Полный текст (513 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
يحتج هنا إلى تنبيههم بأن ذلك لهم إذ حالهم التذكر ومولااة الاعتبار لا الغفلة، وأخر ذكر ذلك إلى ذكر الرزق ليجري مع قوله في الزينة والطيب من الرزق: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف: ٣٢).
أما آية النمل فقد تقدمها قوله تعالى: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: ٥٩)، فلما تضمنت تعنيفاً للمشركين على سوء مرتكبيهم وعماهم عن التفكير والاعتبار قصد تحريكهم وإيقاظهم من رقدة الغفلة، فقيل: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ) (النمل: ٦٠)، فحصل تنبيههم وإعلامهم أن إنزال الماء من السماء إنما هو لهم وأنه لا حاجة به سبحانه إليه، فاستجر الكلام تعنيفهم، ويشهد لهذا قوله تعالى عقب الآية: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: ٦٠) (أي يعدلون) بربهم غيره ويعدلون بعبادته إلى عبادة غيره، وكل هذا شرك لا فلاح معه، فلما قصد في الآية الثانية ما ذكرنا قدم المجرور، وشأنه أبداً إذا قدم إحراز معنى التنبيه حيث يقصد التحريك والإيقاظ لذي غفلة، أما إذا تأخر فلا يحرز هذا المعنى على الصفة التي يحرزه متقدماً. وتأمل الوارد من هذا في نظائر هذه (الآية) كقوله تعالى: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف: ١٢) خطاباً لمن تقدم ذكره في قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (العنكبوت: ٦١، وقوله خطاباً لفرعون وملئه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) (طه: ٥٣) وهذا بعد قول فرعون في إخبار الله تعالى عنه: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) (طه: ٤٩) إلى قوله: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) (طه: ٥١)، وقد تقدم بيان هذا في قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص: ٤) وما أنشده سيبويه، رحمة الله، من قول الشاعر:
لتقربن قرباً جلديا ما دام فيهن فصيل حيا
الآية الثالثة: غ - قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم: ٣٤) وفي سورة النحل: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل: ١٨)، فأعقب في الأولى قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) بغير ما أعقب في الثانية، يسأل عن ذلك؟
والجواب عنه، والله أعلم: أن آية إبراهيم تقدمها قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم: ٢٨)، ثم قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) (إبراهيم: ٣٠)، ثم ذكر إنعامه على عباده في قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
стр. 282
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) (إبراهيم: ٣٢) إلى قوله: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) (إبراهيم: ٣٤)، فناسب ما ذكره تعالى من توالي إنعامه ودرور إحسانه ومقابلة ذلك من العبيد بالتبديل وجعل الأنداد وصف الإنسان بأنه ظلوم كفار.
أما آية النحل فلم يتقدمها غير ما نبه سبحانه وعباده المؤمنين من متوالي آلائه وإحسانه، وما ابتدأهم (به) من نعمة من لدن قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) (النحل: ٤)، ثم توالت (أيات) الامتنان والإحسان فقال تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ) (النحل: ٥)، فذكر تعالى بعضاً وعشرين من أمهات النعم إلى قوله منبهاً وموقظاً من الغفلة والنسيان: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (النحل: ١٧)، ثم أتبع بقوله سبحانه: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النحل: ١٨)، فناسب ختام هذا قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل: ١٨) فجاء كل على ما يناسب، والله أعلم.
الآية الرابعة: غ - قوله تعالى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (إبراهيم: ٥٢)، وفي سورة ص: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية إبراهيم بقوله: (ليذكر) وآية ص بقوله: (ليتذكر) بتاء التفعيل؟
والجواب، والله أعلم: أن كلا الموضعين حاصل فيه التناسب، أما آية ص ففي قوله (ليدبروا) حرفان من الحروف الشديدة وهما الباء والدال وثانيهما مضعف فنسق عليهما قوله: (وليتذكر) وفيه أيضاً حرفان من حروف الشدة وهما الكاف والتاء وثانيهما مضعف، والتناسب بهذا واضح. وأما آية إبراهيم فورد فيها: (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا)، وقد عربت الكلمتان من حروف الشدة وإنما جميعها من الرخوة وهي ضد الشديدة، فناسبها عطفاًعليها قوله: (وليذكر) إذ ليس فيه من الحروف الشديدة غير الكاف، وأيضاً فإن يذكر ويتذكر معناهما واحد، والأصل للمدغم مفكوكة، فلفظ يذكر ثان عن يتذكر، وهو أكثر استعمالاً وأخف لفظاً، فقدم في سورة إبراهيم وأخر الأثقل في سورة ص على الترتيب المتقرر، على ما تقدم في قوله تعالى: (هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) (البقرة: ٣٨) في البقرة وقوله: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) (طه: ١٢٣) في سورة طه. وقد تقدم من هذا نظائر، وسيأتي أمثالها، واطراد ذلك شاهد برعيه، فحصل التناسب اللفظي من هذين الوجهين، وإن عكس الوارد لا يناسب والله أعلم.
*******
стр. 283
سورة الحجر
الآية الأولى غ - قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (الحجر: ١)، وفي سورة النمل: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: ١، فورد في هاتين السورتين ذكر الكتاب والقرآن معاً منسوقاً أحداهما على الآخر، ثم اختلفت كيفية الإيراد، فقدم في الأولى ذكر الكتاب وأخر في الثانية؟
والجواب عن هذا، قد تقدم في سورة الرعد.
الآية الثانية: غ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الحجر: ١٠ - ١١)، وفي سورة الزخرف (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزخرف: ٦ - ٧)، للسائل أن يسأل عن تخصيص آية الحجر بقوله: ((من الرسل)) وآية الزخرف بقوله: ((من نبي))؟
والجواب، والله أعلم: أنه لما تقدم في آية الزخرف لفظ الخبرية وهي للتكثير ناسب ذلك ذكر من يوحي إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل، فورد هنا ما يعم الصنفين، ﵈. أما آية الحجر فلم يرد فيها ولا قبلها ما يطلب بالتكثير مع ما تضمنت من قصد تأنيسه، ﵇، وتسليته، فخضت بالتعبير باسم الرسالة تسلية له عن قولهم: (إنك لمجنون) بما جرى للرسل قبل، ﵈، من مثل ذلك، ومن البين أن موقع الرسل هنا أمكن في تسليته، ﵇، فجاء كل على ما يجب من المناسبة، والله أعلم.
الآية الثالثة: غ - قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (الحجر: ١٢)، وفي سورة الشعراء: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (الشعراء: ٢٠٠)، فللسائل أن يسأل عن وجه ورود: (نسلكه) في سورة الحجر، وورود: (سلكناه) في سورة الشعراء؟
ووجه ذلك، والله أعلم: أنه تقدم في آية الحجر قوله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (الحجر: ٦)، وهو قول العتاة من كفار قريش وغيرهم الذين عُنُوا بقوله (تعالى) تهديداً ووعيداً: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر: ٣) ولم يتقدم في هذه السورة إخبار بحال غيرهم من مكذبي الأمم سوى التعريف بأن كل قرية أهلكت فبأجل معلوم وكتاب سابق لا يتأخر عنه ولا يتقدم، فحال
стр. 284
هؤلاء كحال من تقدمهم، كما قال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) (فاطر: ٤٣) وقوله: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ)، الضمير للمذكر المتقدم وهو هنا القرآن، والمراد بسلوكه في قلوبهم ما تحصل عندهم وقطعوا به من معرفتهم بباهر نظمه، ورفيع إيجازه، وعلى تناسبه، وأنه يفوق كل كلام مع أنه بلسانهم، وقد علموا مع هذا عجزهم عن معارضته مع أنه لم يرد بغير لسانهم ولا بما لا يعرفونه في محاوراتهم، فهذا المراد بسلوكه في قلوبهم، فقد كانوا متيقنين أنه ليس من كلام البشر وبهذا أخبر سبحانه عنهم تسلية لنبيه ﵇ فقال: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: ٣٣) وبعجزهم عن معارضته قامت الحجة عليهم، ثم امتنعوا من الإيمان بما سبق لهم في الأول (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) (يونس: ٩٦ - ٩٧)، فورد هنا (نسلكه) بلفظ المبهم لأن الإخبار عن كفار قريش ممن استمر على كفره فهو حالهم وقت نزول القرآن وبعده. وقوله: ((نسلكه)) مشعر باستمرار حالهم وموافاتهم على ذلك، وقد تأكد هذا بوصفه بالإجرام وتسجيل حالهم السيء بقوله: ((لايؤمنون))، وأداة لا نافية للمستقبل فناسب هذا لفظ المبهم المضارع.
أما آية الشعراء فقد تقدمها ذكر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم من الأمم المكذبين، بعد سلوك ما ذكره سبحانه أنه زبر الأولين في قلوبهم، فلما تقدم أمرها أولاً، وانقطعت أومانها، وقعت العبارة بالماضي، فقال تعالى: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ)، ولم يناسب هنا غير الماضي، فقد وضح ورود كل من الموضعين على ما يناسب، ولم يناسب عكس الوارد، والله أعلم.
الآية الرابعة قوله تعالى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (الحجر: ٣٤ - ٣٥)، وفي سورة ص: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (ص: ٧٨)، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف العبارتين من ورود اللعنة في سورة الحجر بالألف واللام، وفي ص بالإضافة مع اتحاد المعنى؟
والجواب عنه، والله أعلم: أن آية الحجر وردت بالألف واللام، وهي الأداة المقتضية الحصر الجنسي حيث لا عهد، وذلك وارد على ما ينبغي لما قصد هنا من المبالعة، ولا سؤال فيه. وأما الوارد في سورة ص مضافاً لياء المتكلم فوجهه المناسبة اللفظية لقوله: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص: ٧٥)، فجرت العبارتان على منهج واحد ومسلك متناسب، ولم يكن ليتناسب العكس فيما ورد، والله أعلم.
стр. 285
الآية الخامسة: غ - قوله تعالى: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) (الحجر: ٥٣)، وكذا في سورة الذاريات: (قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) (الذاريات: ٢٨)، وورد في سورة الصافات: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (الصافات: ١٠١) خلاف الوصف بالعلم في السورتين.
ووجه ذلك، والله أعلم: أن آية والصافات لما وردت كالتمهيد لما تلاها متصلاً بها من قوله: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) (الصافات: ١٠٢)، فتلقى الذبيح، وعليه السلام، ما أخبره (به)، أبوه - لعلمه أنه من أمر الله - بالرضى والصبر. قال ابن عطية في تفسير حليم: صابر محتمل عظيم العقل، قال: والحلم العقل، فأحسن، ﵇، جوب أبيه معزياً له محتسباً بنفسه، فناسب هذا الموضع وورد وصف الذبيح بالحلم. ولما لم يرد في الآيتين الأخريين ذكر الأمر بالذبح ناسبها الوصف بالعلم، وهو صفة الأنبياء، فورد كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم.
الآية السادسة من سورة الحجر قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٧٥ - ٧٧)، فيها سؤالان: جمع آيات في الأولى وإفراد ذلك في الثانية؟ وتخصص الاعتبار أولاً بالمتوسمين وثانياً بالمؤمنين؟
والجواب: أن المتقدم في ذكر ضيف إبراهيم ووجله، ﵇، منهم مع أنه كان لا يهاب كثرة الرجال لما منح من النبوة والأيد، إلى حال النبوة، وتخصيص الخِلة، ثم بشارة الملائكة له بالولد مع بلوغ الكبر، ثم سؤاله إياهم عن إرسالهم إذ ذاك فأخبروه أنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وكانت مدينتهم على قرب من حيث كان إبراهيم، ﵇، فسألهم - إشفاقاً ورحمة جبل عليهما الرسل والأنبياء - أيهلكون إن كان فيهم مؤمنون؟ وعن ذلك السؤال والمحاورة عبر بالمجادلة (في قوله): (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) (هود: ٧٤) أي يجادل رسلنا، وهي محاورته معهم وسؤاله إياهم حتى عرفوه أن آل لوط، ﵇، ناجون إلا امرأته، ثم أعقب ذلك من مجيء الملائكة من عند إبراهيم إلى لوط، وإنكار لوط أولاً إياهم حتى علم أنهم الملائكة ثم أمرهم أياه بأن يسري بأهله، وأن يُقدمهم أمامه، ولا يلتفت إلى ما وراءه، ولا يعرج على شيء فإن قومه هالكون صبح ليلتهم، ثم الإخبار بمجيء قوم لوط لما سمعوا بأضيافه وظنوا أنهم من البشر، وجاؤوا مسرعين طامعين في غلبة لوط، ﵇، وقهره في ضيفه ليأخذوهم لأغراضهم الشنيعة: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) (هود: ٧٨)، فذكرهم، عليه
стр. 286
السلام، وأمرهم بتقوى الله، ، فقال: (إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ) (الحجر: ٦٨ - ٦٩)، ثم عرض عليهم نساء آله وقومه بالوجه المحل لذلك فقال: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي) (الحجر: ٧١)، ونساء قوم كل نبي بنات له، وهو لهم بمنزلة الأب (فلم) يجد ذلك عليهم شيئاً، وعند تمردهم وطغيانهم قال ﵇: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (هود: ٨٠)، أي عشيرة (وقبيلة) يحمونني، فقالت الملائكة إذ ذاك: إنهم لن يصلو إليك، أي لا سلطان لهم عليك ولا عون، فروي أن جبريل، ﵇، نفخ في أعينهم فخرجوا وقد عموا قائلين لمن وراءهم أن عند لوط سحرة أو كما قالوا، ثم صبحهم العذاب: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) (الحجر: ٧٣)، قال تعالى: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (الحجر: ٧٤)، هذه جمل ومقدمات عجائب من الآيات يجول فيها اعتبار المعتبر ويتسع له النظر، ويتوسم منها المتفرس مخائل الهلاك ومقدمات التلف لأولئك الأشرار، فقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر: ٧٥) أي المعتبرين أو المتفرسين والناظرين، فهذا مناسب لما تقدم. ثم لما تحصل من قوله تعالى: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) (الحجر: ٧٤) قلب مدينتهم المشاهد أثره مرئياً مشاهداً لمن أتى بعدهم قال تعالى: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) (الحجر: ٧٦) أي طريق واضح ودليل بين لمن شاهده وأبصره، وذلك أمر مدرك ومعتبر متخذ حاصل لنا تفصيل قصصه بخبر الصادق، ﵇، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٧٧)، وقال ((لمؤمنين)) أي للمصدقين المشاهدين أثرهم، فجاء كل على ما يجب، ولم يكن ليناسب المتقدم إفراد آية، ولا جعل العبرة للمصدقين مع ذكر المتوسمين في الأخرى ولا المتأخر ما ورد في الأولى، بل ورد كل على ما يجب ويناسب، والله سبحانه أعلم.
الآية السابعة: غ - قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨)، وفي سورة الشعراء: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥)،، فزيد هنا قوله: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ) ومقصود الآيتين واحد فللسائل أن يسأل عن وجه التخصيص؟
والجواب عن ذلك: إنه لما لم يتقدم آية الحجر تخصيص بمدعو بل تقدمها خطابه، ﵇، بالتأنيس والتسلية عمن أعرض والرفق بمن آمن فقال تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨)، لم يحتج هنا إلى زيادة. ولما تقدم آية الشعراء قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: ٢١٤)، والإنذار يستصحب التخويف والاستعلاء على من يخاطب به، اتبع ذلك تعالى تلطفاً وإنعاماً على من آمن من عشيرته، ﵇، وغيره بقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) فقيل هنا: (لِمَنِ
стр. 287
اتَّبَعَكَ) ليكون أنص في تعميم المؤمنين مطلقاً من العشيرة وغيرهم، ولو قيل هنا ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) لما كان نصاً في التعميم بل كان يحتمل أن يراد به خصوص المؤمنين من عشيرته، ﵇، وكأن قد قيل: واخفض جناحك لمت آمن منهم أي من العشيرة، لأن لفظ المؤمنين هنا - وإن عم - فإنه مما تقدمه وبني عليه من قوله: ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: ٢١٤) يشبه الوارد من العمومات على سبب خاص، وذلك مما يكسر سورة عمومه ويدخله الخلاف، فجيء بالمجموع من قوله: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) لايمتنع أن يراد به الخصوص، فالجواب ان رجوع الضمير إلى العشيرة على اللزوم غير لازم بل يمكن رجوعه إلى الجميع من متماد على كفره ومتبع. أما الأول فبين، وأما الثاني فالارتداد وقد قال تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) (آل عمران: ٨٦)، بل رجوع الضمير إلى الكل أولى ليستصحب المؤمن الخوف، ولهذا قيل: (فَإِنْ عَصَوْكَ) لوقوع اسم المعصية على الكفر وما فوقه.
****
стр. 288
سورة النحل
الآية الأولى منها قوله تعالى: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (النحل: ١١ - ١٣). يسأل عن توحيد آية (في الآية) الأولى والثالثة وجمعها في الآية الثانية المتوسطة؟ وعن تعقيب الأولى بقوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وتعقيب الثانية بقوله: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) والثالثة بقوله: (لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)؟
والجواب عن السؤال الأول: أن الإشارة بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ) في الآية الأولى إلى المنزل من السماء في قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) (النحل: ١٠)، ثم قال: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) (النحل: ١١) أي ينبت لكم بالماء المنزل من السماء - مع وحدته في الصفة - ضروب الأقوات والفواكه وأنواع الثمرات فقيل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) بالإفراد، لأن الإشارة إلى الماء أو إلى إنبات أنواع الثمرات المختلفات في الطعن والألوان مع وحدة المادة من الماء وهو واحد، وكذلك الآية الثالثة الإشارة فيها إلأى الجنس الواحد الواقع عليه لفظ (ما) من قوله: (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُه) فأفرد هذا الضمير أيضاً لرجوعه إلى ((ما)) الواقعة على جنس واحد مبثوث في الأرض يشتكل على أنواع مختلفة في الطعوم والألوان، فأفرد لفظ الآية لما أفرد لفظ الضمير لوقوع ذلك على الجنس الذي عبرت عنه ((ما))، وهو جنس واحد، فاقتضى ذلك إفراد آية. وأما الآية المتوسطة فالإشارة فيها إلى خمسة أشياء مختلفة، أحيل عليها في الاعتبار، وسخرت لنا تسخيراً به قوام معشنا وصح أحوالنا ومعرفة حسابنا، وهي الليل والنهار والشمس والقمروالنجوم، وكل واحد من هذه تتسع جهات النظر فيه والاعتبار بعجائبه، فالليل للسكون والراحة والنهار للاكتساب والتصرف والسياحة، والشمس للإضاءة والتسخين، والقمر للنورية والترطيب والتكوين، وبكلا النيرين معرفة الشهور والسنين،
стр. 289
(لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) (يس: ٤٠)، والنجوم للاهتداء في ظلمات البراري والبحار، وجهات الاعتبار بهذه الخمس يفوت الإحصاء، فللإشارة إلأى هذه المتعددات جمع فقيل: ((لآيات)).
والجواب الثاني، وهو وصف المعتبرين في الآية الأولى بالتفكير وفي الثانية بالعقل وفي الثالثة بالتذكير: أن إنبات الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومختلف الثمرات بالماء المنزل من السماء مع كونه واحداً والمنبت مختلف الأنواع والطعوم والمنافع أمر يوصل إلى تعرفه وارتباطه باستعمال الفكر في ذلك وإن لم يطل، بشرط السلامة من الغفلة، فيحصل بمجرد الفكر على عظيم المعتبر. وأما تسخير الليل والنهار إلى ما ذكر معهما فلا يكتفي في (معرفة) ذلك والحصول على الاعتبار به بمجرد الفكر، فإن العلم بتسخير هذه مما يغمض ويخفى إلا على ذوي البصائر والفطن السليمة والعقول الراجحة، فلم يقنع التفكر هنا بل وصف المعتبر بها بما هو فوق الفكر، وتأصل ما تعقب به موضوع الاعتبار في قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) (البقرة: ١٦٤)، إلى قوله: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: ١٦٤)، لما كان في الاعتبار بما انطوت عليه الآية غموض وخفاء قيل: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، وأما الآية الثالثة وهي قوله: (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) (النحل: ١٣) ببدأة الفكر السالم، فقصد التذكير كاف في حصول الاعتبار بذلك. فإذا تأملت ما ذكرناه ألفيت ذلك كله وارداً على أجل مناسبة، وعملت أن كل آية من هذه الثلاث لا يناسبها إلا ما أعقب به.
الآية الثانية من سورة النحل قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: ١٤)، وقال في سورة الملائكة: (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (فاطر: ١٢).
وفي هذه الآية ثلاث سؤالات: الأول: لم أخر المجرور وفي سورة النحل فقيل: (مَوَاخِرَ فِيهِ) وقدم في السورة الأخرى فقيل: (فِيهِ مَوَاخِرَ)؟ والثاني: زيادة الواو في قوله: (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) في سورة النحل وسقوطها في سورة الملائكة؟، والثالث: زيادة ((منه)) في سورة النحل في قوله: (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) وسقوط ذلك في سورة الملائكة)؟
стр. 290
والجواب عن الآول: أن أية النحل بنيت على تاخير المجرورات عما تعلقت به، وجرى الكلام جريا واحدا للتناسب والتشاكل، فقيل: لتأكلوا منه، وتستخرجوا منه، ومواخرفيه. ولو قيل هنا: فية مواخر وتقدم المجرور على العامل فبه وهو مواخر اسم فاعل مجموع من المخر وهو شق السفينة الماء بحيزومها لما ناسب ما تقدم مما بنيت الآية عليه وتقدم فى المجرورين قبله.
أما اية الملائكة فمبنية على تقدم المجرور على ما به تعلق (قال تعالى): (ومن كل تاكلون لحما طريا)، وتأكلون العامل فى المجرور الذى هو كل متاخر عنه، فناسب ذلك تأخر العامل أيضا فى المجرور الثانى ليتناسب الكلام ببناء أخره على ما بنى أوله ولم يكن ليصح ما لا يتناسب.
والجواب عن السؤال الثانى: أن أية النحل مبنية على قصد الاعتبار وتعداد النعم وقد اجتمع فى قوله تعالى: (وهو الذى سخر البحر) الآية، مجموع الآمرين من الاعتبار وابداء النعمة بتسخير البحر وأكل اللحم الطرى منه واخراج الحلية للباس ومخر السفن اياه للمنافع والاكتساب، فهذهنعم جليلة، وفى كل منها مجال للاعتبار ومتسع للتفكير والنظر، فلما كان من مقصود هذهالآية تعداد النعم ناسب ذللك عطف بعضها على بعض لانه مظنة اطناب وتفصيل، فقيل: (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضله) (النحل: ١٤)، والمجرور متعلق بفعل التسخير، واستخراج الحلية، وجرى السفن والابتغاء من فضل الله.
وأما أية سورة الملائكة فبينت على ابداء القدرة وجليل الحكمة ألا ترى قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) (فاطر: ١١)، ثم قال: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) (فاطر: ١٢)، فهذامقصود به الاعتباروالتعريف بانفراده سبحانه بخلق ذلك ابداء النعم وجليل الاحسان، ولكن مقصود الآية وبناءها على ما ذكرنا، ثم تجرد باقى الكلام للتعريف بالانعام والامتنان فقال تعالى: (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) (فاطر: ١٢)، فتعلق المجرور الذى هو لتبتغو باسم الفاعل المجموع اى سخرة للابيتغاء من فضلة، فالابتغاء هنا منجر طي الكلام، والامتناء مقصود، ألا ترى أن مخر السفن كأنه ليس لشيء الا للابتغاء، فلما تعلقت اللام بمواخر من حيث تحمل اللفظ معنى الفعل لم يصح دخول
стр. 291
الواو، ولم يكن كأية النحل، فافترق القصدان، ولم يلائم كلا من الموضعين الا الوارد فيه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن معنى الكلام فى قوله (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (فاطر: ١٢) مستقل، لا ابهام فيه ولا احتمال لآن تقدير الكلام: من كل البحر أكلكم واستخراج الحلية للباس فالكلام فى قوة المبتأوالخبر، لايوهم خلاف ما ذكر، وأما قوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (النحل: ١٤) فلو سقط هنا المجرور الذى هو ((منه)) لكان مجالا للاحتمال، لو قيل: وتستخرجوا حلية لم يكن بالنص فى أن استخراج الحلية من البحر وان كان ظاهرا الا أن هذا القدر من الاحتمال منقدح هنا وغير منقدح فى أية الملائكة لآنة لا انقداح فيها للاحتمال فورد كل على ما يجب، والله واعلم.
الآية الثالثة من سورة النحل قوله تعالى: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (النحل: ١٢)، وفى سورة الزمر: (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (الزمر: ٧٢)، وفى سورة المؤمن: (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (غافر: ٧٦)، للسائل أن يسأل عن زيادة اللام فى اية النحل وسقوطها فى الآيتين الآخريين وما وجه ذلك؟
والجواب عن ذلك: أن أية النحل تقدمها ثمانى أيات أو نحوها فى ذكر هؤلاء المقول لهم: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) وفى وصفهم من لدن قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (النحل: ٢٤) الى قوله: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) (النحل: ٢٩)، وتلك اطالة فى ذكرهم، والاستيفاء يناسبه التأكيد باللام المشيرة الى معنى القسم، وأما الآيتان فى سورة الزمر وسورة المؤمن فان المتقدم فى الاولى منهما قوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) (الزمر: ٧١) الى قوله (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) (الزمر: ٧٢)، وذلك كلام قد جمع الى الوجازة أنة لم يذكر من كفرهم مثل ما ذكر فى المذكورين قبل أية النحل من ردهم المنزل بقولهم: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وتلك مقالة شنعاء من كفرهم، فناسب الايجازالواقع قبل أية الزمر مع أجمل فيها من كفرهم بسقوط اللام من قوله: ((فبئس)). وأما أية سورة المؤمن فلم يقع ايضا قبلها استيفاء التعريف ما وقع في سورة النحل ولا نص من شنيع مرتكبهم على غير التكذيب، فناسب ذلك سقوط اللام كما فى سورة الزمر، وورد كل على ما يجب ويناسب.
стр. 292
الآية الرابعة قوله تعالى: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (النحل: ٣٤)، وفيسورة الزمر: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) (الزمر: ٥١).
ووجه ذلك، والله اعلم: استدعاء التناسب في كل من الموضعين، وقد ورد قبل أية النحل قوله تعالى مخبرا عن المشركين: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: ٢٨)، (ثم استمرت الاية الى قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: ٣٢))، ثم صرف الكلام الى كفار العرب فى توقفهم عن الايمان فقيل: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ) (النحل: ٣٣)، ثم قيل: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (النحل: ٣٣)، والمرادمن قال: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) (النحل: ٢٨) ومن كان على مثل حالهم فقيل بناء على قولهم: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) (النحل: ٣٤)، وتناسب هذا أبين تناسب.
وأما أية الزمر فقد وقع قبلها قوله: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (الزمر: ٤٧) الى قوله: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزمر: ٤٧و٤٨) وبعد هذا: (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، ثم قال: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ (يعنى كفار العرب)
سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) (الزمر: ٥١)، فقد وضح وجه التناسب فى الآيتين، وعكس الوارد لا يناسب، والله اعلم.
الآية الخامسة قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (النحل: ٥٣ - ٥٥)، (وفى الروم: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (النحل: ٣٣ - ٣٤))، وفى العنكبوت: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (العنكبوت٦٥ - ٦٦)، للسائل أن يسأل عن وجه تكرر اللام فى قوله: ((وليتمتعوا)) في سورة العنكبوت ولم يتكرر فى الآيتين الآخريين؟ وهل بين أية العنكبوت وأيتى النحل والروم فرق فى ذلك يوجب تكرار اللام حيث ذكر ام لا؟ وهل قوله فى سورة العنكبوت: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) يعم جميع المذكورين فى ذلك؟ وقال فى
стр. 293
الآيتين الآخريين: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) فخص بعضهم ولم يعم فهل لذلك موجب؟ فهذان سؤالان.
والجواب: أن هذه اللام فى قولة تعالى: ((ليكفروا))، ((وليتمتعوا)) لام مقصود به التهديد والوعيد كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) (فصلت: ٤٠) و (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) (هود: ٩٣) وقوله (وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: ٢٩). واذا تقرر هذا فقوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ ٠٠٠) (النحل: ٥٣ - ٥٤) خطاب يعم ولا يخص، واذا كان الخطاب يشمل العام الكثير فأبعد شيء أن يكونوا فى تلقيه على حد واحد، بل يكون منهم المقبل والمعرض، فعلى هذا الحكم ورد فى سورتى النحل والروم (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ)، لان ما تقدم من الخطاب الاخبارى فى قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) الى قوله: (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ)، وفى قوله فى الروم: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ) الى قوله: (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ) عام غير خاص، فقد تفصل تلقيهمنوافترقت احوالهم بشاهد جرى العادة الذى لا ينكسر. واذا تقرر هذا فالوعيد لا يعمهم معنى، بل يخص الفريق المسمى وان عم بلفظه تخويفا لمن عدا ذلك الفريق وليكون ارهب للجميع وان تفصلت احوالهم.
اما قوله تعالى فى سورة العنكبوت: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ) (العنكبوت: ٦٥) فليس هؤلاء كل الناس، ولا يتناول الخطاب غير من ذكر، فقوله بعد: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)
يتناول جميع من شمله الضمير فى قوله ((ركبوا)) وظاهر الخطاب تساوى هؤلاء فى مرتكبهم، فالوعيد شامل لجميعهم ومتناول جملتهم، فحسن توكيد الوعيد لشموله لهؤلاء المخصومين فقيل: ((وليتمتعوا))، ولم يحسن في المذكورين في آيتي النحل والروم لتفصيل أحوالهم، فجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم.
الآية السادسة: غ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (النحل: ٦٠)، وفي سورة الروم: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم: ٢٧)، للسائل أن يسأل عما زيد في آية الروم من قوله: (فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مع أن ذلك مفهوم من الآية الأخرى وملعوم (لايمكن خلافه) وإن يقع به إفصاح في اللفظ؟
стр. 294
والجواب أن ذلك إنما جرى بحسب مقتضى المقصود في كل من الآيتين، أما آية النحل فقد تقدمها قوله تعالى: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) (النحل: ٦٠)، فقوبل بحسب التفصيل ومقتضى التقابل بقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (النحل: ٦٠)، فتطابق الكلام وتناسب موزانة لفظ وجليل تقابل، ولم يقع قلبها ذكر السماوات والأرض، فلم يكن ليناسب ذلك ذكرهما بعده.
وأما آية الروم فتقدمها قوله : (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) (الروم: ٢٦)، ثم قال بعد: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الروم: ٢٧)، ووضوح التناسب في هذا غير محتاج إلى زيادة بيان.
الآية السابعة منها قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (النحل: ٦١)، وفي سورة الملائكة: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (النحل: ٦١)، فيهما سؤالان: أحدهما، قوله تعالى في الأولى: (بظلمهم) وفي الثانية (بما كسبوا) والثاني، قوله في الأولى (عليها) وفي الثانية (على ظهرها).
والجواب: أن آية النحل تقدمها قوله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) (النحل: ٥٨ - ٥٩)، فإشارة الآية إلى وأدهم البنات - وهو أعظم الظلم وأشنعه إذ لم يتقدم للمؤودة جريمة ولا شبهة يتعلق بها قاتلها - ناسب هذا ذكر الظلم، فقال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ)، والضمير في عليها للأرض، يفهمه سياق الكلام، فناسب ما أشير إليه من عظيم ظلمهم التوبيخ بذكر الظلم في قوله: (بظلمهم). ولما لم يتقدم في آية سورة الملائكة إفصاح بذكر الظلم بل تقدمها قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ) (فاطر: ٤٢ - ٤٣) إلى قوله: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) (فاطر: ٤٣)، فأشير إلى اجتراماتهم وسيء اكتسابهم بنفورهم ومكرهم السيء، فناسب ذلك قوله: (بما كسبوا) وقيل هنا: (ما ترك على ظهرها) والضمير للأرض يسره السياق كالأول، وقيل: (على ظهرها) ليناسب في طول تركيبه قوله: (بما كسبوا)، كما ناسب قوله (عليها) في الآية الأولى قوله: (بظلمهم) في قلة حروفه تناسب التوازن والتقابل، فورد كلّ على ما يجب.
стр. 295
الآية الثامنة منها قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: ٦٥ - ٦٩)، في هذا ثلاثة سؤلاات: الألو إفراد ((آية)) في الثلاثة مواضع مع أن الثاني منها قد تفصل فيه الاعتبار بذكر الأنعام ولبنها وذكر ثمرات النخيل والأعناب وما يتخذ منها، فيسبق في الظاهر أن الواجب جمع آيات بخلاف الآية الأولى والثالثة (فقد) أفردت فقيل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، والسؤال الثاني: ما وجه ختام الأولى بقوله: (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)، والثانية (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، والثالثة: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)؟ والسؤال الثالث: ورود ضمير الأنعام مفرداً في قوله: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ)، وما الفرق بين هذا وبين الوارد في سورة المؤمنون: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) (المؤمنون: ٢١) والجواب عن السؤال الأول أن قوله: (لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، راجع إلى قوله: (ومن ثمرات النخيل والاعناب) .. الآية، وذلك اعتبار باتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والآعناب وهو نوع واحد، وقد أفرد فى قوله: (تتخذون منه) فجاء افراد أية عن ذلك، واما اخراج اللبن من بين الفرث والدم في الآنعام فلا يرجع اليه قوله (ان فى ذلك لآية) اذ قد اغنى عن ذلك قوله: (وان لكم فى الآنعام لعبرة نسقيكم)، فقوله ((لعبرة)) كاف عن ((أية)) ومغن ذلك الغنى. فلا حاجة للجميع بينهما، وانما مرجع أية لما ذكر من المتخذ من ثمرات النخيل والآعناب كما تبين، فليدفع هذا السؤالجملة. وكذلك الآية الآولى الاعتبار فيهابالماء المنزل من السماء، والاعتبار فى الثانية بما تضمنت من أمر النحل والايحاء اليه بما ذكر، فالاعتبار فى كل منها انما وقع بنوع مفرد، وما وقع من تفصيل فمصرفه الى حال أو وصف مع وحدة النوع.
واجواب عن السؤال الثانى: أن وجه مناسبة قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) [النحل: ٦٥] لقوله: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [النحل: ٦٥] ... الآية، بناء ذلك على المتصل به من قوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النحل: ٦٤]، ثم قال: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، فاتصل ذكر انزال الكتاب بانزال الماء، وما سماه رحمة الا لرحمته عباده به، وماء السماء رحمة، وقد سماه بذلك، وبالمنزل من الكتاب يتذكر اعتبار الرحمة (بالماء) المنزل من السماء، ولا يحتاج
стр. 296
في ذلك إلى كبير تذكر، بل التنبيه على إنزاله بالوارد في الكتاب مع مساهده منافعه كاف في العتبار، وفي إحياء الأرض به بعد موتها أوضح شهادة لإحياء الموتى وإخراجهم لما وعدوا به، فالتحم الكلام، وتناسب النظم والمعنى. وإنما تحصل ثمرة الكتاب المنزل بسماعه، ولذلك نهي المعرضون عنه أتباعهم فقالوا: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) (فصلت: ٢٦) وقال في قسم من رحم بسماعه من الجن: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي) (الجن: ١و٢)، وإنما يستجيب سامعه إذا كان غير معرض، فإذا لم يصغ إلى اعتبار ما أعقب به من إنزال السماء، فلهذا الالتحام أعقبت الآية المذكورة بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)، والله أعلم.
وأما الآية الثانية فلما وقع فيها ذكر السَّكَر في قوله: (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرً) (النحل: ٦٧) وذلك حكم لا يمكن الوصول إلى مرفة سببه ولا تعليله بطريق الحواس، ولا يوصل إلى ذلك بجهة تفكر أو اعتبار، عبر بقوله: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) إذ العقل يسلم إمكان ما لا تعلم له على مما ليس بمحال، فيكون مما ينفرد تعالى بعلمه، ويعجز البشر عن فهمه. وأما الآية الثالثة فمحل ومجال للتفكر ومتسع للاعتبار فناسبه قوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
والجواب عن السؤال الثالث: أي قوله: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) (النحل: ٦٦) بإفراد الضمير وتذكيره مراد به الجنس، وقد حكى سيبويه، ﵀، أن من العرب من يقول: هو الأنعام، وعليه حمل آية الأنعام في تذكير الضمير، وورد في سورة المؤمنون على التأنيث والجمع لما بني على ذلك من قوله: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) (المؤمنون: ٢١ - ٢٢)، فنوسب بضمير الأنعام ما أتبع به من الضمائر في قوله: فيها، ومنها، وعليها. فورد بصورة التأنيث والجمع.
الآية التاسعة من سورة النحل قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (النحل: ٧٠)، وفي سورة الحج: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً) (الحج: ٥)، للسائل أن يسأل عن زيادة ((من)) في قوله: (مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) وسقوطها من آية النحل مع اتحاد المعنى، هل ذلك لسبب حامل يقتضي زيادتها هنا وسقوطها هناك؟
والجواب: أن سبب ذلك - والله أعلم - التناسب وتشاكل النظم ومراعاة اللفظ ألا ترى إلى تكرر ((من)) في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ
стр. 297
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج: ٥)، فقد تكررت لفظة ((من)) هذه في هذا الآية في ستة مواضع، الخمسة منها قبل قوله: (مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) والواحدة بعدها، وكلها محرزة معناها الذي جيء بها من أجله إلا التي في قوله: (من بعد) إذ النظم مع سقوطها (ملتئم) والمعنى تام، فاستوى وجودها وعدمها، فاستعاها سياق آية الحج للتشاكل والتناسب في النظم، ولم يكن في آية النحل ما يستدعيها إذ لم يرد ما يقتضيها، فورد كل على ما يجب ويناسب، ولا يمكن العكس والأولى في قوله: (من البعث) لابتداء الغاية وما بعدها للتبعيض إلا التي في قوله: (مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ) فإنها زائدة رعياً للفظ لا النافية، وإن كانت هنا مزيدة.
الآية العاشرة من سورة النحل قوله تعالى: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (النحل: ٧٢)، وفي العنكبوت: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت: ٦٧)، للسائل أن يسأل عن ثبوت الضمير المنفصل المبتدإ في قوله: (هُمْ يَكْفُرُونَ) في آية النحل وسقوطه من آية العنكبوت مع أن المعنى متحد والعبارة متكررة أعني قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ .... ) الآية، فما وجه ذلك؟
والجواب، والله أعلم: أن الوارد في آية لانخل راجع إلى من قدم ذكرهم في قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) (النحل: ٥٦)، وفي قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ) (النحل: ٥٧) إلى قوله: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (النحل: ٦٠)، وقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل: ٧٢)، فلما كان قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) راجعاً إلى ما تباعد أتى بضميرهم المشعر بالبعد هو ضمير الغائبين فقيل: ((هم))، وارتفع بالإتيان به توهم عودة ضمير يُؤمنون إلى المقول لهم: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً).
فإن قيل: لو قيل تؤمنون وتكفرون على الخطاب لكان للمخاطبين بقوله: (لكم)) أما على وروده على طريقة الإخبار عن الغائبين فلا يوهم ما ذكرت فلا ضرورة تدعو إلى
стр. 298
ضميرهم. قلت: هذا لو لم يكن الالتفات من فصيح كلام العرب، وهو الرجوع عن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب وإلى المتكلم كقوله:
تطاول ليلك بالإثمد ونام الخلي ولم ترقدِ
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمدِ
وذلك من نبأ جاءني وخبرته عن أبي الأسودِ
فتأمل كيف التفت في قوله: (وبات وباتت له ليلة)) بعد الخطاب بقوله: (تطاول ليلك .. ) ((ولم ترقد))، (فرجع) الخطاب إلى الغيبة. ثم قال: (وذلك من نبأ جاءني) - فرجع إلى المتكلم، وإنما خاطب بكل ذلك نفسه، وفي الكتاب العزيز (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) (يونس: ٢٢)، فقوله: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) رجوع من الخطاب إلى الغيبة، وفي الكتاب من ذلك كثير. فإذا تقرر أن الالتفات من فصيح كلامهم فما يمنع من احتمال أن يفهم قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) على أنه راجع إلى المخاطبين بقوله: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) على طريقة الالتفات رجوعاً من الخطاب إلى الغيبة، فجاء قوله: (وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ) بضمير الغائبين رافعاً لهذا الإبهام وما للمعنى المقصود بالكلام من رجوعه إلى من تقدم ذكره، فهذا موجب ورود هذا الضمير المبتدأ هنا.
أما قوله في سورة العنكبوت: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت: ٦٧)، فكرمهم لا يرجع شيء منه إلى متقدم قبله فيتباعد عنه بل هو مستقل بنفسه، والمعّنيون بوقله: (أَوَلَمْ يَرَوْا) هم المراد (بقوله) (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)، وليست هذه الآية مثل آية النحل فيما إلى ما احتيج هناك، فكل من الآيتين وارد على ما يجب ويناسب، ولا يمكن عكس الوارد على ما تمهد، والله أعلم.
الآية الحادية عشرة: غ - قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: ٧٨)، وفي سورة المؤمنون: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (المؤمنون: ٧٨)، وفي سورة الملك: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (الملك: ٢٣)، فورد في هاتين الآيتين نفي شكرهم على المعروف من هذه العبارة أو تقليله بمقتضى اللفظ، وورد في آية سورة النحل
стр. 299
ترجي (شكرهم) مع اتحاد المقصود من إبداء عظيم النعمة بالإسماع والإبصار، فللسائل أن يسأل عن الفرق؟
والجواب، والله أعلم: أن آية النحل مبتدأة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) (النحل): ٧٨)، فناسب هذا - لكونه وصف حال قبل تعيين التكليف ورود الترجي لأن يكون منهم الشكر لذكره إياهم في حال لم يتهيؤوا فيها بعد لقبول أمر أو نهي أو إعراض عن ذلك، ولا يتعلق بهم التكليف، فناسب هذا ذكر الترجي.
أما الآيتان بعد فالإخبار فيهما عن أحوال من استوفى سن التكليف وعقل الخطاب (وشاهد العضات) وفهمها، وتكرر عليه التذكار فلم يجد عليه شيئا، ألا ترى أن قبل آية المؤمنون (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) (المؤمنون: ٧٦)، إلى ما اتصل بهذا.
فقد صدر عن هؤلاء التعامي فخالف الوارد في آية النحل، فناسب ذلك هنا نفي شكرهم.
وأما آية الملك المخاطب بها من قيل له تعريفاً وتوبيخاً (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ) (الملك: ٢٠) إلى قوله: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ) (الملك: ٢٣)، والآي مشيرة إلى موالاة إنعامه سبحانه على عبادة وإدرار أرزاقهم إلى ما يجري مع هذا، فناسب ذلك الحين لم يجد عليهم مستمر إحسانه ومتوالي إنعامه أن نفى تعالى شكرهم، فقد وضح التناسب في هذه الآي، ووردت كل واحدة منها على ما يجب، وإن عكس الوارد غير مناسب.
الآية الثانية عشرة: غ - قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) (النحل: ٧٩)، وفي سورة الملك: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) (الملك: ١٩)، فورد في الأولى: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) وفي الثانية: (إِلَّا الرَّحْمَنُ) ومقصود الآيتين في التنبيه على الاعتبار بعظيم قدرته تعالى وعلى حكمته في تسخير الطير في جو السماء وتسخير الهواء وتهيئة (لذلك) بتقدير العزيز الحكيم مقصود واحد، للسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب، والله أعلم: أن آية سورة الملك لما انطوت على ذكر حالين للطائر من صفة جناحية وقبضهما، وهما حالتان يستريح إليهما الطائر، فتارة يصف جناحية كأنه لا حركة به، وتارة يقبضهما إلى جنبيه حتى يلزقهما بهما، ثم يبسطهما ويقبضهما موالاة بسرعة كما يفعل السابح، فناسب هذا الإنعام منه تعالى وورد اسمه الرحمان. أما آية
стр. 300
النحل لم يرد فيها ذكر هذه الاستراحة فقيل هنا: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) (النحل: ٧٩)، وتناسب ذلك وامتنع عكس الوارد بما تبين، والله أعلم.
الآية الثالثة عشر: غ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) (النحل: ٨٤)، وفي آية سادسة من هذه: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: ٨٩)، ففي الأولى (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ) وفي الثانية (فِي كُلِّ أُمَّةٍ)، وفي الأولى: (شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وفي الثانية: (شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ)، فللسائل أن يسأل عن موجب الاختلاف في الآيتين؟
واعلم أن الآية الأولى متفق فيها على أن المراد بها الأنبياء، ﵈، مع أممهم، وكل نبي شاهد على أمته ولها بإيمان مؤمنها وكفر كافرها، ولم يختلف المفسرون في هذا، وإنما السؤال في الآية الثانية لاختلافهم فيها، فأكثر المفسرين لم يفرق بينها وبين الأولى فيما قصد بها، وأن نبينا محمداً ﷺ شاهد على أمته كشهدة الرسل على أممهم، ثم إن هذه تضمنت زائداً على ذلك حسبما نبينه، وأشار بعضهم إلى الفرق بين الآيتين من غير تحرير ولا ركون إلى توجيه يعتمد، فأقول - وأسأل الله توفيقه: إن هذه الآية لثانية المراد بها تخصيص نبينا محمد ﷺ بالإفصاح فيها - ما شاركت فيه الأولى - بما منح من الكتاب العزيز وعظيم النعمة عليه وعلى أمته، فاتسؤنف وقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا). وكرر ليبنى عليه ما بعد من قوله: (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ... ) الآية، فهذا من قبيل قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا) (الأعراف: ٩٠)، وقد تقدم هذا قوله تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ) (الأعراف: ٨٨)، فكرر: (قَالَ الْمَلَأُ) ليبني عليه ما اتصل به، ونحو هذا قوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (البقرة: ١٥٠)، وقد تقدم أمره ﵇، (بهذا) إلا أنه أعيد ليبنى عليه ما بعد من قوله تعالى: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: ١٥٠) ليفهم وحيث ما كنتم من البلاد أو المواضع التي خرجتم إليها، ولم تكن الآية المتقدمة لتعطي ذلك إلا باعتماد من غير تحرير، فلم يكن بد من إعادة ما ذكر ليتحرر المعنى المراد من الآية، وقد مر بيان ذلك في سورة البقرة عند ذكر الآية المشار إليها. ومن نحو هذا في الإخبار قوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا
стр. 301
وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) (المؤمنون: ٣٥)، فكرر (أنكم) ليبنى عليه (الخبر) بالإعادة والإخراج بما بعد من قوله في أول الآية: (إنكم)، وهو مرتكب بليغ متكرر في الكتاب العزيز، فكذا الوارد في هذه الآية من قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ)، تكرر لعظيم ما بني عليه وقصد الإخبار والبشارة من قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: ٨٩). فلما بين هذا الإنعام العظيم وبين الحاصل طي الآية المتقدمة من مخوف الوعيد، أعقب به التعريف فيها بالشهادة، من قوله تعالى: (ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) (النحل: ٨٤)، إلى ما تلا هذا.
فالآيتان فيما أعقبتا به، وأنيط بكل واحدة منها، معرفتان بالحال في الطرفين، الأولى معقب فيها التخويف والتهديد بأشد الوعيد، والثانية أعقب مخوف تهديدها بترجي السلامة من مهول وعيدها بما اتبعت به، مما يفهم البشارة والتلطف والإنعام بقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: ٨٩). بعد ذكر نبينا ﵇. المراد بهذا الخطاب التعريف بشهادته لأمته مفصحاً بالإشارة إليه تخويفاً وتعظيماً، وبالإنعام بما أولاه ومنح أمته من الرحمة بالكتاب المهيمن على سواه من الكتب والمبين لك شيء والهدى والرحمة والبشرى، أوزعنا الله شكر نعمه، وجعلنا من أمة هذا النبي الكريم بمنه.
ولما كان قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) (النحل: ٨٩) حاصلاً منه تعقيبه، ﵇، وتحقيق كونه الشهيد على أمته، وكونه من أنفسنا ورد ما قبله محرراً فيه ذلك الغرض من تحقيق ذلك الحكم، من أن كل نبي قبله إنما كان من أنفس القوم المرسل إليهم ذلك الرسول لا من غيرهم، وهو الشهيد عليهم، وحقق ذلك في الثانية بما يحرزه حررف الوعاء الذي هو ((في)) ويقتضيه من استحكام الإخبار بكون الشهيد من نفس الأمة، لأن قوله: (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ) يحتمل أن يراد به أن يكون منهم في مذهب أو جامع بينهم وبينه، من غير أن يكون من أنفسهم، أما قوله: (فِي كُلِّ أُمَّةٍ) فأنص في الاتصال واللزوق، لاسيما بما اتبع به من قوله: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، فطوبق بين المتقابلين من قوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (النحل: ٨٩) وقوله: (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) (الحل: ٨٩)، فقد وضح ما باينت هذه الآية (به الآية)، وبانت جلالة هذا النظم العجيب، وأن ما توهم تكراره ليس بتكرار، إذا كان مقصود ما أعيد مما (تقدم) ذكره الشهيد لما بني عليه. فتحصل من هذه الآية العظيمة جليل الاعتناء بهذا النبي الكريم
стр. 302
صلى الله عليه وسلم تأنيسه، مالآية في قوله تأنيساً للأمة وإعلاماً بعظيم مكانته ﷺ : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) (التوبة: ١٢٨) فهذا - والله أعلم - فصل ما بين الآيتين، وقد بان فيه التناسب، وجلالة النظم، وحسن الالتئام، والله أعلم بما أراد.
فصل: لم يتعرض لهذه الآية أكثر المفسرين، ومن تعرض منهم لها ألحقها بالأول، وقد وقفت في التفسير الكبير المنسوب للإمام أبي الفضل بن الخطيب، وقد تعرض لهذه الآية فأورد مأخذ الإمامية بأن كل عصر لا يخلو من إمام معصوم، وذكر تخريج الآية عندهم، ثم محله، واتبع بأن قال: فثبت أنه لابد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم، ثم حكى عن أبي بكر الأصم أن المراد بالشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أجزاء الإنسان تشهد عليه، وهي: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان، قال والتدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد: أنه من أنفسهم، وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم وذكر أن القاضي أجاب عن هذا من وجوه: الأول أنه تعالى قال: (شهيد)) فيجب أن يكون غيرهم، والثاني أنه من كل أمة فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنه من الأمة، هذا حاصل ما وقع في هذا التفسير، ولم يقع فيه تعرض لشيء من ألفاظ الآية، وتنزيل هذه المآخذ على الآية، وأخذها من أبعد شيء، وقد ذكرت في ذلك منزلاً عن الآية ما أراه الأولى في المراد بها، والله أعلم.
وأما قول الإمامية: إنه لا بد في كل عصر وقرن من إمام معصوم يشهد عليها في القيامة فباطل، وقد كفانا وجه فساده من تقدم، وقول الأصم بعيد لما قاله القاضي، وأما ما اعتمده أبو الفضل فبعيد أيضاً، فيه ما يشبه الصغو إلى قول الإمامية، وقد ورد في الصحيح أن الرسل هم الذين يشهدون على أممهم، وعلى ذلك حمل المفسرون قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء: ٤١)، ولا فرق بين هذه الآي، والله أعلم.
الآية الرابعة عشر وهي من تمام ما قبلها: غ - قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: ٨٩)، وفيما بعد من هذه السورة: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: ١٠٢)، فورد في الأولى زيادة (رحمة) مع اتحاد المقصود في الموضعين من وصف الكتاب، وهذا يظاهر الوارد في الموضعين، فيسأل عن ذلك؟
стр. 303
والجواب عن ذلك أن الأولى مقصود بها بشارة وإنعام لا يشوبه غيره، وقد تبين ذلك، أما الثانية فوارده مورد الزجر والتعنيف لمن لم يؤمن مع البشارة للمؤمنين، ألا ترى ما تقدمها من قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) (النحل: ١٠١)، فجووبوا عن هذا بقوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (النحل: ١٠٢)، أي قل لهم يا محمد هذا الكلام، وورد بعدها: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) (النحل: ١٠٣)، فاكتنف الآية المذكورة ما يفهم التعنيف لهم والوعيد على مرتكبهم، ووضح أن المقصود لم يتحد في الآيتين كما يوهم للبادي من ظاهرهما، وأن زيادة قوله: (ورحمة) في الأولى مناسب لمقصودها من البشارة والإنعام المجرد عن اتصال ما يفهم تعنيفاً أو وعيداً، ولم يكن ورود ذلك ليناسب الوارد في الثانية، فورد في كل على ما يجب، والله أعلم.
الآية الخامسة عشرة قوله تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٦)، وقال بعد (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٧)، وفي آية الزمر: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الزمر: ٣٥)، فورد هنا ((الذي)) مكان ((ما) في الآيتين في سورة النحل، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب عنه، والله أعلم: أن آية النحل الأولى لما افتتحت بما الموصولة في قوله تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ)، والمراد بها الإطلاق والعموم، كانت في هذا الموضوع أولى من لفظ ((الذي)) وإن اشتركا في الموصولية، إلا أن ((الذي)) لا تفارق الموصولية، فهي كأنها أعرق في التعريف من ((ما))، لخروج ((ما)) عن الموصلية من حيث إنها تكون حال اسميتها شرطاً واستفهاماً، ولا يفارقها العموم والإطلاق في هذين الموضعين، ولا الإبهام إذا كانت صفة أو نكرة موصوفة أو تعجباً، وبالجملة فالإطلاق أملك (بها)، وهو هنا مقصود، وأما (الذي) فلا تفارق الموصولية، والعهدية فيها أغلب من الجنسية، فما في الآية أحرز للمقصود منها فوردت فيها، وتكررت في قوله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ)، ومعنى الحصر والتعميم فيهما واحد، والكلام مراعى فيه معناه، وكأن قد قيل: كل ما عندكم ينفذ وكل ما عند الله باق، ولفظ ((ما)) أجرى هنا من ((الذي)) لما يحرزه من معنى الإطلاق، ولما تقرر من التزامها العموم في الشرط والاستفهام، وأنها لا تمنع الاشتراك حال إبهامها فيما عدا الموضعين.
стр. 304
ومن أهل النظر من يطلق العموم بمعنى منع الشركة، والذي لا يقول هذا لايمكنه إنكار الإبهام الإطلاقي وكيفما قيل فإن معنى التوسعة لا يفارقها، وليست ((الذي) كذلك، فكانت ((ما)) أملك بالمعنى المقصود في الموضع، ثم ناسبها وجرى معها ورودها في قوله: (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ولم تكن ((الذي)) لتناسب فجاء كل على ما يجب.
وقوله في الآية الثانية: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) (النحل: ٩٧)، الآية جارية مجرى الآية التي قبلها، و ((من)) أقرب لها من ((الذي)) لما بينهما من الاشتراك في المعاني التي لا تشاركها فيها ((الذي))، ألا ترى أن ((الذي)) لا تكون استفهاماً البتة، ولا نكرة موصوفة ولا مبهمة، إذ لا يفارقها التعريف. فإن قلت قد يدخلها معنى الشرط في نحو قوله: الذي يأتيني فله درهم، وهو المسوغ لدخول الفاء في خبرها في مثل هذا المثال ففيها إذ ذاك عموم. قلت ذلك متوقف على شروط معلومة، ولو لم يتوقف ذلك على شرط لبقي اشتراك فيما لا تدخل فيه ((الذي)). فمن على كل حال أجري مع ما يناسبها وما انجر معها من تقوية قصد الاستغراق من قوله: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)، وهذا المنجر في هذه الآية يقابل تكرار ما في الآية قبل، هذه كتلك بهذا النظير من غير فرق، فلم يكن ليناسب ذلك ورود ((الذي)) مكان ((ما)) في قوله: (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فتناسب هذا كله أوضح شيء، ولا يمكن في هاتين الآيتين ورود لفظ ((الذي)) مكان ((ما)) لمن لحظ المراعى في الآية من عليّ، نظم الكتاب العزيز، واعتبر التناسب الذي يعجز البشر عن محافظه رعية، ولا يمكن الوفاء به بوجه إلا في كتاب الله سبحانه.
وأما آية الزمر فوارده في معنى الخصوص المقصود به طائفة بعينها ألا ترى ما قبلها من قوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) (الزمر: ٣٣)، والمراد بالذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ ، ولاذي صدق به متقدمو أصحابه ممن سبق وحسن تصديقه كأبي بكر، ﵁، ومن قارب حاله وجرى في (نحو) مضماره، وهؤلاء مخصوصون لا يشاركهم في حالهم غيرهم، وفيهم ورد ما بعد، وإليهم ترجع الضمائر من قوله: (هُمُ الْمُتَّقُونَ)، وقوله: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (الزمر: ٣٤)، وقوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ) (الزمر: ٣٥)، فلم يكن ليصلح هنا غير الأداة العهدية، فجاء ((بالذي)) في الموضعين من قوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الزمر: ٣٥)، ولم تكن ((ما)) لتناسب هنا لما تقدم، فجاء كل على ما يجب ويناسب، ولا يمكن فيه عكس الوارد في الضربين على ما تقدم، والله سبحانه أعلم.
стр. 305
سورة بني إسرائيل (الإسراء)
الآية الأولى قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا) (الإسراء: ٤١)، وفيما بعد: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الإسراء: ٨٩)، وفي الكهف: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف: ٥٤)، ففي الأولى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ)، وفي الثانية: (لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ)، وفي الثالثة: بتأخير الناس، يسأل عن ذلك؟
والجواب عنه، والله أعلم: أن الأولى وقع قبلها: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا) (الإسراء: ٤٠)، وهذا خطاب مراد به كفار العرب، فلم يذكر فيه لفظ الناس العام لهم ولغيرهم، إذ الخطاب خاص بهم.
وأما الآية الثانية فقبلها: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) (الإسراء: ٨٨)، ثم قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ) (الإسراء: ٨٩)، فخض الفريقين وعين ممن ذكر الناس اعتناء بهم، أعني بالجنس الإنساني، ليظهر شرفهم على الجن، وقدم الناس لما يعطيه تقديم المجرور، وقد مر هذا، وأيضاً فلثقل التكرر فيما تقارب، ولو قيل: ولقد صّرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل فأبي أكثر الناس إلا كفوراً لجاء لفظ الناس كأنه قد أعيد متصلاً، والعرب تستثقل مثل هذا، فقدم المجرور ليستحكم الفصل فلا يستثقل.
وأما آية الكهف فلم يتكرر فيها لفظ الناس فيقع استثقال، فقدم قوله: (فِي هَذَا الْقُرْآنِ) (الكهف: ٥٤)، لأن تقديمة أهم، إذ هو أبلغ في تنبيههم على الاعتبار. وقد مر قول سيبويه في مثل هذا (صفحة ٢٥٦و٢٨٧).
وأما آية الكهف فلم يقع قبلها ذكر الثقلين معاً فيحتاج إلى ذكر تقديم الناس كما احتيج في آية الإسراء، ألا ترى أن فصل آية الكهف: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) (الككهف: ٥٢) الآية، فلم يرد فيها ما في الأخرى، وكان الأهم ذكر القرآن الشافي لمعتبر ما صُرف فيه من الأمثال. فقيل: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ
стр. 306
كُلِّ مَثَلٍ) (الكهف: ٥٤)، ولكون الخطاب عاماً في الإنسان لم يكن بد من ذكر الناس، بخلاف الآية الأولى من سورة الإسراء، إذ خطابها خاص بالقائلين من كفار العرب: إن الملائكة بنات الله، تعالى (الله) عن ذلك علواً كبيراً، فقد ورد كل من هذه الآيات على ما يناسب ويلائم ما اتصل به.
وأما ختام الأولى بقوله: (وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا) (الإسراء: ٤١) فالضمير للمذكورين ممن خص بمقصود الخطاب المكنى عنهم بقوله: (لِيَذَّكَّرُوا)، وأما أعقاب الثانية بقوله: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الإسراء: ٨٩) فلتعطي إعادة الظاهر من التعنيف والتقريع ما لا يعطيه المضمر، ولأن أول الخطاب وصدر الآية لما قدم فيه ذكر الناس لشرف الجنس الإنساني على الجن، ثم لم يكن ممن لم يؤمن إلا العناد، قيل: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ) ليعطي بفحواه أن كأن قد قيل: فأبى أكثر الناس على تشريفهم وتفضيلنا إياهم إلا الكفر، فأحرز الظاهر مالم يكن ليحرزه إضمارهم، فتأمل ذلك.
وأما قوله عقب آية الكهف: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف: ٥٤) فمن المعلوم جدال كل فرد ومعاند عن دينه ومذهبه، قال تعالى: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ) (الأنفال: ٦)، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) (غافر: ٦٩)، وإذا كان الجدال من صفة كل مخالف في مذهب أو معتقد لم يبق السؤال هنا إلا عن وجه تخصيص هذه الآية بوصف الإنسان هنا بالجدل؟ والجواب أنه وصف هنا بذلك ليكون ختام هذه الآية هذه الآية تمهيداً لما سيأتي بعده من قوله تعالى: (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) (الكهف: ٥٦)، فلما بني هذا على الآية، واتصل الكلام والتحم نوسب بينهما، وليس في الآيتين قبل، ولا فيما تقدم كل واحدة منهما، (وفيما بني عليهما، ما يستدعي ذكر الجدل ولا الوصف به، فلذلك أعقبت كل واحدة منهما بما تقدم، فأعقبت الأولى بقوله تعالى: (وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا) لما بين من استدعاء الآية ذلك، وأعقبت الثانية بقوله: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) لما بين أيضاً عند ذكر ذلك، وأعقبت هذه الأخرى بما يناسب ما ورد عليه بعده، وجاء كل على ما يجب.
الآية الثانية قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) (الإسراء: ٥٦)، وفي سورة سبأ: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (سبأ: ٢٢)، للسائل أن يسأل عن الوجه في ورود اسم الجلالة مضمراً في قوله: (مِنْ دُونِهِ) في سورة الإسار، ومظهراً في قوله: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) في السورة الأخرى وهل كان يجوز العكس؟
стр. 307
والجواب: أن آية سبأ تقدم قبلها تعالى مخبراً عن الكافرين: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ) (سبأ: ٢٠)، ثم قال بعد آية من تمام الآية التي قبلها: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (سبأ: ٢٢)، فجيء بالاسم الظاهر ليكون أبعد على إيهام عودة الضمير ورجوعه إلى المتبع لهم في الآية المتقدمة، وإنما المراد قل ادعوا كل من اتبعتم بعبادة أو صغو إلى ما يريده من إضلالكم، ولا شك أن إبليس رأس المضلين، وأولى من أمروا تعجيزاً لهم وقطعاً (بهم) بدعائه في قوله (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (سبأ: ٢٢)، فورد التحفيظ بإيراد الظاهر مما كان المضمر يوهمه، وجاءت الآية على ما يجب.
أما آية بني إسرائيل فإن قبلها قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) (الإسراء: ٥٤)، ثم قال: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الإسراء: ٥٥) الآية، ثم قال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) (الإسراء: ٥٦) بالضمير مناسبة، ولم يكن ليناسب الظاهر هنا، فجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم.
فإن قيل: فقد ورد قبل قوله: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) (الإسراء: ٥٤)، وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) (الإسراء: ٥٣) كما ورد قبل آية سبأ، فلم خصت آية سبأ بعودة الاسم ظاهراً دون آية بني إسرائيل؟ قلت: ورد ذكره في بني إسرائيل (محذراً منه) موصوفاً بنزعه وعداوته، مع أن الآية خطاب بأمر المؤمنين بقوله: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء: ٥٣)، والإضافة في قوله: (وَقُلْ لِعِبَادِي) إضافة تخصيص، والأمر أمر بما هو أولى، وليس يواجه ولا يخاطب بها إلا المؤمنون، ثم إنها أتبعت بما يلائم الآية المتكلم فيها أجل ملاءمة. وأما ورود ذكر إبليس في سورة سبأ فمتصل بالآية، وإبلييس فيها موصوف بأنه أتبع، وأنه صدق ظنه على المذكورين، والآية إخبار عن الكفار، والكلام كله إعلام بحالهم إلى قوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) (سبأ: ٢٢)، فهذا الاعتراض غير لازم، وورود كل من الآيتين على أعلى تناسب وأجل ملاءمة، ولو قدر عكس الوارد لما صح على الجاري المطرد في نظم الكتاب العزيز، والله أعلم بما أراد.
الآية الثالثة قوله تعالى: (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) (الإسراء: ٦٨ - ٦٩)، ثم ورد بعد هذا بآيات: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:
стр. 308
٧٥)، (ثم) قال بعد: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا) (الإسراء: ٨٦)، للسائل أن يسأل عن وجه ختم الآية الأولى بقوله: (لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا)، والثانية بقوله: (ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا)، والثالثة بقوله: (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)، والرابعة بقوله: (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا)؟
والجواب: أن معنى كل آية منها استدعى تعقيبها بما به أعقبت، فأما الأولى فلما تقدمها قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) (الإسراء: ٦٧، أي اضمحل تعلقكم بشيء من أندادكم ومعبوداتكم سواه، وبطل ذلك، ولجأتم إليه سبحانه، كما قال في آية أخرى: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل: ٥٣)، فلما دعوتموه ونجاكم إلى البر أعرضتم ورجعتم إلى ما كنتم قبل من شرككم (وظنكم) أن قد أمنتم عذابه، أفأمنتم عذابه (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ) (الإسراء: ٦٨) أي يقلب بكم جانب البر، وهو الذي حملكم وأقلكم عند انفصالكم من البحر، ونجاتكم منه، وذلك جانب من البر إذ ليس البر كله هو المستقل بهم إذ ذاك، وإنما هم في قطعة من البر وجانب من الأرض، والأرض كلها لله سبحانه، أفأمنتم أخذه سبحانه لكم بالخسف وإرسال حاصب من الريح (وهي الرييح الشديدة)، ترميكم بالحصباء حتى تهلككم رجماً، ثم لا تجدوا إذ ذاك من يتوكل بصرف ذلك عنكم ودفعه عن إهلاككم، فيتدارككم المتوكل لكم بدفع ذلك وصرفه عنكم، فتحصلون في حزب الناجين بعد مشاهدة الهلاك، هل تجدون براً، فهذا تقدير دافع قبل الإمضاء. ثم قال: (ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) (الإسراء: ٦٩)، أي مطالباً يطلبنا بثأركم بعد إهلاككم بغرقكم، فلما كان القدر تعلقهم به من بعد الموت والتلف بالإغراق ناسب ذلك ولاءنه تسمية هذا المقدر الطالب تبيعاً، ولأنه يتبع بعد الموت، كما يسمى طلب ذمة (من مات) تبعاً واتباعاً، ومنه (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) (القرة: ١٧٨)، والتابع من يجيء بعد. ولما كان المقدر في الآية الأولى دافعاً قبل الفوت (ومانعاً) دون الاستئصال ناسبه العبارة: (بوكيل) لأنه الذي يدفع ويمنع الوصول أو الاستئصال، فجاء كل على ما يجب، ولم ين ليلائم ختام هذه الآية ختام تلك ولا ختام تلك ما ختمت به هذه وأما قوله: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) (الإسراء: ٧٥) فالمراد
стр. 309
تضعيف عذاب الآخرة وعذاب القبر، والتضعيف التكثير، فختم هذه الآية بقوله: (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء: ٧٥) أبين شيء، لأن الامتحان عندنا في الشاهد، وإذاقه العذاب إنما تكون من ذي استعلاء وقهر، فيلجأ فيه إلى الناصر إن وجد. وأما قوله في الآية بعد هذا: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) (الإسراء: ٨٦)، أي لنرفعن القرآن ونذهبه من الصدور ثم لا تجد وكيلاً يمنعنا عن ذلك، ولا من يقوم بدفعنا عنه، وليس هنا ما يستدعي الانتصار.
(فكل) من هاتين الآيتين على ما يجب ويناسب، ولا يلائم ختام هذه الآية ختام ما قبلها، ولا ما ختمت به الآية قبلها، وذلك بحول الله تعالى.
الآية الرابعة: غ - قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) (الإسراء: ٩٤)، وفي سورة الكهف: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (الكهف: ٥٥)، فورد في الثانية: (وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) ولم يرد في الأولى، فيسأل عن ذلك؟
والجواب، والله أعلم: أن الآية الأولى تقدمها قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الإسراء: ٨٩)، فقوله تعالى مخبراً عن عتاة قريش: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) (الإسراء: ٩٠) إلى الثامنة من مقتراحاتهم، وهي تمنيهم تنزل كتاب يقرؤونه، فبالغوا في شنيع اقتراحاتهم، وتوغلوا في مطالبهم المفصحة باليأس (من) فلاحهم، فحصل من جملة حالهم بعدهم عن الإنابة إلى الإيمان، فلم يكن ذكر الاستغفار ليناسب هنا، لأنه إنما يكون مما (لا) يبلغ الكفر من المعاصي، هذا الغالب في وروده، أما حيث يفصح بالكفر فليس موضع ورود الاستغفار، ولما كان المتقدم قبل آية الكهف لا يبلغ مبلغ الآية المتقدمة في الإفصاح بتمردهم وعتوهم ناسبه ذكر الاستغفار، ألا ترى أن قوله تعالى قبل آية الكهف: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف: ٥٤)، وليس قوله فيها: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) في قوله في آية الإسراء: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الإسراء: ٨٩)، لأن الجدال لا يلزم منه أن يكون مرتكبه كافراً، وإنما مظنة الجدال التناظر في الطرفين والاحتجاج بمتقابل المذهبين إلى ما يرجع إلى هذا، وقد قال لنبيه ﷺ : (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: ١٢٥)، والمراد بذلك ملاطفتهم في الاحتجاج عليهم والصبر والتحمل لما عسى أن يكون منهم.
стр. 310
فلما كان الوارد في آية الكهف من وصف حالهم لا يبلغ مبلغ الوارد في آية الإسراء ورد فيه ذكر الاستغفار موازنه للين ما بني عليه من الإخبار بكثرة جدالهم، إذ ليس كالوارد في الآية الأخرى من الإفصاح بكفرهم وسوء حالتهم، ولم يناسب آية سورة الإسراء أن يرد فيها ذكر الاستغفار، وإن كان حال المحكي عنهم في الآيتين غير مفارق للكفر ولا نازح عنه حال الإخبار، وقد تقدم هذا في أول آية من هذه السورة، ولكن تناسب النظم في الشدة واللين مراعى معتمد، فجاء كل على ما يجب، (والله سبحانه أعلم بما أراد).
الآية الخامسة: غ - قوله تعالى: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) (الإسراء: ٩٨)، وفي سورة الكهف: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) (الكهف: ١٠٦)، ففي هذه الآية (جهنم) ولم ترد في الأولى مع وحدة المعنى، فيسأل عن ذلك؟
والجواب، والله أعلم: أن قوله في الأولى: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ) إلى ما اتصل به من قوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) (الإسراء: ٩٧)، ثم قال (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ). الإشارة إلى ضروب عقابهم ومأواهم، واسم الإشارة متصل بما أشير بع إليه، لم يفصل بينهما إلا بوصف جهنم التي هي مأواهم، فجاء على ما يجب.
أما قوله في الثانية: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ) فالإشارة إلأى جهنم المتقدم ذكرها في قوله (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ) (الكهف: ١٠٠) وقوله (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ) (الكهف: ١٠٢)، لما بعد ما بين اسم الإشارة والمشار إليه بما فصل به بينهما من قوله: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) (الكهف: ١٠٣) وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ .... ) (الكهف: ١٠٥) الآيتين، فلبعد اسم الإشارة عما أشير به إليه أعيد مظهراً فقيل: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ)، وجاء كل على كا جيب، والله أعلم.
****
стр. 311
سورة الكهف
الآية الأولى منها قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) (الكهف: ٢٢) يسأل عن اختصاص الثمانية بالواو؟ ولِمَ لم ترد الجملة من قوله تعالى: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) صفة للنكرة قبلها كما تقدم فيما قبل؟ ولم عدل (إلى) العطف؟
وأظهر جواب عن هذا - والله أعلم - أن هذا الإخبار العليّ معرف باختلاف اليهود في فتيو الكهف، وإنهم أو أكثرهم لم يتحققوا عددهم، فحكى سبحانه قولهم، وانجر بإيماء وإشارة تقرير الصحيح من قولهم، مع أنهم أعني أكثر يهود غير عالمين بذلك ولا مرجحين، فأتى بالجملة الأولى وهي قوله: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ) أعني المحكية بعد القول، إذ التقدير: هم ثلاثة، ثم سيقت الجملة من قوله: (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) صفة للثلاثة، والجملة تقع صفة للنكرة وحالاً من المعرفة، ثم قال: (وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ)، فسادسهم صفة للنكرة كالمتقدمة، ثم أتبع هذا الكلام من اختلافهم بقوله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) فأفهم - والله أعلم - أن هذا ليس من نمط ما تقدم، فكأن (قد) قيل: ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وأن هذا ليس داخلاً تحت ما تقدم من أنه رجم بالغيب وأن الوصف بتلك الحال إنما يرجع لما قبله من قولهم: ثلاثة رابعهم كلبهم وخمسة سادسهم كلبهم كلام ابن عباس، ﵁، ومن تبعه من المفسرين.
قلت حكى سيبويه أن العرب ستعمل الحذف كثيراً في كلامهم، ومنه قولهم فيما حكى سيبويه، ﵀، (اللهم ضبعاً وذيباً)، وإذا كان القائل يدعو بذلك على غنم رجل قال: وإذا سألتهم ما يعنون؟ قالوا: اللهم اجمع فيها ضبعاً وذيباً، وحكى عن أبي الخطاب أنه سمع بعض العرب وقيل له: لم أفسدتم مكانكم فقال: الصبيان بأبي، كأنه
стр. 312
ذحذر أن يلام فقال: لم الصبيان. وقيل لبعض العرب: أما بمكان كذا وكذا وجذ فقال بلى وحاذا (أي فاعرف بها وجاذا)، وهو المكان الممسك للماء، ويحذفون الجملة الاسمية برأسها إذا دل الدليل عليها كما يفعلون في الجملة الفعلية، قال تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) (الطلاق: ٤) أي فعدتهن ثلاثة أشهر، والحذف في كلامهم كثير إذا كان في الكلام ما يدل على المحذوف، فظهر لي هنا (والله أعلم) أن الواو في قوله: (وَثَامِنُهُمْ) إنما عطف بها على جملة اسمية محذوفة كما قدمنا، ومن المفسرين من جعل هذه الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل (على الواقعة) حالاً عن المعرفة في نحو جاءني زيد ومعه أخوه، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله : (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) (الحجر: ٤)، وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو وهي التي آذنت بأن الذين قالوا: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما فعل غيرهم، والدليل عليه أن الله سبحانه أتبع القولين الأولين بقوله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ)، وأتبع القول الثالث بقوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) (الكهف: ٢٢) وقال ابن عباس، ﵁: (حين وقعت الواو انقطعت العدة) أي لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثابت، وقيل: (إِلَّا قَلِيلٌ) أي من أهل الكتاب، والضمير في (سيقولون) على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم لهم بذلك (إلا) في قليل منهم، وأكثرهم على ظن وتخمين. انتهى ما قاله الزمخشري وحكاه، وقد حصل منه أن قليلاً من أهل الكتاب قد كان يعلم عددهم وهذا لا ينافره المأخذ المتقدم. وحكى المفسرون أن ابن عباس، ﵁، كان يقول في قوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) أنا من ذلك القليل، وهذا القدر كاف، والله أعلم.
الآية الثانية من سورة الكهف قوله تعالى في قصة صاحب الجنة: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف: ٣٦)، وفي سورة حم السجدة: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) (فصلت: ٥٠)، للسائل أن يسأل عن اختصاص آية الكهف بقوله: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ) واختصاص آية السجدة بقوله: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ) (مع) أن الظاهر اتحاد المقصود في الآيتين؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم، أن الآيتين وإن اتحدتا في الغاية الحاصل منها
стр. 313
وصف حال الكافر المنكر للبعث الوارد في كل واحدة منهما في قوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) (الكهف: ٣٦، فصلت: ٥٠)، إن آية الكهف منهما أقوى تعريفاً ببعد الكافر المضروب به المثل عن حال الإيمان. وأما آية السجدة فصالحة لاتصاف الكافر والمؤمن بحال المفتتحة بها من قوله: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ) (فصلت: ٤٩)، من حيث إن هذا الوصف وصف يعم المؤمن والكافر، ولهذا قال ابن عطية بعد أن ذر أن المراد بها الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة: فإن أكثرها يعطي أن الآية نزلت في كفار، ثم قال: وإن تضمن أولها خلقاً ربما يشارك فيه بعض المؤمنين، فحصل من كلامه أن هذا التعريف بحال المضروب به المثل في هذه الآية أرجأ من حال المضروب به المثل في آية الكهف، ألا ترى أن آية الكهف لا يكاد شيء من كلمها يجري في وصف المؤمنين، ألا ترى ابتداء مطلع وصف المذكور فيها مخبراً عنه بقوله: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) (الكهف: ٣٥)، وبقوله: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) (الكهف: ٣٥ - ٣٦)، ثم حكم لنفسه بعد إنكاره العبث باستحقاق ما عجل له من جعل الجنتين كما وصفتا، فقال: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف: ٣٦)، فتأمل ما بين هذه الكلم الواردة في وصف هذا الكافر والوادة في قوله في آية سورة السجدة (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ) (فصلت: ٤٩)، أي من أن يدعو بالخير لنفسه ويستزيد منه، وهذه صفة توجد في المؤمنين، وبها افتتح الوصف المضروب به المثل في هذه الآية، ثم قال بعدما ذكر من كلامه: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) (فصلت: ٥٠)، فقوله: (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) ليس في موازنة قول الآخر في آية الكهف: (لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف: ٣٦) وإن خفي ما بينهما. فلما افترقت الآيتان فيما ذكر، ناسب آية الكهف قوله: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ)، لما يشعر لفظ رددت ويحتمله من القهر والتعنيف وقوعاً أكثرياً لا بالوضع، بخلاف لفظ رجع إذا قلت منه: رجعته أو رجع فإنه لا يحتمل ولا يفهم من معنى القهر والتعنيف ما يحتمله ردّ، ألا ترى وروده في مثل قوله: (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا) (الكهف: ٨٧)، وقوله: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) (التوبة: ٩٤)، وقوله بعد: (وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) (التوبة: ١٠٥)، وفي الصحيح قوله ﷺ في الشيطان حين تعرض (له) في صلاته، قال ﷺ : (فرده الله خاسئاً)، ففي كثرة ورود هذا حيث يراد هذا المعنى أدل دليل على ما أشير إليه. أما رجع وما تصرف منه فقل ما يرد لهذا، وإن ورد فليس ككثرة رد. فأما قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)
стр. 314
(البقرة: ٢٨١)، فهذا عام للمؤمن والكافر وإن كان أظهر في المؤمن، فلا معنى تعنيف فيه، فوضح التناسب في الآيتين.
الآية الثالثة من سورة الكهف قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا) (الكهف: ٥٧)، وفي سورة سجدة لقمان: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) (السجدة: ٢٢)، للسائل أن يسأل عن ورود آية الكهف بفاء التعقيب وآية السجدة بثم المقتضية المهلة؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن سورة الكهف مكية، والخطاب فيها من أولها إلى الآية المتكلم فيها لم يخرج إلى غير العرب، أعني أنه لم يتعرض فيها إلى إخبار بحال غيرهم، إلا ما عرفوه من قصة أهل الكهف وخبرهم، وهو من سؤالات قريش بتنبيه يهود إياهم حسبما وقع في الحديث، فقوله في الآية المذكورة: (بِآيَاتِ رَبِّهِ)، والمراد بالآيات القرآن ودلائله الواضحة، وإن كان اللفظ مقتضياً كل ما يسمى آية إلا أن آية القرآن أعمد ما قصد هنا، ويشهد لذلك قوله : (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) (الكهف: ٥٧)، وما تقدم الآية من قوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) (الكهف: ٥٤) الآية من قوله: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى) (الكهف: ٥٥)، والمراد به القرآن، قال تعالى: (هَذَا هُدًى) (الجاثية: ١١)، والحجة قائمة عليهم عقب سماعهم وتدبرهم، فورد بالفاء المقتضية التعقيب على ما يجب.
وأما آية السجدة، وإن كانت السورة مكية أيضاً، فإن الآية عامة في حق العرب وغيرهم، والإخبار فيها إنما هو عن جميع من شاهد آية بينة وكذب، ودليل هذا ما تقدمة مما هو على إطلاقه في العرب وغيرهم من قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) (السجدة: ١٨)، هذا عام في المكلفين، ثم فصل حالهم فيما بعد، ثم قال معلماً بحال الجميع على ما تورده العرب عند التعجب، ليباعد بين الأحوال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) (السجدة: ٢٢)، فالمراد بهذه الآيات كل ما قامت به الدلالة ووضح منه الشاهد، كناقة صالح، ﵇، وانفلاق صخرة عنها، وانقلاب العصا حية، وغير ذلك من آيات موسى، ﵇، وبينات عيسى، ﵇، كإبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى، وانشقاق القمر لنبينا ﷺ ، ونبع الماء من (بين الأصابع)، وتكليم الجمادات، ونطق الحيوان إليه، وانقلاب الأعيان، وتكثير الطعام القليل، إلى آيات الكتاب العزيز المتلوة قرآناً، إلى ما لا يحصى
стр. 315
من آيات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلما انطوت (الآيات) في قوله: (بِآيَاتِ رَبِّهِ) من التعميم بحسب الشاهد مما اقترن بها على ما لا يتوقف فيه ذو عقل إلا أن يمنعه مانع من ذلك، عظم مرتكب المعرض فعطف بثم، قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) (السجدة: ٢٢) استبعاداً للتوقف عن الإيمان والتصديق عند مشاهدة ما لاغبار عليه من الدلائل، ولا إشكال فيه. قال الزمخشري: (ثم) في قوله: (ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) للاستعباد قال: والمعنى أن الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز العظيم بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل، كما تقول لصاحبك وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها استبعاداً لتركه الانتهاز، وقال: ومنه (ثم) في بيت الحماسة:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها
قال استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها.
انتهى نص كلامه إلا في لفظة أسقطها لجريها فيما لا يكاد ينفك عنه في إحراز مذهبه الخبيث، فتركها وإجحاضها لا يخل بشيء من المعنى، قلت والمراد أن ما ذكرنا من الاستبعاد والاستعظام الذي تقتضيه ثم هنا قائم مقام المهلة، فلتكاثر الآيات وتنويعها مستوضحة عظمت جريمة المتوقف عنها، فأشارت ثم لذلك، فافترق القصدان، وجاء كل على ما يناسب، والله أعلم.
وجواب ثان، وهو أنه لما ذكر في آية الكهف إرسال الرسل، ﵈، في قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) (الكهف: ٥٦)، فذكر إرسالهم وتكذيب قومهم إياهم، وإنما وقع تكذيب المكذبين عند دعاء الرسل إياهم معقباً به دعاءهم، فجرى مع هذا وناسبه قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا) (الكهف: ٥٧)، لأنهم إنما أعرضوا عقب دعاء الرسل إياهم وعند جدالهم المذكور في قوله: (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) (الكهف: ٥٦)، إنما ارتكبوا الجدال جواباً للرسل ليدحضوا الحق بباطلهم، فالتعقيب هنا بين، فورد بالفاء.
وأما آية السجدة فلم يقع فيها ذكر إرسال الرسل، ولا جرى في الآية (ذكر تكذيب) ولا دعاء وإن كانت آيها عامة في العرب، وإنما ورد فيها انقسام المكلفين بحسب السوابق في إشارة قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) (السجدة: ١٨)، ثم
стр. 316
ذكر تعالى مآل الفريقين، وأن الفاسقين مأواهم النار، وأن حالهم فيها كما ذكر تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا) (السجدة: ٢٠)، ولا شك أن استحقاق جزائهم بذلك إنما هو تماديهم على الكفر مدى حياتهم إلى الوفاة، ولم يقع هنا إشارة إلى مباشرتهم الرسل بالتكذيب، فلما لم يكن في الكلام ذكر مباشرة الرسل والمواجهة بالتكذيب، فلما لم يكن في الكلام ذكر مباشرة الرسل والمواجهة بالتكذيب صار إعراضهم وتكذيبهم كأنه إنما علم وتحصل بذكر الجزاء، وإن كان المؤمنون قد علموا ذلك بالخبر الصادق، وأما بتأخر العلم به (للمكذب) حتى يباشر الجزاء، والجزاء متأخر، فناسب ذلك العطف بثم المقتضية للمهلة، فقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) (السجدة: ٢٢) فورد كل على ما يناسب، والله أعلم.
الآية الرابعة من سورة الكهف قوله تعالى مخبراً عن قول موسى للخضر، ﵉، حين خرق السفينة: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: ٧١)، وقوله له عند قتل الغلام: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (الكهف: ٧٤)، للسائل أن يسأل عن الفرق بين الموضعين الموجب لوصف كل من هذين الفعلين بما وصف به؟
والجواب، والله أعلم: أن خرق السفينة لم يبلغ بحيث يتلفها، وإنما قصد به الخضر عيبها ليزهد فيها مريد غصبها بدليل قوله بعد: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف: ٧٩)، فإنما أراد إبقاءها على مالكها ودفع هذا الغاصب إذا رأى ما بها من العيب المانع من الرغبة فيها، وهذا لا يبلغ ظاهره مبلغ ظاهر قتل الغلام بغير سبب ظاهر فوصف بإمر في قوله: (شَيْئًا إِمْرًا)، وهو دون النكر. وأما البادي الظاهر من قتل الغلال عند من يغيب عنه ما علمه من الخضر فشيء نكر، ومرتكب عند من لحظه بظاهره وغاب عنه ما في طيه شنيع ووزر، فوقع التعبير في الموضعين بما يناسب كلا الفلعلين، وعن قتادة ﵀: ((النكر أشد من الإمر)) فجاء كل على ما يلائم، ولم يكن ليحسن مجيء أحد الوصفين في اموضع الآخر، والله أعلم ..
الآية الخامسة من سورة الكهف قوله تعالى في حكاية قول الخضر لموسى، ﵉: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ [الكهف: ٧٢]، ثم قوله بعد ذلك في قصة قتل الغلام: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لزيادة "لك" في هذا القول الثاني؟.
والجواب: أن الخضر قد كان قال ملوسى حين قال له موسى، ﵇: (هَلْ
стр. 317
أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (الكهف: ٦ - ٦٧) فلما كان من موسى عند خرق السفينة ما كان من الإنكار بقوله: (خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: ٧١)، ذكره الخضر بما كان قد قاله له، من غير أن يزيده على إيراد ما كان قد قاله، فقال: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (الكهف: ٧٢). فاعتذر موسى، ﵇، بقوله: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) (الكهف: ٧٣)، فلما وقع منه بعد ذلك إنكار قتل الغلام بقوله: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) (الكهف: ٧٤)، وأبلغ في وصف الفعلة بقوله: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (الكهف: ٧٤)، قابل الخضر ذلك بتأكيد الكلام المتقدم، فقال: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، فالضمير المجرورة بيان جيء به تأكيداً، ليقابل بالكلام ما وقع جواباً له من قوله موسى، ﵇، زيادة للتناسسب، وتعلق المجرور الواقع بياناً مختلف فيه، فمنهم من يعلقه بفعل مضمر، ومنهم من يجري حرف الجر الذي فيه كحرف الجر الزائد فلا يعلقه بشيء، وقوله: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) على هذا لامأذخ معمولاً للقول من قوله: (أَلَمْ أَقُلْ).
ويمكن عندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون قوله: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) كلاماً مستقلاً، محذوفاً منه معمول القول، وكأنه في تقدير: ألم أقل لك ما قلت، ثم استأنف المقالة فقال: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) على هذا ليس معمولاً للقول من قوله: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، إنما معمول (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)،
محذوف مقدر، كما حذف معمول القول من قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا) (يونس: ٧٧) ومعمول القول محذوف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم سحر مبين، ثم قال لهم تقريعاً وتوبيخاً: (أَسِحْرٌ هَذَا) فسحر مبين المقد معمول للقول، وهو من قولهم، وقوله: (أَسِحْرٌ هَذَا) من قول موسى، ﵇، توبيخاً لهم كما ذكرنا. فكذا حذف من قوله: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، كما تقدم، والله أعلم.
الآية السادسة من سورة الكهف، قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (الكهف: ٩٧)، للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لمجيء استطاعوا بالتاء دون الآول؟
والجواب أنه يقال: أستطاع واستاع واسطاع، والأول الأصل، ثم يحذفون أحد الحرفين تخفيفاً، فجيء أولاً بالفعل مخففاً عند إرادة نفي قدرتهم على الظهور على السدّ والصعود فوقه، ثم جيء بأصل الفعل مستوفى الحروف عند نفي قدرتهم على نقبه
стр. 318
وخرقه، ولا شك أن الظهور أيسر من النقب، والنقب أشد عليهم وأثقل، فجيء بالفعل مخففاً مع الأخف، وجيء به تاماً مستوفى مع الأثقل، فتناسب، ولو قدر بالعكس لما تناسب. وأيضاً فإن الثاني في محل التأكيد لنفي قدرتهم على الاستيلاء على السد وتمكنهم منه، فناسب ذلك الإطالة، وهذا يفتقر إلى بسط وبيان، مع أن الأول أولى، فلنكتف بهذا، والله سبحانه أعلم بما أراد.
الآية السابعة: غ - قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: ١١٠) وفي سورة الآنبياء: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الأنبياء: ١٠٨)، فلم يقع في هذه الثانية لفظ (أَنَا بَشَرٌ) وورد في الأولى، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب عن ذلك: أنه لما تقدم في أول سورة الأنبياء إثبات كون الرسل، ﵈، من البشر، فيما حكاه تعالى من قول الكفار بعضهم لبعض: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الأنبياء: ٣)، ثم قال تعالى راداً لقولهم، مثبتاً كون الرسل من البشر: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) (الأنبياء: ٧)، ثم تتابع في السورة ذكر الرسل من البشر) في عدة مواضع إفصاحاً وإشارة آخرها قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧) والخطاب لنبينا، ﵇، قال تعالى بعد ذلك: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الأنبياء: ١٠٨، فلم يحتج هنا أن يذكر كونه، ﵇، من البشر، إذ قد توالى ذكر ذلك جملة وتفصيلا.
أما سورة الكهف فلم يتقدم فيها مثل هذا، فكان مظنة الإعلام بكونه ﷺ من البشر إرغاماً لأعدائه، ولما في ذلك من تلطفه تعالى بالحق ورحمته إياهم، قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام: ٩)، وقال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام: ٨)، فكون الرسل من البشر من أعظم إنعامه سبحانه على الخلق، وخصت آية الكهف بذكر بشريته، ﵇، لما بيناه، وورد كل ذلك على ما يناسب، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، والله أعلم بما أراد.
***
стр. 319
سورة مريم ﵍
الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى في قصة يحيى بن زكريا، ﵉،: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) (مريم: ١٤)، وفي قصة عيسى، ﵇، (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: ٣٢)، فاختلف الوصفان في الآيتين مع اتحاد مرماهما في السابق من ظاهرهما، فيسأل عن ذلك؟
والجواب عنه - والله أعلم - أن الله سبحانه وصف يحيى، ﵇، بعظم التقوى في قوله تعالى: (وَكَانَ تَقِيًّا) (مريم: ١٣)، وتقي فعيل من التقوى، وهو من أبنية المبالغة، فيفهم الوفاء بوجوه التقوى حتى لا يكون من الموصوف به معصية ولا تقصير، فقوله بعد: (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) (مريم: ١٤)، المراد - والله أعلم - نفي للمعاصي جملة، وهو المراد بقوله في الموضع الآخر (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) (آل عمران: ٣٩)، أي ممنوعاً من المعاصي، والحصر الحبس والمنع، قال مكي، رحمة الله: حصر عن الذنوب فلم يأتها. وما قاله المفسرون من أن المراد هنا منعه من النساء بأي وجه قالوه فلا يصح، والله أعلم، لأن عدم القدرة على النساء نقص، والأنبياء منزهون عن النقص، فكيف يصح ورود هذا الوصف في معرض المدحة، وهو في نفسه نقص، والقوى في ذلك كمال ودحه، فالمراد هنا بالحصور الممنوع عن المعاصي، وقد روى (عمرو) بن العاص عن النبي ﷺ : (كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء)، ثم نوسب بين هذا الوصف وما تقدمه من قوله: (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)، فورد بلفظ المبالغة مثله، والمراد نفي المعاصي عنه، ﵇، (جملة، والتناسب في هذا كله واضح).
وأما وقله في قصة عيسى، ﵇ (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: ٣٢) فملحوظ في ذلك ما جرى لأتباعه، ﵇، وما وقعوا (فيه) من العظيمة حين قالوا: هو ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراًن فاستحقوا الوصف بالشقاء بمقالهم، والشقي مستحق لاعذاب الأخراوي. وإلى السعادة والشقاء انقسام العالم في الآخرة، قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) (هود: ١٠٥)، فهما طرفا حصر العالم في الآخرة وهذا كقوله:
стр. 320
(فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) (التغابن: ٢)، فلما لحظ في قصة عيسى، ﵇، عصمته من الرضا بما وقع فيه أتباعه ناسب ذلك نفي صفة الضالين، ممن توهم أنه ممن اتبعه، لتبرأ، ﵇، من حالهم كما يتبرأ حين يقول في الآخرة: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) (المائدة: ١١٧)، فقد وضح ورود كل من الوصفين على أجل النظم وأتم المناسبة، وإن عكس الوارد لا يمكن، والله أعلم.
الآية الثانية قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم: ٣٧)، وفي سورة الزخرف: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (الزخرف: ٦٥)، للسائل أن يسأل عن قوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وقوله في الأخرى: (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) وما وجه تخصيص كل آية منهما بما ورج فيها وعن قوله في الأولى: (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وفي الثانية: (مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)؟ فهذان سؤالان.
والجواب عن الأول منها: أن الكفر بالله سبحانه أعظم من كل خطيئة، والذي لا ينفع معه شيء من أعمال البر، فهو أعظم من الظلم، ثم قد يوصف الكافر بالظلم إشارة إلى الصفة اللازمة له من ظلمه نفسه بكفره وشنيع مرتكبه، فيشعر إذ ذاك هذا الوصف إذا ورد تابعاً للكفر ولفظ الكفر منطوق به أو مفهوم من سياق الكلام بزيادة توجب زيادة التنكيل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) (النساء: ١٦٨)، فقوله في آية سورة مريم: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم: ٣٧) معقب بها قوله تعالى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (مريم: ٣٤ - ٣٦)، ثم قال: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم: ٣٧)، والمراد اختلافهم في نبي الله عيسى، ﵇، حيث قال بعضهم: هو الله، وبعضهم يقول: ابن الله، وبعضهم: ثالث ثلاثه، فهذا اختلافهم، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، فومهم بالكفر الذي هو ضابط أقوالهم وأم مرتكباتهم، وأخبر باستحقاق الويل لهم لكفرهم من شهود ذلك اليوم الفاضح لهم على رؤوس الأشهاد، وفيه قال تعالى: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (هود: ١٠٣)، وفيه يقول الأشهاد: (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: ١٨)، ثم ذكرهم في آية الزخرف بصفتهم من الظلم اللازم لكفرهم، وليناسب بذلك ما تقدم من وهم من أعتمد غير الله سبحانه، فقرن بمعتمده في العذاب
следующие страницы →