عند لقاء أعدائه إنما يكون بالملائكة والمؤمنين لذلك ما ورد التعبير بمن وكررت تأكيدا فقيل: "ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض " وهو مؤسده وممده بمن شاء من عباده: "ولا يحزنك قولهم " وقد وضح أن كل آية من هذه الآيات لا يناسبها غير ما اتصلت به ولا يمكن على ما تبين وقوع واحدة منهما فى موضع الأخرى والله أعلم بما أراد.
الآية السادسة من سورة يونس: قوله تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون " وفيما بعد من هذه السورة: "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون " وفى سورة الزمر: "وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون "
стр. 239
وفى آخر السورة: "وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " فورد فى الموضعين من سورة يونس "بالقسط " وفى الموضعين من سورة الزمر "بالحق " فللسائل أن يسأل عن الفرق؟
ووجه ذلك والله أعلم أن القسط يراد به العمل والتسوية فى الحكم فمظنة وروده حيث يراد موازنة الجزاء بالأعمال من غير زيادة كما قال تعالى فى جزاء الكافرين: "جزاء وفاقا " أى موازنا لأعمالهم موافقا لها: "ولا يظلم ربك أحدا " والحق الصدق فوروده حيث يراد تصديق وعيد أو إخبار متقدم وإن الله سبحانه وعد المؤمنين بزيادة الأجور والإحسان بما يفوت الغايات ويفوق الحصر ولم يجعل جزاءهم على أعمالهم الدينية وفاقا لأعمالهم فى مقادير الجزاء بل قال تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وقال تعالى: "وسنزيد المحسنين " وقال تعالى: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله " ومنه جعل الحسنة بعشر أمثالها وهذا كثير فى الكتاب والسنة ولما كان الوارد فى آيتى الزمر منزلا على الحكم حقا بين النبيين والشهداء والملائكة قال تعالى: " وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم " وقال تعالى: "وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم " والضمير فى الأولى إما أن يكون للنبيين والشهداء ولا كونه فى أن هؤلاء ممن يضاعف أجورهم فجئ بقوله "بالحق " تصديقا لما وعدوا من الزيادة وليس موضع ورود القسط وإما أن يكون للخلق كافة وفيهم المؤمن والكافر فورد قوله "بالحق " تصديقا لما ورد فى حق الفريقين من الزيادة فى أجر المؤمن والعدل فى حق الكافر فلا يظلم مثقال ذرة وإنما جزاؤه وفاق عمله ولا يصح هذا إن لو قيل: "وقضى بينهم بالقسط " وعلى هذا ما ورد فى الآية الأخيرة من فروق.
وأما آيتا يونس فقد تقدم الأولى منهما غير ما آيات فى تأنيس نبينا ﷺ وتعنيف كفار قريش ووعيدهم وتسليته ﵇ فى إبراهيم ألا ترى ختام الآى قبلها بقوله: "وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم " أى فسأجرى تكذيبهم عيانا لا يجدون محيصا عنه ثم قال: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم " أى حضرهم فى القيامة وقد كذبوه فى الدنيا قضى بينهم وبينه فصدق زكذب معانده فنجا المصدق وهلك المكذب ولما لم يقصد هنا تفضيل أحوال المصدقين بل
стр. 240
لحظ الطرفان من التصديق والتكذيب كان موضع التعبير بالقسط الذى هو العدل بين المصدق والمكذب وإنما بناء الآى على إرغام المكذبين ولا يناسب هذا إلا ذكر العدل بحسب ما بنيت عليه الآى قبله وأما قوله فى الآية بعد: "واشتروا الندامة لما رأوا العذاب " فمسرو ندامتهم هم المكذبون وهم المشاهدون العذاب والضمير فى قوله: "وقضى بينهم " عائد عليهم فليس موضع التعبير بقوله "بالحق " لما قد تبين فقد وضح ورود كل من هذه الآى على ما يناسب ويلائم ولا يناسب خلافه.
الآية السابعة قوله تعالى: " إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون وما تكون فى شأن " وقال تعالى فى سورة غافر: "إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون " فأظهر هنا ما أضمر فى الآية الأخرى فللسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب والله أعلم أن آية غافر لما تقدمها قوله تعالى: " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ومقصود هذه الآية تحريك الخلق للاعتبار ةالتذكير بما نصب سبحانه من الدلائل والآيات فاقتضى ذلك تكرار الظاهر كما فى آية التذكير والتنبيه ثم جئ بعد هذا بقوله: "إن الله لذو فضل على الناس " فنوسب بين هذا وبين ما تقدم لتجئ هذه الآى على منهاج واحد من التذكير فاقتضت الثانية تكرير الظاهر.
وأما آية يونس فإنما تقدمها تأنيس بقوله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ... "الآية ثم رجع الكلام إلى تعنيف الكفار فى تحكيمهم فقال: "قل أرأيتم ما أنزل لكم من رزق ... " الآية ثم قال: "وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة " ولم يتقدم تكرير يطلب بمناسبة فلذلك ورد الكلام على ما هو الأصل من الاتيان بالضمير ليحصل به ربط الكلام فجاء كل من الموضعين على ما يقتضيه ما قبله رعيا لتناسب الكلام.
الآية الثامنة من سورة يونس: قوله تعالى: "وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فى الأرض زلا فى السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين " وفى سورة سبأ: "عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين " وقال فيما بعد: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما
стр. 241
من شرك وماله منهم من ظهير " للسائل أن يسأل عن تقديم الأرض على السماء فى سورة يونس وعكس ذلك فى الموضعين من سورة سبأ؟
والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية يونس مقصود فيها من تأكيد الاستيفاء والاستغراق مالم يقصد فى الأخريين وإن كان العموم مراد فى الجميع إلا أن آية يونس قضت بزيادة التأكيد ولذلك تكررت فيها مع ما قبلها ما النافية المتلقى بها القسم فى قوله: "وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ليكم شهودا " فقوى بذلك قصد تأكيد الاستغراق وتضمين الكلام معنى القسم فقال تعالى: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة " بزيادة من فى الفاعل وهى مقتضية معنى الاستغراق فى مثل هذا وبناؤها على ما المتلقى بها القسم بفهم ما قلناه من معنى القسم وتأكيد الاستغراق بل أقول إن "من " فى مثل هذا نص فى ذلك.
قال سيبويه ﵀: "إذا قلت ما أتانى رجل فإنه يحتمل ثلاثة معان أحدها أن تريد أنه ما أتاك رجل واحد بل أتاك أكثر من واحد والثانى ما أتاك لاجل فى قوته ونفاذه بل أتاك الضعفاء والثالث أن تريد ما أتاك رجل واحد ولا أكثر من ذلك فإن قلت ما أتانى من رجل كان نفيا لذلك كله " هذا معنى كلامه والحاصل منه أن "من " فى سيلق النفى تعم وتستغرق.
ثم إنه قد تقدم قبل هذه الآية قوله تعالى: " وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه " فدخول "من " فى المفعول فى الموضعين من قوله: " وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل " فزيدت فى المفعول وهو اسم نكرة وارد فى سياق النفى وذلك محصل للاستغراق ثم حمل عليه قوله تعالى: " وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ... " الآية فناسب هذا تقديم ذكر الأرض على السماء لأن السماء مصعد الأمر ومحل العلو ومسكن الملائكة وهى مشاهدة لهم ومستقبل الداعين منها ينزل الأمر ورزق العباد وفيها الخزنة من الملائكة واليها يصعد بأرواح المؤمنين ويعرج الملائكة السياحون فى الأرض المسؤولون عن أفعال العباد فكان العلم بما فيها أجلى وأظهر وكان العلم بما فى الأرض أخفى وهذا بالنظر الينا وبحسب متعارف أحوالنا وإلا فعلم بارينا سبحانه بما فى الأرض وما فى السماء على حد سواء كما أن علمه بالسر والجهر مستو: "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " ولكنا إنما خوطبنا على أحوالنا وبما
стр. 242
نتعاهده ونتعارفه من المعانى والصفات ولذلك ورد فى القرآن التعجب والدعاء والترجى وغير ذلك فخوطب العباد بما يتعارفون ويألفون فيما بينهم.
فهذا بيان ما تقدم.
فلما كانت الأرض بالنسبة إلى اسمها فيما ذكرنا كان أمرها أخفى وكان أمر السماء أوضح وأقرب من حيث ذكرنا خوطب الخلق على ذلك فقدم ذكر ما هو عندنا كافة أخفى فقيل عند قصد المبالغة فى تأكيد الاستغراق والقسم على ذلك: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء " ونظير هذا الوارد هنا قوله تعالى: " ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شئ فى الأرض ولا فى السماء " وهذه الآية فى الذى تعطيه من إفهام القسم والاستغراق والابتداء بما هو عندنا أخفى كآية يونس من غير فرق وعلمه سبحانه بما خفى عندنا أو ظهر سواء تعالى ربنا عن شبه الخليقة.
فإن قيل فإن قوله سبحانه: "وما من غائبة فى السماء والأرض إلا فى كتاب مبين " قد اجتمع فيه زيادة من الاستغراقية بعد ما النافية المشيرة إلى معنى القسم كما فى الآيتين وقد تقدم فيه ذكر السماء بخلاف ما فى الآيتين؟ قلت لما تقدم هذا قوله تعالى: " وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون " وقد تقدم فى سبأ إحراز التسوية من غير فرق فقدم ذكر السماء وإنما كانت تكون كالآيتين لو لم يتقدمها ما ذكر وإذ قد نبين وجه تقديم الأرض فى آية يونس فنقول ان الآيتين من سورة سبأ لما لم يتقدم فيهما ما تقدم فى آية يونس مما يحرز تأكيد العموم والاستغراق ولم يكن فيهما داع من المعنى لتقديم الأرض على السماء ثم ان ورود السماوات بلفظ الجمع يحرز فى الآيتين من سورة سبأ معنى العموم والاستغراقى إذ هو مراد فى كل هذه الآيات الواردة فى هذا الغرض فأعطاه وأحرزه فى آية يونس وآية إبراهيم ما نجر فى هاتين الآيتين من محرز معنى القسم والاستغراق وأعطاه وأحرزه فى آيتى سبأ ما ورد فيهما من جمع السماوات وجاء كل على ما يجب ويناسب.
الآية التاسعة من سورة يونس قوله تعالى: " ولقد بوأنا بنى إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " وفى سورة الجاثية:: "ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم منالطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من
стр. 243
بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف الوارد فى هاتين السورتين وزيادة ما فى الوارد فى سورة الجاثية من الألفاظ مع اتحاد المعنى المفصود فى الموضعين من منحهم واختلافهم؟
والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية يونس تقدم قبلها دعاء موسى ﵇ على فرعون وملئه بقوله: "ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ... " الآية فأجاب سبحانه دعاء نبيه وطمس على أموال آل فرعون وملئه وأغرقه وآله ونجى بنى إسرائيل من الغرق وقطع دابر عدوهم وأورث بنى إسرائيل أرضهم وديارهم يتبوؤن منها حيث شاؤوا فقال سبحانه معرفا نبيه محمدا ﷺ : "ولقد بوأنا بنى إسرائيل مبوأ صدق " أى مكناهم ومهدنا لهم أمرهم بإهلاك عدوهم وبما أورثناهم بعد ضعفهم من مشارق الأرض ومغاربها فبعد تمكن أمرهم واستحكام حالهم واستقرار أمر دينهم بما شاهدوه من الآيات وعظيم البراهين المعقبة لمن شاهدها اليقين اختلفوا جريا على ما سبق لهم ولغيرهم ممن أشار إليه قوله تعالى فى أول هذه السورة: "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا " ويناسب هذا كله تناسبا لا توقف فى وضوحه ولم يتقدم فى السورة ما يستدعى من حالهم أكثر من هذا.
أما آية الجاثية فتقدم قبلها بسط الدلالة والبراهين من لدن قوله تعالى: " إن فى السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " إلى ما تبع هذا من التنبيه بخلقها وما بث سبحانه فيهما من أصناف المخلوقات واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها بما ينزل من الرزق اليها وتصريف الرياح ثم ذكر سبحانه أن هذه الآيات إنما يعتبر بها ويهتدى بأنوارها من منحه الله تعالى العقل وهذاه إلى الاعتبار فقال: "آيات لقوم يعقلون " ولم يرد ذكر هذه الجملة للاعتبار بها فى موضع من كتاب الله تعالى أوعب منها فى هذه السورة وفى سورة البقرة وهى هناك أوعب لذكر الفلك وجريها فى منافع العباد وتسخير السحاب بين السماء والأرض وذكر تصريف الرياح وقد أعقب ذكر هذه الآيات فى الموضعين بقوله فى سورة البقرة: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا " الآية إشارة إلى كفار العرب وسوء مرتكبهم وتعاميهم عن الاعتبار والاستدلال مع وضوح الأمر إذ لا يقبل العقل تكون هذه
стр. 244
المخلوقات العظام بأنفسها ولا أن بعضها أوجد بعضا لتساويها فيما قام من دلائل الحدوث فلابد من صانع مريد مختار قادر منزه عن شبه هذه الجملة والا لافتقر إلى موجد آخر وذلك يؤدى إلى التسلل وهو محال عقلا والإثنينية ممتنعة عقلا: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " فتعين توحيد الموجد الحق وانه ليس كمثله شئ ولما كان الاستدلال بهذه الجمل المفصلة أوضع شئ أتبعها سبحانه بقوله: "فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون " ولكونه أبسط ما ذكر به من خوطب بالقرآن ثم لم يجد ذلك فى حق من سبق له الشقاء منهم الا المنافرة والمخالفة أعقبت بذكر من ترادفت وتوالت عليه الآيات وكثرت فى حقه الشواهد ثم لم يعقبه ذلك الا الاختلاف والعدول عن سلوك المنهج الواضح وهم الممتحنون بالاختلاف من بنى إسرائيل فقال تعالى: "ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم
بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن برك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " فاقتضى ذلك ما قدم من بسط الآيات وواضح ما خصه تعالى من واضح الدلالات فى صدر هذه السورة بسط ما منحه بنو إسرائيل وما بين لهم مما أشار إليه قوله تعالى: " وآتيناهم بينات من الأمر " بعد ما ذكر ما أوتوه من الكاب والحكم وتوالى النبوة فيهم وكثرة الرسل منهم وما بسط لهم من الرزق وإدرار النعم فعتوا واعتدوا وقتلوا الأنبياء بغير حق لينفذ فيهم ما قدر على فاعلى ذلك منهم من ضرب الذلة والمسكنة ومسخهم قردة وخنازير ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم فلا يأتلف شملهم ولا تجتمع جماعاتهم إلى يوم القيامة ليعلم المعتبرون بالآيات أنه لا يجرى على أحد الا سابق سعادة ان قدرت له الا ان الانقياد للاعتبار والاذعان لموجب الدلالات عنوان رجاء والمنافرة لذلك عنوان مشقة وهما شاهدا حال والشأن كله فى الخواتم والكتاب والسنة موضحان لهذا الإجمال.
ولما لم يكن تقدم آية سورة يونس من الدلالات مثل ما بسط فى سورة الجاثية من الاعتبار لما يناسبه الواقع فى الجاثية من الاطناب فنوسب الإيجاز بالايحاز والاطناب بالاطناب وجاء كل على ما يجب ويناسب مع اتحاد الممقصود فى السورتين.
الآية العاشرة من سورة يونس قوله تعالى: " وأمرت أن أكون من المؤمنين " وفى سورة النمل: "وأمرت أن أكون من المسلمين " للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لافتراق الوصفين فى الآيتين.
стр. 245
والجواب أن الآية الأولى قد ورد قبلها قوله تعالى: " ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " وبعد هذا: "وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " وبعد هذا كذلك: "حقا علينا ننجلا المؤمنين " وبعد هذا الآية المذكورة من قوله: "وأمرت أن أكون من المؤمنين " وتناسب هذا كله بين.
ثم من المعلوم ان اسم الإيمان إنما يقع لغة على التصديق وعلى هذا يطلقه الأشعرية ومنه: "وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " ثم قد يتسع فى إطلاقه فيوقع على التصديق والاستسلام ومنه: "وأمرت أن أكون من المؤمنين " والأصل فى اسم الإسلام وقوعه على الاستسلام والتزلم الأعمال الظاهرة ثم يتسع فيه فيطلق على مجموع التصديق والاعتقاد والاستسلام ومنه: "وأمرت أن أكون من المسلمين " وقد يختص كل من الاسمين بمسماه من غير اتساع ومنه قوله تعالى: " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وفى حديث سؤال جبريل ﵇: "ما الاسلام؟ قال ان تشهد ان لا اله الا الله وأنى رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا قال صدقت فما الايمان؟ قال: أن تؤمن بالله ...
"الحديث فوقع فيه التفصيل إجراء على أصل التسمية فإذا تقرر هذا فاعلم ان ما تقدم قبل آية يونس من تكرار اسم الإيمان لم يكن ليلائمه إطلاق اسم الإسلام لأن رتبة الإيمان فوق رتبة الإسلام ومقامه أعلى وهذا على إطلاق كل واحد من الاسمين على مسماه لغة وعلى رعى التفصيل فكأن يكون عكس الترقى إلى الأعلى أبدا فلا يمكن فى آية يونس الا ما وردت عليه.
أما آية النمل فإن قبلها قوله: "إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها الله وله كل شئ " وقوله: "وله كل شئ " يقتضى تسليم كل شئ له والتبرى من توهم شريك أو نظير فناسب هذا قوله: "وأمرت أن أكون من المسلمين " وجاء كل على ما يجب.
الآية الحادية عشرة
قوله تعالى: " فمن اهتدى قإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل " وفى سورة النمل: "فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنرين " فورد فى الأولى عقب قوله
стр. 246
"ومن ضل " قوله "فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل " وفى الثانية عقب قوله "ومن ضل " قوله "فقل إنما أنا من المنذرين " فللسائل أن يسأل عن الفرق؟
والجواب أن آية يونس مرتبطة بقوله تعالى فيما قبلها: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " فلما تقدمها هذا ومعناه هو المعنى المراد فى قوله تعالى فى سورة الزمر: "وما أنت عليهم بوكيل " فقيل هنا على لسانه ﷺ : "وما انا عليكم بوكيل " وتناسب ذلك وارتبط ارتباطا لا يلائم الموضع خلافه والله أعلم.
وأما آية النمل فإنها راجعة إلى قوله تعالى فيما تقدمها: "فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " فناسب هذا أتم مناسبة قوله تعالى: " ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين " ولم يكن قوله: "فقل إنما أنا من المنذرين " ليناسب المتقدم فى سورة يونس ولا قوله: "وما أنا عليكم بوكيل " ليلائم ما تقدم هنا والله أعلم.
стр. 247
ملاك التأويل (الجزء الثانى)
سورة هود
الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (هود: ١٠)، وفي سورة حم السجدة: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) (فصلت: ٥٠)، للسائل أن يسأل عن زيادة (منا) وزيادة (من) في سورة السجدة وسقوطهما معا في سورة هود؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه لم يرد في هود ما يستدعي تلك الزيادة، وأما سورة السجدة فتدم فيها قوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي) (فصلت: ٤٧) قطعا بهم وتنبيهاً على سوء مرتكبيهم، وقد عاينوا الحق، وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل من شركاء الله سبحانه، وظنوا أي أيقنوا وعلموا أنه لا محيص لهم ولا مفر، فلما تقدم ذكر الشركاء قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا)، فنبه تعالى بقوله (منا) على أن لا شريك له، ولا معطي غيره، وأنه لا يأتي العبد شيء من سواه سبحانه. ولما لم يتقدم في سورة هود ذكر لذلك لم يرد فيها التنبيه بقوله: (منا) وأما زيادة: (من) في قوله: (مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) فمناسب لإطناب هذا الغرض في هذه السورة، فناسب ذلك الزيادة. ولإيجاز هذا القصد في سورة هود ناسبه سقوط (من)، فجاء كل على ما يناسب ويجب، ولم يكن ليلائم كلا من الموضوعين إلا ما ورد فيه، والله أعلم.
الآية الثانية منها: (بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود: ١٧)، وفي آخر السورة إثر قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: ١٠٨)، (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) (هود: ١٠٩)، وفي سورة السجدة: () وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) (السجدة: ٢٣) بثبات نون تكن، وحذفها في آيتي سورة هود فللسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب عنه، والله أعلم: أن العرب تصرفت في يكون عند دخول الجازم تصرفاً لم تفعله في نظائرها وما يشبهها، وبسط هذا في مظانه، فيكون الوجه في يكون عند دخول الجازم تسكين النون، فتحذف الواو عند التقاء الساكنين كما ورد في سورة
стр. 248
السجدة، إلا أن حذف النون في يكون من فصيح كلامهم ما لم تكن متحركة، فإن كانت متححركة لم تحذف لقوتها بالحركة وإن كانت عارضة كقوله تعالى: (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) (البينة: ١)، ولا تحذف هذه إلا في الشعر نحو قوله:
لم يك الحق سوى أن هاجه رسم دار قد تعفَّى بالسررْ
فورد في سورة هود على ما اعتمدوه من تخفيف هذا اللفظ ليناسب بذلك إيجاز الكلام المتعلق بقوله: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) (هود: ١٧)، والمتصل به تمامه تمام معنى المقصود وذلك قوله: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود: ١٧)، وكذلك قوله في آخر السورة: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) (هود: ١٠٩) إلى قوله: (غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود: ١٠٩).
وورد في سورة السجدة على أصل الكلمة قبل حذفها فقيل: (فَلا تَكُنْ)، ليجريذلك مع ما ورد في هذه السورة من طول الكلام المتعلق بقوله (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) (السجدة: ٢٣)، ألا ترى أن الكلام واحد إلى قوله: (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (السجدة: ٢٥)، فنوسب الإيجاز بالإيجاز والطول بالطول والله أعلم.
الآية الثالثة منها قوله تعالى: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، وفي سورة النحل: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) (النحل: ١٠٩)، للسائل أن يسأل عن وجه تخصيص آية هود بقوله: (الأَخْسَرُونَ) وآية النحل (بقوله) (الْخَاسِرُونَ)؟ (وهل كان يمكن العكس)؟
والجواب: أن آية هود تقدمها (ما يفهم) المفاضلة، ألا ترى أن قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ) (هود: ١٧)، الآية يفهم من سياقها أن المراد: أفمن كان على بينة من ربه كمن كفر وجحد (وكذب) الرسل؟ ثم أتبع هذا بقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) (هود: ١٨)، فهذا صريح مفاضلة، ثم أستمرت الآي في وصف من ذكر وعرضهم على ربهم وقول الأشهاد: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (هود: ١٩، ١٨) إلى ذكر مضاعفة العذاب لهم، وأستمر ذكرهم إلى قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، فناسب لفظ الأخسرين بصيغة التفاضل، ومقصود التفاوت ما تقدم مما يفهم ذلك
стр. 249
من قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) (هود: ١٧)، وأفعل من كذا في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى) (هود: ١٨)، فالأيات من لدن قوله (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) إلى قوله: (هُمْ الأَخْسَرُونَ) (مبنيات على ما ذكرناه غير خارجة عن هذا المقصود، ولو ورد هنا ((الخاسرون)) مكان ((الأخسرين)) لتنافى النظم وتباين السياق ولم يتناسب.
وأما آية (النحل) فلم يقع قبلها أفعل التي للمفاضلة والتفاوت ولا ما يفهمهما، وإنما قبلها: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ) (النحل: ١٠٥، ١٠٤)، وبعد هذا (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (النحل: ١٠٧)، وبعد هذا (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)، فتأمل هذذه الفواصل واتفاقها في اسم الفاعل المجموع جمع السلامة في قوم متفقي الأحوال في كفرهم إلى أن ختم وصفهم وما قصد من ذكرهم بقوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، فتناسبت الآي في السياق والفواصل، وختمت بمصل ما به بدأت، ولم يكن ليناسب ما ورد هنا لفظ المفاضلة، إذ ليس في الكلام ما يستدعي ذلك لا من لفظه ولا معناه، ووضح إختصاص كل من العبارتين بمكانة، وإن العكس لا يلائم، والله أعلم.
الآية الرابعة من سورة هود قوله تعالى في قصة نوح ﵇: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) (هود: ٢٨)، في قصة صالح بعد: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) (هود: ٦٣)، للسائل أن يسأل عن مجاوبة كل واحد من هذين النبيين الكريمين لقومه، لم تقدم المجرور في قول صالح ﵇ (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) على المفعول الثاني من مفعولي أتى التي هو رحمة والوجه تأخيره لأنه فضله كما تقدم متأخرا في قول نوح ﵇ (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)؟
والجواب على ذلك: أن قوم صالح، ﵇، بالغوا في أساءت الجواب حين قالوا: (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا) (هود: ٦٢)، أي قد كنت مرجواً أن تسود فينا حتى نقطع عن رأيك ونرجع إليك من أمورنا، فرموا مقامه النبوي بحط مرتبته عنهم، فلما بالغوا في إساءة الجواب جاوبهم، ﵇، ردا لمقالهم الشنيع بقوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) (هود: ٦٣)، ولا شك أن ﵇ كذلك، وأنه على بصيرة من أمره، ولكنه خاطبهم على ما يجري في مناظرة من فرض ما لا يعتقده المناظر على حسب نطقه، ولكنه يستنزل بذلك مناظرة ليقيم الحجة عليه، فيقول هب كذا على ما
стр. 250
تقوله، فعلى هذا جرى قول النبي الكريم (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)، أي كيف ترون إن كنت على واضحه وعلى يقين من ربي وآتاني منه رحمة فعصيته بموافقتكم، فإن فعلت ذلك فمن ينصرني ويمنعني من عذابه، فخاطبهم ﵇ بطريقة فرض هذا: إن كان كذا، وهو ﵇ العليم بحاله الجليل، وعلى بينة من ربي، وأكد بتقدم المجرور في قوله (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً)، لما يحرز تقديمه من التأكد ويعيه مفهومه من أن الرحمة منه سبحانه لا يشرك فيها غيره، فهو مخصوص لا يحصل مع تأخيره. فتقديم هذا الضمير المجرور كتقديمه في قوله سبحانه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الأخلاص: ٤)، وقد تقدم مثله في إنشاد سيبويه (رحمة الله عليه):
لتقربن قرباً لجذيا ما دام فيهن فصيل حيا
فلما بالغوا في قبح الجواب بالغ، ﵇ في رد مقالهم، فقدم المجرور لتأكيد أن الرحمة من عند الله تعالى: (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً).
ولما لم يكن في مراجعة قوم نوح مثل هذا في شناعة الجواب، لأن أقصى المفهوم من قولهم: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا)، إلحاقه بهم ومماثلته إياهم، وكلهم يقولون لو كنت رسول لكنت من الملائكة ولم تكن لتماثلنا. فلم يكن في قول هؤلاء ما في قول قوم صالح، فجرى جوابه، ﵇، على نسبة ذلك فقال: (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)، فأتى بالمجرور مأخراً في محله على ما يجب، حيث لا يقصد في إحراز المفهوم ما قصد في الآية الأخرى، فورد كل على ما يلائم، والله أعلم.
الآية الخامسة من سورة هود قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) (هود: ٤٠)، وفي سورة: ((قد أفلح المؤمنون)) (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... ) (المنؤمنون: ٢٧). للسائل أن يسأل عن وقله في سورة هود (قُلْنَا احْمِلْ) وفي السورة الثانية (فَاسْلُكْ) والقصة واحدة فهل ذلك بمقتض لكل واحد من الموضوعين بما وقع فيه؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن لفظ احملأوسع مواقع في اللغة وأكثر تصرفاً في الكلام تقول: حملت الشيء إلى فلان، وحملته على كاهلي، وحملت العلم عن فلان، وحمل فلان الأمانة، وحمله الغضب على كذا، وحمِل الفارس على صاحبه، وحملت المرأة والشجر، ولا تقول في شيء من هذا سلك إلا أن يكون المحصور فيه حسبما
следующие страницы →