← Тафсир

Тафсир · id 1419

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل

ابن الزبير الغرناطي

Полный текст (513 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ذكر تعالى مآل الفريقين، وأن الفاسقين مأواهم النار، وأن حالهم فيها كما ذكر تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا) (السجدة: ٢٠)، ولا شك أن استحقاق جزائهم بذلك إنما هو تماديهم على الكفر مدى حياتهم إلى الوفاة، ولم يقع هنا إشارة إلى مباشرتهم الرسل بالتكذيب، فلما لم يكن في الكلام ذكر مباشرة الرسل والمواجهة بالتكذيب، فلما لم يكن في الكلام ذكر مباشرة الرسل والمواجهة بالتكذيب صار إعراضهم وتكذيبهم كأنه إنما علم وتحصل بذكر الجزاء، وإن كان المؤمنون قد علموا ذلك بالخبر الصادق، وأما بتأخر العلم به (للمكذب) حتى يباشر الجزاء، والجزاء متأخر، فناسب ذلك العطف بثم المقتضية للمهلة، فقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) (السجدة: ٢٢) فورد كل على ما يناسب، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الكهف قوله تعالى مخبراً عن قول موسى للخضر، ﵉، حين خرق السفينة: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: ٧١)، وقوله له عند قتل الغلام: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (الكهف: ٧٤)، للسائل أن يسأل عن الفرق بين الموضعين الموجب لوصف كل من هذين الفعلين بما وصف به؟ والجواب، والله أعلم: أن خرق السفينة لم يبلغ بحيث يتلفها، وإنما قصد به الخضر عيبها ليزهد فيها مريد غصبها بدليل قوله بعد: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف: ٧٩)، فإنما أراد إبقاءها على مالكها ودفع هذا الغاصب إذا رأى ما بها من العيب المانع من الرغبة فيها، وهذا لا يبلغ ظاهره مبلغ ظاهر قتل الغلام بغير سبب ظاهر فوصف بإمر في قوله: (شَيْئًا إِمْرًا)، وهو دون النكر. وأما البادي الظاهر من قتل الغلال عند من يغيب عنه ما علمه من الخضر فشيء نكر، ومرتكب عند من لحظه بظاهره وغاب عنه ما في طيه شنيع ووزر، فوقع التعبير في الموضعين بما يناسب كلا الفلعلين، وعن قتادة ﵀: ((النكر أشد من الإمر)) فجاء كل على ما يلائم، ولم يكن ليحسن مجيء أحد الوصفين في اموضع الآخر، والله أعلم .. الآية الخامسة من سورة الكهف قوله تعالى في حكاية قول الخضر لموسى، ﵉: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ [الكهف: ٧٢]، ثم قوله بعد ذلك في قصة قتل الغلام: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لزيادة "لك" في هذا القول الثاني؟. والجواب: أن الخضر قد كان قال ملوسى حين قال له موسى، ﵇: (هَلْ

стр. 317

أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (الكهف: ٦ - ٦٧) فلما كان من موسى عند خرق السفينة ما كان من الإنكار بقوله: (خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: ٧١)، ذكره الخضر بما كان قد قاله له، من غير أن يزيده على إيراد ما كان قد قاله، فقال: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (الكهف: ٧٢). فاعتذر موسى، ﵇، بقوله: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) (الكهف: ٧٣)، فلما وقع منه بعد ذلك إنكار قتل الغلام بقوله: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) (الكهف: ٧٤)، وأبلغ في وصف الفعلة بقوله: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (الكهف: ٧٤)، قابل الخضر ذلك بتأكيد الكلام المتقدم، فقال: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، فالضمير المجرورة بيان جيء به تأكيداً، ليقابل بالكلام ما وقع جواباً له من قوله موسى، ﵇، زيادة للتناسسب، وتعلق المجرور الواقع بياناً مختلف فيه، فمنهم من يعلقه بفعل مضمر، ومنهم من يجري حرف الجر الذي فيه كحرف الجر الزائد فلا يعلقه بشيء، وقوله: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) على هذا لامأذخ معمولاً للقول من قوله: (أَلَمْ أَقُلْ). ويمكن عندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون قوله: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) كلاماً مستقلاً، محذوفاً منه معمول القول، وكأنه في تقدير: ألم أقل لك ما قلت، ثم استأنف المقالة فقال: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) على هذا ليس معمولاً للقول من قوله: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، إنما معمول (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، محذوف مقدر، كما حذف معمول القول من قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا) (يونس: ٧٧) ومعمول القول محذوف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم سحر مبين، ثم قال لهم تقريعاً وتوبيخاً: (أَسِحْرٌ هَذَا) فسحر مبين المقد معمول للقول، وهو من قولهم، وقوله: (أَسِحْرٌ هَذَا) من قول موسى، ﵇، توبيخاً لهم كما ذكرنا. فكذا حذف من قوله: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، كما تقدم، والله أعلم. الآية السادسة من سورة الكهف، قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (الكهف: ٩٧)، للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لمجيء استطاعوا بالتاء دون الآول؟ والجواب أنه يقال: أستطاع واستاع واسطاع، والأول الأصل، ثم يحذفون أحد الحرفين تخفيفاً، فجيء أولاً بالفعل مخففاً عند إرادة نفي قدرتهم على الظهور على السدّ والصعود فوقه، ثم جيء بأصل الفعل مستوفى الحروف عند نفي قدرتهم على نقبه

стр. 318

وخرقه، ولا شك أن الظهور أيسر من النقب، والنقب أشد عليهم وأثقل، فجيء بالفعل مخففاً مع الأخف، وجيء به تاماً مستوفى مع الأثقل، فتناسب، ولو قدر بالعكس لما تناسب. وأيضاً فإن الثاني في محل التأكيد لنفي قدرتهم على الاستيلاء على السد وتمكنهم منه، فناسب ذلك الإطالة، وهذا يفتقر إلى بسط وبيان، مع أن الأول أولى، فلنكتف بهذا، والله سبحانه أعلم بما أراد. الآية السابعة: غ - قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: ١١٠) وفي سورة الآنبياء: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الأنبياء: ١٠٨)، فلم يقع في هذه الثانية لفظ (أَنَا بَشَرٌ) وورد في الأولى، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب عن ذلك: أنه لما تقدم في أول سورة الأنبياء إثبات كون الرسل، ﵈، من البشر، فيما حكاه تعالى من قول الكفار بعضهم لبعض: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الأنبياء: ٣)، ثم قال تعالى راداً لقولهم، مثبتاً كون الرسل من البشر: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) (الأنبياء: ٧)، ثم تتابع في السورة ذكر الرسل من البشر) في عدة مواضع إفصاحاً وإشارة آخرها قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧) والخطاب لنبينا، ﵇، قال تعالى بعد ذلك: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الأنبياء: ١٠٨، فلم يحتج هنا أن يذكر كونه، ﵇، من البشر، إذ قد توالى ذكر ذلك جملة وتفصيلا. أما سورة الكهف فلم يتقدم فيها مثل هذا، فكان مظنة الإعلام بكونه ﷺ من البشر إرغاماً لأعدائه، ولما في ذلك من تلطفه تعالى بالحق ورحمته إياهم، قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام: ٩)، وقال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام: ٨)، فكون الرسل من البشر من أعظم إنعامه سبحانه على الخلق، وخصت آية الكهف بذكر بشريته، ﵇، لما بيناه، وورد كل ذلك على ما يناسب، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، والله أعلم بما أراد. ***

стр. 319

سورة مريم ﵍ الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى في قصة يحيى بن زكريا، ﵉،: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) (مريم: ١٤)، وفي قصة عيسى، ﵇، (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: ٣٢)، فاختلف الوصفان في الآيتين مع اتحاد مرماهما في السابق من ظاهرهما، فيسأل عن ذلك؟ والجواب عنه - والله أعلم - أن الله سبحانه وصف يحيى، ﵇، بعظم التقوى في قوله تعالى: (وَكَانَ تَقِيًّا) (مريم: ١٣)، وتقي فعيل من التقوى، وهو من أبنية المبالغة، فيفهم الوفاء بوجوه التقوى حتى لا يكون من الموصوف به معصية ولا تقصير، فقوله بعد: (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) (مريم: ١٤)، المراد - والله أعلم - نفي للمعاصي جملة، وهو المراد بقوله في الموضع الآخر (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) (آل عمران: ٣٩)، أي ممنوعاً من المعاصي، والحصر الحبس والمنع، قال مكي، رحمة الله: حصر عن الذنوب فلم يأتها. وما قاله المفسرون من أن المراد هنا منعه من النساء بأي وجه قالوه فلا يصح، والله أعلم، لأن عدم القدرة على النساء نقص، والأنبياء منزهون عن النقص، فكيف يصح ورود هذا الوصف في معرض المدحة، وهو في نفسه نقص، والقوى في ذلك كمال ودحه، فالمراد هنا بالحصور الممنوع عن المعاصي، وقد روى (عمرو) بن العاص عن النبي ﷺ : (كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء)، ثم نوسب بين هذا الوصف وما تقدمه من قوله: (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)، فورد بلفظ المبالغة مثله، والمراد نفي المعاصي عنه، ﵇، (جملة، والتناسب في هذا كله واضح). وأما وقله في قصة عيسى، ﵇ (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: ٣٢) فملحوظ في ذلك ما جرى لأتباعه، ﵇، وما وقعوا (فيه) من العظيمة حين قالوا: هو ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراًن فاستحقوا الوصف بالشقاء بمقالهم، والشقي مستحق لاعذاب الأخراوي. وإلى السعادة والشقاء انقسام العالم في الآخرة، قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) (هود: ١٠٥)، فهما طرفا حصر العالم في الآخرة وهذا كقوله:

стр. 320

(فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) (التغابن: ٢)، فلما لحظ في قصة عيسى، ﵇، عصمته من الرضا بما وقع فيه أتباعه ناسب ذلك نفي صفة الضالين، ممن توهم أنه ممن اتبعه، لتبرأ، ﵇، من حالهم كما يتبرأ حين يقول في الآخرة: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) (المائدة: ١١٧)، فقد وضح ورود كل من الوصفين على أجل النظم وأتم المناسبة، وإن عكس الوارد لا يمكن، والله أعلم. الآية الثانية قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم: ٣٧)، وفي سورة الزخرف: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (الزخرف: ٦٥)، للسائل أن يسأل عن قوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وقوله في الأخرى: (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) وما وجه تخصيص كل آية منهما بما ورج فيها وعن قوله في الأولى: (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وفي الثانية: (مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)؟ فهذان سؤالان. والجواب عن الأول منها: أن الكفر بالله سبحانه أعظم من كل خطيئة، والذي لا ينفع معه شيء من أعمال البر، فهو أعظم من الظلم، ثم قد يوصف الكافر بالظلم إشارة إلى الصفة اللازمة له من ظلمه نفسه بكفره وشنيع مرتكبه، فيشعر إذ ذاك هذا الوصف إذا ورد تابعاً للكفر ولفظ الكفر منطوق به أو مفهوم من سياق الكلام بزيادة توجب زيادة التنكيل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) (النساء: ١٦٨)، فقوله في آية سورة مريم: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم: ٣٧) معقب بها قوله تعالى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (مريم: ٣٤ - ٣٦)، ثم قال: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم: ٣٧)، والمراد اختلافهم في نبي الله عيسى، ﵇، حيث قال بعضهم: هو الله، وبعضهم يقول: ابن الله، وبعضهم: ثالث ثلاثه، فهذا اختلافهم، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، فومهم بالكفر الذي هو ضابط أقوالهم وأم مرتكباتهم، وأخبر باستحقاق الويل لهم لكفرهم من شهود ذلك اليوم الفاضح لهم على رؤوس الأشهاد، وفيه قال تعالى: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (هود: ١٠٣)، وفيه يقول الأشهاد: (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: ١٨)، ثم ذكرهم في آية الزخرف بصفتهم من الظلم اللازم لكفرهم، وليناسب بذلك ما تقدم من وهم من أعتمد غير الله سبحانه، فقرن بمعتمده في العذاب

стр. 321

وهو المقول فيه: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف: ٣٦)، فقيل فيه وفي متخذه: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (الزخرف: ٣٩)، والظلم هنا ظلم الكفر من عبد عيسى، ﵇، من الأحزاب المذكور اختلافهم في خاصته دون متخذه بحال هؤلاء، فوسموا بالظلم كوسن من تقدم فقيل: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا)، وظلم هؤلاء كفر كحال من تقدم، فتناسب هذا، ولم يقع في آية سورة مريم ما يطلب بمناسبة، فوصفوا هناك بالكفر بخلاف آية الزخرف، فجاء كل على ما يجب، ثم قال (مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (الزخرف: ٦٥)، فذكر العذاب المعقب به ذلك اليوم المشهود، ووصف اليوم بالإيلام وإن كان المؤلم إنما هو العذاب مبالغة في شدة الإيلام من عذاب ذلك اليوم، كما قالوا: نهارك صائم وليلك قائم، وهذا العذاب ثان عن قيامهم في ذلك المشهود وسوء حالهم فيه، وجاء ذلك على الترتيب الذي استقر عليه الكتاب العزيز، فذكر في المتقدم من الآيتين المتقدم وجوداً من حالهم الأخراوي، وفي الآية الثانية ترتيب ما هو ثان عن ذلك، وجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. الآية الثالثة: غ - قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) (مريم: ٣٩)، وفي سورة المؤمن: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) (غافر: ١٨)، والمراد في الآيتين تذكريهم بالقيامة وأهوالها، ثم اختلفت العبارة في الكناية، ففي سورة مريم: (يَوْمَ الْحَسْرَةِ)، وفي سورة المؤمن: (يَوْمَ الْآزِفَةِ)، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن اليوم المشار إليه يشتمل على موقف ومواطن مهولة وأحوال مختلفة، وبحسب ذلك تختلف العبارة والأخبار لاختلاف المقاصد والمواطن، ألا ترى قوله تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) (المؤمنون: ١٠١)، وقوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) (الصافات: ٢٧)، وقوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات: ٢٤)، وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) (الرحمن: ٣٩)، ولا شك في أن هذا في مواططن مختلفة، وبحسب ذلك اختلفت الكناية كما أضيف إليه اليوم هنا، فيوم الحسرة عبارة عن الوقت الذي يحصل فيه العلم اليقين لأهل النار بتأييد خلودهم واستمرار عذابهم إلى غير نهاية، ويتأكد لأهل الجنة علمهم بذلك، فلا أشد فرحاً من أهل الجنة يومئذ، ولا أشد حسرة من أهل النار، وفي هذا ورد الخبر الصحيح من أنه إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ينادي يا

стр. 322

أهل الجنة فيشرئبون، وينادي يا أهل النار كذلك، ويؤتى بالموت فيقال لهذا هل تعرفونه فيقولون نعم ... الحديث، إلى قوله فيه: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل الناء خلود لا موت، فإذا ذلك تعظم حسرتهم ويشتد كربهم، ونص الحديث على ما رُويناه في صحيح مسلم عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، زاد أبو كريب فيوقف بين الجنة والنار، واتفقنا في سياقي الحديث فقيل: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (مريم: ٣٩)، وأشار إلى الدنيا. قلت وهذا الحديث من مشكلات الأحاديث، وله وجه من التأويل يرفع إشكاله، وقد تفسرت مظنة الحسرة في قوله تعالى: (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) والمراد به استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار كما ورد في الخبر، وحق لمن تقدم ذكره قبل هذه الآية ممن وقع في العظيمة من أمر عيسى، ﵇، حين قالوا: ابن الله مع إقرارهم بالبعث الأخراوي والجزاء، فحق لهم أن يذكروا تحذيراً وتخويفاً بمثل هذا، ولم يتقدم الآية ذكر غيرهم، فهذا أوض تناسب. وأما آية سورة المؤمن فقد ورد قبلها قوله تعالى خطاباً للمؤمنين: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (غافر: ١٤)، ثم تابع الكلام معه إلى الآية من قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ) (غافر: ١٨)، فخوفوا بإسراع أمر الساعة وتعجيل وقوعها كما قال سبحانه (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) (الأنبياء: ١)، أزف الشيء أسرع ومنه قوله تعالى: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) (النجم: ٥٧ - ٥٨)، وتأمل ما اتصل بقوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ) (غافر: ١٨)، وقوله: (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) (غافر: ١٨)، فقد تناسب هذا ووضح، أما ما ورد في الآيتين فهو على أتم مناسبة، وإن عكس (الوارد) على ما يبنا لا يلائم، والله أعلم. الآية الرابعة: غ - قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) (مريم: ٥٢ - ٥٣)، وفي سورة الفرقان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) (الفرقان: ٣٥)، ومقصود الآيتين تأييد موسى،

стр. 323

عليه السلام، بأخيه هارون، ثم اختلف الوصف بالنبوة والوزارة مع اتحاد المقصود، للسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب عنه، والله أعلم: محصل طي تمهيد وهو أن السور المتردد فيها ذكر الرسل، ﵈، منوطاً فيها ذكرهم بذكر أممهم، وما كان من معاندة الأمم وتكذيبهم، وأخذ المكذبين بمرتكباتهم، ولا تكاد تجد سورة منها وارد فيها ذكرهم إلا على ما ذكرنا، وأكثر تلك السور استيفاء لهذا الغرض سور ثلاث، وهي: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، ثم يليها في ذلك سورة قد أفلح، وقل ما تجد سورة ورد فيها قصة منها واحدة فصاعداً إلا جارية على ما ذكرته، وربما أجمل ذلك في بعضها مع تحصيل ما ذكرنا من أخذ الأمم بعد تكذيبهم، وآخر سورة ذكرت فيها قصصهم معتمداً فيها ما اطرد من أخذ كل أمة يتكذيبها، وآخر سورة ذكرت فيها قصصهم معتمداً فيها ما اطرد من أخذ كل أمة بتكذيبها، وبيان ما به أهلكت من الغرق والريح والصيحة والحاصب وعنيف الأخذ بالعزة والاقتدار سورة القمر مع إيجاز القصص، ولم يرد في غير هذه السورة الوفاء بما ذكرنا، وإنما خصت هذه السورة ببيان كيفية أخذ المكذبين كما بينته في كتاب البرهان، ثم إن سورة مريم تضمنت طائفة عظيمة فصل ذكر بعضهم وأجمل ذكر البعض، وقد تجرد فيها من الإخبار بأحوالهم ذكر التعريف بخصائص من منحهم وعلى أقدارهم، وما أيدوا به من ذلك، من غير أن يشوب هذا ذكر شيء من تكذيب من كذب منهم، إلا ما ورد في ذكر إبراهيم ﵇، من قول أبيه له: (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ .... ) (مريم: ٤٦)، ولم يذكر من حال قومه، ﵇، شيء، ولا ذكر فيما بعد ولا فيما تقدم من هذه السورة (إلا خصائصهم ومنحهم العلية التي بها امتازوا عمن سواهم من صالحي الأمم) كما تقيدت به مما ذكرنا. ثم إن النبوة أعظم خصائصهم التي تساووا في تحمل أمانتها، وأفردوا، عليهم الصلاة والسلام، (بها)، ولم يشاركهم فيها غيرهم، أما اسم الوزارة والوصف بها فليس مما يخصهم ولا مما أفردوا به، فلم يكن وصف هارون، ﵇، هنا (بها) ليناسب هذا القصد العلي ولا ليلائمه. وأما قوله تعالى في سورة الفرقان: (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) (الفرقان: ٣٥) فمرتب على سؤال موسى ﵇ في سورة طه في قوله: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ) (طه: ٢٩ - ٣٠)، فأعطى ﵇ مطلبه. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا)، ورد هذا على الترتيب المتقرر في المصحف. ثم إن ما اتصل بهذه الآية وآية سورة مريم مما قبلهما وبعدهما يستدعي

стр. 324

التناسب في مقاطع الآي وفواصلها، فلم يكن ورود الآيتين في السورتين على غير ما ورد ليناسب، فجاء ذلك على ما يجب من الوجهين المذكورين، والله أعلم بما أراد. الآية الخامسة من سورة مريم، ﵍، قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (مريم: ٥٩ - ٦٠)، وفي سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان: ٦٨ - ٧٠)، للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى: (وَعَمِلَ صَالِحًا) وفي الثانية (وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا)؟ وعن قوله في الأولى في جزائهم (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (وفي الجزاء في الثانية: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)؟ والجواب: أن الآية الأولى ورد قبلها بعد ذكر المنعم عليهم ومن اهتدى بهديهم قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (مريم: ٥٩)، وهذا قول موجز مجمل، فناسبه الإيجاز في قوله (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا .... ) الآية، فتناسبا في التقابل الإيجازي كما تناسبا أيضاً في الفواصل ومقاطع الآي، وذلك قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) وقوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، والمسهل من القراء يقول: شيا فيقف الياء المشددة. وأما قوله في آية الفرقان: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان: ٧٠) فإطناب يناسب التفصيل الواقع قبله في قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) (الفرقان: ٦٨)، ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)، يريد ما ذكر المتصف بتقوى الله بتركه والتنزه عن مواقعة شيء منه - (يَلْقَ أَثَامًا) (الفرقان: ٦٨)، ثم فسر ما يلقاه (بقوله): (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي يكثر عليه ويزداد (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان: ٦٩ - ٧٠)، فحصل بإزاء مضاعفة العذاب لفاعل ذلك تبديل السيئات بالحسنات إلى الغفران والرحمة، فإيجاز بإيجاز وإطناب بإطناب مناسبة بين الجواب وما جووب به، وكل على ما يجب، ولا يسوغ العكس على ما تمهد، والله أعلم. ****

стр. 325

سورة طه الآية الأولى منها، وما يتعلق بها، وما يرجع إلى معناها، ويتم به ما يتصل بها، قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه: ٩ - ١٨)، وفي سورة النمل: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) (النمل: ٧ - ٨) إلى قوله: (وَأَلْقِ عَصَاكَ) (النمل: ١٠). وفي سورة القصص: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) (القصص: ٢٩ - ٣١)، هذه الآي من مشكلات الضرب (الثاني) الذي بنينا عليه مقصود هذا الكتاب، لأن محصولها الإخبار عن ابتداء أمر موسى، ﵇، في رسالته، وتكليم الله سبحانه إياه، وهو خبر واحد عن قصة واحدة قد وقعت وعين وقوعها ما وقعت عليه من الصفة التي التحدت بوقوعها وتبينت، فلا يمكن فيها العدول عما وقعت عليه، فكيف هذا الواقع الوارد في السورتين (امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارً) ولم يقع لفظ امكثوا في سورة النمل؟ وفي السورتين: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا) وفي النمل: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا) فورد: سآتيكم عوض: لعلي؟ وفي طه (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) وفي النمل: (بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، فقدم ذكر القبس في طه وآخر في السورتين، ثم اختلف التعبير عنه، فعبر عنه في القصص: (جَذْوَةٍ) وعوض في النمل فقيل (بِشِهَابٍ) مضافاً إلى القبس وكرر: (أَوْ آتِيكُمْ) في النمل ولم يقع ذلك في غيرها؟ وأفصح في السورتين الأخيرتين بالحاجة إلى النار وهو الاصطلاء ولم يقع ذلك في طه جملة؟ وعبر عن الخبر في طه بقوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ

стр. 326

هُدًى) ولم يذكر ذلك في السورتين؟ فهذه مواضع اختلفت العبارة (فيها، واختلفت) في الزيادة والنقص، والتقديم والتأخير والتعويض، مع أن الإخبار عن واقعة معينة وقصة متحدة، والخبر الواحد الصدق لا تمكن فيه الزيادة ولا النقص ولا النسخ من حيث هو خبر ولا شيء مما ذكر، (ويرجع) السؤال فيها إلى شيئين: أجدهما وجه الاختلاف؟ والثاني وجه تخصيص كل موضع بما خص (به)؟ فأقول مستعيناً بالله وسائلاً منه سبحانه (توفيقه) وإرشاده أن المعاني المتصورة في الأذهان المعقولة القائمة بنفوس العقلاء لا تحصل تعديتها إلى غير من قامت به إلا بالعبارات المترجمة عنها الألفاظ الاصطلاحية، وربما خوطب العالم بغيرها وما سوى اللفظ من إشارة وغيرها لا يستقل في تحصيل المعنى المترجم عنه استقلالها، وبالجملة فلم يخاطب إلا بها، وإذا تقرر هذا، فمن المعلوم أن اللفظ بالتفات مدلوله المعنوي يتعدد، ومرجع الألفاظ بالنظر إلى مسمياتها ينحصر في أربعة أقسام: إما أن يتحد اللفظ والمعنى، أو يختلف اللفظ والمعنى، أو يتحد اللفظ ويختلف المعنى، أو يختلف اللفظ ويتحد المعنى، ولا يقتضي النظر العقلي زائداً على هذا التقسيم، وعلى مقتضاه دارت اللغات، وتخاطب العقلاء. فالقسم الأول وهو المتحد اللفظ والمعنى هو المتواطئ، وهو دلالة لفظ على معنى، ثم يعرض لذلك المعنى عند التشخص كثرة فيكون ذلك اللفظ يدل على تلك الاشخاص بتواطئ، ومثاله: وجل وفرس وأسد، ومنه دلالة اسن النوع كالإنسان على أشخاصه، وكذلك دلالة الجنس على أنواعه كالحيوان على الإنسان والفرس والطائر. والقسم الثاني هو مختلف اللفظ والمعنى، وهي الأسماء المتباينة، وهي أسماء مختلفة لمعان مختلفة، كل اسم منها يخص معناه الذي وضع له، نحو السواد والبياض والقدرة والعجز. والقسم الثالث ما اتحد فيه اللفظ واختلف المعنى، وهي الأسماء المشتركة نحو عين للعضر الباصر وعين الماء ونحو ذلك، فاللفظ متحد والمعنى مختلف. والقسم الرابع هو ما تعدد لفظه واتحد معناه، وهي المترادفة كالأسد والليث للحيوان المعروف، ثم يعرض للمشترك، وهو المتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، تفاوت في قوة دلالته على ما تحته، وأعني بالتفاوت استقلال المعنى بنفسه غير مفتقر إلى الغير، وعدم استقلاله، (فينقسم) بحسب هذا إلأى متواطئ ومشكك كوقوع اسم موجود عليهما تفاوت بين، فهو في وقوعه على الجوهر (من) قسم المتواطئ، ووقوعه على العرض بتشكيك.

стр. 327

ثم من الألفاظ على الجملة مجازية، وهي الواقعة على مسمياتها (لا) على أنها أسماء لها بل وضعت لمناسبتها لما وضعت الأسماء الحقيقية بإزائها، ومن المعلوم في عوارض التركيب الضرب المسمى بلحن الخطاب، وهو خذف الكلمة من الجملة مع إرادتها، ودلالة السياق والمعنى عليها، كالواقع في قوله تعالى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) (الشعراء: ٦٣)، ولا شك أن المراد: فضرب فانفلق، ومما يلحق به عند الجمهور - إلا من قول بقول الكرخي - (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: ١٨٤)، والتقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر، فهذا من لحن الخطاب ومن معروف التخاطب الجاري، وهي دلالة المنطوق على مسكوت عنه يفهمه السياق وقصد المتكلم من عرف اللغة، نحو فهم (منع) الضرب والشتم من قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) (الإسراء: ٢٣)، وهذا الضرب من المفهوم يجاري النصوص ولهذا لم يختلف فيه من أنكر القياس، فهذه جملة يستعان بها على تلقي ما يرد، وليست خاصة بالذي نحن فيه من هذه السورة ولا بموضوع دون موضوع. ثم من المعلون - بإعلام الله سبحانه - أنه تعالى لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه، فموسى، ﵇، إنما خاطب أهله في هذه المحاورة باللسان العبراني (الذي هو لسان قومه، وجل كلام ربنا عن الحرف والصوت والتقييد بالجملة، فالوارد في كتابنا إنما هو حكاية المعنى الذي خوطب به موسى، ﵇، وخاطب به، واللسان العبراني) أقرب الألسنة إلى اللسان العربي، فما المانع أن يجري فيه ويطرد كل ما في اللسان العربي من الضروب المذكورة قل أو كثر (ذلك). (ثم) في الجواب عما تقدم ما لا يفتقر فيه إلى بنائه على ما مهدناه. فأقول مستعيناً بالله سبحانه في قول موسى، ﵇، لأهله: (امكثوا) وسقوط ذلك في سورة النمل قد يكون مما قاله، ﵇، نطقاً باللغة التي كلمهم بها، وقد يكون مما فهمه عنه أهله بإشارة أو قرينة أو حال، فيكون قد أمرهم بذلك على كل حال فإما بنطق أو غيره، فمرة حكى معنى نطقه أو مراده بما قد فهم عنه أهله الأمر، ومرة اكتفى بما بعد (هذا) الأمر اقتصارً على ما يحصل المقصود، فلا اختلاف ولا اعتراض في ذلك. وأما قوله: (لَعَلِّي آتِيكُمْ) في السورتين وقوله في النمل: (سَآتِيكُمْ) فإن حرف التسويف يفهم الاستقبال، و (ولفظ) لعل أيضاً يعطي ذلك مع زيادة الترجي والطمع، فيمكن لتقارب معنييهما أن يكون في لسانهم عبارة موضوعة للمعنيين معاً، فلم يكن بد من ورود الحرفين عند الحكاية ليحرز ذلك وقوع المعنى وحصوله على ما هو في لسانهم.

стр. 328

وأما تقديم ذكر القبس في سورة طه على الخبر وتأخيره في السورتين فعنوان بين يعرف أن القصة محكية على معناها لضرورة اختلاف اللغتين ولو ورد الأخبار على التزام التقدين في إحداهما وتأخير الآخر على اللزوم لما أحرز ما ذكرنا. وأما القبس والجذوة والشهاب من القبس فإن ذلك مما يتصل في لغتنا بمراعاة أدنى شيء يسوغ افتراق التسمية، وذلك كثير في لغتنا كقولهم: سيف وصارم ومهند، وقولهم في التمر طلع وضحك وإغريض وبلح وسياب إلى تمام أحواله العشر، له في كل حالة منها اسم والمسمى واحد، ومتى كان للعرب تعمم بشيء من الموجودات، وكان مما يكثر في كلامهم، وضعوا له عدة أسماء اتساعاً، حتى أنهم قد أنهو بعض المسميات إلى مائة اسم أو نحوها. وإنما ما كان هذا في لغة العرب لاضطرارهم إليه في الشعر والإسجاع، فلو لم تتسع اللغة العربية فيما ذكر لضاق عليهم الأمر واعتاص النظم والنثر، وأقرب شيء (أن) يكون التعبير في تلك اللغة وقع بلفظ واحد لا يعبر في لغتهم عن ذلك المراد المقصود لغيره، وقد أحرز وضع ذلك اللفظ العبراني ما عبر عنه في لغتنا بعدة أسماء، وسواء عني في كل اسم منها معنى ما في المسمى (أو كانت مترادفة على المسمى من غير أن يراعى في شيء منها معنى ما في المسمى). وأما تكرار: أو آتيكم في سورة النمل فليس فيه إلا تكرار ما يحرزالتأكيد، وتأكيد ما هو خبر ليس أمراً ولا نهياً إنما ثمرته وفائدته صدق الإخبار، وذلك حاصل هنا سواء تأكد أو لم يتأكد وإذا كان الكلام على ما قلنا والصدق حاصل على كل حال فلا ينكر إذا حكي بمعناه. أو يؤكد مرة ولا يؤكد أخرى، إذ لا زيادة للتأكيد فيه سوى الجري على مرتكبات العرب في مثله. وأما الإفصاح في السورتين الأخريين بالحاجة إلى النار وهو الاصطلاء، ول يقع ذلك في طه، فإن ذلك إخبار بزيادة لا يعارضها شيء مما في سورة طه، فقوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) (طه: ١٠)، فإفصاح بما هو معلوم من قوله في سورة النمل: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) (النمل: ٧)، لأن أهله لم يكن بهم من حاجة لغير الاصطلاء واستعلام طريقهم، فورد في سورة طه مفصحاً بالمقصود مفسراً لما هو مفهوم في آيتي النمل والقصص من معنى الكلام وسياقه، فلا اختلاف في شيء من ذلك كله ولاتعارض ولا خلاف، والحمد لله. والجواب عن السؤال الثاني: أن تخصيص كل سورة من هذه السور بما ورد فيها مقتضيه بين. أما أولاً فإن فواصل هذه السورة ومقاطع آيها مناسبة للوارد فيها، أما سورة

стр. 329

طه فمقاطع آيها لازمة الألف المقصورة وعلى ذلك أي السور كلها، وأما النمل والقصص فقد اكتنف الواقع في آي هذه القصة فيها ما مقطعه النون الواقع قبلها الياء والواو الساكنتان بحسب ما تقدمهما من حركتي الضمة والكسرة. فإن قلت: إن السورتين مستويتان في هذا فما الفارق؟ قلت: الإيجاز والطول، أما سورة النمل فأوجز في هذا المقصد، وأما سورة القصص فإن خبر موسى، ﵇، فيها يكاد يستغرق آيها كلها، فناسبه طول الوارد فيها مما فيه الكلام، وذلك غير خاف. وتأمل الوارد في سورة طه من قوله تعالى مخبراً عن نبيه موسى، ﵇، من قوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، ومناسبة ذلك لما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا ﷺ ، وافتتاحها بقوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ٢)، يلح لك التلاؤم والتناسب، وقد وضح أن كل ما في كل سورة من السور الثلاث من هذه القصة لا يلائم غيرها، وأن كل قصة منها لا يحسن وقوعها في موضع الآخر لعدم المناسبة وبعد التلاؤم، والله أعلم. الآية الثانية من سورة طه - قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) (طه: ١٥)، وفي سورة غافر: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا) (غافر: ٥٩)، للسائل أن يسأل عن تخصيص آية طه بقوله في وصف الساعة: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) ووصفها في سورة غافر بقوله: (لَا رَيْبَ فِيهَا)؟ فهذان سؤالان. والجواب عن الأول منهما: أن آية طه خطاب للنبي ﷺ ، يتضمن تأنيسه وتسليته عن حال كفار قريش في (توقفهم عن) الإيمان، فافتتحت السورة بأجل التأنيس وهو قوله تعالى مبشراً لنبيه، ﵇، مقسماً على ذلك: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ٢)، ثم تابع التعريف بتعظيم الكتاب، وذكر منزلته بما انفرد فيه من ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، ووصفه بأنه يعلم السر وأخفى، وانفراده بأسمائه الحسنى، ثم عرف نبيه ﷺ بابتداء (أمر) موسى، ﵇، (إلى قوله): (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) (طه: ١٥) تعريفاً بعظيم خفاء أمر الساعة وتغيب كنهها عن الخلق حتى كأن أمرها لم يخبر عنه ولا وقع تعريف بشيء منه، فهو إخبار بفرط إخفاء أمرها، وذلك إعلام بوصف وحال من قد تقرر بوقوعها يقينه، وانطوى على علم كيانها إيمانه، ولما كان هذا الخطاب والتعريف لمن جرى ذكره من تنزهه ﷺ عن الارتياب في أمر الساعة، لم يحتج إلى نفي الريب، إذ مقام النبوى في الإيمان بها المقام الذي لا يداني، فلم يكن نفي الارتياب ليلائم ولا يناسب، وإنما عرفوا بحال وصف تابع.

стр. 330

أما آية غافر، في أكثر الخطاب المتقدم قبلها، من أول السورة إليها، خطاب لقريش وسائر كفار العرب. وهم المجادلون في أمر الساعة، والجاهلون بكيانها، والقائلون: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون: ٣٧)، فقدم لهم قبل ذكر الآيات قوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (غافر: ٥٧)، فذكروا بما لا يمكن لأحد من المخلوقين إلا الاعتراف بعظيم أمره والعجز عنه، وهو بدخول اللام ونفي الريب في ذلك، وذلك أوضح شيء في المناسبة، فكل من الآيتين وارد على أتم مناسبة، ولا يمكن أن يقع الوارد في سورة غافر في سورة طه. ولا الوارد في سورة طه في سورة غافر، والله أعلم بما أراد. والجواب عن الثاني: أن آية طه وردت أثناء خطاب رسول الله ﷺ بالتأنيس والتسلية عما يلقاه من مكابدة قريش وسائر كفار (العرب)، وتعريفه بما جرى لموسى، ﵇، وظهوره على فرعون، فلم يكن ليناسب ذلك تأكيد الخبر عن أمر الساعة، إذ هو، ﵇، من أمرها على أوضح الجادة. أما آية غافر فإن قبلها تعنيفاً لكفار من قريش وغيرها، وعلى ذلك استمرت الآيات من أول السورة إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ) (غافر: ٥٦)، إلى قوله: (قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ) (غاف: ٥٨)، فناسب ذلك من حالهم تأكيد الإخبار عن إتيان الساعة بدخول اللام، وصيرورة الآية بذلك في قوة المقيس عليه تحقيقاً للأمر وتأكيداً لما في طي ذلك من وعيدهم بسوء مآلهم، فورد كل من الآيتين على ما يناسب، والله أعلم. الآية الثالثة من سورة طه - قوله تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه: ٢٤ - ٣٦)، وفي سورة الشعراء: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) (الشعراء: ١٠ - ١٤)، وفي سورة القصص: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ

стр. 331

قْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (القصص: ٣٢ - ٣٥) إلى قوله: (وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (القصص: ٣٥). للسائل أن يسأل عن اختلاف المحكي من قول موسى، ﵇، حين بعث إلى فرعون مع اتحاد القضية في السور الثلاث وقد وقع في كل سورة منها ما ليس في الأخرى، فيسأل عن هذا؟ وعن وجه اختصاص كل سورة بما ورد فيها؟ والجواب عن السؤال الأول: أن قول موسى، ﵇، لا توقف في أنه لم ترد حكايته إلا بالمعنى لاختلاف اللسانين كما تقدم، وإذا تقرر كونها بالمعنى، والترادف فيما بين اللغتين في كل لفظتين يراد بهما معنى واحد غير مطرد، فلا إشكال في أن المعنى قد يتوقف حصوله على الكمال على تعبيرين أو أكثر، لا سيما مع ما في اللسان العربي من الاشتراك والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والحقيقة والمجاز وغير ذلك من عوارض الألفاظ، فكيف ينكر اختلاف التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ وعبارات مختلفة، بل نقول إنه لو كان المحكي قولاً عربياً وحكي بالمعنى لما استنكر اختلاف العبارة، فكيف مع اختلاف اللسانين؟ والحاصل من قول موسى، ﵇، في هذه السور الثلاث سؤاله ربه شرح صدره وتيسير أمره وإطلاق لسانه وتشكيه منه والتعاون بأخيه هارون، ﵉، وخوفه أن يكذب وذكره ما تقدم منه من قتل القبطي، على هذه القضيات السبع دار المحكي من كلامه، ﵇، وقد يرد في سورة منها بعض ذلك مما ليس في الأخرى، ولم يتعارض شيء من ذلك، فارتفع الإشكال المتوهم جملة. والجواب عن السؤال الثاني: أن الوارد في سورة طه من قوله: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) (طه: ٢٥) إلى أن قيل له: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه: ٣٦) مناسب لما بينت عليه السورة من التأنيس والبشارة لنبينا ﷺ من لدن افتتاحها بقوله: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ٢) إلى ختامها بقوله لنبيه ﵇: (لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ) (طه: ١٣٢) وقوله تهديداً ووعيداً لأعداء نبيه ﷺ : (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ... ) (طه: ١٣٥)، ولا توقف في بيان هذا التناسب. وأما سورة الشعراء وسورة القصص فإنما بناؤها على قصص موسى ﵇، أما الشعراء فمبينة على ابتداء الرسالة ودعائه فرعون ومراجعة إياه إلى نجاة بني إسرائيل وإغراق فرعون، وأما سورة القصص فمبينة على ابتداء امتحان بني إسارئيل بذبح الأبناء واستحياء النساء للخدمة والمهنة، وتخليص موسى، ﵇، من ذلك، وتكفل

стр. 332

الله سبحانه من ابتداء ونشأة، إلى توجهه إلى مدين ورجوعه من عند شعيب، ﵉، إلى ما تخلل ذلك وما أعقبت به، إلى أخذ فرعون وهلاكه، ولما كانت سورة الشعراء مذكوراً فيها قصص الرسل مع أممهم ابتداء واختتاماً فيما يخص حال الرسالة، إلى أخذ كل طائفة بما أخذت به، خصت من قصص موسى، ﵇، بما يلائم دعاء ومحاورة، إلى أخذ فرعون وملئه. ولما كان قوله تعالى في سورة القصص: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ) (القصص: ٣) تأنيساً وتنبيهاً لنبينا ﷺ ، قال تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: ١٢٠)، وفي آخر السورة الإفصاح من هذا التأنيس برجوعه إلى مكة بعد أن أخرج عنها، ﵍، مهاجراً لأجل قومه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (القصص: ٨٥)، ناسب ذلك من قصص موسى، ﵇، خروجه إلى مدين ورجوعه إلى مصر، فتناسب هذا أكمل مناسبة في السور الثلاث، (وإذا عتبر ذلك علم أنه لا يناسب كل سورة من الثلاث) إلا ما خصت به، والله أعلم بما أراد. الآية الرابعة من سورة طه: غ - قوله تعالى: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (طه: ٤٧)، وفي سورة الشعراء: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء: ١٦ - ١٧)، ففي الأولى: (فَأْتِيَاهُ) وفي الثانية: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ)، وفي الأولى: (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) بالتثنية والإضافة إلى ضمير الخطاب وفي الثانية: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فورد هنا (رسول) بلفظ الإفراد وإضافة رب (إلى) العالمين، والظاهر أن أمر موس وهارون، ﵉، في الآيتين كان أول أمر أُمرا به في إرسالهما إلأى فرعون، وأن أمرهما معاً بهذا لم يتكرر، وقد تقدم في سورة طه أمر موسى، عليه لاسلام منفرداً عن أخيه هارون في أول تكليم الله تعالى، وأمره بخلع نعليه، وإعطائه آيتي العصا واليد، وأمره بالذهاب إلى فرعون، وطلبه شرح صدره، إلى طلبه المعونة بأخيه هارون، وبعد ذلك أُمرا معاً بما في هاتين الآيتين، ثم لم يتكرر حسبما ذكرناه بمقتضى الظاهر، فللسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيهما؟ ووجه اختصاص كل سورة بما ورد فيها؟ والجواب عن الأول: ما تقدم من أن الإخبار عن ذلك كله في كتابنا معتمد فيه المعنى، وقد تقدم بيان ذلك مستوفى، وأما وجه التخصيص، فإن ورود اسم فرعون مضمراً في قوله: (فأتياه) إنما ذلك لتقدم ذكره في قوله: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى

стр. 333

فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) (طه: ٤٣ - ٤٤)، فلم تكن إعاجى اسمه ظاهراً مع الاتصال والقرب، إذ لم يفصل بين ظاهره ومضمره إلا كلمتان. أما آية الشعراء فقد اجتمع فيها أمران: أحداهما الفصل بين مضمر الاسم وظاهره، مع إتيان الظاهر مضافاً إليه فضلة إلى ما ذكر إليه من الفصل ببضع وعشرين كلمة، والثاني أن أمر موسى، ﵇، أولاً إنما ورد بإتيان قوم فرعون، قال تعالى: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ) (الشعراء: ١٠ - ١١)، فقد يتوهم أن الجاري على هذا أن لو قيل عوض قوله: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ) فأتياه، إلا أنه لم يقصد إلا ذكر متبوعهم، فلم يكن بد من الإفصاح باسمه غير مضمر. وأما قوله تعالى في الأولى: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) (طه: ٤٧) بتثنية لف الرسول فوارد على اللغة الشهيرة، أما قوله في الثانية: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٦) فعلى لغة من يقول رسول للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وعلى ذلك قول الهذلي: ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبرَّ فورد (الأول) في الترتيب على اللغة الشهيرة، والثاني على اللغة الأخرى على ما تقدم في مثل هذا، وعكس الوارد مخالف للترتيب ولا يناسب. وأما قوله: (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) بإضافة اسمه تعالى إلى ضمير الخطاب، فإنه يناسب من حيث ما فيه من (التلطف) والرفق لما تقدمه من قوله تعالى (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه: ٤٤)، وقد تفسر هذا القول وتبين ما فيه من التلطف بقوله تعالى في سورة النازعات: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات: ١٨ - ١٩)، وناسب هذا ما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا ﷺ وتأميس موسى كليمه ﷺ بقوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) (طه: ١٣) وما بعد إلى قوله تعالى: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه: ٣٦) وما بعد، فلما كان بناء هذه السورة بجملتها على التلطلف (والتأنيس ناسب ذلك ما أمر به موسى، ﵇، من دعاء فرعون آنسه وألطفه)، وأمر موسى، ﵇، وأخوه هارون بذلك فقيل لهما: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)، وجرى على ذلك (قوله): (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)، فأشعرت هذه الإضافة بالتلطف الرباني، ولما لم تكن سورة الشعراء مبنية على ما ذكر، وإنما تضمنت تعنيف فرعون وملئه وإغراقهم وأخذ المكذبين للرسل بتكذيبهم، وهذا في طرف من التلطف، ورد فيها: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ

стр. 334

الْعَالَمِينَ) بإضافة اسمه سبحانه (إلى العالمين) ليحصل منه أنه مالك الكل وأنهم تحت قهره تعالى وفي قبضته، وعدل عن الإضافة إلى ضمير الخطاب إذ لم يقصد هنا ما تقدم من التلطف، ونظير الوارد في هاتين الآيتين قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: ١٣٧)، فقف على ذلك في سورة الأنعام، وقد تبين جليل النظم وعلي التناسب في كل ما تقدم، وأن عكس الوارد في هذه الآي لا يناسب، والله سبحانه أعلم. الآية الخامسة من سورة طه: غ - قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) (طه: ٥٣)، وقال في سورة الزخرف: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الزخرف: ١٠)، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف بين سلك وجعل؟ ووجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيها؟ والجواب عن ذلك: أن العبارتين في السورتين معناهما متقارب وهو ما هيأه سبحانه لعباده من المذكور في قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (الملك: ١٥)، والمراد (بسلك) وجعل ما خلق وذلل سبحانه منها وهيأه لتصرفنا في معايشنا ومنافعها. والجواب عن الثاني أن اختصاص كل واحدة من العبارتين بموضعها في آية طه مقصود بها التلطف بالدعاء إلى الله على ما تقدم من أمره تعالى لموسى وهارون، ﵉، في قوله: ((فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه: ٤٤)، فلما بني الكلام على هذا وأعقب بقوله: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ) (طه: ٥٣ - ٥٤)، - ولا إشكال في أن هذا من التلطف والرفق في الدعاء - ناسب ذلك العبارة بسلك عما أنهج تعالى من السبل ولاطرق لمرافق العباد ومصالحهم، وهي منبئة عما تعطيه جعل في الآية الأخرى مع زيادة الوضوح وكمال التهيئة، فهي أنسب لما قصد في هذه السورة، تقول: منهج سالك أي واضح، ولو قلت مجعول لم يعط هذا المعنى من الوضوح. أما آية الزخرف فمبنية على توبيخ من كفر من العرب وترقيعهم، ألا ترى قوله سبحانه: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) (الزخرف: ٥)، وقوله إخباراً عن مكذبي الأمم: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزخرف: ٧)، وقوله: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) (الزخرف: ٨) أي من هؤلاء الذين

стр. 335

كذبوك يا محمد، فهذا كله توبيخ للجاحدين والمعاندين، وتأمل ما افتتحت به السورة من قوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: ٣)، والتعقل لا يستلزم الاهتداء والإيمان، ألا ترى قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: ٧٥)، فأين موقع قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) من قوله: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) و (لَعَلَّكُمْ تُفِلحُونَ) و (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)؟ فتدبر ذلك يلح لك الفرق، فناسب هذا ما ينبئ عن الخلق والاختراع من غير زيادة، فعبر هنا بجعل. وأيضاً فقد اكتنف لفظ جعل في الزخرف قوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: ٣)، وقوله بعدها: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف: ١٢)، فناسب هذا ذكر الجعل، ولم يناسب هنا هذه المناسبة لفظ سلك، فجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. الآية السادسة من سورة طه: غ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) (طه: ١١٢)، وفي سورة الأنبياء: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) (الأنبياء: ٩٤)، فوردت آية طه منسوقة على ما قبلها بالواو، والثانية بالفاء المقتضية في مثل هذا استئناف التفصيل مع بنائه على ما قبله بمقتضى الفاء، ثم أعقب الأولى بقوله: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) والثانية بقوله: (فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) ومقصود الآيتين واحد، فللسائل أن يسأل عن الفرق؟ والجواب عن الأول: أن قوله: (ومن يعمل) بواو النسق ورد في مقابلة ما تقدمه من المعنى الحاصل من قوله: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) (طه: ١١١) وقد خاب من حمل ظلماً لأن عنت الوجوه ذلتها في القيامة، ومنه قولهم: العاني للأسير، فمن حمل ظلماً خاب وخسر، ومن قدم خيراً وعمل صالحاً فر يخاف ظلماً أي زيادة في سيئاته، ولا هضماً أي نقصاً في حسناته، وهذا معنى الكلام، والله أعلم، فهذا موضع الواو ولا مدخل فيه للفاء. أما قوله في الأنبياء: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ) (الأنبياء: ٩٤) فافتتح تفصيل أحوال الفريقين لما قال تعالى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) (الأنبياء: ٩٣)، والمراد اختلافهم وافتراقهم في المذاهب والأديان، ابتع ذلك تعالى ببيان حال المحسن والمسيء في افتراقهم، فاستؤنف تفصيل جزائهم فقال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) (الأنبياء: ٩٤) إلى ما بعد وفي قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ

стр. 336

أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (الأنبياء: ٩٥) إلى ما يتلوه بيان جزاء المسمى وحكمه، وربطت الفاء ما فصل من الجزاء بما وقع الجزاء المفصل مربوطاً به ومنبهاً عليه، فالموضوع للفاء ولا مدخل للواو هنا. وأما تعقيب آية طه بقوله: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) (طه: ١١٢)، فإفصاح بالتأنيس المناسب لما بنيت عليه، وقد وضح هذا في الآية المترجم عليها قبل التي تلي هذا، ولم تبن آية سورة الأنبياء على ما ذكر فجيء فيها بما يناسب، وورد كل على ما يجب، ولا يلائم عكس الوارد ولا يناسب، والله أعلم. الآية السابعة من سورة طه قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) (طه: ١٢٨)، وفي سورة السجدة: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) (السجدة: ٢٦)، فلحقت همزة الاستفهام الواردة هنا تقريراً وتوبيخاً حرف العطف متقدمة قبله كما يجب واختلف حرف العطف، فلسسائل أن يسأل: لم اختصت الأولى بالفاء من حروف العطف والثانية بالواو؟ وعن زيادة (من) في سورة السجدة؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن قوله في الآية الأولى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) كلام لم يتقدمه ما يكون هذا معطوفاً عليه، وإنما هو كلام مستأنف مبتدأ، ألا ترى ما تقدم قبله من قوله تعالى إخباراً عمن أعرض عما جاءت به الرسل فقال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) - أي بإعراضه عن إتباع الرسل - (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) (طه: ١٢٤) إلى قوله: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه: ١٢٧)، هذا إخبار عن جزاء من أعرض ولم يؤمن، ثم ورد ما بعد مستأنفاً وارداً مورد ما يرد من الكلام التفاتاً، وهذا مراد أبي محمد بن عطية، ثم ابتدأ توبيخهم وتذكيرهم فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ)، والضمير المجرور لكفار قريش ومن كان معهم، أي أفلم يتبين لهم، والفاعل ما يفهم من جملة الكلام وسياقه، أي أفلم يهد لهم هذا المشاهد لهم الواضح من تقلبهم في بلاء عاد وثمود يمشون في مساكنهم ويعاينون آثار هلاكهم، وكم مفعولة بأهلكنا. واستمر الكلام مع المذكورين إلى آخر السورة، وإذا كان قوله: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) مبتدأ مستأنفاً فالموضع للفاء، وهذا كقوله في سورة الرعد: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (الرعد: ٣١)، وقوله في سورة القتال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: ٢٤)، وما أتى مثل هذا مما الوجه فيه الاستئناف، ولم يقصد عطفه

стр. 337

على ما قلبه، وإنما ارتباطه بما تقدمه من جهة المعنى، ولا مدخل فيه للعطف مع أن الالتحام حاصل من وجه كما بينا. وأما آية السجدة فالواو فيها عاطفة على مقدر لما قال الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) (السجدة: ٢٢)، كأن قد قيل: أفلا تذكروا ولم يعرضوا: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ) (السجدة: ٢٦) أولم يبين لهم إهلاك من تقدمهم من القرون، وقال الزمخشري في الواو في: (أَوَلَمْ يَهْدِ) للعطف على معطوف عليه منوي من جنس المعطوف والضمير في لهم لأهل مكة، قلت وهذا هو عين ما قدمنا، وإنما لم تكن الواو هنا لغير العطف لأن الواو لا يستأنف بها بخلاف الفاء كما قدمنا، فاختلف المقصود في الآيتين ووضح وجه مجيء الفاء في آية طه والواو في آية السجدة. وأما زيادة ((من)) في قوله في آية السجدة: (مِنْ قَبْلِهِمْ) فإنها مقصود فيها استغراق عموم لمناسبة ما تقدم هذه الآية من حصر التقسيم في قوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) (السجدة: ١٨) وأعقب: (به) ما يفهمه قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) (السجدة: ٢٦)، إذ ليس هنا الوارد كالوارد في سورة طه من قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) (طه: ١٢٨)، فهذا يشعر بخصوص يناسبه سقوط (من) الاستغراقية، وما في آية السجدة يشعر بعموم واستغراق تناسبه (من) في قوله: (مِنْ قَبْلِهِمْ)، فجاء كل على ما يناسب ويجب، والله أعلم. الآية الثامنة من سورة طه قوله تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) (طه: ١٣٠)، وفي سورة ق: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) (ق: ٣٩)، فقال في الأولى: (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) وفي الثانية: (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)، وفي سورة الطور: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) (الطور: ٤٨ - ٤٩)، (فيسأل عن الفرق)؟ والجواب أن ذلك، والله أعلم: لرعي الفواصل ومقاطع الآي، ألا ترى ما تقدم قبل آية ق من قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (ق: ٣٨)، فناسب هذا قوله: (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)، وأما آية طه فقد اكتنفها أي مقاطعها الألف المفتوح ما قبلها نطقاً وتقديراً، فجاء ذلك على ما يجب في السورتين.

стр. 338

فصل: وأما قوله تعالى في السورتين: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) بناء على المتقدم فيهما من قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) واتصاله به فبين الوضوح، لن المراد أمره ﵇ بالصبر على أذاهم في قولهم كاهن ومجنون وساحر إلى غير ذلك مما نزه الله نبيه، ﵇، منه فأمر (بالصبر) على ذلك وأمر أن يستعين بصبره وصلاته كما قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة: ٤٥)، وهو المراد أيضاً هنا، وعن الصلاة عبر بالتسبيح في قول أكثر المفسرين، وإن أريد بالتسبيح معنى التنزيه بالذكر المعروف فذلك أيضاً بين والمعنى متعارف، ويكون مأموراً بالصبر والذكر والتنزيه، فالالتحام بين، وإنما المشكل قوله تعالى في سورة ص: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ... ) (ص: ١٧)، وربط قوله: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) بما قبله ومطابقته إياه، وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بما جرى فيه على شنيع المرتكب وسوء الأدب، بناء على استبداد العبيد وفعلهم ما لا يرضاه الخالق سبحانه ولا يريد، فجعل لله شركاء، وأفرد العباد بأفعالهم استبداداً وملكاً، وأجاب (بناء) على ما أصل ولم يوفق في هذا الموضوع لوجه المطابقة ولا حصل، وأذكر إن شاء الله ذلك في أول آية من سورة ص على أوضح منهج بحلول الله تعالى. ****

стр. 339

سورة الأنبياء الآية الأولى منها قوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء: ٢)، وفي سورة الشعراء: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء: ٥)، فورد في الأولى: (مِنْ رَبِّهِمْ) وفي الثانية: (مِنَ الرَّحْمَنِ) مع اجتماع الآيتين في أن التذكير لا يجدي على ما ذكر في الآيتين، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ والجواب، والله أعلم: أن هذين الاسمين العظيمين وهما: الرب والرحمان تواردا في الكتاب العزيز كثيراً، أول ذلك في الفاتحة، ثم إن اسمه سبحانه الرجمان يغلب وروده حيث يراد الإشارة إلى العفو والإحسان والرفق بالعباد والتلطف والتأنيس، فمن مراده في التأنيس، فمن مراده في التأنيس البسملة، وأم القرآن، وصدر سورة طه، وآية الشعراء المتكلم فيها، وما ورد من مثل الوارد في سورة الفرقان في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ) (الفرقان: ٦٠)، فتحقيق الاعتبار يقتضي تأويله بالرجوع إلى ما ذكرنا، وأما اسمه الرب فيعم وروده طرفي الترغيب والترهيب. أما الترغيب فبين، وأما الترهيب فحيث يرد معنى ملكيته سبحانه لهم، وانفراده بإيجادهم، وإدرار أرزاقهم، وبيان انفراده تعالى بذلك، ثم هم ذلك على كفرهم. ولما تقدم قبل آية الأنبياء من الأخبار ما طيه وعيد وترهيب مع تلطفه سبحانه بهم بتذكيرهم لم يكم ليناسب ذلك ورود اسمه الرحمان، ألا ترى أن قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) (الأنبياء: ١) أشد تخويفاً للمخاطبين، ثم لفظ الناس لفظ لا يخص به المؤمنون، إنما يرد حيث يراد عموم المخاطبين، ويكثر حيث يراد الوعيد والإنذار والتخويف والدعاء الأولى إلى العبادة والدخول في الإسلام، وأما ما ذكر بعد وصفه بالغفلة والإعراض وما انجر مع ذلك فأهل الكفر والتكذيب، والسورة مكية ولفظ الناس عام كما تقدم، إلا أن قوله بعد: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (الأنبياء: ٣) خاص بمن حكى قولهم الذي أسروه وهو: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) (الأنبياء: ٣)

стр. 340

أما آية الشعراء فمبينية على تأنيس النبي ﷺ وإعلامه أن توقف قومه عن الإيمان إنما هو بقدرته تعالى عليهم، ولو شاء لأراهم آية تبهرهم كشق الجبل فوق بني إسرائيل. وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء: ٤)، ثم رجع الكلام إلى تعنيف المكذبين، فلما كان بناء الآية على التأنيس والتلطف بنبينا ﷺ ، وإعلامه بأن تأخير العذاب عنهم إنما هو إبقاء منه تعالى ليستجيب من قدر له الإيمان منهم، فأشاء إلى هذا وناسبه اسمه الرحمان، فقال تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء: ٥)، فقد وضح ورود كل من الآيتين في موضعه على ما يجب ويناسب، والله أعلم بما أراد. الآية الثانية - قوله تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) (الأنبياء: ٣٦)، وفي سورة الفرقان: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ... ) (الفرقان: ٤١ - ٤٢)، هنا سؤالان: أحدهما ظهور الفاعل في الآية الأولى وإضماره في الثانية، والثاني ما وجه تعقيب الآية الثانية بما أعقبت به؟ والجواب عن الأول، والله أعلم: أن الكفار المعاصرين لرسول الله ﷺ لم يتقدم قبل آية الأنبياء أو فيما يليها من آي السورة أو يقرب منها خطاب يعنيهم ويخصهم من غيرهم، إنما تقدم قبلها قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء: ٣٠)، وهذا يتناول كل كافر ملف ذي عقل كان من العرب أو من غيرهم معاصر أو غير معاصر، ثم لم يقع بعد هذه الآية ما يعارض عمومها، فلهذا تعين إظهار الفاعل في قوله: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (الأنبياء: ٣٦) إذ قيل: وإذا رأوك، لما كان يمكن رجوعه إلا للمذكورين قبل في قوله: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (الأنبياء: ٣٠)، وليس خاصاً بالمعاصرين، فلم يكن ليناسب. أما آية الفرقان فإن قبلها قوله تعالى: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) (الفرقان: ٣٢)، والمنزل عليه القرآن معلوم ﷺ ، فالقائلون معاصرون وهم الذين عنوا على القطع بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)، فلما تقدم

стр. 341

ذكرهم غير متناول غيرهم، وعنوا بالذكر، واحتيج بعد إلى الإخبار عنهم، أتى بضميرهم، إذ هو أوجز وقد علم، (فقيل): (وَإِذَا رَآكَ)، ولم يكن الإضمار ليناسب في آية الأنبياء، ولم يمكن الإظهار هنا، فورد كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. والجواب عن السؤال الثاني: أنه لما تقدم في سورة الأنبياء قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) (الأنبياء: ٢١)، وقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: ٢٢)، وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) (الأنبياء: ٢٤)، فتكرر ذكر مرتكبهم في اتخاذهم معبوادات لا تغني عنهم، ناسبه قولهم: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) (الأنبياء: ٣٦). أما آية الفرقان فقد تقدمها قوله: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٧)، فأنكروا كون الرسول من البشر، (فجرى مع ذلك وناسبه قولهم: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) (الفرقان: ٤١) تعجباً واستبعاداً أن يكون الرسل من البشر)، وقد رد ذلك عليهم بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٢٠)، فوضح التناسب فيها، والله أعلم. الآية الثالثة قوله تعالى: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) (الأنبياء: ٤٥)، قراءة الجماعة إلا ابن عامر: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ)، وقرأ ابن عامر: (وَلَا تَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ) بضم التاء وفتح الميم من الصم، وفي النمل والروم: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) (النمل: ٨٠). قراءة ابن كثير بضم الياء وفتح الميم كقراءة الجماعة في آية الأنبياء، وقراءة الباقين: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ) بضم التاء وفتح الميم كقراءة ابن عامر في الأنبياء، فاستوت الآي الثلاث في ورود القراءتين على الجملة وفي المعنى المقصود، ثم ختمت الأولى بقوله: (إِذَا مَا يُنْذَرُونَ)، وآيتا النمل والروم بقوله: (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، فيسأل عن ذلك. والجواب، والله أعلم: أن آية الأنبياء قد تقدمها أمره، ﵇، بخطاب حاضريه، وإنذارهم بما أوحي إليه، وإعلامهم بأن إنذاره إياهم لا يجدي عليهم، تسلية له، ﵇، وإعلاماً بما سبق لهم أزلاً، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ)، ثم قال لهم: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) (الأنبياء: ٤٥)، فأعلمهم بإعلام الله تعالى بأنهم صموا عن سماعه، ومنعوا ثمرته من الإجابة لما سبق عليهم فقيل: (إِذَا مَا يُنْذَرُونَ)، أي أنهم وقت إنذارهم ممنوعون عن السمع، كما قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى

стр. 342

قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) (الكهف: ٥٧)، وكما ورد قبل آيتي النمل والروم وقوله تعالى: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) (الروم: ٥٢) إلحاقاً لحال المخاطبين بهم في عدم الجدوى عليهم، ناسب ذلك قوله: (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، فوضح التناسب في نظام هذه الآي، وإن العكس لا يناسب، والله أعلم. الآية الرابعة قوله تعالى في إبراهيم: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: ٥٢ - ٥٣)، وفي سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء: ٦٩ - ٧٤)، فورد في الأولى: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا) وفي الثانية: (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا)، فيسأل عن زيادة (بل) في الثانية؟ وقد يسأل عن المختلف من حكاية قول إبراهيم، ﵇ في الأولى: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) (الأنبياء: ٥٢) وفي الثانية: (مَا تَعْبُدُونَ) وظاهر القصة أنها واحدة وقد اختلف المحكي؟ والجواب عن الأول، والله أعلم: أن جوابهم في الموضعين ليس جواباً لسؤال واحد، وإنما ورد (جواباً) لسؤالين، فاختلف بحسبهما، فسؤاله في آية الأنبياء سؤال مطلع على معبوداتهم ما هي؟ بعد أن شاهد عبادتهم لها، ولزومهم إياها، وكيفية صورها. فقال: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) أي ملازمون، فلم يجدوا جواباً إلا اعترافهم بأنها تماثيل مصورة منحوته، والتماثيل ما جعل من الصور مثالاً لغيره ونحي به نحوه، فأقروا بالعجز عن جواب مقنع، واستشعروا ما يلزمهم في عبادة ما يصنعونه بأيديهم، وتقدم وجودهم وجوده، فرجعوا إلى التقليد فوقع جوابهم على ما تقدم. وأما آية الشعراء فإن سؤال إبراهيم، ﵇، إياهم بقوله: (مَا تَعْبُدُونَ) ورد (مورد) سؤال عن ماهية معبوادتهم وكيفيتها، وكأنه، ﵇، لم يشاهدها، وعلم أنهم يعبدون ما لايعبد، فسألهم عن ما هيته فجاوبوه: (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) فجاوبوه معترفين بماهية معبوداتهم على ما أمرهم عليه، وطابق جوابهم سؤاله، فأردف، ﵇، بسؤال آخر، قاصداً تعجيزهم والقطع بهم فقال: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) (الشعراء: ٧٢ - ٧٣) أي إذا كانوا هكذا مستبدين غير مفترقين فذلك عذر في عبادتكم إياهم، فلما استشعروا ما يلزمهم عدلوا عن الجواب،

стр. 343

وأضربوا عن طرفي الإثبات والنفي إلى تقليد الآباء وقالوا: (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء: ٧٤)، وحصل من جوابهم بمفهوم الإضراب ببل أن آلهتهم لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، إذ لو اتصفت بوجود هذه الصفات لما عدلوا إلى الإضراب. فإن قيل إنما أضربوا عن أن يجيبوا بنفي أو بإثبات فكيف يقال: إن اعترافهم حاصل بأنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر؟ فأقول: لو وجدوا أدنى شبهة لتراموا عليها، فقد وضح أن جوابهم هنا بناء على ما بنوه جواباً عليه لا يمكن غيره إلا بمخالفتهم المحسوس لو أنهم قالوا: إنها تسمع أو تنفع أو تضر، أو نسبتهم أنفسهم إلى ما عذر لعاقل في ارتكابه، ولا شبهة لو أفصحوا جواباً بأنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، ثم استمروا على عبادتهم إياها، فأضربوا عن ذلك إلى اعتمادهم على تعبد آبائهم، وجعلوا ذلك حجة على مرتكبهم على وهن هذا التعليق، ولهذا قيل لهم: (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الأنبياء: ٥٤)، إن جوابهم هنا ببل لازم لما قصده، ولا يمكن بسقوطها، وإن جوابهم في آية الأنبياء لا يمكن فيه بل بوجه، فورد كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. والجواب عن السؤال الثاني أنه لا حامل على القول بأن القصة واحدة، وإذا أمكن أن يكون ذلك في محلين ووقتين لم يلزم اتحاد الجواب، فلا سؤال، والله أعلم. الآية الخامسة قوله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) (الأنبياء: ٧٠)، وفي الصافات: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) (الصافات: ٩٨)، هنا سؤالان: أحدهما: ما وجه الاختلاف مع اتحاد المقصود في الموضعين؟ والثاني: ما وجه اختصاص كل من الموضعين بما ورد فيه؟ والجواب عن السؤالين معاً: أن الخاسر عندنا من فقد ما بيده من مال أو سبب كان يعتمده لدنياه ومعاشه، أو محاولة فسدت عليه فساءت حاله، لذلك ومهما استحكمت حاله في ذلك كان أخسر، وقد جعل سبحانه في الخسران المبين من خسر الدنيا والآخرة، وأعلمنا تعالى أن الأخسرين لا يقام لهم (وزن في القيامة، قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) (الكهف: ١٠٣) إلى قوله: (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (الكهف: ١٠٥)، فلا أدون حالاً من هؤلاء. ولما أراد قوم إبراهيم، ﵇، به الكيد ألحقهم تعالى بهؤلاء عقوبة توافق مرتكبهم وسوء انتحالهم، والأخسرون هم الأسفلون، وهذا كان مطلب الكافر في الآخرة وتمنيه لو بلغه إلحاق من أضله من الجن

стр. 344

والإنس بهذا النمط، قال تعالى مخبراً عن حالهم في الآخرة: (رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) (فصلت: ٢٩)، فالصفتان من الخسران والسفالة غاية حالة الكافر، ومن كان من الأسفلين فقد خسر خسراناً مبيناً، فلا تضاد بين الصفتين سوى أن السفول لاحق في ذات المسفل، والخسران حقيقة في خارج عنه، فالسفول أبلغ، فقد ما هو لاحق خارجي، وأخر ما لا يتعدى ذات المتصف تكملة وتتمة، إذ هو أبلغ على ما يجب وعلى ما قدمنا من رعي الترتيب، والتسفل (ضد) التّعالي، فورد كل على ما يجب ويناسب، وقيل روعي في آية والصافات مقابلة قولهم: ابنوا له بنياناً، لأنه يفهم منه إرادتهم علو أمرهم بفعلهم ذلك، فقوبلوا بالضد، فجعلوا الأسفلين. قال معناه صاحب الدرة، وهو حسن، والله أعلم. الآية السادسة قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: ٨٣ - ٨٤)، وفي سورة ص: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (ص: ٤١ - ٤٣)، ففي آية الأنبياء: (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) وفي آية ص: (رَحْمَةً مِنَّا)، وفي آية الأنبياء: (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)، وفي آية ص: (لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، فيسأل عن الفرق بين الوصفين؟ ووجه الاختصاص؟ والجواب على الجملة، والله أعلم: أنه لما ورد في الأنبياء تلطف أيوب ﵇ بقوله: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء: ٨٣)، فلما تلطف في سؤاله، ولم يفصح، ﵇، تلطفاً وتضرعاً بعظيم ما أصابه من البلاء إفصاحه في آية ص بقوله: (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص: ٤١)، فبني كل (من الأيتين) على ما يباسبه، فقيل جواباً على عظيم تضرعه وتلطفه في قوله: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) ما يلائم لطيف هذه الشكوى، وعلى قوله (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) ما يناسب إفصاحه بهذه البلوى، فقيل بناء على الأول: (فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) (الأنبياء: ٨٤)، وقيل بناء على الثانية: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) (ص: ٤٢)، لما وقع ذكر الشيطان، وأنه السبب في ذلك الامتحان، جووب باستعمال سبب فقيل له: اركض برجلك واغتسل وذلك يذهب عنك ما مسك به الشيطان، وحين لم يذكر، ﵇، واسطة جووب برفع ما به بغير واسطة سبب، فقيل جواباً لقوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) (الأنبياء: ٨٤)، وبني على الأول قوله: (رَحْمَةً

стр. 345

مِنْ عِنْدِنَا) لتمكن (عند) فيما قصد، وعلى الثاني: (رَحْمَةً مِنَّا) إذ ليس موقعها موقع (مِنْ عِنْدِنَا)، ثم قيل في الأولى: (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) مناسبة لما تقدم، وقيل في الثانية: (لِأُولِي الْأَلْبَابِ) مناسبة أيضاً، إذ اعتبار أولي الألباب يورثهم مقام العابدين، وهو أسنى مقام، وكل ذلك بعد مقامات عليه وأوال جليلة، وقد جرى مع (كل) مقام ما يناسبه، ووضح أن كلاً من هذه المبينات على ما قبلها لا يناسبه غير ما بني عليه، والله أعلم. وأما وجه خصوص الواقع في كل من السورتين بموضعه، فإن سورة الأنبياء لما رود فيها من قصص الأنبياء المذكورين قبل ذكر أيوب، ﵇، إعلاء مقاماتهم، ولم يرد في ذلك ما يخرج عن هذا، وذلك من لدن قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) (الأنبياء: ٥١) إلى قوله: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (الأنبياء: ٨٢)، ناسب ذلك من قصة أيوب، ﵇، ما يلائم هذا الغرض، فلما ورد في ص ما بني عليه قوله تعالى: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) (ص: ٢٤) إلى قوله: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ... ) (ص: ٢٥) وما بني عليه (قوله): (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) (ص: ٣٤) ظغلى قوله: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي) (ص: ٣٥)، ناسب ذلك أيضاً ما أعقبت به من قصة أيوب، ﵈، فتأمل الوارد من قصص داود وسليمان في قوله في الأنبياء: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) (الأنبياء: ٧٨) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الأنبياء: ٨٠)، والوارد من قصصهما في سورة ص، واعتبر ذلك، فإن الفرق في ذلك بين، وقد تنزل على كل من هذه القصص في السورتين ما يناسبهما من قصص أيوب، وإذا استوضحت ذلك علمت أن كلاً منهما لا يناسبهما من قصص أيوب، وإذا استوضحت ذلك علمت أن كلا منهما لا يناسبه غير موضعه، ثم إن كلا من الآيتين في السورتين قد جرى على ما اتصل به مما تقدمه وتأخر عنه من فواصل الآي ومقاطعها، فلو وردت على العكس لما ناسب آية منها ما اتصل بها، فحصل التناسب في اللفظ والمعنى على أوضح شيء، وأنه لا يمكن عكس الوارد على ما قد تمهد بوجه، والله أعلم بما أراد. الآية السابعة من سورة الأنبياء قوله تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) (الأنبياء: ٩١)، وفي سورة التحريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) (التحريم: ١٢)، فيسأل عن وجه الاختلاف في الضميرين مع اتحاد المعنى المقصود من الواقع به الثناء وإن اختلف الحامل على ذكر قصتها في الموضعين؟ وعن وجه اختصاص كل واحد من الموضعين بالوارد (فيه)؟ والجواب عن الأول، والله أعلم: بعد تسلمي اتحاد المعنى الواقع به البناء، إن الضمير في الأولى عائد إلى ما أشير إليه بالموصول الذي هو التي، وهي مريم ابنة عمران

стр. 346

المفتتح باسمها في آية التحريم، أعيد الضمير هنا إليها من حيث إن ذلك تخصيص وتكريم جليل وآية باهرة، وقد قصد ههنا تشريفها وتشريف ابنها، ﵇، بالذكر في قوله: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً) (الأنبياء: ٩١)، ولم يقع في آية التحريم ذكر ابنها، فلما اتسع المقصود هنا بذكر من لم يذكر هناك، وقصد من التشريف ما هو أكثر، ناسبه التوسعة في عودة الضمير، فأعيد إلى الذات المطهرة (بجملتها، فقيل): (فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا)، وأفهم ذلك ما أفهمه الضمير الخاص بمحل النفخ من غير إشكال، وقيل في آية التحريم: (فيه) لعوده إلى الموضع المخصوص على ما يجب، لم يقصد هنا من توسع المدح ما قصد في الأولى، وإنما قصد بآية التحريم تخصيصها في ذاتها بعظيم إيمانها، وتصديقها، وإثباتها في القانتين، وتشبيه حالها في سابق سعادتها بالمذكورة قبلها، واجتماعهما في ضرب المثل بهما للمؤمنين، فالحامل على ذكرها هنا غير الحامل في سورة الأنبياء مع اتحاد الوصف الواقع به التمدح، مع تناظر الألفاظ (وتشاكلها)، وهي قوله تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا) (الأنبياء: ٩١)، فاجتمع في هذا الموضع ما قصد من مدحها ومدح ابنها، ﵇، مع مضارعة الألفاظ وتشاكلها، فجاء كل على ما ثبت فيه، ولم يقصد في التحريم غير ذكرها بالحال التي ناسبتها فيها امرأة فرعون، ولم يوسع الكلام بذكر ابنها، ﵇، كما ذكر في الأخرى، ولا هنا داعية تشاكل كما هناك، فلهذا ورد الضمير على ما ورد من الخصوص فقيل: (فيه). والجواب، عن وجه اختصاص كل واحد من الموضعين بالوارد فيه: أن آية الأنبياء ورت منسوقة على آيات تضمنت ذكر جملة من الرسل، موصوفين بخصائص عليه وآيات نبوية، أولهم إبراهيم، ﵇، ثم ابنه إساحاق ثم ابنه يعقوب ثم نوح ولوط وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون وزكرياء، فلما ذكر هؤلاء العلية، ﵈، بخصائص ومنح ناسب ذلك ذكر مريم وابنها بما منحا ﵉. وأما آية التحريم فمقصود فيها ذكر عظيمتين جليلتين يبين بهما حكم سبقية القدر بالإيمان والكفر، وهما قضية امرأتي نوح ولوط، وإن انضواءهما إلى هذين النبيين الكريمين، ﵉، انضواء الزوجية التي لا أقرب منها، ومع ذلك لم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وقصة امرأة فرعون وقد انضوت إلى أكفر كافر، فلم يضرها كفره، ثم ذكرت مريم، ﵍، للالتقاء في الاختصاص وسبقية السعادة، ولم يدع داع إلى ذكر ابنها فلا وجه لذكره هنا، وأما آيةالأنبياء فلذكره هناك أوضح حامل، فجاء كل على ما يجب، ولا يمكن فيه عكس الوارد، والله أعلم.

стр. 347

الآية الثامنة من سورة الأنبياء قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) (الأنبياء: ٩٢ - ٩٣)، وفي سورة المؤمنون: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (المؤمنون: ٥٢ - ٥٣)، للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى: (فَاعْبُدُونِ) وفي الثانية: (فَاتَّقُونِ)؟ وفي الأولى: (وَتَقَطَّعُوا) وفي الثانية (فَتَقَطَّعُوا)؟ وفيها أيضاً: (زُبُرًا) ولم يرد في الأولى؟ وأتبعت الأولى بقوله: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) والثانية بقوله: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)؟ فهذه أربعة مواضع مما يسأل عنها؟ فأقول تمهيداً للجواب: الأمة هنا الملة، وقوله: (إِنَّ هَذِهِ) إشارة إلى ملة الإسلام، قال الزمخشري: أي ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، لا تنحرفون عنها، ملة واحدة وغير مختلفة، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون، والخطاب للناس كافة، قال: والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينفي عنهم ما أسمدوه، ويقبح عندهم فعله، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، قال والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما تتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه فيصير لهذا نصيب ولذالك نصيب، تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى، ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو يحاسبهم ويجازيهم، هذا معنى كلامه. ونرجع إلى الجواب (فنقول: الجواب) عن الأول أن سورة الأنبياء لم يرد فيها ذكر لفظ التقوى في أمر ولا خبر من أولها إلى آخرها، وورد الأمر بالعبادة في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: ٢٥). وأما سورة المؤمنون فتكرر فيها ذكر التقوى في ثلاثة مواضع، أولها - قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون: ٢٣)، وفي ما بعد الآية المتكلم فيها (قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون: ٨٧)، فروعي في الأولى ما تقدمها، ونوسب بالثانية ما اكتنفها، وأيضاً فإن العبادة مأمور بها ليحصل الاتقاء، فهي مقدمة في الطلب لتحصيل ما يتسبب عنها إذا كانت الإجابة، وعلى ذلك ورد دعاء الخلق، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ٢١)، وفي سورة المؤمنون المذكورة: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا

стр. 348

إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون: ٢٣)، فالاتصاف بالتقوى ثان عن الاتصاف بالعبادة، فقيل في الأنبياء: (فَاعْبُدُونِ) وفي سورة المؤمنون: (فَاتَّقُونِ)، وكلاهما ذكر على مقتضى الترتيب، وأيضاً فإنا إذا اعتبرنا ما قدم من قصص الرسل في السورتين وجدنا الوارد في سورة الأنبياء مقصوراً على ذكر منحهم وتخليصهم وتأييدهم من لدن قوله تعالى في إبراهيم: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) (الأنبياء: ٥١)، وقوله: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: ٧٣)، فتضمنت هذه الآي بضعة عشر نبياً، أولهم إبراهيم وآخرهم من أعقب ذكره بالآية المذكورة، وقد اقتصر من قصصهم في هذه الآي على ما يطلع المؤمنين على تكفله سبحانه بالمصطفين من عباده وما اختصهم به، ولم يرد مع ذلك تكذيب قومهم لهم، ولا ما يرجع إلى هذا وكل هذا تأنيس وذكر نعم وآلاء وألطاف يناسبها قوله: (فَاعْبُدُونِ) لكونه أمراً بالعبادة مجرداً عما في قوله: (فَاتَّقُونِ) من التخويف. وأما الوارد في سورة طه فمتضمن الطرف الذي عدل عنه في سورة الأنبياء، وهو ذكر جواب الأمم للرسل وقبيح تكذيبهم إياهم وشنيع ردهم وقبيح مقالهم كقول قوم نوح، ﵇: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) (المؤمنون: ٢٤)، (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) (المؤمنون: ٢٤ - ٢٥)، ثم بالغوا في الاستهزاء بقولهم في إخبار الله تعالى عنهم: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) (المؤمنون: ٢٥)، وقول أهل القرون المذكورين بعد قوم نوح لنبيهم: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) (المؤمنون: ٣٣)، وقوله: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) (المؤمنون: ٣٤) إلى قوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) (المؤمنون: ٣٨)، وقوله تعالى لما تواتر ذكر إرسال الرسل وتكذيب قومهم لهم فقال تعالى: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) (المؤمنون: ٤٤) إلى قوله: (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون: ٤٤)، وقال تعالى مخبراً عن قوم موسى: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) (المؤمنون: ٤٦)، فناسب هذا التخويف بقوله عقب هذا: (فَاتَّقُونِ)، كما ناسب ما تقدم في آية سورة الأنبياء قوله تعالى: (فَاعْبُدُونِ)، ولم يكن ليناسب ورود واحدة منها موضع الأخرى، فجاء كل على ما يجب، ولا يمكن خلافه. والجواب عن السؤال الثاني، وهو الفرق بين قوله في سورة الأنبياء (وَتَقَطَّعُوا)، وفي سورة المؤمنون (فَتَقَطَّعُوا) بفاء التعقيب: أنه ورد في آي الأنبياء قبل هذه الآية تأنيساً لنبيا ﷺ قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) (الأنبياء: ٧)

стр. 349

وقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧)، ثم قال: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) (الأنبياء: ٨) إلى قوله: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ) (الأنبياء: ٩)، فنبهوا على السؤال، ثم ذكر من قصص الأنبياء أوضحه وأجلاه لمن اعتبر، وأورد ذلك إيراد التلطف بذكر تخليص أولئك العيلة، ﵈، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ) (الأنبياء: ٢٥ - ٢٦)، ونظير هذا قوله تعالى: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) (الرعد: ٣٠). فهذه الآي في قوة أن لو قيل: نحن نبين لهم وهم يكفرون، فهو سبحانه يذكر لنبيه ﷺ أحوال الأمم مع الرسل مع مشاهدة الآيات تأنيساً له ﷺ وتذكيراً بالصبر على قومه، (فعلى) هذا المنهج جرى الوارد من قوله: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ) (الأنبياء: ٩٣) أي نبهناهم على السؤال، وأوضحنا (لهم) أمر من تقدمهم وعاقبة الاستجابة لمن تمسك بهدي المذكورين، وهم مع ذلك على عنادهم وافتراقهم، وكأن الكلام وارد مورد التعجب من أمرهم، ولم يشبه شدة الوعيد ليبقى رجاؤه، ﵇، في استجابتهم، فلم يخل معنى الكلام مع الإخبار بتفرقهم عن بعض إبقاء تأنيس مناسباً لما تقدمه، ولهذا لم يقع بعد الآية تسجيل بتصميم على الكفر ولا إمعان في طرف التخويف الوارد في آية المؤمنون من قوله: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (المؤمنون: ٥٣) إلى قوله: (بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) (المؤمنون: ٥٦) كما في آية الأنبياء آنفاً. أما قوله في المؤمنون: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) (المؤمنون: ٥٣) فمنزل على ما قبله منزلة قوله في سورة النحل: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) (النحل: ٣٦) إلى قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) (النحل: ٣٦)، وهذا وعيد شديد لمن حقت عليه كلمة العذاب ولم يجد عليه التذكار، فكان مجموع هذه الآي في قوة أن لو قيل لهم: قد بين لكم، وأطلعتم على مآل من كذب، وخوطبتم بما قيل للرسل: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) (المؤمنون: ٥١)، وملة الكل ملة واحدة، ولم تؤمروا بما لا تطيقونه، فتقطعتم. إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كما جرى في سورة الأنبياء فقيل: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ) أي فتفرقوا وما أجدي عليهم القرآن شيئاً، فهذه الآية أشد في التخويف والترهيب من الأخرى، وكل يناسب ما قبله. ولو وردت إحداهما موضع الأخرى لما ناسب، والله أعلم.

стр. 350

والجواب عن السؤال الثالث: أن قوله في آية المؤمنون (زُبرا) تأكيد لافتراقهم، وانتصابه على الحال الواردة بياناً وتأكيداً لقبح تفرقهم وشنيع مرتكبيهم، فناسب ذلك مقصود هذه الآية هنا من التخويف والإنذار، ولم يكن ليناسب آية الأنبياء لبنائها على غير ما قصد هنا، لما تقدمها من تأنيس نبينا ﷺ ، وتعريفه بما منح سبحانه متقدمي الرسل، وما أعقبهم صبرهم على أممهم، وهو، ﵇، قد قيل له: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: ٩٠)، فقدم له، ﵇، في سورة الأنبياء من قصصهم ما ثبت فؤاده، وصار جليل هذا التأنيس مما بنيت عليه السورة، وعلى ذلك جرت سورة مريم وسورة طه على ما مهدته وبسطته في ترتيب هذه السور الكريمة، فمن حيث الإشارة إلى ما ذكر لم يكن ليناسب ذلك تأكيد افتراقهم وتشتتهم، ولما رجع الكلام للآية الثانية، بعد تثبيته، ﵇، وتأنيسه، إلى التعريف بمرتكبات الأمم، وذكر ما استحقوا به ما عوقبوا به، وإن كلاً من المكذبين أخذ بذنبه، كان ذلك مظنة تأكيد المرتكب، فقيل: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) (المؤمنون: ٥٣)، والله أعلم. والجواب عن السؤال الرابع: أن تعقيب آية الأنبياء بقوله: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) (الأنبياء: ٩٣) وإن كان وعيداً وتهديداً فليس في شدة التهديد ومخوف الوعيد كالواقع في سورة المؤمنون، يوضح ذلك ويبينه ما اتصل بكل من الآيتين من قوله في آية الأنبياء: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) (الأنبياء: ٩٤)، فذكر عند وجوعهم إليه سبحانه جزاء من أجاب وأحسن، وطوى الكلام عن الإفصاح بحكم الطرف الآخر من ذكر من أساء، فلم يجر لهم ذكر مفصح به كما في الطرف الآخر، مع أن إجمال قوله تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) (الأنبياء: ٩٣) وما أعقب به من قوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) (الأنبياء: ٩٤) كقوله في آية المؤمنون: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) (المؤمنون: ٥٤) وقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) (المؤمنون: ٥٥ - ٥٦) فقد وضح مناسبة المتبع به في كل من الآيتين لما تقدمه، ولم يكن ليناسب عكس الوارد، والله أعلم.

стр. 351

سورة الحج الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ... ) (الحج: ٥)، وفي سورة المؤمن: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر: ٦٧)، ففي الأولى: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ولم يقع التعريف بهذه الأحوال من الانتقال عن العلقة، وهو الدم المتعقد المتغير عن النظفة، وهو هنا المني المنفصل يصير (هنا) دماً جامداً، ثم يصير مضغة، والمضغة قطعة لحم قدر ما يمضغ مثله، ثم قد يتم سبحانه خلق تلك النطفة وتخطيطها وتصويرها على ما يشاء من هيئة وصورة ولونية كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) (آل عمران: ٦)، وقد لا يتم، فينقص من خلقها ما يشاء من الأعضاء والحواشي، وإلى هاتين الحالتين الإشارة، والله أعلم، بقوله: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، أي تامة الخلق وغير تامة، فأشار تضعيف لفظ مخلقة إلى هذا فقيل مخلقة وغير مخلقة، أما السقط المولود لغير التمام فحصل من مفهوم قوله تعالى بعد: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (الحج: ٥)، إذ مفهوم هذه - والله أعلم - أن بعض ذلك لا يقره تعالى وهو السقط، هذا - والله أعلم - إلى ما قدمنا، قوله: (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي الأجل الذي يشاء تعالى إبراز الموجود فيه وولادته، فهذه الانتقالات والأحوال قد اختصت بها هذه الآية، ولم ترد في آية سورة المؤمن مع البادي في اتحاد المقصود في الموضوعين، فلسائل أن يسأل عن وجه ما ورد في الآيتين؟ والجواب، والله أعلم: أن آية سورة الحج مقصود فيها إقامة البرهان على البعث الأخراوي وبسط الدلالات على كيفية وإرغام منكرية، ألا ترى أن هذه الأحوال

стр. 352

والانتقالات على ما وضح من التدريج لا تكون إلا من فاعل قادر مختار عليم حكيم، وقد فسر مقصود هذه الآية وزاده إيضاحاً قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ .... ) (يس: ٧٨)، وقال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ .... ) (الأنبياء: ١٠٤)، ويزيد هذا المقصود أيضاً بياناً تعقيب آية الحج بقوله: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج: ٥)، فهذا إحياء بعد الموت، ثم قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحج: ٦)، فتأمل هذا التعقيب وافتتاح الآية بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) (الحج: ٥)، واعتبر ما انطوت عليه هذه الآي يلح لك ما تقدم من مقصودها. أما آية سورة المؤمن فلم تتجرد لهذا الغرض وإن تضمنت ذلك بالإيجاز، وإنما بناؤها على تذكير الخلق وتنبيههم على وحدانيته سبحانه وانفراده بالخلق والأمر وتنزيهه عن الشركاء والأنداد ونفي ما عبد من دونه تعالى، وتأمل ما تقدم من لدن قوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (غافر: ٥٧) الآية المذكورة وما بعدها يبن لك ما قصد بهذه الآية، وإنما اختصت عن آية سورة الحج بما ذكرنا، واختصت تلك بما تقدم، فلذلك زيد فيها من التفصيل ما تقدم، ولم يكن العكس ليناسب، والله أعلم بما أراد. الآية الثانية قوله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحج: ٢٢)، وفي سورة السجدة: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (السجدة: ٢٠)، هنا سؤالان: الأول قوله في آية الحج: (منغم) ولم يرد ذلك في سورة السجدة؟ والثاني ما أعقبت به كل من الآيتين؟ الجواب عن الأول: أن زيادة قوله: (من غم) في الآية الأولى مناسب لما ورد قبله وبعده من تفصيل الجزاء في الطرفين بعد ذكر الحالين من نعيم أو عذاب لما قال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) (الحج: ١٩) إلى قوله تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) (الحج: ٢١)، وقال في الطرف الآخر: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... ) (الحج: ٢٣) إلى قوله: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) (الحج: ٢٣)، ففصل حال هؤلاء، فناسب هذا زيادة: (من غم)، ونظير هذا التفصيل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)

стр. 353

(النساء: ٥٧) إلى قوله: (ظِلًّا ظَلِيلًا) (النساء: ٥٧)، والإطناب يناسب الإطناب، ولما قال في سورة السجدة: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) (السجدة: ١٩ - ٢٠)، فلم يقع تفصيل في الطرفين، وأوجز الكلام ناسبة الإيجاز، فلم يرد هنا قوله: (منغم)، ونظير هذا في إيجاز الجزاء قوله تعالى جزاء من الطرفين: (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات: ٤١)، فلم يقع وصف الجزاء ولا تفصيل هذه كآية السجدة من غير فرق، وللإطناب في التفصيل زيد في آية الحج ما حذف للإيجاز في آية السجدة، وورد كل على ما يجب ويناسب، ولم يكن عكس الوارد ليناسب على ما تمهد. والجواب عن الثاني: أن آية السجدة لما قيل فيها: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا)، والفسق الخروج، وقد يكون إلى معصية دون الكفر، ويكون إلى الكفر حين كذبوا بالوعد والوعيد الاخراوي، فقيل لهم: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (السجدة: ٢٠)، أما آية الحج فتقدم قبل ذكر الإفصاح بكفرهم في قوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) (الحج: ١٩)، فلم يحتج إلى التعريف الوارد في سورة السجدة، فجاء كل على ما يجب ويناسب، ونظير الواقع في آية السجدة وصف النار واتباعها بصفة المعذب بها قوله تعالى في سورة سبأ: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) (سبأ: ٤٢)، لما تنزل عذابهم على الظلم، والظلم يقع على الكفر وعلى ما دونه، فاتبع الوعيد بما يبين أن المراد ظلم التكذيب والكفر لا ظلم معصية دون الكفر، كما بين في سورة السجدة أن المراد بالفسق الكفر لا فسق معصية دونه، فوضح ما قلته. والحمد لله. فأما ما وقع في هاتين الآيتين من التذكير والتأنيث في الموصول والضمير في قوله: (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (السجدة: ٢٠)، وقوله في الآية الأخرى: (الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) (سبأ: ٤٢)، مع التساوي فيما جرى عليه الوصف، فإن ذلك لرجوع الوصف في آية السجدة إلى العذاب وهو مذكر، ورجوعه في آية سبأ إلى النار وهي مؤنثة، ويذكر وجه التخصيص في سورة سجدة لقمان إن شاء الله تعالى. الآية الثالثة - قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ) (الحج: ٤٥)، وقال تعالى بعد هذا: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ) (الحج: ٤٨)، يسأل عن الفرق الموجب لاختلاف الواقع في الآيتين؟

стр. 354

والجواب: أن الآية الأولى تنزلت على ما ذكر قبلها ممن أهلك من القرون والأمم السالفة بتكذيبهم للرسل، ممن قال فيهم بعد تفصيل ذكرهم: (وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) (الحج: ٤٤)، وأما الآية الثانية فوقع قبلها ذكر اسنعجالهم العذاب تكذيباً واستبعاداً في قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) (الحج: ٤٧)، فعرفوا بأن تأخيره عنهم إملاء للمكذبين به: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) (آل عمران: ١٧٨)، وقيل في حالهم في التكذيب واستبعاد وقوع العذاب، قد جرى لمن قبلهم من المكذبين ثم جاءهم ما كذبوا به وحل بهم ما استبعدوه فقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا) (الحج: ٤٨)، فاستعجالهم العذاب أوجب تعريفهم بحال غيرهم ممن ناسب حالهم لعلهم يتذكرون، يزيد ذلك بياناً قوله: (وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (الحج: ٤٨)، وكأن الكلام في قوة أن لو قيل لهم: إنما يعجل من يخاف الفوت، أمّا إذا كان مرجع الكل ومصيرهم إليه فيأخذ المكذب متى شاء، وإن أخره فإملاه لزيادة مِحنِهَ، فوضح ما بين الآيتين، وأنه لا يمكن على ما تمهد وقوع واحدة منهما في موضع الأخرى، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الحج قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (الحج: ٤٧)، وفي سورة السجدة: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (السجدة: ٥)، وفي سورة المعارج: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (المعارج: ٤)، يسأل عن وجه الفرق؟ وما معنى تقدير اليوم بما ذكر تعالى؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن المراد تبيين أفعال سبحانه، وأنه لا تكلف فيها ولا معالجة: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: ٨٢)، فكأن قد قيل لهم: إذا شاء هذابكم كان، فإنه سبحانه المتعالي عن التعاون والمعالجة والافتقار، فإذا قدر الشيء وأراد إنفاذه كان وتحصل في الوقت الوجيز القريب، منه ما تصدرون حصوله ومعالجة وقوعه في ألف سنة من أيامكم أو ما تقدرون تهيئة ونفوذه بألف سنة من أيامكم على مألوفكم، وإذا أراد سبحانه وقوع ذلك كان (عن أمره كن) أعجل من كل عاجل، إذ ليست أفعاله كأفعال خلقه التي يحتاجون فيها إلى العون والعلاج والآلات، تعالى الله عن شبه خلقه، فَلِمَ يستعجلون ما لا تكلف في وقوعه وحلوله؟ فإنما يمنع من استعجاله ربطه بأجل، إذا بلغ الأجل كان وقوعه، وهو يوم القيامة، وهو الأجل المسمى، ومن شاء تعجيل عذابه في دنياه أو ما شاء من امتحانه حل به إذا آن وقته، وتوقفه عمن قدره عليه إملاء وزيادة في امتحانه، (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا) (الحج:

стр. 355

٤٨)، (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف: ٣٤)، وعلى هذا قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه .... ) (السجدة: ٥)، المراد أن بعد هذه المسافة لا تحول دون استعجال نفوذه تدبيره وإمضاء مقاديره، وأنه سبحانه ليديرها ثم ترجع إليه في وقت لو وُكل ذلك إليكم وكان من مقدوراتكم لفعلتموه في ألف سنة على نحو ما تقدم في الآية الأخرى. وأما آية المعارج فالمراد باليوم المذكور فيها يوم القيامة، الواقع فيها حساب الخلائق، ووزن أعمالهم، وفصل ما بينهم، إلى استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ففيه من الأعمال المتعلقة بالخلق ما يتقدر وقوعه وتخلصه من أيام الدنيا على متعارفها، مع عظيم أهواله وشدة كروبه، وأيام الأهوال والشدائد توصف بالطول لعظيم أهوالها، مع ما يقتضي فيه. مقدر من أيامنا بخمسين ألف سنه، وهو على مؤمن التقي كصلاة صلاها، قال تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (المدثر: ٨ - ١٠)، ويدل على أن المراد به يوم القيامة ما ذكره الله سبحانه عقب تقديره من وصفه بقوله: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) (المعارج: ٨) إلى قوله: (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ) (المعارج: ١٤). الآية الخامسة من سورة الحج قوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الحج: ٥٠)، وبعد هذه الآية قوله تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (الحج: ٥٦)، يسأل عن وجه الاختلاف فيما ذكر من الجزاء مع اتفاق وصفهم بالإيمان وعمل الصالحات؟ والجواب عنه أن الآية الأولى إخبار لهم عند دعائهم قبل: أن ((آمنوا))، ألا ترى أن قبله أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بما يقول لهعم في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الحج: ٤٩)، ثم أخبرهم بمآلهم إن آمنوا من غفران ما تقدم لهم من أعمال المخالفات والمجترخحات، والرزق الكريم، ولما ذكر في الآية الأولى حالهم في الدار الأخرى بعد انصرام الدنيا، وحصول اتصافهم بالإيمان وأعمال الطاعات، أخبروا فيها بالحاصل من المغفرة، وبين لهم الرزق الكريم وأنه نعيم الجنة والخلود الأبدي فيها، فالآية الأولى تضمنت وعدهم إن آمنوا، وذلك عند دعائهم إلى الإيمان، ويزيدك في ذلك بياناً نداؤهم في دعائهم إلى الاستجابة بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) (الحج: ٤٩)، ولو كانوا قد حصل لهم الإيمان لوسموا بذلك في خطابهم، فكأن يقال: يا أيها
следующие страницы →