← Тафсир

Тафсир · id 1419

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل

ابن الزبير الغرناطي

Полный текст (513 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

منها استدلال بهذا الخلق العظيم، وما هو عليه من جليل التناسب، وإتقان الصنعة وإحكامها من غير تفاوت ولا فطور، على واحدانية تعالى، وانفراده بالخلق والأمر، واتصافه بالعلم والقدرة إلى ما يجب له تعالى من صفات الكمال، والتعالي عن شبه الخليقة، ولوضوح هذا الدليل ما أخبر تعالى عنهم أنهم لو سئلوا لاعترفوا فقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (لقمان: ٢٥)، وأما قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: ٦٣)، فمقصودها إقامة البرهان على الإحياء من بعد الموت، وبيان ذلك بمثال (مشاهد) للعالم يحصل عن اعتباره جواز ما قصد تمثيله، وبذلك أفصحت آية الأعراف في تعقيبها بقوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: ٥٧)، وذلك أبين شيء، فقد اختلف المقصد كما تقدم. ووجه تخصيص سورة العنكبوت بهذه الآية مناسبتها لما تردد فيها وتكرر من ذكر العودة الأخراوية أو الإشارة إليها في ما نيف على عشرى مواضع، أولها: قوله: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت: ٥)، وآخرها ما ورد قبل الآية المتكلم فيها من قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (العنكبوت: ٥٧) وما اتصل بها، وأنصّها في المقصود قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (العنكبوت: ١٩) إلى قوله: (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) (العنكبوت: ٢٠)، فناسب ما تردد في هذه السورة من هذه الآي إيراد آية المثال المذكورة، ولما لم يرد في السورتين الأخريين مثل الوارد المتكرر في سورة العنكبوت لم يكن ليناسبها ورود آية المثال مناسبتها حيث وردت. والجواب عن السؤال الثاني، وهو توجيه اختلاف الحال فيما وقع فيه التعقيب في هذه الآي، أن ذلك مبنى على الترتيب الثابت في الكتاب العزيز (لما) ذكر تعالى حالهم لو سئلوا عن خلق السماوات والأرض وتسخير النيرين، ولا إشكال فيه لمن وفق، قال تعالى: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت: ٦١) أي كيف يصرفون عن الدلالة مع وضوحها، ثم قال عقب آية لقمان: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان: ٢٥)، وحصل مما أعقبت به الآيتان ما في قوة أن لو قيل: كيف يصرفون مع بيان الأمر ما ذلك إلا لمنعهم عن العلم: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) (الكهف: ٥٧). وأما ختام آية الزخرف بقوله: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: ٩)

стр. 387

فاعتراف تام منهم بوصفه سبحانه بالقدرة والعلم، وإذا اعترفوا بذلك لم يبق إلا العناد بما قدر عليهم، ومناسبة هذا الختام على ما تمهد من رعي الترتيب، وكأن هذه الآية الأخيرة في قوة أن لو قيل: وإذا حقق عليهم وتوبعوا في سؤالهم اعترفوا بالأمر على ما هو عليه، فكفرهم بعد ذلك اتباع للهوى وضلال على علم، والتناسب في هذا كله بين. وأما آية العنكبوت الثانية وهي قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: ٦٣) ثم قال: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: ٦٣) فوصف أكثرهم هنا بعدم العقل، فوجه ذلك - والله أعلم - التعريف بإفراط قصورهم حتى استحقوا الوصف بصفات البهائم ومن لا يصح خطابه، وذلك أن العقل فضل الإنسان، وبه امتيازه عن البهيمة، ولا يمكن العلم بشيء إلا بعد حصوله والاتصاف به، وهو مناط التكليف. وهو عند المتكلمين عبارة عن علوم ضوروية، وليس كل العلوم الضرورية، وهو مع هذا خصيصة جليلة إن عدمت لم يكن التكليف ولا وجود علم، وأضداد العلم العامة والخاصة أضداد للعقل، وهو من قولهم عقلت البعير إذا أمسكته بعقال، وبه وضع خطاب المكلفين، فإذا فقد لحق فاقده بالبهائم، ثم نقول إن إنزال الماء من السماء وهو ماء واحد المادة، فمن عقل هذا هقل وجود الإنسان من نظفة واحدة كواحدة الماء المازل من السماء، ثم يكون عن تلك النطفة شكل الإنساء، وما ينطوي عليه خلقه وتشتمل عليه جملته والمادة واحدة، فالتلاقي والشبه بين الماءين وما يوجده سبحانه عنهما أوضح شيء لمن عقل، فكيف يستبعد العودة من يشاهد ذلك أو يعتبر به. وقد أرانا سبحانه في ماء السماء وما يكون عنه الإحياء بعد الموت ما أوضحه في قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ... ) (الروم: ٢٤) ما فيه أبين دليل لمن وفقه سبحانه للنظر والاعتبار، لا توقف فيه، وجعل ذلك متكرراً، ونبه تعالى عليه بقوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى) (الأعراف: ٥٧)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) (الروم: ٨)، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) (فاطر: ٩). ***

стр. 388

سورة الروم الآية الأولى منها - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) (الروم: ٩)، وفي سورة فاطر: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: ٤٤)، وفي سورة غافر: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) (غافر: ٢١)، وفي آخرها: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (غافر: ٨٢)، للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات مع اتفاقها في المعنى المقصود بها؟ وعن (وجه) اختصاص كل موضع من مواضعها بما خص به منها؟ والجواب عن السؤالين معاً: أن هذه الآيات لم يختلف المقصود بها وهو التنبيه على الاعتبار بحال من تقدم من القرون ما يلائم ما جرى في تلك السورة قبل ذلك الموضع أو بعده من إشارة أو تعريف إخباراً من غير تنبيه أو تحريك إلى الاعتبار بهم، فحين جيء بالتنبيه بقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ) روعي ما ورد قبل أو بعد من إخبار أو إشارة، لذلك فبني ما عرض عليهم وحركوا به من التنبيه ثم أفصح به في آية التنبيه (تأكيداً لموجب يستدعيه، فلرعي هذا اختلف التنبيه) الوارد في هذه المواضع، لا لاختلاف في المعنى. بيان ذلك أن آية الروم، وهي أولى تلك الآيات، فقد ورد فيما بعدها من تلك السورة قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: ٤٧)، فهذا تعريف منه سبحانه بما فعل بأولئك الذيم كانوا من قبل هؤلاء وجاءتهم البينات، فذكر في أول السورة من حالهم هذا، ولم يذكر ما فعل بمن كذب منهم ولا بمن آمن، فعرفت الآية الأخيرة بذلك، وأنه سبحانه انتقم منهم لاجترامهم بالتكذيب، وعرف

стр. 389

بنصر مؤمنيهم ونجاتهم، فحصل من الآيتين التعريف التام بما جرى منهم ابتداء وانتهاء، وصار مجموع الآيتين من الالتحام كأن قد قيل: ألوم يسيروا في الأرض فينظرا كيف كام عاقبة الذين من قبلهم مع زيادة قوتهم وانتشارهم وطول أعمارهم أكثر من هؤلاء، فجاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا فانتقمنا ممن أجرم وكذب، ونصرنا من آمن، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، وما ظلمنا من انتقمنا منه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ... ) (الروم: ٩)، فتأمل وضوح هذا كله وتناسبه والتئامه. فإن قيل: فلم لم يرد ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما أجرموا متصلاً بما تقدم من التذكير بالاعتبار بهم وكان يحصل ذلك كله في كلام متصل بعضه ببعض؟ ولم وقع ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما كذبوا متأخراً عن الوارد من حالهم أولاً (التي) أمر هؤلاء ونهوا عن الاعتبار بها؟ قلت: جرى ذلك على المعتاد منه سبحانه في دعاء الخلق إلى الإيمان من التطلف والرفق في الدعاء، وبذلك أمر رسله، ﵈، فقال لنبينا ﷺ : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: ١٢٥)، وقال لموسى، ﵇: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (إبراهيم: ٥) أي بنعمة وآلائه قبلهم، وقال لبني إسرائيل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) (البقرة: ٤٧)، وقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) (طه: ٨٠)، وهذا في القرآن كثير، فلما أمر هؤلاء وذكروا بالاعتبار بمن تقدم من القرون، ولم يتقدم قبل الآية إلا التلطف والتأنيس، لم يكن ليناسب ذلك من أخذالمكذبين إلا ما يكون إيماء وإشارة لا إفصاحاً، فلذلك اكتفى أولاً من الإشارة إلى أخذهم بقوله سبحانه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) (الروم: ٩)، وترك الإفصاح بالانتقام إلى أن ورد إخباراً منه سبحانه لنبيه، ﵇، في غير معرض الدعاء إلى الإيمان فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) (الروم: ٤٧)، وحصل التعريف بغاية حال المذكورين قبل في تكذيبهم، فهذا موجب تفريق هذا الإخبار، والله أعلم. فإن قلت: فقد ورد في آية غافر من هذه الآي مجموع التنبيه والأخذ متصلاً على غير ما قصدت الآية، قلت: ذلك لسبب اقتضاه يذكر بعد، فآيات الدعاء إلى الله تعالى إنما ترد في الأغلب على ما ذكرنا من التطلف والإبقاء على العباد وذكر الإحسان والرفق، وقد ترد على غير هذا لداع وحامل، والأكثر ما ذكرته. وأا آية فاطر فقد تقدمها قوله تعالى إخباراً لنبيه وتأنيساً: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (فاطر: ٢٥ - ٢٦)، فقيل بعد هذه

стр. 390

فيما هو منها ومرتبط بمعناها: ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) (فاطر: ٤٤) فأخذتهم يا محمد بتكذيبهم وكفرهم، ولم يفت منهم أحد لأني عليم بأحوالهم القدير الذي لا يعجز في شيء ولا يفوتني هارب، وتأمل التحام هذا كله وتناسبه وكيف تم الاختبار وكمل انتهاء وابتداء، وتأمل كيف وقع الاكتفاء في آية الاعتبار بالإيمان إلى أخذهم بقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: ٤٤) إحالة على ما تقدم في إخبار نبيه، ﵇، بأخذهم في قوله: (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (فاطر: ٢٦)، والتحم هذا كله وتناسب. وأما الآية الأولى من سورة غافر فوردت على الجمع بين التنبيه للاعتبار بمن تقدم وبين أخذهم، ولم يرد فيها التفصيل الوارد فيما تقدم، فقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) (غافر: ٢١)، ثم اتبع الآية بما يؤكد أخذهم، وذكرت العلة في ذلك من كفرهم، واجتمع في هذه الآية ما افترق في غيرها فقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (غافر: ٢٢)، فتحصل منها التعريف بأخذهم وذكر العلة الموجبة لذلك من تكذيبهم وكفرهم متصلاً ذلك كله بعضه ببعض، ولم تجر هذه الآية في التلطف في الدعاء والتنبيه على ما جرت نظائرها مما تقدم ونبه عليه، وسبب ذلك أنه تقدم في أول هذه السروة من الإخبار بسوء مراجعتهم وقبيح معاملتهم مع أنبيائهم ما يوجب سريع الأخذ وينافر التلطف، وذلك قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) (غافر: ٥)، فلما تقدم هذا من جوابهم بالباطل وما هموا به من أخذ رسلهم وامتحانهم زائداً إلى التكذيب ناسب هذا تعجيل أخذهم، فوردت آية التنبيه على ذلك، ولهذا اختصت من التأكد ما لم يرد مثله فيما تقدمها: (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ)، فوكد بالضمير تخصيصاً وتعييناً للمذكورين قبل من قوم نوح والأحزاب، ثم اتبع ذلك بقوله في قراءة ابن عامر بتخصيص من وعظ بذلك وخوطب فقيل: (منكم)، فتقابل التأكيد في الطرفين تأكيداً يناسب ما بنيت عليه الآية ويشهد له، ولرعي ما تقدم من السبب الأول وردت الآية الأخيرة من قوله في آخر السورة: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... ) (غافر: ٨٢) إلى قوله: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (غافر: ٨٢)، ثم أعقب هذا بقوله: (لَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) (غافر: ٨٣) إشارة إلى ما كانوا يظنونه علماً ويجادلون به من قولهم:

стр. 391

(أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، وقولهم: (مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) (القصص: ٣٦)، وقولهم: (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) (الأنفال: ٣١)، إلى ما ورد من متعلقاتهم ومجاوباتهم المشار إليه في قوله: (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) (الكهف: ٥٦)، فسماه سبحانه علماً في قوله: (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) (غافر: ٨٣) بحسب اعتقادهم وظنهم، كما قال تعالى: (أَيْنَ شُرَكَائِيَ) (القصص: ٦٢) أي في زعمهم، وهو سبحانه المنزه عن الشريك والنظير، أو يكون (عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) (غافر: ٨٣) المراد به ما كان لدى من تعاطى النظر منهم فلم يوفق، من استبعاد العودة الأخراوية، وإنكار حشر الأجساد بعد تفرق الأشلاء والأجزاء وصيرورة بعضها غذاء لحيوان آخر ولتفرقها وفنائها، قالوا: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (يس: ٧٨)، وقالوا: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (الإسراء: ٤٩)، وهو نظر مبني على قاعدتين واهيتين، وهما: إنكار القدرة، وإنكار علمه تعالى بالجزيئات وعليهما بنى منكرو حشر الأجساد من الفلاسفة، وهو قول زعيمهم أرسطوا ومن تبعه من المشائين ومن قال بقولهم، وليس مما اتفقوا عليه، فقد نقلوا عن أفلاطون وغيره من زعمائهم مخالفة هذا القول وموافقة المتشرعين في حشر الأجساد، وقد نقلوا عن جالينوس التوقف، وقد رام بعض متفلسفة الإسلام الجمع بين المرتكبين فقال: تحشر الأجساد على تأويل لا يعمله المتشرعون وذلك لما أرغمه من براهين الشريعة. ولما بنى المنكرون مذهبهم على إنكار القدرة والعلم بالجزيئات اطراد في الكتاب العزيز، مهما ذكرت العودة الأخراوي، أن يناط بها وصفه سبحانه بالعلم والقدرة إفصاحاً أو إشارة بينه إطراداً لا ينكسر إرغاماً للمنكر الجاحد وحجة قاطعة بالمعاند، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) إلى قوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم: ٢٧)، فوصفه سبحانه بالعزيز إشارة إلى القدرة وأشار قوله: (الحكيم) إلى العلم، وقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (يس: ٧٨) ثم قال: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (يس: ٧٩) فقوله: (يحْيِيهَا) و (أَنْشَأَهَا) إشارة إلىى القدرة، وقد وقع الإفصاح بها بعد في قوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (يس: ٨١) وبسط هذا ورد أقوال هؤلاء الكفرة مستوفي في مضانه، وقد شفي في أئمتنا، ﵃، وكتاب الله سبحانه (وتعالى) واف لمن وافق لتدبره وأعتباره بالبراهين القاطعة وبخصومنا، فما كان بأيدي من قدم ذكره من الشبهات فيها ذكرنا هو الذي فرحوا به وأعتقدوه علما، فورد التعبير على معتقدهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فقد وضع وجه مناسبة هذا لقوله تعالى: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) وتبين ما أوجب خصوص كل آية من هذه الأربع ومواضعها، والله أعلم.

стр. 392

الآيةالثانية من سورة الروم - قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الروم: ٢١ - ٢٤)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل آية من هذه الأربع بما ختمت به من وصف المعتبرين؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآية الأولى لما انطوت من حكمته سبحانه في سبب التناسل والتكاثر على ما أبداه تعالى في خلق الأزواج منا ليحصل السكن وعدم التنافر، ثم غرس سبحانه المودة والرحمة في قلب كل واحد من الزوجين ليتم الالتئام ويحصل التعاون على ما به قوام العيش، إلى ما يتعلق بهذا ويرجع إليه مما يحصل على عجائبه ولا يحاط ببعض الحكمة فيه إلا بمداومة الفكر وطول الاعتبار، ناسب هذا إعقاب هذه الآية بوصف التفكر فقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). ولما كان خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان مع عظيم الأمر في ذلك باد منه الشهادة بأن وراء ذلك موجداً متنزهاً عن شبه هذه الأجرام، ومتعالياً عن تعبير مختلف الألسنة والألوان، ولم تكن شهادة هذه بحيث تخفى حتى يحتاج فيها إلى طول التفكير في البادي لمتصف بالعقل وإن اتسع النظر في عجائب ما انطوت عليه الأجرام السماوية وانتشرت وجوه الاعتبارات اتساعاً تنحسر العقول دونه وتكل الأذهان عن درك أدناه، ولهذا تحصل ذكر الاعتبارات اتساعاً تنحسر العقول دونه وتكل الأذهان عن درك أدناه، ولهذا تحصل ذكر الاعتبار بالسماوات والأرض فقيل: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: ١٦٤)، وقيل: (فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: ١١٦)، وقيل: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ) (الذاريات: ٢٠)، فأشير أولاً إلى خلق أجرامها وصورها، وأشير ثانياً إلى خلق ما فيها، فهذا بحر لا تدركه الدلاء، وباب لا يسعه تدوين ولا إملاء، ومع ذلك فإن ربنا سبحانه ذكر عباده من ذلك بما تبدو شهادته فقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (ق: ٦ - ٧) إلى ما يتلو هذا مما يشهد بأول اعتبار مما لاتكل عنه البصائر والأبصار، وتأمل لطف دعائه سبحانه الخلق إلى عبادته في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) (البقرة: ٢١) إلى قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) (البقرة: ٢٢) إلى أشباه هذه، فلما كان هذا الضرب من الاعتبار يحصل بأوله المقصود لكل أحد قال تعالى: (إِنَّ فِي

стр. 393

ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الروم: ٢٢)، فوضح تناسب هذا الختام، ولاح التلاحم والالتئام. ولما كان أمر الليل والنهار منصوصاً على رحمة الخلائق بهما في عدة آيات بقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (الإسراء: ١٢)، وقوله: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) (غافر: ٦١)، وقوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) (النبأ: ١٠ - ١١)، إلى غير هذه من الآيات، فتحصل من مجموعها وفاء الاعتبار بهما وما فيهما، ومستند ذلك المحرك للاعتبار به السماع والأخبار الواردة به أعقب بقوله: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (الروم: ٢٣). وأما إراءته سبحانه البرق خوفاً وطمعاً، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، فلا تحصل ثمرة الاعتبار به إلا لمن أطال الاعتبار وأمعن النظر وبالغ في ذلك، ولما كان حصول الثمرة المطلوبة هنا يتوقف على ما ذكر أعقب بقوله: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). الآية الثالثة من سورة الروم - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الروم: ٣٧)، وفي سورة الزمر: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) (الزمر: ٥٢)، ففي آية الروم: (أَوَلَمْ يَرَوْا) وفي الأخرى: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا)، فللسائل أن يسأل عن الفرق؟ والجواب، والله أعلم: أن سورة الروم لما تقدم فيها قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) (الروم: ٨)، وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (الروم: ٩)، والتفكر تردد نظر ومباثه واعتبار، والنظر المحال عليه فيما حضوا عليه من سيرهم في الأرض إنما هو استعلام وبحث واعتبار بحال من تقدمهم، ناسب ذلك قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا)، لأن قول القائل منا لغيره: ما ترى في هذا الأمر؟ إنما يريد ابحث عما يتردد في خاطرك ويختلج في فكرك وعرفني بما يظهر لك وتختاره، وكذا قول القائل: افعل في هذه القضية بما أراك الله، إنما يريد اجتهد وامض فيها من المتردد في خاطرك ما تراه أولى، والحاصل من الرأي هنا في مثل هذا غالب ظن وليس بعلم لإمكان الخطأ فيما يراه، إذ لسنا بمعصومين، ولو فرضنا العصمة لكان الحاصل علماً، وفي كتاب الله سبحانه قوله لنبيه ﷺ : فاحكم بينهم بما أراك الله، وإنما أحيل، ﵇، على اجتهاده والاعتبار بما لديه من الوحي وما أنزل عليه، إلا أنه، عليه لاسلام، على اجتهاده والاعتبار بما لديه من الوحي وما أنزل عليه، إلا أنه، ﵇، مكتنف بالعصمة والحفظ من الخطأ والغلط فيما يراه مما يرجع إلى التبليغ وتقعيد أحكام شريعته، فالحاصل

стр. 394

عن نظره ﷺ وما يراه علم، وأنا عن نظر غيره ممن ليس بمعصوم فظن كما تقدم. ولفظ رأى يصلح في الحالين، ويقع بالاشتراك على المعنيين وعلى الإبصار، فناسب لتردد لفظه بين هذه المعاني، وإن كان في سورة الروم يراد به العلم، ما تقدم في السورتين قوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) وقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) لجامع التردد حاصل في المتواطئ بلحظ التشخص، فوضح التناسب. وأما سورة الزمر فلم يتقدم (بها ما تقدم) في سورة الروم مما يستدعي ذلك التناسب، فجيء بقوله: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا)، فطوبق باللفظ المعنى من حيث لا تردد فيهما ولا اشتراك، وأيضاً فقد تقدم في هذه السورة قوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا) (الزمر: ٢) وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا) (الزمر: ١١) وقوله: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) (الزمر: ١٤)، والإخلاص مسبب عن العلم، وهو ثمرته، أعني ثمرة العلم، فناسب هذا قوله: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) (الزمر: ٥٢)، فإنهم تسبب عن علمهم الإخلاص إن سبقت سابقة سعادة، فناسب هذا أتم مناسبة، فهذا وجه ثان من الجواب، وكأنه مما قدم فيه المسبب وهو الإخلاص بين يدي سببه وهو العلم، ووضح على هذا أن ما ورد هنا لم يكن ليناسب ما في سورة الروم، ولا ما ورد في سورة الروم ليناسب ما في سورة الزمر، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الروم قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) (الروم: ٤٣)، وفي سورة الشورى قوله تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) (الشورى: ٤٧)، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف ما وقع به الإتباع في الآيتين فقيل في الأولى: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) وفي الثانية: (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ)؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الروم إنما أعقبت بقوله: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) تمهيداً لما اتصل بها من تفصيل الأحوال في قوله: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) (الروم: ٤٤)، لأن تصدعهم يراد به افتراقهم كما في قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) (الروم: ١٤)، فالمراد يومئذ يصدعون إلى ما أعد لكل منهم بحسب مرتكبه وحاله في كفره وإيمانه، وقد تضمن قوله: (فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) جزاؤه، وأشار إلى تفصيل أحوالهم في عذابهم كل بحسب مرتكبه: (جَزَاءً وِفَاقًا) (النبأ:

стр. 395

٢٦)، وكان الكلام في قوة أن لو قيل: فعليه مطابق كفره من العذاب، وكذلك تضمن قوله في الناجين: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) من تفصيل الأحوال في الثواب كل بحسب ما مهد لنفسه كما في قوله: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الطور: ١٦)، فعبر عن ذلك بأوجز عبارة وأوفاها بالمقصود، وقدمت الإشارة إلى ذلك التفصيل في الطرفين بقوله: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ). وأما آية الشورى فإنه تقدم قبلها قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) (الشورى: ٤٤)، والولي من يرجع إليه انضواء واعتماداً، ثم قال تعالى مخبراً عن الظالمين في نفي الولي والنصير عنهم: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى: ٤٦)، فلما نفى عنهم الأولياء الناصرين والسبيل إلى التخلص ناسب ذلك أمره تعالى العباد بالاستجابة له فقال: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) (الشورى: ٤٧) أي أنه آت لا محالة: (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) أي من ولي ترجعون إليه أو يدفع عنكم، (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) أي إنكار، فلا تعلق لكم ولا ينفعكم إنكاركم إن تعلقتم، فحذر تعالى عباده من حال الظالمين في عدم الولي والناصر، وأمرهم بالاستجابة قبل التورط وانقطاع الطمع والرجاء في التخلص، وعدم جدوى الإنكار لمن ظن التعلق به، فحذرهم مما امتحن به غيرهم بعد ذكر حال من امتحن، فناسب ذلك لكه أوضح تناسب. الآية الخامسة من سورة الروم - قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) (الروم: ٤٦) وفي سورة الجاثية: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) (الجاثية: ١٢)، للسائل أن يسأل عن زيادة (فيه) في سورة الجاثية وكونه لم يثبت في سورة الروم؟ والجواب، أن هذا لا إشكال فيه، لأن البحر لم يجر له ذكر في آية الروم، فلم يكن للضمير ما يرجع إليه، فلم يؤت به بهذا، ولو قصد محل جري الفلك ألزم الإتيان بالظاهر (ولقيل): ولتجري الفلك في البحر، وهو مفهوم من السياق، فلم يحتج إليه هناك. أما آية الجاثية فإنه لما قدم فيها ذكر البحر جيء بالضمير المجرور العائد إليه على ما ينبغي، وكان له مفسراً، فحسن الإتيان به بخلاف آية الروم، فالفرق بينهما لا خفاء به.

стр. 396

سورة لقمان الآية الأولى منها - قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (لقمان: ٧)، وفي سورة الجاثية: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الجاثية: ٧، ٨) للسائل أن يسأل عن تخصيص آية لقمان بقوله: (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا)؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الجاثية لما تقدم فيها: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا)، فوصفه بسماع آيات الله لم يكن ليطابقه ذكر الوقر في الأذن لأنه قد ذكر سماعه الآيات، والوقر مانع من السمع، فلم يناسب الإعلام بالسماع ذكر الوقر المانع منه. فإن قيل: لو ذكر هنا الوقر في الأذنين لم يكن ليكون إلا تأكيداً لبيان توليه وإعراضه فكان يناسب، قلت لو وكد بذلك لاقتضى مقاربة عدم السماع، وليس المراد - واله أعلم - إلا أنه سمع وأعرض، فكأنه لم يسمع، ليجري الوارد هنا مع قوله تعالى فيمن صمم على كفره من يهود: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: ٧٥)، وإذا أريد إبقاء سماعهم، ولم يرد منعه البتة، لم يناسبه التأكيد المقرب من المنع من أن التنبيه الواقع (مراد)، فحصل المقصود، والله أعلم. ولما لم يقع ذكر سماع الآيات في آية لقمان، وتقدم ذكر المشار إليه فيها بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) (لقمان: ٦)، وهذه زيادة مرتكب، فناسبها ذكر زيادة الوقر. مع أنه لم يرد فيها ذكر سماعه الآيات كما ورد في آيةالجاثية، فازداد وضوح التلاؤم، وإن عكس الوارد لا يلائم، والله أعلم بما أراد. الآية الثانية من سورة لقمان - قوله تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: ١٧)، (وقال في سورة) الشورى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣)، يسأل عن مقتضى توكيد الخبر في هذه الآية وسقوط التوكيد من الأولى؟ والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الشورى، لما دخلها معنى القسم، وكانت

стр. 397

على تقديره، إذ اللام في قوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ) توطئة له ودالة على تضمين الآية معناه، وناسب ذلك زيادة لام التأكيد في خبر إن، وذلك ظاهر في معنى الآية. وأما آية لقمان فقوله فيها: (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) مجرد إخبار عن حال ما وقعت الوصية به، ولا مدخل للقسم هنا ولا معنى له، فلم تدخل لام التأكيد في الخبر إذ ليس في الآية معنى قسم يستدعيها، ولا وقع في اللفظ ما يطابقها، فورد كل على ما يجب ويناسب، ولو قدر العكس لما ناسب، والله أعلم. الآية الثالثة من سورة لقمان قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (لقمان: ٢٩)، وفي سورة فاطر: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) (فاطر: ١٣)، وفي سورة الزمر: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (الزمر: ٥)، للسائل أن يسأل عن قوله في سورة لقمان: (إِلَى أَجَلٍ) بإلى، وفي السورتين بعد (لِأَجَلٍ) فجُر أجل باللام مع اتحاد المعنى، فما الفرق؟ والجواب، والله أعلم: أن آية لقمان تقدمها التنبيه على الاعتبار بها بقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) ثم قال: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) فعطف بواو النسق المقتضية الجمع، فدخل هذا مع ما قبله تحت حكم التنبيه بقوله: (أَلَمْ تَرَ)، وحكم التنبيه بالاعتبار منسحب على المجموع للاشتراك في اللفظ والمعنى، فطال الكلام بحسب ما اتقضاه مقصوده، فناسب طوله الجر بما يناسبه مما لا يخرج عن معنى اللام الجارة وهو إلى، فانجر الأجل بها. ولما بنيت الآيتان بعد على إيجاز ليس في آية لقمان ناسبه الجر باللام اكتفاء بما يحرز المعنى المقصود ويناسب التركيب، وورد كل على ما يناسب أتم مناسبة، والله أعلم. ****

стр. 398

سورة السجدة (الآية الأولى منها) قوله تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (السجدة: ٢٠)، وفي سورة سبأ: (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) (سبأ: ٤٢)، للسائل أن يسأل عن صرف الوصف إلى العذاب أولاً فذكر فقيل: (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) وصرفه ثانياً إلى النار فقيل: (الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا) فأنث الموصول والضمير، ما وجه ذلك؟ والجواب: أنهم يكذبون بالنار وبعذابها، وقد ورد العذاب مضافاً إليها في السورتين، والعذاب مذكر والنار مؤنثة، وعودة الضمير إلى كل من المضافين تحصل المقصود على السواء، فإنما يبقى السؤال عن تخصيص كل واحدة من السورتين بما ورد فيها؟ والجواب عنه: أن آية السجدة اقترن بها ما يستدعي أن يناسب وهو قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) (السجدة: ٢١)، فلما تفصل ذكر العذاب إعلاماً بإلحاق ضريبة الأدنى والأكبر بمن جرى الوعيد لهم، والعذاب مذكر، وقد تكرر، فتأكد رعيه، فناسبه عودة الضمير قبله إلى العذاب المضاف إلى النار مذكراً ليجري ذلك كله مجرى واحداً. ولما لم يكن يتلو آية سورة سبأ ولا قبلها ما يستدعي ذلك، أعيد الضمير إلى النار مؤنثاً، ليحصل في السورتين ورود الوجهين الجائزين كما تقدم مع التناسب، والله أعلم. ***

стр. 399

سورة الأحزاب الآية الأولى منها قوله تعالى: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) (الأحزاب: ٨)، وفيما بعد من السورة: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (الأحزاب: ٢٤)، (يسأل عما أعقبت به كل من الآيتين مع تقارب ما بني عليه التعقيب)؟ والجواب، والله أعلم: أاختلاف العقيب مرعي فيه ما تقدم قبل كل واحدة من الآيتين، أما الأولى فالمتقدم قبلها قوله تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ١)، ثم لم يعد الكلام إلى شيء من مرتكبات المنافقين ولا تفصيل أحوالهم، فناسب هذا قوله: (وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) (الأحزاب: ٨)، والكافر بالنفاق كاكافر المتظاهر بكفره. وأما الآية الثانية فتقدمها قوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) (الأحزاب: ١٢)، ثم تتابعت الآي بعد معرفة بسوء مرتكبهم وقبيح أفعالهم في ثماني آيات أو نحوها إلى قوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: ٢١)، ثم أعقب هذا بذكر حال المؤمنين، وذكر بأحسن ما يتحلى به الصادق في إيمانه، فقال تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب: ٢٢). إلى عظيم ما وصفهم به سبحانه، ثم أعقب بذكر حال الفريقين فقال: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (الأحزاب: ٢٤)، (وقد أبقى سبحانه عليهم بقوله: (إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)) جرياً على المطرد من عظيم حمله وسعة عفوه. ورحمته، وكل من هذا وارد على أعظم مناسبة. قلت: وهذا (مما) يشبه المتشابه من الضرب الذي بني عليه هذا الكتاب وليس منه. الآية الثانية من سورة الأحزاب قوله تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (الأحزاب: ٣٨)، وفي آخر السورة: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب: ٦٢) للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به كل آية منها؟ ففي الأولى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا)، وفي عقب الثانية (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).

стр. 400

ووجه ذلك، والله أعلم: أن الآية الأولى معقب (بها) قصة زينب أم المؤمنين وزيد بن حارثة، رضى الله عنهما وما جرى في ذلك إلى أن تزوجها رسول الله ﷺ (فهذه الآية تأنيس لرسول الله ﷺ ، وإعلام له أن تلك سنته سبحانه في عبادة التي شاءها وقدرها حكماً ثابتاً فيمن تقدم من الرسل والأنبياء ومن اهتدى بهديهم، فلا حرج عليك يا محمد فلا تصغ إلى قول منافق (يقول) تزوج محمد حليلة ابنه، فإن زيداً ليس ابنك: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) (الأحزاب: ٤٠)، وأنا شئت تزويجك إياها وحكمت به في سابق عملي بعد تطليق زيد لها وانفصاله عنها: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) (الأحزاب: ٣٧) ليعلم أن تلك سنتك وسنة أمتك بعدم (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) (الأحزاب: ٣٧)، فهذه الآيات تأنيس للنبي ﷺ ، وتلسلية له عن خوض المنافقين، وتنزيه لقدره العلي وتبرئة من كل متوهم فيه أدنى نقص، ورفع لما يتوهم ويقدر وليس على ظاهره السابق من قوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) (الأحزاب: ٣٧). فهذه آية تعلق (بها) من كان في قبله مرض وتهجموا على باد من مفهومها، فقالوا: إنه ﵇ رآها فمال إليها وأحبها في حكاية ذكرها المفسرون، يبطلها ويردها المقطوع به من أن زينب نشأت معه، ولم يزل يراها لمكان قرابتها منه، وقوله لزيد عتيقه الذي أنهم عليه بالعتق: اتق الله - يريد اتق الله فيما تذكر عن زينب، لأن زيداً نسب إليها نشوزاً وتوقفاً عن طاعته، فأمره بتقوى الله في أمرها والتثبت فيما يحكيه عنها مما كان يظنه نشوزاً، وكانت زينب، رضى الله عنها، أعظم قدراً من أن تقع في معصية النشوز عمداً، ولكن الزوجين يطلب كل منهما غاية في الوفاء يرى عند غلبة (حب) هذا المطلب عليه ما يقتصر عنه نشوزاً، ففي الجاري من هذا قال له ﵇، اتق الله، وأخفى عنه ما كان تقدم له الإخبار به بالوحي من أنه سيطلقها وأنه، ﵇ اتق الله، وأخفى عنه ما كان تقدم له الإخبار به بالوحي من أنه سيطلقها وأنه، ﵇، سيتزوجها، فهذا الذي أفخفاه، ﵇، في نفسه ولك يتكلم به حتى أبداه الله، وقوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ) أي تخشى كلام المنافقين وقولهم إن محمداًَ تزوج امرأة ابنه، من حيث كان، ﵇، قد تبناه قبل الوحي، وقصة ذلك معروفة مشهورة، فكانوا يقولون: زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) (الأحزاب: ٥)، فقيل له، ﵇، وقد أدرك الاستيحاء من أن يتكلم المنافقون بذلك وخشية منهم فقال له: لا تخش أحداً إنما جريت في ذلك كله

стр. 401

على ما بين الله لك من الشرع الذي جعله سبحانه سبيلك ودينك الذي تدعو إليه، وطريق من تقدمك من الرسل الذين يبلغون رسالات الله ويخشوننه ولا يخشون أحداً إلا الله، فالله أحق أن تخشاه أنت يا محمد، ولا تصغ إلى أحد، ولا تستحي منه، فإنك على صراط مستقيم، فقد وضح ما أخفاه في نفسه وهذا الذي أبداه تعالى، ألا ترى أنه سبحانه قد وعد أنه يبدي ما أخفاه ﷺ في نفسه، فهل ترى في تلك القصة خلاف ما نطق به كتابه من قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) (الأحزاب: ٣٧)، وكانت زينب تفخر بهذا وتقول لأزواج النبي ﷺ : زوجكن أهلوكن زوجني الله من فوق سبع سماوات، فهذا إخباره سبحانه وما أبداه مما أخفاه نبيه ﷺ في نفسه وما سوى هذا فاختلاق. ونقول: وقد تسامح المفسرون هنا، وتبع آخرهم أولهم في نقل ما كان الواجب تركه، إذ هو خلاق القرآن لمن وفق لتدبره ولحظ شهادة بعضه لبعض، فهذا مقصود هذه الآية، ولمجموع ما ذكرنا أعقبت بقوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (الأحزاب: ٣٨). وقد اتبعت الآية بذكر من سن سبحانه حكم هذه الآية لهم، وأنهم الرسل، ﵇، فقال: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) (الأحزاب: ٣٩)، فتأمل هذا التعقيب، وقد قيل له، ﵇، في قوله تعالى: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا) (الإسراء: ٧٧)، وقيل له: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: ٩٠)، وعرفنا ربنا سبحانه أن نبينا كذلك فعل فقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: ٥٢). وأما الآية الثانية فإنه سبحانه لما قال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) (الأحزاب: ٦٠ - ٦١) أتبع تعالى بالإخبار أن تلك سنته الجارية في الذين خلوا من قبل، وهذا كقوله: (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) (غافر: ٨٥)، فأعلم أنها سنته الجارية فيهم: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب: ٦٢)، وقد تكرر هذا في مواضع من كتاب الله سبحانه، ووضح هذا التناسب في كل من الإعقابين، والله سبحانه أعلم بما أراد. *****

стр. 402

سورة سبأ قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) (سبأ: ٩)، وقال بعد: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (سبأ: ١٩) بالإفراد في الأولى والجمع في الثانية، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والجواب عنه، أن الإشارة أولاً إلى قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) (سبأ: ٩)، ولم يتقدم ما حركوا إلأى الاعتبار به غير هذا، وقد انضم ذلك تحت ما الموصولة، ولفظها مفرد فروعي من حيث اللفظ فقيل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) بالإفراد. وأما الثانية فتقدم قبلها قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ: ١٠)، ثم قال: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) (سبأ: ١٢)، ثم قال: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) (سبأ: ١٣) إلى قوله: (مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سبأ: ١٤)، ثم قال: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ .... ) (سبأ: ١٥)، فذكر سبحانه بالاعتبار بما منح داود من تسبيح الجبال والطير معه وإلانة الحديد، وبما سخر لسيلمان، ﵉، من الريح تحمله وجنوده حيث شاء في السرعة التي أشارت إليها الآية، وإسالة عين القطر له وهو النحاس المذاب، وعينه معدنه، وعمل الجن بين يديه تسخيراً فيما يريده من عمل ما شاء مما في قواهم، ثم ذكر ما كان لسبأ في مساكنهم من آية الجنتين عن يمين وشمال وأكلهم منها وتنعيمهم إلى أن أعرضوا فأرسل عليهم سيل العرم إلى آخر قصتهم، فهذه المعتبرات لم تدخل تحت موصول ولا اسم مفرد يضم جميعها بل ذكرت مفصلة، فقيل إشارةإلى جميعهما: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)، ولا يمكن إلا هذا إذ لم يتقدم مفرد من موصول أو غيرذلك ما يجمع الكل يرجع إليه الضمير مفرداً كما في الآية الأخرى، فقيل هنا: (لآيات) ولم يمكن إفرادها هنا، وأمكن في الآية الأخرى لوحدية الموصول الجامع لما تفصل بعده، فروعي لفظه لأن ذلك أوجز من رعي معناه. ثم إن المعلوم من لسان العرب إذا تقدم من الأسماء المفردة ما له لفظ ومعنى فإن

стр. 403

رعي لفظه في عودة ضمير أو تفسير أولى، ثم قد يراعى المعنى لد فيعود الضمير بحسبه من تثنية أو جمع، ومن هذا قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (الطلاق: ١١)، فقوله: (يؤمن) (ويعمل) (وندخله) رعي للفظ (من) وهو مفرد فعاد الضمير إليه مفرداً، (وقوله بعد: (خالدين) ورجوعإلى المعنى، ويقل رعي المعنى بديهاً في هذه الألفاظ التي هي مفردات) تتها كثرة، ومنه بين الكتاب. تعال فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من ياذيب يصطحبان فقال: يصطحبان، فأعاد على معنى من، والإعادة إلى اللفظ أكثر، وعليه قيل في الآية الأولى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) بالإفراد على الأولى والأكثر مع جواز وروده عائداً على المعنى إن اعتضد ذلك. أما الآية الثانية فجمع آيات فيها لا يمكن خلافه، فورد كل على ما يجب، ويمتنع العكس لما ذكر. فإن قيل: (إن) قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ... )، استئناف باللام التي تقع جواباً للقسم، فقد يقال إنها تقطع ما بعدها عما قبلها. وإذا أمكن هذا فما المانع من رجوع اسم الإشارة إلى ما بعد قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ... ) (سبأ: ١٥) وتلك قصة مفردة فكان يكون الواردهنا أي الآية على الإفراد رعياً لمعنى القصة؟ فالجواب أنّا لو فرضنا هذا الاعتراض لازماً لقلنا: إن قصة سبأ قد انطوت على تفصيل يقتضي جمع آيات، إلا أن الاعتراض أولاً غير لازم (إذ) قد يشار إلى مجموع قصص تفصلت ودخل كل قصة في أولها هذه اللام، فلم يمنع ذلط من عودة اسم الإشارة إلى الجميع كقوله تعالى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ) (القمر: ٤٣)، والإشارة بأولئكم إلى كل من تقدم ذكره من أول قصة نوح، ﵇، إلى قصة آل فرعون، وقد ابتدئت كل قصة منها (بلقد)، ثم أشير (بعد) إلى الجميع ليعتبر بأحوالهم، فكذلك في الىية التي نحن فيها، فسقط الاعتراض، وتبين أن لك (آية) واردة على أوضح التناسب، والله أعلم. سورة الملائكة: قد تقدم ما فيها، وكذلك سورة يس. *****

стр. 404

سورة الصافات الآية الأولى منها - قوله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (الصافات: ١٥ - ١٦)، وقال فيما بعد: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) (الصافات: ٥١ - ٥٣)، للسائل أن يسأل عن قوله أولاً: (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) وثانياً: (أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) لم اختلفا مع أن مرادهم في الموضوعين إنكار البعث بعد الموت؟ والجواب: أن االموضع الأول لم يتقدمه شيء يوجد عدولهم عن التعبير عن معتقاداتهم (في إنكار الإحياء بعد الموت فورد على ما يطابق معتقادهم)، وأما الآية الأخرى فقد تمهد قبلها ذكر الجزاء الأخراوي وذكر السؤال، فأول ذلك ذكر ما يقال لهم إذا حشروا قال تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات: ٢٤) وقول بعد: (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٣٩)، وقوله بعد: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) (الصافات: ٢٧)، وهذا في الأخرة إلى قوله: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ) (الصافات: ٥١ - ٥٢)، وهذا قول الكافر وقد باشر العذاب، فأخبر عن قرينه الذي قيد له المشار إليه بقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف: ٣٦)، فأخبر عنه سبحانه أنه كان يقول له في دنياه: (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) (الصافات: ٥٢ - ٥٣) أي لم لمجزيون بأعمالهم وما إجترحناه في دنيانا، وفي طي قولهم: (أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) إنكار للبعث لإنكارهم ما ينبني عليه ويترتب بعده من الجزاء، وقد تقدم ذكر الجزاء فناسبه ذكر تعجبهم منكرين وقوعه، ولم يكن ليحسن وقوع (لَمَدِينُونَ) في الآية الأولى إذا كان يكون هناك غير مفصح بإنكارهم البعث ولا ورد قبلهع ما يستدعيه، فجاء كل على ما يجب ويناسبه، والله أعلم. الآية الثانية (من سورة الصافات) قوله تعالى في ختام قصة نوح، ﵇: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات: ٨٠) ثم أعقب القصص الثلاث بمثل هذا، أعني قصة إبراهيم وقصة موسى وهارون وقصة إلياس، إلا أنه ورد في قصة إبراهيم ﵇: (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات: ١٠٩ - ١١٠)، فسقط منه لفظ

стр. 405

(إن) وثبت في القصص الأخر، فيسأل عن وجه القصاص في قصة إبراهيم دون غيرها بذلك؟ والجواب، والله أعلم: أنه تقدم في قصة إبراهيم بعينها قوله: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات: ١٠٤ - ١٠٥)، ثم لما كرر ليبني عليه قوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (الصافات: ١١١)، كما في نظائره من ختام القصص الآخر كرر قوله (كذلك) لبناء علة الجزاء وموجبه عليه، كما تكرر قوله: (أنكم) في قوله: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) (المؤمنون: ٣٥)، (فكرر) (أنكم) تأكيداً ليبني عليه الخبر فكذلك كررت هنا الجملة (بأسرها) وهي قوله (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ليبني عليها ما ورد علة موجبه لجزائهم لتجري هذه القصة مجرى نظائرها، ولم يكرر حرف التأكيد والضمير المنصوب به إيجازاً واختصاراً لذكره فيما تقدم في القصة نفسها، فوضح أنه لا فرق بينها وبين ما اكتنفها من القصص الوارد فيها ذكر (إن) بوجه. فإن قيل: ولم آخر قوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (الصافات: ١١١)، عن قوله أولاً (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات: ١٠٥) من الجمل الوارده مورد جمل الإعتراض إشادة بجلالة إبراهيم وإعلاماً بعظيم (جلاله فقال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) (الصافات: ١٠٦)، ثم أكد) عظيم الإعتناء به فقال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الصافات: ١٠٧ - ١٠٩)، ولما طال الكلام بما ورد تتميماً وتكميلاً لحاله، ﵇، وبعد عن قوله: (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أعيد منه الجملة الواقعة خبراً لأن ينبني عليه ما بني على نظائره من قوله (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) فقصة إبراهيم ﵇، أوفى هذه القصص تعريفاً بكمال الحال، ولم ينقص منها شيء من الأخبار بصفة الجزاء وسببه كما في غيرها زاد فيها ما ورد اعتراضاً كما تبين وذلك لما زاد في قصته من عظيم ابتلاءه زياده والله أعلم بما اراد، الآية الثالثة من سورة الصافات - غ - فقوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (الصافات: ١٠١)، وفي الذاريات: (قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) (الذاريات: ٢٨) والمبشر به واحد والقصة واحدة. فللسائل أن يسأل عن موجب إختلاف الصفتين في السورتين؟ والجواب أن موجب تخصيص الآية الأولى بصفة الحلم ما اقترن بها من قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى)

стр. 406

(الصافات: ١٠٢)، وجواب أبنه، ﵉، بقوله: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) (الصافات: ١٠٢) وأتباعه ذلك تسلية لأبنه وامتثالاً لأمر ربه: ((سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: ١٠٢)، فلما دل جوابه على عظيم حاله) وتلقيه عظيم هذا الأبتلاء بالرضا والصبر التام إمتثلاً لأمر رببه (وإرضاء لأبنه، كان ذلك مبيناً لجليل حلمه ووفور كماله) في حاله ما وصفه في سنه بالأولية والابتداء. أما آية سورة الذاريات فلم يقع فيها ذكر هذه القصة، فورد فيها وصفه بالعلم المحرز بجليل نبوته، ولو ورد في السورتين عكس الوصف الوارد لما ناسب هذه المناسبة الحاصلة، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الصافات: (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) (الصافات: ١٧٥) ثم قال: (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) (الصافات: ١٧٩)، يسأل عن الضمير المفعول وثبوته أولا في قوله: (وأبصرهم) وسقوطه ثانياً في قوله (وأبصر)؟ وعن وجه التكرار؟ والجواب عن ذلك: أن التكرار تأكيد وتشديد في الوعيد، وتناسب ذلك بين مألوف في كلام العرب، وأما سقوط الضمير في الثاني فيحرز عموماً لهم ولغيرهم في الوعيد لأن قوله: (وأبصرهم) المراد به أمره، ﵇، بأن يترقب ما ينزل (بهم) ويحل بساحتهم من الانتقام، وإعلامه ﷺ ، في بكفايته إياهم كما قال تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر: ٩٥) فكان كذلك، وقال تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر: ٤٥)، ففعل بهم ذلك يوم بدر، فقدم (الله) سبحانه تأنيس نبيه، ﵇، بإخباره إياه في هذا الوعيد (لهم) بأخذهم وقطع دابرهم، ثم أردف هذا الوعيد بوعيد ثان فيه عموم يشملهم ولا يرجع عن تناول غيرهم ممن سلك مسلكهم، ويشعر بحاله هو، ﵇، وحال من أذعنواستجاب له فقال: (وأبصر) أي ترقب ما أفعل لك من تأييدك ونصرك وجزائك الأخراوي وجزاء من آمن بك بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وما أفعل بمن عاداك وعاندك ممن باشرك بتمرده وطغيانه أو بعد عنك، من أخذهم وقطع دابرهم ووبيل جزائهم الأخراوي، هذا مفهوم لا يرجع إطلاق قوله: (وأبصر) عن عطائه وتعميمه، ذلك كله مما يعتضد من مواضع أخر، وتأمل ما فعل سبحانه بكسرى حين مزق كتابه ﷺ تمرداً وطغياناً وإن لم يباشره، لما جاوز حد كفره إلى التمرد والطغيان مُزق هو وآله كل ممزق. أما قوله: (وأبصرهم) فخاض التناول للمباشرين لمكان القييد بإعمال الفعل في ضميرهم، فهو وإن تناول أخذهم في الدنيا وتمكين نبيه والمسلمين منهم، ثم عقابهم

стр. 407

الأخراوي ليبلغ بالتهديد والوعيدأقصى ما يحتلمه، فإنه لا يتعداهم إلى غيرهم وأما قوله (وأبصر) بإطلاق الفعل عن التقييد فقابل غير ممتنع عن تناولهم ومن سواهم من كل من خالفه، ﵇، وعاداه، ومقتضى الوعيد لهم ومقصود بشارته له، ﵇، يحبذان أن إطلاق الأمرين وتعميم الطرفين من الوعيد والبشارة، فقد وضح أنه لا تكرار في الحقيقة، بل ورد ذلك كله على ما يلائم ويناسب، وعبر عن ذلك كله بعبارة الإبصار إشعاراً بقربه، فكأنه بمنزلة المعاين المدرك بالبصر لتعجيل الدنياوي منه وتحقيق وقوع الأخراوي وتقنه، فكل هذا على أوضح مناسبة والله أعلم. *****

стр. 408

سورة ص الآية الأولى منها - قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (ص: ٤) وفي سورة ق: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) (ق: ٢)، للسائل أن يسأل عن ورود قوله في ص: (وَقَالَ الْكَافِرُونَ) بواو النسق وفي سورة ق بفاء التعقيب والإخبار عن حالهم واحد؟ والجواب - والله أعلم - أن آية ص وردت مورد الإخبار بمرتكبات من أفعال كفار العرب وأقوالهم فجيء بتلك الجمل منسوقاً بعضها على بعض، فأخبر تعالى أنهم في عزة وشقاق، وأنهم عجبوا أن جاءهم منذر منهم ولم يكن من الملائكة كما قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا) (الفرقان: ٢١)، وأنهم رموه بالسحر والكذب، وتعجبوا من جعله الآلهة إلهاً واحداً، وأنهم تمالؤوا على قولهم: (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ)، وأنهم قالوا: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) (ص: ٧) أي في ملة عيسى، ﵇، ومن هذا قولهم في إخبار الله تعالى عنهم: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) (الزخرف: ٥٨)، وتحريهم على الإفصاح بمرتكب النصارى في التثليث، وأنهم أقرب الملل إليهم وآخر من تقدمهم وهم مثلثون، فكيف تجعل أنت يا محمد الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب، فجعلوا ما جاء به اختلافاً وتقويلاً، إلى ما ارتكبوه من هذا، فلما قصد هنا الإخبار بجملة مرتكباتهم جاءت منسوقاً بعضها على بعض بالواو التي لا تقضي ترتيباً ولا تعقيباً. وأما آية ق فمقصود بها التعريف بتعجبهم من البعث الأخراوي واتسبعادهم إياه، ولم يقصد هناك غير ما قصده، ألا ترى إقامة الدلالة عليهم باعتبار خلق السماوات، وتزيينها بالنجوم، وإحكام صنعها، ومد الأرض، وإرسائها بالجبال، وإخراج أصناف النبات، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الجنات وضروب الحبوب والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد، ثم قال: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: ١١)، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الأنبياء: ١٠٤)، (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (يس: ٨١)، فلما كان قولهم: (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) مبيناً على ما جاءهم به، ﵇، وأعلمهم من البعث بعد الموت جعل الأول - أعني مجيئه، مخبراً بذلك - سبباً في

стр. 409

تعجيزهم فربط فيه بالفاء، أي عجبوا من البعث بعد الموت فقالوا كذا، فجيء لكل بما يحرزه، ولم تكن الفاء لتقع هناك، ولا الواو لتقع هنا، بل ورد كل على ما يجب، والله أعلم. الآية الثانية من سورة ص - قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ) (ص: ١٢ - ١٣)، وفي سورة ق: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ) (ق: ١٢ - ١٤)، للسائل أن يسأل عن وجه ورود هاتين الآيتين في السورتين على خلاف الترتيب المتقرر من ذكر الرسل وأممهم وما جرى بين الرسل والأمم في سورة الأعراف وهود والشعراء؟ ثم عن وجه الخلاف الوارد في سياق آيتي صاد وقاف من جهة الترتيب في السورتين؟ ووجه اختصاص كل واحدة منهما بما ورد فيها؟ وتعقيب آية ص بقوله: (فَحَقَّ عِقَابِ) (ص: ١٤) وآية ق بقوله: (فَحَقَّ وَعِيدِ) (ق: ١٤)؟ فهذه أربعة أسئلة. والجواب عن ذلك - والله أعلم: عن الجملة أن الوارد في السور الثلاث مقصود فيه إخبار الله تعالى نبيه ﷺ بما كان من الرسل المذكورين مع أممهم تثبيتاً لفؤاده ﷺ وتأنيساً، قال تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: ١٢٠)، فذكر أنباءهم، ﵇، على الترتيب في أزمنتهم وإرسالهم، أما سورة ص وسورة ق فلم يُبين ما ورد فيهما على ذلك القصد، وإنما بناء ما في السورتين من ذلك على تسليته ﷺ فيما كان يكابده من عتاة قريش وكفار العرب في توقفهم عن الإيمان، فجرد لهذا القصد ذكر عتاة قريش وكفار العرب في توقيفهم عن الإيمان، فجرد لهذا القصد ذكر عتاة المكذبين وأخذه سبحانه إياهم، وقيل له، ﵇، تعريفاً بمآل كفار قريش: (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) (ص: ١٥) مخالفاً لإيراد ما في هاتين السورتين ما تقدم في غيرهما لاختلاف المقاصد، وجاء في كل واحدة منهما من الترتيب ما يلائم ويناسب على ما تبين بحلول الله تعالى. فإن قيل: فإن سورة الحج ورد فيها ذكر الأمم السالفة المكذبين في قوله تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ .... ) (الحج: ٤٢ - ٤٤) فجرد ذكرهم عن ذكر الرسل إخباراً بمجرد تكذيبهم وأخذهم كما في سورة ص وسورة ق، وقد وردت

стр. 410

علي الترتيب الوارد في السور الثلاث، فقد خالفت مقصود ما في تلك السور، ثم جرت على ما فيها من الترتيب، فما الفرق بينهما وبين هاتين السورتين؟ قلت: الفرق بينهما أن مقصد آية سورة الحج الإخبار بتكذيب أولئك الأمم وأخذهم تسلية لنبينا صلى الله علية وسلم من غير زيادة لما تعرضت لة آية ص وآية ق، وأما هاتان الآيتان فقد انجز فيهما مع ذكر التكذيب والأخذ التعريف بتعزز عتاة قريش ومن وافقهم وذكر شقاقهم. وقبيح ردهم وتعاميهم عن النظر في الآيات والاعتبار بما نصب منها في الأرض والسماوات، فلهذا المنجر هنا انفردت سورة ص وسورة ق بالوارد فيهما من الترتيب عن سورة الحج. فإن قلت: فإذا اجتمعت السورتان فيما ذكر فما وجه اختصاص كل واحدة منهما بما خصت به عن أختها من الترتيب؟ قلت: أما آية ص فوجه اختصاصها بما ورد ترتيبها عليه أنه سبحانه لما وصف كفار قريش والعرب بالاعتزاز والشقاق في قوله: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) (ص: ٢)، ثم أعقب بذكر القرون المهلكة في قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) (ص: ٣)، ثم أعاد ذكرهم مفصلا قرنا قرنا وأمة أمة، كان الأنسب لما قدم من ذكر عتو كفار العرب وشقاقهم ذكر أعتى القرون من الأمم وأجرمهم، فذكر قوم نوح من حيث لم يجد عليهم نكرار الإنذار مع طول الأمد، قال تعالى مخبرا عن طول مدتهم وبعد إجابتهم قال نوح: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) (نوح: ٥ - ٦)، إلى قوله: (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (نوح: ٧)، إلى دعائه، ﵇، عليهم عند قطع رجائه منهم بقولة: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) (نوح: ٢٦ - ٢٧)، إلى ما وصفهم سبحانه به وأنه لم يؤمن منهم مع نوح إلا القليل، فوجود ما تحلت به عتاه قريش ومتمردو كفار العرب من العزة والشقاق في قوم نوح أوضح شيئ، ثم اتبع ذكرهم بدعاء عاد الموصوفين بالقوةوالطغيان القائلين: من أشد منا قوة، والقائلين لنبيهم ﵇: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) (الشعراء: ١٣٦)، إلى قوله: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (الشعراء: ١٣٨)، ثم اتبع بذكر فرعون ذي الأوتاد، والمراد هو وآله وقومه. وقد تكرر في القرآن مع ذكر فرعون وعلوه في الأرض وطغيانه مع ما أوضح شنيع مرتكبة وبعد شقاقه، ثم اتبع بمن ذكر بعدهم مراعي في ذلك مناسبة ما قدم، ثم ذكر اجتماعهمفي موجب تمردهموعتوهم وهو تكذيبهم للرسل، فقال تعالى: (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) (ص: ١٤) ثم أعاد الكلام إلى كفار قريش والعرب المبدو بهم والمنبهين لو تنبهوا بأخذ من عاند وكذب ممن تقدمهم فقال: (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) (ص: ١٥)،

стр. 411

أي إنهم إن تمادوا على شقاقهم فلا فرق بينهم وبين ما تقدمهم من هؤلاء القرون (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ) (الرعد: ٦)، (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ) (يونس: ١٠٢)، ثم أتبع سبحانه بذكر شنيع مرتكبهم في استعجالهم العذاب وقولهم: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (ص: ١٦)، فأنبأ تعالى باستحكام كفرهم وتكذبيهم واستهزائهم الموجب لتعجيل أخذهم، ثم أنصرف الكلام إلى أمره سبحانه نبيه ﷺ بالصبر على معاندتهم وردي مقالتهم، وتذكر أخيه داود والاعتبار بأمره، وتسخيره سبحانه له الجبال، وحشره له الطير منقادة إلى أمره، وإلانته له الحديد، وقلوب الآدميين أهين وأقرب، فلو شاء لهدى هؤلاء كما سخر الجبال لداود (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (السجدة: ١٣) وهذا وجه ذكر داود، ﵇، هنا، لا ما قاله الزمخشري، وقد تقدم (الإيماء) إليه عند قوله تعالى في سورة طه: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) (طه: ١٣٠) ويستوفي عقب هذا بحول الله، فهذا وجه اختصاص آية ص بما ورد فيها من الترتيب في ذكر القرون المهلكة بتكذيبها. وأما آية ق فوجه الوارد فيها من إتباع ذكر قوم نوح بذكر أصحاب الرس ومخالفة الوارد في سورة ص، إن آية ق قد انفردت عن آية ص بما قصد فيها مفصحاً به، من ذكر تعامي كفار قريش والعرب عن النظر في خلق السماوات والأرض، والاعتبار بمن تقدمهم من الأمم، وأخذهم بتكذيبهم، ففي آية ص ذكر تجبرهم وشقاقهم وطغيانهم، وفي ق ذكر تعاميهم عم الاعتبار والنظر، فبدأ سبحانه بتذكيرهم بذكر حال السماء وإتقانهم فقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا) (ق: ٦) إلى قوله: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: ١١)، والمراد أنهم لو وقفوا فأمعنوا النظر في بناء السماء، وتزيينها بما جعل تعالى فيها من نجومها، وسلامتها من فطور أو فروج، وفي امتداد الأرض وإرسائها بالجبال، وإنبات ما فيها من كل زوج بهيج، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الجنات وحب الحصيد والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد، وإحياء البلاد الميته، وتكرر ذلك عليها، فلو اعتبروا بهذا لاستوضحوا العودة والبعثة، الأخراوية (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: ١١)، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الأنبياء: ١٠٤)، فلما ذكرهم سبحانه بخلق السماوات والأرض أعقب ذلك تتميماً جارياً على التذكير المتكرر في الكتاب بذكر القرون السالفة المهلكة بتكذيبها فقال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) (ق: ١٢)، ولما (بني) (ما) تقدم من الاعتبار على الإشارة إلى الاستيفاء (في عجائب الأرض والسماء، ناسب ذلك بناء ذكر من نبه عليه ممن هلك

стр. 412

(بتضييع) نظره واعتباره على الاستيفاء)، فذكر طرفان ليحصل حصر من بينهما أمة ممن تقدم وهم قوم نوح وأمة ممن تأخر وهم أصحاب الرس، ليحصل ما بينهما بإشارة الطرفين كما قال سبحانه في سورة الفرقان: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا) (الفرقان: ٣٨)، وهذه الآية وآية ق مشيرتان إلى تأخير أصحاب الرس عن كل من ذكر في الفرقان من الأمم المهلكين بتكذيبهم ممن عين ذكره، والله أعلم. وقد اختلف المفسرون في أصحاب الرس، والواقع في مختلف أقوالهم في ذلك ثمانية أقوال، ومن جملتها أنهم أصحاب الأخدود، وقيل كانوا قوماً قتلوا نبيهم ورموه في بئر لهم، زاد بعضهم أنه كان اسم نبيهم حنظلة، وقيل هم من قوم شعيب، ﵇، وقيل غير ذلك، والمقطوع به ما نطق به القرآن من وجود قرون كثيرة بين قوم نوح وأصحاب الرس، ويظهر من هذا الوارد في سورة ق أن مقصود الآية من استيفاء القرون المأخوذين بتكذيبهم غير وارد في غيرها، ألا ترى أنه قد أفصح فيها بثمانية قرون منصوص عليها، وهم قوم نوح، وأصحاب الرس، وثمود، وعاد، وفرعون، وأخوان لوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبع والمراد هو وقومه، ولم يرد في أوفى المتكرر من الكتاب العزيز غير سبعة. والأكثر ستة، فدل على قصد الاستيفاء في هذه السورة على كل حال، فقد ورد قوم نوح وأصحاب الرس طرفين لمن بينهما من القرون، ومقصود بهما - والله أعلم - استيفاء ما بينهما، إشعاراً، (في هذه الورة وإفصاحاً بكثرة من بيمهما بقوله في سورة الفرقان (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا) (الفرقان: ٣٨). وأما الوارد بعد الطرفين في سورة ق من ذكر ثمود وعاد ومن ذكر بعد، فقد يكون - والله أعلم - من قبيل ما ورد في القرآن ممن شمله لفظ متقبل غير مصرح ثم نص عليه اعتناء واهتمام مع كونه قد ضمه ذلك اللفظ المتقدم، كقوله تعالى: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) (البقرة: ٩٨) بعد دخولها تحت لفظ الملائكة، وعلى كل حال فأصحاب الرس متأخرون عن قرون كثيرة بعد قوم نوح بنص القرآن، والله سبحانه أعلم. فلما ورد هنا ما يشير إلى الاستيفاء بالاعتبار بهم جرياً مع ما تقدم من استيفاء الاعتبار بعجائب الأرض والسماء قدم ما يحصل بتقديمه ما اشير إليه من الاستيفاء، ولم يكن القصد هنا ما قصد في آية ص، فجاء كل على ما يجب، والله أعلم. وأما المعقب به كل واحدة من الآيتين من قوله في سورة ص: (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) (ص: ١٤)، وقوله بعد آية ق: (فَحَقَّ وَعِيدِ) (ق: ١٤)، مراعي في

стр. 413

ذلك فواصل (في كل من السورتين وإلا فالعقاب والوعيد حق على كل من هؤلاء المكذبين، فإنما روعي الفواصل)، فقوله قبل آية ص: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) (ص: ٨ - ٩)، واستمرت وفاصل الآي هكذا إلا ما بعد الآية فاستجعى ذلك مناسبة الآية المتكلم فيها فقيل: (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) (ص: ١٤)، وأما آية ق فوسب بها أيضاً ما تقدم من قوله: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) (ق: ٩) ثم قال: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) (ق: ١٠) وورد أيضاً في الفواصل بعدها: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) (ق: ١٥)، إلى بضع عشرة آية جارية في مقاطعها على ما ذكر، فناسب ذلك قوله: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) (ق: ١٤) وجاء كل على ما يناسب، وذلك واضح. الآية الثالثة من سورة ص: غ - قوله تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ *اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص: ١٦ - ١٧) وفي سورة الأحقاف: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف: ٣٥) وفي سورة القلم: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) (القلم: ٤٨)، ورد في هذه السور الثلاث أمره ﷺ بالصبر، محالا في الأولى عل الاعتبار بحال داود وأبنائه وفي الثانية: على أولي العزم في أهتدائه وأقتدائه، وفي الثالثة منبهاً بالجار لذي النون في مغاضبته وندائه، والمتردد في غير هذه الآي إنما هو أمره، ﵇، فاصبر غير مناط بذكر أحد من الرسل، كقوله تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) (النحل: ١٢٧)، وكقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الكهف: ٢٨)، وقوله: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) (ق: ٣٩)، وقوله: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) (الطور: ٤٨)، إلى غير هذا من الآي، فللسال أن يسأل عن وجه ذلك؟ وعن اختصاص كل سورة من الثلاث بما ورد فيها إذ ليست الإحالة فيها على حد سواء؟ فهذان سؤالان. والجواب عن السؤال، والله أعلم: أن تكرر أمره، ﵇، بالصبر في الآيات المترددة على كثرتها أدل دليل على الاعتناء به ﷺ لعظم أمر الصبر وشدة الحاجة إليه في كل مطلب ديني من أخذ أو ترك، ولهذا قال ﷺ في صفته: " الصبر ضياء"، وقال تعالى في قصة أيوب وحال أبتلائه: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ) (ص: ٤٤) وقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: ١٠)، وقال تعالى:

стр. 414

(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ١٠) وقال تعالى: (وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (القصص: ٨٠)، وأحوج الخلق إلى الصبر الرسل، ﵈، لعظم ما يلقونه من مكابدة الخلق، فلشدة الحاجة إلى الصبر ما تكرر في عدة آيات أمراً له ﵇، ولأمته. والجواب عن السؤال الثاني: أن أمره، ﵇، بالاقتداء بالرسل قد ورد وتكرر في غير أية، وتردد أيضاً أمره بالاقتداء بأبيه إيراهيم، ﵉، لعظم مقام إبراهيم وجليل خلته وابوته وتنبيهاً للعرب لرجوعهم إليه انتساباً وإعترافهم مقرين بتعظيمه. وأما تخصيص السور الثلاث بتعيين ما ورد فيهما فلما نذكره من الوجه الحامل والمناسبة في النظم، أما سورة ص فوجه إختصاصها فيها إلتئام نظم الآية بما تقدمها، وإرتباط قوله تعالى فيها: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) (ص: ١٧)، بما اتصل به من قوله (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) بيان النظم في ذلك وإلتئامه أوضح إلتئام، إن الله سبحانه لما ذكر حال العتاة من كفار قريش وشنيع مقالهم لنبيه، ﷺ ، من لدن قولهم (سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (ص: ٤) إلى ختمهم ما ذكر تعالى من سوء مراجعتهم بقولهم إستهذاء وتكذيباً: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (ص: ١٦) أتبع ذلك ملاطفة وتأنيساً لنبيه، ﷺ ، بقوله: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) (ص: ١٧) (تذكيراً له بأن الجاري من ذلك إنما هو على ما شاءه لهم في أزله وقدره عليهم، فليس خارجاً عن إرادته، فكأنه يقول لنبيه، ﵇، أصبر على ما) يرد منهم وما يقولونه فإنه مرادي منهم في سابق قدري، ولو شئت لهديت قلوبهم وسخرتها لإجابتك، فقد سخرت الجبال مع داود والطير وإلنت له الحديد وقبل الادمي ألين وأقرب: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) (السجدة: ١٣) فإذا علمت أن قلوبهم بيدي اقلبها كيف شئت، فأصبر على ما يقولون، واعتبر بما سخرته لداود وأقتد لما منحته من الايد والقوة، فهذا وجه النظم والارتباط في هذه الآي، والله أعلم. وقد تعرض أبو الفضل بن الخطيب في تفسيره الكبير لتوجيه النظم فيما قدمناه فقال: إن قيل أي تعلق بين قوله تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ): ((وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) قولنا: من وجوه. الأول: كأنه قيل: إن كنت قد شاهدت من هؤلاء الجهال جرائتهم على الله وإنكارهم الحشر والنشر فذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله ومن يوم الحشر فإنه بقدر ما يزداد أحد الضدين شرفاً يزداد الأخر نقصاناً. أنتهى معنى كلامه. قلت وهذا الذي حكاه ضعيف، لأن هذا الكلام يثمر التعجب من فعل الله سبحانه ولا يثمر تسلية ولا تأنيساً وهما أنسب في الموضع وذكر وجهاً ثانياً وهو أنه كأنه قيل لنبيناً، صلى

стр. 415

الله عليه وسلم: ولا يضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم إن خالفوك فالأكابر من الأنبياء موافقوك، قلت: وهذا أضعف من الاول، لأنه، ﵊ إنما يأنس بمصداقية من امته، وأيضاً فقد كان ذكر إبراهيم لو قصد هذا الغرض من الموافقة أنسب لتعظيم العرب إياه وللاتفاق عليه ولعظم خلته، وذكر وجه ثالثاً وهو أن الخصمين الذين دخلا على داود، ﵇، كانا من البشر، وإنما دخل عليه بقصد قتله، فخاف داود ومع ذلك لم يتعرض لإيذاهما ولا دعى عليهما بل استغفر لهما، فأمر نبيا ﵇ أن يقتضي به في حسن الخلق. قلت: وهذا ضعيف كالذي قبله، وذكر الأمام أبو الفضل غير هذه الوجوه مما دون هذه في القوة ثم أعقب هذا بأن قال: ولي هنا وجه آخر أقوى وأحسن من كل ما تقدم، ثم أعتمد في هذا التوجيه على أن قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) ليس مما تقدمهم، وإنما هو وجه اتصاله به، وأن العقلاء قالوا من ابتلي بخصم جاهل مقر متعصب وراءه قد خاض في التعصب والاقرار وجب عليه أن يقطع الكلام معه في (تلك) المسئلة، لأنه كلما كان خوضه في تقريره أكثر كان بعده عن القبول أشد، فالوجه حين إذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسئلة، وأن يؤخد في كلام آخر أجنبي عن المسئلة الأولى (بالكلية، ويطنب في ذلك الكلام الاجنبي، فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبي ونسي تلك المسئل الأولى) أدرك له أثناء الكلام في هذا الفصل الأجنبي مقدمة تناسب ذلك المطلوب الأول، فيحصل عن ذلك تسليم المتعصب لهذه المقدمه، لذا اسلمها فحين إذ يتمسك بها في (ثبات) المطلوب الأول، فيتمكن من إنقيادة ويرجى رجوعه إلى ما طلب به أولاً، هذا معنى ما أرده أبو الفضل في هذا الفصل، ثم أشار إلى أن المدرج في هذا الكلام من المقدمة المناسبة إلى المطلب الأول لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا) (ص: ٢٧)، إلى قوله: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩) قلت: وعندي أن ما ذكره من هذا وأن العقلاء قالوه، إن كانت العرب تفعله ويعرف من كلامها إرتكابه فإن ما يكون - والله أعلم - على أوضح وأنسب مما ذكره، والذي اراه جارياً على هذا المنهج الذي آراه - والله أعلم - قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) (ق: ١ - ٣) فهذا إنكار منهم للبعث الأخراوي واستبعاد، وهو نحو من الوارد في سورة ص، فأعقب تعالى ذلك بقوله مما يشبه الالتفات، وهو الذي زعم أبو الفضل أن العقلاء يرتكبونه عن لوز الخصم والأخذ فيما هو كالأجنبي، فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا

стр. 416

مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (ق: ٦ - ٧) إلى قوله في ماء السماء: (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: ١١)، فبعد العدول عن جوابتهم في قولهم: (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) وذكر اختلاطهم المسبب عن تكذيبهم وتجبرهم المعبر عنهم بقوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) (ق: ٥) أي مختلط، صرف تعالى الكلام إلي نبيه ﷺ والمؤمنين فقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ) (ق: ٦) إلى قوله: (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) (ق: ١١) وذلك كله مدرك مشاهد لهم، لا يمكنه التوقف في شيء منه، ولا حفظ عنهم إنكاره، فعند تكرر هذا قال تعالى: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) فهذا - والله أعلم - أقرب فيما ذكره أبو الفضل فزعم أن العقلاء يرتكبونه. وأما الوارد في سورة ص فيبعد - والله أعلم - أن يكون من هذا، ثم أن القول بأن الوارد في سورة ص من قوله: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) أجنبي عما قبله، وغير مناسب البته، وأنه إنما أوتي به لما ذكر من شغل الخصم المتعصب عن ذلك الوجه الذي ذكر بعيد بالكلية، وإن ورد شيء مما يمكن أن يقال أنه من ذلك الضرب فلا أنسب أن يكون منه الوارد في سورة ق لا الوارد في سورة ص، وإذا تأملته وضح لك ذلك، وأن الوجه في نظم الكلام ماقدمته أولاً وهو مما لا غبار عليه، والله أعلم. وقد تعرض الزمخشري لما تقدم في هذا الآي، فأجاب عن ذلك بما جرى فيه على شنيع المرتكب وسوء الأدب، بناء على استبداد العبيد، وفعلهم ما لا يرضاه الخالق سبحانه ولا يريد، فجعل لله شركاء، وأفرد العباد بأفعالهم واستبداداً أو ملكاً، فأجاب بناء على ما اتصل، وما وفق في هذا الموضوع لوجه المطابقة ولا حصل، فإن قلت كيف تطابق قوله: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) حتى عطف أحدهم على صاحبه؟ ثم (قال): قلت: كأنه قال لنبيه ﷺ ، اصبر على ما يقولون، وعظم امر معصية (الله) في أعينهم بذكر قصة داود، وهو أنه نبي من أنبياء الله تعالى قد أولاه ما اولاه من النبوة والملك لكرامته عليه ورأفته لديه، ثم ذل ذله فبعث الله الملائكه ووبخه عليها على طريق التمثيل والتعريض، حتى فطن لما وقع فيه فاستغفر ربه، وأناب، ووجد منه ما يحكي من بكاءه الدائم. وغمه الواصب، ونقش جنايته في بطن كفه حتى لا يزال مجدداً للندم عليها، فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم؟ أو قال له ﷺ : اصبر على ما يقولون، وصن نفسك، وحافظ عليها إن تذل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل آذاهم، وأذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف ذل تلك الذلة اليسيرة فلقي من توبيخ الله ونسبته

стр. 417

إلى البغي ما لقي. انتهى جوابه. وقد اجتمع فيهم مخالفة الصواب والبعد عن المطابقة فإن تعظيم معصية الله، كما قال الزمخشري - فذكر قصة داود لقوم غير مؤمنين بأحد من الأنبياء فالتذكير بذلك لمن يقول استهزاء وكفراً: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (ص: ١٦) فتذكيرهم بهذا مع ذكر الأنبياء بلفظ الذلل أقرب شيء لاستمرارهم على الاستهذاء (والكفر) مع عصمة الأنبياء عما وقع عليه الذلل حقيقة. ثم قوله في الجواب الثاني عن داود، ﵇: أنه لقي من توبيخ الله وتظليمه ونسبته للبغي، هذا كله خلف من المرتكب واطلاق لا يجوز في حق الأنبياء، فقد جمع جوابه سوء الادب وشنيع المرتكب والبعد عن المطابقة، والذي جوابنا به لا غبار عليه ولا توقف في مطابقته، نسأل الله سبحانه أن ينفعنا بذلك يوم تبلى السرائر. ******

стр. 418

سورة الزمر الآية الأولى منها - قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر: ٢ - ٣)، وقال فيما بعد: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ) (الزمر: ٤١)، للسائل أن يسأل عن قوله أولاً: (إليك) وثانياً (عليك) وهل بينهما فرق يوجب خصوص كل واحدة من العبارتين بمكانها؟ والجواب: أن (إليك) وعليك) هنا مترادفتان على معنى واحد من معنى الخطاب، فتارة يراعى وصول المنزل بواسطة المَلك، وتارة يراعي وصوله من عند الله سبحانه من غير واسطة، فإذا روعي هذا قيل عليك، وإذا روعي الأول قيل إليك، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) (البقرة: ٤)، وقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) (الكهف: ١)، والأول أكثر فبدئ هنا به. ثم إنه ورد في الآية الثانية: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ)، واللام الجارة في قوله (للناس) تفيد الاختصاص وترادف كثيراً لفظة: (إلى)، تقول الأمر لزيد والأمر إلى زيد، قال تعالى: (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ) (البقرة: ٢٧٥)، وقال: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) (آل عمران: ١٥٤)، فلو وردت الآية الثانية بإلى فقيل: إنا أنزلنا إليك الكتاب للناس، لكان ذلك كالمرادف لقوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب إلأى الناس، وكان يكون فيه إيصال الفعل إلى مجرورين بحرف واحد، وليس أحدهما معطوفاً على الآخر، والعرب لا تقضي الفعل مما يطلب إلا واحداً، فلا تقضيه ظرفي زمان بغير حرف تشريك، ولا ظرفي مكان، ولا تقضي مفعولين لفعل متعد إلى واحد، ولا ثلاثة مفعولين لمتعد إلى مفعولين إلا على طريفة البدلية، ولا يصح ذلك في الآية، أو على التشريك بحرف العطف، وليس ذلك في الآية أيضاً، فجيء بالآيتين على ما يناسب ويلائم، والله أعلم. الآية الثانية من سورة الزمر قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (الزمر: ١١ - ١٢)، للسائل أن يسأل لم عُدي الفعل الذي هو أمرت أولاً بغير حرف جر ثم عدي ثانياً في قوله: (أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ) بحرف الجر؟

стр. 419

والجواب عن ذلك: أن العرب تقول: أمرتك الخير وأمرتك بالخير، فعدي هذا الفعل بنفسه وبحرف الجر، وهو الأصل فيه، والحذف فصيح كثير، ويلحق إذ ذاك بباب أعطى وكسا في أحكامه، ومنه: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب والآية من قوله: (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) مثل البيت، وإذ تقرر هذا فمفعول أمرت الأول - وهو الضمير - مقام مقام الفاعل، والثاني أن يكون وصل الفعل إليه بنفسه، والأصل بأن أكون. وأما قوله: (أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ) فأقول إنه محذوف منه حرف الجر كالأول، تقديره: وأمرت بأن أكون، فحذف منه حرف الجر الذي هو أصل الفعل أن يصل به وهو الباء، وأما اللاّم في: (لِأَنْ أَكُونَ) فمبقاة من محذوف يفهمه سياق الكلام مع الحرف المبني من، تقديره: وأمرت لعلمي أولاً أن أكون أول المؤمنين. ألا ترى أن الوارد في الآيتين أمران: أولهما عام والثاني خاص، لأن أمره، ﵇، بالعبادة والإخلاص أمر له ولأمته. قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: ٥)، فالآية من قبيل ما توجه فيه الخطاب له ﵇ والمراد هو وأمته، والخطاب يأتي كذلك، ويأتي أوله خاص وآخره عام. ومنه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) (الطلاق: ١)، وإذا ورد بصورة الخصوص به كان أمراً ونهياً فأمته داخلة معه في ذلك الحكم ما لم ينص على خصوصه كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) (الأحزاب: ٥٠)، فحكمه، ﵇، وحكم أمته في هذا واحد، ثم قال تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الأحزاب: ٥٠)، فأفرده سبحانه بجواز الموجوبة بالنص على ذلك، ولولا قوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) لكان حكم أمته في ذلك كحكمه، وإذ تقرر هذا فقوله: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) أمر خاص به، ولا يشركه فيه غيره، ونظير هذا قوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) (الأنعام: ١٤)، والمعنى يحرز ذلك، بل لا يمكن خلافه، وذلك أن (الحكم من الأمر والنهي إذا جاء به المَلَك وتلقى منه ﷺ ما خوطب به وصدق به وأسلم وجهه لربه وبعد ذلك يتلقاه منه، ﵇، من حضره وخاطبه به، ولا طريق

стр. 420

لأحد أن يتلقى حكماً إلا منه، ﵇ بعد تلقيه هو ذلك من جبريل، فهو، ﵇، أول مؤمن وأول مسلم، ولا تمكن تلك الأولية لغيره، ولا نسبة إليها لأحد فقد وضح وجه دخول هذه اللام في قوله له: (لِأَنْ أَكُونَ). الآية الثالثة من سورة الزمر قوله تعالى: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) (الزمر: ٢١)، وفي سورة الحديد: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) (الحديد: ٢٠)، فورد هنا: (ثم يكو) وفي الأولى: (ثم يجعله) مكان (ثم يكون) فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ وهل كان يمكن أن يرد في الأولى: (ثم يكون) وفي الثانية (ثم يجعله)؟ والجواب، والله أعلم: أنه لا يناسب كلا من الموضعين إلا ما ورد فيه، ولا يجوز على رعي التناسب اللازم رعيه في الكتاب العزيز غير ما ورد عليه الموضعان، ووجه ذلك أن آية الزمر وردت مورد التنبيه على الاعتبار، وبالنّصية على ذلك افتتحت الآية فقال تعالى خطاباً لنبيه ﷺ ، والمراد هو وأمته: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) (الزمر: ٢١)، والمراد به المطر، فسلكه ينابيه في الأرض أي أنقذه وأراه في الأرض فبرزت عيونها وجرت مياهها من تلك المادة السماوية (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ) (البقرة: ٧٤)، فيخرج به سبحانه الزرع المختلف الألوان والطعوم المتباينة: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) (الرعد: ٤)، (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) (الزمر: ٢١) فنسب سبحانه كل حالة من تقلبات الزرع إلى نفسه، وتنقلاته من لدن خروجه ونباته وما بعد ذلك إلى تخلصه إلى نفسه، إذ لا طمع لمخلوق في إعادة شيء من ذلك، ثم قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (الزمر: ٢١)، فافتتحت الآية واختتمت بالتنبيه على الاعتبار، فلما كان مبناها على ذلك ناسب نسبة الفعل إليه تعالى فقال: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ). وأما آية الحديد فوردت مثالاً للدنيا وابتداء غرورها، وصغو الكافر الغافل إلى ذلك، وإرعاضه عن سرعة تقلبها وزوارها وفنائها، فلما قصد هنا المثال ناسب هذا المقصود قوله: (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، إذ لم يتقدم في أول الآية النسبة للفاعل اكتفاء بما هو غير خاف على كل ذي عقل سليم، فجرى آخرها على ما يجري عليه أولها، كما جرى في آية الزمر (من آخرها من التنبيه على ما جرى عليه أولها، وتناسب ذلك كله، وورد على ما يجب، ولم يكن بناء على ما صدرت به كل آية منهما أن يكون في آية الزمر): (ثم يكون) ولا في آية الحديد: (ثم يجعله)، بل ورد كل على ما يناسب، والله أعلم. الآية الرابعة من سورة الزمر قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا

стр. 421

كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزمر"٤٨)، وفي سورة الجاثية: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) (الجاثية: ٣٣)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية الزمر بقوله: (ما كسبوا) وآية الجاثية بقوله (ما عملوا) مع أن المقصد في الموضعين واحد وهو أنه لم يغب من أعمالهم السيئة شيء؟ والجواب عنه، أن العمل أعم من الكسب لأن الكسب واقع على ما للإنسان فيه تعمل وعلاج، وقد يطلق على غير الإنسان إذا كان الواقع منه ذلك حيواناً يصح منه القصد كالجوارح المعلمة وشبهها، ومنها قوله: وتجر مجرية لها لحمى إلى أجر حواشب وأجر جمع جرو، وأما العمل فيقع على ذلك وعلى ما جرى من فاعله وإن لم يكن منه قصد ولا تعمل ولا هو فاعل حقيقة، فيطلق على ما لا يطلق فيه الكسب، ومنه بيت الكتاب: حتى شآها كليل موهناً عمل باتت طراباً وبات الليل لم ينم فوصف البرق بأنه عمل، ومقصود الآية أنه بدا لهم كل ما كان منهم على الاستيفاء، لأنه إخبار موعظة وتهديد وإشعار بالوعيد، فيناسبه ما يجري في المناقشة. وإذا كان المعنى على ما ذكرنا فالمطابق لهذا ما ورد في الجاثية من التعبير ببدأ والعمل، وعلى هذا ورد قوله في سورة النحل وعيد للمقول فيهم: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ... ) (النحل: ٣٣) ثم قال: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) (النحل: ٣٤)، ولم يرد هنا: (ما كسبوا) لأنه من قصد التوسعة (والاستيفاء) (مما يبدون من أعمالهم ويظهر الاستيفاء لذلك)، وكذلك الوارد في الجاثية، وإذا وضح هذا بفينبغي السؤال عما ورد في سورة الزمر، ولم عدل به عن هذا فقيل: (ما كسبوا)؟ والجواب عنه، والله أعلم: أنه إنما ورد تتمة لما تقدمه من قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: ٤٧)، فقوله: (مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) يتناول ما قدموه من سيئ أعمالهم غافلين عنه وناسين إياه، كان مما قصدوه فيه أنفسهم أو دون ذلك فقد حمل من هذا مع بعده ما تحصل من قوله: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا)، وكان قوله مع ذلك: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) كالتتمة المؤكدة ومتناولاً ما قصدوه وأعملوا أنفسهم

стр. 422

فيه، حصل من مجموع ذلك المكتسب وغير المكتسب، فلا فرق بين آية الزمر وآية الجاثية. ولو قيل في آية الزمر: (ماعملوا) لكان تكراراً لأن ذلك حاصل مما قبلها، ولو قيل في آية الجاثية (ماكسبوا) لما كان وافياً بما بينا قبل أنه مقصود الكلام، فتبين خصوص كل من الواردين بموضعه، وأن عكس الوارد لا يمكن. فإن قلت: ما الوجه هنا من قوله: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: ٤٧)؟ تلك هي نكرة موصوفة كقولهم: مررت بما معجب لك. وإذ ذاك يحرز ما تقرر من المعنى بإبهامها، كما أن ما الاستفهامية حيث يقصد الإبهام تعظيماً للأمر وتفخيماً كقوله تعالى: (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة: ١ - ٢) وقوله: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة: ١ - ٢) تحرز لإبهامها من عظيم أمر الحاقة والقارعة ما لايفي به الوصف، والإبهام مقصود في التعظيم والتفخيم للأمر المعبّر بها عنه. فإن قلت: إن (ما) يقل وقوعها نكرة موصوفة، قلت: بل هي حيث يقصد بها هذا المعنى موجودة في كثير من كلامهم وإن كانت الموصولة أكثر منها، إلا أن الموصولة لا تحرز ما ذكرنا من المعنى إحرازها. فإن قلت: إنما يصح ما اعتمدت من المعنى على القول بتكليف ما لايطاق، وذلك أمر لم يكلف به: قلت إما أنه من الأمر فصحيح وقد امتحن به من قبلنا، وحمل عليهم بنص القرآن، وأما أنه مما لا يطاق فلا يبلغ هذا، بل نقول: إنه يطاق بمشقة، والآية ليست نصاً في هذه الأمة بل ولا في أهل الشرائع وحدهم، وإنما هي فيمن ينكر البعث الأخراوي ومن جارهم، ويبين ذلك ما قد ورد قبل آية الجاثية من قوله: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا ... ) (الجاثية: ٣٢)، وهو قول من لا يصدق بالبعث وليس هذا من أتباع الرسل، ثم إن تخويفها يعم جميع المكلفين، والمؤمن الموفق أشد الخلق خوفاً منها: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف: ٩٩)، ثم إنا نقول بجواز التكليف بما لا يطاق هقلاً ونمنعه شرعاً، وبسط هذا في مظانه. الآية الخامسة من سورة الزمر - قوله تعالى في أهل النار: (إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) (الزمر: ٧١)، ثم قال تعالى في أهل الجنة: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) (الزمر: ٧٣)، للسائل أن يسأل عن زيادة الواو في قوله: (وَفُتِحَتْ) في الآية الثانية؟ والجواب، والله أعلم: أن (إذا) في مثل هذا االكلام جارية مجرى أدوات الشرط في احتياج الفعل بعدها إلى الجواب، إلا أن جوابها في قول البصريين لا ينجزم إلا في

стр. 423

الشعر، وأهل الكوفة يرون أنها تجزم في الكلام، وقد اتفقنا في استدعائها الجواب، فوقع جوابها في الآية الأولى منطوقاً به وهو قوله: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)، فلا مدخل. وأما الآية الثانية فجوابها محذوف مقدر، وقوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) كلام معطوف على ما قبله كما عطف عليه ما بعده، ولو كان جواباً لكان مقتضاه أنها لا تفتح إلا عند مجيئهم، كالحال في أهل النار، وليس كذلك، والله أعلم. ألا ترى قوله تعالى في سورة ص: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ) (ص: ٤٩ - ٥٠) فانتصاب (مفتحة) إنما هو على الحال، والحال قيد فيما قبلها. فإذا قلت: جاء زيد ضاحكاً فالمعنى: جاء زيد متصفاً وقت مجيئه بالضحك، فالضحك خيئة حين المجيء وليس المراد أن ضحكه بعد المجيء، وإنما المعنى أن تلك صفته التي جاء عليها بل تقدمت مجيئه ولهذا قال سيبويه ﵀ قول بعض العرب مررت برجل معه صقر (صائداً به غداً، فقدره: مررت برجل معه صقر) مقدراً الصيد به غداً، فقدره بما هو حاصل ثابت وقت المرور، ولهذا قالوا في قول العرب: قمت وأَوُكّ عينه أنه من الشاذ النادر ونحوه ما أنشدوه من قول الشاعر: فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنهم مالكا فهذا في غاية القلة، ويححسن ورود الماضي حالاً إذا كانت معه قد لاقتضائها القرب، حتى يزول احتمال أن يكون منقطعاً فيضاد مقود الحال، فإن قويت الدلالة عليه من المعنى جاز وروده في فصيح الكلام، وعليه جاء قوله في قراءة الأكثر (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ .... ) (النساء: ٩٠) لدلالة المعنى، وقرأ يعقوب (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) فبينت قراءته ما قرأ به الجماعة، فقد تبين أن قوله تعالى: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) معطوف على قوله: (جَاءُوهَا) وليس جواباً، ومما يبين ما ذكرناه في معنى الآية ويشهد له إخباره ﷺ في الصحيح أنه أول من يفتح وأول من يقرع باب الجنة، فقد أوضح هذا أن الداخلين تالون له وبعده فيجدونها مفتوحة الأبواب، وإذا لم يتوقف فتح أبوابها على مجيئهم فليس قوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) جواباً لو فرضنا أن لا يعتد بالواو كما يقول أهل الكوفة. فإن قيل: فما جواب إذا؟ قلت: الجواب - والله أعلم - مقدر بعد، يفسره المعنى، كأن قد قيل: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين أنسوا وأمنوا أو ما يرجع إلى هذا المعنى ويحرزه، وإذ ذلك

стр. 424

يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) (فاطر: ٣٤)، وقد نقل منسوباً إلى أهل الكوفة أن الواو قد تزاد في الجواب في مثل هذا، وعليه عندهم ما ورد في مثل قول امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى قالو: قوله: وانتحى جواب (لما) والواو زائدة، وعند غيرهم أن قوله: (وانتحى) معطوف على (أجزنا)، والجواب محذوف أي أنسنا أو تحدثنا أو ما يحرز هذا المعنى، ومن محسنات الحذف الطول هنا وفي الآية الكريمة، ثم إن الآية قد اوضح مقصودها ما ورد في سورة ص. فإن قيل: إن قوله في تقدير الجواب في البيت: أنسنا أو تحدثنا التقدير فليس ذلك بمعين، ولا يحذف الجواب أو الخبر أو ما يحذف إلا بعد أن يتعين؟ فلاجواب إنا لم نقدر ما يتغاير معناه، ولا شك أن المراد تعيينه إنما هو المعنى، ثم نحوم على ما نحصله من العبارة اللفظية مما يرجع إلى معنى واحد، هذا قول المحصلين، وهذا رد على من جعل خبر المبتدأ في قولهم: كل رجل وضعيته هذا المعطوف الذي: هو وضعيته، وقال إن الفائدة قد حصلت بذلك وتم الكلام، وتأول كلام سيبويه على هذا وقال: إن الذي قدره الفارسي وغيره، فقولهم واحد. فقال: تقدير سيبويه تقدير معنى، وإنما كلامنا في تقدير الإعراب وما يجوز حذفه من اللفظ وما لا يجوز، وجوابه أن سيبويه وأبا علي مومن قال بقولهما إنما اعتمدوا في الدلالة على أن الخبر محذوف ما تعطيه وتدل عليه واو مع في قوله: (وضيعته) التي اتفق الكل وأنت معهم أنها بمعنى (مع) فلدلت على معنى الالتزام، فلا مبالاة بالاختلاف في تقدير الألفاظ المترادفة ما لم يختلف المعنى، فتقدير مقرونان أن متلازمان أو متلاصقان إلى ما يحرز معنى الاجتماع الذي تعطيه وتقتضيه واو مع لاتضييق في ذلك، وشأن من اغتر بنظره فلم يتلبث، ولم يتهم نفسه، ولا بالي بمخالفته الجماهيير في كل صناعة، أنه قل ايصيب، والناس في هذه المسألة متفقون على ما اعتمده سيبويه والفارسي، ولم يجعل واحداً منهم خلافاً إلا ما زعمه هذا القائل، وقد خرج بنا (الكلام) إلى ما موضعه أولى به، وأما الآية فقد (وضح) أمرها، والحمد لله. ****

стр. 425

سورة المؤمن الآية الأولى منها - غ - قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ) (غافر: ٧)، وفي سورة الشورى: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) (الشورى: ٥)، للسائل أن يسأل عن الوجه في تخصيص سؤال الاستغفار للمؤمنين في الأولى وتعميمه في الثانية؟ والجواب، والله أعلم: أن ذلك جار بحسب المناسبة، ولما تقدم الآية الأولى فيما ختمت به سورة الزمر من ذكر المتقين في قوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) (الزمر: ٧٣)، وقول الداخلين عند دخولهم الجنة: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (الزمر٧٣)، وقول الداخلين عند دخولها: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) (الزمر٧٤)، إلى ختام السورة، ثم تبع ذلك قوله تعالى في مطلع سورة المؤمن: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ) (غافر: ٣)، ناسب هذا استغفار الملائكة للمتصفين بصفات المذكورين، ويشهد لهذا ما ورد بعده من قوله تعالى مخبراً عن ملائكته بقولهم داعين: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) (غافر: ٧)، وأما قوله تعالى أثناء هذه الآية: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) (غافر: ٤)، وقوله: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) (غافر: ٥) إلى قوله: (فَأَخَذْتُهُمْ)، فتأنيس للمؤمنين وباعث على شكر النعمة على ما من به عليهم من هدايتهم وسلامتهم من موجب أخذ من كذب وعاند، فبان التناسب في هذا كله. وأما سورة الشورى فتقدمها قوله تعالى في خاتمة سورة السجدة: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (فصلت: ٥٢) إلى قوله: (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ) (فصلت: ٥٤)، (ثم) اتبع هذا في مطلع سورة الشورى بقوله تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (الشورى: ٥)، فناسب هذا استغفارهم لمن في الأرض لعظيم ما تقدم منهم مما أشار إليه قوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ)، فلولا حلمه تعالى لتعجل هلاكهم، فاستغافر الملائكة إبقاء سبحانه عليهم إذ لا يفوتونه، وقد يؤمن من سبقت له السعادة منهم، فقد
следующие страницы →