← Тафсир

Тафсир · id 1419

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل

ابن الزبير الغرناطي

Полный текст (513 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

سورة الحج الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ... ) (الحج: ٥)، وفي سورة المؤمن: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر: ٦٧)، ففي الأولى: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ولم يقع التعريف بهذه الأحوال من الانتقال عن العلقة، وهو الدم المتعقد المتغير عن النظفة، وهو هنا المني المنفصل يصير (هنا) دماً جامداً، ثم يصير مضغة، والمضغة قطعة لحم قدر ما يمضغ مثله، ثم قد يتم سبحانه خلق تلك النطفة وتخطيطها وتصويرها على ما يشاء من هيئة وصورة ولونية كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) (آل عمران: ٦)، وقد لا يتم، فينقص من خلقها ما يشاء من الأعضاء والحواشي، وإلى هاتين الحالتين الإشارة، والله أعلم، بقوله: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، أي تامة الخلق وغير تامة، فأشار تضعيف لفظ مخلقة إلى هذا فقيل مخلقة وغير مخلقة، أما السقط المولود لغير التمام فحصل من مفهوم قوله تعالى بعد: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (الحج: ٥)، إذ مفهوم هذه - والله أعلم - أن بعض ذلك لا يقره تعالى وهو السقط، هذا - والله أعلم - إلى ما قدمنا، قوله: (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي الأجل الذي يشاء تعالى إبراز الموجود فيه وولادته، فهذه الانتقالات والأحوال قد اختصت بها هذه الآية، ولم ترد في آية سورة المؤمن مع البادي في اتحاد المقصود في الموضوعين، فلسائل أن يسأل عن وجه ما ورد في الآيتين؟ والجواب، والله أعلم: أن آية سورة الحج مقصود فيها إقامة البرهان على البعث الأخراوي وبسط الدلالات على كيفية وإرغام منكرية، ألا ترى أن هذه الأحوال

стр. 352

والانتقالات على ما وضح من التدريج لا تكون إلا من فاعل قادر مختار عليم حكيم، وقد فسر مقصود هذه الآية وزاده إيضاحاً قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ .... ) (يس: ٧٨)، وقال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ .... ) (الأنبياء: ١٠٤)، ويزيد هذا المقصود أيضاً بياناً تعقيب آية الحج بقوله: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج: ٥)، فهذا إحياء بعد الموت، ثم قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحج: ٦)، فتأمل هذا التعقيب وافتتاح الآية بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) (الحج: ٥)، واعتبر ما انطوت عليه هذه الآي يلح لك ما تقدم من مقصودها. أما آية سورة المؤمن فلم تتجرد لهذا الغرض وإن تضمنت ذلك بالإيجاز، وإنما بناؤها على تذكير الخلق وتنبيههم على وحدانيته سبحانه وانفراده بالخلق والأمر وتنزيهه عن الشركاء والأنداد ونفي ما عبد من دونه تعالى، وتأمل ما تقدم من لدن قوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (غافر: ٥٧) الآية المذكورة وما بعدها يبن لك ما قصد بهذه الآية، وإنما اختصت عن آية سورة الحج بما ذكرنا، واختصت تلك بما تقدم، فلذلك زيد فيها من التفصيل ما تقدم، ولم يكن العكس ليناسب، والله أعلم بما أراد. الآية الثانية قوله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحج: ٢٢)، وفي سورة السجدة: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (السجدة: ٢٠)، هنا سؤالان: الأول قوله في آية الحج: (منغم) ولم يرد ذلك في سورة السجدة؟ والثاني ما أعقبت به كل من الآيتين؟ الجواب عن الأول: أن زيادة قوله: (من غم) في الآية الأولى مناسب لما ورد قبله وبعده من تفصيل الجزاء في الطرفين بعد ذكر الحالين من نعيم أو عذاب لما قال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) (الحج: ١٩) إلى قوله تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) (الحج: ٢١)، وقال في الطرف الآخر: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... ) (الحج: ٢٣) إلى قوله: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) (الحج: ٢٣)، ففصل حال هؤلاء، فناسب هذا زيادة: (من غم)، ونظير هذا التفصيل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)

стр. 353

(النساء: ٥٧) إلى قوله: (ظِلًّا ظَلِيلًا) (النساء: ٥٧)، والإطناب يناسب الإطناب، ولما قال في سورة السجدة: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) (السجدة: ١٩ - ٢٠)، فلم يقع تفصيل في الطرفين، وأوجز الكلام ناسبة الإيجاز، فلم يرد هنا قوله: (منغم)، ونظير هذا في إيجاز الجزاء قوله تعالى جزاء من الطرفين: (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات: ٤١)، فلم يقع وصف الجزاء ولا تفصيل هذه كآية السجدة من غير فرق، وللإطناب في التفصيل زيد في آية الحج ما حذف للإيجاز في آية السجدة، وورد كل على ما يجب ويناسب، ولم يكن عكس الوارد ليناسب على ما تمهد. والجواب عن الثاني: أن آية السجدة لما قيل فيها: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا)، والفسق الخروج، وقد يكون إلى معصية دون الكفر، ويكون إلى الكفر حين كذبوا بالوعد والوعيد الاخراوي، فقيل لهم: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (السجدة: ٢٠)، أما آية الحج فتقدم قبل ذكر الإفصاح بكفرهم في قوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) (الحج: ١٩)، فلم يحتج إلى التعريف الوارد في سورة السجدة، فجاء كل على ما يجب ويناسب، ونظير الواقع في آية السجدة وصف النار واتباعها بصفة المعذب بها قوله تعالى في سورة سبأ: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) (سبأ: ٤٢)، لما تنزل عذابهم على الظلم، والظلم يقع على الكفر وعلى ما دونه، فاتبع الوعيد بما يبين أن المراد ظلم التكذيب والكفر لا ظلم معصية دون الكفر، كما بين في سورة السجدة أن المراد بالفسق الكفر لا فسق معصية دونه، فوضح ما قلته. والحمد لله. فأما ما وقع في هاتين الآيتين من التذكير والتأنيث في الموصول والضمير في قوله: (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (السجدة: ٢٠)، وقوله في الآية الأخرى: (الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) (سبأ: ٤٢)، مع التساوي فيما جرى عليه الوصف، فإن ذلك لرجوع الوصف في آية السجدة إلى العذاب وهو مذكر، ورجوعه في آية سبأ إلى النار وهي مؤنثة، ويذكر وجه التخصيص في سورة سجدة لقمان إن شاء الله تعالى. الآية الثالثة - قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ) (الحج: ٤٥)، وقال تعالى بعد هذا: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ) (الحج: ٤٨)، يسأل عن الفرق الموجب لاختلاف الواقع في الآيتين؟

стр. 354

والجواب: أن الآية الأولى تنزلت على ما ذكر قبلها ممن أهلك من القرون والأمم السالفة بتكذيبهم للرسل، ممن قال فيهم بعد تفصيل ذكرهم: (وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) (الحج: ٤٤)، وأما الآية الثانية فوقع قبلها ذكر اسنعجالهم العذاب تكذيباً واستبعاداً في قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) (الحج: ٤٧)، فعرفوا بأن تأخيره عنهم إملاء للمكذبين به: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) (آل عمران: ١٧٨)، وقيل في حالهم في التكذيب واستبعاد وقوع العذاب، قد جرى لمن قبلهم من المكذبين ثم جاءهم ما كذبوا به وحل بهم ما استبعدوه فقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا) (الحج: ٤٨)، فاستعجالهم العذاب أوجب تعريفهم بحال غيرهم ممن ناسب حالهم لعلهم يتذكرون، يزيد ذلك بياناً قوله: (وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (الحج: ٤٨)، وكأن الكلام في قوة أن لو قيل لهم: إنما يعجل من يخاف الفوت، أمّا إذا كان مرجع الكل ومصيرهم إليه فيأخذ المكذب متى شاء، وإن أخره فإملاه لزيادة مِحنِهَ، فوضح ما بين الآيتين، وأنه لا يمكن على ما تمهد وقوع واحدة منهما في موضع الأخرى، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الحج قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (الحج: ٤٧)، وفي سورة السجدة: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (السجدة: ٥)، وفي سورة المعارج: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (المعارج: ٤)، يسأل عن وجه الفرق؟ وما معنى تقدير اليوم بما ذكر تعالى؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن المراد تبيين أفعال سبحانه، وأنه لا تكلف فيها ولا معالجة: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: ٨٢)، فكأن قد قيل لهم: إذا شاء هذابكم كان، فإنه سبحانه المتعالي عن التعاون والمعالجة والافتقار، فإذا قدر الشيء وأراد إنفاذه كان وتحصل في الوقت الوجيز القريب، منه ما تصدرون حصوله ومعالجة وقوعه في ألف سنة من أيامكم أو ما تقدرون تهيئة ونفوذه بألف سنة من أيامكم على مألوفكم، وإذا أراد سبحانه وقوع ذلك كان (عن أمره كن) أعجل من كل عاجل، إذ ليست أفعاله كأفعال خلقه التي يحتاجون فيها إلى العون والعلاج والآلات، تعالى الله عن شبه خلقه، فَلِمَ يستعجلون ما لا تكلف في وقوعه وحلوله؟ فإنما يمنع من استعجاله ربطه بأجل، إذا بلغ الأجل كان وقوعه، وهو يوم القيامة، وهو الأجل المسمى، ومن شاء تعجيل عذابه في دنياه أو ما شاء من امتحانه حل به إذا آن وقته، وتوقفه عمن قدره عليه إملاء وزيادة في امتحانه، (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا) (الحج:

стр. 355

٤٨)، (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف: ٣٤)، وعلى هذا قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه .... ) (السجدة: ٥)، المراد أن بعد هذه المسافة لا تحول دون استعجال نفوذه تدبيره وإمضاء مقاديره، وأنه سبحانه ليديرها ثم ترجع إليه في وقت لو وُكل ذلك إليكم وكان من مقدوراتكم لفعلتموه في ألف سنة على نحو ما تقدم في الآية الأخرى. وأما آية المعارج فالمراد باليوم المذكور فيها يوم القيامة، الواقع فيها حساب الخلائق، ووزن أعمالهم، وفصل ما بينهم، إلى استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ففيه من الأعمال المتعلقة بالخلق ما يتقدر وقوعه وتخلصه من أيام الدنيا على متعارفها، مع عظيم أهواله وشدة كروبه، وأيام الأهوال والشدائد توصف بالطول لعظيم أهوالها، مع ما يقتضي فيه. مقدر من أيامنا بخمسين ألف سنه، وهو على مؤمن التقي كصلاة صلاها، قال تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (المدثر: ٨ - ١٠)، ويدل على أن المراد به يوم القيامة ما ذكره الله سبحانه عقب تقديره من وصفه بقوله: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) (المعارج: ٨) إلى قوله: (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ) (المعارج: ١٤). الآية الخامسة من سورة الحج قوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الحج: ٥٠)، وبعد هذه الآية قوله تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (الحج: ٥٦)، يسأل عن وجه الاختلاف فيما ذكر من الجزاء مع اتفاق وصفهم بالإيمان وعمل الصالحات؟ والجواب عنه أن الآية الأولى إخبار لهم عند دعائهم قبل: أن ((آمنوا))، ألا ترى أن قبله أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بما يقول لهعم في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الحج: ٤٩)، ثم أخبرهم بمآلهم إن آمنوا من غفران ما تقدم لهم من أعمال المخالفات والمجترخحات، والرزق الكريم، ولما ذكر في الآية الأولى حالهم في الدار الأخرى بعد انصرام الدنيا، وحصول اتصافهم بالإيمان وأعمال الطاعات، أخبروا فيها بالحاصل من المغفرة، وبين لهم الرزق الكريم وأنه نعيم الجنة والخلود الأبدي فيها، فالآية الأولى تضمنت وعدهم إن آمنوا، وذلك عند دعائهم إلى الإيمان، ويزيدك في ذلك بياناً نداؤهم في دعائهم إلى الاستجابة بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) (الحج: ٤٩)، ولو كانوا قد حصل لهم الإيمان لوسموا بذلك في خطابهم، فكأن يقال: يا أيها

стр. 356

الذين آمنوا، فإنما دعوا بما به (يدعى) من لم يحصل له الإيمان ولا اتصف به، وبشروا إن آمنوا، ثم أخبروا ثانياً بالحاصل لهم بياناً لمضمن البشارة الأولى وإخباراً لهم بغاية الجزاء، فالآية الثانية بيان وتفصيل لما أجمل في الآولى، مرتب عليه وآت بعده بما يجب فيما يأتي فيه الإجمال والتفصيل، فكأنهم قالوا: ما الرزق الكريم؟ فقيل لهم: جنات النعيم، فورد كل من الآيتين على ما يجب ويناسب، ولا يلائم ما ورد من الجزاء في الآية الثانية - على تمهيد - ما وقع دعاء أو خطاباً في الأولى، ولا ما بني على الآية الأولى أن وقع إخباراً في الثانية، بل ورد كل على ما يجب، والله أعلم. الآية السادسة من سورة الحج قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج: ٦٢)، وفي سورة لقمان: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) (لقمان: ٣٠)، للسائل أن يسأل عن التأكيد بزيادة ((هو)) في سورة الحج وسقوطه من سورة لقمان؟ ووجه ذلك، والله أعلم: أن سورة الحج ورد فيها ما يستدعي هذا التأكيد بالضمير المنفصل ويناسبه، وهو تكرر الإشارة إلى آلهتهم والإفصاح بذكرهم تعريفاً بوهن مرتكبهم وشنيع حالهم، وأوضح هذا المتكرر وأشده ملاءمة الإتيان بهذا الضمير المعد فصلاً أو مبتدأ قوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: ٣١)، وقوله في آخر السورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (الحج: ٧٣)، فهذه الآية والتي ذكرنا قبلها أنسب شيء لقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج: ٦٢)، فورد قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) الآية بناء على قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ)، وتمهيداً وتوظئه لما وبخوا به بعدها وقرعوا مما لا يجدون عليه جواباً من قوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (الحج: ٧٣) إلى قوله: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الحج: ٧٤). (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج٦٢)، فتأمل عظيم هذه المناسبة والتئام هذه الآية العظيمة، ولو لم تتقدم الآية المتقدمة من قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) (الحج: ٣١) الآية لكانت الأخيرة وهي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) (الج: ٧٣) والتقديم والتأخير مما يرتكبه العرب كثيراً، ويوجد في فصيح كلامهم، ومن نحو هذه الآية التي بنينا مفهومها على تقدير التقديم والتأخير قوله تعالى في سورة البقرة: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) (البقرة:

стр. 357

٧٢)، فتأخر هذا في الترتيب والتلاوة عن قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: ٦٧). وفعلهم متقدم من جهة معناه لأنهم إنما أمروا بذبح البقرة عند تشاجرهم في أمر القتيل المشار إليه، فالآيتان في قوة أن لو قيل: وإذ قتلتم نفساً فادرأتم فيها فأمرتم بذبح البقرة فأوضح لكم ذلك حكم القتيل، فعلى هذا كانت تكون آية سورة الحج لو لم يرد قوله أولاً: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ .... ) الآية، فكان ترتيب الآية على قصور أفهامنا وما عليه ترتيب الكتاب العزيز أعلى نظماً وأجل، ولكن أفهامنا قاصرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الحج: ٧٣ - ٧٤) (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج: ٦٢)، فقدم وأخر لعامل أيضاً على التقديم والتأخير لسنا الآن له، فهذه كأية البقرة سواء، ولما لم يقع في سورة لقمان مثل هذا لم يرد فيها التأكيد، وذلك أبين شيء وأنسبه، وإعراب هذا الضمير مبتدأ أو فصلاً، وثمرته التأكيد لما ذكر، والله أعلم. الآية السابعة من سورة الحج: (قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الحج: ٦٤)، وفي سورة لقمان: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (لقمان: ٢٦)، للسائل أن يسأل عن زيادة (ما) في قوله في الآية الأولى: (وَمَا فِي الْأَرْضِ)؟ وزيادة لام الابتداء المؤكد في الجملة التي هي خبر إن وسقوط الحرفين في آية لقمان؟ والجواب: أن الزيادتين معاً للتأكيد، لا تدخل اللام الخبرَ لغير ذلك، وتكرار الموصول أيضاً لذلك فدخلتا في آية الحج لما قدرت الآية قبلها من السورة من بنائها على مقصود التأكيد فجواب هذين السؤالين حاصل مما تقدم. والله أعلم. ******

стр. 358

سورة المؤمنون الآية الأولى منها قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون: ١ - ١١)، وفي سورة المعارج: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) (المعارج: ١٩ - ٣٥)، للسائل أن يسأل عما اختلف في هاتين السورتين من هذه الأوصاف بالتكرار فيهما والزيادة مع اتحاد مرماهما من ذكر حِلي المؤمنون وأوصافهم التي بها نجاتهم بتوفيق الله إياهم؟ ففي الأولى: ذكر الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، والتنصيص على الزكاة، ولم يرد إفصاح بهذه الخصال الثلاث في سورة المعارج، وفي سورة المعارج المداومة على الصلاة، وتعيين ذوي الحق في المال بأنهم السائل والمحروم، وذكر التصديق بيوم الدين، والدين الجواء، وذكر الإشفاق من عذاب ربهم وأنه غير مأمون، وذكر القيام بالشهادة، ولم يقع إفصاح بهذه الخصال الخمس من سورة المؤمنون، وتوارد على الاتفاق في السورتين التساوي على حفظ الفروج، وذكر الأمانة، والعهد والمحافظة على الصلاة، أربعتها، فهذه ثلاثة سؤالات: أحدها التكرر والاتفاق؟ والثاني وجه ما اختصت به سورة المؤمنون؟ والثالث (وجه) ما اختصت به سورة المعارج؟ والجواب عن الأول: أن حفظ الفروج أحد الأصول الخمسة التي اتفقت فيها

стр. 359

الشرائع، ولم يخالف فيها أحد من العقلاء، وهي: حفظ النفوس، والأموال، والفروج، والعقول، والأعراض. وأما الأمانة فلا يتم حفظ هذه الخصال إلا بها، فهي الأصل لتلك الأصول، والضابط لجميع التكاليف، وزمام الأديان، وفي الحديث: (الدين الأمانة ولا دين لمن لا أمانة له)، وهي التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبت عن حملها، وهي بالجملة ملاك الددين. وأما الوفاء بالعهد فلاحقُ بالأمانة في نصاب التأكيد، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) (الإسراء: ٣٤)، وتكرر الأمر بذلك لعظيم قدر الأمانة و (العهد). وأما المحافظة على الصلوات، رعياً لأوقاتها، وكيفية أدائها، وما تنظوي عليه من جميع مطلوباتها ومتعلقاتها، وما تستلزمه وتستتعبه حتى تكون ناهية عن الفحشاء والمنكر، فذلك كل الدين، والمعبر به عن أخص صفات الناجين في قوله تعالى إخباراً عن جواب الهالكين: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (المدثر: ٤٣)، فموقع هذه الخصال الأربع وضمها لما سواها من المطالب الإيمانية، واشتمالها على جميعها، أوجب تعيينها بالذكر، ولم يكن ليحصل من ذكر غيرها ما حصل من التنصيص عليها فتكررت في السورتين، ونص فيهما عليها لأنها أمهات لما سواها. فإن قلت: فإن الزكاة شقيقة الصلاة في التأكيد لأنها أم العبادات المالية، ولهذا قاتل أبو بكر مانعيها ورجع الصحابة، ﵃، إلى قوله، وقل ما يرد الأمر بالصلاة في كتاب الله إلا مقروناً به الأمر بالزكاة، قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (التوبة: ٥)، وهذا هو الذي تهدي إليه الصديق، ﵁، غير متذكر في الوقت والله أعلم للآية، وإذا وضح ذلك فللقائل أن يقول: فلم لم تذكر مع أنها من الأمهات؟ والجواب عن هذا - والله أعلم - أن وصف الحق بمعلوم في قوله: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) جار مجرى الإفصاح بذكر الزكاة، إذ لا مطلوب معلوماً مقدراً في المال إلا الزكاة، فقام الوصف مقام الإفصاح بذكرها. والجواب عن السؤال الثاني، وهو وجه ما خصت به آية المؤمنون، وهو أنه افتتحها تعالى بقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، والمفلح الظافر ببغيته، ابتداء من أوصاف المفلحين بأجل خصالهم، وهو خشوعهم في صلاتهم المنبئ بعظيم خوفهم الذي لا يمكن معه

стр. 360

تفريط ولا فتور في العبادة، ثم قال: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، ومن أعرض عن اللغو سلم من كل ما يشين دينه، وحصل من هذا وما قبله ترك الممخالفات جملة، ثم قال: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) (المؤمنون: ٤)، وهذه أخت الصلاة، قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (التوبة: ٥)، وقال بعد: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: ١١)، وقد حصل بحصول هذه الخصائص ما به وصف المتقون في قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: ٥)، فوضح منه أن هذه أخص صفات من أفلح وفاز برضى الله سبحانه، فهذا ما أوجب تخصيص هذه السورة بالإفصاح بهذه الأوصاف الثلاثة. وأما ما خصت به سورة المعارج - وهو الجواب الثالث - إنه سبحانه لما وصف الإنسان بقوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) (المعارج: ١٩)، والهلوع الفزع الشديد يقال هلع بكسر ثانية فهو هلع وهلوع، ثم ذكر سبحانه ما يثمره للإنسان هلعه فقال: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا) (المعارج: ٢٠)، والجزع ضد الصبر، (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (المعارج: ٢١) والمنع ضد الإعطاء وكلا الوصفين من الجزع والمنع مذموم، مأمور شرعاً بضدهما من الصبر والإيثار، وقد أثنى سبحانه على الصابرين والمؤثرين، فالهلع من أرذل صفات الإنسان، فذكر تعالى صفات من سلم منه، وأنهم المداومون على صلاتهم، لأن المداومة على الصلاة عنوان على تلقي الأوامر بالقبول والامتثال، ولا يكون ذلك إلا عن يقين صادق، وقد قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ) (طه: ١٣٢)، ومن تيقن أن خالقه تكفل له برزقه أجمل في الطلب، وذهب عنه الجزع، ومن علم الحق في ماله من زكاة مفروضة أو صدقة مندوب إليها لم يكن منوعاً للخير، فإذا اتصف بما ذكر، وكان ذلك عن تصديق يقيني بيوم حسابه، وإشفاق من عذاب ربه وعقابه، ولم يأمن المكر (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف: ٩٩)، فمن كان هكذا فليس بهلوع، فلهذا استثنى من اتصف بهذه الصفات الجليلة عن مسببات الهلع من المنع والجزع، فلهذا وجه تخصيص هذه السورة بالإفصاح بما خصت به من هذه الأوصاف مفحصاً به. وإنما قلت: مفصحاً به لأن ما ذكر في هذه السورة مما لم يقع به إفصاح في سورة المؤمنون داخل تحت ما ذكر هناك، كما أن ما أفصح به هناك داخل تحت ما ذكر مفصحاً به هنا. ألا ترى أن أفعال المكلفين من الأحكام الخمسة وهي: الواجب والمحظور والمندوب والككروه والمباح، كل ذلك داخل تحت ضابط الأمانة والوفاء بالعهد، ومن

стр. 361

أوفى بما عهد عليه الله في أمانة فقد أتى ووفي بجميع التكاليف الشرعية أخذاً وتركاً، وكذا الصلاة الموصوفة تماماً وخشوعاً بأنها ناهية عن الفحشاء والمنكر، إلا أن الإفصاح والتنصيص النطقي حكم، عليه بنينا ما تقدم، فقد وةضحت النسبة فيما خصت به كل واحدة من السورتين، ووجه ما اتفقنا في وروده مفصحاً به، والله سبحانه أعلم. وأما الشهادة فداخلة تحت الأمانة، ووجه تخصيص هذه السورة بالإفصاح بها أنها الثانية في الترتيب الثابت، فاستوفت وأكدت ما أشير إليه في الأخرى، والله أعلم. الآية الثانية من سورة المؤمنون قوله تعالى في قصة نوح ﵇: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) (المؤمنون: ٢٤)، وفي القصة الثانية بعدُ: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (المؤمنون: ٣٣)، في هاتين الآيتين سؤالان، الأول: لِمَ قدم المجرور في القصة الثانية على الصفة فقيل: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) (المؤمنون: ٣٣) ولم يؤخر عنها كما ورد في قصة نوح مع الاتفاق في وصف الملأ في القصتين بالكفر؟ والسؤال الثاني: وجه زيادة ما عطف على الوصف بالكفر في القصة الثانية من قوله: (وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (المؤمنون: ٣٣) مع استحقاقهم العذاب بمجرد كفرهم، فما ثمرة الزيادة عليه؟ والجواب عن الأول: أن المجرور الذي هو: (من قومه) رافع إمكان أن يكون القائلون غيرهم. ويليه في الحاجة إلى ذكره وسمهم بالكف، لأنه سبب أخذهم وهلاكهم، إلا أنه لما كان قد يفهمه سياق الكلام لم يلزم الإفصاح (به) في كل موضع وإن أفصح به هنا، ألا ترى أنه لم يرد في قصة نوح، ﵇، من سورة الأعراف، أما الإفصاح بالمجرور فالإفصاح به أو بضمير يقوم مقامة ضروري لابد منه ليحصل منه تخصيص اعتناء برفع المفهوم ورفع احتماله جملة يقدم في فصيح الكلام وإن كان فضلة ومنه: لتقربن قربا جلزيا ما دام فيهن فصيل حيا أي ما دام في هذه النوق، فرفع بتقديم المجرور احتمال أن يكون المراد ما دام في الوجود، وقد تقدم مصل هذا، فكما يقدم على الخبر فكذلك يقم على الصفة للحاجة إليه. فإن قلت: لا فرق بين هذه القصة وقصة نوح قبلها في الحاجة إلى هذا المجرور أو ما يقوم مقامه فَلِمَ لَمْ يقدم هناك؟ قلت: لم يرد هناك غير صفة واحدة جعلت مع

стр. 362

موصوفها كشيء واحد وإن كان الوصف بموصول، والموصول يطول بصلته، إلا أن طوله بصلته لا يزيله عن تقديره باسم واحد، فمن حيث جعلت الصفة مع موصوفها كشيء واحد للحاجة إليها، وكونها مفردة، قرنت بموصوفها وتأخر المجرور، فقال تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) (المؤمنون: ٢٤)، وحيث لم يقع الاكتفاء بصفة واحدة وزيد عليها، ولا يمكن جعل صفتين فما زاد مع موصوفها كشيء واحد، قدم المجرور، فقال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (المؤمنون: ٣٣)، فوقع المجرور في كل من الآيتين على ما يجب، وعطفت الصفات بعضها على بعض لورودها غير صفة. والجواب عن السؤال الثاني: أن وجه الزيادة على الوصف بالكفر في قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (المؤمنون: ٣٣)، (أنها) منبئة بأن المذكورين في القصة الثانية ليسوا في شمول الكفر إياهم واستيلائه على معظمهم كقوم نوح، ﵇، بل الإيمان في هؤلاء أفشى وأكثر، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) (هود: ٥٨)، ولم يقع هنا وصف من آمن من قوم هود بقلة ولا بكثرة، فبقى الاحتمال في الطرفين على حد سواء، إلا أنه ورد في وصف الملأ المكذبين من قوم هو في هذه السورة، ممن أفصح بالرد والتكذيب وصد الناس عن اتباعه، ما يشعر بأنهم ليسوا أكثر قومه، وذلك لما وصفهم به بعد الكفر من التكذيب والإتراف وهو التععم والترفيه، والعقل شاهد أن المترفين ليسوا جميعهم، أما الكفر فلا يبعد اتصاف أمة بأسرها به، ويبعد اتصاف جميعهم بالامتداد في التنعم والترفه، بل ذلك يمتنع به أن يتصف به الأكثر، فأشعر وصفهم بما ذكر بعد كفرهم بكثرة ما ذكر فيمن عداهم بخلاف الحال في قوم نوح، وأشعر أيضاً بامتدادهم وتمكنهم في دنياهم أكثر من غيرهم، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) (الفجر: ٦ - ٨)، فأشعرت زيادة الوصف بتوسع الحال وامتداد الآماد، فلم يكن بد من وصفهم بما ذكر. الآية الثالثة من سورة المؤمنون - قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (المؤمنون: ٤١)، ثم قال تعالى عند ذكر القرون: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون: ٤٤)، فقال في الأولى: (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (المؤمنون: ٤١)، ثم قال في الثانية: (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون: ٤٤)، للسائل أن يسأل عن الفرق؟

стр. 363

والجواب، أن الآية الأولى في أمة معينة، قد بين حالها وقبيح مرتكبها، وتحصل العلم بكفرهم وظلمهم أنفسهم، فقيل: (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (المؤمنون: ٤١)، ووقوع اسم الظلم عليهم على أتم ما يقع عليه، من عدم الإيمان، وارتكاب العظائم من كفر وتكذيب وقبيح الرد، على ما تفصل في الآي قبلها، وأما قوله بعد: ((فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون: ٤٤) فورد عقب إجمال إخبار بطوائف وأمم اجتمعوا في التكذيب ورد ما جائتهم به رسلهم، فأعقب بوصف إذا وجد كان ما سواه من قول وعمل مناسباً له وبحسبه وهو عدم الإيمان، ولم يكن وصفهم بالظلم ليعطي ذلك لوقوعه على الظلم بالكفر وعلى الظلم بمعصية والمعصية ليست كفراً، ألا ترى أن بعض من يقع عليه اسم الظلم ويوسم به قد يكون مبقى عليه اسم الإيمان، بل لم يقترن به ما يقتضي كفره، أما من اتصف بعدم الإيمان فلا فلاح معه، فلما اجتمع هؤلاء الظائف في عدم الإيمان وسموا به، ولما كان عدم الإيمان حاصلاً لمن تقدم بما ذكر من تكذيبهم وأخذهم بالصيحة وجعلهم غثاء أعقب وصفهم بما ينبئ بالزيادة على كفرهم، إذ الكفر حاصل. فإن قلت: فقد تقدم في وصف هؤلاء الأمم: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) (المؤمنون: ٤٤)، وحصل من ذلك عدم إيمانهم فلم كرر؟ ولِمَ لَم يوصفوا بالظلم؟ قلت: لم يقع في ذكر هؤلاء تفصيل مرتكباتهم كما ورد فيمن تقدمهم، فناسب إجمال الواقع من التكذيب إجال الوصف بعدم الإيمان، وجاء كل من ذلك على ما يجب، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة المؤمنون - قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون: ٨١ - ٨٣)، وفي سورة النمل: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (النمل: ٦٧ - ٦٨)، للسائل أن يسأل عن تقديم المضمر المذكور والمعطوف عليه على المفعول الذي (هو) ((هذا)) في آية المؤمنون وعكس ذلك في آية النمل؟ والجواب عنه، والله أعلم: أنه لما تقدم قبل آية المؤمنون قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون: ٦٨)، فتقدم التعريف في هذه الآية أن آباءهم قد جاءتهم الرسل، وأنذروا كما أنذر هؤلاء، لهذا قالوا: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون: ٨٣)، ولما لم يتقدم في آية النمل

стр. 364

ذكر إنذار آبائهم كان أهم شيء ذكر الموعود به الذي هو (هذا)، فقالوا: (لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا). الآية الخامسة - قوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (المؤمنون: ٨٤ - ٨٥)، ثم قال في الآية التي تليها: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون: ٨٧)، وفي الآية التالية: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (المؤمنون: ٨٩)، للسائل أن يسأل عن الوجه فيما أعقبت به كل آية من هذه؟ والجواب عن ذلك بوجهين: أحدهما. أن كل توبيخ أعقب به في الآيات الثلاث مناسب للتذكير الواقع قبله المترتب عليه الجواب بالتوبيخ، أما الأولى فإنه لما قيل فيها: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون: ٨٤)، والمراد الأرض ومن فيها وما فيها وما اشتملت عليه من بحارها وأنهارها وأشجارها وجبال إرسائلها ومختلف عوالمها وما انطوت عليه واشتملت، هذا هو المراد بقوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا) (المؤمنون: ٨٤)، فوقع الاجتزاء بمن فيها عما فيها إيجازاً لحصول ذلك في قوة الكلام، كما قال: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (يونس: ٦٦)، وقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) (مريم: ٤٠)، وليس المراد في هاتين الآيتين تخصيص ما تقع عليه (من) فكذلك قوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا) (المؤمنون: ٨٤)، إذ مقصود الآية الاعتبار والاستدلال بمصنوعاته (سبحانه) على انفراده بالخلق والأمر، قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (الذاريات: ٢٠) فكأن قد قيل لهم إذا أقررتم بأن ذلك (كله) ملك لله تعالى وخلقه فهلا اعترتم بما في الأرض من الآيات، واستدللتم بذلك على نفي الشريك والند للمنفرد بملك الأرض والسماوات إذ: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: ٢٢) (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: ٣)، وهلا استدللتم بتكرر إنبات النبات وعودة إخراج الثمرات على إحياء الأموات (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: ٥٧)، ثم لما قال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (المؤمنون: ٨٦)، وذلك الخلق أعظم من خلقكم وخلق الأرض الحاملة لكم، وأخبر بقوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) (المؤمنون: ٨٧) فقل لهم إذا أقررتم أنه مالك ذلك على عظيم أمره أفلا أتقيتموه إذ أنتم في قبضته بإقراركم، ثم لما قال: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون: ٨٨) (فبلغوا) بلإقرار بذلك مع (عظيم) ما قرروا عليه قبله

стр. 365

مبلغ غاية توجب الإيمان للمعتبر بما قيل لهم وذكروا به من علم هذا، وثيل لهم من علم هذا ثم لم يطع من له ذلك ويفرده تعالى بالعبادة فهو مسحور (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (المؤمنون: ٨٩) أي كيف تسحرون؟ والجواب الثاني، وهو أجرى مع ظاهر الآية، من غير تكلف تقدير، وليس بخلاف للأول إلا في عبارة، وهو أن تقول: إن تذكيرهم ورد أولاً بذكر ما كانوا يقرون ولا يتوقفون فيه وهو ملكه سبحانه الأرض ومن فيها قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (لقمان: ٢٥)، والخالق مالك لما خلقه، فكأن قد قيل لهم: إذا علمتم بانفراده سبحانه بذلك فهلا أفردتموه بالعبادة واستدللتم بالبدأة على العودة (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)؟ ثم ذكروا بربوبيته سبحانه وملكه السماوات والسبع والعرش، فاعترفوا إلى اعترافهم بما تقدم وإقرارهم بملكه لما ذكر وقدرته وقهره. ولو سبقت لهم سعادة لكان تذكرهم لذلك يؤثر خوفهم من عذابه، فلما لم يقع ذلك منهم قبل لهم: (قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون: ٨٧)، ثم ذكروا بعظيم سلطانه تعالى، وعلو قهره لجميع الموجودات، وكونها في قبضته، وأنه ذكروا بعظيم سلطانه تعالى، وعلو قهره لجميع الموجودات، وكونها في قبضته، وأنه لا حكم لأحد عليه تعالى فقال: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون: ٨٨)، ثم ذكر اعترافهم بهذا في قوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) (المؤمنون: ٨٩)، فلما تم تقديرهم على جميع ما تقدم مما ذكروا به، واعترافهم بكل ذلك، ولم يعقبهم إقرارهم ولا اعترافهم والإيمان والانقياد، كانوا كمن فقد عقله أو سحر، فاختل نظره وعقله، فقيل لهم كيف تسحرون ما بالكم أنى تستحرون؟ (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (المؤمنون: ٩١ - ٩٢)، فقد وضح تناسب هذا كله، وتبين التحامه. ****

стр. 366

سورة النور الآية الأولى (منها قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) (النور: ١٠)، (وبعد ذلك): (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (النور: ٢٠)، يسأل عن وجه الاختلاف في المعطوفات في الآيتين من الصفات العلية إخباراً من قوله في الأولى: (وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) (النور: ١٠) وفي الثانية: (وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (النور: ٢٠)؟ وهل كان يناسب عكس الوارد؟ والجواب أن الآية الأولى لما اتبنت على آية التلاعن، وفيها من الستر على المسلمين ممن امتحن بتلك البلية، ومن إخفاء الحكمة في حكم التلاعن وشرعيته على ما استقر (عليه) أمره، مما يعجز عن فهمه كل معتبر، أعقبت بالصفتين المناسبتين لما ذكرنا مما هو غيرر خاف فقيل: (وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) (النور: ١٠)، ولما تقدم قبل الآية الثانية قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (النور: ١٩)، وجرى بظاهر هذه الآية من الوعيد ما يشتد خوف كل مؤمن (منه)، أعقب ذلك بصفتين مبقيتين رجاء المؤمنين، ومشعرتين بأن هذا العذاب أن نفذ الوعيد به ليسس الخلود في النار، وما لم يكن من فاعل ذلك كفر باعتقاد حلية تلك المعصية أو التكذيب بالعويد أو التلبس بما هو كفر، وأنه إذا لم يكن شيء من هذا فلا قاطع عن التوبة، فقال: (وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (النور: ٢٠)، فقد وضح أن ورود كل من هذه الصفات المعطوفة على ما يجب ويناسب، وأن العكس لا يناسب، والله أعلم. ومما يسأل عنه هنا جواب لولا كيف تقديره ولم حذف؟ وإن لم يكن هذا من مقصود هذا الكتاب. والجواب عنه أن التقدير في الآية الأولى: لَفَصَحَ فاعلَ ذلك، أو ما يرجع إلى هذا، وجوابها في الثانية: لَعَجَّل عذاَبَ فاعِل ذل من حيث إشاعة الفاحشة في المؤمنين، أو لأَهلَكَهم، وأما مسوغ الحذف فطول الكلام بالمعطوف، والطول داع للحذف فحذف ذلك ولدلالة ما تقدم عليه وذلك كثير في كلامهم. الآية الثانية من سورة النور قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور: ٥٨)، ثم قال: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ

стр. 367

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور: ٥٩)، للسائل أن يقول: لم قال في الأولى: (الآيات) وفي الثانية: (آياته؟) والجواب أنه لما تقارب اللفظ الواحد عدل عن تكراره بلفظ واحد فيما تقارب، على عادة العرب في استثقالها تكرر اللفظ الواحد بعينه في بيت واحد من الشعر أو ما تقارب من الكلام، ما لم يحمل على ذلك حامل من المعنى، فجيء بالآيات في الأولى معرفاً بالألف واللام للعهد فيما تقدم من المعتبرات الواضحة الدلالة، وفي الآية الثانية مضافاً إلى الضمير (المتصل) لتحصل نسبة الآيات لمن هي له تعالى، كانت الثانية هي المضافة لأنها مع ما تعطيه من النسبة مبينة للأولى بياناً تأكيدياً، إذ من المعلوم أنها آياته سبحانه، فجاء ذلك على ما يجب، ومن الوارد على هذا الرعي - والله أعلم - قوله في سورة البقرة: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة: ٢١٩، ثم قال تعالى بعد آي: (وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة: ٢٢١)، فهذا مثل الوارد في سورة البقرة، والله أعلم. ****

стр. 368

سورة الفرقان الآية الأولى (منها) قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (الفرقان: ٣)، وفي سورة يس: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) (يس: ٧٤)، للسائل أن يسأل عن ورود اسمه سبحانه مضمراً في قوله سبحانه: (مِنْ دُونِهِ) في سورة الفرقان ومظهراً في قوله: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) في سورة يس ما وجه ذلك؟ والجواب عنه: أن آية الفرقان تقدم قبلها اسمه سبحانه مكنياً عنه جل وتعالى في قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: ١ - ٢)، فورد اسمه سبحانه مكنياً عنه ثماني مرات: أولها الموصول (وهو) الذي من قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي)، وفاعل نزل المضمر، والضمير في (عَبْدِهِ) والموصول الثاني، والضمير المجرور باللام، والضمير الفاعل في (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدً)، والضمير في (له) المجرور، والضمير الفاعل في (وخلق)، فلما تكرر اسمه مكنياً عنه ثماني مرات جرى بعد ذلك في قوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ) مضمراً على حكم ما تقدم، ولو ورد مظهراً لم يكن ليناسب، وأما الوارد في سورة يس فتقدم قبل الآية قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يس: ٦٠)، فلم يكن ورود اسم الله تعالى هنا مضمراً ليناسبه لو قيل: (واتخذوا من دونه لما تقدم قبله ذكر الشيطان وتحذيرهم من عبادته، فجاء كل من الآيتين على ما يجب ويناسب. ****

стр. 369

سورة الشعراء الآية الأولى (منها) قوله تعالى: (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) (الشعراء: ٥٠)، وفي سورة الزخرف: (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (الزخرف: ١٣ - ١٤)، للسائل أن يسأل عن تخصيص خبر إن هنا بزياد لام التأكيد وحذفها من الأولى؟ والجواب: أنه لما كان قول السحرة (لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) (الشعراء: ٥٠)، جواباً لفرعون لما توعدهم بقوله: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) (الشعراء: ٤٩) فجاوبوه بقولهم (لاضير) - أي لا ضرر - (إنا إلى ربنا منقلبون)، أي إذا فعلت بنا ذلك فإنا منقلبون إلى ربنا ومجازون على صبرنا، فجاوبوه معزين أنفسهم ومتناسين بما ينتظرون من الثواب وعظيم الجزاء بسبقهم إلى الإيمان وصبرهم أن فعل بهم ذلك الإمتحان، فليس موضع قسم ولا تأكيد بما هو إخبار عن رجائهم وما ينتظرونه ثواباً على إيمانهم، فلا مدخل للام التأكيد هنا. وأما آية الزخرف فمبينة على ما تقدمها من الإخبار عن مشركي العرب في قوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: ٩)، والمراد بذلك إقامة الحجة عليهم في إنكار البعث، فطابق ذلك وناسبه تأكيد قول المؤمنين المقول لهم: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (الزخرف: ١٣ - ١٤)، فأكذ هذا وضمن معنى القسم، وأحرز ذلك تقديم ما النافية في قولهم: (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)، فوطأت ما في هذه الجملة من معنى القسم وأشرعت به، ثم جيء بالجملة مؤكدة بحرفي التأكيد وهما إن واللام، فدخلت إن على الاسم واللام على الخبر لما تقدم منهم إنكار البعث جاوبهم المؤمنون، فكأنهم قالوا: والله إنه لحق، فسوغ دخول اللام ما قصد من هذا الغرض، وليس ذلك في آية الشعراء، فورد كل على ما يناسب، والله أعلم. الآية الثانية من سورة الشعراء قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء: ٦٩ - ٧١)، وفي سورة الصافات: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ

стр. 370

مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الصافات: ٨٣ - ٨٧)، يسأل عن زيادة اسم الإشارة في قوله: (مَاذَا تَعْبُدُونَ) وسقوطها في سورة الشعراء؟ والجواب عن ذلك أن قصص الرسل، ﵈، مع أممهم لم تأت في القرآن العظيم على نهج واحد في الدعاء والجواب والمراجعة والمحاورة، ولا يمكن ذلك لاختلاف طباع الأمم وأغراضهم واختلاف الحالات، ولكل مقام مقال، فمرة ترد القصة على الدعاء وإبداء الحجة والتوبيخ من غير ذكر شيء من جواب المدعوين سوى الإخبار بتكذيبهم، ومرة يورد من مقالات الأمم لرسلهم اليسير، ومرة يمد إطناب الكلام في المحاورات بين الرسل والأمم. فمن الضرب الأول قول إبراهيم، ﵇، في سورة الصافات: (مَاذَا تَعْبُدُونَ) إلى آخر القصة، ولم يرد فيها كلمة واحدة من مراجعتهم له سوى الوارد من قولهم: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) (الصافات: ٩٧)، وليس هذا بمراجعة له ولا جواباً على كلامه، ﵇. ومن الضرب الثاني آية الشعراء فإنه ذكر فيها جوابهم بقوله تعالى مخبراً عنهم: (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء: ٧١)، ثم لما سألهم، ﵇، تقريعاً لهم وتوبيخاً فقال: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) (الشعراء: ٧٢ - ٧٣) جاوبوا بقولهم: (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء: ٧٤). ومن الضرب الثالث قصة شعيب، ﵇، في سورة هود وأشباهها، وتأمل القصص الواردة في القرآن تجدها جارية على ما ذكرته، فلما كان في آية الصافات دعاء إبراهيم، ﵇، لهم مبيناً حالهم الشنيع وسيء مرتكبهم ممتد الإطناب فيما يقطع بهم من قوله: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) (الصافات: ٨٦) وقوله: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) (الصافات: ٩٥)، وعيوا بالجواب ولم يحك عنهم غير قولهم: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) (الصافات: ٩٧)، ناسب ذلك زيادة اسم الإشارة، ولما كانت آية الشعراء واردة على غير هذا النهج ناسب سقوط اسم الإشارة فقيل: (ما تعبدون) ولم يقل (ماذا) كما في آية الصافات، ومن المفهوم عن العرب أن المستفهم إذا قصد التقريع والتوبيخ أطال كلامه إدلاء بحجته وتعنيفاً لمن يخالفه، والمقهور أبداً محصور. وقوله: (ما تعبدون) جملة تقدم فيها المفعول وهو ما الاستفهامية، فهو في موضع نصب بالفعل بعدها، وقوله في الآية الأخرى: (ماذا) استفهام أيضاً ركبت فيه (ما) مع اسم

стр. 371

الإشارة وجعلااسماً واحداً في موضع نصب بالفعل (بعدها)، ويمكن تركها على بابها من الاستفهام غير مركبة وتكون (ذا) اسماً موصولاً في موضع رفع خبر للمبتدأ الذي هو (ما)، والجملة من قوله: (تعبدون) صلة، والجملة من المبتدأ والخبر محكية بعد القول، كأنه قال: أي شيء (الذي تبعدونه، وحذف الضمير الرابط لأنه ضمير نصب منفصل، وليس في الصلة ضمير غيره، فحسن حذفه. الآية الثالثة من سورة الشعراء - قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) (الشعراء: ٧٨ - ٨١)، يسأل عن زيادة الضمير في قوله: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) وفي قوله: (فَهُوَ يَشْفِينِ)؟ ولم لم يدخل في قوله: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ)؟ والجواب: أن أمر الإماتة والإحياء لا مطمع فيه لأحد بخلاف أمر الإطعام والسقي، إذ قد يتوهم من ضعف نظره أن ذلك مما تصح فيه النسبة لغيره تعالى إذ يقال: أطعمني فلان وسقاني، ويسبق إلى الوهم الاستقلال، وإنما ذلك على المجاز، ولا يقال أمات فلان فلاناً أو أحياه إلا ويسبق إلى الوهم ما الأمر عليه من المجاز، فلما كان أمر الإماتة والإحياء ونسبة ذلك إليه تعالى مما لا يخفى على أد لم يحتج إلى الضمير، واحتيج إليه فيما قبل لرفع الإيهام، إذ مفهومه أنه هو لا غيره يطعمني ويسقيني، فاحتيج إلى (هو) هنا ليحرز ما ذكرنا، ولم يحتج إليه في قوله: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) لأنه لا يتوهم (أن) غيره يفعل ذلك، فجاء كل على ما يجب ويناسب، وسنزيد هذا بياناً في سورة النجم إن شاء الله، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الشعراء قوله تعالى في قصة صالح، ﵇: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الشعراء: ١٥٤)، وفي قصة شعيب، ﵇: (وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) (الشعراء: ١٨٦)، يسأل عن زيادة الواو العاطفة هنا ولم تثبت في قصة صالح؟ والجواب عنه - والله أعلم - أن ذلك لرعي المناسبة، بيان ذلك ما ثبت قبل الآية الثانية من قوله تعالى حكاية لما عد شعيب في أمره قومه وذكر من مرتكباتهم في قوله: (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء: ١٨١ - ١٨٤)، فهذه خمس معطوفات من مأمور به ومنهي عنه، طابقها العطف في حوابهم من

стр. 372

قوله تعالى: حكياة عنهم: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) (الشعراء: ١٨٥ - ١٨٦)، فهذه مناسبة واضحة، ولما تقدم في قصة صالح، ﵇، قوله: (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٤٦ - ١٥٢)، فلم يقع في هذه القصة من المعطوفات أمراً أو نهياً سوى قوله: (وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) (الشعراء: ١٥٠ - ١٥١)، فناسب ذلك ورود جوابهم في دعوى المماثلة في الشرية بغير حرف النسق فقالوا: (وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) بخلاف الآية الثانية، وجاء كل على ما يجب ويناسب، ولا يناسب عكس الوارد، والله أعلم. ****

стр. 373

سورة النمل الآية الأولى منها - قوله تعالى: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النمل: ١٠ - ١١)، وفي سورة القصص: (أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) (القصص: ٣١)، للسائل أن يسأل عن القول لموسى، ﵇، عقب قوله عندما ولّلى مدبراً (لما رأى) من فعل الله سبحانه في عصاه حين ألقاها من اهتزازها كأنها جان، فنودي تأنيساً وإعلاماً بما الأمر عليه، ولا شك أن ذلك في مقام واحد وحال ابتداء أمره ورسالته، فالمعنى واحد، فما وجه اختلاف العبارة؟ فأقول جواباً لهذا السؤال - وأسأل الله توفيه وعصمته - إنه قد تقدم في سورةطه أن الوارد من هذا القصص إنما أخبرنا به على المعنى، وإنما خوطبنا باللسان العربي، وخاطب موسى باللسان العبراني، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (إبراهيم: ٤)، وجل كلام ربنا عن الحرف والصوت وعن شبه كلام البشر، وبسط هذا في مظانه، وإذا تقرر أنا إنما خوطبنا بلساننا، وأن الاختلاف والتفاوت فيما بين الألسنة معلوم، والمعاني لا تخلتف، فالمراد من الوارد في السورتين أن موسى، ﵇، أُمن من خوفه الذي لحقه، وأُعلم أنه من الآمنين، وأن الآمنين لديه سبحانه هم المرسلون، ومن اهتدى بهديهم ممن سبقت له الحسنى، ومن لحق بهم ممن ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء وسبقت له من الله الحسنى، فهؤلاء هم الآمنون لدينه سبحانه بما سبق لهم، ولا يجب عليه سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه، فهذا الحاصل من المقول لموسى، ﵇، في السورتين من غير اختلاف في شيء من معناه، وهو المراد بقوله سبحانه: (وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) (القصص: ٣١)، وبقوله: (لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ... ) (النمل: ١٠ - ١١)، والاستثناء منقطع، وليس المراد إلا من ظلم من الرسل، ولا يكون من الاستثناء المتصل كما قاله بعض المحرفين من ذوي الضلال، فإن الرسل، ﵈، معصومون من الكفر مطلقاً باتفاق من أهل القبلة إلا ما قالته الشوذية ومن قال بقولهم من المارقين ممن لا عبرة به، والظلم هنا هو الكفر فما دون، وقد عصم الله الرسل ومن شاء عصمته من

стр. 374

ذلك ممن سواهم، ثم إن من كان ظالماً لنفسه بالكفر أو بما دون الكفر ثم بدل حسناً بعد سوء فإنه راج ما وعد (الله) سبحانه، ومن مات على ظلمه ولم يكن كفراً فهو في المشيئة، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨)، فما أفهمت آية النمل من هذا فهو المراد بآية القصص من قوله: (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)، ولم يقع في آية النمل (ذكر) غير المرسلين ممن لم يظلم نفسه إيجازاً، لأنه من المعلوم أنه إذا كان حال الظالم لنفسه المبدل حسناً بعد سوء على ما ذكرنا من الرجاء فحال من لم يظلم نفسه أولى، فسمع موسى، ﵇، من كلام ربه ما حصل به المعنى المقصود، ثم اختلف التعبير عندنا عن ذلك والمعنى (واحد)، فلا اختلاف. فإن قيل: فما وجه اختصاص آية النمل بما ورد فيها وآية القصص بما ورد فيها؟ قلت: (هذا) سؤال لازم على شرطنا، والجواب عنه - إن شاء الله - أن سورة النمل لما ورد فيها قصة بلقيس وقومها، وعبادتهم الشمس حسب ما ورد في السورة في قوله: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (النمل: ٢٤)، ثم هداها الله بسليمان، ﵇، حتى قالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل: ٤٤)، ناسب هذا قوله تعالى في تأنيس موسى، ﵇،: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ) (النمل: ١١)، ولما ورد في آخر سورة القصص: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (القصص: ٨٣)، وهي آي عامة في كل متصف بالإيمان متمسك بما في الآية، وقد أشارت إلى أمنهم لأنهم ممن سبقت لهم الحسنى، وقد نص الكتاب على أنهم آمنون لديه سبحانه حين قال: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) (الأنبياء: ١٠١)، ثم قال: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) (الأنبياء: ١٠٣) فهم آمنون، فناسب قوله سبحانه: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (القصص: ٨٣)، ما خصت به هذه السورة من قوله في قصة موسى، ﵇: (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ). وجواب ثان، وهو أن الآمنين لما تقدم بيان أنهم المرسلون ومن ظلم من غيرهم (ثم) بدل حسناً بسوء، وحصل في طي هذا الكلام وضمنه أن من لم يظلم نفسه من غير المسلمين فلا توقف أنه من الآمنين، فلما تحصل بيان الآمنين وقعت الإالة في آية القصص على ذلك، ولم يحتج إلى تفصيل أحوالهم اكتفاء بما تقدم فقيل: (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)، وهذا الوجه الثاني كاف في حصول التناسب، والله أعلم. الآية الثانية من سورة النمل، قوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ

стр. 375

اصْطَفَى) (النمل: ٥٩)، إلى قوله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل: ٦٤)، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به كل آية منها وإبداء التناسب في ذلك؟ والجواب، والله أعلم: أن الآية الأولى لما نبهوا فيها ذكروا بما تشهد العقول بديهياً وتعترف بدلالته - إذ لا إشكال فيه - من أن السماوات والأرض تشهد بإحكام منعتها، وإتقان خلقها، وما أودع سبحانه فيها من العجائب والآيات المشاهدة للعيان، مع انسحاب التغير على جميعها وعلى ما فيها، بأن لها موجوداً أوجدها وأحكم صنعتها وإتقانها، وأنه لا يمكن أن أوجدت أنفسها ولا أوجدها غيرها مما يماثلها في شواهد الافتقار وانسحاب التغير، وذلك ما لا تنفك عنه سائر الموجودات فيشهد العقل بأن لها موجداً من غير جنسها متعالياً عن شبهها. إذ لو شبهها لافتقر إلى موجد آخر، فلبيان الأمر ما أعقبت هذه الآية الأولى بقوله: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: ٦٠)، أي أن الأمر غير خاف ولكنهم يعدلون عنه، وكذا قيل لهم في دعائهم إلى الإيمان في أول سورة البقرة حين ذكروا بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ... ) (البقرة: ٢١) إلى قوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)، فهذا كقوله: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) من غي فرق، لما ذكروا في الموضعين بخلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات، وإنبات الحدائق العجيبة، وكانوا يتعرفون بخلقه سبحانه جميع ذلك (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: ٦١)، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: ٦٣)، فاعترافهم بهذا ثم يجعلون له تعالى الند والشريك عدول واضح بعد قيام الحجو عليهم، فقيل هنا: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ). ثم لما ذكروا بما هو أخفى في قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا) (النمل: ٦١)، فإن تمهيد الأرض للسكني، وتفجير الأنهار خلالها، وحجز ما بين العذب والمالح من مياهها، ليس مما ظهور الاعتبار به وبيانه في الجلاء والوضوح كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء إلى ما في الآية، فلما كان التذكير بما في الآية الثانية أخفى أُعقب هذا بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النمل: ٦١)، ثم تدرج الاعتبار إلى ما هو أخفى فقيل: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) (النمل: ٦٢)، وخفاء الاعتبار بهذا واضح، ولا يحصل عليه إلا من أمعن النظر فيما تقدم قبله، فأعقب هذا لخفائه بقوله: (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل: ٦٢)، ثم أعقب بما لا يمكن أن

стр. 376

يتعاطاه أحد مع وضوح الأمر عند تدبره وهو قوله تعالى: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... ) (النمل: ٦٣)، ذلك مما لا يتصور فيه من العاقل التسليم، فأعقب بحسب ذلك والتفات ما قبله بقوله: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: ٦٣)، ثم ختم ما قدم من هذه المعتبرات الجليلة بما لا يحصل الاعتبار إلا بعد إحكام النظر فيما قبله، والاعتراف بما يجب لله سبحانه من الاتصاف بالعلم والقدرة، إذ بهما وبقوبتها تَتِمُّ وتثبتت العةدة والبدأة، إلى ما يجب له سبحانه من الصفات العُلى التي يثمر العلم بثبوتها له سبحانه النظر التام الصحيح والاعتبار بما تقدم في الآيات قبل هذه، فلما كمل ذكر ما به (يحصل الاعتراف) والإيمان، ويستوضح منه (أنه) سبحانه المنفرد بالخلق والأمر والمالك للدارين، أعقب بطلب المعاند بالبرهان على ما يديعه، فقيل: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل: ٦٤) أي إن صدقتم أن لله شريكاً في ملكه تعالى: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: ٦٣)، فقد وضح أن كل معقب به آية من هذه الآيات، المذكر بها من استبصر والقاطعة بكل من أشرك وكفر، جار على أوضح مناسبة. ****

стр. 377

سورة القصص الآية الأولى منها - قوله تعالى: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) (القصص ٢٠)، وفي سورة يس: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (يس: ٢٠)، للسائل أن يسأل عن تأخير الفاعل عن المجرور في سورة يس ولم يأت متقدماً يلي الفعل كما ورد في سورة القصص؟ والجواب عن ذلك، بعد تسليم أن وروده في سورة القصص متقدماً فقيل: (وَجَاءَ رَجُلٌ) وارد فلى ما يجب، لأن مرتبة الفاعل التقديم، ولا يتأخر عن ولايته الفعل إلا لعارض من جهة اللفظ أو من جهة المعنى أو اتساعاً، وذلك غير الأولى أعني إذا كان تأخره لمجرد الاتساع. وإذا تقرر هذا فإنما السؤال عن وجه تأخره في سورة يس؟ ووجه ذلك - والله أعلم - أن تقديم المجرور الذي هو قوله: (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) مشيراً إلى إحراز معنى جليل مطلع على حكم السوابق من بعد مسافة عن داعية إلى الهداية، فلم (يضره) بعد الدار وكفر من باشر الرسل وشافههم فلم ينتفع بقرب الدار، وذلك بحسب ما قدر لكل من المكلفين وسبق له، وحاصل الإخبار من هذه الآيات مثال لحال كفار قريش من أهل مكة، وحال الأنصار من أهل المدينة، حين جاء هؤلاء وآمنوا به ﷺ مع بعد دراهم، وعاند عتاة قريش (فكفروا) مع لالتحام في النسب واتحاد الدار، ويوضح هذا أن السورة مكية، وإنما افتتحت بذكر قريش وهم المعنيون بقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) (يس: ٦) إلى ما بعد من الآيات، والإخبار بأن ذلك لا يجدي عليهم في قوله: (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (يس: ١٠)، فهذا الإخبار بحال كفار قريش، ثم قال تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ... ) (يس: ١١)، أي من انقاد وأصغى إليك وإن بعدت داره وهذا حال الأنصار، ثم قال: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) (يس: ١٣) أي الفريقين ممن كفر مع قرب داره ومن آمن مع بعد داره، وذكر تعالى أصحاب القرية (وحالهم مع من أرسل إليهم، وأنهم أرسل إليهم اثنان ثم عززوا بثالث، فجاوبهم أصحاب القرية) المخاطبون مجاوبة الرد والتكذيب فقالوا: (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) (يس: ١٥) كما قالت قريش: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي

стр. 378

الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٧)، ثم ذكر تعالى قول الرسل لأصحاب القرية: (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ *وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (يس: ١٦ - ١٧)، وقول أصحاب القرية: (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) (يس: ١٨). فلما ذكر سبحانه هذه المخاورة والمراجعة قال تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) (يس: ٢٠) أي ممن لم يحضر معهم ولا شاهد ما طال من مراجعتهم، فجاء بحسب ما سبق له من السعادة يقول: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (يس: ٢٠) إلى ما أخبر تعالى من قوله، فمجيئه من أقصى المدينة مثال لمن بعد فلم يضره بعده، وذكره المراجعين للرسل من أصحاب القرية مثال لمن قرب وطالت مباشرته وشاهد الآيات فلم ينفعه قربه، فلما قصد في آية يس مثال من ذكر من الفريقين خصت من تقديم المجرور على الفاعل ما يحرز المعنى المقصود، فهو من قبيل ما قدم للاعتبار والتهمم، وقد تقدم في مواضع إنشاد سيبويه، رحمة (الله) عليه: لتقربن قرباً جلزيا ما دام فيهن فصيل حيا فلإحراز هذا المعنى قدم هذا المجرور وتأخر الفاعل. أما آية القصص فلم يقصد فيها شيء من هذا فجاءت على ما يجب ما تقديم الفاعل، وتناسب هذا كله، ووضح أن كلاً من الموضوعين لا يناسبه ولا يلائمه غير الوارد فيه، والله أعلم بما أراد. الآية الثانية من سورة القصص قوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (القصص: ٦٠)، وفي سورة الشورى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الشورى: ٣٦)، يسأل عن زيادة قوله: (وَزِينَتُهَا) في الأولى؟ وعن تعقيبها بقوله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وتعقيب الثانية بقوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)؟ والجواب عن الأول: أن سورة القصص تضمنت ذكر قارون وما أتيه من المال الذي هو زينة الجياة الدنيا، قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) (القصص: ٧٦)، ثم أخبر تعالى عن زهوه واختياله بماله وظنه استحقاقه إياه، قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) (القصص: ٧٩) حتى قال من غفل عن آخرته ولم يعلم ما أعد الله فيها للمؤمنين: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ) (القصص: ٧٩)، فقدم سبحانه للمعتبرين من عباده المؤمنين وتنبيهاً للغالفين لتحصل السلامة للسعداء ممن عصم بما ابتلى به قالرون فقال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ

стр. 379

اللَّهِ) - أي المؤمنين - (خَيْرٌ وَأَبْقَى) (القصص: ٦٠)، وقد أخبرهم سبحانه في موضع آخر أن الدنيا وحياتها غرور، وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار، وبعد تحذير المؤمنين وردت قصة قارون فالتحمت الآية بتلك القصة، وقيل هنا: (وزينتها) كما قيل في تلك: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) (القصص: ٧٩)، ومن الذي يعدل عما عند الله سبحانه إلى ما جعله تعالى سبباً لإهلاك المشركين؟ فتناسب هذا كله وتلاءم. ولم يقع في آية الشورى ذكر (وزينتها) إذ لم يرد فيها ما ورد هنا مما استدعى هذه المناسبة، ولم يرد في سورة الشورى من أولها إلى آخرها ذكر بسط حال دنياوي لأحد، بل تضمنت حقارة الدنيا ونزارة رزقها، وأنه مقدور غير مبسوط، وتلك حال الأكثر، فقال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) (الشورى: ٢٧)، وقال عند ذكر من اختار الدنيا ومال إليها: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) (الشورى: ٢٠)، فقال: (منها) بأداة التبعيض، فلم يقع في هذه السورة ما يستدعي ذكر الزينة المالية، فلذلك لم تذكر، والله أعلم والجواب عن السؤال الثاني أن قوله تعالى في آية القصص (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ملتحم أوضح التحام بما اتصل به من قوله: (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) (القصص: ٦١)، فكأن قد قيل بعد قوله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى) فكأن قد قيل: أفلا تعقلون ما بين الأمرين، ثم أخبر بقوله: (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) في العذاب الذي لا أخر له، فقوله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) من تمام ما قبله وذلك بين التناسب. ولما ورد قبل آية الشورى: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى: ٧)، قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) (الشورى: ١٣) إلى قوله: (فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (الشورى: ١٥). وقوله: (أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (الشورى: ١٨)، قوله: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ) (الشورى: ٢٢)، وقوله: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (الشورى: ٣١)، ناسب هذا المتقدم من التخويف ما ينبئ المؤمنين المستجيبين بأصناف قوله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى) بقوله تعالى: (لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي صدقوا بكل هذا وعلى

стр. 380

انفراده سبحانه بالخلق والأمر فتوكلوا عليه، فأعقبت كل آية منها بما يناسبها ووردت على ما يجب، والله أعلم. الآية الثالثة من سورة القصص - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) (القصص: ٧١)، ثم قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (القصص: ٧٢)، للسائل أن يسأل لم قدن الليل؟ ولم ختمت الأولى بقوله: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ)، والثانية بقوله: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ)؟ والجواب عن الأول أن تقديم الليل على النهار جار على ما بنت العرب عليه حساب شهورها من تقديم الليل وجعل النهار تابعاً له، ولم يرد في كتاب الله تعالى على كثرة ترداده إلا ذلك. والجواب عن السؤال الثاني: أن قوله تعالى في آية الأولى: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) مناسب للمدرك ليلاً من ضربي ما يعتبر به من المسموعات والمبصرات، إذ الليل حائل دون المبصرات، وإنما تدرك فيه المسموعات لأن ظلمة الليل غير مانعة من إدراكها، فجيء بما يناسب، وجيء مع ذكر النهار بما يناسب أيضاً، فقيل: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، لأن المبصرات تدرك نهاراً ولا تدرك ليلاً، فجيء مع كل بما يناسب، والله أعلم. ***

стр. 381

سورة العنكبوت الآية الأولى منها - قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (العنكبوت: ٨)، وفي سورة لقمان: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (لقمان: ١٤ - ١٥)، وفي سورة الأحقاف: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ... ) إلى قوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف: ١٥)، اشتملت هذه الآي في السور الثلاث على التعريف بما يجب من حقوق الوالدين، وما يرعى لهما، ومنتهى ذلك وغايته، وقد اجتمعت في هذا المعنى، ثم اختلف إيرادها، ففي العنكبوت والأحقاف حسناً ولم يرد ذلك في سورة لقمان، وفي العنكيوت (لتشرك) بتعدية الفعل باللام وفي لقمان: (عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي) فعدّى بعلى، وفي لقمان: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) ولم يرد ذلك في السورتين، وفي لقمان: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) وفي الأحقاف: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرً)، وفي لقمان والأحقاف ذكر الأم منصوصاً عليها وورد ذكرها في العنكبوت مجملاً، وفي العنكبوت ولقمان التعريف بالرجوع إليه سبحانه ولم يرد ذلك في الأحقاف، فيسأل عن هذا؟ وعن وجه اختصاص كل سورة من الثلاث بما خصت به؟ وإن كان ذلك حاصلاً من جواب ما تقدم، فتلك تسعة أسئلة. والجواب عن الأول: أن بناء آية العنكبوت على قص سعد بن أبي وقاص وما كان من فعل أمة وحلفها على ألا تأكل ولا تشرب ولا تستظل حتى يرجع سعد إلى دينها، والقصة مشهورة، فنزلت الآية، ولما لم يقصد غير هذا اكتفى بالتنبيه على الإحسان بهما ما لم يدعوا معاً أو أحدهما إلى الشرك، ولما كان حكماً لا يخص أباً من أم لم يحتج إلى التنصيص على أحدهما، فوقع الاكتفاء هنا بقوله: (حسناً)، ونصبه على الحال لأن المصدر إذا حذف اكتفاء بصفته فانتصابها عند سيبويه، ﵀، على الحال ذكر ذلك

стр. 382

في باب (وأما ورود حسناً في الأحقاف)، فلما قصد فيها من البسط والإطالة حسبما تبين بعد وقد انجر في هذا الجواب عن السؤال (السابع). والجواب عن السؤال الثاني: أن النهي عن الشرك ورد في سورة العنكبوت لبناء الآية وما قبلها على ذكر ذلك، وهو المراد بالفتنة الوارد ذكرها في مطلع السورة. وورد في آية لقمان لما تقدم من قول لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: ١٣)، ولم يرد في سورة الأحقاف لأن آية الأحقاف فيمن كان مؤمناً، ألا ترى قوله: (أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف: ١٥) إلى ما بعد هذا، ولا مدخل هناك للشرك. والجواب عن السؤال الثالث: أن وقله في سورة العنكبوت: (لِتُشركَ بِي) بتعدية الفعل باللام وتعديته في آية لقمان بعلى فإنما ذلك لفرق ما بين الآيتين في السورتين، من حيث بناء آية العنكبوت على الإيجاز فناسب ذلك الاكتفاء باللام، وبناء آية لقمان على الإطالة فناسب ذلك لتعدية بعلى، ولو قدرنا عكس الوارد لما ناسب، فجاء مل على ما يناسب. والجواب عن السؤال الرابع: أن قوله في آية لقمان: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) أمر بالرفق بهما والقيام من حقهما بما ليس بمعصية، ولما كان مبنى الآية على الأمر بما يفعل بهما ومعهما من غير (تقدم) مطلب لهما، وإنما ذلك على التعريف بما ينبغي أن يكون الأمر معهما، ناسبة الوارد هنا من قوله: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، ولما كانت آية العنكبوت مبنية على حكم من طلب من الأبوين الشرك والرجوع إلى الكفر كما تقدم، لم يناسب ذلك أن يقال فيهما: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لما كان يكون فيه - بالسابق من ظاهر الكلام - من الإذن في الصغو إلى مطلبهما، وهو ما لا يمكن أن يؤذن فيه لا ظاهراً ولا باطناً، فلم يرد هنما ما كان يوهم جوازاً ولو في إراءتهما الانقياد لهما في الظاهر مع اعتقاد ما يجب اعتقاده في الباطن من التوحيد كما في آية الإكراه من قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) (النحل: ١٠٦)، وإنما قصد هنا العزم على ما هو الحق، وألا يصغى إلى مرادهما لا ظاهراً ولا باطناً إذا جاهدا في طلب الشرك، فلك يكن ليناسب ولا ليلائم ورود: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) في آية العنكبوت بوجه. وأما آية الأحقاف فمبنية وواردة على حال إيمان الموصى بوالديه، وقد علم المؤمن

стр. 383

ما يلزمه من أبويه المؤمنين، وأنه أكبر من الموصى به في آية لقمان، فجاء كل على ما يجب. والجواب عن السؤال الخامس: أن قوله: (وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) المراد به الضعف، وقوله في الأحقاف: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) المراد أنها حملته ووضعته على صفة من المشقة تكره ولا تراد، فتحصل من الآيتين الإخبار بحاليهما من الضعف والكراهة فلا تعارض. والجواب عن السؤال السادس: أن قوله تعالى في سورة لقمان: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) وقوله في الأحقاف: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) لا تعارض بينهما لأنهما إخباران عن قضيتين، لأن الحمل والفصال مدتان، ومدة الحمل غير مدة الرضاع، فأخبر في الآية الواحدة عن مجرد مدة الرضاع، وفي الثانية عن المدتين، وقد تقدم التنبيه على انجرار السؤال السابع (ص٩١٣). والجواب عن السؤال الثامن: من أن قوله تعالى في العنكبوت ولقمان: (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) تحذير من طاعتهما في الشرك وإبلاغ في النهي عن الصغو إليهما في ذلك إلى الغاية لئلا يظن أن ذلك كآية الإكراه (كما) تقدم، ولما لم يقع في آية الأحقاف ذكر الشرك، وكانت فيمن كان على إيمان، وقد علم المؤمن رجوعه إلى ربه، لم يردف فيها ذكر ذلك. والجواب عن السؤال التاسع: حاصل في الجواب المتقدم، وتلخيصه أن تخصيص هذه السورة بما ورد فيها مختلف بهذا السياق لما لم يذكر، وقد مر. أما آية العنكبوت فلما تقدم ذكره من قصة سعد. وأما آية لقمان فلتقدم قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: ١٣)، وأما سورة الأحقاف فلما انجر في جواب السؤال الرابع. الآية الثانية من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (العنكبوت: ٢٢)، وفي سورة الشروى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (الشورى: ٣١)، للسائل أن يسأل عن زيادة الواو في سورة العنكبوت من قوله: (وَلَا فِي السَّمَاءِ) ولم يرد ذلك في سورة الشورى؟ والجواب عنه، والله أعلم: أنه لما تقدم فيها قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ

стр. 384

السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (العنكبوت: ٤)، وهذا من أشد الوعيد إذ حاصله أنه لا يفوته سبحانه أحد ولا مهرب منه تعالى إلا إليه، ناسب هذا قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)، كما قال: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) (القرة: ١٤٨) إلى ما ورد من هذا، وذلك تناسب بين، ولما لم يرد في سورة الشورى من أولها إلى الآية مثل هذا الوعيد الشديد، ولا كان فيها ما يستدعي في هذا التعميم والاستيفاء الوعيدي، وردت الآية مناسبة، لذلك، فقال تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ)، ولم يكن التعميم هنا ليناسب، فورد كل على ما يجب، والله سبحانه أعلم. الآية الثالثة من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (العنكبوت: ٢٤)، وورد بعد هذا: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (العنكبوت: ٤٤)، فأفرد هنا آية وجمع في الأولى فقال: (الآيات)، مع أن هذه الثانية أعظم: قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (غافر: ٥٧)، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ والجواب عنه، والله أعلم: أن الإشارة في الآية الأولى بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) ليست لقصة إبراهيم، ﵇، وإنجائه من النار فقط بل الإشارة لمجموع معتبرات، منها لبث نوح، ﵇، في قوله ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ويريهم الآيات فما آمن معه إلا قليل، ومنها آية أخذهم بالطوفان وتعميم الغرق لجميع أهل الأرض، ومنها إنجاء أهل السفينة وجعلها آية للعالمين، ومنها ما أحيلوا عليه من الاعتبار بمن قبلهم في قوله: (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ .. ) (العنكبوت: ١٨)، ومنها دعاء إبراهيم، ﵇ وعظيم بيانه وما استجر دعاؤه إياهم من الآيات والبراهين على نبوته، ومنها ما أيلوا عليه آخر الآيات في قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (العنكبوت: ١٩)، فلما تقدم تفصيل الآيات ورد التنبيه بالإشارة إلى جميعها فقيل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ). أما قوله في الآية الأخرى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) فالإشارة إلى المصدر وهو الخلق المفهوم من قوله: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً)، كما ورد في قوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: ٨)، فالضمير للمصدر وهو العدل المفهوم من وقله: (اعْدِلُوا)، وهذا جار في الضمير واسم الإشارة ومتردد في كلام العرب، فكل من الآيتين على ما يجب.

стр. 385

الآية الرابعة من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت: ٤٧ - ٤٩)، للسائل أن يسأل عن وسم الجاحدين أولاً بالكافرين ثم وسموا بعد بالظالمين، والظلم يصح إطلاقه على ما دون الكفر، فقد يسبق إلى الوهم أنه لو ورد وسمهم أولاً بالظلم ثم ثانياً بالكفر لكان أنسب؟ والجواب: أن الظلم وإن كان يطلق على الكفر وعلى ما دونه قال تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٥٤)، فإنه إذا ذكر بعد الكفر ووصف به من قد وصف بالكفر أفهم زيادة مرتكب على الكفر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ... ) (النساء: ١٦٨ - ١٦٩)، وعلى هذا ورد في القرآن وقد تقدم ذلك. فقد وضح ما وردت عليه آيتا العنكبوت، وليس من المشكل. الآية الخامسة من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت: ٦١)، وفي سورة لقمان: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان: ٢٥)، وفي سورة الزخرف: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: ٩)، وتواردت هذه الآي الثلاث على معنى واحد وهو تقريرهم على ما كانوا يعترفون به من انفراده سبحانه بخلق السماوات والأرض واعترافهم بذلك إن سئلوا، ثم اتبع ذلك في سورة العنكبوت بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: ٦٣)، فأعلم تعالى أنهم لو سئلوا أيضاً عن هذا لاعترفوا، ثم اختلف ما أعقبت به هذه الآي من وصفهم حيث وصفوا فيها بعد فرض سؤالهم واعترافهم، فأعقب الأولى بقوله: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)، وآية لقمان بقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، وآية العنكبوت الثانية بقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)، ولم يرد في آية الزخرف إتباع بوصف، فللسائل أن يسأل عن اتاد مقصود هذه الآي أو تفصيله؟ وعن وجه اختلاف الدليل فيما ورد في التعقيب به في هذه الآي؟ والجواب عن الأول: أن المقصود فيها ليس واحداً، أما الثلاث آيت الأول فالمراد

стр. 386

منها استدلال بهذا الخلق العظيم، وما هو عليه من جليل التناسب، وإتقان الصنعة وإحكامها من غير تفاوت ولا فطور، على واحدانية تعالى، وانفراده بالخلق والأمر، واتصافه بالعلم والقدرة إلى ما يجب له تعالى من صفات الكمال، والتعالي عن شبه الخليقة، ولوضوح هذا الدليل ما أخبر تعالى عنهم أنهم لو سئلوا لاعترفوا فقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (لقمان: ٢٥)، وأما قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: ٦٣)، فمقصودها إقامة البرهان على الإحياء من بعد الموت، وبيان ذلك بمثال (مشاهد) للعالم يحصل عن اعتباره جواز ما قصد تمثيله، وبذلك أفصحت آية الأعراف في تعقيبها بقوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: ٥٧)، وذلك أبين شيء، فقد اختلف المقصد كما تقدم. ووجه تخصيص سورة العنكبوت بهذه الآية مناسبتها لما تردد فيها وتكرر من ذكر العودة الأخراوية أو الإشارة إليها في ما نيف على عشرى مواضع، أولها: قوله: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت: ٥)، وآخرها ما ورد قبل الآية المتكلم فيها من قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (العنكبوت: ٥٧) وما اتصل بها، وأنصّها في المقصود قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (العنكبوت: ١٩) إلى قوله: (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) (العنكبوت: ٢٠)، فناسب ما تردد في هذه السورة من هذه الآي إيراد آية المثال المذكورة، ولما لم يرد في السورتين الأخريين مثل الوارد المتكرر في سورة العنكبوت لم يكن ليناسبها ورود آية المثال مناسبتها حيث وردت. والجواب عن السؤال الثاني، وهو توجيه اختلاف الحال فيما وقع فيه التعقيب في هذه الآي، أن ذلك مبنى على الترتيب الثابت في الكتاب العزيز (لما) ذكر تعالى حالهم لو سئلوا عن خلق السماوات والأرض وتسخير النيرين، ولا إشكال فيه لمن وفق، قال تعالى: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت: ٦١) أي كيف يصرفون عن الدلالة مع وضوحها، ثم قال عقب آية لقمان: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان: ٢٥)، وحصل مما أعقبت به الآيتان ما في قوة أن لو قيل: كيف يصرفون مع بيان الأمر ما ذلك إلا لمنعهم عن العلم: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) (الكهف: ٥٧). وأما ختام آية الزخرف بقوله: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: ٩)

стр. 387

فاعتراف تام منهم بوصفه سبحانه بالقدرة والعلم، وإذا اعترفوا بذلك لم يبق إلا العناد بما قدر عليهم، ومناسبة هذا الختام على ما تمهد من رعي الترتيب، وكأن هذه الآية الأخيرة في قوة أن لو قيل: وإذا حقق عليهم وتوبعوا في سؤالهم اعترفوا بالأمر على ما هو عليه، فكفرهم بعد ذلك اتباع للهوى وضلال على علم، والتناسب في هذا كله بين. وأما آية العنكبوت الثانية وهي قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: ٦٣) ثم قال: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: ٦٣) فوصف أكثرهم هنا بعدم العقل، فوجه ذلك - والله أعلم - التعريف بإفراط قصورهم حتى استحقوا الوصف بصفات البهائم ومن لا يصح خطابه، وذلك أن العقل فضل الإنسان، وبه امتيازه عن البهيمة، ولا يمكن العلم بشيء إلا بعد حصوله والاتصاف به، وهو مناط التكليف. وهو عند المتكلمين عبارة عن علوم ضوروية، وليس كل العلوم الضرورية، وهو مع هذا خصيصة جليلة إن عدمت لم يكن التكليف ولا وجود علم، وأضداد العلم العامة والخاصة أضداد للعقل، وهو من قولهم عقلت البعير إذا أمسكته بعقال، وبه وضع خطاب المكلفين، فإذا فقد لحق فاقده بالبهائم، ثم نقول إن إنزال الماء من السماء وهو ماء واحد المادة، فمن عقل هذا هقل وجود الإنسان من نظفة واحدة كواحدة الماء المازل من السماء، ثم يكون عن تلك النطفة شكل الإنساء، وما ينطوي عليه خلقه وتشتمل عليه جملته والمادة واحدة، فالتلاقي والشبه بين الماءين وما يوجده سبحانه عنهما أوضح شيء لمن عقل، فكيف يستبعد العودة من يشاهد ذلك أو يعتبر به. وقد أرانا سبحانه في ماء السماء وما يكون عنه الإحياء بعد الموت ما أوضحه في قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ... ) (الروم: ٢٤) ما فيه أبين دليل لمن وفقه سبحانه للنظر والاعتبار، لا توقف فيه، وجعل ذلك متكرراً، ونبه تعالى عليه بقوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى) (الأعراف: ٥٧)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) (الروم: ٨)، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) (فاطر: ٩). ***

стр. 388

سورة الروم الآية الأولى منها - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) (الروم: ٩)، وفي سورة فاطر: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: ٤٤)، وفي سورة غافر: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) (غافر: ٢١)، وفي آخرها: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (غافر: ٨٢)، للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات مع اتفاقها في المعنى المقصود بها؟ وعن (وجه) اختصاص كل موضع من مواضعها بما خص به منها؟ والجواب عن السؤالين معاً: أن هذه الآيات لم يختلف المقصود بها وهو التنبيه على الاعتبار بحال من تقدم من القرون ما يلائم ما جرى في تلك السورة قبل ذلك الموضع أو بعده من إشارة أو تعريف إخباراً من غير تنبيه أو تحريك إلى الاعتبار بهم، فحين جيء بالتنبيه بقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ) روعي ما ورد قبل أو بعد من إخبار أو إشارة، لذلك فبني ما عرض عليهم وحركوا به من التنبيه ثم أفصح به في آية التنبيه (تأكيداً لموجب يستدعيه، فلرعي هذا اختلف التنبيه) الوارد في هذه المواضع، لا لاختلاف في المعنى. بيان ذلك أن آية الروم، وهي أولى تلك الآيات، فقد ورد فيما بعدها من تلك السورة قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: ٤٧)، فهذا تعريف منه سبحانه بما فعل بأولئك الذيم كانوا من قبل هؤلاء وجاءتهم البينات، فذكر في أول السورة من حالهم هذا، ولم يذكر ما فعل بمن كذب منهم ولا بمن آمن، فعرفت الآية الأخيرة بذلك، وأنه سبحانه انتقم منهم لاجترامهم بالتكذيب، وعرف

стр. 389

بنصر مؤمنيهم ونجاتهم، فحصل من الآيتين التعريف التام بما جرى منهم ابتداء وانتهاء، وصار مجموع الآيتين من الالتحام كأن قد قيل: ألوم يسيروا في الأرض فينظرا كيف كام عاقبة الذين من قبلهم مع زيادة قوتهم وانتشارهم وطول أعمارهم أكثر من هؤلاء، فجاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا فانتقمنا ممن أجرم وكذب، ونصرنا من آمن، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، وما ظلمنا من انتقمنا منه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ... ) (الروم: ٩)، فتأمل وضوح هذا كله وتناسبه والتئامه. فإن قيل: فلم لم يرد ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما أجرموا متصلاً بما تقدم من التذكير بالاعتبار بهم وكان يحصل ذلك كله في كلام متصل بعضه ببعض؟ ولم وقع ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما كذبوا متأخراً عن الوارد من حالهم أولاً (التي) أمر هؤلاء ونهوا عن الاعتبار بها؟ قلت: جرى ذلك على المعتاد منه سبحانه في دعاء الخلق إلى الإيمان من التطلف والرفق في الدعاء، وبذلك أمر رسله، ﵈، فقال لنبينا ﷺ : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: ١٢٥)، وقال لموسى، ﵇: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (إبراهيم: ٥) أي بنعمة وآلائه قبلهم، وقال لبني إسرائيل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) (البقرة: ٤٧)، وقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) (طه: ٨٠)، وهذا في القرآن كثير، فلما أمر هؤلاء وذكروا بالاعتبار بمن تقدم من القرون، ولم يتقدم قبل الآية إلا التلطف والتأنيس، لم يكن ليناسب ذلك من أخذالمكذبين إلا ما يكون إيماء وإشارة لا إفصاحاً، فلذلك اكتفى أولاً من الإشارة إلى أخذهم بقوله سبحانه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) (الروم: ٩)، وترك الإفصاح بالانتقام إلى أن ورد إخباراً منه سبحانه لنبيه، ﵇، في غير معرض الدعاء إلى الإيمان فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) (الروم: ٤٧)، وحصل التعريف بغاية حال المذكورين قبل في تكذيبهم، فهذا موجب تفريق هذا الإخبار، والله أعلم. فإن قلت: فقد ورد في آية غافر من هذه الآي مجموع التنبيه والأخذ متصلاً على غير ما قصدت الآية، قلت: ذلك لسبب اقتضاه يذكر بعد، فآيات الدعاء إلى الله تعالى إنما ترد في الأغلب على ما ذكرنا من التطلف والإبقاء على العباد وذكر الإحسان والرفق، وقد ترد على غير هذا لداع وحامل، والأكثر ما ذكرته. وأا آية فاطر فقد تقدمها قوله تعالى إخباراً لنبيه وتأنيساً: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (فاطر: ٢٥ - ٢٦)، فقيل بعد هذه

стр. 390

فيما هو منها ومرتبط بمعناها: ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) (فاطر: ٤٤) فأخذتهم يا محمد بتكذيبهم وكفرهم، ولم يفت منهم أحد لأني عليم بأحوالهم القدير الذي لا يعجز في شيء ولا يفوتني هارب، وتأمل التحام هذا كله وتناسبه وكيف تم الاختبار وكمل انتهاء وابتداء، وتأمل كيف وقع الاكتفاء في آية الاعتبار بالإيمان إلى أخذهم بقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: ٤٤) إحالة على ما تقدم في إخبار نبيه، ﵇، بأخذهم في قوله: (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (فاطر: ٢٦)، والتحم هذا كله وتناسب. وأما الآية الأولى من سورة غافر فوردت على الجمع بين التنبيه للاعتبار بمن تقدم وبين أخذهم، ولم يرد فيها التفصيل الوارد فيما تقدم، فقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) (غافر: ٢١)، ثم اتبع الآية بما يؤكد أخذهم، وذكرت العلة في ذلك من كفرهم، واجتمع في هذه الآية ما افترق في غيرها فقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (غافر: ٢٢)، فتحصل منها التعريف بأخذهم وذكر العلة الموجبة لذلك من تكذيبهم وكفرهم متصلاً ذلك كله بعضه ببعض، ولم تجر هذه الآية في التلطف في الدعاء والتنبيه على ما جرت نظائرها مما تقدم ونبه عليه، وسبب ذلك أنه تقدم في أول هذه السروة من الإخبار بسوء مراجعتهم وقبيح معاملتهم مع أنبيائهم ما يوجب سريع الأخذ وينافر التلطف، وذلك قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) (غافر: ٥)، فلما تقدم هذا من جوابهم بالباطل وما هموا به من أخذ رسلهم وامتحانهم زائداً إلى التكذيب ناسب هذا تعجيل أخذهم، فوردت آية التنبيه على ذلك، ولهذا اختصت من التأكد ما لم يرد مثله فيما تقدمها: (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ)، فوكد بالضمير تخصيصاً وتعييناً للمذكورين قبل من قوم نوح والأحزاب، ثم اتبع ذلك بقوله في قراءة ابن عامر بتخصيص من وعظ بذلك وخوطب فقيل: (منكم)، فتقابل التأكيد في الطرفين تأكيداً يناسب ما بنيت عليه الآية ويشهد له، ولرعي ما تقدم من السبب الأول وردت الآية الأخيرة من قوله في آخر السورة: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... ) (غافر: ٨٢) إلى قوله: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (غافر: ٨٢)، ثم أعقب هذا بقوله: (لَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) (غافر: ٨٣) إشارة إلى ما كانوا يظنونه علماً ويجادلون به من قولهم:
следующие страницы →