← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 141

مدارج تفقه الحنبلي

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (211 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومثلهما في ذلك " التنقيح " (١). وخالفهم الشيخ مرعي الكرمي في كتابه " غاية المنتهى "، فقرر في كتاب الصلاة بأنه لا يكفر بترك ركن أو شرط مختلف فيه فقال: (ولا كفر بشرط مختلف فيه يعتقد وجوبه خلافاً لهما هنا) (٢). قال الشيخ مصطفى الرحيباني شارح الغاية: (خلافاً لهما هنا) أي: للمنتهى ... و "الإقناع " حيث صرحا هنا بكفره تبعاً لابن عقيل، والدليل والتعليل يشهدان بصحة ما قال المصنف ومن تأمل نصوص المذهب علم أنه المعتمد قياساً على ما يأتي في الردة) (٣). وقول الغاية: (خلافاً لهما هنا) أي: أنا أخالفهما في هذا الموضع في كتاب الصلاة، وليس في كتاب الردة لأنهما قررا فيه بعدم كفر من ترك شرطاً أو ركناً مختلفاً فيه. ويستفاد من هذا المثال: أنه ليس كل ما قال فيه صاحب الغاية: (خلافاً لهما) أنه خالف المذهب؛ بل أحياناً يكون قوله هو المذهب، وليس قول صاحب " الإقناع " و " المنتهى "، كما في هذا المثال. المثال الثاني: قول الشيخ الحجاوي ﵀ في آخر مقدمة كتاب الزكاة (٤): (ولو أتلف المال بعد الحول قبل التمكن ضمنها (٥)، ولا تسقط بتلف المال إلا الزرع والثمر إذا تلف بجائحة قبل حصاد وجداد) فهنا قرر أن زكاة الزرع والثمر تسقط إذا تلفت بجائحة قبل حصاد وجداد، ويفهم منه أنها لو تلفت بذلك بعد الحصاد والجداد فإنها تضمن. بينما يقرر في باب زكاة الحبوب والثمار أنها لا تستقر الزكاة فيها إلا

стр. 142

بجعلها في البيدر (١)، وتضمن إذا تلفت بعده، ولا تضمن قبل جعلها في البيدر - ولو بعد الحصاد والجداد-، قال ﵀ (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في جرين، وبيدر، ومسطاح، فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت الزكاة) (٢). ففي هذه المسألة اختلف الحكم في البابين، ففي مقدمة الزكاة يقرر أن زكاة الحبوب والثمار تسقط بالتلف قبل الحصاد والجداد فقط، وفي باب زكاة الحبوب والثمار يقرر أنها تسقط بالتلف حتى بعد الحصاد والجداد، ولكن قبل وضعها في البيدر. وليس هذا صنيع الشيخ الحجاوي فحسب، بل وافقه في ذلك الشيخ ابن النجار في " المنتهى " (٣). والمذهب المعتبر في هذه المسألة هو الحكم المجزوم به في بابها الأصلي وهو: (باب: زكاة الحبوب والثمار)، وأن الحبوب والثمار إذا تلفت بجائحة ونحوها قبل الحصاد أو بعده وقبل وضعها في البيدر فإنها لا تضمن وتسقط زكاتها، وأما بعد وضعها في البيدر فيستقر الوجوب ولا تسقط زكاتها بتلفها وتضمن مطلقاً. وقد استدرك الشيخ مرعي عليهما في كتابه (غاية المنتهى)، قال في مقدمة كتاب الزكاة (٤): (إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل وضع في بيدر ومسطاح ولو بعد حصاد وجداد خلافاً لهما هنا). المثال الثالث: قول الشيخ الحجاوي ﵀ في كتاب الصيام، في آخر باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة في كفارة الجماع في رمضان (٥):

стр. 143

(والكفارة على الترتيب، فيجب عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فلو قدرعلى الرقبة في الصوم، لم يلزمه الانتقال، لا إن قدر قبله، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً). وقال في " المنتهى " (١): (وهي: عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فلو قدر عليها - لا بعد شروع فيه - لزمته ... الخ). وقال في التنقيح (٢): (فلو قدر على الرقبة في الصوم لم تلزمه، وتلزم من قدر قبله). والحاصل: أنهم يقررون هنا في كفارة من وطئ في نهار رمضان أنه يعتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، لكن إن قدر على الرقبة قبل الشروع في الصوم لزمته، وإن قدر عليها بعد الشروع فيه لم تلزمه. وهذا مخالف لما يقررونه في الفصل الذي يتكلمون فيه عن أحكام الكفارات؛ وهو كتاب الظهار، حيث يقررون قاعدة في الكفارات وهي: أن العبرة في الكفارات وقت الوجوب (٣)، وبناء على ذلك فمن كان وقت وجوب كفارة الوطء في رمضان عليه معسراً فالواجب عليه الصوم (٤) ولو أيسر بعد ذلك بوجود الرقبة، وسواء شرع في الصوم أو لا. ولذا قال الشيخ مرعي الكرمي في " غاية المنتهى " (٥): (وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ويتعين صوم لقن، لا عتق لمعسر أيسر، ولو قبل شروع في صوم خلافا له هنا) ... وكان ينبغي على الشيخ مرعي ﵀ أن يقول: خلافا لهما هنا؛ لأن "المنتهى" كالإقناع في ذلك، وكلاهما هنا تَبعَ التنقيح.

стр. 144

وقال الشيخ البهوتي في " شرح المنتهى " (١): (هكذا قالوا هنا ويأتي في الظهار: أن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب، فعليه: لا تلزمه شرع فيه أو لا). وما ذكره الشيخ مرعي، والشيخ منصور هو المعتمد والمعتبر، وهو أن من حاله وقت الوجوب العسر، فيلزمه الصوم، ولو أيسر بعد ذلك، سواء شرع في الصوم أو لا؛ لأن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب. وتطبيقات هذه القاعدة في المذهب كثيرة تظهر جليا لمن تتبعها والله أعلم. ٢ - حاشية الخلوتي على " الإقناع ": وهي تعليقات على بعض مسائل " الإقناع"، وطريقته فيها كطريقته في حاشية " المنتهى " من التحرير والتدقيق، والربط بين المسائل، وذكر الفروق بينها، وأجوبة الشيخ منصور التي في الدرس، وهي أقل من حاشية " المنتهى"، وقد حققت في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود رسالة ماجستير، حققها الشيخ حاتم بن فالح المدرع، وذكر تعريفا لها في مقدمته، ولم يذكر من " الإقناع" إلا المسائل التي علق عليها الخلوتي فقط، وتصل إلى قرابة الألف صفحة، ولا شك أنها أقل من ذلك بكثير لكن المحقق أكثر من ذكر التعليقات عليها لمتطلبات الرسالة فجزاه الله خيرا.

стр. 145

المطلب الثالث: التعريف بكتاب "غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى ": الفرع الأول: التعريف بالمؤلف والكتاب: مؤلفه: الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (ت ١٠٣٣ هـ)، جمع فيه مؤلفه بين كتابين عظيمين في المذهب، وهما: " الإقناع" للحجاوي (ت ٩٦٨ هـ)، و" المنتهى " لابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) لإشباعهما بالفروع الفقهية، مشيرا لخلاف " الإقناع" بقوله: (خلافا له) وهو كثير، ولخلاف " المنتهى " بقوله: (خلافا للمنتهى) وهو قليل، ولخلافهما بقوله: (خلافا لهما) وهو قليل جدا، وقد زاد عليهما مسائل كما أنه قد ضم لذلك بحوثا يذكرها إذا كان جازما بها بقوله: (ويتجه)، فإن تردد في ذلك البحث زاد على قوله: (ويتجه احتمال)، وتلك الاتجاهات تكون في الغالب ليست مذكورة في الكتابين، بل قد تكون مفهومة من كلامهما، أو كلام غيرهما، وقد بين ذلك الشيخ حسن بن عمر الشطي (ت ١٢٧٤ هـ)، وسيأتي الحديث عنها، وقد تكون الاتجاهات أقوالا في المذهب من الإنصاف والشرح الكبير. وقد مدح الشيخ مرعي كتابه فقال: (ويأبى الله تعالى العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، ومع هذا فمن أتقن كتابي هذا فهو الفقيه الماهر، ومن ظفر بما فيه فسيقول بملء فيه: كم ترك الأول للآخر، ومن حصّلَه فقد حصل له جزيل الحظ الوافر، لأنه البحر لكن بلا ساحل، ووابل القطر غير أنه متواصل، بحسن عبارات، ورمز إشارات، تنقيح معان، وتحرير مبان، راجيا بذلك تسهيل بيان الأحكام على المتفقهين .. ) (١).

стр. 146

وكتابُ الغاية كتاب معتمد في المذهب، ومحكم، وُفِّقَ الشيخُ مرعي - رحمه الله تعالى - في الجمع بين الكتابين بطريقة غير مخلة، وقد تقيد بعبارات " المنتهى " في الغالب، ومال معه كثيرا في الخلاف بينه وبين " الإقناع "، وزاد على مسائل " المنتهى" مسائل من " الإقناع "، مع بعض النقولات التي ذكرها لشيخ الإسلام من " الإقناع" أيضا، وكان ﵀ موفقا كثيرا في اتجاهاته، إذ أنه أبدع في اختيارها ووضعها في مواضع مناسبة يُحتاج إليها في تلك المواضع، بطريقة فائقة، فجزاه المولى جزيل النعم والأجر. الفرع الثاني: شروحه: ١ - "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ": للشيخ مصطفى بن سعد السيوطي، الرحيباني (ت ١٢٤٣ هـ) وقيل سنة (١٢٤٠ هـ) وهو الشرح الكامل الوحيد له، وقد جمع في شرحه ما قاله البهوتي في شرحه على " المنتهى " و " الإقناع" ملتزما لذلك في الغالب، ولم يقتصر على ذلك فحسب، بل له تحريرات وبحوث جيدة (١)، ونقولات عن " التنقيح " و" الإقناع" و" المنتهى"، وتنبيهات على ما لم ينبه عليه صاحب الغاية من الخلاف بين " الإقناع" و" المنتهى" واستدراك عليه أيضاً في بعض ذلك، وأما في اتجاهات الشيخ مرعي ففي حلَّه لكثير منها نظر ظاهر، وقد تعقبه الشيخ الشطي. ٢ - "بغية أولي النهى شرح غاية المنتهى ": لابن العماد صاحب الشذرات أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد العُكري ت سنة (١٠٨٩ هـ) حرره تحريراً أنيقا، قال ابن بدران: "شرحه شرحاً لطيفا، دل على فقهه وجودة قلمه، لكنه لم يتمه " (٢)، ثم أكمله الشيخ إسماعيل بن عبد الكريم الجراعي (ت ١٢٠٢ هـ)، أكمل به شرح ابن العماد، من باب

стр. 147

الوكالة إلى كتاب النكاح. (١) ٣ - "منحةُ مُوْلِي الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح ": للشيخ حسن بن عمر الشطي سنة (ت ١٢٧٤ هـ)، وقد طبعت مع "مطالب أولي النهى "، وقد تتبع اتجاهات الشيخ مرعي شرحا ودراسة؛ موافقا أو مخالفا لها مع التعليل لكل ذلك، وبَيَّن من ذكر تلك الاتجاهات التي ذكرها الشيخ مرعي، كالشيخ منصور البهوتي في شروحه أو حواشيه، واستدرك على شيخه الرحيباني وغيره، ويقصد بقوله: الشارح: ابن العماد، وبقوله: شيخنا: الشيخ الرحيباني في المطالب، وقد نقل عن كل من المغني والشرح والمبدع والبهوتي والخلوتي والنجدي والجراعي - ابتداء من باب الوكالة - وغيرهم، وهي من أهم ما يقرأه طالب العلم الحنبلي على " غاية المنتهى "؛ لما لتلك الاتجاهات من الأهمية، وما لحقها من تحريرات الشيخ حسن الشطي. قال ابن بدران - رحمه الله تعالى - متحدثاً عن شرح شيخ مشايخه هو: (ثم تلاه - أي الرحيباني - شيخ مشايخنا العلامة الأوحد، الشيخ حسن بن عمر بن معروف ابن عبد الله بن مصطفى بن الشيخ شطا، المتوفى سنة (١٢٧٤ هـ) فأخذ في مواضع الاتجاه من " الغاية" و "الشرح" وانتصر للشيخ مرعي، وبين صواب تلك الاتجاهات، ومن قال بها غيره من العلماء، وذكر في غضون ذلك مباحث رائعة وفوائد لا يستغنى عنها، فجاء كتابه هذا في أربعين كراساً بخطه الدقيق، فلو ضم هذا الكتاب إلى الشرح وطبع لجاء منه كتاب فريد في بابه، ولاسيما إذا ضم إليهما ما كتبه ابن العماد، والجراعي، فاللهم ارفع لواء هذا المذهب، وأكثر من علمائه) (٢). قال الشيخ بكر أبو زيد: (وقد يسر الله الكريم بفضله، فطبع هذا الكتاب مع الشرح. وهذا الكتاب: " منحة مولي الفتح .. " وهو بكتب التصحيح أشبه منه بكتب الشرح) (٣).

стр. 148

الفصل الثالث: تحرير المذهب عند المتأخرين:

стр. 149

المبحث الأول: الكتب التي عليها مدار التصحيح في المذهب: معرفة تحرير المذهب عند متأخري الحنابلة من المسالك الوعرة، والطرق الصعبة، وقبل تقرير ذلك لا بد من التعريف بالكتب التي عليها مدار التصحيح في المذهب، وهي الكتب الثلاثة: ١ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. ٢ - تصحيح الفروع. ٣ - التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع. ومؤلفها هو: الإمام العلامة الشيخ علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) وقد سلك فيها مسلك المجتهدين المحررين لمذهب الإمام أحمد، وصار ما حرره واعتمده هو المذهب الذي مشى عليه الحنابلة المتأخرون، وقدعمل - في تعليقه على المقنع والفروع - على تصحيح الخلاف المطلق بعد ذكر الروايات والأوجه والاحتمالات ما أمكنه ذلك، كما أنه قيد الألفاظ المطلقة، واستدرك على بعض العبارات التي فيها عموم، وبين ما فيها من إبهام في حكم أو لفظ أو غير ذلك، وحرر المذهب في ذلك كله. معنى الرواية والوجه و"عنه"والتخريج والاحتمال وظاهر المذهب: ويحسن هنا أن أنقل مقدمة من كتاب المطلع للتعريف بالمصطلحات التي وردت في المقنع ويحتاج طالب العلم أن يتعرف عليها ليفهمها متى أراد أن يقرأ في الإنصاف أو غيره: قال صاحب المطلع (١) ﵀: (مما تكرر ذكره

стр. 150

في الكتاب (١)، خمسة أشياء: أحدها: "الرِّواية": مثناة ومفردة ومجموعة، كقوله "على روايتين"، "وفيه روايتان". فالرِّوَايةُ: في الأصل مصدر رَوَى الحديث والشعر ونحوهما رواية: إذا حفظه وأخبر به، .. وهي: الحكم المروي عن الإمام أحمد ﵁ في المسألة. الثاني: "الوجه": مثني ومجموعا، فيقال، "فيه وجهان وعلى وجهين وثلاثة أوجه"، وهو في الأصل من كل شيء مستقبله، ثم استعمل في غير ذلك. وفي اصطلاح الفقهاء: الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام المجتهدين فيه، ممن رآه فمن بعدهم جاريا على قواعد الإمام (٢)، فيقال: وجه في مذهب الإمام أحمد، أو الإمام الشافعي أو نحوهما، وربما كان مخالفا لقواعد الإمام إذا عضده الدليل.

стр. 151

الثالث: قوله بعد ذكر المسألة "وعنه": فهو عبارة عن رواية عن الإمام، والضمير فيه له وإن لم يتقدم له ذكر، لكونه معلوما، فهو كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه﴾ ١، والضمير للقرآن، مع عدم ذكره لفظا، فعنه: جار ومجرور متعلق بمحذوف، أي نَقَلَ ناقلٌ عنه، أو نَقَلَ أصحابُه عنه، وفعل ذلك المتأخرون اختصارا، وإلا فالأصل أن يقال: نقل عبدُ الله عن الإمام كذا، أو نقل صالح، أو نقل المروذي، كما فعله أبو الخطاب، وغيره من المتقدمين. الرابع: التخريج: فيقولون: يتخرج كذا، .. وهو في معنى الاحتمال وإنما يكون الاحتمال والتخريج إذا فُهِمَ المعنى، وكان المخرج والمحتمل مساويا لذلك المخرج منه في ذلك المعنى، (كما إذا أفتى في مسالتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، جاز نقل الحكم وتخريجه من كل واحدة منهما إلى الأخرى، ما لم يفرق بينهما (١) أو يقرب الزمن (٢)). الخامس: الاحتمال: وهو في الأصل مصدر احتمل الشيء، بمعنى حمله، وهو افتعال منه، ومعناه: أن هذا الحكم المذكور، قابل ومتهيء لأن

стр. 152

يقال فيه بخلافه، كاحتمال قبول الشهادة بغير لفظ الشهادة، نحو: أعلم أو أتحقق، أو أجزم، فإنه قابل للقول فيه بذلك. والاحتمال: تبين أن ذلك صالح، لكونه وجها، وكثير من الاحتمالات في المذهب، بل أكثرها، للقاضي الإمام أبي يعلى، محمد بن الفراء، وفي كتابه "المجرد" وغيره. ومما تكرر فيه قوله: ظاهر المذهب: فالمذهب مفعل من ذهب يذهب، إذا مضى، مقصود به المصدر، أي ظاهر ذهابه، والألف واللام فيه للعهد؛ لأن المراد بذلك مذهب الإمام أحمد، والظاهر: البائن الذي ليس يخفى، يعني أنه المشهور في المذهب، كنقض الوضوء بأكل لحم الجزور ولمس الذكر، وعدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة، ولا يكاد يطلق إلا على ما فيه خلاف عن الإمام أحمد). وقد ألف الشيخ المرداوي - رحمه الله تعالى - كتبه الثلاثة على الترتيب التالي:

стр. 153

المطلب الأول: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ": وهو أول ما ألف من كتبه في التصحيح، وانتهى منه قبل سنة (٨٧١ هـ) وقد بين في مقدمة تصحيح الفروع أن الذي أعانه على تصحيح الفروع هو: إكمال كتابه الإنصاف، قال ﵀ في مقدمة تصحيح الفروع: (فإن هذا الكتاب - أي: "الفروع" - جدير بالاعتناء به والاهتمام؛ لأنه قد حوى غالب مسائل المذهب وأصوله ونصوص الإمام أحمد، فإذا انضم هذا التصحيح إلى ما حرره وقدمه وصححه، حصل بذلك تحرير المذهب وتصحيحه إن شاء الله تعالى، وهو مسلك وعر، وطريق صعب عسر، لم يتقدمنا أحد إليه، ولا سلكه لنتبعه ونعتمد عليه، ولكن أعاننا على ذلك توفيقُ الله تعالى لنا على إكمال كتابنا المسمى بـ"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" وتصحيحه فإن غالب المسائل التي في المذهب مما أطلق الأصحاب فيها الخلاف أو بعضهم تتبعتها فيه، وصححت ما يسر الله تعالى علينا تصحيحه، فجاء بحمد الله تعالى وافياً بالمراد في معناه، فبذلك هان علينا ما قصدنا فعله في هذا الكتاب، وما أردناه، ولكن فيه بعض مسائل لم تذكر في كتابنا، وفي كتابنا مسائل مصححة لم تذكر فيه) (١). وكتاب الإنصاف من أوسع كتب التصحيح في المذهب جمع فيه من الروايات والأوجه والاحتمالات والأقوال كل ما وقف عليه، مع إضافة الفوائد والتنابيه الكثيرة جداً. وقد عمله تصحيحاً لكتاب "المقنع" للشيخ الْموفق أبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، وهو كتاب عظيم اشتهر عند

стр. 154

علماء الحنابلة المتوسطين، حتى صار مقدماً على غيره في الحفظ، والشروح، والحواشي، والأدلة، وغير ذلك، والشيخ الإمام الموفق ابن قدامة ﵀ عالم المذهب الذي ألف فيه أنفس الكتب وأهمها، وقدرُ هذا العالم كبير جداً، ولعلوِّ قدره قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - (ما دخل الشام بعد الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ) أفقه من الشيخ الْمُوَفَق) (١)، وهذا والله كلام كبير من إمام كبير في إمام كبير، لا أدري لماذا أقف مندهشا من كلام شيخ الإسلام هذا في الموفق؛ لأن بين الأوزاعي والموفق قرون، وفي هذه القرون أئمة، وعلماء كبار، ومع ذلك يقول شيخ الإسلام فيه ذلك، فرحمة الله تعالى على الشيخين، وجعلهما في الفردوس الأعلى من الجنة. عمل الشيخ المرداوي في "الإنصاف" مع "المقنع ": ١ - تصحيح الخلاف المطلق. ٢ - بيان المذهب. ٣ - بيان الإبهام في الحكم. ٤ - تقييد المطلق وتخصيص العام. ٥ - بيان المسائل المفردات في المذهب. ٦ - بيان المسائل الغريبة، وهي عنده: التي يعايا بها. بيان أن المرداوي لم يتبع طريقة أحد في كتب التصحيح: قال ابن بدران في بيان طريقة المرداوي في الإنصاف: (وطريقته فيه أنه يذكر في المسألة أقوال الأصحاب ثم يجعل المختار ما قاله الأكثر منهم سالكا في ذلك مسلك ابن قاضي عجلون في تصحيحه لمنهاج النووي وغيره من كتب التصحيح) (٢).

стр. 155

وأقول: كذا قال! لأن المرداوي ﵀ بَيَّنَ أنه لم ير أحدا سلك طريقته، وأنه غير مسبوق إلا في تصحيح الخلاف المطلق فقط، وما عداه فهو الذي أبدعه وابتدأه، قال في مقدمة التنقيح (١) (وهذه طريقة لم أر أحدا ممن يتكلم على التصحيح سلكها، إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط؛ ففاتهم شيء كثير جدا مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوه). وقال في الهامش على قوله: (التصحيح): (أعني من أصحابنا، بل ولا من غيرهم لم أرهم ذكروا ذلك). ومن أهم ما عمله الشيخ المرداوي في المقنع- وكذا الفروع - هو: تصحيح الخلاف المطلق. والمراد بالخلاف المطلق: الخلاف الذي يذكره المصنف - أي: ابن قدامة - ولم يجزم فيه بالمذهب، أو باختيار واحد من الروايات أو الأوجه أو الاحتمالات التي يذكرها (٢).

стр. 156

مثالان: المثال الأول: عبارته في الماء المسخن بالنجس هل يكره أو لا؟ قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: (وإن سخن بنجاسة فهل يكره، على روايتين) (١). فالخلاف الذي ذكره ابن قدامة هنا مطلق لأنه لم يبين الرواية الراجحة، والمذهب: يكره. المثال الثاني: قال الشيخ ابن قدامة: (فإن توضأ منهما - أي: من آنية الذهب والفضة - فهل تصح طهارته؟ على وجهين) (٢). والمذهب: تصح مع الإثم. وقد ذكر الشيخ المرداوي في مقدمة الإنصاف صيغا - وهي أساليب - يستخدمها الشيخ ابن قدامة تدل على الخلاف المطلق، أو يستشف المرداوي منها أن الخلاف فيها مطلق، وتأخذ حكم الخلاف المطلق. وبين أيضا: أن إطلاق الشيخ ابن قدامة للخلاف لا لقوته، بل المُراد: حكايةُ الخلاف في الجملة، قال ﵀: (والذي يظهر أن إطلاق المصنف وغالب الأصحاب ليس هو لقوة الخلاف من الجانبين، وإنما مرادهم حكاية الخلاف من حيث الجملة، بخلاف من صرح باصطلاح ذلك كصاحب الفروع ومجمع البحرين، وغيرهما) (٣). وأما عكس الخلاف المطلق فهو: أن يذكر الشيخ العلامة ابن قدامة خلافا، ويبين فيه المذهب، أو يختار إحدى الروايتين أو الوجهين ونحو ذلك. ومثال الخلاف الذي ليس بمطلق: قول الشيخ ابن قدامة: (ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في أصح الروايتين) (٤)، أي إذا مات أحد الزوجين فللحي غسل الآخر في أصح الروايتين.

стр. 157

فهنا ذكر الشيخ ابن قدامة خلافا، لكنه صحح إحدى الروايتين وهي: المذهب. ولم يقتصر فعل الشيخ المرداوي ﵀ على تصحيح الخلاف المطلق فحسب، أو ما يأخذ حكم الخلاف المطلق، بل حتى ما رجح فيه الشيخ ابن قدامة، أو ذكر أنه المذهب، وهو مخالف للمذهب المعتمد؛ علق عليه وبين فيه الصحيح من المذهب. قال ﵀: (بل ربما جزم في كتابه بشيء والمذهب خلافه) (١). كما أنه ذكر فيه ما أخل به الشيخ ابن قدامة من الشروط والقيود، وبين ما أبهم، وغير ذلك من الفوائد والتنابيه الشيء الكثير جدا. المراد بالمبهم: المبهم قد يكون في الحكم، وقد يكون في اللفظ. والمبهم في الحكم هو: أن يذكر الشيخ ابن قدامة مسألة بدون أن يذكر لها حكما من حيث الحرمة أو الكراهة، أو الوجوب أو الاستحباب. أمثلة: المثال الأول: قول الشيخ ابن قدامة ﵀: (والشهيد لا يغسل) (٢). فهنا لم يبين ﵀ حكم غسل الشهيد، ولفظه يحتمل التحريم - وهو ما مشى عليه في: "الإقناع" - ويحتمل الكراهة - وهو ما مشى عليه في: " المنتهى". قال الشيخ المرداوي: (كلام المصنف وغيره من الأصحاب يحتمل: أن غسله محرم، ويحتمل: الكراهة) (٣). المثال الثاني: قوله ﵀: (وإن مات وعليه صوم، أو حج، أو اعتكاف منذور فعله عنه وليه) (٤).

стр. 158

وهنا لم يبين حكم فعل الولي عنه هل هو مستحب؟ أم واجب؟ والمذهب: فيه تفصيل، إن ترك الميت تركة وجب على الولي الفعل بنفسه أو بغيره، وإن لم يترك تركة استحب للولي فعله. قال الشيخ المرداوي في الإنصاف (١): (قوله: " فعله عنه وليه " يستحب للولي فعله، وأعلم أنه إذا كان له تركه وجب فعله، فيستحب للولي الصوم، وله أن يدفع إلى من يصوم عنه من تركته عن كل يوم مسكينا .... فإن لم يكن له تركه لم يلزمه شيء). المثال الثالث: قول الشيخ ابن قدامة - رحمه الله تعالى - في المقنع في كتاب الحجر في فصل الحكم الثالث من أحكام المحجور عليه: (بيع الحاكم ماله وقسم ثمنه) (٢). قال الشيخ المرداوي - رحمه الله تعالى - في الإنصاف (٣): (يعني: يجب ذلك على الحاكم ويكون على الفور). وكذلك صرح بالوجوب في التنقيح. (٤) المثال الرابع: قول الشيخ ابن قدامة - رحمه الله تعالى - في باب عشرة النساء: (ولا يجامع إحداهما بحيث تراه الأخرى) (٥). قال الشيخ المرداوي - رحمه الله تعالى -: (يحتمل أن يكون مراده أن ذلك مكروه وهو: الصحيح من المذهب جزم به في الرعايتين وقدمه في الفروع (٦)، ويحتمل أن يكون مراده أن ذلك محرم ولو رضيتا به، وهو اختيار المصنف والشارح وقطعا به في المغني والشرح، قلت: وهو الصواب.) (٧)

стр. 159

وقد يكون الإبهام في اللفظ، فيبينه بلفظ يزيل الإبهام عنه. وختم الشيخ المرداوي كتابه الإنصاف بقاعدة نافعة جامعة لصفة الروايات المنقولة عن الإمام أحمد ﵁ والأوجه والاحتمالات الواردة عن أصحابه - رحمهم الله تعالى - وأقسام المجتهدين، ومن يكون منهم أهلا لتخريج الأوجه والطرق، وصفة تصحيحهم، وبيان عيوب التصانيف واصطلاحهم فيها، وأسماء من روى عن الإمام أحمد ﵁ ونقل الفقه عنه، قال: فإن طالب العلم لا يسعه الجهل بذلك. (١) قال المرداوي في آخر كتابه الإنصاف: (فإن جامعه معترف بالعجز والتقصير، وبضاعته في العلم مزجاة، ولاسيما وقد سلك في هذا الكتاب طريقا لم ير أحدا ممن تقدمه من الأصحاب سلكها، فإن المؤلف إذا صنف كتابا قد سُبق إلى مثله، يسهل تعاطي ما يشابهه، ويزيده فوائد وقيودا، وينقحه ويهذبه، بخلاف من صنف في شيء لم يسبق إلى التصنيف فيه، فإنه يحصل له مشقة بسبب ذلك، والمطلوب ممن طالع هذا الكتاب أو نظر فيه أو استفاد منه، دعوة لمؤلفه بالعفو والغفران، فإنه قد كفاه المؤنة والتعب في جمع نقولات ومسائل لعلها لم تجتمع في كتاب سواه ... الخ) (٢) اللهم يا رحمن يا رحيم نسألك وأنت صاحب العفو والغفران أن تعفو وتغفر لإمامنا المرداوي فإنه قد كفانا المؤنة والتعب، واجعل قبره روضة من رياض الجنان برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 160

المطلب الثاني: "تصحيح الفروع ": ثم ألف الشيخ المرداوي كتابه " تصحيح الفروع "، والذي يدل على تأخره عن الإنصاف، ما ذكره في مقدمة كتابه التنقيح المشبع (١)، قال - رحمه الله تعالى -: (وأمشي في ذلك كله على قول واحد، وهو الصحيح من المذهب، أو ما اصطلحنا عليه في الإنصاف، وتصحيح الفروع ... الخ) وقال الشيخ البهوتي: (و " تصحيح الفروع " متأخر عن "الإنصاف" في التأليف، فما فيه يخالف " الإنصاف" كالرجوع عنه) (٢). وكتاب " تصحيح الفروع " يعجز القلم عن وصفه، اجتمع على تأليفه عالمان فحلان من فحول أهل العلم، الأول: وهو مؤلف كتاب الفروع، الإمام شمس الدين أبو عبد الله القاضي محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الراميني المقدسي ثم الدمشقي الصالحي المولد سنة (٧١٠ هـ) والمتوفى سنة (٧٦٣ هـ) فعمره: ثلاث وخمسون سنة. أما قدر مؤلف " الفروع " فأكتفي بما ذكره المرداوي في مقدمته لتصحيح الفروع (٣) بقوله: (ولو لم يكن من ترجمته إلا ما حُكي عن العلامة ابن القيم أنه قال: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من الشيخ محمد بن مفلح لكان فيه كفاية وناهيك بهذا الكلام من هذا الإمام في حقه). وأما قدر كتاب " الفروع " فأكتفي بما يلي: ١ - قول ابن حجر العسقلاني الشافعي (ت ٨٥٢ هـ) عن كتاب الفروع:

стр. 161

(وصنف الفروع في مجلدين أجاد فيه إلى الغاية وأورد فيه من الفروع الغريبة ما بهر العلماء) (١). ٢ - قول المرداوي عن الفروع: (وأنا أقول: إذا أردت أن تفهم قدر هذا الكتاب وقدر مصنفه فانظر إلى مسألة من المسائل التي فيه وما فيها من النقول والتحرير، وانظر فيها في غيره من الكتب، تجد ما يحصل لك به الفرقُ الجليُّ الواضح) (٢). كتاب الفروع أوسع كتب المذهب المعتمدة ومادته: لاشك أن كتاب الفروع من أعظم وأوسع كتب المذهب من حيث كثرة المسائل، والروايات، وتحريرها، قال الشيخ المرداوي متحدثاً عن الفروع: (حتى صار للطالب عمدة، وللناظر فيه حصناً وعُدة، ومرجع الأصحاب في هذه الأيام إليه، وتعويلهم في التصحيح والتحرير عليه، لأنه اطلع على كتب كثيرة، ومسائل غزيرة، مع تحرير وتحقيق، وإمعان نظر وتدقيق فجزاه الله أحسن الجزاء وأثابه جزيل النعماء) (٣). وهو مادة المذهب وأصله الذي بنى وأخذ المرداوي منه المذهب، فكل ما قدمه ابن مفلح في كتابه الفروع؛ هو المذهب المعتمد في الغالب قال ابن مفلح: (وأقدم غالباً الراجح في المذهب) (٤)، قال المرداوي: (وقد التزم فيه أن يقدم -غالباً- المذهب ..... وقد تتبعنا كتابه فوجدنا ما قاله صحيحاً، وما التزمه صريحاً، إلا أنه ﵀-عُثِرَ له على مسائل قدم فيها حكما نوقش على كونه المذهب ... الخ) (٥). وقال أيضاً في مقدمة الإنصاف: (واعلم أن من أعظم هذه الكتب نفعاً وأكثرها علماً وتحريراً وتحقيقاً وتصحيحاً للمذهب كتاب الفروع فإنه قصد

стр. 162

بتصنيفه تصحيح المذهب وتحريره وجمع وذكر فيه أن يقدم غالباً المذهب وإن اختلف الترجيح أطلق الخلاف إلا أنه رحمه الله تعالى لم يبيضه كله ولم يُقْرَأْ عليه) (١). وقال الشيخ الحجاوي في حواشي التنقيح: (ولكنه - أي المنقح وهو: المرداوي- إذا وجد كلام الفروع لا يعرج على غيره غالباً) (٢). عمل المرداوي في الفروع: هو قريب مما عمله على المقنع من تصحيح الخلاف المطلق، واستدراك على خلل في بعض العبارات، وغير ذلك، وقد صحح ألفين ومائتين وعشرين مسألة أطلق فيها الشيخ ابن مفلح الخلاف. قال ﵀: (وقد أحببت أن أتتبع ما أطلق فيه الخلاف من المسائل وأمشي عليه وأنقل ما تيسر من كلام الأصحاب في كل مسألة منها وأحرر الصحيح من المذهب من ذلك إن شاء الله تعالى وهي (٣) تزيد على ألفين ومائتين وعشرين مسألة، على ما يأتي بيانه في كل باب، وجمعها آخر الكتاب، وربما نبهت على بعض مسائل فيها بعض خلل إما في العبارة أو الحكم أو التقديم أو الإطلاق ولكن على سبيل التبعية وهي تزيد على ست مئة وثلاثين تنبيهاً) (٤). وذكر أيضا: أنه لم يصحح كل ما فيه خلاف في "الفروع": (فإذا وجدتُ نقلاً في مسألة من هذه المسائل التي أُطلق فيها الخلاف، ذكرتُ من اختار كل قول، ومن قدم، وصحح، وضعف، وأطلق، وأُبَيِّنُ الراجحَ من ذلك بقولي: وهو الصحيح، وربما اخترت مع قولي ذلك غيره فإن لم أجد في المسألة نقلاً

стр. 163

- وما ذاك إلا لعدم الكتب التي اطلع عليها المصنف ولم نطلع عليها - فإني أذكر المسألة بلفظ المصنف وأدعها على حالها لعلّ من رآها ووجد فيها نقلاً أضافه إليها وقد قال الله تعالى: (وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوى) (١) وربما ظهر لي ترجيح أحد القولين أو الأقوال فأنبه على ذلك بقولي: قلت الصحيح أو: الصواب كذا، وربما كان في المسألة المطلقة بعض أقوال أو طرق لم يذكرها المصنف فأذكرها، وقد أذكر مسألة من كلام المصنف مصححة أو مجزوماً بها توطئة لما بعدها لتعلقها بها لتفهم المسألة الآتية بعدها التي أطلق فيها الخلاف وهو كثير) (٢). ويوجد في كتاب تصحيح الفروع مسائل مصححة ليست موجودة في الإنصاف، وكذا العكس. قال المرداوي ﵀: (ولكن فيه - أي في تصحيح الفروع- مسائل لم تذكر في كتابنا - أي الإنصاف- وفي كتابنا مسائل مصححة لم تذكر فيه) (٣).

стр. 164

المطلب الثالث: " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ": ثم ألف الشيخ المرداوي ﵀ كتابه التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، وهو آخر ما ألفه من كتب التصحيح، بل وكرر النظر فيه لزيادة التحرير وإمعان النظر، يدل على ذلك ما يلي: ١ - ما ذكره الشيخ المرداوي نفسه في آخر كتابه التنقيح (١) بقوله: (وكان الفراغ من ذلك في تاسع صفر الخير سنة ثمان وسبعين وثمانمائة أحسن الله تقضيها على خير وعافية على يد جامعه الفقير المعترف بالخطأ والزلل والتقصير علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي .. الخ). ٢ - ما كتبه كذلك في هامش التنقيح وهو قوله: (بلغ مقابلة فصح إن شاء الله تعالى، ثم بلغ ثانياً فصح إن شاء الله تعالى، ولله الحمد والمنة كتبه مؤلفه علي بن سليمان عفا الله عنه، ثم بلغ مقابلة ثالثة ورابعة وكانت آخر ذلك في ثالث ذي القعدة الحرام سنة أحد وثمانين وثمانمائة، كتبه: علي بن سليمان عفا الله عنه وغفر له وسامحه ولطف به) (٢). وبذلك يتبين أن آخر ما ألفه من كتب التصحيح هو التنقيح المشبع، وينبغي التنبه إلى ما ذكره الشيخ عثمان النجدي في سبب عدول صاحب " المنتهى " عن اختيار المنقح في التنقيح، إلى ما اختاره في الإنصاف، وتصحيح الفروع، سبب ذلك يقول: (لتأخر التصحيح عنه فتنبه لذلك) (٣). أي أن تصحيح الفروع متأخر عن التنقيح، فالتنقيح قبل الفروع.

стр. 165

وينبغي التنبه لذلك، فالتنقيح هو آخر كتب المرداوي، وتصحيح الفروع قبله، وليس متأخراً عنه. وكذلك ينبغي التنبه إلى ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد بقوله: (فرغ المرداوي من تأليفه - أي التنقيح- في سادس عشر شوال سنة اثنين وسبعين وثمانمائة، ثم غيره مراراً، ولم يزل يحرره، ويزيد فيه، وينقص، إلى أن توفي " هكذا نقل ابن مانع عن نسخة له خطية كما في مقدمته لطبع" الفروع: ١/ ١٣) (١). فالشيخ المرداوي لم يفرغ من كتابه سنة (٨٧٢ هـ) بل سنة (٨٧٨ هـ) كما تقدم. وكتاب التنقيح اختصره المرداوي من كتابه الإنصاف مما فيه خلاف فقط، فقد اقتصر في ذكره للمسائل على ما خالف المذهب في المقنع وما فيه إبهام في لفظ أو حكم، وبيان القيود والشروط، وإصلاح ما فيه خلل في العبارة، ذكر ذلك في صدر مقدمته: (فقد سنح بالبال أن أقتضب ما في كتابي الإنصاف من تصحيح ما أطلق الشيخ الموفق في المقنع من الخلاف، وما لم يفصح فيه بتقديم حكم، وأن أتكلم على ما قطع به .... وهو غير الراجح في المذهب). وأما ما عدا ذلك فلم يتطرق إليه ولم يذكره في التنقيح وهو كل ما ذكره الشيخ ابن قدامة في المقنع وهو موافق للمذهب. مثاله: قوله في المقنع (٢) في أركان الصلاة (والتسليمةُ الأولى). وفي التنقيح (٣) قال (والتسليمةُ الثانيةُ أيضاً). وقال في " المنتهى " (والتسليمتان). والذي انتهى إليه الشيخ المرداوي هو:

стр. 166

١ - أن ما صححه في التنقيح من الخلاف الذي في المقنع هو المذهب. ٢ - وما سكت عنه في المقنع ولم يأت له بذكر في التنقيح يكون هو المذهب أيضا. ويدل لذلك: قول الشيخ منصور في الكشاف (١) في مسألة: مالو أفلس الابن فهل للأب الرجوع في العين التي وهبها له؟ لايخلو الحال: الحالة الأولى: أن يفلس الابن ولا يحجر عليه؛ فهنا اتفقوا الإقناع (٢)، والمنتهى (٣)، والمقنع على: أن للأب الرجوع فيما وهبه له. الحالة الثانية: أن يفلس الابن، ويحجر عليه لفلسه؛ فهنا اختلفوا: القول الأول: ظاهر المنتهى (٤) أن للأب الرجوع حيث قال: (ولا رجوع واهب بعد قبض، ويحرم، إلا ....... الأب ولو تعلق بما وهب حق كفلس). فقوله: (كفلس) يفهم منه الإطلاق سواء حجر عليه أم لا. ونص على الفلس الشيخ الموفق في المقنع (٥)، ولم يذكر في التنقيح (٦) (الفلس)، وإذا سكت المنقح عن مسألة في المقنع ولم يخالفه فيها في التنقيح؛ دل ذلك على أن ما في المقنع هو المذهب، قال الشيخ منصور: (ومقتضى ما قدمه في المقنع أنه غير مانع، وتبعه في المنتهى لأنه لم يخالفه في التنقيح) (٧). القول الثاني: للإقناع أنه إذا أفلس الابن وحُجِرَ عليه فليس للأب الرجوع في عين ما وهبه له لتعلق حق الغرماء بالعين.

стр. 167

قال الشيخ منصور: (قال الحارثي: إنه الصواب بلا خلاف كما في الرهن ونحوه، وبه صرح في المغني، وصاحب المحرر وغيرهما انتهى) وكأن الشيخ منصور يميل للإقناع (١). ثم نبه الشيخ المرداوي على تنبيه مهم فقال: (فإذا وجدت في هذا الكتاب لفظاً، أو حكماً مخالفاً لأصله (٢)، أو غيره فاعتمده فإنه وضع عن تحرير، واعتمد أيضاً ما فيه من تصريح وقيود في مسائله فإنه محترز عن مفهومه). وقال أيضاً: (وهو في الحقيقة تصحيح وتنقيح وتهذيب لكل ما في معناه، بل وتصحيح لغالب ما في المطولات ولاسيما في التتمات وهذه الطريقة لم أر أحداً ممن يتكلم على التصحيح سلكها ... الخ) (٣).

стр. 168

المبحث الثاني: تحرير المذهب عند المرداوي . المطلب الأول: طريقة المرداوي في تحرير المذهب . انتهج المرداوي - رحمه الله تعالى- منهجاً معيناً لتحرير المذهب، ذكره في مقدمة كتابه "الإنصاف"، و"تصحيح الفروع": قال - رحمه الله تعالى -: (اعلم وفقك الله تعالى وإيانا أن طريقتي في هذا الكتاب النقل عن الإمام أحمد والأصحاب أعزو إلى كل كتاب من نقلت: منه وأضيف إلى كل عالم ما أروي عنه: ١ - إن كان المذهب ظاهراً أو مشهوراً أو قد اختاره جمهور الأصحاب، وجعلوه منصوراً فهذا لا إشكال فيه وإن كان بعض الأصحاب يدعي أن المذهب خلافه. ٢ - وإن كان الترجيح مختلفاً بين الأصحاب في مسائل متجاذبة المأخذ فالاعتماد في معرفة المذهب من ذلك على ما قاله المصنف (لاسيما في الكافي) (١) والمجد والشارح وصاحب الفروع والقواعد الفقهية والوجيز والرعايتين والنظم والخلاصة والشيخ تقي الدين وابن عبدوس في تذكرته فإنهم هذبوا كلام المتقدمين ومهدوا قواعد المذهب بيقين. ٣ - فإن اختلفوا فالمذهب ما قدمه صاحب الفروع فيه في معظم مسائله.

стр. 169

٤ - فإن أَطْلَقَ (١) الخلاف أو كان من غير المعظم الذي قدمه فالمذهب ما اتفق عليه الشيخان أعني المصنف والمجد أو وافق أحدهما: الآخر في أحد اختياريه وهذا ليس على إطلاقه وإنما هو في الغالب. ٥ - فإن اختلفا فالمذهب مع من وافقه صاحب القواعد الفقهية أو الشيخ تقي الدين. ٦ - وإلا فالمصنف (٢) لاسيما إن كان في الكافي ثم المجد. وقد قال العلامة ابن رجب في طبقاته في ترجمة ابن المنى: وأهل زماننا ومن قبلهم إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين الموفق والمجد. انتهى. ٧ - فإن لم يكن لهما ولا لأحدهما: في ذلك تصحيح فصاحب القواعد الفقهية. ٨ - ثم صاحب الوجيز. ٩ - ثم صاحب الرعايتين. ١٠ - فإن اختلفا فالكبرى. ١١ - ثم الناظم. ١٢ - ثم صاحب الخلاصة. ١٣ - ثم تذكرة ابن عبدوس. ١٤ - ثم من بعدهم أذكر من قدم أو صحح أو اختار إذا ظفرت به وهذا قليل جداً. وهذا الذي قلنا من حيث الجملة وفي الغالب وإلا فهذا لا يطرد البتة بل قد يكون المذهب ما قاله أحدهم في مسألة ويكون المذهب ما قاله الآخر في أخرى وكذا غيرهم باعتبار النصوص والأدلة والموافق له من الأصحاب. هذا ما يظهر لي من كلامهم ويظهر ذلك لمن تتبع كلامهم وعرفه وسننبه على بعض ذلك في أماكنه) (٣).

стр. 170

المطلب الثاني: هل هناك من خالف المرداوي في هذا المنهج في تحرير المذهب ؟ نعم يوجد من خالف المرداوي في طريقته في تحرير المذهب، ذكرهم المرداوي نفسه في مقدمة كتابيه، الإنصاف والفروع، من هذه المناهج: ١ - منهم من قال: (إن المذهب فيما إذا اختلف الترجيح ما قاله الشيخ الموفق، ثم المجد، ثم صاحب الوجيز، ثم صاحب الرعايتين). ٢ - وقال بعضهم: (إذا اختلفا في المقنع والمحرر فالمذهب ما قاله في الكافي). ٣ - ومنهم من قال: (لا يعدل بصاحب الوجيز أحد في الغالب). قال الشيخ المرداوي بعد أن حكى هذه الأقوال: (وكل هذه الأقوال ضعيفة على الإطلاق، لا يلتفت إليها) (١). ٤ - ومنهم ابن عبدالهادي (ت ٩٠٩ هـ) في كتابه: مغني ذوي الأفهام حيث قال: (والذي نختاره من الإصطلاح: ما اختاره الأكثر من أصحابه، ثم ما اختاره القاضي والشيخان، ثم ما اختاره الشيخان، ولا نرجع إلى ما اختاره صاحب الفروع كما قدمه غيرنا) (٢). وكأنه غمز شيخه المرداوي بقوله: (ولا نرجع إلى ما اختاره صاحب الفروع كما قدمه غيرنا)، لأن الذي أخذ بأغلب ما قدمه صاحب الفروع، هو شيخه: الإمام المرداوي، وقد استقر علماء المذهب المتأخرون على ما اصطلح عليه المرداوي من عصره إلى يومنا هذا.

стр. 171

المطلب الثالث: هل كل ما صححه المرداوي في كتبه الثلاثة متفق ؟ الأصل أن ما جعله المرداوي المذهب في " الإنصاف " هو الذي في " تصحيح الفروع "، وهو كذلك الذي في " التنقيح ". لكن هناك مسائل جعل المرداوي المذهب فيها في " الإنصاف " غير الذي في " تصحيح الفروع "، وأحياناً يتفق " الإنصاف " و " تصحيح الفروع " على حكم، ويخالف ذلك في " التنقيح ". وهذا الخلاف بين كتب المرداوي الثلاثة قد يكون من أسباب الخلاف بين " المنتهى " و " الإقناع ". أمثلة على عدم اتفاق كتب المرداوي الثلاثة على جعل حكم واحد في مسألة واحدة هي المذهب: المثال الأول: تنجس الماء الطاهر الكثير، أي إذا وقعت نجاسة في ماء طاهر كثير هل ينجس بمجرد الملاقاة أم بالتغير؟ : صحح في " الإنصاف " أن حكمه كالماء الطهور لا ينجس إلا بالتغير فيما لو كان كثيراً، قال في " الإنصاف": (لو وقع في الماء المستعمل في رفع الحدث - وقلنا: إنه طاهر - أو طاهر غيره من الماء، نجاسةٌ لم ينجس إذا كان كثيراً على الصحيح من المذهب قدمه في المغني، وشرح ابن رزين، وابن عبيدان، وصححه ابن منجا في نهايته، وغيره) (١). وصحح في " التنقيح " أنه ينجس مطلقاً سواء تغير أم لم يتغير، ولا يأخذ حكم الماء الطهور، قال في التنقيح: (وما لم يتغير منه - أي الماء الطهور الكثير - فطهور إن كثر، فإن لم يتغير وهو يسير ولو جارياً فنجس مطلقاً،

стр. 172

كطاهر، ومائع ولو كثيراً نصاً) (١). وبناءً على هذا الاختلاف بين " الإنصاف " و " التنقيح "، حصل خلاف بين " المنتهى " و " الإقناع "، فذهب صاحب " المنتهى " (٢) إلى ما اختاره الشيخ المرداوي في " التنقيح "، وتابعه في الغاية للشيخ مرعي الكرمي وقال: (خلافاً له) (٣) - أي للإقناع- وكذا " التوضيح" (٤) للشيخ الشويكي، وخالفهم " الإقناع" (٥) فذهب إلى ما اختاره الشيخ المرداوي في " الإنصاف ". وقد نبه على ذلك الشيخ البهوتي في شرح " المنتهى " (٦) فقال: (وما ذكره من نجاسة الطاهر بمجرد الملاقاة ولو كثيرا، جزم به في " التنقيح " وصحح في " الإنصاف " أنه إذا كان كثيراً، لا ينجس إلا بالتغير كالطهور، وقدمه في المغني وغيره، وتبعه في " الإقناع "). المثال الثاني: هل يجب الاستنجاء من الخارج الطاهر كالمني، والخارج النجس غير الملوِّث؟ جعل الشيخ المرداوي في " الإنصاف " المذهب وجوب الاستنجاء منهما حيث قال: (أما النجس الملوِّث فلا نزاع في وجوب الاستنجاء منه، وأما النجس غير الملوث والطاهر فالصحيح من المذهب: وعليه جماهير الأصحاب وجوب الاستنجاء منه .... وقدمه في المغني والشرح والفروع والرعايتين والحاويين والزركشي وغيرهم، قلت: وهو ضعيف ... ، وقيل: لا يجب للخارج الطاهر ولا للنجس غير الملوث قال المصنف وتبعه الشارح: والقياس لا يجب الاستنجاء من ناشف لا ينجس المحل وكذلك إذا كان الخارج طاهراً كالمني إذا حكمنا بطهارته لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة

стр. 173

هنا قال في الفروع وهو أظهر قال في الرعاية الكبرى: وهو أصح قياساً. قلت: وهو الصواب، وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر أم كيف يحصل الإنقاء بالأحجار في الخارج غير الملوث وهل هذا إلا شبيه بالعبث وهذا من أشكل ما يكون، فعلى المذهب يعايى بها، وأطلق الوجوب وعدمه ابن تميم والفائق.) (١). وجعل المذهب في " التنقيح " عدم وجوب الاستنجاء منهما فقال: (ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح، قلت: والطاهر وغير الملوث) (٢). ونبه الشيخ البهوتي على ذلك في شرح " المنتهى " فقال: (ويجب الاستنجاء بماء ونحوه كحجر لكل خارج من سبيل ولو نادراً كالدود لعموم الأحاديث إلا الريح ... وإلا الخارج النجس غير الملوث قطع به في " التنقيح " خلافاً لما في " الإنصاف" لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة هنا) (٣). ومشى في " المنتهى " (٤)، و" الإقناع " (٥)، والغاية (٦) على ما في " التنقيح " فيكون هو المذهب المعتمد. المثال الثالث: لو سمى لزوجته صداقاً فاسداً - كخمر- وطلقها قبل الدخول، فهل يجب لها نصف مهر المثل؟ أم المتعة؟ قطع الشيخ المرداوي في " الإنصاف " و " تصحيح الفروع "، أن لها نصف مهر المثل: قال في " الإنصاف" (٧): (وعنه: يجب عليه نصف مهر المثل وهو المذهب).

стр. 174

وقال في " تصحيح الفروع ": (ولو سمى لها صداقاً فاسداً، وطلقها قبل الدخول فهل تجب لها المتعة فقط أم نصف مهر المثل؟ أطلق الخلاف وأطلقه صاحب الحاوي والزركشي: إحداهما: تجب المتعة فقط، نصره القاضي وأصحابه، قاله المصنف، قال الزركشي. اختاره الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، واختاره المجد وصاحب الرعايتين والنظم وغيرهم. والرواية الثانية: يجب لها نصف مهر المثل، وهو الصحيح، اختاره الشيرازي والشيخ الموفق والشارح وغيرهم، وقطع به الخرقي وابن رزين في شرحه.) (١). وقد تبعهما (٢) الشيخ الحجاوي في " الإقناع " مقدماً لهذا الرأي، ثم عقبه بقول القاضي وأصحابه والمجد وغيرهم أن لها: المتعة، وأثبت ذلك أيضاً في حواشيه على " التنقيح " (٣)، في قول صاحب " التنقيح ": (والمتعة .... بطلاقه قبل الدخول لمن لم يُسَمَّ لها مهرٌ مطلقاً) لأنه فهم من الإطلاق: من لم يسم لها مهر، لا صحيح ولا فاسد فقال: (قوله (مطلقاً) أي لم يسم لها مهر صحيح ولا فاسد، .... وإن سمى لها فاسداً من خمر وخنزير، أو تعليم قرآن حيث فسدت التسمية ففيه روايتان: إحدهما: لها نصف مهر المثل، وهو المذهب، جزم به في الخرقي، وابن رزين في شرحه، واختاره الشيرازي والموفق والشارح. والرواية الأخرى: لا يجب إلا المتعة نصره القاضي وأصحابه، واختاره المجد وابن حمدان والناظم، وغيرهم). والمفهوم من " التنقيح ": أن من سُمِّيَ لها مهرٌ فاسد، وطلقت قبل الدخول، لها المتعة، قال ﵀: (والمتعة .... بطلاقه قبل الدخول لمن لم يُسَمَّ لها مهرٌ مطلقاً) (٤).

стр. 175

صرح بلفظه أن من لم يسم لها مهر: لها المتعة، ويشمل ذلك من سمي لها مهر فاسد لأن وجود المهر الفاسد كعدمه، فكأنها لم يسم لها مهر. وقد تابعه صاحبُ " المنتهى " فقال: (وإن طلقت قبلهما (١) لم يكن عليه إلا المتعة، هي: ما تجب لحرة أو سيد أمة على زوج، بطلاق قبل دخول، لمن لم يًسمَّ لها مهر مطلقاً) قال في شرحه المعونة: (أي سواء كانت مفوضة البضع، أو مفوضة المهر، أو سمي لها مهر فاسد كالخمر والخنزير .. الخ) (٢). وقد تابع صاحبُ "الغاية" صاحبَ " المنتهى " في ذلك (٣). وقد نبه الشيخ البهوتي على هذا الخلاف والمفهوم في الكشاف (٤) فقال: (وإن سمى لها صداقاً فاسداً) كالخمر والمجهول (وطلقها قبل الدخول) ونحوه مما يقرر الصداق (وجب عليه) لها (نصف مهر المثل). قال في " الإنصاف ": وهو المذهب. قال في " تصحيح الفروع ": وهو الصحيح اختاره الشيرازي والشيخ تقي الدين والموفق والشارح وغيرهم وقطع به الخرقي وابن رزين في شرحه وتبعهم المصنف (٥) في الحاشية (واختار القاضي وأصحابه والمجد وغيرهم) كصاحب الرعايتين والنظم تجب (المتعة) دون مهر مهر المثل وهو مفهوم ما قطع به في " التنقيح " وتبعه في " المنتهى " لأن التسمية الفاسدة كعدمها فأشبهت المفوضة). ونبه على ذلك - الشيخ البهوتي- أيضاً في حواشي " الإقناع " (٦). والمقصود: أن الشيخ المرداوي ﵀ قد يختلف ترجيحه أحياناً، وهو

стр. 176

وإن كان قليلاً، لكنه قد وجد، لكنَّ الذي أكد أنه المعتمد عنده هو: ما في " التنقيح "، وترك ما عداه (١)، قال -رحمه الله تعالى-: (فإذا وجدت في هذا الكتاب لفظاً، أو حكماً مخالفاً لأصله، أو غيره، فاعتمده فإنه وضع عن تحرير، واعتمد أيضاً ما فيه من تصريح وقيود في مسائله فإنه محترز به عن مفهومه) (٢). ومما يزيد ذلك تأكيداً، إعادة النظر فيه - بعد تأليفه- أربع مرات، قال في آخر حاشية له على التنقيح: (بلغ مقابلة فصح إن شاء الله تعالى، ثم بلغ ثانياً فصح إن شاء الله تعالى، ولله الحمد والمنة كتبه مؤلفه علي بن سليمان عفا الله عنه، ثم بلغ مقابلة ثالثة ورابعة وكانت آخر ذلك في ثالث ذي القعدة الحرام سنة أحد وثمانين وثمانمائة، كتبه: علي بن سليمان عفا الله عنه وغفر له وسامحه ولطف به) (٣).

стр. 177

المطلب الرابع: هل صحح الشيخ المرداوي في الإنصاف والتصحيح والتنقيح كل ما فيه خلاف ؟ أول شيء اهتم به الشيخ المرداوي هو تصحيح الخلاف المطلق الذي في "المقنع" و"الفروع" وبيان ما هو المذهب في هذا الخلاف، لكن هناك مسائل فيها خلاف لم يصححها وتركها ﵀ لأسباب كثيرة، وأحيانا لا يصحح خلافا في "الإنصاف" ويصححه في "تصحيح الفروع"، أو في "التنقيح". ولذلك أمثلة: المثال الأول: مسألة في صلاة الاستسقاء: لو غار ماء العيون أو الأنهار وضر ذلك هل تستحب صلاة الاستسقاء لذلك؟ أو لا يستحب؟ ذكر في "الإنصاف" (١) القولين: السنية وعدمها ولم يصحح المذهب قال: (فائدة: لو غار ماء العيون أو الأنهار، وضر ذلك: استحب أن يصلوا صلاة الاستسقاء جزم به في المستوعب، والإفادات، والنظم، والحاويين، قال في الرعايتين: استسقوا على الأقيس واختاره القاضي، وابن عقيل، وعنه: لا يصلون قال ابن عقيل، وتبعه الشارح قال أصحابنا: لا يصلون وقدمه في الفائق، وأطلقهما في الفروع، والمذهب، والتلخيص، وابن تميم، ومجمع البحرين، وهما وجهان في شرح المجد) وصحح في "تصحيح الفروع" (٢) سنية الصلاة لذلك، وجزم به في "التنقيح" (٣).

стр. 178

وهو ما مشى عليه في "المنتهى" (١)، و"الإقناع" (٢). المثال الثاني: ذكر في "الإنصاف" (٣) في باب الهدي والأضاحي: الخلاف في سنية إشعار غير السنام، وكذا الخلاف في سنية الإشعار في غير الإبل من غير تصحيح؛ فقال: (تنبيه: ظاهر كلام المصنف: أنه لا يشعر غير السنام وهو ظاهر كلام غيره، وقال في الكافي: يجوز إشعار غير السنام وذكره في الفصول عن أحمد وظاهر كلام المصنف أيضا: أنه لا يشعر غير الإبل وهو ظاهر كلامه في الهداية، والمذهب، والخلاصة، وغيرهم وقال في المستوعب، والتلخيص، والرعايتين، والحاويين، والفائق وغيرهم: ويسن إشعار مكان ذلك من البقر). ولم يتكلم على المسألة في "تصحيح الفروع" (٤). وصحح في "التنقيح" (٥): سنية إشعار السنام أو محله مما لاسنام له من إبل وبقر، وصحح أيضا سنية إشعار الإبل والبقر فقال: (ويسن إشعار بدن نصا وبقر بشق صفحة سنامها اليمنى أو موضعه مما لا سنام له من إبل وبقر). وهو ما مشى عليه في"المنتهى" (٦)، و"الإقناع" (٧). المثال الثالث: مسألة في إحياء الموات: هل يملك المسلم موات الحرم وعرفات بإحيائه؟ لم يجزم في "الإنصاف" (٨) بشيء، مع أنه جعل الْأَوْلَى عدم ملكه بإحيائه، قال في "الإنصاف": (فائدة: هل يملك المسلم موات الحرم وعرفات بإحيائه؟ يحتمل وجهين. وأطلقهما في التلخيص، والرعاية، والفروع. قلتُ:

стр. 179

الْأَوْلَى أنه لا يملك ذلك بالإحياء. ثم وجدت الحارثي قال: هذا الحق). وصوب في "تصحيح الفروع" (١) عدم ملكه، وجزم به في "التنقيح" (٢). وهو ما مشى عليه في "المنتهى" (٣) و"الإقناع" (٤). المثال الرابع: مسألة في القسامة: لو نكل المدعون عن الخمسين يمينا فيلزم المدعى عليه أن يحلف خمسين يمينا، فإن نكل عن الخمسين يمينا فلا قود عليه؛ لكن هل تلزمه دية؟ لم يجزم في "الإنصاف" (٥) بشيء بل حكى الخلاف ولم يبين المذهب قال ﵀: (وحيث امتنع: لم يقض عليه بالقود بلا نزاع، وهل يُقضى عليه بالدية؟ فيه روايتان، وأطلقهما الزركشي وصاحب الرعايتين، قال المصنف، والشارح: وأما الدية فتثبت بالنكول عند من يثبت المال به، أو ترد اليمين على المدعي فيحلف يمينا واحدة. قال في الرعاية الكبرى بعد أن أطلق الوجهين قلت: ويحتمل أن يحلف المدعي، إن قلنا: برد اليمين، ويأخذ الدية. انتهى.) وصحح في "تصحيح الفروع" (٦): لزوم الدية، وجزم به في "التنقيح" (٧). وهو ما مشى عليه في "المنتهى" (٨)، و"الإقناع " (٩). وأحيانا لا يصحح المنقح شيئا لا في "الإنصاف"، ولا في "تصحيح الفروع"، ولا في "التنقيح"، ومثاله: حكم الإسراع في تفريق وصية الميت، وتقدم الحديث عنه في المثال السادس في مخالفات المذهب في الفصل الأول.

стр. 180

المبحث الثالث: منهج ابن النجار في كتابه " المنتهى "في اختيار المذهب: لقد تابع الشيخ ابنُ النجار " التنقيح " في كتابه " منتهى الإرادات " في غالب، وأكثر مسائله في الحكم لا في اللفظ، وقد بَيَّن ذلك في مقدمته فقال: (ولا أذكر قولاً غير ما قدم، أو صحح في " التنقيح") (١)، ولا يكاد يخرج عن " التنقيح " إلا في القليل النادر، وهذا في المسائل التي في " التنقيح "، وتبقى مسائل المقنع التي لم تذكر في " التنقيح "، والأمر فيها كذلك قال ﵀: (فاستخرت الله تعالى أن أجمع مسائلهما في واحد، .... ، ولا أحذف منهما إلا المستغنى عنه .. ). قال الشيخ البهوتي: (والمقصود من الجملة الأولى التزام ذكر ما في الكتابين غير ما استثناه) (٢). وقد أكد الشيخ ابن النجار على الأخذ بما في "التنقيح"، حتى لو كان مخالفاً لما صححه الشيخ المرداوي في "الإنصاف" في مواضع منها: الموضع الأول: قال الشيخ ابن النجار في كتابه " معونة أولي النهى" في باب نواقض الوضوء: (و (لا) نقض بلمس (مَنْ) لها أو له (دون سبع) (٣) قال
следующие страницы →