← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 14207

عمدة الحازم في الزوائد على مختصر أبي القاسم

ابن قدامة

Полный текст (754 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَصْلٌ فِي صَلاةِ الْخَوْفِ قَالَ جَابِرٌ: "لَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ، صَفَّنَا صَفَّيْنِ، -يَعْنِي: النَّبِيَّ (١) ﷺ ، وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَبَّرْنا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا (٢)، سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي، فَقَامُوا مَقَامَ الأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَبَّرْنا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَقَامَ الثَّانِي، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ (٣) جَلَسُوا جَمِيعاً، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). فَهذِهِ صَلاةُ الْخَوْفِ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَخَافُوا كَمِيناً.

стр. 107

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مِنَ السِّلاحِ فِي صلاةٍ (١) مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. وَيُكْرَهُ مَا يُثْقِلُهُ، أَوْ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ الصَّلاةِ؛ كَالْجَوْشَنِ، وَالْمِغْفَرِ. وَمَنْ رَأَى سَوَاداً ظَنَّهُ عَدُوّاً، فَصَلَّى صَلاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُ الْعُبُورَ، أَعَادَ الصَّلاةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي حَال شِدَّةِ الْخَوْفِ جَمَاعَةً، رِجَالاً وَرُكْبَاناً، وَمَتَى احْتَاجُوا إِلَى الضَّرْبِ وَالطَّعْنِ، وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَعَلُوا، وَلا يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا. وَإِذَا خَافَ سَبْياً (٢)، أَوْ سَبُعاً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ الْخَوْفِ. * * *

стр. 108

بَابٌ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ، التَّبْكِيرُ إِلَيْها مَاشِياً، فَيَدْنُو مِنَ الإمَامِ، وَيَتَشَاغَلُ بِالنَّفْلِ، أَوْ ذِكْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَاماً، أَوْ يَرَى فُرْجَةً، فَيَتَخَطَّى إِلَيْها. وَعَنْهُ: يُكْرهُ -أيضاً-. وَيُنْصِتُ (١) لِلْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ لا يَسْمَعُهَا، فَهَلِ الأَفْضَلُ (٢) الإِنْصَاتُ، أَوْ ذِكْرُ اللهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيَحْرُمُ الْكَلامُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ. وَعَنْهُ: لا يَحْرُمُ. وَلا يُقِيمُ غَيْرَهُ فَيَجْلِسُ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنْ قَدَّمَ صَاحِباً لَهُ فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ، فَلا بَأْسَ.

стр. 109

وَإِنْ بَعَثَ مُصَلًّى، فَفُرِشَ فِي مَوْضِعٍ، فَهَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. فَإِنْ قَامَ الْجَالِسُ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ. وَلا يُكْرَهُ لِمَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَالأَفْضَلُ لِمَنْ لا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، أَلَّا يُصَلُّوا حَتَّى يَفْرُغَ الإمَامُ. وَلا يَجُوزُ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَجُوزُ فِيها قَبْلَهُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً. وَعَنْهُ: لا يَجُوزُ عَلَى الإِطْلاقِ. وَإِذَا أُقِيمَتِ الْجُمُعَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَالثَّانِيَةُ مِنْهُمَا بَاطِلَةٌ، فَإِنْ وَقَعَتَا مَعاً، أَوْ لَمْ تُعْلَمِ الأُولَى مِنْهُمَا، فَهُمَا بَاطِلَتَانِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ جُمُعَةَ الإِمَامِ، فَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ: السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ. وَتَصِحُّ إِقَامَةُ (١) الْجُمُعَةِ فِي الأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَها اسمٌ وَاحِدٌ، وَفِيما قَارَبَ الْبُنْيَانَ من الصحراء (٢). وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا حُضُورُ الأَرْبَعِينَ، مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ. وَعَنْهُ: حُضُورُ ثَلاثَةٍ. فَإِنْ نَقَصُوا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَقَلُّ مِنَ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ، اسْتَأْنَفَ ظُهْراً.

стр. 110

وَأَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِما حَمْدُ اللهِ تَعَالَى، وَالصَّلاةُ عَلَى رَسُولهِ، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ، وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ. وَهَلْ تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلاَّهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلاةَ، وَإِذْنُ الإمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيُسَنّ (١) أَنْ يَخْطُبَ قَائِماً، وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا، وَيُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ، وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إِمَاماً فِيها، فَأَمَّا الْمَعْذُورُ لِمَرَضٍ أَوْ مَطَرٍ (٢)، فَإِذَا حَضَرَ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ. وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاجْتَزَأَ بِالْعِيدِ، أَوْ صَلَّى (٣) ظُهْراً، جَازَ. وَمَنْ زُحِمَ عَنِ السّجُودِ، سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، انتظَرَ زَوَالَ الزِّحَامِ لِيَسْجُدَ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، فَيتُابِعُ الإمَامَ، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُوليَّتَهُ (٤)، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً، فَإِنْ تَرَكَ مُتَابَعَتَهُ، بَطَلَتْ صَلاتُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلاً بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ إِذا سَجَدَ (٥)، وأَدرَكَ

стр. 111

الإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ، قَامَ بَعْدَ سَلامِ الإمَامِ، فَأَتَى بِثَانِيَةٍ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُتِمُّهَا ظُهْراً.

стр. 112

فَصْلٌ فِي صَلاةِ الْعِيدِ صَلاةُ الْعِيدِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِذَا اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا (١)، قَاتَلَهُمُ الإمَامُ. وَأَوَّل وَقْتِها: إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ: إِذَا زَالَتْ. وَيَحْسُنُ تَقْدِيمُ الأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، وَأَنْ يَأْكُلَ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ، ويُمْسِكَ فِي الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهَا الاسْتِيطَانُ وَالْعَدَدُ، وَإِذْنُ الإمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاكِرَ إِلَيْهَا الْمَأْمُومُ بَعْدَ الصُّبْحِ مَاشِياً عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا لِلْجُمُعَةِ، إِلَّا الْمُعْتَكِفَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، وَيَتَأَخَّرُ الإمَامُ إِلَى وَقْتِ الصَّلاةِ. وَيُسْتَحَبُّ إِقَامَتُهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَتُكْرَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَلا بَأْسَ أَنْ يَحْضُرَهَا النِّسَاءُ.

стр. 113

وَمَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ فِي الرُّكُوع، تَبعَهُ، وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بِقَضَاءِ التكْبِيرِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ، قَامَ إِذَا سَلَّمَ الَإمَامُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ. وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ، وَيَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبعٍ، وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلاةِ شَفْعاً: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ، وَإِذَا نَسِيَ التَّكْبِيرَ، قَضَاهُ (١ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَو يَخْرُجْ مِنَ المَسجدِ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَم بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمُ الْعِيدَ (١). * * *

стр. 114

فَصْلٌ فِي الْكُسُوفِ رَوَى مُسْلِمٌ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَنْخَسِفَانِ (١) لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فإذا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ" (٢). وَالصَّلاةُ لِلْكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ، أَوْ غَابَتِ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ الشِّمْسُ (٣) وَالقَمَرُ خَاسِفاً قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الْكُسُوفَ، لَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ، أَتَمَّهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُخَفِّفُ. وَالسُّنَّةُ أَنْ تُفْعَلَ فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ، وُيُنَادَى لَهَا: "الصَّلاةَ جَامِعَةً". وُيصَلِّي لِلزَّلْزَلَةِ كَمَا يُصَلِّي لِلْكُسُوفِ، وَلا يُصَلَّي لِغَيْرِ ذَلِكَ. * * *

стр. 115

فَصْلٌ فِي صَلاةِ الاسْتِسْقاءِ وَهِيَ مَسْنُونَةٌ، وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامِهَا صِفَةُ صَلاةِ الْعِيدِ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ (١) التَّنْظِيفُ، وَلا (٢) يَتَطَيَّبُ. وَيَجُوزُ خُرُوجُ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وَإِذَا صَلَّى بِهِمْ، خَطَبَ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلاةِ. وَعَنْهُ: لا يَخْطُبُ، وَإِنَّمَا يَدْعُو. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَخْطُبُ خُطْبَةً واحِدَةً يَفْتَتِحُهَا بِالتكْبِيرِ، وَيَقُولُ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً هَنِيئاً مَرِيعاً مَرِيئاً غَدَغَاً (٣) سَريعاً مَريعاً غَدَقاً، مُجَلِّلاً طَبَقاً سَحّاً دَائِماَ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّ

стр. 116

بِالْعِبَادِ وَالْبِلادِ مِنَ اللأْوَاءِ وَالضَّنْكِ وَالْجَهْدِ، مَا لا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ إِلَّا أَنْتَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّاراً، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَاراً" (١). وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْخُطْبَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، وَيَدْعُو سِرّاً، وَيَكُونُ مِنْ دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا". وَإِذَا تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، فَسُقُوا (٢)، صَلَّوْا وَشَكَرُوا اللهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا. وَإِذَا زَادَتِ الْمِيَاهُ بِحَيْثُ يَخَافُونَ مِنْهَا، اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ:"اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الْجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ...﴾ الآية (٣). * * *

стр. 117

كِتَابُ الْجَنَائِزِ يُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ، وَإِنْ خَافَ مَوْتَهُ رَغَّبَهُ فِي التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَيَنْبَغِي لأَهْلِهِ أَنْ يُلْزِمُوهُ أَرْفَقَهُمْ بِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ؛ لِيُذَكِّرَهُ بِاللهِ، وَيَحُثَّهُ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ. وَإِذَا رَآهُ مَنْزُولاً بِهِ، نَدَّى حَلْقَهُ بِمَاءٍ، أَوْ شَرَابٍ (١)، وَنَدَّى شَفتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَيُلَقِّنُهُ قَوْلَ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، مَرَّةً، وَلا يَزِيدُ عَلَى ثَلاثٍ، فَإِنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذلِكَ بِشَيْءٍ، أَعَادَ تَلْقِينَهُ؛ لِيَكُونَ آخِرَ كَلامِهِ، وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةً، وُيوَجِّهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. فإذا مَاتَ، غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، وَشَدَّ لَحْيَيْهِ، وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ؛ فَيَرُدُّ سَاقَيْهِ إِلَى فَخِذَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا، وَيَرُدُّ ذِرَاعَيْهِ إِلَى عَضُدَيْهِ، وَعَضُدَيْهِ إِلَى بِطْنِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا. وَيُوضَعُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ مُتَوَجِّهاً مُنْحَدِراً نَحْوَ رِجْلَيْهِ، وَيُسَارَعُ فِي

стр. 118

قَضَاءِ دَيْنهِ، وَتَفْرِيقِ وَصيَّتِهِ، وَيُسَارَعُ فِي تَجْهِيزهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ فَجْأَةً، فَيُتْرَكُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ؛ بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ، وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ.

стр. 119

فَصْلٌ فِي الْغَسْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا خَمْساً، أَوْ سَبْعاً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُوراً، أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَغَسْلُ الْمَيِّتِ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ، وَحَمْلُهُ، وَدَفْنُهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ الرِّجَالِ، ثُمَّ ذَوو (٢) أَرْحَامِهِ، ثُمَّ الأَجَانِبُ، ثمَّ أُمُّ وَلَدِهِ، أَوْ زَوْجَتُهُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَوْلَى النَّاسِ بِغَسْلِ الْمَرْأَةِ أُمُّهَا، ثُمَّ جَدَّتُهَا، ثُمَّ بِنْتُهَا , ثُمَّ الأَقْرَبُ

стр. 120

فَالأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا؛ ثُمَّ الأَجْنَبِيَّاتُ، ثُمَّ زَوْجُهَا، أَوْ سَيِّدُهَا عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. فَإِنْ مَاتَ الرَّجُلُ بَيْنَ نِسْوَةٍ، أَوْ امْرَأَةٌ بَيْنَ الرِّجَالِ، أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ، يُمِّمَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأُخْرَى: يُغْسَلُ فِي (١) قَمِيصِهِ، وَيُصُّبُّ الْماءُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ، وَلا يُمَسُّ. وَلا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبع سِنِينَ، ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلا يَغْسِلُ الْمُسْلِمُ قَرِيبَهُ (٢) الْكَافِرَ، وَلا يَدْفِنُهُ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذلِكَ. وُيقَلَّمُ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ، وَيُزَالُ شَعْرُ عَانَتِهِ بِالنُّورَةِ أَوِ الْحَلْقِ، وَلا يُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَلا يُخْتَنُ إِنْ مَاتَ غَيْرَ مَخْتُونٍ. وَتَجِبُ (٣) النِّيَّهُ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ، وَفِي التَّسْمِيَةِ رِوَايَتَانِ. وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ، فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ، وَعَلى الْغَاسِلِ سَتْرُ ما رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَناً. * * *

стр. 121

فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ (١) أَخَاهُ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). وَلا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ كَفَنُ امْرَأَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ, فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَفِي بَيْتِ الْمالِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُذَرَّ الْحَنُوطُ وَالْكَافُورُ فِي قُطْنٍ، وَيُجْعَلَ مِنْهُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَمَثَانَتِهِ (٤)، وَيُجْعَلَ الْبَاقِي عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَإِنْ طُيِّبَ بِالْكَافُورِ وَالصَّنْدَلِ جَمِيعُ بَدَنِهِ، كَانَ حَسَناً.

стр. 122

فَصْلٌ [في الصَّلاةِ على الجَنَازَةِ] قَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نزلَهُ، وَوَسِّحْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْماءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ (١) والْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنسَ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْه مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ". قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنا (٢) ذلِكَ الْمَيِّتَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). وَالْوَاجِبُ فِي صَلاةِ الْجَنَازَةِ: النِّيَّةُ، والتكبِيرُ، وَالْفَاتِحَةُ، وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَيُّ دُعَاء لِلْمَيِّتِ، وَالسَّلامُ. وَإِذَا اجْتَمَعَ جَنَائِزُ، قَدَّمَ (٤) الإِمَامُ أَفْضَلَهُمْ، وَيُسَاوِي بَيْنَ

стр. 123

رُؤُوسِهِمْ، فَإِنْ كانُوا رِجَالاً وَنِسَاءً، جَعَلَ صَدْرَ الرَّجُلِ حِذَاءَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ. وَلايتَابَعُ الإِمَامُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ تَكْبِيرَاتٍ. وَعَنْهُ: لا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى سَبْعٍ. وُيصلَّى عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي أَحَدِ (١) جَانِبَيِ الْبَلَدِ، فَهَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِذَا وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِلَ، وَصُلِّي عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِيح. وُيغَسَّلُ الشَّهِيدُ إِذَا كَانَ جُنُباً، وَكَذَلِكَ إِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ، أَوْ عَادَ عَلَيْهِ سِلاحُهُ، أَوْ وُجِدَ مَيْتاً وَلا أثَرَ بِهِ، أَوْ قُتِلَ ظُلْماً، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لا يُغَسَّلُ مَنْ قُتِل ظُلْماً. وَإِذَا لَمْ يَحْضُرِ الْمَيِّتَ غَيْرُ النِّسَاءِ، صَلَّيْنَ عَلَيْهِ جَمَاعَةً. وَإِذَا اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِي مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ. * * *

стр. 124

فَصْلٌ [في دَفْنِ الميِّتِ] وَلا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ، فَإِنْ سَبَقَهَا فَجَلَسَ، لَمْ يَقُمْ لَهَا (١) عِنْدَ مَجِيئِهَا. وَيَقُولُ الَّذِي يَدْفِنُ الْمَيِّتَ: بِاسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبهِ الأَيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَنْصِبُ عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْباً، ثُمَّ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ بِالْيَدِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ. وُيرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ، وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْماءُ، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ الْحَصْبَاءُ، وَلا بَأْسَ بِتَطْيِينهِ، وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ، وَالْجُلُوسُ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ. وَلا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وُيقَدَّمُ الأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَإِنْ لُقِّنَ الْمَيِّتُ كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ، فَلا بَأْسَ.

стр. 125

وَإِذَا دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، أَوْ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، نُبِشَ، وَأُخِذَ وَغُسِّلَ وَوُجِّهَ. وَإِنْ كُفّنَ بِثَوْبِ غَصْب، أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ، أُنْبِشَ، وَأُخِذَ الْكَفَنُ، وَشُقَّ جَوْفُهُ، وَأُخْرِجَ، فِي إِحْدَى الوَجْهَيْنِ (١)، وَفِي الآخَرِ (٢): يُغَرَّمُ قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلا يُعْرَضُ لَهُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ" (٣). وَلا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَها، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِم، نَفَعَهُ ذلِكَ. * * *

стр. 126

فَصْلٌ [في التَّعْزِيَةِ] رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ الله : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْراً مِنْهَا، إِلَّا خَلَفَ اللهُ لَهُ خَيْراً مِنْهَا، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ (١) إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمُقَرَّبِينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَهُ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (٢). وَيُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ، وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا، وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ

стр. 127

بِالْمُسْلِمِ (١): "أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ". وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ: "أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ". وَفِي تَعْزِيَتِهِ بِالْكَافِرِ: "أَخْلَفَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلا نَقَّصَ عَدَدَكَ". وَلا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَ الْمُصَابُ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْباً يُعْرَفُ بِهِ. * * *

стр. 128

كِتَابُ الزَّكَاةِ وَلا تَجِبُ إِلَّا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ تَامِّ الْمُلْكِ، وَلا تَجِبُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ. وَهَلْ تَجِبُ فِي الضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ عَلَى مُمَاطِلٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَإِذَا مَلَكَ نِصَاباً، فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلانِ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا، فَهَلْ تَلْزَمُهُ زَكَاة حَوْلٍ، أَمْ زَكَاة حَوْلَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَهَلْ يُمْنَعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كَالْمَوَاشِي وَنَحْوِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَهَل تَمْنَعُ الْكَفَّارَةُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَا نتُجَ مِنَ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَحَوْلُهُ حَوْلُ النِّصَابِ، وَالْمُسْتَفَادُ بِإِرْثٍ أَوْ عَقْدٍ، لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وَلا يَبْنِي الْوَارِثُ حَوْلَهُ عَلَى

стр. 129

حَوْلِ الْمَوْرُوثِ، وَإِذَا نَقَصَ النِّصَابُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ قَصَدَ الفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ، عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ بِبَيْع أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ.

стр. 130

فَصْلٌ [في زَكاةِ الأنْعَامِ] فَإِذَا (١) اتَّفَقَ فِي الْمالِ فَرْضَانِ؛ كَالْمِئَتَيْنِ فِيهَا خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَوْ أَرْبَعُ حِقَاقٍ، وَجَبَتِ الْحِقَاقُ -نَصَّ عَلَيْهِ-. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ: أَيَّ الْفَرْضَيْنِ أَرَادَ. وَمَنْ وَجَبَ (٢) عَلَيْهِ فِي الإِبِلِ شَاةٌ، فَأَخْرَجَ عَنْهَا بَعِيراً، لَمْ يُجْزِه. وَإِذَا زَادَتِ الْغَنَمُ عَلَى ثَلاثِ مِئَةٍ وَاحِدَةً، فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فِي إِحْدَى الرّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لا تَجِبُ الأَرْبَعُ حَتَى تَبْلُغَ أَرْبَعَ مِئَةٍ. وَتَجِبُ الزَّكَاةُ في الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَهْلِيِّ، وَلا تَجِبُ فِي الظِّباءِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَلْ تَجِبُ فِي الْبقَرِ الْوَحْشِيِّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. * * *

стр. 131

فَصْلٌ فِي أَسْنَانِ الْفَرَائِضِ بِنْتُ مَخَاضٍ: الَّتِي لَها سَنَةٌ، وَبِنْتُ لَبُونٍ: لَهَا سَنَتَانِ، وَالْحُقَّةُ: مَا كَمُلَ لَهَا ثَلاثُ سِنِينَ، وَالْجَذَعَةُ: مَا كَمُلَ لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ تُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ، وَالثَّنِيَّةُ: مَا كَمُلَ لَهَا خَمْسٌ، وَالتَّبِيعُ مِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَةٌ، وَالْمُسِنَّةُ: مَا (١) لَهَا سَنَتَانِ، وَهِيَ الثَّنِيَّةُ -أَيْضاً-. * * *

стр. 132

فَصْلٌ وَلا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ يُكْمِلُ نِصاباً. فَإِنْ مَلَكَ نِصَاباً صِغَاراً (١)، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ مُلْكِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ. فَإِنْ كَانَ فِي الْمالِ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا (٢) صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ قِيمَتُها عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمالَيْنِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، أَوْ سِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، وَكَانَ مِنْ نَوْعَيْنِ؛ كَالْبَخَاتِيِّ وَالْعِرَابِيِّ، وَالْبقَرِ وَالْجَوَامِيسِ، أُخِذَ الْفَرْضُ مِنَ الْوَاسَطِ (٣) عَلَى قَدْرِ الْمالَيْنِ، وَلا يُجْزِىَ فِي الزَّكَاةِ ذَكَرٌ، إِلَّا فِي الثَّلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ، وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا، أَوْ تَرَكَّبَ؛ كَالسِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَابْنُ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا (٤) عَدِمَها، فَلَوْ عَدِمَهُ -أَيْضاً-، وَأَرَادَ الشِّرَاءَ، لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ.

стр. 133

فَإِنْ كَانَتْ مَاشِيَتُهُ كُلُّها ذُكُوراً، أَجْزَأَ الذَّكَرُ فِي الغَنَمِ -وَجْهاً وَاحِداً-، وَلا يُجْزِىَ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَلا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ خِيَارُ الْمالِ وَلا شِرَارُهُ، إِلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ رَبُّ الْمالِ بِدَفْعِ الْخِيَارِ. وَإِذَا أَخْرَجَ مُسِنّاً أَعْلَى مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ. وَلا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ.

стр. 134

فَصْلٌ فِي الْخِلْطَةِ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنسَ: "أَنَّ أَبا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ التي فَرَضَ (١) رسولُ اللهِ ﷺ : وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ، وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" (٢). وَتُعْتَبَرُ الْخِلْطَةُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، فَإِنْ ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ، زَكَّيَا زَكاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِي ذلِكَ الْحَوْلِ. وَإِنْ ثَبَتَ لأَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرَيْنِ، يُزَكِّي الْمُنْفَرِدُ زَكَاةَ الِانْفِرَادِ، والْمُخَلِّطُ زَكَاةَ الْمُخَلَّطَةِ عَنْ تَمَامِ حَوْلهِ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عَلَيْهَا نِصْفُ حَوْلٍ، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهَا مُشَاعاً، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلِ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ حَوْلاً. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لا يَنْقَطِعُ، وَعَلَى الْبَائِعِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ نِصْفُ شَاةٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنَ النِّصَابِ، انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِنُقْصَانِ النِّصَابِ،

стр. 135

وَإِنْ أَخْرَجَها مِنْ غَيْرِهِ، فَهَلْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ نَصْفُ شَاةٍ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصْلُهُا (١) هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ؟ أَمْ فِي الذِّمَّةِ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ: أَمَّا إِنْ (٢) أَفْرَدَ عِشْرِينَ وَبَاعَها، ثُمَّ خَلَطَها بَغَنَمِ الأَوَّلِ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَلَّا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَاناً يَسِيراً. وَإِذَا مَلَكَ رَجُلٌ أَرْبَعِينَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرَ، وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعٍ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الأَوَّلِ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ لِما بَقِيَ زَكَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُما: لا زَكاةَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ زَكَاةُ الثَّانِي عِنْدَ تَمَامِ حَوْلهِ نِصْفُ شَاةٍ، وَزَكَاةُ الثَّالِثِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلهِ شَاةٌ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِرَجُلٍ آخَرَ، فَعَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ نِصْفُ شَاةٍ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (٣) سُدُسُ شَاةٍ. وَيَجُوزُ لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ، وَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ، وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ (٤)، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْعُلَماءِ، رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْخَلِيطَانِ فِي الْقِيمَةِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَة، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ فِي بَلَدَيْنِ مُتَفَارِقَيْنِ، فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ،

стр. 136

وإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَلِكُلِّ مَالِ حُكْمُ نَفْسِهِ (١) كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ -نَصنَ عَلَيْهِ-. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. * * *

стр. 137

فَصْلٌ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ" (١). وَقَالَ: "فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ العُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ (٢) نِصْفُ الْعُشْرِ" رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (٣). وَلا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حَبٍّ وَلا ثَمَرٍ، حَتَّى يَبْلُغَ بِالْكَيْلِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ وَالْجَفَافِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِمَّا يُدَّخَرُ، إِلَّا الأَرُز وَالعَلَسَ -نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ- فَإِنَّ نِصَابَهُمَا مَعَ قِشْرِهِمَا عَشَرَةُ أَوْسُقٍ. وَلا زَكَاةَ فِي الْقُطْنِ وَالزَّيْتُونِ وَالزَّعْفَرَانِ. وَعَنْهُ: فِيهَا الزَّكَاةُ.

стр. 138

وَلا نَصَّ فِي نِصَابِها. قَالَ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ أَنْ يُجْعَلَ نِصَابُهَا مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى (١) ما تُخْرِجُهُ الأَرْضُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَفِي الْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ وَجْهَانِ بِناءً عَلَى الزَّعْفَرَانِ. وُيعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي كُلِّ نَوْع مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ عَلَى الانْفِرَادِ. وَعَنْهُ: يُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. وَعَنْهُ: يُضَمُّ جَمِيعُ الْحُبُوبِ، بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ، لَمْ يُضَمَّ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُضَمُّ. وَإِذَا اخْتَلَفَتْ ثِمَارٌ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، أُخِذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّهُ، إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ ذلِكَ لِكَثْرَةِ الأَنْوَاعِ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الْوَسَطِ. وَيجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ. وَإِذَا سَقَى زَرْعَهَ نِصْفَ السَّنَةِ بِكُلْفَةٍ، وَنصْفَهُ بِمَا لا كُلْفَةَ فِيهِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ. وَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الآخَرِ، اعْتُبِرَ بِأَكْثَرِهِمَا فِي الْمَنْصُوصِ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بالْقِسْطِ، فَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، غَلَّبْنَا إِيْجَابَ الْعُشْرِ احْتِياطاً.

стр. 139

وَلا فَرْقَ فِي الزَّكَاةِ بَيْنَ مَا يُنْبِتُهُ الآدَمِيُّونَ؛ كَالْقُطْنِيَّاتِ وَالْبُذُورِ وَالتَّمْرِ (١) وَالزَّبِيبِ وَاللَّوزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَالْعُنَّابِ، وَبَيْنَ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ؛ كبرطونا وَحَبِّ الأُشْنَانِ. وَلا تَجِبُ (٢) فِي التِّينِ وَالْمِشمِشِ وَنَحْوِهَا. * * *

стр. 140

فَصْلٌ إِذَا بَدَا الصَّلاحُ فِي الثِّمَارِ، وَاشْتَدَّ الْحَبُّ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ قَطَعَهُ قَبْلَ ذلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وَجَبَتْ. وَيجِبُ إِخْرَاجُ الْوَاجِبِ مِنَ الْحُبُوبِ مُصَفًّى، وَمِنَ الثِّمَارِ يَابِساً؛ فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قَطْعِ ذلِكَ قَبْلَ كَمَالِهِ؛ خَوْفاً مِنَ الْعَطَشِ وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا يَابِساً -نَصَّ عَلَيْهِ-. قَالَ الْقَاضِي: يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قَسْمِهَا مَعَ رَبِّ الْمالِ قَبْلَ الْجُذَاذِ وَبَعْدَهُ؛ وَبَيْنَ بَيْعِهَا مِنْهُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ أَرَادَ التَّصَرّفَ فِي الثَّمَرَةِ قَبْلَ الْجُذَاذِ، خُرِصَتْ عَلَيْهِ، وَضَمِنَ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ، فَإِنِ ادَّعَى هَلاكَهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ جَعْلِها فِي الْجَرِينِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ. وَيخْرُصُ كُلَّ نَخْلَةٍ عَلَى حِدَةٍ، فَإِنْ كَانَ نَوْعاً وَاحِداً، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ

стр. 141

ذَلِكَ، وَبَيْنَ (١) خَرْصِ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَيَجِبُ أَنْ يَتْرُكَ لِرَبِّ الْمالِ فِي الخَرْصِ (٢) الثُّلُثَ أَوِ الربُعَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلِرَبِّ الْمالِ أَنْ يَأْكُلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلا يُحْسَبَ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ لأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الأَرْضِ العُشْرِيَّةِ، وَلا عُشْرَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا (٣) فِيها فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لَيْسَ لَهُمْ شِرَاؤُها، فَإِنِ اشْتَرَوْهَا، ضُرِبَ عَلَى زَرْعِهِمْ وَثمَارِهِمْ (٤) عُشْرَانِ، وَالْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمالِكِ لِلأَرْضِ. وَإِذَا أَخْرَجَ الْعُشْرَ مِنْ زَرْعِهِ وَثَمَرِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ عُشْرٌ آخَرُ، وَإِنْ حَالَ عِنْدَ أَحْوَالٌ. * * *

стр. 142

فَصْلٌ وَيَجِبُ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ أَرْضٍ، أَوْ مَوَاتٍ، وَنصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ، وَهِيَ سِتُّ مِئَةِ رِطْلٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ. قَالَ الْقَاضِي: ثَلاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ رِطْلاً، وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 143

فَصْلٌ فِي الأَثْمانِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَغْشُوشِهِمَا (١) إِذَا بَلَغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصاباً، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ قَدْرُ مَا فِيهِ مِنْهُمَا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْبِكَهَا لِيَعْرِفَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فَيُخْرِجَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ، فَيُخْرِجَ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ (٢). وَيُخْرِجُ عَنِ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ عَنِ الْجِيَادِ مَكْسُورَةً، أَوْ بَهْرَجَةً، زَادَ فِي الْمُخْرَجِ (٣) قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ -نَصَّ عَلَيْهِ-. وَإِذَا نَقَصَ النِّصَابُ نَقْصاً يَسِيراً؛ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتيْنِ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ بَيِّناً؛ كَالَّدَانِقٍ وَالدَّانِقَيْنِ (٤)، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.

стр. 144

وَهَلْ يَجُوزُ إِخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنِ الآخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الْفِضَّةِ بِالأَجْزَاءِ، وَقِيلَ: يُضَمُّ بَمَا هُوَ أَحَظُّ (١) لِلْفُقَرَاءِ مِنَ الأَجْزَاءِ وَالْقِيمَةِ، وَعَنْهُ: لا يُضَمُّ بِحَالٍ. * * *

стр. 145

فَصْلٌ يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْحُلِيَّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ لَهُنَّ بِلُبْسِهِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ جَمِيعُ ذلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَلْفَ مِثْقَالٍ، فَإِنْ بَلَغَهَا (١)، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ. وَيُبَاحُ لِلرَّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ، وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ. فَأَمَا حِلْيَةُ الْمِنْطَقَةِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعَلَى قِيَاسِهَا الْجَوْشَنُ، وَالْخُوذَةُ، وَالْخُفُّ، وَالرَّانُ، وَالْحَمَائِلُ. وَمَا كَانَ مَنَ الْحُلِيَّ مُحَرَّماً، أَوْ مُعَدّاً لِلْكَرْيِ (٢) أَوِ النَّفَقَةِ، إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وَيُعْتَبَرُ وَزْنُهَا عَلَى ظَاهِرِ كَلامِ أَحْمَدَ ﵀. وَقَالَ الْقَاضِي: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا. * * *
следующие страницы →