← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 141

مدارج تفقه الحنبلي

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فقال: (ويتورك فيه مع إمامه مكرراً لتشهد أول ندباً حتى يسلم إمامه) (١). المثال الثاني: قول الشيخ الحجاوي في كتاب الجنائز: (ولا ينبش قبر ميت باق لميت آخر) فهنا أبهم الشيخ الحجاوي الحكمَ هل هو محرم أم مكروه؟ وقد بين الشيخ البهوتي ذلك بقوله: (أي: يحرم ذلك لما فيه من هتك حرمته) (٢) وكذلك بينه الشيخ ابن النجار في " المنتهى " فقال: (ويباح نبش قبر حربي لمصلحة، أو مال فيه، لا مسلم مع بقاء رمته (٣) إلا لضرورة) (٤). وبينه الشيخ مرعي أحسن بيان في " غاية المنتهى" فقال: (ويحرم ... نبش مسلم مع بقاء رمته إلا لضرورة). المثال الثالث: قول الشيخ ابن النجار في بداية كتاب الحج (لكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه) أي: لا يبدأ الولي في رمي الجمرات إلا برمي نفسه ثم يرمي عن مولييه. وقد أبهم الشيخ الحكم هنا - كالتنقيح (٥) - التكليفي والوضعي. والحكم التكليفي بينه الشيخ الحجاوي في حواشيه على التنقيح فقال: (قوله: (لا يرمي عنه) أي: لا يجوز يرمي عنه) (٦). وبينه كذلك في "الإقناع" فقال: (لكن لا يجوز أن يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه .. ) (٧).

стр. 107

وبين الشيخ ابن النجار الحكم الوضعي فقال: (فلو رمى ناويا عن الصغير وقع عن نفسه إن كان محرما بفرضه) (١) وقال الشيخ البهوتي في شرح " المنتهى " (٢): (فإن رمى عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرما بفرضه). المثال الرابع: قول الشيخ الحجاوي في كتاب الحج: (ولا يأخذ من طيب الكعبة شيئا)، ولم يذكر حكم هذا النهي؛ فبَيَّنَه الشيخُ البهوتي بقوله: (أي: يحرم ذلك لأنه صرفٌ للموقوف في غير ما وقف عليه) (٣). المثال الخامس: قول الشيخ الحجاوي في باب الهبة (ولا ترد). ولم يبين حكم رد الهدية، وبينه الشيخ البهوتي بقوله: (أي: يكره رد الهدية) (٤) المثال السادس: قول الشيخ ابن النجار في باب الشك في الطلاق: (وكقوله عن طائر: إن كان غرابا فحفصة طالق وإلا فعمرة وجهل فيقرع بينهما وإن مات أقرع ورثته، ولا يطأ). قال الشيخ البهوتي: (أي: يحرم عليه وطؤه إحداهما ودواعيه (قبلها) أي قبل القرعة) (٥). المثال السابع: قول الشيخ الحجاوي في باب آداب القاضي: (ينبغي أن يكون قويا من غير عنف). أبهم الحكم، وبينه الشيخ البهوتي بقوله: (أي: يسن) (٦). وبينه أيضا الشيخ ابن النجار في " المنتهى " بقوله: (يسن كونه قويا بلا عنف) (٧).

стр. 108

المثال الثامن: قول صاحب "الإقناع" (١)، و"المنتهى" (٢) في باب صلاة الجماعة فيمن وجد الصف مرصوصا، ولم يجد شخصا يقف معه، ولا عن يمين الإمام: (فإن لم يمكنه فله أن ينبه بنحنحة أو كلام، أو إشارة من يقوم معه ويتبعه). فقولهما: (ويتبعه) مبهم فلم يبين حكم اتباعه، وقد قال البهوتي في الكشاف: (وظاهره: وجوبا، لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به)، ثم جزم بالحكم في شرح المنتهى فقال: (أي: يلزم المُنَّبَه أن يتأخر ليقف معه). وقال الخلوتي: قوله: (ويتبعه)؛ أي: وجوبا، ولو كان في الصف الأول؛ قال شيخنا: "ولعله لا تفوت عليه فضيلة الصف الأول، لأنه إنما تركه لأمر واجب) (٣). وصرح الغاية بالحكم فقال في "مطالب أولي النهى" (٤): (ويتبعه وجوبا)، ثم قال ما يوافق الشيخ منصور وأنه لا يفوته ثواب الصف الذي رجع عنه: (ويتجه): أنه يثاب على صنعه المعروف بإجابته من نبهه، وتحصيله له فضل الجماعة (ولا يفوته)، أي: المجيب للمنبه (ثواب صف كان فيه)؛ لأنه أعانه على البر والتقوى، وهو متجه). المثال التاسع: قول صاحب "الإقناع"، و"المنتهى" (٥) في باب البغاة: (وإن استنظروه مدة رجاء رجوعهم فيها أنظرهم). فلم يذكرا حكم ما لو طلب البغاة الإمام إنظارهم مدة حتى يشارورا لعلهم يتركون القتال، ويتبين لهم خطؤهم؛ قالا: أنظرهم مدة، ولم يبينا حكمَ إنظارِهم، وبينه الشيخُ منصورُ في شرحه للمنتهى بقوله: (وجوبا حفظا لدماء المسلمين).

стр. 109

المثال العاشر: قوله في "المنتهى" (١) في أول كتاب الحدود: (وإن رجع في أثنائه أو هرب ترك). أي: إن رجع المقر بالزنى، أو السرقة، أو الشرب، - في أثناء إقامة الحد عليه - أو هرب: ترك، ولم يبين حكم تركه إذن، وقد بينه في "الإقناع" (٢) بقوله: (ترك وجوبا) وبيان الإبهامات في الحكم تؤخذ من أحد الكتابين لبيان إبهام الحكم في الآخر، ومن " غاية المنتهى "، ومن شروح وحواشي الشيخ البهوتي، ومن حواشي الخلوتي، والنجدي بل ومن المختصرات أحيانا. ثانيا: استخراج الفروق الفقهية بين المسائل ، وهي: المسائل المتشابهة في الصورة المختلفة في الحكم، وسيجدها الطالب مبثوثة يحرص العلماء على ذكرها وبيانها. ومن الأمثلة على الفروق الفقهية بين المسائل: المثال الأول: في باب التيمم: تتعين نية الاستباحة للمتيمم، ومَنْ حدثه دائم، لكن طهارة المتيمم لا ترفع الحدث، وطهارة مَنْ حدثه دائم ترفع الحدث. المثال الثاني: في باب سجود السهو: زيادة الركن القولي في الصلاة لا يبطل الصلاة إذا زاده المصلي عمدا، ولا يجب له سجود السهو إذا زاده سهوا بل يسن، وزيادة الركن الفعلي في الصلاة يبطل الصلاة إذا زاده المصلي عمدا، ويجب له سجود السهو إذا زاده سهوا. المثال الثالث: في كتاب الجنائز: يسن أن يجعل تحت رأس الميت في قبره لَبِنَةٌ، ويكره مِخَدَّةٌ. (٣) المثال الرابع: في كتاب الزكاة: من كان عليه دين وعنده عرض للقنية

стр. 110

كأثاث وعقار فاضل لا يحتاجه، وعنده نقود، يقابل الدين بما عنده من النقود فقط - فيسقط عنه من الزكاة في النقود التي عنده بقدر ما عليه من الدين - ولا يقابل بالمال الفاضل (١)، وفي باب الحجر: يقابل الدين الذي عليه بما معه من نقود ومال فاضل كالقنية والأثاث فيقسم المال ويباع العرض الفاضل. المثال الخامس: في باب إخراج الزكاة: يحرم تأخير إخراج زكاة المال عن وقت وجوبها إلا لأسباب معينة، بينما الأفضل في زكاة الفطر تأخيرها عن وقت وجوبها إلى قبيل صلاة العيد. (٢) المثال السادس: في باب شروط البيع: المعتبر من الشروط في عقد البيع ما كان في صلب العقد زمن الخيارين خيار المجلس وخيار الشرط، والمعتبر من الشروط في عقد النكاح ما كان في صلب العقد، وكذا لو اتفقا عليه قبله. (٣) المثال السابع: لو خالط الملح المائي الماء الطهور وغيره كره ولم يسلبه الطهورية، بخلاف ما لو خالطه الملح المعدني فيسلبه الطهورية (٤). المثال الثامن: لا يلزم المودَع , والمرتهن، والمستأجر رد العين التي بأيديهم لأصحابها، وليس عليهم مؤنة ردها بل يخلي بين المالك وبينها؛ بينما يلزم المستعير رد العارية (٥). المثال التاسع: تسن الشهادة في كل العقود إلا النكاح فتجب (٦). المثال العاشر: لو بان فسق الشهود - بعد الحكم - فينقض الحكم؛ بخلاف النكاح فلو تبين فسق الشهود فلا ينقض العقد (٧).

стр. 111

المثال الحادي عشر: ما ذكره في الإقناع وشرحه (١) في الفرق بين من يأخذ أخذا مستقرا ومن يأخذ أخذا غير مستقر من أهل الزكاة: (وإن فضل مع غارم ومكاتب، حتى ولو سقط ما عليهما ببراءة أو غيرها و) فضل مع (غاز وابن سبيل شيء بعد حاجتهم لزمهم رده كما لو أخذ شيئا لفك رقبته، وفضل منه) شيء لزمه رده؛ لأنهم لا يملكون ذلك من كل وجه، بل ملكا مراعى ولأن السبب زال فيجب رد الفاضل بزوال الحاجة (وإن فضل مع المكاتب شيء عن حاجته من صدقة التطوع لم يسترجع منه)؛ لأن صدقة التطوع لا يعتبر فيها الحاجة بخلاف الزكاة، وإن تلف في أيديهم بغير تفريط، فلا رجوع عليهم (والباقون) وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم (يأخذون أخذا مستقرا، فلا يردون شيئا)؛ لأنهم ملكوها ملكا مستقرا) ثالثا: استخراج النظائر الفقهية وهي: المسائل المختلفة في الصورة المتفقة في الحكم. ومن أمثلة النظائر الفقهية: المثال الأول: لو غُسِّلت المسلمة الممتنعة قهرا لحل الوطء، حل لزوجها وطئها، ولو لم تنو ولا يرتفع حدثها بذلك التغسيل لعدم النية، ولا يجزئها فلا تصلي به (٢). ونظيرها: لو أخذ الإمامُ الزكاةَ قهراً من ممتنع من أدائها وكفت نية الإمام، دون نية رب المال، وأجزأته ظاهرا - فلا يطالبه الإمام بها - لا باطنا لعدم النية، فيجب عليه إخراجها مرة أخرى بنية وتبرأ ذمته. (٣). المثال الثاني: يلزم عادم الماء شراء الماء للوضوء بثمن مثله وزيادة يسيرة عادة، لا بما يعجز عنه (٤).

стр. 112

ونظيرها: يلزم عادم السترة تحصيل سترة للصلاة بشراء بقيمة المثل وبزيادة يسيرة عادة كماء الوضوء (١)، وإن زادت كثيرا فلا يلزمه تحصيلها (٢). ونظيرها أيضا: إن وجد من أراد النسك الزاد للحج أو العمرة يباع في المنازل بثمن المثل أو بزيادة يسيرة عادة لم يلزمه حمله، وإلا لزمه حمله (٣). المثال الثالث: لو أذن الزوج لزوجته الاعتكاف فله الرجوع في إذنه قبل الشروع فيه لا بعده (٤). ونظيرها: لو أذن الزوج لزوجته في فعل نسك نفل من حج أو عمرة فله الرجوع في إذنه قبل إحرامها بأحدهما لا بعد الإحرام (٥). ونظيرها أيضا: لو وهب هبة لشخص باللفظ فله الرجوع فيها قبل القبض لا بعده (٦). المثال الرابع: لو اختلف وليُّ المحجورِ مع المحجور عليه لحظ نفسه - كاصغير والسفيه -في قدر النفقة التي أنفقها الولي على المحجور عليه مدة الحجر فالقول قول الولي (٧). ونظيرها: لو اختلف المودَعُ مع رب الوديعة في قدر النفقة على الوديعة مدة بقائها عند المودَع فالقول قول المودَع (٨). المثال الخامس: لو أراد الجنب اللبث بالمسجد فيجب عليه الوضوء، وإذا توضأ فله اللبث في المسجد ولو انتقض بعد ذلك.

стр. 113

ونظيرها: لو أراد الجنب أن يأكل أو يشرب أو يجامع أو ينام فيستحب له الوضوء، ولو انتقض بعد ذلك. ونظيرها أيضا: لو اغتسل للجمعة غسلا مستحبا فقد حصل المسنون حتى لو أحدث قبل صلاتها، ولا يلزمه إعادة الغسل، ويلزمه الوضوء فقط (١). ونظيرها ايضا: يستحب الغسل يستحب الغسل لمن أراد أن يحرم، ولا يضر حدثه بين غسل وإحرام (٢). أي: لو أنه اغتسل للإحرام ثم أحدث قبل نية الإحرام فقد حصل المسنون. المثال السادس: يكمل الذهب بالفضة، وبالعكس في تكميل النصاب في الزكاة بالأجزاء. ونظيرها: يكمل أحدهما بالآخر أيضا بالأجزاء في نصاب السرقة؛ فلو سرق درهما ونصف درهم من خالص الفضة وثمن دينار من خالص الذهب قطع؛ لأنه سرق نصابا (٣). المثال السابع: في ا? حرام للحج والعمرة: يعقد الولي في مال الصغير - وهو: من لم يميز - له ا? حرام. ونظيرها: في التلبية: يستحب أن يُلَبَّى عن الصغير، وايضا عن المجنون والأخرس والمغمى عليه وقال الشيخ منصور ﵀: وزاد بعضهم: والنائم. ونظيرها أيضا: في التسمية على ا? كل: يسمى عن الصغير وأيضا عمن لا عقل له. وأما المميز فيؤمر بان يقول هو بنفسه في كل ما تقدم. المثال الثامن: لو زال العيب الذي في المبيع أو أزاله البائع (٤) فإنه يسقط حق المشتري في خيار العيب فلا يملك الفسخ ولا الأرش. قال في الإقناع وشرحه (٥): (وإن صار لبنها) أي المصراة (عادة) سقط

стр. 114

الرد لأن الخيار ثبت لدفع الضرر وقد زال (أو زال العيب) من المبيع (لم يملك) المشتري (الرد في قياس قوله) أي الإمام). وقال في المنتهى وشرحه (١) في باب الصلح: (ومن صالح عن عيب في مبيعه بشيء) من عين كدينار أو منفعة كسكنى داره شهرا صح، وليس من الأرش في شيء و (رجع) بالمصالح (به إن بان عدمه) أي العيب كنفاخ بطن أمة ظنه حملا ثم ظهر الحال لتبين عدم استحقاقه (أو زال) العيب (سريعا) بلا كلفة ولا تعطيل نفع على مشتر كمزوجة بانت ومريض عوفي لحصول الجزء الفائت من المبيع بلا ضرر فكأنه لم يكن) ونظيرها: في ا? جارة فإنه أيضا يسقط. قال في المنتهى (٢): (وإن ظهر أو حدث بمؤجرة عيب وهو ما يظهر به تفاوت ا? جرة فلمستأجر الفسخ - إن لم يزل بلا ضرر يلحقه - والإمضاء مجانا) ونحوه في ا? قناع (٣) والغاية. ونظيرها أيضا في النكاح بأنه: يسقط خيار الفسخ إذا زال العيب قال في المنتهى في باب العيوب في النكاح (٤): (و? يثبت خيار في عيب زال بعد عقد). ومثله في ا? قناع (٥) والغاية (٦). المثال التاسع: لو قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق ثم تزوجها فلا تطلق (٧).

стр. 115

ونظيرها: لو حلف على أجنبية أنه لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، أو حلف لا يطأها إن تزوجها، ثم تزوجها فلا يعتبر موليا (١). ونظيرها أيضا: لو قذف أجنبية ثم تزوجها حدَّ أو عزر، ولم يلاعن (٢). بخلاف الظهار؛ فلو ظاهر من أجنبية ثم تزوجها فلا يحل له وطئها حتى يكفر (٣). رابعا: استخراج القواعد الفقهية التي تضم مسائل متنوعة علتها واحدة: وهذه يأخذها الطالب إما بالنص عليها من أحد العلماء، وإما بالنظر إلى علل المسائل، قال الشيخ المرداوي في مقدمته على التنقيح (٤): (وربما عللت بعض المسائل ليدل على أصل أو قاعدة أو نكتة غيرهما)، وقال أيضا في آخر التنقيح (٥) منبها على ما فعله في تنقيحه: (ومنها: تعليل بعض المسائل منبها به على قاعدة أو أصل أو نكتة لا يسع الطالب جهله). ومن أمثلة القواعد الفقهية: القاعدة الأولى: القاعدة في وقت النية في العبادات على المذهب: ما ذكره الشيخ مرعي الكرمي في كتابه " غاية المنتهى " (٦): (وزمنها - أي النية - أول العبادات أو قبيلها بيسير سوى الصوم). وهذا شيء من تفصيلهم: ١ - في الوضوء: أوجب الحنابلة أن تتقدم النية على أول واجب فيه وهو التسمية، فإن تقدمت عليها بزمن يسير لم يضر.

стр. 116

وقيدوا اليسير بالعرف، كالموالاة في الوضوء. ٢ - في الصلاة: لم يوجبوا أن تتقدم النية على تكبيرة الإحرام، بل تكون معها تقارنها، وهو الأفضل عندهم، وإن تقدمت على تكبيرة الإحرام بزمن يسير في الوقت صحت. ومعنى مقارنتها للتكبير: بأن يأتي بالتكبير عقب النية (١). ٣ - وكذلك في الزكاة لم يوجبوا ذلك قبل الدفع، بل الأفضل أن يقرن النية بالدفع وله تقديمها عليها بزمن يسير كالصلاة (٢). ٤ - وأما في الصيام فجعلوا الليل كله وقتًا للنية؛ لحديث حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل) (٣) ولو أتى بعد النية بمناف (٤). ولا يخلو: إما أن يكون الصوم فرضًا، فلا بد أن تكون النية قبل الشروع فيه للحديث السابق. وإما أن يكون الصوم نفلاً فيجوز أن ينوي في أثناء النهار قبل الزوال أو بعده ما لم يأت بمفطر قبل نيته؛ لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟ ) فقلنا: لا، قال: (فإني إذن صائم) ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس فقال: (أرينيه فلقد أصبحت صائمًا فأكل) (٥). قالوا: ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقتها. وسواء أكان هذا

стр. 117

النفل مطلقاُ أم مقيداً (١). ٥ - وأما في الحج والعمرة فلا يصحان بدون النية، والنية فيهما هو الإحرام، والإحرام هو نية الدخول في النسك، وينعقد بالقلب، فلا يصح الحج ولا العمرة بدون الإحرام، ومن الواجبات فيهما أن ينوي من الميقات. وكذلك الذي يظهر من قولهم: (ويستحب أن يقارن بين النية والتسمية، والنية والتكبير، والنية ودفع الزكاة)؛ أنهم يريدون بذلك: أن تكون هذه الأشياء عقب النية لا أن تكون النية مقارنة تمامًا لذلك القول أو الفعل؛ لأن هذا ليس بممكن (٢). القاعدة الثانية: الوسائل لها أحكام المقاصد: وأمثلة هذه القاعدة في المذهب أكثر من أن تحصى، ومن ذلك: ١ - أنهم يمنعون - غير الخلال - من إمساك الخمر لتتخلل؛ لأن ذلك وسيلة لإمساك الخمر المأمور بإراقتها (٣). ٢ - أنه لو سافر مَنْ صومه واجب ليفطر، حرم عليه السفر والفطر، أما الفطر فلعدم العذر المبيح - وهو السفر المباح - وأما السفر فلأنه وسيلة للفطر المحرم (٤). ٣ - أنه تحرم مساومة ومناداة بعد نداء جمعة ثان؛ لأنهما وسيلة للبيع المحرم إذن (٥). ٤ - بطلان العقد الأول في العينة؛ لأنه وسيلة للعقد الثاني فيحرم ويبطل للتوصل له إلى محرم (٦).

стр. 118

٥ - لا يجوز رهن المصحف؛ لأنه وسيلة لبيعه المحرم. (١) ٦ - وإن طلق من عنده زوجتان فأكثر، إحدى زوجاته وقت قسمتها - أي: نوبتها - أثم؛ لأنه وسيلة إلى إبطال حقها من القسم (٢). القاعدة الثالثة: العبرة في الكفارات وقت الوجوب: أي: النظر لحال المكفر من عسر ويسر إنما هو وقت الوجوب فحسب، فمن كان موسرا حال الوجوب فيلزمه ما يجب عليه حال يسره، ولو أعسر بعد ذلك، والعكس بالعكس (٣). ولها فروع كثيرة: في كفارة الوطء في رمضان، وكفارة اليمين، وكفارة القتل، وكفارة الظهار. قال الشيخ منصور البهوتي: (ووقت وجوب في ظهار وقتُ العودِ وهو الوطءُ، وفي وطءٍ في نهار رمضان حين الوطءِ، وفي قتلٍ زمنُ زهوقٍ في الروح، وفي يمينٍ زمنُ حنث) (٤). القاعدة الرابعة: من قبض من غيره عينا وهو يختص بنفعها فيده يد ضمان وإن كان لايختص بنفعها فيده يد أمانة. نص على معنى هذه القاعدة العلامة الموفق في المغني (٥) في كتاب الشركة في المضاربة قال ﵀: (والعامل أمين في مال المضاربة؛ لأنه متصرف في مال غيره بإذنه، لا يختص بنفعه، فكان أمينا، كالوكيل. وفارق المستعير؛ فإنه قبضه لمنفعته خاصة، وها هنا المنفعة بينهما)، وذكر مثل ذلك أيضا في الشرح الكبير (٦)، ومثلُه الشيخ ابن النجار في كتابه المعونة (٧) في

стр. 119

كتاب الشركة في المضاربة حيث قال: (والعامل) في المضاربة (أمين) في مالها؛ لأنه متصرف في مال لايختص بنفعه بإذن مالكه فكان أمينا كالوكيل، وفارق المستعير فإنه يختص بنفع العين المعارة). وذكره بنصه الشيخ منصور في الكشاف (١)، وكذا في شرح المنتهى (٢). فتلخص من ذلك أن العين المقبوضة من غير صاحبها من حيث كونها مضمونة أو أمانة على قسمين: القسم الأول: ما قبضه الإنسان من غيره على وجه يختص بنفعه القابض فقط كالعين المستعارة والمغصوبة، فيد القابض فيهما يد ضمان مطلقا تعدى أو فرط أو لا. القسم الثاني: ما قبضه الإنسان من غيره على وجه لا يختص بنفعه فيد القابض لها يد أمانة لايضمنها إذا تلفت إلا بالتعدي والتفريط، وهو نوعان: الأول: ما قبضه الإنسان من غيره على وجه يختص بنفع مالكها فقط كالوديعة واللقطة قبل حولان الحول. الثاني: ما قبضه الإنسان من غيره على وجه ينتفع القابض والمالك للعين بذلك القبض كالرهن والعين المستأجرة ومال المضاربة بالنسبة للعامل فيها وكل عين شأنها كذلك. خامسا: استخراج القواعد الأصولية . ومن أمثلة القواعد الأصولية: القاعدة الأولى: الأصل في الأوامر أنها على الفور: وفروع هذه القاعدة الأصولية كثيرة: منها: أن قضاء الصلوات واجب على الفور، والزكاة إذا وجبت وجب إخراجها على الفور فلا يجوز التأخير إلا لأسباب معينة، ويجب الحج أيضا على الفور، والكفارات تجب على الفور، ويستثنى منها بعض الفروع لأدلة اقتضت ذلك كفعل الصلاة بعد دخول الوقت

стр. 120

ليس على الفور بل هو موسع، وكذا قضاء رمضان موسع إلى ما قبل رمضان الذي بعده. القاعدة الثانية: النهي عن الشيء يقتضي فساده: وفروع هذه القاعدة كثيرة: منها: بطلان الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في الدار المغصوبة، وبطلان البيع على بيع أخيه وكذا شراؤه على شرائه، وبطلان البيع بعد الشروع في النداء الثاني للجمعة، وفساد نكاح المحلل والمتعة. لورود النهي عن كل ما تقدم والنهي يقتضي الفساد.

стр. 121

المطلب السادس: فوائد دراسة "المنتهى" بهذه الطريقة: ١ - أن فيها مسحا لمسائل"المنتهى" بالدراسة والتدقيق والتحقيق. ٢ - أن فيها قراءة لأكثر الكتب المتقدم ذكرها، واطلاعا عليها وهذا الذي ينبغي لطالب العلم، أن يكون موسوعيا لا يجهل شيئا من كتب المذهب، ولا يهتم بكتاب دون الآخر، لأن كلا منها محتاج إليه لفهم غيره، فضلا عن أنه لا يغني كتاب منها عن كتاب. ٣ - أن فيها معرفة لأساليب تلك الكتب، وتَعَلُّمَ كيفيةِ التعامل معها. ٤ - أن فيها كشفا لمسائل كثيرة مشكلة وحلها. ٥ - أنه قد يوجد فيها تصور أوسع؛ لمسائل مرت عليك في المرحلة الأولى لم تحصل عليه في تلك المرحلة. ٦ - أنها طريقة استقرائية لشرح متن " المنتهى ". ٧ - أن فيها معرفة نقل العلماء بعضهم من بعض، واستدراك بعضهم على بعض. ٨ - أن يعرف الطالب أن العلماء لم يؤلفوا كتبهم إلا عن فهم عميق، واطلاع واسع. ٩ - أن من أتقن كتاب " المنتهى " بهذه الطريقة سيتعلم بل وسيسهل عليه معرفة الفروق والنظائر والأشباه، والقواعد الأصولية، والقواعد الفقهية وغير ذلك. قال الشيخ بكر أبو زيد متكلما على " كتاب الإنصاف ": (فَدَيْنٌ على علماء الحنابلة في عصرنا إلى الآخر أن يقوموا بخدمة هذا الكتاب بتحقيقه وتوثيق معلوماته بإحضار أصوله التي اعتمدها، ويضاف إليه ما فاته من

стр. 122

تصحيحات وتخريجات من جاء بعده من علماء المذهب لا سيما من كتب الحجاوي، والبهوتي، والخلوتي، والفتوحي، والشيخ مرعي، وابن قائد النجدي، وغيرهم من شيوخ المذهب المعتمدين بعد المرداوي - رحم الله الجميع -) (١).

стр. 123

المبحث الثاني: التعريف بكتب هذه المرحلة: المطلب الأول: "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات ": الفرع الأول: التعريف بالمؤلف والكتاب: مؤلفه: الشيخ الإمام العلامة، الحبر البحر الفهامة أبو البقاء محمد بن شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المصري الحنبلي الشهير بـ (ابن النجار) الفقيه الثبت الأصولي اللغوي المتوفى سنة (٩٧٢ هـ). وكتاب "المنتهى" متن مشهور في المذهب (١)، بل انتهى المذهب إليه، وإلى "الإقناع"، وإلى " الغاية "، وقد ألف الشيخُ ابنُ النَّجار كتاب"المنتهى" جمع فيه بين كتابين هما من أهم كتب المذهب وهما: كتاب " المقنع" للموفق ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) وكتاب " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع " للشيخ علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) منقح المذهب ومحققه، وزاد الشيخ ابن النجار عليهما مسائل مهمة، وقد حرره تحريراً بالغاً، لم يؤلف مثله بعده، قال في خطبته: ... (فالتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ... قد كان المذهب محتاجاً إلى مثله، إلا أنه غير مستغن عن أصله، فاستخرت الله تعالى أن

стр. 124

أجمع مسائلهما في واحد، مع ضمِّ ما تيسر عقله من الفوائد الشوارد، ولا أحذف منهما إلا المستغنى عنه والمرجوح وما بني عليه، ولا أذكر قولاً غير ما قدم أو صحح في " التنقيح " إلا إذا كان عليه العمل أو شُهِرَ أو قوي الخلاف، فربما أشير إليه، وحيث قلت: (قيل وقيل) ويندر ذلك، فلعدم الوقوف على تصحيح ... الخ). وقد ذكر سبب تأليفه لهذا الجمع وهو: أن الشيخ المرداوي في " التنقيح " ... (صحَّحَ فيه ما أطلق في المقنع من الروايتين أو الروايات أو من الوجهين أو الأوجه وقَيَّدَ ما أخل به من الشروط، وفَسَّرَ ما أبهم فيه من حكم أو لفظ، واستثنى من عمومه ما هو مستثنى على المذهب حتى خصائصه ﷺ ، وقَيَّدَ ما يحتاج إليه مما فيه إطلاقه ويحمل على بعض فروعه ما هو مرتبط بها وزاد مسائل محررة مصححة فصار تصحيحاً لغالب كتب المذهب إلا أن التنقيح غير مستغن عن أصله الذي هو المقنع لأنَّ ما قطع به في المقنع أو صححه أو قدمه أو ذكر أنه المذهب وكان موافقاً للصحيح، ومفهُومُه مخالفاً لمنطوقه لم يتعرض له (١) التنقيح غالباً فمن عنده المقنع يحتاج للتنقيح وبالعكس والجمع بينهما قد يشق) (٢). ثم بَيَّنَ -رحمه الله تعالى- أنه متابع للتنقيح بقوله (ولا أذكر قولاً غير ما قدم أو صحح " التنقيح ") فهو قد تابع التنقيح في اختياراته وتصحيحه للخلاف الذي في المقنع، بالإضافة إلى مسائل المقنع التي لم تذكر في التنقيح وهي المذهب، وزاد عليهما أيضاً مسائل جازماً بها على أنها هي المذهب. وقد ألفه في الشام ثم عاد إلى مصر بعد أن حرر مسائله على الراجح من المذهب (٣).

стр. 125

وجعله الشيخ ابن بدران من المتون الثلاثة التي حازت اشتهاراً أيما اشتهار، والتي هي: " مختصر الخرقي "، و " المقنع "، و " المنتهى" (١). وقد بالغ الشيخ ابن النجار في اختصاره حتى عَقَّدَ عبارته (٢)، وما ذاك إلا لَيَقِلَّ حجمُهُ، مع كثرة معانيه: قال ﵀ في بيان سبب تسميته بـ (منتهى الإرادات): (لأنه لا يراد كتاب أكثر مسائل منه في أقل من لفظه) (٣)، وقال أيضاً في سبب شرحه له: (لكنني لما بالغت في اختصار ألفاظه، صارت ألفاظه، على وجوه عرائس معانيه كالنقاب، فاحتاجت إلى شرح يبرزها لمن يريد إبرازها من الطلاب والخطاب، فتصديت لكتاب يشرحه شرحاً يبين حقائقه، ويوضح معانيه ودقائقه .. الخ) (٤). وفرغ من تبييضه في السابع عشر من شهر شعبان المكرم سنة (٩٤٢ هـ). وقد انتشر كتاب منتهى الإرادات في عصر مؤلفه حتى إن والده يُقْرِئُهُ للطلاب، ويثني عليه، وكاد الكتاب لشهرته يُنْسِي ما قبله من متون المذهب المطولة، وانتشارُه الواسعُ بهذه الصورة يعطي الكتاب قيمة علمية عالية، خاصة أنه لم توجد عليه انتقادات كثيرة، ومن غرائب انتشاره وصولُه للشيخ الحجاوي، فقد تعقب الشيخُ الحجاوي الشيخَ ابنَ النجار في بعض المسائل في كتابه حواشي التنقيح وسيأتي ذكر أمثلة لذلك. وهل نقل الشيخ ابن النجار عن الشيخ الحجاوي؟ ذكر الشيخ عبدالملك بن دهيش - رحمه الله تعالى -في مقدمة تحقيقه لمعونة أولي النهى، موارد الشيخ ابن النجار في شرحه لكتاب " المنتهى "، ومن بين هذه الموارد " الإقناع " للشيخ الحجاوي (٥)، وفي الحقيقة أني على كثرة قراءتي في المعونة، لم أر الشيخ ابن النجار ذكَرَ الشيخ الحجاوي، بل ولا

стр. 126

" الإقناع " ولا غيره من كتب الشيخ الحجاوي، نعم قد يذكر مسائل موجودة في " الإقناع "، لكن لا يلزم من ذلك أنه نقلها من " الإقناع "، بل قد يكون نقلها من نفس مصدر " الإقناع " كالإنصاف والشرح الكبير، وغيرهما. ثم إني اطلعت على كلام للشيخ الخلوتي يذكر فيه أن ابن النجار رد على الحجاوي في قوله في المنتهى: (ولا - أي: ولا تبطل -ببلع ما بين أسنانه بلا مضغ ولو لم يجر به ريق)، قال الخلوتي: قوله: (ولو لم يجر به ريق) قال في شرحه (١): (وقال الحجاوي: وما لا يجري به ريق، وهو ماله جرم تبطل به) انتهى. فقول المصنف: (ولو لم يجر به ريق) الغرض منه: الرد على الحجاوي، والتنبيه على عدم البطلان سواء جرى به الريق لدقته، أو لم يجر به ريق؛ لكونه ذا جرم، ومن هنا تعلم: أن ما اشتهر عن الحجاوي أنه اطلع على المنتهى، وجعله مسودة للإقناع وزاد عليه؛ فيه ما فيه، نعم كل منهما قد اطلع على كتاب الآخر، بدليل هذه، وبدليل ما في حاشية الحجاوي على التنقيح عند الكلام على قيام الليل في باب صلاة التطوع .. الخ) (٢). ووقفت أيضا على نقل آخر للشيخ ابن النجار عن الشيخ الحجاوي وذلك في مسألة: حكم جهر المرأة في الصلاة الجهرية ولا يخلو الحال فيها: الحالة الأولى: إن سمعها أجنبي فتسر وجوبا كما قاله الشيخ ابن النجار في المعونة (٣)، ونقله عنه الشيخ منصور في الكشاف (٤). الحالة الثانية: إن لم يسمعها أجنبي بأن كانت تصلي وحدها، أو مع النساء، أو مع محرمها. فذكر في " الإقناع" (٥) إباحته قال: (ولا بأس بجهر امرأة إذا لم يسمعها

стр. 127

أجنبي)، وتابعه في " الغاية " (١)، وهو المذهب على القاعدة من أن كل زيادة في الإقناع على المنتهى، أو بالعكس فالزيادة هي المذهب؛ لا سيما إذا تابعه الغاية. ولكن حكى الشيخ ابن النجار في المعونة (٢) الخلاف عن الفروع ثم ذكر كلام الشيخ الحجاوي فقال: (وفي حرمة الجهر إن لم يسمعها أجنبي خلاف، قال في الفروع: والمرأة إذا لم يسمعها أجنبي قيل: تجهر كرجل، وقيل: يحرم ....... وفي مصنف الحجاوي: ولا بأس بجهر امرأة إذا لم يسمعها أجنبي). قلت: ومقتضى ما قدمه في الفروع هو: الجهر بالقراءة إذا لم يسمعها أجنبي كالرجل خلافا " للإقناع" و"الغاية". الفرع الثاني: شروح " المنتهى ": ١ - "معونة أولي النهى شرح المنتهى " (٣): للمصنف نفسه ابن النجار، وهو من الشروح النفيسة الطويلة لغة وتحريراً واستدلالاً وخلافاً في المذهب، وقد نقل محققُ الكتابِ الشيخُ عبد الملك بن دهيش الموارد التي استقى منها المؤلف شرحه، وهي مائتا مصدر، ومن أجمل وأهم ما لفت نظري في هذا الشرح النفيس أنه مَيَّزَ كثيراً من مسائل " المنتهى "، بين المسائل التي هي المذهب وأصلها رواية عن الإمام أحمد، والمسائل التي هي المذهب وأصلها وجه للأصحاب، قال ﵀: (ثم اعلم أن ما في هذا الشرح من قولي: (على الأصح) فهو من الروايتين أو الروايات عن الإمام أحمد

стр. 128

رضي الله عنه، ومن قولي: (في الأصح) فمن الوجهين، أو الأوجه للأصحاب) (١). وممن انتهج هذه الطريقة أيضاً: الشيخ ابن مفلح في الفروع، حيث قال في مقدمته: (وأقدم غالباً الراجح في المذهب، فإن اختلف الترجيح أطلقت الخلاف، و: (على الأصح)، أي: أصح الروايتين، و: (في الأصح) أي: أصح الوجهين) (٢). وكتاب المعونة من تحقيق الشيخ عبدالملك بن دهيش، وقد طبعه طبعات عديدة، وقدم للتعريف بالكتاب مقدمة مطولة يحسن الرجوع إليها. ٢ - شرح منتهى الإرادات (دقائق أولي النهى لشرح المنتهى): للشيخ منصور بن يونس البهوتي (ت ١٠٥١ هـ)، وقد استمد شرحه هذا من شرح ابن النجار السابق ذكره، ومن شرحه هو لكتاب " الإقناع" (٣)، وشَرْحُهُ هذا من أشهر الشروح على " المنتهى "، بل لا يذكر " المنتهى " إلا بشرحه للبهوتي، وهو وإن كان أكثره من شرح ابن النجار إلا أن فيه تحقيقاً في كثير من المواضع من أهمها: التنبيه على المخالفات بين " المنتهى " و " الإقناع "، وقد ذكرت أن الطالب يعتمد هذا الشرح ويعلق عليه. وقد قرأ الشيخ الخلوتي هذا الشرح على الشيخ منصور إلى آخر الحجر، ولما بلغ آخر الحكم الثاني من أحكام المحجور عليه كتب في هامشه: (بلغتْ قراءةً على شيخنا العلامة مَنْ طنَّتْ حصاةُ فضله الأقطار، ومن لم تكتحل عينُ الزمان بثانيهِ، ولا اكتحلت فيما مضى من الأعصار، وهو أُستاذي وخالي الراجي لُطْفَ ربه العلي منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، مرض من يوم الأحد خامس شهر ربيع الثاني، ومات يوم الجمعة عاشره من سنة ١٠٥١ هـ وكانت ولادته على رأس الألف فعمره إحدى وخمسون سنة، كسنة وفاته،

стр. 129

رحمه الله ورفعه من الفردوس أعلى غرفاته) (١). ولهذا الشرح حواشٍ كثيرة منها: حاشية الشيخ عبدالوهاب بن فيروز الأحسائي (ت ١٢٠٥ هـ)، وحاشية الشيخ عبدالله البابطين (ت ١٢٨٢ هـ)، وحاشية الشيخ محمد بن عبدالله بن حميد (ت ١٢٩٥ هـ) صاحب كتاب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، وطبعت سنة ١٤٣٣ هـ غراس، على قسمين الأول: من الطهارة إلى آخر باب استقبال القبلة تحقيق يحي الغامدي، والثاني: من أول باب النية إلى آخر الولاء بتحقيق سعد بن مريشد العتيبي كلاهما رسالة ماجستير في كلية الشريعة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة، وتوجد حواشٍ أخرى ذكرها الشيخ بكر أبو زيد في المدخل المفصل (٢). ولا أعلم شرحاً مطبوعاً للمنتهى غير ما ذكرت، وهما أهم شروحه. الفرع الثالث: حواشي " المنتهي ": ١ - " إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى ": للشيخ منصور البهوتي، وقد كتبها قبل تأليفه لشرح " المنتهى "، فقد انتهى من الحاشية في التاسع عشر من شهر صفر من سنة (١٠٣٦ هـ)، وقد أودعها من الفوائد والنتف ما لا يوجد في شرحه للمنتهى، ويحيل عليها فيه. وتتميز حواشي الشيخ منصور عن حواشي الشيخين الخلوتي والنجدي، أن حاشية البهوتي لها مقدمة وخاتمة، فهو قد قصد تصنيف الحاشية، وأما حواشي الخلوتي والنجدي فليس فيهما ذلك، بل هما مجردتان من كتابيهما. ٢ - " حاشية الخلوتي على المنتهى ": للشيخ محمد بن أحمد البهوتي الخلوتي (ت ١٠٨٨ هـ)، وهو من علماء الفقه واللغة المتضلعين، وينقل كثيراً من شرح الشيخ منصور، وأحياناً من شرح ابن النجار على " المنتهى "، وتميزت حاشيته بفوائد كثيرة من أهمها: الاهتمام بلغة " المنتهى " الإعرابية، ومنها: نقله لأجوبة شيخه وخاله وصهره

стр. 130

الشيخ منصور البهوتي، ومنها: تحريره لمسائل كثيرة من مسائل " المنتهى " بطريقة عجيبة تدل على فقهه وذكائه وجودة علمه، ومنها: إكثاره من الفروق الفقهية بين المسائل، ومنها: ربطه بين المسائل المتأخرة بالمتقدمة، وبالعكس، كل ذلك بطريقة فريدة تدل على وقوفه الكثير مع كتب المذهب، وخاصة مسائل " المنتهى " و " الإقناع "، ولا غرو في ذلك فهو تلميذ شيخ المذهب وكاشف خافيه، ومبين أسراره ومبديه، الشيخ منصور البهوتي، وهي من الحواشي المهمة على " المنتهى " التي لابد من قراءتها ونقل فوائدها على"المنتهى"، وقد طبعت حاشية الخلوتي هذه سنة (١٤٣٣ هـ) بتحقيق كل من الشيخ سامي الصقير، والشيخ محمد اللحيدان. ٣ - حاشية الشيخ عثمان النجدي على " المنتهى ": للشيخ عثمان بن قائد النجدي (ت ١٠٩٧ هـ) وهو من تلاميذ الشيخ الخلوتي، وهي حاشية نفيسة جردها بعد موته تلميذه الشيخ أحمد بن محمد بن عوض، فجاءت في مجلد ضخم، وهي من أفضل حواشي " المنتهى " على الإطلاق، وقد نقل فيها عن علماء أجلاء محققين وهم: الشيخ منصور من شروحه وحواشيه، والخلوتي، وتاج الدين البهوتي تلميذ المصنف، والشيخ ابن النجار من المعونة، ووالد الشيخ ابن النجار شهاب الدين بن أحمد بن عبدالعزيز، والدنوشري تلميذ البهوتي، وغيرهم كثير، وقد حقق المذهب فيها في مسائل كثيرة ودقق في عبارات " المنتهى " فأتى بالفوائد الغزيرة العزيزة، بنَفَسِ فقيهٍ حاذقٍ متقنٍ، وذكر فيها تحريرات لا تجدها في غيرها، وقد ربط بين مسائل " المنتهى "، وذكر فروقاً بين بعضها، وقد ذكر بعض الفضلاء أن أصل حاشية الشيخ عثمان هو حاشية الخلوتي، وهذا الكلام فيه نظر يظهر لكل من أمعن النظر في الحاشيتين، نعم قد نقل عن شيخه منها في مواطن كثيرة، لكن ليس كل شيء، بل فيها مباحث كثيرة ليست موجودة في حاشية الخلوتي، فرحم الله تعالى الاثنين فالأول شيخ للثاني، وما هذا الشبل إلا من ذاك الأسد، ولا توجد حاشية توازي حاشيتي الخلوتي والنجدي في التحقيق، بل كل من أتى بعدهما عالة عليهما، ما عدا ابن جاسر في كتابه المليء بالذخائر

стр. 131

(مفيد الأنام) وسيأتي الحديث عنه وبيان أهميته بإذن الله تعالى. وحاشية الشيخ عثمان النجدي من الكتب المهمة الرئيسية التي لابد من قراءتها وتعليق الفوائد منها على " المنتهى ". هذا وللمنتهى حواشٍ كثيرة غير الحواشي الثلاث المتقدمة: منها تحريرات على " المنتهى " لياسين بن علي اللبدي (ت ١٠٥٨ هـ)، ومنها: حاشية حفيد ابن النجار عثمان بن أحمد بن محمد الفتوحي (ت ١٠٦٤ هـ)، ومنها حواشي الشيخ عبدالقادر الدنوشري (ت ١٠٤٠ هـ) وهو من تلاميذ الشيخ البهوتي (١).

стр. 132

المطلب الثاني التعريف بكتاب: الإقناع لطالب الانتفاع: الفرع الأول: التعريف بالمؤلف والكتاب: مؤلفه: الشيخ شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي (ت ٩٦٨ هـ)، وهو كتاب كبير، حاو لمسائل كثيرة، في تناسق متناغم، وبعبارة واضحة سهلة، تميز بكثرة المسائل، وتحرير النقول، وسهولة العبارة ووضوحها، وعنايته بالدليل والتعليل (١)، وميز كتابه كذلك، بل حلَاّه وجَمَّله بكثرة نقله لكلام شيخ الإسلام بحر العلوم النقلية والعقلية أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبدالحليم بن مجد الدين أبي البركات عبدالسلام بن تيمية - رحمة الله تعالى عليهم - وقد نقل عنه نقولات كثيرة منسوبة إليه، وتابعه في ذلك صاحب " غاية المنتهى " في مواطن كثيرة، وسيأتي بإذن الله نقل صاحب " المنتهى " كذلك عن شيخ الإسلام. وقد استوعب في كتابه مسائل " التنقيح " في الجملة، وزاد عليه مسائل كثيرة تفوق زيادات " المنتهى " على " التنقيح " إلا أن في " المنتهى " زيادات (٢) ليست في " الإقناع "، وبلا شك في " الإقناع " زيادات ليست في " المنتهى ". وذكر الشيخ ابن بدران أن الشيخ الحجاوي جعل " المستوعب " للشيخ السامري (ت ٦١٦ هـ) مادة كتابه " الإقناع "، وقال (يتبين ذلك بالتأمل للكتابين) (٣)، وجعل أيضا - في موطن آخر - معظم كتاب " الإقناع " منه.

стр. 133

وليس الأمر كما قال - رحمه الله تعالى - فمن تأمل الكتابين وجد بينهما فروقاً جوهرية ظاهرة: منها: أن " المستوعب " كتاب في الخلاف العالي في المذهب، وأما " الإقناع " فهو على رواية واحدة عدا مواضع قليلة ذكر فيها خلافاً لقوته وأهميته. ومنها: أن كتاب " المستوعب " ليس فيه تصحيح المذهب، بل نقل لجميع ما وقف عليه المؤلف، بخلاف " الإقناع " فهو كتاب تصحيح للمذهب. ومنها: أن موارد كتاب " المستوعب " غير موارد كتاب " الإقناع " والتي هي: كتب التصحيح في المذهب، ومن أهمها كتب الشيخ المرداوي الثلاثة " الإنصاف " و " تصحيح الفروع " و "التنقيح " كما ذكر الحجاوي ذلك في مقدمته (١)، وموارد " المستوعب " " مختصر الخرقي "، و " التنبيه " للخلال و "الإرشاد " لابن أبي موسى، و " الجامع الصغير "، و"الخصال " للقاضي أبي يعلى وغيرها من كتب الروايات التي ذكرها في مقدمته (٢). نعم قد نقل الشيخ الحجاوي بعض المسائل (٣) أوالقيود (٤) من " المستوعب" لكنها ليست هي مادة كتابه، فالمستوعب من موارد " الإقناع " كما

стр. 134

قال الشيخ البهوتي في مقدمته: (وتتبعت أصوله التي أخذ منها كالمقنع والمحرر والفروع والمستوعب .. الخ) (١). ثم وقفت على كلام الشيخ عبد الله التركي متعقبا فيه ابن بدران قال: (لا يسلم قوله ﵀ من النقد؛ فالناظر في الكتابين يجد بينهما فروقا متعددة؛ من ذلك: كثرة فروع الإقناع، ووجود بعض الفروع في المستوعب ليست في الإقناع، والاختلاف في الترتيب والسبك، وغير ذلك من وجوه التفرقة بين الكتابين والله أعلم) (٢). قال الشيخ عبد الله الشمراني - بعد كلام الشيخ التركي -: (قلت: كلامه متجه، ولكن نلحظ أن ابن بدران لم يقل: إن الإقناع نسخة من المستوعب، بل صريح كلامه أن الحجاوي استفاد من المستوعب، ومن غيره، مع ملاحظة أن استفادته من المستوعب كبيرة والله أعلم) (٣). وكتاب " الإقناع " من كتب الفقه الكبيرة جداً، فيه من المسائل والفروع التي لا تخطر على بال، وهذا من أهم الأسباب في قلة خدمته من علماء المذهب مقارنة له بقرينه " المنتهى "، فليس له - فيما أعلم- إلا شرح واحد وحاشيتان، ومن أسباب قلة خدمته أيضاً: وضوح عباراته، فليس فيها من الغموض والصعوبة ما في " المنتهى "، ولا يعني ذلك عدم اهتمام علماء المذهب به؛ بل هو عمدة الحنابلة المتأخرين مع " المنتهى ". وقد انتشر كتاب "الإقناع " في حياة مؤلفه كانتشار " المنتهى " فقد ذكر الشيخ عبدالله البسام ﵀ في كتابه " علماء نجد " (٤) في ترجمة الشيخ محمد بن إبراهيم بن أبي حميدان، وأنه لازم الشيخ الحجاوي أكثر من سبع سنين ملازمة تامة، وكتب له الشيخ الحجاوي إجازة قال فيها: (وبعد: فقد قرأ وسمع علي الإمام العلامة محمد أبو عبدالله شمس الدين ابن الشيخ

стр. 135

برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أبي حميدان ... قراءة وسماعاً ببحث وتحقيق وتدقيق كتابي " الإقناع " ... فقد قرأ وسمع الكتاب المذكور مرتين دروساً مشروحة بقراءته وقراءة غيره ... قراءة جميع ذلك في مدة لا تزيد على سبع سنين ... ). وهذا يدل على انتشار الكتاب في حياة مؤلفه - رحمه الله تعالى-، وقراءتُه عليه مراراً يدل أيضاً على قوة الكتاب ورصانته. الفرع الثاني: شرحه: " كشاف القناع عن الإقناع ": للشيخ منصور بن يونس البهوتي، وهو من أفضل شروح الشيخ منصور، ويكفي أنه لم يتجاسر أحد على شرحه إلا هو - رحمه الله تعالى- وذكر منهجه في شرحه واستمداده بقوله (ولما رأيت الكتاب الموسوم بـ " الإقناع " تأليف الشيخ الإمام، والحبر العمدة العلام، شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن سالم بن عيسى بن سالم المقدسي الحجاوي ثم الصالحي الدمشقي تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه الغرفات العليا من جنانه، في غاية حسن الوقع، وعظم النفع، لم يأت أحد بمثاله، ولا نسج ناسج على منواله؛ غير أنه يحتاج إلى شرح يسفر عن وجوه مخدراته النقاب، ويبرز مِنْ خَفِيِّ مكنوناته بما وراء الحجاب، فاستخرت الله تعالى وشمرت عن ساعد الاجتهاد، وطلبت من الله العناية والرشاد، وكنت أود لو رأيت لي سابقاً أكون وراءه مصليا (١)، ولم أكن في حلبة رهانه مجليا (٢)، إذ لست لذلك كفؤاً بلا مرا، والفهم

стр. 136

لقصوره يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وسألت الله أن يمدني بذارف لطفه ووافر عطفه، وسميته (كشاف القناع عن الإقناع). واللهَ أسأل أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يعاملنا بفضله، ومزجته بشرحه حتى صارا كالشيء الواحد لا يميز بينهما إلا صاحب بصر أو بصيرة، لحل ما قد يكون من التراكيب العسيرة وتتبعت أصوله التي أخذ منها كالمقنع والفروع والمستوعب وما تيسر الاطلاع عليه من شروح تلك الكتب وحواشيها، كالشرح الكبير والمبدع والإنصاف وغيرها مما من الله تعالى بالوقوف عليه كما ستراه، خصوصاً شرح " المنتهى " والمبدع، فتعويلي في الغالب عليهما، وربما عزوت بعض الأقوال لقائلها خروجاً من عهدتها، وذكرت ما أهمله من القيود، وغالب علل الأحكام وأدلتها على طريق الاختصار غير المردود وبينت المعتمد من المواضع التي تعارض كلامه فيها، وما خالف فيه " المنتهى " متعرضاً لذكر الخلاف فيها ليعلم مستند كل منهما وأستغفر الله تعالى مما يقع لي من الخلل في بعض المسائل المسطورة وأعوذ بالله من شر حاسد يريد أن يطفئ نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ومن عثر على شيء مما طغى به القلم أو زلت به القدم فليدرأ بالحسنة السيئة، ويحضر بقلبه أن الإنسان محل النسيان، وأن الصفح عن عثرات الضعاف من شيم الأشراف، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) (١). الفرع الثالث: حاشيتان على " الإقناع ". ١ - " حواشي الإقناع ": للشيخ منصور بن يونس البهوتي (ت ١٠٥١ هـ) علق على بعض مسائله،

стр. 137

وفيها من الفوائد والنكت ما لا يوجد في شرحيه للإقناع والمنتهى، وهذه الحاشية كتبها الشيخ البهوتي بعد حواشي " المنتهى " قال ﵀ في مقدمتها (وبعد، فلما رأيت الكتاب المسمى بـ " الإقناع ") قد حوى من الفروع الفقهية ما لم يحو غيره، وكثر اعتناء الفضلاء به، والعكوف عليه والرجوع إليه، وسارت به الركبان، فعم نفعه وخيره، لكن وقع في بعض المسائل منه الجزمُ بحكمٍ في موضع على قول، وفي موضع آخر بغيره، لأنه لم يلتزم كتاباً بعينه يسيرُ على سَيْرِهِ، بل أخذ من غالب الكتب ما احتوت عليه فغلب عليه في ذلك الوقت ما كان لديه لاعتنائه بجمع الفرائد وحرصه على ضم الفوائد. استخرت الله تعالى أن أكشف عنه القناع، وأسهل به الانتفاع بوضع حواش تبين الصحيح، مع عزو القول إلى أهل التحرير والتصحيح، وتوضح ما قد يخفى على الطالب، وتشير إلى قيود لتكمل المآرب، وربما زدت بعض فروع لم تكن في حواشي " المنتهى " حسبما يفتح به مَنْ إليه المرجع والمنتهى، مع أني لست من فرسان هاتيك المسالك ولا من رجال ذلك، ولكن استمد من الله المعونة والتيسير، وأسأله العصمة من الزلل والنفع بذلك، والعفو عن التقصير، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز برضاه وجنات النعيم) (١). ولما علق على خصائص النبي ﷺ في أول كتاب النكاح ختمه بكلام جميل فقال (٢): (وخصائصه ﷺ لا تنحصر، وفيها كتب تشتمل على بعضها، وما لا يدرك كله، لا يترك كله، وخالفت طريق الحواشي فيها بذكر الدليل؛ رجاء أن يحيى بها قلبي العليل، وينور بها بصري الكليل) ومن أهم ما أشار إليه الشيخ البهوتي في هذه المقدمة هو: أن صاحب " الإقناع " قد يجزم في مسألة بحكم في موطن، ويخالفه في موطن آخر.

стр. 138

قاعدة في كيفية العمل فيما لو اختلف حكم مسألة في موضعين: ذكر الشيخ علي بن محمد بن عبدالعزيز الهندي الحنبلي الحائلي (ت ١٤١٩ هـ) - رحمه الله تعالى- قاعدة مهمة في مثل هذه المسائل وهي قوله: (إذا ذكر صاحبُ " الإقناع " و " المنتهى "، وغيرُهما مسألةً في غير بابها فالمعتبر إذا ذكرت في بابها انتهى.) (١). وهذه قاعدة مهمة، للتعامل مع المسائل التي بهذه الكيفية، ومثل هذه المسائل ليست في " الإقناع " فحسب بل هي في " المنتهى " أيضاً فقد يجزم الشيخ الحجاوي، أو الشيخ ابن النجار في مسألة بحكم في باب، ويخالفه في باب آخر، كل هذا في مسألة واحدة، والتي من المفترض أن يسير - في حكمها- على قول واحد في كل موطن يذكرها، فما هو الحكم المعتمد؟ شرح القاعدة: أن المعتبر والمعتمد هو الحكم الذي في الباب التي ذُكِرَتْ فيه المسألة وهي أصل فيه، ومندرجة أصالة تحت ذلك الباب وهي من أهم فروعه، وليس المعتبر الحكم الذي ذكرت المسألة في بابه عَرَضاً واستطراداً وبياناً مع مسألة أخرى، ووجه ذلك ظاهر إذ أن العالم يكون أتقن لها ولحكمها إذا ذكرها في بابها الأصلي لأنه سيذكر شروطها وضوابطها وقيودها، بخلاف ما لو ذكرها في غير بابها. ما يؤيد قاعدة الجزم بالمذهب بما في الموضع الأصلي للمسألة: ثم إني رأيت ما يؤيد هذه القاعدة في كلام وعمل الشيخين عثمان والخلوتي، وذلك في مسألة ثبوت المصاهرة بتحمل المرأة ماء الزوج، حيث قرر في المنتهى في المحرمات في النكاح (٢) أن تحريم المصاهرة لا يثبت إلا بتغييب الحشفة؛ فيفهم منه: أنه لا يثبت التحريم بالمصاهرة بتحمل ماء الزوج لأنه ليس بتغييب حشفة، ثم في باب الصداق قال في أثناء حديثه عما يثبت

стр. 139

كل الصداق (١) (لا إن تحملت بمائه، ويثبت به - أي بتحمل ماء الرجل - نسب وعدة ومصاهرة)؛ فهنا صرح بأنه يثبت بتحمل ماء الرجل تحريم المصاهرة، فتعقبه النجدي بقوله (٢): (قوله (ومصاهرة) هذا قول صاحب "الرعاية"، وتقدم ما يخالفه في المحرمات حيث قال: (ولا يحرم في مصاهرة إلا تغييب حشفة .. الخ) ولعل ما تقدم هو الصحيح لأمرين: أحدهما: جريه في الإقناع على خلاف قول الرعاية في البابين (٣). والثاني: أن محل المسألة محرمات النكاح، وقد ذكر المصنف فيها خلاف قول صاحب الرعاية). والشاهد في قوله: ) أن محل المسألة محرمات النكاح)؛ فهذا يدل على أن الترجيح يكون بالحكم الذي تكون فيه المسألة أصلا فيه، لا الباب الذي ذكرت فيه استطرادا. وجعل الخلوتي (٤) ما في المحرمات هو الصحيح. ومع ذلك خالف الغاية ومشى في البابين على ما مشى عليه المنتهى، وبين في باب الصداق مخالفته للإقناع فقال: (ويثبت به عدة .. ومصاهرة خلافا له في المحرمات)، وتعقبه الشارحُ الرحيبانيُ (٥) بما يوافق ما صححه النجدي والخلوتي فقال: (وذكر المصنف هناك ما يؤيد ما قاله صاحب " الإقناع "، وعبارته: ولا يحرم في مصاهرة إلا تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، وما تقدم في باب المحرمات هو الصحيح من المذهب، وعليه معظم الأصحاب، فإن هذا القول انفرد به صاحب الرعاية وتبعه عليه صاحب " المنتهى " هنا مع أنه مشى في المحرمات على خلافه).

стр. 140

أمثلة على القاعدة السابقة: المثال الأول: قول الشيخ الحجاوي ﵀ في أول كتاب الصلاة: (وكذا- أي: يكفر- لو ترك ركناً أو شرطاً مجمعاً عليه كالطهارة والركوع والسجود، أو مختلفاً فيه يعتقد وجوبه) (١). ففي هذا الموضع قرر أنه يكفر بترك ركن أو شرط من الصلاة مختلفٍ فيه يعتقد وجوبه؛ بينما قرر في كتاب الردة: بأنه لا يكفر إذا ترك ركناً أو شرطاً من الصلاة إلا إذا كان مجمعاً عليه فقال: (أو) ترك (شرط أو ركن) للصلاة (مجمع عليه فيقتل كفراً) (٢)، ويفهم منه أنه لو ترك ركناً أو شرطاً مختلفاً فيه فإنه لا يكفر. فاختلف الحكم في الموضعين ففي كتاب الصلاة يكفر بترك ركن أو شرط مختلف فيه يعتقد وجوبه، وفي كتاب الردة لا يكفر بترك ذلك بل بمجمع عليه، وهذه المسألة من مسائل الردة فالعبرة بما في كتاب الردة فلا يكفر إذا ترك ركناً أو شرطاً مختلفاً فيه. ولم ينفرد صاحب " الإقناع " بذلك بل حتى صاحب " المنتهى " فعل مثله، واختلف قوله في البابين، حيث قال في كتاب الصلاة: (وكذا) أي كترك الصلاة جحوداً أو تهاوناً أو كسلاً (ترك ركن) للصلاة أو ترك (شرط) لها مجمعٍ عليه أو مختلف فيه (يعتقد) التارك (وجوبه) (٣) ثم قال الشيخ البهوتي: (وقال الموفق: لا يكفر بمختلف فيه، وهو قياس ما يأتي في الردة). وقرر في كتاب الردة بأنه: لا يكفر بترك ركن أو شرط مختلف فيه، بل بترك مجمع عليه حيث قال: (وإن ترك عبادة من الخمس تهاوناً لم يكفر إلا بالصلاة أو بشرط أو ركن لها مجمع عليه) (٤).

стр. 141

ومثلهما في ذلك " التنقيح " (١). وخالفهم الشيخ مرعي الكرمي في كتابه " غاية المنتهى "، فقرر في كتاب الصلاة بأنه لا يكفر بترك ركن أو شرط مختلف فيه فقال: (ولا كفر بشرط مختلف فيه يعتقد وجوبه خلافاً لهما هنا) (٢). قال الشيخ مصطفى الرحيباني شارح الغاية: (خلافاً لهما هنا) أي: للمنتهى ... و "الإقناع " حيث صرحا هنا بكفره تبعاً لابن عقيل، والدليل والتعليل يشهدان بصحة ما قال المصنف ومن تأمل نصوص المذهب علم أنه المعتمد قياساً على ما يأتي في الردة) (٣). وقول الغاية: (خلافاً لهما هنا) أي: أنا أخالفهما في هذا الموضع في كتاب الصلاة، وليس في كتاب الردة لأنهما قررا فيه بعدم كفر من ترك شرطاً أو ركناً مختلفاً فيه. ويستفاد من هذا المثال: أنه ليس كل ما قال فيه صاحب الغاية: (خلافاً لهما) أنه خالف المذهب؛ بل أحياناً يكون قوله هو المذهب، وليس قول صاحب " الإقناع " و " المنتهى "، كما في هذا المثال. المثال الثاني: قول الشيخ الحجاوي ﵀ في آخر مقدمة كتاب الزكاة (٤): (ولو أتلف المال بعد الحول قبل التمكن ضمنها (٥)، ولا تسقط بتلف المال إلا الزرع والثمر إذا تلف بجائحة قبل حصاد وجداد) فهنا قرر أن زكاة الزرع والثمر تسقط إذا تلفت بجائحة قبل حصاد وجداد، ويفهم منه أنها لو تلفت بذلك بعد الحصاد والجداد فإنها تضمن. بينما يقرر في باب زكاة الحبوب والثمار أنها لا تستقر الزكاة فيها إلا

стр. 142

بجعلها في البيدر (١)، وتضمن إذا تلفت بعده، ولا تضمن قبل جعلها في البيدر - ولو بعد الحصاد والجداد-، قال ﵀ (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في جرين، وبيدر، ومسطاح، فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت الزكاة) (٢). ففي هذه المسألة اختلف الحكم في البابين، ففي مقدمة الزكاة يقرر أن زكاة الحبوب والثمار تسقط بالتلف قبل الحصاد والجداد فقط، وفي باب زكاة الحبوب والثمار يقرر أنها تسقط بالتلف حتى بعد الحصاد والجداد، ولكن قبل وضعها في البيدر. وليس هذا صنيع الشيخ الحجاوي فحسب، بل وافقه في ذلك الشيخ ابن النجار في " المنتهى " (٣). والمذهب المعتبر في هذه المسألة هو الحكم المجزوم به في بابها الأصلي وهو: (باب: زكاة الحبوب والثمار)، وأن الحبوب والثمار إذا تلفت بجائحة ونحوها قبل الحصاد أو بعده وقبل وضعها في البيدر فإنها لا تضمن وتسقط زكاتها، وأما بعد وضعها في البيدر فيستقر الوجوب ولا تسقط زكاتها بتلفها وتضمن مطلقاً. وقد استدرك الشيخ مرعي عليهما في كتابه (غاية المنتهى)، قال في مقدمة كتاب الزكاة (٤): (إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل وضع في بيدر ومسطاح ولو بعد حصاد وجداد خلافاً لهما هنا). المثال الثالث: قول الشيخ الحجاوي ﵀ في كتاب الصيام، في آخر باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة في كفارة الجماع في رمضان (٥):

стр. 143

(والكفارة على الترتيب، فيجب عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فلو قدرعلى الرقبة في الصوم، لم يلزمه الانتقال، لا إن قدر قبله، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً). وقال في " المنتهى " (١): (وهي: عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فلو قدر عليها - لا بعد شروع فيه - لزمته ... الخ). وقال في التنقيح (٢): (فلو قدر على الرقبة في الصوم لم تلزمه، وتلزم من قدر قبله). والحاصل: أنهم يقررون هنا في كفارة من وطئ في نهار رمضان أنه يعتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، لكن إن قدر على الرقبة قبل الشروع في الصوم لزمته، وإن قدر عليها بعد الشروع فيه لم تلزمه. وهذا مخالف لما يقررونه في الفصل الذي يتكلمون فيه عن أحكام الكفارات؛ وهو كتاب الظهار، حيث يقررون قاعدة في الكفارات وهي: أن العبرة في الكفارات وقت الوجوب (٣)، وبناء على ذلك فمن كان وقت وجوب كفارة الوطء في رمضان عليه معسراً فالواجب عليه الصوم (٤) ولو أيسر بعد ذلك بوجود الرقبة، وسواء شرع في الصوم أو لا. ولذا قال الشيخ مرعي الكرمي في " غاية المنتهى " (٥): (وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ويتعين صوم لقن، لا عتق لمعسر أيسر، ولو قبل شروع في صوم خلافا له هنا) ... وكان ينبغي على الشيخ مرعي ﵀ أن يقول: خلافا لهما هنا؛ لأن "المنتهى" كالإقناع في ذلك، وكلاهما هنا تَبعَ التنقيح.

стр. 144

وقال الشيخ البهوتي في " شرح المنتهى " (١): (هكذا قالوا هنا ويأتي في الظهار: أن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب، فعليه: لا تلزمه شرع فيه أو لا). وما ذكره الشيخ مرعي، والشيخ منصور هو المعتمد والمعتبر، وهو أن من حاله وقت الوجوب العسر، فيلزمه الصوم، ولو أيسر بعد ذلك، سواء شرع في الصوم أو لا؛ لأن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب. وتطبيقات هذه القاعدة في المذهب كثيرة تظهر جليا لمن تتبعها والله أعلم. ٢ - حاشية الخلوتي على " الإقناع ": وهي تعليقات على بعض مسائل " الإقناع"، وطريقته فيها كطريقته في حاشية " المنتهى " من التحرير والتدقيق، والربط بين المسائل، وذكر الفروق بينها، وأجوبة الشيخ منصور التي في الدرس، وهي أقل من حاشية " المنتهى"، وقد حققت في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود رسالة ماجستير، حققها الشيخ حاتم بن فالح المدرع، وذكر تعريفا لها في مقدمته، ولم يذكر من " الإقناع" إلا المسائل التي علق عليها الخلوتي فقط، وتصل إلى قرابة الألف صفحة، ولا شك أنها أقل من ذلك بكثير لكن المحقق أكثر من ذكر التعليقات عليها لمتطلبات الرسالة فجزاه الله خيرا.

стр. 145

المطلب الثالث: التعريف بكتاب "غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى ": الفرع الأول: التعريف بالمؤلف والكتاب: مؤلفه: الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (ت ١٠٣٣ هـ)، جمع فيه مؤلفه بين كتابين عظيمين في المذهب، وهما: " الإقناع" للحجاوي (ت ٩٦٨ هـ)، و" المنتهى " لابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) لإشباعهما بالفروع الفقهية، مشيرا لخلاف " الإقناع" بقوله: (خلافا له) وهو كثير، ولخلاف " المنتهى " بقوله: (خلافا للمنتهى) وهو قليل، ولخلافهما بقوله: (خلافا لهما) وهو قليل جدا، وقد زاد عليهما مسائل كما أنه قد ضم لذلك بحوثا يذكرها إذا كان جازما بها بقوله: (ويتجه)، فإن تردد في ذلك البحث زاد على قوله: (ويتجه احتمال)، وتلك الاتجاهات تكون في الغالب ليست مذكورة في الكتابين، بل قد تكون مفهومة من كلامهما، أو كلام غيرهما، وقد بين ذلك الشيخ حسن بن عمر الشطي (ت ١٢٧٤ هـ)، وسيأتي الحديث عنها، وقد تكون الاتجاهات أقوالا في المذهب من الإنصاف والشرح الكبير. وقد مدح الشيخ مرعي كتابه فقال: (ويأبى الله تعالى العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، ومع هذا فمن أتقن كتابي هذا فهو الفقيه الماهر، ومن ظفر بما فيه فسيقول بملء فيه: كم ترك الأول للآخر، ومن حصّلَه فقد حصل له جزيل الحظ الوافر، لأنه البحر لكن بلا ساحل، ووابل القطر غير أنه متواصل، بحسن عبارات، ورمز إشارات، تنقيح معان، وتحرير مبان، راجيا بذلك تسهيل بيان الأحكام على المتفقهين .. ) (١).
следующие страницы →