النقل من المنتهى والإقناع وشروحهما وحواشيهما، وغاية المنتهى، والإنصاف، ويعتني بذكر الدليل والتعليل، وينبه أحيانا على المخالفات التي بين الإقناع والمنتهى، وقد طبع سنة (١٤٣٦) في ثلاث مجلدات كبار بتحقيق الشيخ أحمد بن عبد العزيز الجماز جزاه الله خيرا.
٧ - الجمع بين دليل الطالب وغيره:
خرج كتاب يجمع بين دليل الطالب وزاد المستقنع، وهو: (قصد السبيل في الجمع بين الزاد والدليل في فقه الإمام المبجل أبي عبدالله أحمد بن حنبل) للشيخ حامد بن الخضر بن جاد آل بكر، وهو جمع فريد، اعتمد متن الدليل، وأضاف له زيادات الزاد، وقد بذل فيه جهداً كبيراً من حيث الترتيب، والتقسيم، والتوفيق بين مسائل المتنين، وبذلك يكون قد جمع بين مزايا ومحاسن الكتابين، ولا يخفى ما في مثل هذا العمل من الصعوبة البالغة، إلا أنه قد وفق في ذلك، وقد قرأه على الشيخ عبدالله بن عقيل - رحمه الله تعالى- وكتب الشيخ له مقدمة، وضم الجامع مع ذلك العمل مقدمة وخاتمة، أتى فيهما بفوائد مهمة يحسن الوقوف عليهما، جزى الله الشيخ على هذا الجمع المبارك وجعله في موازين حسناته.
ثم ظهر لي: أن الجمع بين الكتابين يصلح للقراءة فحسب، أما للدراسة ففي نظري لا يصلح، بل الأولى دراسة كل متن من الكتابين على حدة، لاختلاف منهج الكتابين في طريقة التأليف، وسبك العبارات، وعمقها وغير ذلك.
стр. 72
المطلب الرابع: كافي المبتدي .
للشيخ محمد بن بدر الدين ابن بلبان البعلي (ت ١٠٨٣ هـ) أصل متن " أخصر المختصرات " المتقدم ذكره، زاد فيه مسائل كثيرة ليست في مختصره، من أهمها: صفة الوضوء، وصفة الغسل، وغير ذلك، وهو كتاب معتمد في المذهب، وتميز بميوله الكثير إلى اختيارات الشيخ الحجاوي (١) فيما خالف فيه الشيخَ ابنَ النجار في كتابه " المنتهى"، وفيه مسائل يسيرة خالف فيها الصحيح من المذهب.
شرح "كافي المبتدي ":
الروض الندي شرح كافي المبتدي:
وهو الشرح الوحيد- فيما أعلم - لمتن " كافي المبتدي "، وهو: للشيخ أحمد بن عبدالله بن أحمد البعلي (ت ١١٨٩ هـ) (٢) وهو شرح متوسط، دمج شرحه بالمتن، مع ذكر بعض القيود والتنبيهات التي تحتاجها مسائله، وينبه أحيانا عن مخالفات المتن للمذهب، قال عنه ابن بدران: (شرحاً لطيفاً محرراً) (٣)، وقد زاده مسائل كثيرة من " المنتهى" و " الإقناع"، و "الروض المربع "، بل أحياناً تكون هذه المسائل الزائدة مشكلة في " المنتهى " و " الإقناع " وينضم مع ذلك أحياناً التصحيفُ الذي في طباعة (٤) الشرح فيزيد الأمر تعقيداً مما يضطر القارئ أن يعود إلى الأصول للتصحيح.
стр. 73
المطلب الخامس: زاد المستقنع في اختصار المقنع:
للشيخ شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي (ت ٩٦٨ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وأسبغ عليه من أفضاله ونعمه، وجعله في الفردوس الأعلى من الجنة، وكتاب الزاد أشهر من نار على علم، وشهرته تغني عن التعريف به، اختصر فيه مؤلفه كتاب المقنع للشيخ الموفق - رحمه الله تعالى - مشى فيه على قول واحد من المذهب في الغالب، وزاد عليه مسائل مهمة ليست في المقنع.
وهو من أفضل المتون المختصرة على الإطلاق، كون مؤلفه عمدة في المذهب، وليس ذلك في غيره من المتون المختصرة.
وليس في متون الفقه المختصرة ما يوازيه في المسائل كثرة فضلاً على أن تكون أكثر منه ﵄ ومع ذلك فيه من المسائل المخالفة للمذهب المعتمد أكثر من غيره ﵄ بل فيه مسائل خالف فيها المسائل التي مثلها في كتابه " الإقناع " (١) وقد تُتُبِّع في تلك المسائل التي خالف فيها المذهب من بعض العلماء ﵄ منهم الشيخ منصور البهوتي في شرحه الروض المربع وهو أحياناً يذكر أن المسألة مخالفة للمذهب ﵄ وأحياناً يصرف المسألة عن ظاهرها حتى توافق المذهب بدون أن ينص على مخالفتها للمذهب ﵄ ومنهم الشيخ علي بن محمد الهندي
стр. 74
الحائلي ثم المكي (ت ١٤١٩ هـ) المدرس بالمسجد الحرام ذكر منها اثنتين وثلاثين مسألة (١) وزاد عليها الشيخ عبدالرحمن العسكر في آخر تحقيقه لكتاب الزاد ثلاث مسائل فقط، ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع، ومنهم الشيخ سلطان العيد في كتابه (المدخل إلى دراسة زاد المستقنع) (٢) ذكر مائة مسألة خالف فيها الحجاوي المذهب، ومنهم الشيخ محمد الهبدان في تحقيقه لكتاب الزاد ذكر في كل موطن خالف فيه الحجاوي المذهب، وكذا غالب من شرح الزاد نبه على ذلك في الغالب.
ولعلّ من أسباب كثرة مخالفته للمذهب كثرة مسائله، وفي ذلك فوائد كثيرة من أهمها: رياضة الطالب على مراجعة الكتب الكبيرة كالمنتهى و "الإقناع" للتعرف على الصحيح من المذهب.
وقد فاق غيره من المتون المختصرة - غير كثرة مسائله عليهم - في ذكره لأهم أمهات المسائل في كل باب، وذكره للصفات بطريقة بديعة واضحة،
стр. 75
كصفة الوضوء والغسل والصلاة والحج وغير ذلك، وهو أوفى لمسائل الباب من غيره من المختصرات في أكثر الأبواب كباب الحيض والربا والفرائض والنكاح والطلاق وغيرها، إلا أنه ينقصه الترتيب في بعض أبوابه، كباب الفدية في الحج والحجر والإجارة واللقطة، فغيره من المختصرات أفضل منه ترتيباً - لا كثرة للمسائل بل هو أكثر منها فيها- وتقسيماً يتضح المرادُ إيضاحُه بمجرد قراءتها.
ولست بصدد دراسة للكتاب، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب (المدخل إلى دراسة زاد المستقنع) للشيخ سلطان العيد، ومقدمة تحقيق زاد المستقنع للشيخ محمد الهبدان، ومقدمة وخاتمة تحقيق زاد المستقنع للشيخ عبدالرحمن العسكر.
بعض شروح "زاد المستقنع" وحواشيه:
شروح الزاد وحواشيه، وحواشي شرحه الروض المربع كثيرة (١)، وسأذكر بعضها:
١ - الروض المربع شرح زاد المستقنع:
للشيخ منصور البهوتي (ت ١٠٥١ هـ) وهو شرح نفيس، وسيأتي الكلام عليه بإذن الله.
٢ - الشرح الممتع على زاد المستقنع (٢):
стр. 76
للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت ١٤٢١ هـ) ﵀ رحمةً واسعة، وهو من أفضل ما يوصى بقراءته، وقد اهتم فيه الشيخ بشرح مسائله وتصويرها والاستدلال لها والتمثيل لها بطريقة سهلة ميسرة وواضحة لكل من تناولها، مع ذكره للضوابط والقواعد الفقهية والفروق الفقهية التي تفيد الطالب في ضبط المذهب، وبذلك الشرح اتضحت مسائل الزاد في الجملة.
وقد بارك الله تعالى في هذا الشرح حتى انتشر واشتهر عند القاصي والداني، ولا يكاد حنبلي إلا وقد اقتنى هذا الشرح وقرأه وفهمه لسهولة ألفاظه، وبساطتها، أسأل الله تعالى الرفعة والقبول للشيخ في الدنيا والآخرة.
٣ - "شرح زاد المستقنع "
للشيخ خالد بن علي المشيقح، وهو شرح نفيس مختصر الزاد، بَيَّنَ فيه الشيخ مسائل الزاد تصويرا واستدلالا وأمثلة بعبارة رشيقة، وطريقة فائقة أنيقة، وقد أكثر فيه من ذكر الضوابط والفروق والتقاسيم للمتن حتى صار سهلا مذللا لطالب العلم، وحرر المذهب في كثير من مسائله، وبينه أحسن بيان، وهو موجود في أشرطة صوتية مسجلة من شرحه للزاد في دروسه في بريدة، ومن دورات له في الرياض، وبريدة، وغيرها، يوجد الكثير منه في موقع الشيخ على الشبكة العنكبوتية، وهو من أفضل الشروح للزاد في العصر الحاضر، ويأتي في الأهمية بعد الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين ﵀ فهو كالتلخيص والترتيب لشرح الشيخ ابن عثيمين وزيادة أيضا.
٤ - شرح كتاب زاد المستقنع للشيخ حمد الحمد:
للشيخ: حمد بن عبد الله الحمد - حفظه الله تعالى - وهو شرح مختصر للزاد اهتم فيه - في كثير من المواطن - ببيان العبارات وتصويرها والاستدلال لها، وأكثر من ذكر أمثلة توضيحية، وهي مهمة لاستيعاب المتن، ومن تأمل
стр. 77
هذا الشرح تبين له فقه صاحبه، وعلو كعبه في علم الحديث من خلال الكلام على أدلة المتن وبيان درجتها من حيث الصحة والضعف، ويأتي هذا الشرح في الأهمية بعد شرح شيخنا الشيخ خالد المشيقح، وهو موجود كله من الطهارة إلى الإقرار على موقع الشيخ، المسمى (الزاد) على الشبكة العنكبوتية.
стр. 78
المطلب السادس: الروض المربع شرح زاد المستقنع:
للشيخ منصور بن يونس البهوتي (ت ١٠٥١ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وجعله في الفردوس الأعلى من الجنة، وهو العالم الذي سخر جهده وقلمه لشرح الكتب التي عليها المعتمد في المذهب كالزاد - وقيل: إنه أول ما شرح، فرغ منه في سنة ثلاث وأربعين وألف (١) - و " الإقناع"، و"المنتهى "، وقد تميزت شروحه بالسهولة والبيان، والقوة والمتانة والتحرير والاستدلال والاستطراد فيه أحيانا، ولم يكن مجرد ناقل، بل عن فهم وتمحيص (٢)، وكان رحمه الله تعالى واسع الاطلاع على من تقدمه من كتب المذهب، من متون وشروح وحواش (٣)،
وهذا الذي جعل الفقه عنده سهلا لينا؛ حتى صار بارعا متفننا في تناوله للمسائل من حيث الوضوح والبيان، وقد بحثت في ترجمته لأتعرف على محفوظاته في الفقه فلم أجد شيئا، والحقيقة أنه يحفظ كل شيء؛ حتى إنه يربط بين مسائل في بابين مختلفين بعيدين بطريقة عجيبة فريدة، وهذا مما حباه الله به، ولا يغني كتاب من كتبه عن كتاب آخر ففي كل واحد منها
стр. 79
ما لا يوجد في الآخر، بل يوجد في حاشيتيه على " الإقناع " و"المنتهى " من الفوائد والنكت والبحوث ما لا يوجد في شرحيهما له، وألف شرحيه في وقت وجيز، بدأ أولا في وضع حواشيه على " الإقناع " و " المنتهى "، ثم شرع في شرح " الإقناع " فشرح المعاملات منه أولا وفرغ من المجلد الأول في تاسع عشر من ذي الحجة سنة أربع وأربعين، وشرع في المجلد الثاني وفرغ منه سنة خمس وأربعين وألف يوم الخميس مستهل شعبان، وشرح العبادات في سنة ست وأربعين، ثم شرح المفردات وفرغ منها سنة سبع وأربعين وألف، ثم شرح " المنتهى " وفرغ منه يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر شوال سنة تسع وأربعين وألف (١)، فانظر أخي أنه لم يستغرق في أهم تآليفه أكثر من سبع سنوات تقريبا، وما ذاك إلا لطول باعه وسعة علمه في الفقه، (وبالجملة فهو مؤيد المذهب ومحرره، وموطد قواعده ومقرره، والمعوَّلُ عليه فيه، والمتكفِّلُ بإيضاح خافيه جزاه الله أحسن الجزاء) (٢).
وكتابُ الروض المربع من أفضل شروح الزاد على الإطلاق تميز بالوضوح والسهولة، وذكر القيود والشروط التي تحتاجها مسائل الزاد، مع تبيين المذهب وتحريره بقدرة فائقة منقطعة النظير، ويقدم في تحريره للمذهب " المنتهى "، ولكن أسلوبه سهل كـ " الإقناع"، قال في مقدمته: (أما بعد: فهذا شرح لطيف على مختصر المقنع - للشيخ الإمام العلامة والعمدة والقدوة الفهامة هو شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم المقدسي الحجاوي ثم الصالحي الدمشقي- تغمده الله برحمته وأباحه بحبوحة جنته - يبين حقائقه ويوضح معانيه ودقائقه مع ضم قيود يتعين التنبيه عليها، وفوائد يحتاج إليها، مع العجز وعدم الأهلية لسلوك تلك المسالك؛ لكن ضرورة كونه لم يشرح اقتضت ذلك، والله المسؤول بفضله أن ينفع به كما نفع بأصله وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وزلفى لديه في جنات
стр. 80
النعيم المقيم) (١).
وقد تميز شرحه - رحمه الله تعالى - بأنه فعل غالب ما يحتاجه متن " زاد المستقنع " مما ذكرته عن الشيخ المرداوي وما فعله في " التنقيح "، ومما يرجح زاد المستقنع على غيره من المختصرات: أن الذي تولى شرحه وبيانه وتقويم ما يحتاج لتقويم فيه، وذكر الأحكام وغير ذلك هو الشيخ منصور البهوتي شارح كتب المذهب.
وقد زاد الشيخ البهوتي في شرحه مسائل كثيرة هي أصول في بابها، تحتاج لشرح وتصوير، وهذا هو السبب الذي جعلني أذكره في آخر المرحلة الأولى، لأن الطريقة الصحيحة لدراسة متن ما: أن يهتم الطالب بمسائله فحسب لئلا يتشتت ذهنه بكثرة المسائل، وبعد ذلك يرى نفسه لا يتقن شيئا، والعالم هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
بعض ما كتب على "الروض المربع" من حواشي:
١ - حاشية للشيخ عبدالوهاب بن الشيخ محمد بن فيروز الوهيبي التميمي الحنبلي الأحسائي (ت ١٢٠٥ هـ) رحمه الله تعالى:
وهي حاشية نفيسة يذكر فيها آراء شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وكذا اختيارات شيخه الشيخ عيسى بن مطلق، واختيارات والده الشيخ محمد بن فيروز، علاوة على ذكره لقيود مهمة، وفروق بين بعض المسائل، واستدراكات على بعض العلماء، وغير ذلك من الفوائد، وقد وصل فيها إلى باب الشركة فقط ولم يتمها (٢).
قال الشيخ البسام في علماء نجد: (له حاشية نفيسة على شرح الزاد وحين ألفها كان ابن عشرين سنة وكنا نراجعها أثناء قراءتنا شرح الزاد على شيخنا السعدي فنجد فيها فوائد قيمة).
стр. 81
وقال أيضا: (وعمره ٣٣ سنة وهو من بيت علم فأبوه وجده وجد أبيه كلهم من كبار العلماء).
قلت: وحاشية ابن فيروز من أنفس ما كتب على الروض من الحواشي؛ لما فيها من التحريرات المذهبية، وشيء من علم الأصول والحديث، وقد نقلها كلها تقريبا العنقري، وكذا ابن القاسم في حاشيتيهما على الروض المربع والله أعلم.
٢ - حاشية الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن العنقري على الروض المربع قاضي سدير (ت ١٣٧٣ هـ):
وهي حاشية فيها فوائد جليلة، غالبها نقولات عن حواشي كبار الحنابلة المتأخرين وهي: حاشية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين مفتي الديار النجدية على شرح المنتهى، ومن حاشيته أيضا على الروض المربع، ومن حاشية الشيخ منصور على " الإقناع" و" المنتهى "، ومن حاشية الشيخ الخلوتي والشيخ عثمان، والشيخ ابن عوض على " المنتهى "، ومن حاشية ابن فيروز على" الروض المربع "، ومن مجموع ابن منقور (١).
وقال الشيخ عبد الله البسام: (وغالبها منقول من حاشية عبد الوهاب بن فيروز، وبعد أن وقف النقل عن حاشية ابن فيروز في باب الشركة، حيث وقف قلم ابن فيروز، قلَّت الفائدة في حاشية العنقري) (٢).
وكما قال: (قَلَّتْ الفائدة)؛ أي: لكنها لم تنعدم.
٣ - تقريرات لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت ١٣٨٩ هـ) على بعض مسائل الزاد والروض المربع من الطهارة إلى الإقرار:
جمعها من دروس الشيخ وفتاواه الشيخُ محمد بن عبدالرحمن بن قاسم وفيها من الفوائد النفائس ما يتعجب منه، ومن ذلك: ما نظمه الشيخ ﵀
стр. 82
تعالى - في الأيدي المترتبة على يد الغاصب (١)، قال الشيخ محمد بن قاسم: الأيدي المترتبة على يد الغاصب نظمها سماحته وأملاها وشرحها أثناء الدرس:
على يد الغاصب أيد رتبت ... عشر ضمانها لديهم قد ثبت
مستأجر وغاصب ومن قبض ... عوض بضع ومعار ذا الغرض
وقابض العين لحظ الدافع ... ومن ينمي ماله كالزارع
وقابض تملكا أدى العوض ... وقابض تملكا بلا عوض
وناكح مغصوبة فولدت ... وهلكت ويد شخص أتلفت
فغاصبا ضمنه أو ضمن يدا ... ترتبت على يد الذي اعتدى
وبقرار الغرم خص من هلك ... لديه مغصوب وأعط من ملك
وغاصب والمستعير مطلقا ... لايرجعان وامرؤٌ تحققا
وغير هؤلاء راجع على ... من غره بغرم ما قد بذلا
فهاكها عشرة في العشر ... وحكمها منظومة كالدر. (٢)
٤ - حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٢ هـ) رحمه الله تعالى:
وهي حاشية مشهورة نفيسة، مفيدة للطالب المبتدي، وتنفع المنتهي، وقد ذكر فيها نقولات مطولة في اللغة والخلاف وغير ذلك، وفيها شرح وتوضيح لكثير من عبارات الروض، ولا توجد حاشية على الروض توازيها كثرة، ولا أعلم حاشية في المذهب على متن من متونه أكبر منها، لكن ينقصها العزو في أغلب النقولات.
стр. 83
المبحث الخامس: تتمة كتب المذهب المختصرة وغيرها:
المطلب الأول: بقية المتون المختصرة:
بعد أن ينتهي طالب العلم من المرحلة الأولى يحسن به أن يشرع في تتمة لها، بقراءة كتب لها دور كبير في تقوية فهمه، وتوسيع أُفُقِهِ في المذهب، وهي على ما يلي:
١ - بداية العابد وكفاية الزاهد في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل:
للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله البعلي (ت ١١٩٢ هـ)، صاحب كشف المخدرات في شرح أخصر المختصرات، وكتاب بداية العابد في العبادات الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج ومعها الجهاد، ويحسن أيضا أن يقرأ معه شرحَه " بلوغ القاصدِ جل المقاصد " وهو شرح لمؤلف المتن.
٢ - مختصر في فقه الإمام أحمد بن حنبل لأبي بكر خوقير (ت ١٣٤٩ هـ):
وهو متن لطيف سهل أملاه مؤلفه على أحد تلاميذه، تميز باعتماد متن " المنتهى " - كما ذكر ذلك محققه - كالمختصر له، وأبدل بعض عباراته الصعبة بما يؤدي معناها من شرح" المنتهى"للبهوتي، وزاد عليه مسائل من
стр. 84
" الإقناع" (١)، وقد عمل الشيخ محمد الفوزان مقارنة بينه وبين أخصر المختصرات، وانتهى إلى نتائج:
منها: أن مسائل الأخصر أكثر من مسائل مختصر خوقير.
ومنها: أن الأخصر مخدوم من حيث الشروح، وليس كذلك مختصر خوقير بل لا شرح له مكتوب البتة.
ومنها: ترجيح مختصر خوقير على أخصر المختصرات لجودة عباراته وترتيبه لأن أصله متن: " المنتهى ".
وقد ذكر محققه بأنه مختصر للمنتهى، وفيما قاله المحقق - من كون مختصر خوقير مختصرا للمنتهى - نظرٌ ظاهرٌ، بل ليس الأمر كذلك أبدا؛ بل فيه استقلالية في بعض أبوابه وفصوله، وكثير من أبوابه منقولة بألفاظها كاملة من " زاد المستقنع" مثل: فصل تكفين الميت، والصلاة عليه، وباب زكاة الفطر، وباب ما يفسد الصوم، وباب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء، وكتاب الحج كله تقريبا، ومن بداية كتاب القضاء إلى آخر الكتاب وهو الإقرار، وبعض أبوابه من " دليل الطالب " كنواقض الوضوء، وبعض باب المسح على الخفين، وبعض التيمم وغيرهما.
وبذلك يتبين عدم صحة كون مختصر خوقير مختصراً لمتن " المنتهى "، ولو قيل: إنه مختصر من " المنتهى " - لا للمنتهى - لكان ذلك بعيدا، فكيف يقال بأنه مختصر للمنتهى!
وكذلك يتبين عدم صحة كون المؤلف قد حافظ على ألفاظ " المنتهى "، وأنه غير بعض ألفاظه بأسهل منها.
وأما أنه حذف من " المنتهى " كثيرا من المسائل قليلة الحدوث، فهذا فيه نظر ظاهر، لعدم التسليم أصلا أنه مختصر للمنتهى، وما وجد منذ أن ألف ابن النجار " المنتهى " إلى يومنا هذا مختصر للمنتهى، بل إما شرحا، وإما جمعا بينه وبين "الإقناع"، وإما حاشية، وإما مختصراً منه وما عدا ذلك فبعيد جدا وكل مسائله محررة.
стр. 85
ولا يُقدم مختصر خوقير على أخصر المختصرات، بل أخصر المختصرات متن مستقل معتمد، قد مرت عليه قرون، وقد خدم بالشرح والتحشية.
وبالجملة فكلا المتنين من أخصر المختصرات، ومختصر خوقير مهم، فيحسن الوقوف على الكتابين؛ ليجمع الطالب بين محاسنهما.
قال الشيخ بكر أبو زيد مبينا أن مختصر خوقير، من آخر المختصرات في المذهب: (وبهما (١) أقفل باب المتون في المذهب وأسدل الحجاب، فما رأيت من ألف متنا في المذهب بعدهما إلا كتابين لم أعرف عنهما سوى عنوانهما هما: " مختصر في فقه الإمام أحمد بن حنبل " لأبي بكر خوقير المكي (ت ١٣٤٩ هـ)، و " مختصر في الفقه " لابن بليهد عبد الله بن سليمان، (ت ١٣٥٩ هـ) (٢).
وقد وجد متن في المذهب للشيخ عبد الله بن إبراهيم الزاحم الأستاذ في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، وهو كتاب: (الكفاية)، حرره من عدة متون معتمدة وهي کافي المبتدي، وأخصر المختصرات، ودليل الطالب، وعمدة الطالب، ومختصر خوقير، وهو متن جيد محرر؛ لاعتماده على مختصرات محررة، وقد تابع فيه مؤلفه الإقناع في أكثر مسائله الخلافية، جزى الله مؤلفه خيرا، وفرغ منه سنة ١٤٣٠ ه.
стр. 86
المطلب الثاني: قراءة شروح المتون الأربعة الأولى:
١ - كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات.
٢ - هداية الراغب لشرح عمدة الطالب للشيخ عثمان النجدي، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام (ت ١٤٢٣ هـ).
٣ - نيل المآرب بشرح دليل الطالب للشيخ التغلبي.
٤ - الروض الندي شرح كافي المبتدي للشيخ البعلي. (١)
وتكون قراءتها بالتعليق عليها من كتابي " الإقناع" و " المنتهى " وشرحيهما.
стр. 87
المطلب الثالث: قراءة كتب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) الفقهية كلها، ومن أهمها:
١ - "إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب ":
وقد ألف كتابه هذا بطريقة السؤال والجواب في غالب أبواب الفقه مبتدأ بالطهارة، وخاتما له بالإقرار، وحرر المذهب تحرير عالم متقن، وإن كان يرجح ما يراه راجحا، وقد ضَمَّنَ بعض أبوابه فروقا بين الفروع الفقهية.
٢ - المناظرات الفقهية:
وهو عبارة عن عشرين مسألة مشهورة، وسماها أمثلة، اختارها من بعض أبواب الفقه، جعل بيانها بمناظرة بين شخصين، يتبنى أحدُهُمَا أحدَ القولين في المسألة، والآخر يناظره بالقول الآخر فيها، وهو كتاب شائق، وطريقة فريدة، بين فيها كلها المذهب أحسن بيان.
стр. 88
المبحث السادس: بعض آداب طلب العلم:
المطلب الأول: التعليم بالعمل:
التعليم بالعمل أبلغ من التعليم بالقول، وأسرع في الوصول إلى الامتثال، والتصور من غيره، ولذلك كانت تربية النبي ﷺ في كثير من أحواله - لأصحابه عملية كالصلاة مثلا (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١)، والحج (لتأخذوا عني مناسككم) (٢).
وكان ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - يولي هذا الجانب في صيد الخاطر اهتماما كبيرا، ومن أحسن ما ذكره في ذلك ما يلي:
قال ﵀: (لقيتُ مشايخَ، أحوالُهم مختلفةٌ، يتفاوتون في مقادِيرِهم في العلم.
وكان أنفعُهُم لي في صحبتِهِ، العاملَ منهم بعلمه، وإن كان غيرُهُ أعلمَ منه.
ولقيتُ جماعةً من علماء الحديث يحفظون، ويعرفون، ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبةٍ يخرجونها مخرجَ جرحٍ وتعديلٍ، ويأخذون على قراءة الحديث أُجرةً، ويسرعونَ بالجواب لئلا ينكسرَ الجاهُ، وإن وقع خطأٌ.
стр. 89
ولقيتُ عبدَ الوهاب الأنماطي:
فكان على قانونِ السلفِ.
لم يُسمعْ في مجلسه غيبةٌ، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث.
وكُنتُ إذا قرأتُ عليه أحاديث الرقائق بكى، واتصل بكاؤُه.
فكان -وأنا صغيرُ السنِّ حينئذٍ-يعملُ بكاؤُه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل (١).
ولقيت الشيخَ أبا منصور الجواليقي:
فكان كثيرَ الصمتِ.
شديدَ التحري فيما يقول، متقناً محققاً.
стр. 90
وربما سُئِلَ المسألةَ الظاهرةَ التي يبادر بجوابها بعضُ غلمانه، فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثيرَ الصوم والصمت.
فانتفعت برؤيةِ هذينِ الرجلينِ أكثرَ من انتفاعي بغيرهما.
ففهمت من هذه الحالة: أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول.
ورأيتُ مشايخَ كانت لهم خلواتٌ في انبساطٍ ومُزاحٍ، فراحوا عن القلوب، وبدد تفريطُهم ما جمعوا من العلم، فقلَّ الانتفاعُ بهم في حياتِهم، ونُسُوا بعد مماتهم، فلا يكاد أحدٌ أن يلتفت إلى مصنفاتهم.
فالله الله في العمل بالعلم فإنه الأصل الأكبر.
والمسكينُ كلُّ المسكينِ مَنْ ضاعَ عمُرُه في علمٍ لم يعمل به، ففاتته لذاتُ الدنيا، وخيراتُ الآخرة، فَقَدِم مُفلِساً مع قوةِ الحجةِ عليه) (١).
стр. 91
المطلب الثاني: في آداب العالم والمتعلم:
سئل الشيخ عبدالرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى- مالآداب التي ينبغي للعالم والمتعلم التخلق بها؟
الجواب: أصل الأدب لكل منهما، الإخلاص لله تعالى، وطلب مرضاته، وقصد إحياء الدين، والاقتداء بسيد المرسلين، فيقصد وجه الله تعالى من تعلمه وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، وفي مطالعته ومدارسته ومراجعته، وأن يزيل عن نفسه وغيره موتَ الجهل وظلمتَه، وينير قلبه ويحييه بالعلم النافع، فإن العلم نور يستضاء به في الظلمات، وحِنْدِس (١) الجهالات.
فكلما ازداد علماً ازداد نوراً بمعرفة الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والحلال من الحرام، والصحيح من الفاسد، وعرف مراتب الأشياء وطرق الخير من الشر.
فالعلم عبادة تجمع عدة قربات: التقرب إلى الله بالاشتغال به، فإن أكثر الأئمة نصوا على تفضيله على أمهات العبادات، وذلك في أوقاتهم الزاهرة بالعلم، فكيف بهذه الأوقات التي تلاشى فيها أو كاد أن يضمحل، والاستكثار من ميراث النبي ﷺ ، وأن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة، ونفعُهُ واصلٌ لصاحبه ومتعدٍ إلى غيرِه، ونافعٌ لصاحبه حياً وميتاً.
وإذا انقطعت الأعمال بالموت، وطويت صحيفة العبد، فأهل العلم حسناتهم تتزايد كلما انْتُفِع بإرشادهم، واهْتُدِيَ بأقوالهم وأفعالهم، فحقيق بالعاقل الموفق أن ينفق فيه نفائس أوقاته، وجواهر عمره، وأن يعده ليوم فقره وفَاقَتِهِ.
стр. 92
وينبغي للمعلم: أن يصبر على التعليم، ويبذل جهده في تفهيم كل طالب ما يتحمله ذهنه، ولا يشغله بكثرة القراءات، أو بما لا يتحمله ذهنه، وأن ينشطه على الدوام، ويكثر من سؤاله وامتحانه، ويمرنه على المباحثة وتصوير المسائل، وبيان حكمتها ومآخذها، ومن أيِّ الأصولِ الشرعية أخذت، فإن معرفة الأصول والضوابط، واعتبارها بالمسائل والصور، من أنفع طرق التعليم، وكلما ذاق طالب العلم لذة فهمه، وحسن مأخذه، ازدادت رغبته، وقوي فهمه.
وكذلك ينبغي له أن يوقظ فهمه بكثرة البحث، والسؤال والجواب، ويُرِيَهُ السرور إذا أورد عليه سؤالاً أو إشكالاً، أو عارضه بما قاله، فإن القصد النفع، والوصول للحق، لا الانتصار للقول الذي يقوله، والمذهب الذي يصير إليه بل إذا أرشده مَنْ دونه إلى خلل بما قاله، شكره عليه، وبحث معه بحثاً يقصد منه الوصولَ إلى الحقيقة، لا نَصْرَ ما هو عليه من الطريقة.
ورجوعُ المعلم إلى فهم المتعلم، حيث يكون أقرب إلى الصواب، أدلُّ شيء على فضيلته، وعُلُوِّ مرتبته، وحسن خلقه وإخلاصه لله تعالى، وإذا لم يصل إلى هذه الحال، فَلْيُعَوِّدْ نفسه ذلك، وليتمرن عليه، فإن الْمُزَاوَلاتِ تُعْطِي الملَكات، والتمرينات ترقي صاحبها لدَرَجِ الكمالات.
وينبغي للمتعلم: أن يحسن الأدب مع معلمه، ويحمد الله تعالى إذ يسر له من يعلمه من جهله، ويُحْييه من موته، ويوقظه من سِنَتِهِ، وينتهز الفرصة كل وقت في الأخذ عنه، ويكثر من الدعاء له حاضراً وغائباً، فإن النبي ﷺ قال (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به، فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه) (١).
وأي معروف أعظم من معروف العلم؟ وكل معروف ينقطع إلا معروف
стр. 93
العلم والنصح والإرشاد، فكل مسألة اسْتُفِيدَت عن الإنسان فما فوقها، حصل بها نفع لمتعلمها وغيره فإنه معروف، وحسنات تجري لصاحبها.
وقد أخبرني صاحب لي كان قد أفْتى في مسألة في الفرائض، وكان شيخه قد توفي لأنه رآه في المنام يقرأ في قبره، فقال: المسألة الفلانية التي أفتيتَ فيها، وصلني أجرها، وهذا أمر معروف في الشرع (من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) (١) وينبغي أيضاً للمتعلم: أن يلطف بالسؤال، ويرفق بمعلمه، ولا يسأله في حالة ضجر أو ملل أو غضب، لئلا يتصور خلاف الحق مع تشوش الذهن، وأقل الحالات أن يقع الجواب ناقصاً.
وإذا رآه مخطئاً في شيء، فلا يصرح بالخطأ، بل ينبه بصورة متعلم وسائل، فإنه لا يزال كذلك حتى يتضح له الصواب، لأن كثيراً من الناس إذا صرحت له بخطئه، بَعُدَ رجوعُهُ، وصعب عليه الأمر، إلا من ملك نفسه، وخلَّقَهَا بالأخلاق الجميلة، فإنه لا يبالي إذا رُدَّ عليه قوله، وصُرِّح له بالخطأ، وهذه الحال من أندر الأحوال، وليس بين العبد وبينها إلا توفيق الله، والاجتهاد في رياضة النفس.
وكذلك ينبغي للمتعلم إذا دخل في فن من فنون العلم، أن ينظر إلى كل باب من أبواب العلم، فيحفظ منه الأشياء المهمة، وبحوثه النافعة، فيحققها ويتصورها كما ينبغي، ويحرص على مآخذها وما هي مبنية عليه، فإنه لا يزال على هذه الحال حتى يحصل له خير كثير، وعلم غزير، (ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) البقرة ٢٦٩، ونسأل الله التوفيق والهداية دائماً، فإنه قريب مجيب، وصلى الله على محمد وسلم (٢).
стр. 94
المطلب الثالث: أقوال لابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في أهمية التفقه:
قال - رحمه الله تعالى - (أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته. ومن تأمل ثمرة الفقه علم أنه أفضل العلوم. فإن أرباب المذاهب فاقوا على الخلائق أبداً، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة، واعتبر هذا بأهل زماننا فإنك ترى الشاب يعرف مسائل الخلاف الظاهرة فيستغني ويعرف حكم الله تعالى في الحوادث ما لا يعرفه النحرير من باقي العلماء.
وكم رأينا مُبَرَّزَاً في علم القرآن أو في الحديث أو في التفسير أو في اللغة لا يعرف مع الشيخوخة معظمَ أحكامِ الشرعِ!
(وربما جهل عملَ ما ينويه في صلاته، على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبياً عن باقي العلوم فإنه لا يكون فقهياً، بل يأخذ من كل علم بحظ ثم يتوفر على الفقه فإنه عز الدنيا والآخرة).
وقال أيضاً: (الفقه عليه مدار العلوم .... فإن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه فإنه الأنفع).
وقال أيضاً: (وأما ما أردت شرحه لك فإن الشاب المبتدئ طلبَ العلم ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفاً، ويجعل علم الفقه الأهم).
وقال أيضاً: (ثم لينظر ما يحفظ من العلم فإن العمر عزيز والعلم غزير، وإن أقواماً يصرفون الزمان إلى حفظ ما غَيْرُهُ أولى منه، وإن كان كل العلوم حسناً، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل، وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه)
стр. 95
وقال أيضاً (وإنما ينبغي للعاقل أن يأخذ من كل علم طرفاً ثم يهتم بالفقه)
وقال أيضاً (وجمهور العلوم الفقه) (١).
стр. 96
المطلب الرابع: بعض آفات الاشتغال بالعلم:
قال الشيخ أحمد بن عوض في حاشيته (١) على "هداية الراغب" للشيخ عثمان النجدي المسماة " فتح مولى المواهب على هداية الراغب":
(واعلم أن الاشتغال بالعلم له آفات كثيرة، عُدَّ منها في الحقيقة:
الوثوقُ بالزمنِ المستقبلِ، فيتركُ التعلُّم حالاً؛ إذ اليومُ في التعلمِ والتعليم أفضلُ مِنْ غدٍ وأفضلُ منهُ أَمْسُهُ، والإنسانُ كُلَّمَا كَبُرَ كَبُرتْ عوائقُهُ.
ومنها: الوثوقُ بالذكاءِ، فَكَثيرٌ مَنْ فاتَهُ بِركُونِهِ إلى ذَكائهِ وتسْوِيفِهِ أيامُ الاشتغالِ.
ومنها: التَّنَقُلُ من علمٍ قبل إتقانِهِ إلى آخرَ، ومن شيخٍ إلى آخرَ قبلَ إتقانِ ما بَدَأَ عليه، فإن ذلك هَدْمٌ لما قد بَنَى.
ومنها: طَلبُ الدنيا، والتَّردُّدُ إلى أهلِها، والوقوفُ على أبوابِهِمْ.
ومنها: وِلايةُ الْمَنَاصبِ، فإنَّها شاغلةٌ مانعةٌ، كما أنَّ ضيق الحالِ مانعٌ قويٌ)
стр. 97
الفصل الثاني: (المرحلة الثانية) دراسة كتاب " منتهى الإرادات "وقراءة كتابي "الإقناع" و"غاية المنتهى ":
стр. 98
المبحث الأول: كتب هذه المرحلة، والهدف المراد تحقيقه:
المطلب الأول: كتب هذه المرحلة:
١ - "منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات ": للشيخ الإمام العالم، الحبر الفهامة أبي البقاء محمد بن شهاب الدين أحمد بن عبدالعزيز بن علي الفتوحي المصري الحنبلي الشهير بـ (ابن النجار) الفقيه الثبت الأصولي اللغوي المتوفى سنة (٩٧٢ هـ).
٢ - الإقناع لطالب الانتفاع للشيخ شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى المقدسي ثم الدمشقي الصالحي (ت ٩٦٨ هـ).
٣ - غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ).
стр. 99
المطلب الثاني: الهدف المراد تحقيقه:
دراسة كتاب " المنتهى "، ثم قراءة " الإقناع "، ثم " غاية المنتهى".
بعد أن ينتهي الطالب من المرحلة الأولى، ويتقنها، يبدأ في المرحلة الثانية، وهي مرحلة تحتاج لصبر وتحمل، بل تجلد وتصبر، وهي: دراسة كتاب " منتهى الإرادات " لابن النجار -رحمه الله تعالى- وتكرار ذلك، وإنما وقع الاختيار على دراسة كتاب " المنتهى " دون " الإقناع " لاعتبارات كثيرة:
منها: أنه الكتاب المعتمد عند متأخري الحنابلة.
ومنها: أن أكثر عمل الحنابلة المتأخرين عليه، يدل على ذلك كثرة الحواشي التي كتبها العلماء عليه (١)، وإذا أردت أن تعرف قدر كتاب فانظر خدمة علماء المذهب عليه، ومن الكتب التي خدمها علماء الحنابلة قبل " المنتهى ": " المقنعُ " (٢) لابن قدامة المقدسي، و " المحرر" (٣) لمجد الدين أبي البركات ابن تيمية.
ومنها: أنه أكثر تحريراً من " الإقناع ".
ومنها: أنه أقل مسائل من " الإقناع ".
ومنها: أن كثيراً من عباراته معقدة وصعبة، فالتمرس على فتح المغلق منها، يجعل غيره سهلاً ميسراً.
وقراءة " المنتهى " ينبغي أن تكون قراءة دراسة تحقيق وتدقيق ومراجعة،
стр. 100
وينبغي أيضاً أن تكون أكثر من مرة لكي تضبط مسائله وتفهم، وينبغي أيضاً أن يجمع الطالب في قراءته للمنتهى - بل وغيره من المتون- بين قراءته له لوحده وعلى شيخ، فقد جاء في هامش النسخة (١) التي حققها الشيخ عبدالله التركي ما يلي: (بلغ: قراءةً وبحثاً ومراجعةً على شيخنا الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين دامت إفادته في آخر شهر ربيع الآخر من سنة ١٢٥٦ هـ قاله كاتبه علي عفا الله عنه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبلغ قراءة أيضاً على شيخنا المذكور ثانياً في شوال سنة ١٢٦١ هـ).
وجاء في ترجمة (٢) الشيخ: عبدالله بن عبدالرحمن بن جاسر (ت ١٤٠١ هـ) ما يلي: (ثم اشتغل بطلب العلم لدى شيخه إبراهيم بن صالح بن عيسى من بلد أشيقر ولازمه ملازمة تامة، وكان ابتداء طلبه للعلم لدى شيخه إبراهيم المذكور سنة ١٣٣٦ هـ ولا زال يقرأ عليه في كثير من الفنون قراءة بحث وتحقيق إلى سنة ١٣٤٢ هـ، ومن الكتب التي قرأها ... شرح المنتهى للشيخ منصور البهوتي قراءة بحث، وتحقيق، وتدقيق، وأكمل دراسته عليه مرتين ... الخ).
وجاء في إجازة الشيخ الحجاوي لبعض تلامذته ما يلي: (وبعد: فقد قرأ وسمع علي الإمام العالم العلامة محمد أبو عبدالله شمس الدين بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أبي حميدان ... قراءة، وسماعاً؛ ببحث، وتحقيق، وتدقيق كتابي " الإقناع " ... فقد قرأ وسمع الكتاب المذكور مرتين دروساً مشروحة بقراءته وقراءة غيره ... قراءة جميع ذلك في مدة لا تزيد على سبع سنين ... ) (٣).
وذكر الشيخ ابن حميد الحنبلي في كتابه " السحب الوابلة " (٤) إجازة الشيخ أحمد بن محمد القصير للشيخ فوزان بن نصر الله ما نصه: (وبعد فقد
стр. 101
قرأ عليَّ الأخ في الله الذكي الفاضل التقي ... الشيخ فوزان بن نصر الله الحنبلي بلغه الله من قصبات العلم مقاصده ورحمه ورحم والده غالب كتاب " المنتهى " قراءة بحث وتحرير، وتروٍّ، في مواضعه المشكلة، وتدقيق في أماكنه المقفلة، قراءة كافية، بلغ فيها الغاية، وبلغ فيها إلى أقصى النهاية ... الخ)
وذكر أيضا (١) في ترجمة العلامة علاء الدين علي بن سليمان المرداوي شيخ المذهب ما نصه: (ولازم التقي ابن قندس في الفقه وأصوله والعربية وغيرها حتى كان جل انتفاعه به، وكان مما قرأ عليه بحثا، وتحقيقا " المقنع " في الفقه، و" مختصر الخرقي " في الأصول ... الخ)
هذه هي الدراسة الحقيقية لكتب الفقه، أما جرد كتب الفقه بدون تحقيق ولا تدقيق في العبارة ابتغاء الحصول على إجازة أو غير ذلك فهذا لا يخرج فقيهاً ولا عالماً، والفائدة في ذلك تكون قليلة جداً إن لم تكن معدومة.
ولاشك أن من لم يدقق في عبارات الفقهاء يقع في مزالق كثيرة، ومفاهيم خاطئة، وإن كان قد أكثر من قراءتها فقط، قال ابن رجب -رحمه الله تعالى - في ترجمة أحد الحنابلة: (يحيى بن يحيى الأزجي الفقيه: صاحب كتاب " نهاية المطلب، في علم المذهب " وهو كتاب كبير جداً، وعبارته جزلة، حذا فيه حذو " نهاية المطلب "، لإمام الحرمين الجويني الشافعي، وأكثر استمداده من كلام ابن عقيل في " الفصول " ومن " المجرد" (٢)، وفيه تهافت كثير (٣)، حتى في كتاب الطهارة، وباب المياه، حتى إنه ذكر في فروع الآجر المجبول (٤) بالنجاسة كلاماً ساقطاً يدل على أنه لم يتصور هذه الفروع، ولم يفهمها بالكلية، وأظن هذا الرجل كان استمداده من مجرد المطالعة، ولا يرجع إلى تحقيق) (٥).
стр. 102
المطلب الثالث: الكتب التي لابد من توفرها لدراسة كتاب (منتهى الإرادات):
١ - معونة أولي النهى شرح المنتهى لابن النجار.
٢ - شرح منتهى الإرادات للبهوتي.
٣ - الإقناع، وشرحه: كشاف القناع للبهوتي.
٤ - غاية المنتهى، وشرحه مطالب أولي النهى لمصطفى الرحيباني.
٥ - التوضيح للشويكي.
٦ - التنقيح المشبع للمرداوي.
٧ - الفروع لابن مفلح، وتصحيحه للمرداوي.
٨ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي.
٩ - حاشية الشيخ البهوتي، والخلوتي، وعثمان النجدي على المنتهى.
١٠ - حاشية الشيخ البهوتي، والخلوتي على الإقناع.
١١ - المطلع على ألفاظ المقنع للبعلي.
стр. 103
المطلب الرابع: طريقة دراسة " المنتهى ":
١ - يعتمد الطالب كتاب شرح منتهى الإرادات للبهوتي طبعة الشيخ عبدالله التركي، ويجعله أصلاً يقرأه ويعلق عليه في هوامشه.
٢ - ينظر لمعرفة معاني ألفاظ المتنِ في معونة أولي النهى، وشرح البهوتي، وكتاب المطلع، وكذا حاشية عثمان النجدي على " المنتهى ".
٣ - يقرأ لفهم المسألة كلام البهوتي، ثم كلام ابن النجار عليها، ثم تنظر في الكشاف، فإن كان فيه زيادة إيضاح يقيده عليها برقم يجعله على المسألة.
٤ - ثم تنظر المسألة في حاشية البهوتي، والخلوتي، والنجدي على " المنتهى "، وتنقل تحريراتهم المهمة خاصة الخلوتي والنجدي.
٥ - ثم تنظر المسألة في حاشية البهوتي والخلوتي على " الإقناع " إن كانت موجودة فيه.
٦ - فإن اتضحت المسألة، وإلا فتراجع في الفروع، والشرح الكبير إن كانت موجودة فيهما.
٧ - ثم تنظر المسألة في التوضيح و " الإقناع " فإن كانت بصيغة أوضح من " المنتهى " تقيد عليها وكذا لو كانت مخالفة للمنتهى.
٨ - ثم تنظر المسألة في " غاية المنتهى " وهو في الغالب متابع لابن النجار، وتقيد متابعته للمنتهى، وكذا لو ذكر مخالفة " الإقناع" للمنتهى بقوله: خلافاً له، وكذا لو قال: خلافاً للمنتهى، أو خلافاً لهما.
٩ - فإن حصل خلاف بين " المنتهى " و " الإقناع " أو خلاف " غاية المنتهى " لهما؛ فينظر في الكتب الثلاثة الإنصاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح مع حواشيه للحجاوي.
стр. 104
١٠ - ثم ينظر في اتجاهات صاحب " غاية المنتهى " التي يذكرها بقوله: (ويتجه ... )، وينظر أيضاً في موافقة الشيخ الرحيباني له، وكذا موافقة الشيخ حسن الشطي في تجريد الغاية والشرح للغاية في اتجاهاته، وهي أهم من موافقة الرحيباني لأن بها من التحريرات ما لا يوجد في شرح الشيخ الرحيباني، ويعلق كل ذلك على هوامش " المنتهى " مع شرحه.
تنبيه: لا يستصعب الطالب هذه الطريقة، ولا يستكثر مراجعها، لأنها إن كانت لبيان وتصوير مسألة " المنتهى " فهذا واجب لابد منه، وإن كانت مراجعة تلك المراجع يعطي نفس الفهم الذي تعطيه عبارة " المنتهى " فهذا فيه تأكيد لفهمها، ثم إنه لا يلزم أن يعلق الطالب على كل مسألة فقد تكون واضحة فلا تحتاج لتعليق، وكذا لا يلزم أن يعلق من كل كتاب من المراجع المتقدم ذكرها، فأحياناً لا يعلق -مثلاً- إلا من اثنين منها فقط، بل أحياناً لا يعلق من أي واحد منها.
стр. 105
المطلب الخامس: ما ينبغي فعله أثناء دراسة " المنتهى ":
أولاً: أن يدرس الطالب المسائل ويحللها بمثل ما تقدم في المرحلة الأولى ، من بيان الإبهامات في اللفظ أو الحكم، والانتباه للقيود والاستثناءات والشروط وغير ذلك.
ومن الأمثلة على الإبهامات في الحكم من " الإقناع " و " المنتهى ":
المثال الأول: قول صاحب " المنتهى " في باب صلاة الجماعة: (ويتورك معه، يكرر التشهد حتى يسلم) (١).
أي: إذا دخل المسبوق مع الإمام فإنه يتورك معه في التشهد الأخير، ويكرر التشهد حتى يسلم الإمام.
ولم يبين حكم تكرار التشهد.
وكذلك لم يبين الحكم في " الإقناع " حيث قال: (ويكرر التشهد الأول نصاً حتى يسلم إمامه) (٢) وقد بيَّنه الشيخ البهوتي بأن تكرار التشهد: ندب ما لم يكن محلاً لتشهد المسبوق فالواجب منه المرة الأولى فقط وما بعدها ندب، قال ﵀: (قلت: وهذا على وجه الندب فإن كان محلاً لتشهده الأول فالواجب منه المرة الأولى بدليل قوله (فإن سلم) الإمام (قبل إتمامه) أي المسبوق التشهد الأول (قام) المسبوق لقضاء ما فاته (ولم يتمه) إن لم يكن واجباً عليه (وتقدم) في صفة الصلاة) (٣).
وقد بين الحكم أيضاً الشيخ مرعي الكرمي في كتابه " غاية المنتهى "
стр. 106
فقال: (ويتورك فيه مع إمامه مكرراً لتشهد أول ندباً حتى يسلم إمامه) (١).
المثال الثاني: قول الشيخ الحجاوي في كتاب الجنائز: (ولا ينبش قبر ميت باق لميت آخر)
فهنا أبهم الشيخ الحجاوي الحكمَ هل هو محرم أم مكروه؟
وقد بين الشيخ البهوتي ذلك بقوله: (أي: يحرم ذلك لما فيه من هتك حرمته) (٢)
وكذلك بينه الشيخ ابن النجار في " المنتهى " فقال: (ويباح نبش قبر حربي لمصلحة، أو مال فيه، لا مسلم مع بقاء رمته (٣) إلا لضرورة) (٤).
وبينه الشيخ مرعي أحسن بيان في " غاية المنتهى" فقال: (ويحرم ... نبش مسلم مع بقاء رمته إلا لضرورة).
المثال الثالث: قول الشيخ ابن النجار في بداية كتاب الحج (لكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه)
أي: لا يبدأ الولي في رمي الجمرات إلا برمي نفسه ثم يرمي عن مولييه.
وقد أبهم الشيخ الحكم هنا - كالتنقيح (٥) - التكليفي والوضعي.
والحكم التكليفي بينه الشيخ الحجاوي في حواشيه على التنقيح فقال: (قوله: (لا يرمي عنه) أي: لا يجوز يرمي عنه) (٦).
وبينه كذلك في "الإقناع" فقال: (لكن لا يجوز أن يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه .. ) (٧).
стр. 107
وبين الشيخ ابن النجار الحكم الوضعي فقال: (فلو رمى ناويا عن الصغير وقع عن نفسه إن كان محرما بفرضه) (١)
وقال الشيخ البهوتي في شرح " المنتهى " (٢): (فإن رمى عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرما بفرضه).
المثال الرابع: قول الشيخ الحجاوي في كتاب الحج: (ولا يأخذ من طيب الكعبة شيئا)، ولم يذكر حكم هذا النهي؛ فبَيَّنَه الشيخُ البهوتي بقوله: (أي: يحرم ذلك لأنه صرفٌ للموقوف في غير ما وقف عليه) (٣).
المثال الخامس: قول الشيخ الحجاوي في باب الهبة (ولا ترد).
ولم يبين حكم رد الهدية، وبينه الشيخ البهوتي بقوله: (أي: يكره رد الهدية) (٤)
المثال السادس: قول الشيخ ابن النجار في باب الشك في الطلاق: (وكقوله عن طائر: إن كان غرابا فحفصة طالق وإلا فعمرة وجهل فيقرع بينهما وإن مات أقرع ورثته، ولا يطأ).
قال الشيخ البهوتي: (أي: يحرم عليه وطؤه إحداهما ودواعيه (قبلها) أي قبل القرعة) (٥).
المثال السابع: قول الشيخ الحجاوي في باب آداب القاضي: (ينبغي أن يكون قويا من غير عنف).
أبهم الحكم، وبينه الشيخ البهوتي بقوله: (أي: يسن) (٦).
وبينه أيضا الشيخ ابن النجار في " المنتهى " بقوله: (يسن كونه قويا بلا عنف) (٧).
стр. 108
المثال الثامن: قول صاحب "الإقناع" (١)، و"المنتهى" (٢) في باب صلاة الجماعة فيمن وجد الصف مرصوصا، ولم يجد شخصا يقف معه، ولا عن يمين الإمام: (فإن لم يمكنه فله أن ينبه بنحنحة أو كلام، أو إشارة من يقوم معه ويتبعه).
فقولهما: (ويتبعه) مبهم فلم يبين حكم اتباعه، وقد قال البهوتي في الكشاف: (وظاهره: وجوبا، لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به)، ثم جزم بالحكم في شرح المنتهى فقال: (أي: يلزم المُنَّبَه أن يتأخر ليقف معه).
وقال الخلوتي: قوله: (ويتبعه)؛ أي: وجوبا، ولو كان في الصف الأول؛ قال شيخنا: "ولعله لا تفوت عليه فضيلة الصف الأول، لأنه إنما تركه لأمر واجب) (٣). وصرح الغاية بالحكم فقال في "مطالب أولي النهى" (٤): (ويتبعه وجوبا)، ثم قال ما يوافق الشيخ منصور وأنه لا يفوته ثواب الصف الذي رجع عنه: (ويتجه): أنه يثاب على صنعه المعروف بإجابته من نبهه، وتحصيله له فضل الجماعة (ولا يفوته)، أي: المجيب للمنبه (ثواب صف كان فيه)؛ لأنه أعانه على البر والتقوى، وهو متجه).
المثال التاسع: قول صاحب "الإقناع"، و"المنتهى" (٥) في باب البغاة: (وإن استنظروه مدة رجاء رجوعهم فيها أنظرهم).
فلم يذكرا حكم ما لو طلب البغاة الإمام إنظارهم مدة حتى يشارورا لعلهم يتركون القتال، ويتبين لهم خطؤهم؛ قالا: أنظرهم مدة، ولم يبينا حكمَ إنظارِهم، وبينه الشيخُ منصورُ في شرحه للمنتهى بقوله: (وجوبا حفظا لدماء المسلمين).
стр. 109
المثال العاشر: قوله في "المنتهى" (١) في أول كتاب الحدود: (وإن رجع في أثنائه أو هرب ترك).
أي: إن رجع المقر بالزنى، أو السرقة، أو الشرب، - في أثناء إقامة الحد عليه - أو هرب: ترك، ولم يبين حكم تركه إذن، وقد بينه في "الإقناع" (٢) بقوله: (ترك وجوبا)
وبيان الإبهامات في الحكم تؤخذ من أحد الكتابين لبيان إبهام الحكم في الآخر، ومن " غاية المنتهى "، ومن شروح وحواشي الشيخ البهوتي، ومن حواشي الخلوتي، والنجدي بل ومن المختصرات أحيانا.
ثانيا: استخراج الفروق الفقهية بين المسائل ، وهي: المسائل المتشابهة في الصورة المختلفة في الحكم، وسيجدها الطالب مبثوثة يحرص العلماء على ذكرها وبيانها.
ومن الأمثلة على الفروق الفقهية بين المسائل:
المثال الأول: في باب التيمم: تتعين نية الاستباحة للمتيمم، ومَنْ حدثه دائم، لكن طهارة المتيمم لا ترفع الحدث، وطهارة مَنْ حدثه دائم ترفع الحدث.
المثال الثاني: في باب سجود السهو: زيادة الركن القولي في الصلاة لا يبطل الصلاة إذا زاده المصلي عمدا، ولا يجب له سجود السهو إذا زاده سهوا بل يسن، وزيادة الركن الفعلي في الصلاة يبطل الصلاة إذا زاده المصلي عمدا، ويجب له سجود السهو إذا زاده سهوا.
المثال الثالث: في كتاب الجنائز: يسن أن يجعل تحت رأس الميت في قبره لَبِنَةٌ، ويكره مِخَدَّةٌ. (٣)
المثال الرابع: في كتاب الزكاة: من كان عليه دين وعنده عرض للقنية
стр. 110
كأثاث وعقار فاضل لا يحتاجه، وعنده نقود، يقابل الدين بما عنده من النقود فقط - فيسقط عنه من الزكاة في النقود التي عنده بقدر ما عليه من الدين - ولا يقابل بالمال الفاضل (١)، وفي باب الحجر: يقابل الدين الذي عليه بما معه من نقود ومال فاضل كالقنية والأثاث فيقسم المال ويباع العرض الفاضل.
المثال الخامس: في باب إخراج الزكاة: يحرم تأخير إخراج زكاة المال عن وقت وجوبها إلا لأسباب معينة، بينما الأفضل في زكاة الفطر تأخيرها عن وقت وجوبها إلى قبيل صلاة العيد. (٢)
المثال السادس: في باب شروط البيع: المعتبر من الشروط في عقد البيع ما كان في صلب العقد زمن الخيارين خيار المجلس وخيار الشرط، والمعتبر من الشروط في عقد النكاح ما كان في صلب العقد، وكذا لو اتفقا عليه قبله. (٣)
المثال السابع: لو خالط الملح المائي الماء الطهور وغيره كره ولم يسلبه الطهورية، بخلاف ما لو خالطه الملح المعدني فيسلبه الطهورية (٤).
المثال الثامن: لا يلزم المودَع , والمرتهن، والمستأجر رد العين التي بأيديهم لأصحابها، وليس عليهم مؤنة ردها بل يخلي بين المالك وبينها؛ بينما يلزم المستعير رد العارية (٥).
المثال التاسع: تسن الشهادة في كل العقود إلا النكاح فتجب (٦).
المثال العاشر: لو بان فسق الشهود - بعد الحكم - فينقض الحكم؛ بخلاف النكاح فلو تبين فسق الشهود فلا ينقض العقد (٧).