← Тафсир

Тафсир · id 1419

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل

ابن الزبير الغرناطي

Полный текст (513 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

"ومن ضل " قوله "فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل " وفى الثانية عقب قوله "ومن ضل " قوله "فقل إنما أنا من المنذرين " فللسائل أن يسأل عن الفرق؟ والجواب أن آية يونس مرتبطة بقوله تعالى فيما قبلها: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " فلما تقدمها هذا ومعناه هو المعنى المراد فى قوله تعالى فى سورة الزمر: "وما أنت عليهم بوكيل " فقيل هنا على لسانه ﷺ : "وما انا عليكم بوكيل " وتناسب ذلك وارتبط ارتباطا لا يلائم الموضع خلافه والله أعلم. وأما آية النمل فإنها راجعة إلى قوله تعالى فيما تقدمها: "فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " فناسب هذا أتم مناسبة قوله تعالى: " ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين " ولم يكن قوله: "فقل إنما أنا من المنذرين " ليناسب المتقدم فى سورة يونس ولا قوله: "وما أنا عليكم بوكيل " ليلائم ما تقدم هنا والله أعلم.

стр. 247

ملاك التأويل (الجزء الثانى) سورة هود الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (هود: ١٠)، وفي سورة حم السجدة: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) (فصلت: ٥٠)، للسائل أن يسأل عن زيادة (منا) وزيادة (من) في سورة السجدة وسقوطهما معا في سورة هود؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه لم يرد في هود ما يستدعي تلك الزيادة، وأما سورة السجدة فتدم فيها قوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي) (فصلت: ٤٧) قطعا بهم وتنبيهاً على سوء مرتكبيهم، وقد عاينوا الحق، وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل من شركاء الله سبحانه، وظنوا أي أيقنوا وعلموا أنه لا محيص لهم ولا مفر، فلما تقدم ذكر الشركاء قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا)، فنبه تعالى بقوله (منا) على أن لا شريك له، ولا معطي غيره، وأنه لا يأتي العبد شيء من سواه سبحانه. ولما لم يتقدم في سورة هود ذكر لذلك لم يرد فيها التنبيه بقوله: (منا) وأما زيادة: (من) في قوله: (مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) فمناسب لإطناب هذا الغرض في هذه السورة، فناسب ذلك الزيادة. ولإيجاز هذا القصد في سورة هود ناسبه سقوط (من)، فجاء كل على ما يناسب ويجب، ولم يكن ليلائم كلا من الموضوعين إلا ما ورد فيه، والله أعلم. الآية الثانية منها: (بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود: ١٧)، وفي آخر السورة إثر قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: ١٠٨)، (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) (هود: ١٠٩)، وفي سورة السجدة: () وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) (السجدة: ٢٣) بثبات نون تكن، وحذفها في آيتي سورة هود فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن العرب تصرفت في يكون عند دخول الجازم تصرفاً لم تفعله في نظائرها وما يشبهها، وبسط هذا في مظانه، فيكون الوجه في يكون عند دخول الجازم تسكين النون، فتحذف الواو عند التقاء الساكنين كما ورد في سورة

стр. 248

السجدة، إلا أن حذف النون في يكون من فصيح كلامهم ما لم تكن متحركة، فإن كانت متححركة لم تحذف لقوتها بالحركة وإن كانت عارضة كقوله تعالى: (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) (البينة: ١)، ولا تحذف هذه إلا في الشعر نحو قوله: لم يك الحق سوى أن هاجه رسم دار قد تعفَّى بالسررْ فورد في سورة هود على ما اعتمدوه من تخفيف هذا اللفظ ليناسب بذلك إيجاز الكلام المتعلق بقوله: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) (هود: ١٧)، والمتصل به تمامه تمام معنى المقصود وذلك قوله: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود: ١٧)، وكذلك قوله في آخر السورة: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) (هود: ١٠٩) إلى قوله: (غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود: ١٠٩). وورد في سورة السجدة على أصل الكلمة قبل حذفها فقيل: (فَلا تَكُنْ)، ليجريذلك مع ما ورد في هذه السورة من طول الكلام المتعلق بقوله (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) (السجدة: ٢٣)، ألا ترى أن الكلام واحد إلى قوله: (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (السجدة: ٢٥)، فنوسب الإيجاز بالإيجاز والطول بالطول والله أعلم. الآية الثالثة منها قوله تعالى: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، وفي سورة النحل: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) (النحل: ١٠٩)، للسائل أن يسأل عن وجه تخصيص آية هود بقوله: (الأَخْسَرُونَ) وآية النحل (بقوله) (الْخَاسِرُونَ)؟ (وهل كان يمكن العكس)؟ والجواب: أن آية هود تقدمها (ما يفهم) المفاضلة، ألا ترى أن قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ) (هود: ١٧)، الآية يفهم من سياقها أن المراد: أفمن كان على بينة من ربه كمن كفر وجحد (وكذب) الرسل؟ ثم أتبع هذا بقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) (هود: ١٨)، فهذا صريح مفاضلة، ثم أستمرت الآي في وصف من ذكر وعرضهم على ربهم وقول الأشهاد: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (هود: ١٩، ١٨) إلى ذكر مضاعفة العذاب لهم، وأستمر ذكرهم إلى قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، فناسب لفظ الأخسرين بصيغة التفاضل، ومقصود التفاوت ما تقدم مما يفهم ذلك

стр. 249

من قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) (هود: ١٧)، وأفعل من كذا في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى) (هود: ١٨)، فالأيات من لدن قوله (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) إلى قوله: (هُمْ الأَخْسَرُونَ) (مبنيات على ما ذكرناه غير خارجة عن هذا المقصود، ولو ورد هنا ((الخاسرون)) مكان ((الأخسرين)) لتنافى النظم وتباين السياق ولم يتناسب. وأما آية (النحل) فلم يقع قبلها أفعل التي للمفاضلة والتفاوت ولا ما يفهمهما، وإنما قبلها: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ) (النحل: ١٠٥، ١٠٤)، وبعد هذا (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (النحل: ١٠٧)، وبعد هذا (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)، فتأمل هذذه الفواصل واتفاقها في اسم الفاعل المجموع جمع السلامة في قوم متفقي الأحوال في كفرهم إلى أن ختم وصفهم وما قصد من ذكرهم بقوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، فتناسبت الآي في السياق والفواصل، وختمت بمصل ما به بدأت، ولم يكن ليناسب ما ورد هنا لفظ المفاضلة، إذ ليس في الكلام ما يستدعي ذلك لا من لفظه ولا معناه، ووضح إختصاص كل من العبارتين بمكانة، وإن العكس لا يلائم، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة هود قوله تعالى في قصة نوح ﵇: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) (هود: ٢٨)، في قصة صالح بعد: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) (هود: ٦٣)، للسائل أن يسأل عن مجاوبة كل واحد من هذين النبيين الكريمين لقومه، لم تقدم المجرور في قول صالح ﵇ (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) على المفعول الثاني من مفعولي أتى التي هو رحمة والوجه تأخيره لأنه فضله كما تقدم متأخرا في قول نوح ﵇ (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)؟ والجواب على ذلك: أن قوم صالح، ﵇، بالغوا في أساءت الجواب حين قالوا: (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا) (هود: ٦٢)، أي قد كنت مرجواً أن تسود فينا حتى نقطع عن رأيك ونرجع إليك من أمورنا، فرموا مقامه النبوي بحط مرتبته عنهم، فلما بالغوا في إساءة الجواب جاوبهم، ﵇، ردا لمقالهم الشنيع بقوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) (هود: ٦٣)، ولا شك أن ﵇ كذلك، وأنه على بصيرة من أمره، ولكنه خاطبهم على ما يجري في مناظرة من فرض ما لا يعتقده المناظر على حسب نطقه، ولكنه يستنزل بذلك مناظرة ليقيم الحجة عليه، فيقول هب كذا على ما

стр. 250

تقوله، فعلى هذا جرى قول النبي الكريم (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)، أي كيف ترون إن كنت على واضحه وعلى يقين من ربي وآتاني منه رحمة فعصيته بموافقتكم، فإن فعلت ذلك فمن ينصرني ويمنعني من عذابه، فخاطبهم ﵇ بطريقة فرض هذا: إن كان كذا، وهو ﵇ العليم بحاله الجليل، وعلى بينة من ربي، وأكد بتقدم المجرور في قوله (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً)، لما يحرز تقديمه من التأكد ويعيه مفهومه من أن الرحمة منه سبحانه لا يشرك فيها غيره، فهو مخصوص لا يحصل مع تأخيره. فتقديم هذا الضمير المجرور كتقديمه في قوله سبحانه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الأخلاص: ٤)، وقد تقدم مثله في إنشاد سيبويه (رحمة الله عليه): لتقربن قرباً لجذيا ما دام فيهن فصيل حيا فلما بالغوا في قبح الجواب بالغ، ﵇ في رد مقالهم، فقدم المجرور لتأكيد أن الرحمة من عند الله تعالى: (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً). ولما لم يكن في مراجعة قوم نوح مثل هذا في شناعة الجواب، لأن أقصى المفهوم من قولهم: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا)، إلحاقه بهم ومماثلته إياهم، وكلهم يقولون لو كنت رسول لكنت من الملائكة ولم تكن لتماثلنا. فلم يكن في قول هؤلاء ما في قول قوم صالح، فجرى جوابه، ﵇، على نسبة ذلك فقال: (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)، فأتى بالمجرور مأخراً في محله على ما يجب، حيث لا يقصد في إحراز المفهوم ما قصد في الآية الأخرى، فورد كل على ما يلائم، والله أعلم. الآية الخامسة من سورة هود قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) (هود: ٤٠)، وفي سورة: ((قد أفلح المؤمنون)) (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... ) (المنؤمنون: ٢٧). للسائل أن يسأل عن وقله في سورة هود (قُلْنَا احْمِلْ) وفي السورة الثانية (فَاسْلُكْ) والقصة واحدة فهل ذلك بمقتض لكل واحد من الموضوعين بما وقع فيه؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن لفظ احملأوسع مواقع في اللغة وأكثر تصرفاً في الكلام تقول: حملت الشيء إلى فلان، وحملته على كاهلي، وحملت العلم عن فلان، وحمل فلان الأمانة، وحمله الغضب على كذا، وحمِل الفارس على صاحبه، وحملت المرأة والشجر، ولا تقول في شيء من هذا سلك إلا أن يكون المحصور فيه حسبما

стр. 251

تعاقب سلك وحمل إن لم يعرض في المعنى ما يمنع. وأما سلك فإن العرب تقول: سلكت الشيء في الشيء وأسلكته أي أدخلته قال الله تعالى: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) (القصص: ٣٢)، أي أدخلها، وقال تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (المدثر: ٤٢) أي ما أدخلكم، وقال تعالى: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً) (الجن: ١٧) أي ندخله فيه، وكل ما يخرج سلك عن هذا المعنى من الدخول حقيقة ومجازاً، ففيها من حيث معنها الخصوص، وأما حمل ففيها اتساع لا يكون في سلك. فوجه ورودها في سورة هود مناسبتها من حيث المعنى من حيث ما اقترن بها من لفظ: ((قلنا))، فطال الكلام لفظا مع ما أشرنا إليه من سعة المحامل، وإن لم يرد جميعها هنا، لكن ناسب مجموع هذه العبارة ما ورد في سورة هود من إستيفاء قصة نوح، ﵇، وطول الكلام بذلك. وأما آية المؤمنون ففي قصة نوح فيها إيجاز وإجمال، إلا ترى أنها في كلمها وعدد حروفها - أعني آية هود - على الضعف أو أطول مما في سورة المؤمنون، فلذلك ورد في سورة المؤمنون لفظ ((أسلك)) لإيجازه من حيث معناه وعروه عن (إقتران) لفظ ((قلنا)) أو غيره مما يحرز الطول، بخلاف ما في سورة هود. ومما يعضد هذا المقصود ويشهد له قوله تعالى في سورة هود: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا) (هود: ٤٠)، وفي سورة المؤمنون: (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا) (المؤمنون: ٢٧). فتأمل تنظير ((حتى)) وهي على أربعة أحرف بفاء التعقيب في سورة المؤمنون في قوله: ((فإذا))، وإنما الفاء على حرف واحد، فنوسب بالفاء موضعها المبنى على الإيجاز، وبحتى موضعها المبني على الاستيفاء والطول، فقد وضح ورود كل من ما في السروتين على ما يجب ويناسب، والله سبحانه أعلم بما أرد. الآية السادسة من سورة هود: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) (هود: ٥٨)، وقال في قصة شعيب ﵇: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) (هود: ٩٤)، فعطفت لما على ما قبلها بواو النسق في هذين الموضوعين وخالفت قصة صالح وقصة لوط، ﵉، في الحرف المعطوف به هذه الجملة المصدرة بحرف الوجوب فقيل في قصة صالح ﵇: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) (هود: ٦٦)، وفي قصة لوط ﵇: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) (هود: ٨٢)، بعطف لما على ما قبلها من هتين الآيتين بفاء التعقيب، فللسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آيتي هود وشعيب بالواو وآيتي صالح ولوط، ﵉، (فاء التعقيب؟ وهل ذلك بواجب؟).

стр. 252

والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آيتي صالح وهود ورد فيهما ما يقتضي معناه أن يربط بالفاء المقتضية التعقيب، أما قصة صالح منهما فتقدمها قوله تعالى: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) (هود: ٦٥)، فكأن قد قيل: فلما انقضت، فالموضوع للفاء لمقصود التعقيب. ومثل هذا من غير فرق قوله تعالى في قصة لوط ﵇: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) (هود: ٨١)، ولا شك أن المعنى يستدعي تقدير فلما أصبح تحقيقا لصدق الوعيد، وإعقاباً لا يتحصل بغير الفاء، فهذا يوجب خصوص الفاء بهذين الموضعين. وأما قصة هود ﵇، فلم يرد فيها ما يستدعي تعقيباً، بل قبلها ما يقتضي أن ينسق ما بعده عليه بواو العطف، وذلك قوله تعالى مخبراً عن قوم هود: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) (هود: ٥٧)، ثم قال: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) (هود: ٥٨)، فعطف هذه الجمل بعضها على بعض بما يعطي ذلك، ويناسب العطف بالواو، وعلى هذا وردت آية شعيب ﵇، فورد قبلها: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) (هود: ٩٣) ثم بعد ذلك: (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) (هود: ٩٣)، وليس هذا ما يقتضي تعقيباًَ بل بابه حمل الآي بعضها على بعض بحرف التشريك، فجاء كل على ما يناسب، والله أعلم بما أراد. الآية السابعة قوله تعالى في قصة هود: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) (هود: ٦٠)، وفي قصة موسى بعد من هذه السورة: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً) (هود: ٩٩) فجمع في قصة هود بين اسم الإشارة ولفظ الدنيا الجاري عليه وصفا، وأكتفي في قصة موسي باسم الإشارة دون التابع، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ وهل كان يجوز عكس الوارد؟ والجواب عن ذلك: أن الوارد عليه كلا من الآيتين لا يحسن خلافه ولا يناسب، وذلك لوجهين: أحدهما أن قصة هود، ﵇، في هذه السورة أكثر استيفاء من قصة موسي ﵇، بكثير فناسب الطول الطول والإيجاز الإيجاز، ولا يليق العكس. والوجه الثاني أن قوله تعالى في قصة هود: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) (هود: ٦٠)، وارد على الأصل من الجمع بين التابع نعتاً أو عطف بيان وبين متبوعه، وجاء في قصة موسى ﵇: ((وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً) على حذف الوصف للإكتفاء باسم الإشارة، وكل فصيح، فجيء بما هو في الأصل أولاً، ثم جيء ثانياً بما هو ثان عنه على ما ينبغي، ولا يحسن العكس لأن ذلك شبه التفسير وبابه أن يتقدم، فما يحذف يكون لما تقدم من ما يدل عليه ويحذف لما سيأتي بعد إلا في قليل نحو قوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض، والرأي مختلف، وهذا الوجه كاف. والوجه الأول أنسب لراعي النظم، والله أعلم.

стр. 253

الآية الثامنة من سورة هودقوله تعالى: في قصة صالح: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍقَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (هود: ٦٢)، وقال في سورة إبراهيم ﵇: (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (إبراهيم: ٩)، للسائل أن يسأل عن ثبات النونين وهما للمضاعفة الداخلة للتأكيد ونون الضمير في ((إننا)) في سورة هود (وسقوط إحدى النونين في سورة إبراهيم من ((إِنّا))؟ وعن إفراد النون في سورة هود: (في)) (تَدْعُونَا) والحاق نون ثانية في (تَدْعُونَنَا) من سورة إبراهيم؟ والجواب عن ذلك: أن ((إننا)) الواردة في سورة هود المضموم فيها إلى أن المشددة الناصبة للإسم والرافعة للخبر نون الضمير المنصوب وارده على ما يجب وعلى الأصل في إتصال الضمير المنصوب، ثم يجوز حذف إحدى المضاعفين تخفيفاً فنقول: (إنا) فنكتفي بالضمير عن النون المحذوفة، وذلك من فصيح كلامهم، والأصل الأول، وإذا تقرب هذا فاعلم أن الضمير المتصل بالفعل في (تدعونا) في سورة هود ضمير مفرد مستتر وهو ضمير صالح، ﵇، ورفع هذا الفعل بالضمة المقدرة في الواو من (تدعونا) ضمير قوم صالح. ولا نون هنا غير هذه، وأما قوله في سورة إبراهيم ﵇: (مِمَّا تَدْعُونَنَا) فالواو ضمير الرسل المقول لهم: (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ)، ورفع هذا الفعل بالنون الأولى والنون الثانية ضمير المدعوّين، فلابد هنا من النونين في (تدعوننا)، فلما لزمت النونان هنا جيء معهما بإن المحذوفة النون لتقارب اللفظ أعني قرب إن من تدعوننا، فكان في مظنة الإستثقال فحسن الحذف حيث يجوز فقيل: (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (إبراهيم: ٩)، ولما لم يكن في (تدعونا) في سورة هود إلا نون واحدة وهي نون الضمير لم يستثقل، فجيء بإننا على الأصل فجاء كل على ما يجب، والله أعلم بما أراد. الآية التاسعة من سورة هود، ﵇، قوله تعالى في قصة صالح: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (هود: ٦٧)، وقال في هذه السورة في قصة شعيب ﵇: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (هود: ٩٤)، يسأل عن سقوط علامة التأنيث من الفعل في قوله: (وَأَخَذَ) في قصة صالح وثبوتها فيه في قصصة شعيب مع التساوي في الفاعل وهي الصيحة والتساوي في الفصل الواقع بين الفعل وفاعله الرافع له؟ والجواب عن ذلك: أن التأنيث على ضربين حقيقي وغير حقيقي، فالحقيقي لا

стр. 254

تحذف تاء التأنيث من فعله غالباً إلا أن يقع فصل نحو قام اليوم هند، وكلما كثر الفصل حسن الحذف، ومن كلامهم حضر القاضي اليوم امرأة، والإثبات مع الحقيقي أولى ما لم يكن جمعاً. وأما التانيث غير الحقيقي فالحذف فيه مع الفصل حسن، قال تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى) (البقرة: ٢٧٥)، وهو كثير، فإن كثر الفصل ازداد حسناً، (ومنه) (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)، فالحذف والإثبات هنا جائزان والحذف أحسن، فجاء الفعل في الآية الأولى على الأولى، ثم ورد في قصة شعيب وهي الثانية بإثبات علامة التأنيث على الوجه الثاني، جمعاً بين الوجهين إذ الآيتان في سورة واحدة وتقدمها الأولى على ما ينبغي، والله أعلم. وهذا ما لم يكن الفاعل ضمير مؤنث فله أحكام تخصه. الآية العاشرة (من سورة هود ﵇ قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) (هود: ٦٨) وقرئ ثمود في الموضوعين بالوجهين من الصرف وعدمه إلا أن أكثر القراء على الصرف في الأول ومنعه في الثاني، فيترتب على قراءة الأكثرين سؤال وهو لم صرف في الأول في قراءة غير حفص وحمزة ومنع الثاني الصرف في قراءة الجماعة غير الكسائي؟ ووجه ذلك، والله أعلم: التفات شيء في خفاء يراعي مثله وذلك أن الاسم النكرة إذا تكرر وأريد بالثاني الأول ولم يرد غيره لزمت الألف واللام التي للعهد فصار معرفة تقول: رأيت رجلاً فضربت الرجل تريد المذكور ولا تعيده نكرة بوجهه، ولك أن تأتي به مضمراً فتقول رأيت رجلاً فضربته فإذا تكلمت (بهذا) في المعرفة فالأكثر أن تأتي به مضمراً أو موصوفاً كقولك المذكور أو ما لا يخرج عن الأول حتى لا يظن أنك تريد سواه فتقول: رأيت زيداً فكلمته ولقيت عمراً فضربت المذكور أو ضربت عمراً المذكور، والثاني المكرر أبداً إن كان الأول نكرة كان هو معرفة بأداة العهد، وإن كان الأول معرفة كان الثاني أمكن في التعريف إذ قد يدخل الأول اشتراك لوجود أمثله ممن سمّي باسمه، أما الثاني فلا يدخله اشتراك من حيث هو إلا أن يسري له الاشتراك من الأول، (فقد) ثبت على كل حال أنه أبعد من الاشتراك والالتباس من الأول وذلك شفوف له عليه، فكأنه أعرف منه فإذا تكرر غيرر مضمر ولا منعوت وكان علماً مما يجوز في مثله الوجهان من الصرف وعدمه وذلك الثلاثي الساكن الوسط، والعرب قد تصرفه لخفته ومنهم من يمنعه الصرف لوجود علتين ولا يراعى خفته، وقد أنشدوا عليه: لم تتلفع بفضل مئزرها دعدّ ولم تستق دعدُ في العلبِ فصرف أولاً ولم يصرف آخر، فإذا كان أكد تعريفاً كان الوجه منع صرفه إشعاراً

стр. 255

لتمكن تعريفه، إذ هذا الضرب من التعريف من موانع الصرف ولا اعتبار بما دونه من المعارف في منع الصرف إلا لموانع أخر، فلهذا كان الثاني في قوله: (ألا بعداً لثمود) أولى بمنع الصرف، والله أعلم، وعلى هذا ورد ما أنشدوه (من قوله): لم تتلفع بفضل مئزرها دعدٌ ولم تسق دعدٌ في العلبِ فالمؤنث الثلاثي الساكن الوسط إذا لم يكن منقولاً عن مذكر فيه الوجهان الصرف وعدمه، إلا أن في اختصاص مكرره بالمنع تأنيس لما ذكرناه وإن لم ترد به الشواهد إذ باب هذا معروف ومفهوم لا توقف فيه. الآية الحادية عشر: غ - قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (هود: ٧٧)، وفي سورة العنكبوت: (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ) (العنكبوت: ٣٣) فوردت آية العنكبوت بزيادة (أن) بعد (لما) بخلاف آية هود، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ الجواب عنه، والله أعلم: أن (أن) هذه الخفيفة كثيراً ما تزاد، وزيادتها على ضربين بقياس وغير قياس، فالذي بغير قياس نحو قوله: كأن الظبية تعطو إلى وارث السلم فزيدت بعد كاف التشبيه بينها وبين مجهورها، وأما التي تزاد بقياس فبعد لما، ولما ورد في آية هود قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) ثم ورد هذا اللفظ بجملته في سورة العنكبوت متكرراً بعينه ورد أولا بغير ((أن)) على الأصل، وورد ثانيا بزيادة أن على الثاني ليحصل (بين) التواردين ما يرفع تقصاقل اللفظ المذكور. فإن قلت: فإنه قد تباعد ما بين الآيتين ومثل هذا ما يحصل فيه ما ذكرت، فإقول: لما كان اللفظ اللفظ وكان زيادة (أن) وعدم زيادتها هنا هيناً فصيحاً جيء بالجائزين معاً وتأخرت الزيادة إذ هي غير الأصل إلى المتأخر من الآيتين. فإن قلت: إن قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ) (يوسف: ٩٦) لم يقع فيه تكرر فلم زيد فيه أن ولم يأت على الأصل؟ قلت: لما كان مجيء البشير إلى يعقوب، ﵇، بعد طول الحزن وتباعد المدة ناسب ذلك زيادة أن لما في مقتدى وصفها من التراخي، فورد كل من هذا على ما يجب، والله أعلم.

стр. 256

الآية الثانية عشر من سورة هود، ﵇، قوله تعالى: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) (هود: ٨١)، وقال في سورة الحجر: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) (الحجر: ٨٥) هنا ثلاثة سؤالات: أحدها (إلا أمراتك) في سورة هود، ولم يقع ذلك الإستثناء في الحجر، والثاني: ما ورد في الحجر قوله: (وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ)، والثالث قوله: (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) ولم يذكر في سورة هود. والجواب عن الأول: أن آية الحجر ورد قبلها قوله في قصة إيراهيم ﵇: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ *الُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (الحجر: ٥٧ - ٦٠)، فلما ورد هنا استثناء المرأة وذكر حالها وقع بذلك الاكتفاء فلم يذكر في الآية بعد، إذ ذلك كله كلام متصل بعضه ببعض، ولم يتقدم لامرأة لوط، ﵇، في سورة هود ذكر تحتيجة إلى استثنائها. والجواب عن السؤال الثالث أن قوله في سورة الحجر: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) (الحجر: ٦٥) زيادة إخبار بما ليس في سورة هود، وقد تأخرت سورة الحجر عنها. فوفت بما لم يذكر في سورة هود، ومصل هذا لا سؤال فيه. الآية الثالثة عشر غ - قولة تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (هود: ٨٢)، وفي صورة الحجر: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (الحجر: ٧٤)، ففي الأولى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا) والضمير للقرية والمراد أهلها، وفي الثانية: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا) والضمير لقوم لوط فللسائل (أن يسأل) عن وجه اختلاف الضمير مع اتحاد المقصود؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن كلا من الموضوعين مراعي فيه مناسبة ما تقدمه، ولما تقدم آية الحجر قوله تعالى: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) (الحجر: ٥٨)، فذكر قوم لوط موصوفين بالإجرام الموجب لهلاكهم فروعي هذا المتقدم فقيل: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا) (الحجر: ٧٤) ونظير هذا قوله تعالى في سورة الذاريات: (الُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) (الذاريات: ٣٢ - ٣٣)، فقيل: (عليهم) لما تقدم (قوله): (إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، وأما آية هود فلم يتقدم فيها مثل هذا، فكتفى بضمير القرية فقيل: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا) (هود: ٨٢)،

стр. 257

وأغنى ذلك عن ذكر المهلكين إذ هم المقصودون بالعذاب، فورد كل على ما يناسب، والله أعلم. الآية الرابعة عشر من سورة هود قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) (هود: ٩٦ - ٩٧)، وقال في سورة غافر: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (غافر: ٢٣ - ٢٤)، وقال في سورة الزخرف: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الزخرف: ٤٦)، وقد ذكر صاحب كتاب الدرة هذه الآيات الثلاث لستوائها في الافتتاح والمطالع وانفراد آيتي هود وغافر بزيادة قوله (وسلطان مبين)، ولم يذكر ذلك في آية سورة الزخرف، وقد ورد في مثل هذا أمثلة في العدد وإن خالفه في المطالع والافتتاح إلا أنها من ضربها وذلك قوله في سورة المؤمنون: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) (المؤمنون: ٤٥ - ٤٧)، وتقدم في سورة الاعراف: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا) (الاعراف: ١٠٣)، وفي سورة يونس: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) (يونس: ٧٥)، فورد في سورة هود وفي سورة المؤمنون وسورة غافر زيادة قوله: (وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) ولم تزدد هذه الزياده في السور الثلاث الآخر، وورد في سورة يونس وسورة المؤمنون ذكر تأييد موسي بأخيه هارون، ﵉، ولم يرد ذلك في غيرهما، وأنفردت سورة المؤمنون بالجمع بين تأييده، ﵇، بأخيه وسلطان مبين، فللسائل أن يسأل عن توجيه ذلك كله لاتحاد الاخبار؟ والجواب عنه، والله أعلم: أنه حيث يذكر سوء رد المرسل اليهم وقبح جوابهم يقابل ابدا تأيده بأخيه أو عضده بالآيات مما يقتضي القهر والإرغام وهو المعبر عنه بالسلطان المبين فيكون ذلك مقابلة لشنيع مجاوبتهم وسوء ردهم بالجملة، فإنه إذا اجتمع افصاحهم بالتكذيب واستكبارهم جمع في التهديد المتقدم بين التأييد بهارون وسلطان مبين، وحيث يصرح بالتكذيب أو ما يعطيه بيانا كقوله: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) قدم ذلك التأييد بالسلطان (المبين)، وحيث تذكرصفتان محوتان على تكذيب من غير إفصاح يقدم ذكر التأييد بهارون، ﵇، وما كان دون ما ذكر لم يذكر هارون ولا السلطان

стр. 258

المبين، فمن ذلك قوله (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) فإنه اخر تعالى عنهم بأنهم لم تجد عليهم البراهين ولا الآيات، إلا اتباع أمر فرعون، وقوله تعالى مخبراًً عنهم في سورة المؤمنون بقوله: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) (المؤمنون: ٤٦)، إلا ما تبع ذلك محكيا من قبيح قولهم: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا) (المؤمنون: ٤٧ - ٤٨) وأخباره تعالى عنهم في سورة غافر في قوله: (سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (غافر: ٢٤)، فهذه المواضع لما ذكر فيها شنيع مرتكبيهم في تلقي دعاء موسى، ﵇، إياهم قدم تواطئه لسوء مرتكبيهم تأييده، ﵇، السلطان المبين ليفيهم ذلك أخذهم وهلاكهم بسوء مرتكبهم، وقدم في سورة يونس تواطئه لما ذكر فيها من استكبارهم واجترامهم تأييد موسي بأخيه هارون، ﵉، وذلك من السلطان المبين، ولما تضاعف المحكي من مرتكبيهم وقبيح مقالهم في سورة المؤمنون قدم في ذكر إرساله تأييده باخيه والسلطان المبين مقابلة للاخبار عنهم بقوله: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا) (المؤمنون: ٤٦ - ٤٨)، فاخبر تعالى عنهم بالتكذيب والاستكبار والاجترام والعلو تامردا وعلوا وادعاء المماثلة لهم في البشرية الاختصار لإقدارهما العلية، فقوبل هذا الاسهاب من مقالهم السيء بالإطالة في ذكر التأييد ليتناسب الطرفان. أما حيث لم يرد ذكر السلطان فنجد جوابهم في ذلك دون ما تقدم من التشديد كقولهم في سورة الاعراف: (فَظَلَمُوا بِهَا) (الاعراف: ١٠٣)، وقوله في سورة الزخرف: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ) (الزخرف: ٤٧)، فليس موقع جوابهم في هاتين السورتين كموقع ما تقدم في الآيتين، فنوسب بين طرفي الإدعاء والجواب. الآية الخامسة عشر (من سورة هود) قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: ١١٧)، وفي سورة القصص: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: ٥٩)، للسائل أن يسأل عن (قوله في) أولى الآيتين: (وما كان ربك) وفي الثانية (وما كنا)، وعن قوله في الأولى: (ليهلك) بالفعل الداخلة عليه لام الجحود، وفي الآخر: (مهلك) و (مهلكي) بسم الفاعل، وعن قوله في الأولى: ((مصلحون)) وفي الثانية: ((حتى نبعث في أمها رسولا .. ) الآية وفي الثالثة: ((إلا وأهلها ظالمون)) فتلك ثلاثة اسأله. والجواب: أن آية هود تقدمها قوله تعالى (لَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ

стр. 259

يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) (هود: ١١٦)، أي فهلا كان منهم خيار وينهون عن الفساد والظلم، فلو كان منهم ذلك لما هلكوا: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: ١١٧)، أي ما كان ليفعل بهم وإن وقع منهم ظلم ذلك كان فيهم مغير للظلم وناه عن الفساد ولكنهم كانوا كما أخبر تعالى عن المعتدين من بني إسرائيل في قوله تعالى عنهم: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) (المائدة: ٧٩)، وجيء بالفعل في قوله: (ليهلك) إشارة إلى التكرر بحسب ما يكون منهم، فلو كان في كل أمة وقرن بعد قرن من ينهي عن الفساد والظلم لما أخذ بذوي الظلم منهم ولكان تعالى يدفع بعضهم عن بعض، ولكن تكرر الفساد وعم كل قرن فتكرر عليهم الجزاء والأخذ، فأشار الفعل إلى التكرر ولم يكن الاسم ليعطي ذلك، وهذا كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) (الملك: ١٩) ولم يقل: وقابضات لما قصده من معنى التكرر، وأما قوله في سورة القصص: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا ... ) (القصص: ٥٩) فإنه تقدم هذا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص: ٥١) أي أتبعنا وولينا التذكار، ويشهد قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: ٢٤)، وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء: ١٥)، فلما أعلم سبحانه تتابع التذكار وتعاقب الإنظار قال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا) (القصص: ٥٩)، ونسب هذا ذكر اسم الفاعل لأنه قصد ذكر الاتصاف بهذا ولم يقصد التكرر ولم يكن حاصله، وقال هنا وفي آية هود: (وما كان ربك) بإضافة اسم الرب جل وتعالى إلى ضمير نبينا صلي الله عليه وسلم المخاطب بهذه ملاطفة لهذا النبي ﷺ وتأنيساً له ولأمته وإشعارا بعظيم حظوته ومنزلته لديه سبحانه، ثم اتبع تعالى هذا بقوله: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: ٥٩)، فأخبر تعالى أنه ما أهلكهم إلا بعد استحقاق جميعهم العذاب وتساويهم في الظلم وقيل في هذه الآية الأخيرة: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى) لئلا يتكرر اللفظ بعينه مع الاتصال والقرب وليس من مواضعه، وقد حصل جواب الاسئلة الثلاثة وبيان خصوص كل آية منها بمواضعها، والله أعلم. ***

стр. 260

سورة يوسف ﵇ الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: ٢)، وفي سورة الزخرف: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: ٣)، فورد (هنا) ((جعلناه)) موضع ((أنزلناه)) في الآية الأولى: فلسسائل أن يسأل عن موجب هذا التخصيص لاتفاق الوارد في الآيتين لفظاً ومعنى في غير ما ذكر؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن آية (سورة) يوسف لما كانت توطئة لذكر قصصه، ﵇، ولم تتضمن السورة غير ذلك إلا ما أعقب به في آخرها مما يعرف بعجيب ما تضمنته ما كان غيباً عند قريش والعرب، مستوفياً ما كان أهل الكتاب يظنون أنهم انفردوا بعلمه، فأنزل الله هذه السورة موفية من ذلك أتمة، ومعرفة من قصصه العجيب، ومؤدية أكمله وأعمه، ولا أنسب عبارة هنا من قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ليعلم العرب والجميع أن نبينا محمداً ﷺ لم يتلق ذلك القصص من أحد من العرب، إذ لم يكن عندهم منه نبأ، ولا رحل في تعرفه إلى أحد، فكام قصصاً وآية معلماً بصحة رسالته ﵇، وعظيم تلك العناية، فالتعبير بالإنزال هنا (بين). وأما آية الزخرف فلم تبن على أخبار بل أعقبت بآي الاعتبار والتلطف في التنبيه والتذكار قال تعالى: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) (الزخرف: ٥)، وهذا أعظم التلطف، وقال تعالى بعد: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: ٩)، ثم مضت أكثر آي هذه السورة على نحو خذا الاعتبار وما يناسبه. وقد ذكر سيبويه، ﵀، في أقسام جعل كونها بمعنى صير ملحقاً لها بظننت وأخواتها ومنه وقلهم: جعل الطين خزفاً، وذلك انتقال وتصيير فالمراد بالآية جعل الكتاب معتبراً هدى ونوراً والمنبهون به والمعتبرون بآياته المخاطبون به مخلوقون تقدمهم العدم، وإنما صح خطابهم به مشاهدة بعد وجودهم، فصح بانتقال حالهم التصيير، وجل عن التغيير والحدوث كلام الحكيم الخبير، فكرمه سبحانه قديم ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة

стр. 261

لمخلوق فينفد، فقد وضح معنى الجعل هنا ومسوغه، وأنه لا يناسب هنا غير ذلك، ولا يناسب الآية الأخرى غير (أنزل)، فجاء كل على ما يجب والله أعلم. الآية الثانية من سورة يوسف ﵇، قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: ٢٢) وفي سورة القصص: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص: ١٤)، للسائل أن يسأل عن ثبوت قوله: ((واستوى)) في سورة القصص ولم يثبت ذلك في سورة يوسف؟ وهل كان يمكن ورود العكس في الآيتين؟ والجواب عن ذلك: أن الأشد مختلف فيه من البلوغ إلى استكمال أربعين سنة، وقد قيل بالزيادة على الأربعين، وظاهر القرآن أن الأشد يقع على دون الأربعين لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) (الأحقاف: ١٥)، فلو كان الأشد الأربعين لأدى إلى عطف الشيء على نفسه، فإنما الكلام في قوة أن لو قيل: حتى إذا بلغ أشده واستكمل وتم بالزيادة، والله أعلم، وإذا كان وقوع الأشد على ما ذكرنا، ولا يكون إلا على خال من العمر يحسن في الظبط والتدبير، والإحكام للأمور، والفهم للخطاب، وتحقيق مقادير الأمور، وهذا بِجَرْي العادة إنما ابتداؤه عند البلوغ أو قبل البلوغ، ثم يستحكم إلى الغاية التي إليها انتهاء تمام القوة واستحكام العقل، وتلك الأربعون، وعلى رأس الأربعين سنة بعث الله نبينا محمداً ﷺ ، ثم أن الله سبحانه قال في قصة يحيى بن زكريا، ﵇: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: ١٢)، وهذا ولابد في غير (سن) الأربعين، وقال تعالى في قصة يوسف، ﵇، إنما ابتدئ بالوحي وسماع الكلام بعد فراره خوفاً من فرعون، قال تعالى: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: ٢١) وأفصحت آي القرآن أن ذلك كان بعد رجوعه وإنكاح شعيب ﵇ إياه ابنته، ولم يخرج من مصر حتى ائتمر به للقتل وبعد وكز الذي كان من عدوه وقضائه عليه، ومجموع هذا إنما هو بخروجه، ﵇، عن سن الابتداء إلى استكمال الأشد وهو الاستواء، فقيل في قصته: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) (القصص: ١٤) أي استكمل وانتهى إلى أحسن الحالات في السن، وأما يوسف، ﵇، في الوحي إليه في الجب فحاله وإن بلغ ما يسمى أشداً غير حالة الاستواء، فامتنع مجيء

стр. 262

الاستواء في قصته وورد في قصة موسى، وكلام المفسرين إذا تؤمل وإن لم يكن إفصاحاً مشعر بهذا، فجاء كل على ما يجب، والله أعلم. الآية الثالثة من سورة يوسف، ﵇، قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) (يوسف: ١٠٩)، وفي سورة النحل (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: ٤٣)، وفي سورة الأنبياء: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) (الأنبياء: ٧)، وفي سورة الفرقان: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٢٠)، للسائل أن يسأل عن اختصاص هاتين الآيتين الأخيرتين بسقوط ((من)) منهما وثبوتها في الآيتين الأوليين. والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية يوسف قد تقدمها قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف: ١٠٦)، وقوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: ١٠٨)، وقوة السياق في هذه الآي يدل على معنى القسم ويعطيه، فناسب ذلك زيادة ((من)) المقتضية الاستغراق، وكذلك قوله في سورة النحل: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) (النحل: ٤١) يؤكد ذلك المعنى، فناسبه زيادة ((من)) لاستغراق ما تقدم من الزمان. أما قوله تعالى في سورة الأنبياء (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) (الأنبياء: ٧) فتقدم قبلها إنكار الكفار كون الرسل من البشر في قوله: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الأنبياء: ٣)، واقتراحهم الآيات في قوله: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) (الأنبياء: ٥)، فلما انطوى هذا الكلام على قضيتين: من اقتراحهم الآيات، وإنكارهم كون الرسل من البشر، وقد بين لهم حال المقترحين في قوله تعالى: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) (الأنبياء: ٦)، فلما تقدم هذا اتبع ببيان الطرف (الآخر) وهو التعريف بأن من تقدم من الرسل إنما كانوا رجالاً من البشر، مختصين بتخصيصه سبحانه، ولم يكونوا ملائكة، فقيل لنبينا محمد ﷺ : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) (الأنبياء: ٧)، فقيل هنا: (قبلك) كما قيل في نظيرتها: (ما ءامنت قبلهم)، فلم تدخل هنا ((من)) كما لم تدخل في النظير (الآخر) لإحراز التناسب، والتام الجملة المنطوية على طرفي مقصدهم من الاقتراح وإنكار كون الرسل من البشر، وكذلك الوارد في سورة الفرقان في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ

стр. 263

الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٢٠)، وإنما ورد جواباً لقولهم: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٧)، ولا داعي في هذا للقسم إذ هو جواب لقولهم، فلا داعي لورود ((من))، فورد هذا كله على أبدع نظام وأعلى تناسب، وإذا اعتبر الناظر استوضح أن كلاً من هذه الآي لا يمكن إتيانه في موضوع غيره والله أعلم. الآية الرابعة من سورة يوسف، ﵇، قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) (يوسف: ١٠٩)، قلت: تكرر هذا الضرب من الاعتبار بأحوال من تقدم من الأمم وما أعقب المكذبين تكذيبهم في عدة مواضع، منها ما ورد فيه بعد همزة التقرير وفاء التعقيب، ومنها ما ورد بواو النسق، فأما تقديم الهمزة قبلها فلما لها من الصدرية، فلا يتقدم حرف العطف عليها، ولما جرت في هذه الآي على ما ذكرنا من تخصيص بعض هذه المواضع بالفاء المقتضية مع التشريك الترتيب والتعقيب، وبعضها بالواو المقتضية مجرد التشريك والجمع، كان ذلك مظنة سؤال، فللسائل أن يسأل عن تخصيص كل واحد من هذه المواضع بما اختص به في عطفه على ما قبله؟ فمن الوارد بالفاء آية يوسف المذكورة آنفاً وفي سورة الحج: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) (الحج: ٤٦)، وفي آخر سورة غافر: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ ... ) (غافر: ٨٢)، وفي سورة القتال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد: ١٠)، فهذه أربع آيات مما ورد بالفاء. ومن الوارد بالواو قوله في سورة الروم: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) (الروم: ٩)، وفي سورة الملائكة: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ... (فاطر: ٤٤)، وفي سورة المؤمن: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) (غافر: ٢١)، فهذه ثلاث آيات. والجواب عن الضرب الأول: أما آية يوسف فقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (يوسف: ١٠٩) مربوط بما قبله ومبني على ما تقدم كحال في جواب مبني على ما قبله، ألا ترى أن قبل الآية آيات تخويف وترهيب، كقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف: ١٠٥)، ثم قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف: ١٠٦)، ثم قال تعالى: (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ

стр. 264

غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (يوسف: ١٠٧)، ثم قال تعالى: (لْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: ١٠٨)، ثم قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (يوسف: ١٠٩) فالكلام (بجملته في قوة أن لو قيل: ما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً من البشر أمثالك فكذبوا فهلك مكذبوهم وأخذوا كل مأخذ، فإن شاء هؤلاء فليسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة (الذين من قبلهم) ممن تقدمهم، فالكلام من حيث معناه في قوة الشرط والجزاء فورد بالفاء، وليس موضع الواو، ويشهد لهذا الغرض ويبينه قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (النحل: ٣٦)، (أي) فإن شككتم فسيروا في الأرض، وعلى هذا المعنى كل ما ورد من هذا. ومن هذا القبيل آية سورة الحج، ألا ترى أن قبلها قوله تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (الحج: ٤٢ - ٤٤)، ثم قال: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (الحج: ٤٥ - ٤٦)، أي فهلا ساروا في (الأرض) قاصدين الاعتبار فعقلوا بقلوبهم وانتفعوا بأسماعهم وأبصارهم، فعلى هذا المعنى لا مدخل لواو العطف هنا، وإنما الملائم الفاء لما تعطيه من السببيه والارتباط. وأما الوارد في (آخر) سورة المؤمن فقد تقدم قبلها قوله تعالى: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) (غافر: ٨١)، ثم قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (غافر: ٨٢) أي فهلا ساروا في الأرض (فاعتبروا بما) في الأرض من الآيات، قال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات: ٢٠)، فالمعنى على هذا وليس المعنى على العطف المجرد من معنى التسبب، فالموضع للفاء ولا لواو النسق. وأما الوارد في سورة القتال فإن قبل الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٧ - ٩)، ثم قال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (محمد: ١٠)، فالملائم هنا الفاء لما في الكلام من معنى التسبب والتخصيص المحرزين هنا ما يلائم ويناسب مرتكبهم من التوبيخ، فالموضع للفاء المقصود بها ربط الكلام بما قبله.

стр. 265

وأما الضرب الثاني مما ورد بالواو فلعطف ذلك (على) ما قبله تشريكاً لا سببية فيه ولا معنى جوابيه ولا مقصود تعقيب ولا ربط مقصزدها من المعاني بما قبله سوى التشريك خاصة، ففي سورة الروم ورد متقدماً قبل الآية في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) (الروم: ٨)، فعطف على هذه عطف تشريك لا سببية فيه قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (الروم: ٩)، فتشاركت الآيتان في الحض على الاعتبار ومقصودهما واحد، فعطفت إحداهما على الأخرى بما يقتضي ذلك وليس إلا الواو، وأما الفاء وثم فلا مدخل لواحدة منهما هنا، والله أعلم. وأما سورة الملائكة فتقدم فيها قوله: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) (فاطر: ٤٣)، فأحيلوا على ما اطرد في من قبلهم من سنته تعالى فيهم، من أخذهم بتكذيبهم سنة الله التي خلت من قبل، ثم أعقب بإحالتهم على قرب منهم ممن شاهدوا آثاره وتعرفوا على قرب أخباره فقيل: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: ٤٤)، فقوله: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ) وقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا) مسلك واحد في الاعتبار، فصل لهم بحسب بعد ما أمروا باعتبار حاله (أو قربه)، فعطف أحد السببين على الآخر مع اتحاد النوع المعتبر به، ولا يعطف مثل هذا إلا بالواو خاصة، وما سوى الواو لا يلائم ولا يناس، والله أعلم. وأما الآية الأولى من سورة المؤمن فملحوظ فيها من نيطت به في معناها من قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) (غافر: ١٣)، وليس بعد هذه الآية من معناها إلا قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (غافر: ٢١)، فمن آياتته تعالى التي رآها عباده ما أجراه من سنته فيمن خلا من الأمم، فوقعت الإحالة على ذلك بعطف الآية من قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) على ما به نيطت حسبما تقدم، ولا يناسب ذلك غير الواو. ***

стр. 266

سوة الرعد الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) (الرعد: ١)، هنا سؤالان: أحدهما، أن السور الخمس المكتنفة لهذه افتتحت بقوله تعالى: (آلرَ) وخصت سورة الرعد وهي سادستها بزيادة الميم (فقيل آلمر)، وللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والسؤال الثاني قوله تعالى: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) (الرعد: ١)، وعطف هذه الجملة على ما قبلها يقتضي أن المعطوف مغاير لما عطف عليه وإلا لزم منه عطف الشيء على نفسه؟ والجواب عن الأول، والله أعلم: وإن كان مفهوماً مما تقدم فلهذا الوارد هنا ما يخصه وهو أن السورتين المكتنفتين لهذه السورة وهما سورة يوسف وسورة إبراهيم لم يرد فيهما من الكلم المجتمع في تركيبها الألف واللام والميم والراء (ما ورد) في سورة الرعد، أما سورة يوسف ففيها من ذلك كلمة: (الأمر) في قوله تعالى: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف: ٤١)، ولفظ: (المجرمين) في قوله تعالى: (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف: ١١٠)، وأما سورة إبراهيم ففيها قوله تعالى: (لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) (إبراهيم: ٢٢)، وقوله: (مِنَ الثَّمَرَاتِ) (إبراهيم: ٣٢)، وقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) (إبراهيم: ٣٣)، وقوله: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) (إبراهيم: ٣٧)، وقوله: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) (إبراهيم: ٤٩)، فهذه خمس كلمات. وأما سورة الرعد فقد (ورد) فيها من ذلك قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) (الرعد: ٢)، وقوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (الرعد: ٢)، وقوله: (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) (الرعد: ٣)، وقوله: (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ) (الرعد: ٨)، وقوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) (الرعد: ٣٠)، وقوله: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) (الرعد: ٤٢)، فهذه ست كلمات من هذا التركيب لم ترد في مكتنفيها، فلزيادة ما ورد فيها من هذا التركيب ورد في مطلعها ما ورد من زيادة الميم، والله أعلم. والجواب عن السؤال الثاني: بعد تمهيد، وهو أنا إن قلنا: إن المراد بالمعطوف الكتاب بجملته، (والكتاب بجملته) هو المنزل، كان من عطف الشيء على نفسه، وإن قلنا: إن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل أو أحد الكتابين ففي هذا من البعد ما لا خفاء

стр. 267

به، إذ لم نتعبد من هذه الكتب إلا بالإيمان، فإنزالها ووجودها على الجملة على ما تقرر في شريعتنا، فكيف تقع الإحالة في الاعتبار عليهما ولم نؤمر باعتبارهما في حكم ولا أمر ولا نهي، وإن قلنا إن المراد بآيات الكتاب آيات السورة، وبالكتاب السورة، وبالذي أنزل إليك سائر القرآن، كما قال الزمخشري كان أقرب، وفيه نحو تحريم على المقصود من غير إفصاح مخلص، فأقول ونسأل الله توفيقه: إن الدلائل الاعتبارية على تفاصيلها منحصرة في منهجين بهما حصول التوحيد وإثبات الرسالة، وعلى مضمن تفاصيلها منحصرة في منهجين بهما حصول التوحيد وإثبات الرسالة، وعلى مضمن تفاصيلها دارت الآي الاعتبارية والتذكير في كتاب الله تعالى: أحدهما، ما يدرك بالحواس، وإطالة التفكير في الموجودات وارتباطها، ولحظ الابتداءات والانتهاءات، وتقلب الأكوان، (واختلاف الألسنة والألوان، وحركات الأفلاك وكواكبها الثابتة والسيارة)، واختلاف حركاتها في السرعة والبطء، وخنوس الخمسة منها ومطارح شعاعها، ومقادير الأزمان، وتقلب النهار والليل بالطول والقصر، وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وتعاقب الفصول بالحر والبرد، وتسخير الرياح، وما في ذلك كله من عليّ الإحكام وجليل الإتقان، إلى ما يرجع إلى ذلك مما تستقل به العقول وتجزم بدلالته، والمنهج الثاني: ما يرجع الاعتبار به إلى المأثور من أحوال الأمم والقرون المتقدمة، ودعاء الرسل إياهم وما كان من أخذ تكذيبهم حين تمردوا وعتوا، فكر أخذ بذنبه، ونجاة المؤمنين من كل أمة. فعلى هذين المنهجين دارت آي الكتاب العزيز المنطوية على تذكير العباد وتحريكهم للاعتبار، فمن الأولى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (البقرة: ٢١) إلى قوله (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)، وقوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: ١٦٤)، وقوله: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الجاثية: ٣)، وقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ) (الذاريات: ٢٠ - ٢١)، إلى ما يجاري هذه الآي مما يشير إلى دلائل الآفاق ودلائل الأنفس وما يرجع إلى ذلك من دلائل التوحيد والتذكير به، فالربع الأول من القرآن أكثر، ثم يليه في ذلك الربع الثاني، كما يكثر التذكير في الثاني (بما ورد في المنهج الثاني)، وإنما ذلك - والله أعلم - لأن الضرب الأول معقول ومستنده ضروري لأن مباديه حسية وبه اعتبر من انتهى إلى علم من الأوائل ممن كان في الفترات، فمنهم المصيب والمخطيء، وهو معتبر منصوب للعالم من لدن وجودهم إلى قيام الساعة، لا يضطر فيه إلى نقل ناقل ولا الاعتبار به من حيث الدلائل يتنزل النظر في آيات الرسل وما جاؤوا به متحدين، وتعرف الخارق للعادة من غيره، فلهذا - والله أعلم - تقرر هذا الضرب مبدوءاً به في الترتيب الثابت عليه المصحف وأتبع بالضرب الآخر على مقتضى الاعتبار،

стр. 268

فمن عرف الجائز والمستحيل أمكنة الاعتراف بالبدأة والعودة، وإرسال الرسل، والثواب والعقاب، فيحصل العقل الجواز ويحصل التصديق بوقوع هذا الجائز من أخبار الرسل بالنظر في معجزاتهم، فبدئ بالضرب الأول بمقتضى الترتيب كما بينا، ولم يقع في الربع الأول من القرآن بسط اعتبار بالضرب الثاني بالإخباري، إنما أمعن بذكره في الربع الثاني وبسط الأخبار عن القرون المهلكة والأمم السالفة مع أنبيائهم وما أعقبهم التكذيب وأخذ كل قرن من المكذبين بما أخذ به، ولم ينقطع التنبيه والتحريك مع ذلك بما في الضرب الأول وما يرجع إليه. ثم قد تجد السورة الواحدة مجرد لهذا الضرب كسورة الرعد، وللضرب الثاني كسورة الأعراف وسورة يوسف، ﵇، وقد تجمع السورة الضربين على السواء أو ما يقاربه كما في سورة الحجر، وأما سورة البقرة فقد تضمنت من كل (من) الضربين ما فيه شفاء على إجمال فيما أشير إليه من الضرب الثاني، إذ هذا الضرب إنما استوفى تفصيله في الربع الثاني. ثم إن الضرب الأول وهو الذي يدرك بالعيان من آيات (اللوح) المحفوظ المتضمن لكل من الضربين، قال تعالى: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: ٦)، وإذا قلنا إن الإشارة إلأى اللوح إنما يريد ما يستدل به ويعتبر مما نصب تعالى من الآيات الدالة على عجائب من مضمناته، إذ لولا نصب تلك الدلائل ووضوح الاعتبار بها لما أطلعنا عليه، وبلغ بحسب ما قدر الوصول إليه من مضمنه، إذ هو محتو على كل شيء، قال تعالى: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: ٧٥)، وتتباين أحوال المعتبرين، فعلى هذا يفهم المراد من قولنا: (إن الإشارة بقوله): (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) إلى اللوح المحفوظ، وهو مراد من قال بذلك في سورة البقرة من المفسرين وسورة النمل، ومن قال به أيضاً في سورة الرعد وهو الظاهر فيها، وقوله: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) (الرعد: ١)، إشارة إلى الضرب الثاني وهو ما طريق تعرفه الخبر الصادق وذلك أخبار الأمم مع أنبيائهم على ما تقدم وما نبينه بعد، وهذا الضرب موصل أيضاً إلى المقصود، إلا أنه لا يوصل إليه إلا من جهة الخبر وإن كان من مضمن ما في اللوح المحفوظ، وإذا وضح هذا التفصيل لم يبق إشكال في فهم ما تقدم من أن الإشارة بقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) إلى غير ما أشير مما عطف عليه من قوله: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) وقوله في الحجر: (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (الحجر: ١)، وكذلك الوارد في النمل وإن خالف في التقديم والتأخير لقوله فيها:

стр. 269

(تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: ١)، فقدم هذا الإشارة إلى الضرب المؤخر في السورتين قبل، ويشهد لهذا ويوضحه رعي التقابل المناسب في هذه السور وبناء النظم وبيانه على ذلك، ألا ترى أن سورة الرعد لم تنطو من الضرب الثاني على قصة واحدة، وإنما دارت آيها الاعتبارية على ما به الاعتبار من الضرب (الأول خاصة، وسنعود إلى بيان ذلك بإيراد آيها، وإنما لم يذكر فيها شيء من الضرب) الثاني لأن بناء السورة إنما هو على الضرب الأول، ولهذا لم يشترك المعطوفان في اسم الإشارة إلا أن قوله تعالى: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) (الرعد: ١) جملة مستقلة، وقد وقع الموصول فيها وهو الذي مبتدأ خبره الحق، وما بينها صلة، والجملة معطوفة على الجملة قبلها، وكل واحدة منهما مستقلةن ولا تسلط لاسم الإشارة على الجملة الثانية. أما قوله في سورة الحجر: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (الحجر: ١) معطوف على الكتاب المضاف إلى الخبر عن اسم الإشارة وهو آيات وداخل تحت اسم الإِراة، وهو من عطف المفردات وما عطف المفردات وما عطف عليه وشرك معه بخلاف آية الرعد إذا العطف فها من عطف الجمل. وأما الوارد في سورة النمل فمثل ما في سورة الحجر، وحكم اسم الإشارة منسحب على ما أضيف إليه خبر اسم الإشارة وما عطف (عليه)، وهو من عطف المفرادت أيضاً كآية الحجر، وكلا الآيتين مخالف لما ورد في سورة الرعد، فلما وقعت الإشارة في سورةتي الحجر والنمل إلأى الضربين معاً تضمنت كل واحدة من السورتين مما به الاعتبار ذكر الضربين معاً، ولما اختصت الإشارة في سورة الرعد بالضرب الأول لم يقع إخبار بغير ذلك الضرب، وهذا يرفع كل إشكال فيما تقدم، ومما يزيد وضوحاً فيما تقدم أن سورة الحجر لما قدم فيها ذكر الكتاب قدم فيها من الضربين الضرب المعتبر من آيات اللوح المحفوظ، فقال تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) (الحجر: ١٦) إلى قوله: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) (الحجر: ٢٢) الآية، ثم بعد ذلك ذكر مما به الاعتبار من الضرب الثاني في قوله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) (الحجر: ٥١) إلى قوله: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الحجر: ٨٤)، فتأخر ما ورد في هذه السورة من هذا الضرب ليطابق تأخر ذكره في قوله: (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ). ولما تقدم في سورة النمل من الاسمين المضاف إليهما خبر اسم الإشارة القرآن وتأخر الكتاب فقال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: ١) قوبل بتقديم الضرب المشار إليه أولاً، فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ) (النمل: ٦ - ٧). وذكر

стр. 270

من القصة مجملا ما إذا اعتبر وفي بأتم ما يحصل المعتبر به على أعلى مقصود موف بخلاصة وذلك إلى قوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل: ١٤)، ثم أتبع بقصة داود وسليمان وما استجر ذلك من قصة بلقيس وما تلاها، ثم أعقب بعد بالضرب الآخر، فقال تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (النمل: ٦٠) إلى قوله: (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) (النمل: ٦٦). ولما لم يقع في سورة الرعد الضرب الأول - كما تقدم - لم يرد فيها من آي الاعتبار إلا ما هو منه، ولم يقع في السورة غير ذلك، فقد بان بحول الله ما اعتمد جواباً عن السؤال الثاني، ووضح التناسب وجلالة النظم، (ومع وضوحه لم أقف على من استقرأه من هذه السورة منا بينته، ولا توقف فيه والحمد لله على ما ألهم إليه من ذلك). ثم أعلم بعد أن ما اعتمدناه من هذا المأخذ لم ينفرد فيه إذا حقق بغير التمهيد وإيراد النظائر وبيان ما أجمله غير واحد ممن تقدم من المفسرين على اختلاف ترجمتهم عما تضمنه، فمنها القريب ومنها البعيد، وكل منها: إذا أمعن فيه النظر ربما أدى إلى ما تقرر، ولم أنفرد عنهم إلآ بتوجيه النظر على ما اعتمدته، وإظهار المناسبة، وإبداء شواهد ونظائر لما اعتمد. فمن ذلك ما تردد للمفسرين من قوله تعالى: في سورة البقرة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) (البقرة: ٢) (من) مأثور ما حكوه عن من تقدمهم من أن الإشارة إلى اللوح المحفوظ، وذكر ذلك ابن عطية وغيره من غير تعرض لزيادة، ونسبوا ذلك إلى ابن جبير، وقال بعضهم في قوله تعالى في سورة النمل: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: ١)، قال: المراد بقوله: (وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: ١) اللوح المحفوظ وذكره الزمخشري، ولا شك أن هنا إيماء (إلى) ما تقدم بسطه، وزاد الزمخشري على هذا ما ذكره في سورة الرعد من أن المراد (بآيات الكتاب العزيز) آيات السورة، (والذي أنزل إليك) سائر القرآن، وهو نحو ما قلناه، ألا ترى أن آيات السورة لم تخرج عن الضرب الاعتباري المدرك لكل ذي عقل سليم على ما تقدم وما نبنية بعد، وتلك آيات اللوح وأم الكتاب، فهذا ما قلناه وقد أطنبنا فيه (من) الوارد في سورتي الحجر والنمل ما شهد بأنه المقصود قطعاً. وقال بعضهم في قوله تعالى في سورة البقرة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) أنه واقع على القرآن وعلى الكتاب الذي هو اللوح المحفوظ، ثم قال بعد مستدلا: ذلك إشارة إلى غائب، يعني أن ذلك إنما يشار به إلى البعيد الغائب، ولو ضوح إدراكه صحت الإشارة إليه، ثم قال بعد واسم الكتاب غيب ولذلك حسن فيه ذلك، ثم استدل على أن الإشارة إلى اسم الكتاب الذي هو اللوح المحفوظ في القرآن الحاضر المتلو على ألسنتنا قد ارتاب

стр. 271

فيه من لم يرد الله هدايته فقالوا سحر وشعر وأساطير الأولين، وذهبوا به كل مذهب. واسم الكتاب يعني بما بدا منصوباً وظهر ليس كذلك، فهذا الذي لا ريب فيه إذ هو مشاهد للأبصار ومدرك للعيان لمن هدي واستبصر، قال الله ﷻ : (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) (الرعد: ١)، ثم قال: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) (الرعد: ١)، قال: ثم جعل ﷻ يسرد آيات التاب) المبين فقال: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ) (الرعد: ٢) إلى قوله: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الرعد: ٤)، قلت: على هذا استمرت وتوالت آيات هذه السور لم يتخللها من غير ما هو آية منصوبة للاعتبار إلا ما استدعاه مقصود آي منها أو معناها، من غير أن يتخللها مما يدرك بالخبر كبير شيء، على هذا دار كلام من أشرنا إليه وهو ما اعتمدته وبسطته واستشهدت عليه ونظرته بما ظهر لي مماليس في كلامه. قلت ومما استشهد به من ذكرت كلامه على ما اختاره من كون الإشارة بقوله في مطلع سورة البقرة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) إلى اللوح المحفوظ، استحكام تنزيل ما بعده عليه، ووضوح النظم وبيانه على ذلك، ألا ترى قوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة: ٢ - ٣) أي بما غاب عنهم من مضمون اسم الكتاب استدلالاً بما يدل من آيته على ما غاب، فقبلوا ما أخبر الله به على ألسنة رسله مما لا يدرك مشاهداً استدلالاً بما أدركوه وشهادته لما أخبروا به فآمنوا بالله ورسله، واعتقدوا من صفاته سبحانه ما هو عليه، ونزهوه هما لا يليق به تعالى، وصدقوا ما أخبرت به الرسل من كل غائب عنهم متلقى من إخباره سبحانه، فبنوا ذلك على اهتدائهم الأول ومعتبرهم المشاهد المرئي حين وفقوا للاعتبار فآمنوا بالغيب كما أخبر تعالى عنهم، ثم قال تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) (البقرة: ٤)، والمراد بهذا (المنزل) القرآن، وقوله: (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) (البقرة: ٤) أي من الكتب المنزلة كاتوراة والإنجيل، وقال في الجميع: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: ٥). فتأمل بيان النظم على هذا فإنه أوضح شيء. قلت: ومن البين أن (مدار هذا الجواب بجملته إنما بناؤه على أن اسم الكتاب في سروة البقرة أو حيق وقع) من فواتح هذه السور وأشير إلأه بذلك أو تلك أو وقع في غير الفواتح فيصح أن يراد به فيها أو في بعضها اللوح المحفوظ، وأن تكون الإشارة إلأيه إذا شهد له السياق ووضح عليه النظم، فإذا سلم هذا فما بنيناه عليه أوضح شيء، ولا يمكن إلا تسليمه إذ لا معارض يمنع من عقل ولا نقل، وإن اعترض معترض بالمنع فقد خالف

стр. 272

جميع المفسرين ممن تقدم أو تأخر، وخالف ما يعترف كل ذي عقل سليم بإمكانه، وقد تبين تنزيل النظم عليه على أكمل تلاؤم، والله أعلم بما أراد. الآية الثانية من سورة الرعد قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الرعد: ٣)، ثم قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الرعد: ٤)، للسائل أن يسأل عن وقله في الأولى: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وفي الثانية: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وهل كان يصح ورود الأول مكان الثاني والثاني مكان الأول؟ والجواب: أن معتبرات الآية الأولى من مد الأرض (وما ذكر) بعد ذلك أوضح للاعتبار، ومعتبرات الثانية أغمض، ألا ترى أن تجاوز قطع الأرض وتقاربها في الصفات والهيئات من سهل وحزن، ثم تخرج أنواع الجنات من النخل والأعناب وضروب الأشجار والنبات والزرع، واختلاف الطعوم في ثمراتها والألواح والروائح، وتفاوت الطيب والمنافع الحاصلة عن ذلك من غذاء ودواء نافع وضار مع تقارب الأرض وتجاورها وتشاكلها وسقيها بماء واحد كما قال الله تعالى: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)، وهذا مما تنقطع الأفكار وتقصر العقول عن عجيب الصنع الرباني فيه، وأما معتبرات الأولى فيتوصل بالفكر إلى الحصول على الاعتبار بها وتعقلها وعجيب الحكمة فيها، وغموض ما في الثانية بادولا يتوصل إلى بعض ذلك إلا بعد طول الاعتبار والتأييد منه سبحانه والتوفيق، فلما كان العقل أشرف وأعلى ناسبه ان يتبع به ما هو أغمض وأخفى، وناسب الفكر ما هو أظهر وأجلى، فقيل في عقب الآية الأولى: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وفي عقد الآية الثانية: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ولو ورد العكس لم يكن ليناسب، والله (سبحانه) أعلم. الآية الثالثة من سورة الرعد قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) (الرعد: ١٥)، وفي سورة النحل: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ) (النحل: ٤٩) فيها سؤلان: خصوص آية الرعد ((بمن)) وآية النحل ((بما))، وزيادة قوله: ((والملائكة)) ولم يرد ذلك في سورة الرعد؟ والجواب عن الأول: أن ورود ((من)) في سورةة الرعد لا سؤال فيه، فإن قبول الأوامر وامتثال الطاعات بالقصد والاختيار بمشيئة الله سبحانه إنما يكون من أصحاب

стр. 273

العقول وهو الملائكة والإنس والجن، وهم المقصودون في الآية، فوردت ((بمن)) الواقعة على العقلاء، لهذا قيل: ((طوعاً وكرهاً)) لأن ذلك إنما (يكون) ويستوضح من العاقل، فالآية واردة على ما ينبغي. وأما آية النحل فمراعي فيها لفظ ((دابة)) الوارد فهيا إذ هو عام للعاقل وغيره، فوردت الآية ((بما)) الواقعة على الأنواع والأجناس مناسبة لما تقدم من الإطلاق والعموم. والجواب عن السؤال الثاني: أن قوله تعالى في آية النحل: ((والملائكة)) تخصيص لهم لجليل حالهم، فعينوا بالذكر مع دخولهم في العموم المتقدم، وهذا كقوله تعالى: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) (البقرة: ٩٨) مع دخولهما تحت لفظ الملائكة. ثم أكد الوارد في آية النحل ما ورد فيها من لفظ دابة. فإن قلت: لِمَ لَمْ يخصصوا بالذكر في آية الرعد؟ قلت: لأنه لم يقع هناك لفظ دابة الذي هو الموجب لتعيين الملائكة وتخصيصهم بالذك، فكر على ما يجب ويناسب، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الرعد قوله تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) (الرعد: ١٦)، وفي سورة الفرقان: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (الفرقان: ٣)، للسائل أن يسأل عن تقديم النفع على الضر في سورة الرعد وعكس ذلك في سورة الفرقان؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الفرقان قد عطف عليها بالواو المشركة في الإعراب والمعنى قوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا)، وقدم قبلها ما عطفت عليه بالواو أيضاً وذلك قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (الفرقان: ٣)، فقد اتفقت هذه الجمل المعطوفات في انطواء كل جملة منها على متقابلين كالضدين، ففي الأولى عدم الخلق في قوله: (لَا يَخْلُقُونَ) مقابلاً للخلق والحياة، وبنى مجموعها على تأخير أشرف المتقابلين، ففي الأولى الإشارة إلى الخلق في قوله تعال: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، وكذا في الثانية الضر والنفع والنفع أشرف، وفي الثالثة الموت والحياة والحياة أشرف، فروعي تناسب الآي على ما أوضحنا، فقدم الضر على النفع في آية الفرقان.

стр. 274

أما آية الرعد فلم يعرض فيها ما يحمل على ما ذكر من التناسب فجاءت من حيث أفردت على ما يجب من تقديم النفع الذي هو مطلب العاقل، وكأن قد قيل فيها: إذا لم ينفعوا أنفسهم فكيف ينفعونكم؟ ثم أتبع بما يكمل به التعريف بحال (من) اتخذوهم أولياء من أنها لا تضر ولا تنفع، فجاء كل على ما يجب ويناسب، ولا يمكن خلافه. فإن قلت: إذا كان تقديم النفع - كما في سورة الرعد - وارداً على ما يجب من (حيث) هو الذي تطلبه نفوس العقلاء فلم بنيت تلك (الجمل) المعطوفات في آية سورة الفرقان على تأخير الأشرف في تلك المتقابلات حتى لزم أن يتقدم فيها الضر (قبل) النفع ليتناسب؟ وهلا كان بناؤها على عكس ذلك وكان يحسن التقابل (وورود النفع قبل الضر) كما في آية الرعد؟ قلت: لما تقدم قبل الجمل المذكورة في سورة الفرقان قوله سبحانه: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: ٢)، ناسب هذا من ذكر آلهتهم وصفها بأنها لا تخلق فقيل: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (الفرقان: ٣)، ليحصل من وصفه سبحانه بأنه خالق كل شيء وأن آلهتهم لا تخلق شيئاً ما أفصح به من توبيخهم وتقريعهم في قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (النحل: ١٧)، وتناسب هذا أوضح تناسب وأبينه، ولا يمكن خلافه، ثم بني عليه ما بعده لتناسب ذلك كله، وحصل منه أن الوارد في كل من السورتين لا يمكن فيه العكس بوجه، ولابنا سبحانه أعلم بما أراد. الآية الخامسة من سورة الرعد قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الرعد: ٢٦)، وفي سورة القصص: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) (القصص: ٨٢)، وفي سورة العنكبوت: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (العنكبوت: ٦٢)، وفي سورة سبأ: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) (سبأ: ٣٩)، وفي الشورى: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الشورى: ١٢)، للسائل أن يقول: إن هذه الآيات الخمس قد انطوت مطابقة على معنى واحد هو إخباره سبحانه بأنه المنفرد بالقبض والبسط، كما أنفرد بالخلق والأمر، فإذا اجتمعت في هذا المعنى فما وجه انفراد آية القصص وآية سبأ بزيادة ما ورد فيهما من التخصيص في قوله: (مِنْ عِبَادِهِ) وقوله: ((له))؟ ولِمَ لَمْ يرد ذلك في السورة الأخرى؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن آية العنكبوت لما تقدم قبلها في قصة إبراهيم، ﵇، قوله لقومه: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 275

الرِّزْقَ) (العنكبوت: ١٧)، ثم ضرب سبحانه مثلا لما عبد من دونه فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: ٤١)، ثم أنس عباده المؤمنين بقوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (العنكبوت: ٥٦)، ثم قال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت: ٦٠) فأخبر سبحانه أنه المنفرد برزق الكل كما انفرد بخلقهم، فناسب هذا قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) (العنكبوت: ٦٢)، فخص بعد أن عم بقوله: (االلَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) (العنكبوت: ٦٠) تشريفاً للمؤمنين ليستأنسوا بما يجري لهم من الضربين ويذكروه في حال القبض والبسط بالإضافة إضافة تشريف، ولما لم يتقدم في السور الأخرى مثل ما تقدم هنا بل فيها ما يفهم منه أن المؤمنين لم يقصد تخصيصهم بذلك الخطاب بوجه، ألا ترى قوله في (آية) الرعد: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الرعد: ٢٦)، وليس (هذا) من شأن المؤمن، فإن الدنيا سجنه وإنما فرحه بربه وبما يرجوه منه في آخرته. وأما آية القصص (فمنصوص) فيها أن الذين تمنوا حال قارون ومكانه هم القائلون: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ) (القصص: ٨٢)، فإنما قالوه عالمين بأن الله سبحانه بسط (لقارون ما بسط) فعلموا أنه القابض والباسط وأنه لايمنع عن أحد ما بسط له. وأما آية الشورى فقد تقدمها ما هو أبين (شيء) في تعميم المؤمن والكافر وذلك قوله تعالى: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الشورى: ١٢)، (فإذا كانت له مقاليد السماوات والأرض) فمن أين يُرزق المؤمن والكافر؟ ليس إلا من عنده، فلم يقصد في هذه الآية تخصيص المؤمن وتشريفه كما قصد في تلك، فلما اختلف القصد اختلف الوارد، فجاءت كل آية على ما يجب، ولا يمكن خلافه، والله أعلم. الآية السادسة من سورة الرعد: غ - قوله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) (الرعد: ٣٢)، وفي سورة الحج: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (الحج: ٤٤) للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب الأولى بقوله: (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) والثانية بقوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) مع تساوي الآيتين (في) مقصود الوعيد لمكذبي الرسل، ﵈؟ والجواب، والله أعلم: أن العقاب أشد موقعاً من النكيير لأن الإنكار يقع على ما لا عقاب فيه بالفعل وعلى ما فيه العقاب بالفعل، وأما مسمى العقاب فإنما يراد به في الغالب

стр. 276

أخذ بعذاب مناسب لحال المجرم إثر معصيته وعقيب جريمته، وقد تقدم في آية الرعد قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) (الرعد: ٣٢)، والاستهزاء (أمر) مرتكب زائد على التكذيب من التهاون، والاستخفاف بجريمة مرتكبة أشنع جريمة، فناسبها الإفصاح بالعقاب. أما آية الحج فإن الوعيد (بها) للمذكورين بالتكذيب ولم يذكر منهم استهزاء، قال تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى) (الحج: ٤٢ - ٤٤)، فلم يخبر عن هؤلاء بغير التكذيب ليس كالاستهزاء، فقد يؤمن المكذب ويصلح حاله، أما المستهزئ فلا يصلح، وقد كفى الله نبيه إياهم، قال تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر: ٩٥)، فناسب النظم تعقيب كل آية بما يناسب مرتكب من قدم، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، والله أعلم. الآية السابعة من سورة الرعد: غ - قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) (الرعد: ٣٧)، وفي سورة طه: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (طه: ١١٣)، والمراد بالمنزل في الموضعين واحد وهو القرآن ثم اختلف العبارة عنه في السورتين، للسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ والجواب، والله أعلم: أن سورة الرعد لم يتقدم فيها شيء من القصص الإخبارية وإنما المتقدم فيها تفاصيل أحكام مرجعها بجملتها إلى اختلاف أحوال المكلفين جرياً على ما سبق من قضائه فيهم، وتفصيل أحوالهم بحسب ما قدره سبجانه في أزله وما حكم به عليهم كقوله سبحانه: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) (الرعد: ١٩)، ثم بين تعالى حكم كل من الفريقين بعد وصفهم، ثم أعقب بمآل الفريقين فقال فيمن هداه فعلم: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) (الرعد: ٢٣) إلى قوله: (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: ٢٤)، وأتبع بحال الآخرين الموصوفين بنقض عهده سبحانه، وأخبر بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار، وبين تعالى حكمه في بسط الرزق لمن يشاء (وقبضه عمن يشاء، فقال تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) (الرعد: ٢٦)، وأعلم الله تعالى أنه يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب، ثم وصفهم بإيمانهم واطمئنان قلوبهم بذكره في قوله تعالى: (طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) (الرعد: ٢٩)، ودارت الآي بعد على أن كل جار في خلقه فبتقديره، وتناسب ذلك إلى الآية، وكل ما تقدم فهو حكمه السابق في خلقه، فأعقب هذا بقوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) (الرعد: ٣٧)، قال الزمخشري: حكمة عربية أي مترجمة بلسان العرب.

стр. 277

ولما تقدم آية سورة طه قصص موسى، ﵇، وما جرى من فتنة قومه بعده بفعل السامري/ وما كان من قول هارون، ﵇، وتذكيره إياهم، وقول بني إسرائيل (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) (طه: ٩١) إلى قوله: (ذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) (طه: ٩٩)، والمراد به القرآن، ثم أتبع هذا بما يلائمه إلى قوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (طه: ١١٣) أي قصصاً مقروءاً بلسان العرب مذكراً من وفق لاعتباره والاتعاظ به: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) (طه: ١١٣)، فناسب كل من العبارتين موضعه أتم مناسبة، ولم يكن العكس ليناسب، والله أعلم. الآية الثامنة من سورة الرعد قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرعد: ٣٨)، وفي سورة الروم: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) (الروم: ٤٧) فقد ذكر الرسل على المجرور في سورة الرعد فقيل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ)، وورد في سورة الروم بتقديم المجرور فقيل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ)، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ وما روعي فيه؟ والجواب عن ذلك: أن المتقرر في الكتاب العزيز أنه إذا ورد اسم نبينا محمد ﷺ مع غيره من الرسل، ﵈، مفصحاً بأسمائهم في آية واحدة فإنه يتقدن اسمه ظاهراً كان أو مضمراً، ثم يذكر بعده من تضمنته الآية منهم، ﵇، كقوله تعال: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء: ١٦٣)، وقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ .... ) (الأحزاب: ٧) الآية، فإن قيل: فقد قدم هنا قبله قوله: (مِنَ النَّبِيِّينَ) قلت: المجموع جمع السلامة بالواو والنون رفعاً والياء والنون نصباً وجراً من ألفاظ العموم عند الأصوليين، فقوله: (مِنَ النَّبِيِّينَ) يعم نبينا ﷺ وغيره من النبيين، عليهم لسلام، (ثم) لما أفصح بمن ذكر في الآية من أولي العزم إشعاراً بتفضيلهم على من سواهم بدئ به، ﵇، فقيل: (مِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) (الأحزاب: ٧) .... الآية، ومثل هذا قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ) (البقرة: ٩٨) ثم قال: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) وقد دخلا تحت عموم (وملائكته)، مع أن لفظ النبيين بالألف واللام أوضح في العموم إذ ليس المضاف في العموم كالمعرف بالألف واللام، فأقول: إنما قدم المجرور في قوله: (مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ) (الروم: ٤٧) في سورة الروم لمكان ضميره صلى الله

стр. 278

عليه وسلم. أما آية الرعد فموازن لها ومناسب ما تقدمها من قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) (الرعد: ٣٢) فتأخر الضمير في الآيتين للموازنة والتقابل، والثانية منهما محمولة على الأولى في رعي ما ذكر. فإن قلت: فلم تأخر ضميره ﷺ في الآية الأولى (عن ذكر الرسل)؟ قلت: لأن ذكرهم هنا، ﵇، لم يرد معرفاً بأحوالهم وما منحوا من الاصطفاء والتكريم، ولو ورد ذكرهم لهذا الغرض لكان اسمه، ﵇، متقدم الذكر كما في الآية الواردة بذلك، وإنما ذكر هنا إساءة مكذبي أممهم إليهم ونيلهم منهم ضروب المضرات، وليس ذلك مما يعرف بمناصبهم في التفضيل وإنما ذكر (ذلك) ليقاس بهم نبينا ﷺ في الصبر والتحمل، وليقتدي بهداهم كما أمر في قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) (الأحقاف: ٣٥)، ثم له ﷺ السيادة المعروفة والمكانة المتقررة، فتقدم ذكرهم في قوله (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) وتأخير ضميره ﷺ لما ذكر، ثم وردت الآية بعد فجري الإخبار فيها على ذلك إحرازاً للمناسبة والموازنة أيضاًن فليس ذكرهم مجملاً غير مفصل كذكرهم على التعيين بأسمائهم، وقد تقد الإيماء إلى هذا، (والله سبحانه أعلم بما أراد). *****

стр. 279

سورة إبراهيم ﵇ الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (إبراهيم: ١). وفي سورة الحج: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج: ٢٤)، وفي سورة سبأ: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (سبأ: ٦)، فورد في هذه السور الثلاث ذكر الصراط مضافاً في السورتين منها إلى العزيز من أسمائه تعالى ثم أتبع الحميد، واقتصر في سورة الحج على إضافة اسمه الحميد، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن آية إبراهيم، ﵇، لما ورد فيها قوله تعالى لنبيه، ﵇: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، وكان السابق من مفهوم هذا أن ذلك الأمر بيده، ﵇، وقد قال له تعالى: (يْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران: ١٢٨)، وقال: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (الشورى: ٤٨)، وقال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص: ٥٦)، فلما كان السابق من مفهوم آية إبراهيم كما ذكر أشار وصفه تعالى بالعزيز إلى قدرته تعالى وقهره، وأنه لا يكون من العباد إلا ما سبقت به إرادته التي لا يخرج واقع عن خكمها، وتعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، ولو شاء لهدى الكل، قال تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (السجدة: ١٣)، فأحرز الوصف بالعزة هذا المعنى العظيم، ولو لم يرد هذا الوصف لما تحرر هذا المقصود، وكذلك الوارد في قوله في آية سبأ: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) (سبأ: ٦)، والرؤية هنا بمعنى العلم والحق مفعولها الثاني والضمير فصل لا موضع له من الإعراب. وحال أن يرى من وصفه تعالى بالعلم حكم الله تعالى في خلقه جارياً إلا على ما يشاؤه ويريده، إنه لو شاء لجمعهم على الهدى، فهذه الآية كأية إبراهيم من غير فرق، فوصفه سبحانه بالعزة تمام مقصودها كالمتقدمة، وليس للمدعوين إلا ما سبقت به إرادته تعالى، ولا بيد نبيه، ﵇، إخراجهم ولا هداهم، ولم يرد في هاتين الآيتين أن الإخراج من الظلمات إلى النور والهداية مما وقع وانقضى، وإنما مقتضى الآيتين رجاء إجابتهم وهدايتهم (عند دعائه، ﵇، ثم

стр. 280

الرجاء راجع (إلينا) المنزه المتعالى عن الاتصاف به. وقد أحاط علمه سبحانه بما يكون منهم. وأيضاً خوطبنا على ما نتعارف، قال سيبويه، ﵀، وقد تعرض لهذا وقد ذكر قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (المرسلات: ١٥)، و (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (المطففين: ١)، فقال: لا ينبغي أن يقال دعاء بالويل ههنا لأن الكلام بذلك قبيح ولكن العباد إنما كلموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون، فكأنه - والله أعلم - قيل لهم: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، (ووَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم لأن (هذا) الكلام إنما يقال لصاحب الشر والمهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في المهلكة ووجب هذا، ومثل هذا: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: ٤٤) والعلم قد أتى (من وراء) ما يكون ولكن اذهبا أنتما على طمعكما ورجائكم ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثر من خذا ما لم يعلما. ومثله: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: ٣٠) فإنما جرى هذا على كلام العرب وبه أنزل القرآن فقد تبين تساوي هاتين الآيتين في استدعائهما وصفه تعالى بالعزيز لما يحرز من المعنى المتقدم. أما آية سورة الحج فقوله تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج: ٢٤) إخبار منه سبحانه بما شاءه لهؤلاء من فوزهم وفلاحهم، قد تم حكمه وانقضى، فلم يكن ليناسبه ما يفهم القهر، وإنما المناسب ما يفهمه اسمه الحميد، وورد كل على ما يجب ويناسب، ولم يكن عكس الوارد ليلائم ولا يناسب، والله (سبحانه) أعلم. الآية الثانية قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) (إبراهيم: ٣٢)، قال في سورة النمل: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ) (النمل: ٦٠) ... الآية، يسأل هنا عن تأخير (لكم) في سورة إبراهيم عن لفظ (أنزل) وإيلائه إياها مقدمة في آية النمل ما وجه ذلك؟ والجواب: أن آية إبراهيم قد تقدمها قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) (إبراهيم: ٣١)، وقد علم المؤمنون أن الله غني عن العالمين، وأن المنزل من ماء السماء إنما هو رحمة للعباد وإحياء للأرض بعد موتها، ليخرج ما بث فيها سبحانه من أنواع الحبوب والثمرات وغير ذلك مما به صلاح أحوال العباد وتتميم معائشهم، ولم يغب عن المؤمنين المذكورين قبل أن ربهم غني عن ذلك كله ومنفرد بخلقه والإنعام به، فلم

стр. 281

يحتج هنا إلى تنبيههم بأن ذلك لهم إذ حالهم التذكر ومولااة الاعتبار لا الغفلة، وأخر ذكر ذلك إلى ذكر الرزق ليجري مع قوله في الزينة والطيب من الرزق: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف: ٣٢). أما آية النمل فقد تقدمها قوله تعالى: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: ٥٩)، فلما تضمنت تعنيفاً للمشركين على سوء مرتكبيهم وعماهم عن التفكير والاعتبار قصد تحريكهم وإيقاظهم من رقدة الغفلة، فقيل: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ) (النمل: ٦٠)، فحصل تنبيههم وإعلامهم أن إنزال الماء من السماء إنما هو لهم وأنه لا حاجة به سبحانه إليه، فاستجر الكلام تعنيفهم، ويشهد لهذا قوله تعالى عقب الآية: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: ٦٠) (أي يعدلون) بربهم غيره ويعدلون بعبادته إلى عبادة غيره، وكل هذا شرك لا فلاح معه، فلما قصد في الآية الثانية ما ذكرنا قدم المجرور، وشأنه أبداً إذا قدم إحراز معنى التنبيه حيث يقصد التحريك والإيقاظ لذي غفلة، أما إذا تأخر فلا يحرز هذا المعنى على الصفة التي يحرزه متقدماً. وتأمل الوارد من هذا في نظائر هذه (الآية) كقوله تعالى: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف: ١٢) خطاباً لمن تقدم ذكره في قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (العنكبوت: ٦١، وقوله خطاباً لفرعون وملئه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) (طه: ٥٣) وهذا بعد قول فرعون في إخبار الله تعالى عنه: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) (طه: ٤٩) إلى قوله: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) (طه: ٥١)، وقد تقدم بيان هذا في قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص: ٤) وما أنشده سيبويه، رحمة الله، من قول الشاعر: لتقربن قرباً جلديا ما دام فيهن فصيل حيا الآية الثالثة: غ - قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم: ٣٤) وفي سورة النحل: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل: ١٨)، فأعقب في الأولى قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) بغير ما أعقب في الثانية، يسأل عن ذلك؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن آية إبراهيم تقدمها قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم: ٢٨)، ثم قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) (إبراهيم: ٣٠)، ثم ذكر إنعامه على عباده في قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ

стр. 282

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) (إبراهيم: ٣٢) إلى قوله: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) (إبراهيم: ٣٤)، فناسب ما ذكره تعالى من توالي إنعامه ودرور إحسانه ومقابلة ذلك من العبيد بالتبديل وجعل الأنداد وصف الإنسان بأنه ظلوم كفار. أما آية النحل فلم يتقدمها غير ما نبه سبحانه وعباده المؤمنين من متوالي آلائه وإحسانه، وما ابتدأهم (به) من نعمة من لدن قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) (النحل: ٤)، ثم توالت (أيات) الامتنان والإحسان فقال تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ) (النحل: ٥)، فذكر تعالى بعضاً وعشرين من أمهات النعم إلى قوله منبهاً وموقظاً من الغفلة والنسيان: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (النحل: ١٧)، ثم أتبع بقوله سبحانه: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النحل: ١٨)، فناسب ختام هذا قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل: ١٨) فجاء كل على ما يناسب، والله أعلم. الآية الرابعة: غ - قوله تعالى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (إبراهيم: ٥٢)، وفي سورة ص: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية إبراهيم بقوله: (ليذكر) وآية ص بقوله: (ليتذكر) بتاء التفعيل؟ والجواب، والله أعلم: أن كلا الموضعين حاصل فيه التناسب، أما آية ص ففي قوله (ليدبروا) حرفان من الحروف الشديدة وهما الباء والدال وثانيهما مضعف فنسق عليهما قوله: (وليتذكر) وفيه أيضاً حرفان من حروف الشدة وهما الكاف والتاء وثانيهما مضعف، والتناسب بهذا واضح. وأما آية إبراهيم فورد فيها: (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا)، وقد عربت الكلمتان من حروف الشدة وإنما جميعها من الرخوة وهي ضد الشديدة، فناسبها عطفاًعليها قوله: (وليذكر) إذ ليس فيه من الحروف الشديدة غير الكاف، وأيضاً فإن يذكر ويتذكر معناهما واحد، والأصل للمدغم مفكوكة، فلفظ يذكر ثان عن يتذكر، وهو أكثر استعمالاً وأخف لفظاً، فقدم في سورة إبراهيم وأخر الأثقل في سورة ص على الترتيب المتقرر، على ما تقدم في قوله تعالى: (هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) (البقرة: ٣٨) في البقرة وقوله: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) (طه: ١٢٣) في سورة طه. وقد تقدم من هذا نظائر، وسيأتي أمثالها، واطراد ذلك شاهد برعيه، فحصل التناسب اللفظي من هذين الوجهين، وإن عكس الوارد لا يناسب والله أعلم. *******

стр. 283

سورة الحجر الآية الأولى غ - قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (الحجر: ١)، وفي سورة النمل: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: ١، فورد في هاتين السورتين ذكر الكتاب والقرآن معاً منسوقاً أحداهما على الآخر، ثم اختلفت كيفية الإيراد، فقدم في الأولى ذكر الكتاب وأخر في الثانية؟ والجواب عن هذا، قد تقدم في سورة الرعد. الآية الثانية: غ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الحجر: ١٠ - ١١)، وفي سورة الزخرف (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزخرف: ٦ - ٧)، للسائل أن يسأل عن تخصيص آية الحجر بقوله: ((من الرسل)) وآية الزخرف بقوله: ((من نبي))؟ والجواب، والله أعلم: أنه لما تقدم في آية الزخرف لفظ الخبرية وهي للتكثير ناسب ذلك ذكر من يوحي إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل، فورد هنا ما يعم الصنفين، ﵈. أما آية الحجر فلم يرد فيها ولا قبلها ما يطلب بالتكثير مع ما تضمنت من قصد تأنيسه، ﵇، وتسليته، فخضت بالتعبير باسم الرسالة تسلية له عن قولهم: (إنك لمجنون) بما جرى للرسل قبل، ﵈، من مثل ذلك، ومن البين أن موقع الرسل هنا أمكن في تسليته، ﵇، فجاء كل على ما يجب من المناسبة، والله أعلم. الآية الثالثة: غ - قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (الحجر: ١٢)، وفي سورة الشعراء: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (الشعراء: ٢٠٠)، فللسائل أن يسأل عن وجه ورود: (نسلكه) في سورة الحجر، وورود: (سلكناه) في سورة الشعراء؟ ووجه ذلك، والله أعلم: أنه تقدم في آية الحجر قوله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (الحجر: ٦)، وهو قول العتاة من كفار قريش وغيرهم الذين عُنُوا بقوله (تعالى) تهديداً ووعيداً: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر: ٣) ولم يتقدم في هذه السورة إخبار بحال غيرهم من مكذبي الأمم سوى التعريف بأن كل قرية أهلكت فبأجل معلوم وكتاب سابق لا يتأخر عنه ولا يتقدم، فحال

стр. 284

هؤلاء كحال من تقدمهم، كما قال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) (فاطر: ٤٣) وقوله: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ)، الضمير للمذكر المتقدم وهو هنا القرآن، والمراد بسلوكه في قلوبهم ما تحصل عندهم وقطعوا به من معرفتهم بباهر نظمه، ورفيع إيجازه، وعلى تناسبه، وأنه يفوق كل كلام مع أنه بلسانهم، وقد علموا مع هذا عجزهم عن معارضته مع أنه لم يرد بغير لسانهم ولا بما لا يعرفونه في محاوراتهم، فهذا المراد بسلوكه في قلوبهم، فقد كانوا متيقنين أنه ليس من كلام البشر وبهذا أخبر سبحانه عنهم تسلية لنبيه ﵇ فقال: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: ٣٣) وبعجزهم عن معارضته قامت الحجة عليهم، ثم امتنعوا من الإيمان بما سبق لهم في الأول (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) (يونس: ٩٦ - ٩٧)، فورد هنا (نسلكه) بلفظ المبهم لأن الإخبار عن كفار قريش ممن استمر على كفره فهو حالهم وقت نزول القرآن وبعده. وقوله: ((نسلكه)) مشعر باستمرار حالهم وموافاتهم على ذلك، وقد تأكد هذا بوصفه بالإجرام وتسجيل حالهم السيء بقوله: ((لايؤمنون))، وأداة لا نافية للمستقبل فناسب هذا لفظ المبهم المضارع. أما آية الشعراء فقد تقدمها ذكر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم من الأمم المكذبين، بعد سلوك ما ذكره سبحانه أنه زبر الأولين في قلوبهم، فلما تقدم أمرها أولاً، وانقطعت أومانها، وقعت العبارة بالماضي، فقال تعالى: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ)، ولم يناسب هنا غير الماضي، فقد وضح ورود كل من الموضعين على ما يناسب، ولم يناسب عكس الوارد، والله أعلم. الآية الرابعة قوله تعالى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (الحجر: ٣٤ - ٣٥)، وفي سورة ص: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (ص: ٧٨)، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف العبارتين من ورود اللعنة في سورة الحجر بالألف واللام، وفي ص بالإضافة مع اتحاد المعنى؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن آية الحجر وردت بالألف واللام، وهي الأداة المقتضية الحصر الجنسي حيث لا عهد، وذلك وارد على ما ينبغي لما قصد هنا من المبالعة، ولا سؤال فيه. وأما الوارد في سورة ص مضافاً لياء المتكلم فوجهه المناسبة اللفظية لقوله: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص: ٧٥)، فجرت العبارتان على منهج واحد ومسلك متناسب، ولم يكن ليتناسب العكس فيما ورد، والله أعلم.

стр. 285

الآية الخامسة: غ - قوله تعالى: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) (الحجر: ٥٣)، وكذا في سورة الذاريات: (قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) (الذاريات: ٢٨)، وورد في سورة الصافات: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (الصافات: ١٠١) خلاف الوصف بالعلم في السورتين. ووجه ذلك، والله أعلم: أن آية والصافات لما وردت كالتمهيد لما تلاها متصلاً بها من قوله: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) (الصافات: ١٠٢)، فتلقى الذبيح، وعليه السلام، ما أخبره (به)، أبوه - لعلمه أنه من أمر الله - بالرضى والصبر. قال ابن عطية في تفسير حليم: صابر محتمل عظيم العقل، قال: والحلم العقل، فأحسن، ﵇، جوب أبيه معزياً له محتسباً بنفسه، فناسب هذا الموضع وورد وصف الذبيح بالحلم. ولما لم يرد في الآيتين الأخريين ذكر الأمر بالذبح ناسبها الوصف بالعلم، وهو صفة الأنبياء، فورد كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. الآية السادسة من سورة الحجر قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٧٥ - ٧٧)، فيها سؤالان: جمع آيات في الأولى وإفراد ذلك في الثانية؟ وتخصص الاعتبار أولاً بالمتوسمين وثانياً بالمؤمنين؟ والجواب: أن المتقدم في ذكر ضيف إبراهيم ووجله، ﵇، منهم مع أنه كان لا يهاب كثرة الرجال لما منح من النبوة والأيد، إلى حال النبوة، وتخصيص الخِلة، ثم بشارة الملائكة له بالولد مع بلوغ الكبر، ثم سؤاله إياهم عن إرسالهم إذ ذاك فأخبروه أنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وكانت مدينتهم على قرب من حيث كان إبراهيم، ﵇، فسألهم - إشفاقاً ورحمة جبل عليهما الرسل والأنبياء - أيهلكون إن كان فيهم مؤمنون؟ وعن ذلك السؤال والمحاورة عبر بالمجادلة (في قوله): (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) (هود: ٧٤) أي يجادل رسلنا، وهي محاورته معهم وسؤاله إياهم حتى عرفوه أن آل لوط، ﵇، ناجون إلا امرأته، ثم أعقب ذلك من مجيء الملائكة من عند إبراهيم إلى لوط، وإنكار لوط أولاً إياهم حتى علم أنهم الملائكة ثم أمرهم أياه بأن يسري بأهله، وأن يُقدمهم أمامه، ولا يلتفت إلى ما وراءه، ولا يعرج على شيء فإن قومه هالكون صبح ليلتهم، ثم الإخبار بمجيء قوم لوط لما سمعوا بأضيافه وظنوا أنهم من البشر، وجاؤوا مسرعين طامعين في غلبة لوط، ﵇، وقهره في ضيفه ليأخذوهم لأغراضهم الشنيعة: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) (هود: ٧٨)، فذكرهم، عليه
следующие страницы →