Полный текст (754 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فَصْلٌ
وَيُعْتَبَرُ في تَعْلِيمِ مَا يَصْطَادُ (١) بِنَابِهِ ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يَسْتَرسِلَ إذَا أُرْسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ، وَإذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأكُلْ، وَلا يُعْتَبَرُ تَكْرَارُ ذَلِكَ.
ويُعْتَبَرُ في تَعْلِيمِ غَيْرِهِ أَنْ يَسْتَرْسِلَ إذَا أُرْسِلَ، وَيَرْجِعَ إِلَيْهِ إذَا دَعَاهُ.
وَإذَا قَتَلَ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ، أَوْ خَنَقَهُ، لَمْ يُؤكَلْ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَأْكُلُ (٢).
وَمَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ أَوْ الْفَهْدِ يَنْجُسُ، وَيَجِبُ غَسْلُهُ.
وَعَنْهُ: يُعْفَى عنه.
* * * стр. 597
فَصْلٌ
وَإذَا قَتَلَ السَّهْمُ الصَّيْدَ بِثِقْلِهِ، وَلَمْ يَجْرَحْهُ، لَمْ يُؤْكَل.
وَإذَا رَمَى صَيْداً، فَأَبَان مِنْهُ عُضْواً، وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ (١) مُسْتَقِرَّةً، لَمْ يُبَحْ أَكلُ مَا أَبَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حق، فَإِنْ بَقِيَ الْعُضْوُ مُعَلَّقاً بِجِلْدِهِ، أُكِلَ الْجَمِيعُ.
وَإِنْ رَمَى (٢) طَائِراً، فَوَقَعَ عَلَى الأَرْضَ، وَوَجَدَهُ مَيْتاً، أُبِيحَ.
وَإِنْ وَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ جَبَلٍ، ثُمَّ تَرَدَّى، أَوْ وَقَعَ في مَاءٍ، وَكَانَتِ الْجِرَاحَةُ غَيْرَ مُوَحِّيَةٍ، لَمْ يُبَحْ، وَإِنْ كَانتْ مُوَحِّيَةً، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في الذَّكَاةِ.
* * * стр. 598
فَصْلٌ
وَإذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ، فَأَصَابَ صَيْداً، لَمْ يُبَحْ.
وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَة أَوْ سَهْمَةُ يُريد الصَّيْدَ، وَهُوَ لا يَرَى صَيْداً، لَمْ يُبَحْ.
وَلَوِ استَرْسَلَ الكَلْبُ بِنَفْسِهِ، فَصاحَ بِهِ وَسَمَّى، فَمَضى الْكَلْبُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ.
فَإِنْ زَجَرَهُ فَوَقَفَ، أَوْ (١) زَادَ في عَدْوِهِ بِإِرْسَالِهِ، حَلَّ.
وَإِنْ رَمَى حَجَراً يَظُنُّهُ صَيْداً، فَأَصَابَ صَيْداً، لَمْ يَحِلَّ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَحِلَّ؛ كَمَا لو رَمَى صَيْداً فَأَصَابَ غَيْرَهُ.
وَلَوْ أَعَانَتِ الرِّيْحُ سَهْمَهُ، وَلَوْلاهَا مَا وَصَلَ، حَلَّ صَيْدُهُ.
وَإذَا غَصَبَ جَارِحاً أَوْ سَهْماً، فَصَادَ بِهِ، فَالصَّيْدُ لِصَاحِبِهِ.
وَإذَا مَلَكَ صَيْداً، فَأَرْسَلَهُ، أَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُكَ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ.
وَلَوْ رَمَى صَيْداً، فَأَصَابَ مَقْتَلَهُ، ثُمَّ جَرَحَهُ آخَرُ، حَلَّ، وَعَلَى الثَّانِي غُرْمُ مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ. стр. 599
- وَلَوْ جَرَحَ صَيْداً، فَتَحَامَلَ، فَدَخَلَ في خَيْمَةِ رَجُلٍ، فَهُوَ لِمَنْ هُوَ في خَيْمَتِهِ.
وَلَوْ وَقَعَ في شَبَكَتِهِ صَيْدٌ، فَخَرَقَهَا وَمَضَى، فَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ لِلثَّانِي.
وَلَوْ صَادَ سَمَكَةً، فَوَجَدَ في جَوْفِهَا أُخْرَى، أَوْ طَائِراً، فَوَجَدَ في جَوْفِهِ جَرَاداً، أَوْ حِنْطَةً، أَوْ شَعِيراً، أُبِيحَ.
وَعَنْهُ: لا يُبَاحُ.
وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِشَيْءٍ نَجِسٍ، وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشّبَاشِ.
стр. 600
فَصْلٌ في الذَّبْحِ
رَوَىَ الْبُخَارِيُّ: أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَماً بِسَلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْها، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، وَسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ فَقَال: "كُّلُوهَا" (١).
وَرَوَى أَيْضاً عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ" (٢).
وَلا تَحِلُّ ذَكَاةُ الْكِتَابِيِّ إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مَجُوسِيّاً أَوْ وَثَنِيّاً، وَلا الْمَجْنُونِ، وَلا السَّكْرَانِ، وَلا غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ.
فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، فَهَلْ يُبَاحُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَجِّهَ الذَّبِيحَةَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَأنْ يُحِدَّ السِّكِّينَ والْحَيَوانُ يُبْصِرُهُ. стр. 601
وَلا يَحِلُّ ذَكَاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ إِلَّا أنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ.
وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ.
- وَلا يَكْسِرُ عُنُقَ الْحَيَوانِ، وَلا يَسْلَخُهُ حَتَّى يَبْرُدَ، فَإِنْ فَعَلَ، أَسَاءَ، وَأُكِلَتْ.
وَلَوْ قَطَعَ مِنْهَا قِطْعَةً بَعْدَ الذَّبْحِ، وَهِيَ تَخْتَلِجُ، كُرِهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْرُمْ.
وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَبْحَ الْحَيَوانِ مِنْ قَفَاهُ، فَأَتَتِ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهِ وَهُوَ في الْحَيَاةِ، فَهَلْ يُبَاحُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإذَا شَكَّ هَلْ سَمَّى الذَّابِحُ أمْ لا؟ بُنِيَ الأَمْرُ عَلَى الإِبَاحَةِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: أَنَّ قَوْماً قَالُوا للنَّبيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْماً يَأتُونَنَا باللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ (١) اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا؟ فَقَالَ: "سَمُّوا أَنْتَمْ وَكُلُوا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ يُبَحْ بِالذَّكَاةِ؛ وَإِنْ كَانَتْ فَيهِ حياةٌ يَجُوزُ بَقَاؤهَا مُعْظَمَ الْيَوْمِ، حَلَّ بِالذَّكَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا بَلَغ مَبْلَغاً لا يَعِيشُ لِمِثْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْرَجَ حَشْوَتَهَا، لَمْ يُبَحْ بِالذَّكَاةِ.
* * * стр. 602
فَصْلٌ بِما يُبَاحُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَيَحْرُمُ
يُبَاحُ أَكْلُ النَّعَامِ، وَالْحَمَامِ، وَالزَّاغِ، وَغُرَابِ الزَّرْعِ، وَالزَّرَافَةِ، وَالأَرْنَبِ، وَالْخَيْلِ؛ لِما رَوَى جَابِرٌ قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَرَخَّصَ في لُحُومِ الْخَيْلِ (١).
وَقَالَ أَنَسٌ: جِئْتُ بِأَرْنَبٍ إِلَى طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذِهَا، فَقَبِلَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (٢) (٣).
وَيُبَاحُ حَيَوَانُ الْبَحْرِ جَمِيعُهُ إِلَّا الضِّفْدِعَ وَالتِّمْسَاحَ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَإِلَّا الْكَوْسَجَ.
وَقِيلَ: لا يُؤْكَلُ مِنَ الْبَحْرِيِّ مَا يُشْبِهُ الْمُحَرَّمَ في الْبَرِّ؛ كَكَلْبِ الْماءِ وَإِنْسَانِهِ وَخِنْزِيرِهِ. стр. 603
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تُؤْكَلُ السُّلَحْفَاةُ وَالرّقَّةُ وَكَلْبُ الْمَاءِ وَالسَّرَطَانُ إذَا ذُكِّيَتْ.
وَعَنْهُ: يُؤْكَلُ السَّرَطَانُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ.
وَفِي التِّمْسَاحِ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لا يُبَاحُ حَيَوانٌ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ إلا السَّمَكُ والْجَرَادُ.
وَفِي الثَّعْلَبِ وَالْوَبْرِ وَالْيَرْبُوعِ وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ رِوَايَتَانِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (١).
وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْحِدَأَةِ، وَاللَّقْلَقِ، وَالْغُرَابِ الأَبْقَعِ، وَالْغُرَابِ الأَسْوَدِ الْكَبِيرِ، وَالرَّخَمِ، وَكُلِّ مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ، والْوَرْزِ، وَابْنِ عِرْسٍ، وَالْقُنْفُذِ، وَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا، وَمَا يُولَدُ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ.
وَتَحْرُمُ الْجَلاَّلَةُ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ، وَبَيْضُهَا وَلَبَنُهَا حَتَّى تُحْبَسُ ثَلاثاً.
وَعَنْهُ: يُحْبَسُ الطَّائِرُ ثَلاثاً، وَمَا عَدَاهُ يُحْبَسُ أرْبَعِينَ يَوْماً.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسى: أَكْلُهَا مَكْرُوهٌ، وَأُحِبُّ أَنْ يُتَوَقَّى عَرَمُهَا (٢) حَتَّى تُحْبَسَ. стр. 604
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرِبَ الْحَيَوانُ خَمْراً.
وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّ أَكْلَهَا مُحَرَّمٌ قَبْلَ الْحَبْسِ.
وَيَحْرُمُ أَكْلُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الَّتِي سَقْيُهَا بِالْمَاءِ النَّجِسِ، فَإِنْ سُقِيَ بِالطَّاهِرِ، طَهُرَ، وَحَلَّ أَكْلُهُ.
- وَيَحْرُمُ أَكْلُ النَّجَاسَاتِ إِلَّا في حَالِ الضَّرُورَةِ؛ كَالْمَيْتَةِ، يَأْكُلُ مِنْهَا مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ.
وَعَنْهُ: يَحِلُّ لَهُ الشِّبَعُ (١).
فَإِنْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْداً وَمَيْتَةً، أَكَلَ الْمَيْتَةَ.
وَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ إذَا غَصَّ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَدْفَعُهَا بِهِ، وَكَذَا إِنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهِ.
وَلا يَحِلُّ أَكْلُ مَا يَضُرُّ؛ كَالسُّمِّ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ.
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى لَحْمِ آدَمِي مُبَاحِ الدَّمِ؛ كَالْحَرْبِيِّ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، قتلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا آدَمِيّاً مَعْصُوماً مَيْتاً، لَمْ يَأْكُلْهُ عِنْدَ الْقَاضِي، أَكَلَهُ (٢) عِنْدَ أَبي الخَطَّابِ إذَا خَافَ الْمَوْتَ.
وَالشُّحُومُ الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْيَهُود -شَحْمُ الثَّرَبِ وَالْكُلْيَتَيْنِ- لا يَحْرُمُ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ كِتَابِيّاً عَلَى ظَاهِرِ كَلامِهِ. стр. 605
وَقال الْقَاضِي وَالتَّمِيمِيُّ: يَحْرُمُ.
وَالصَّابِىَ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ كَالْيَهُودِ.
وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةٍ أَوْ زَرْعٍ لا حَائِطَ لَهُ وَلا نَاظِرَ، فَهَلْ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَكَذلِكَ في شُرْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ.
стр. 606
فَصْلٌ فيهِ مَسَائِلُ متَفَرِّقَةٌ
يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ، فَلِلضَّيْفِ مُطَالَبَتُهُ بِذلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبيِّ ﷺ : إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لا يَقْرُونا، فَمَا تَرَى فيه؟ فَقَالَ لَنَا: "إِنْ نَزَلتمْ بِقَوْمٍ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ، فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
وَلا يَلْزَمُهُ إِنْزَالُهُ في بَيْتِهِ إِلَّا أَلَّا يَجِدَ مَسْجِداً أَوْ رِبَاطاً يَبِيتُ فيهِ.
وَتُسْتَحَبُّ الضِّيَافَةُ ثَلاثًا.
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ مَنْ لَيْسَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتهِ، فَمَنَعَهُ، فَلَهُ أَخْذُهُ قَهْراً، وَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَى أَخْذِ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، أَوْ قَدْرِ شِبَعِهِ، عَلَى اخْتِلافِ الرِّوَايَتَيْنِ. стр. 607
- وَلا تَطْهُرُ الأَدْهَانُ النَّجِسَةُ.
وَقَالَ أَبُو الخَطَّابِ: مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ مِنْهَا، يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْغَسْلِ.
وَعَنْهُ: يُبَاعُ لِكَافِرٍ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِنَجَاسَتِه.
стр. 608
كِتَابُ الأَيْمَانِ
رَوَى مُسْلِم عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى خَيْراً مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١).
وَالْيَمِينُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ: أَنْ يَحْلِفَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَهِيَ أَقْسَامٌ ثَلاثَةٌ:
أَحَدُها: مَا لا يُشَارِكُ الْبَارِيَ فيهِ غَيْرُهُ، كَقَوْلهِ: فَاللهِ، فَالْقَدِيمِ الأَزَلِيِّ، وَالأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَرَازِقِ الْعَالَمِينَ، فَهذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ بِمَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَإِطْلاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ؛ كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالرَّبِّ، وَالْقَادِرِ، وَالْمَوْلَى، وَنَحْوِهِ، فَإذَا أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِين، وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ الله، عَصَى، وَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا. стр. 609
وَالثالِثُ: مَا لا يَنْصَرِفُ بِإِطْلاقِهِ إِلَيْهِ؛ كَالْحَيِّ، وَالْمَوْجُودِ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ بِصِفَةِ اللهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَإِنْ نَوَى، كَانَ يَمِينًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَكُونُ يَمِيناً.
- فَإِنْ قَالَ: للهُ لأَفْعَلَنَّ -مَرْفُوعاً- كَانَ يَميناً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلا يَقْصِدُ الْيَمِينَ.
وَإِنْ قَالَهُ بِالْجَرِّ أَوِ النَّصْبِ، كَانَ يَمِينًا.
فَإِنْ قَالَ: أَشْهَدُ، أَوْ أُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، وَنَوَى الْيَمِينَ، كَانَ يَمِينًا، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: وَايْمُنُ اللهِ، وَلَعَمْرُ اللهِ، وَأَمَانَةِ اللهِ، وَعَهْدِ اللهِ وَمِيثَاقِهِ لأَفْعَلَنَّ، كَانَ يَمِيناً.
فَإِنْ قَالَ: وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَالأَمَانَةِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْجَبَرُوتِ لأَفْعَلَنَّ، وَنَوَى الْيَمِينَ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِلَّا فَلا.
وَإذَا حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ، ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
وَعَنْهُ: بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
فَإِنْ حَلَفَ بِصِفَاتِ الْفِعْلِ، فَقَالَ: وَخَلْقِ اللهِ، وَرَزْقَ اللهِ، وَمَعْلُومِ اللهِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ.
فَإِنْ حَلَفَ بِحَقِّ رَسُولِ (١) اللهِ، فَهُوَ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ. стр. 610
فَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلامِ وَالْقُرآنِ وَالنَّبيِّ، إنْ فَعَلَ كَذَا، وَحَنِثَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
وَعَنْهُ: لا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَسْتَحِلُّ الزِّنَا أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ وَفِعْلَ كَذَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
- فَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللهَ، أَوْ أَنا أَعْصِي اللهَ في كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ، لَمْ يَكُنْ يَمِيناً.
فَإِنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِه أَمَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَلا يَحْرُمُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِالْحَلِفِ.
وَإِنْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي، فَإِنَّهَا أَيْمَان رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاللهِ وَبِالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ (١)؛ فَإِنْ نَوَى انْعِقَادَ ذَلِكَ الْيَمِينِ، انعَقَدَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا، فلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وُيكْرَهُ تَكْرَارُ الْحَلِفِ بِاللهِ.
فَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْيَمِينِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَفْتَدِيَ يَمِينَهُ.
وَإذَا أُكْرِهَ عَلَى الْحَلِفِ، لَمْ يَنْعَقِد يَمِينُهُ.
وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْحِنْثِ، فَلا كَفَّارَةَ، وَيَنْعَقِدُ يَمِينُ الْكَافِرِ، وَتَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ. стр. 611
وَلَغْوُ الْيَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلافِهِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الأُخْرَى: اللَّغْوُ أَنْ يَسْبِقَ عَلَى لِسَانِهِ: لا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ، وَهُو لا يُرِيدُ الْيَمِينَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: "نَزَلَتْ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] في: لا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
* * * стр. 612
فَصْلٌ في جَامِعِ الأَيْمانِ
وَإذَا عُدِمَتِ النِّيَّةُ وَالسَّبَبُ في الْيَمِينِ، رَجَعْنَا إِلَى التَّعْيِينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِلَى الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَالْعُرْفُ، فَأَيّهُمَا يُغَلَّبُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإذَا حَلَفَ لا يَسْكُنُ هذِهِ الدَّارَ، فَخَرَجَ مِنْهَا دُونَ رَحْلِهِ وَأَهْلِهِ، حَنِثَ؛ فَإِنْ وَهَبَ رَحْلَهُ، أَوْ أَوْدَعَهُ، أَوْ أَعَارَهُ، وَخَرَجَ، أَوِ امْتَنَعَتْ زَوْجَتَهُ مِنَ الْخُرُوجِ، وَلَمْ يَمْكِنْهُ إِخْرَاجُهَا، أَوْ أَقَامَ لِنَقْلِ قُمَاشِهِ، أَوْ كَانَ لَيْلاً فَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ خَرَجَ فَأَقَامَ حَتَّى أَمِنَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يُسَاكِنُ فُلاناً في هذِهِ الدَّارِ، فتشَاغَلا بِقِسْمَةِ الدَّارِ، أَوْ بِبِنَاءِ حَائِطٍ بَيْنَهُمَا (١)، وَهُمَا مُتَساكِنَانِ، حَنِث.
فَإِنْ حلَفَ: لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هذِهِ الدَّار، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ بَغْدَادَ، فَرَحَلَ، فَلَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا إذَا لَمْ يَنْوِ. стр. 613
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَدْخُلُ دَارَ فُلانٍ هذِهِ، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ.
وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
- فَإِنْ دَخَلَهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ فَضَاءً أَوْ مَسْجِداً أَوْ حَمَّاماً، أَوْ بَاعَهَا، حَنِث، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ: لا لَبِسْتُ هذَا الثَّوْبَ، وَهُوَ قَمِيصٌ، فَجَعَلَهُ عِمَامَةً أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ: لا كَلَّمْتُ هذَا الصَّبِيِّ، فَصَارَ شَيْخاً، أَوْ: لا أَكَلْتُ هذَا اللَّبَنَ، فَصَارَ كَامِخًا، أَوْ: لا كَلَّمْتَ زَوْجَةَ فُلانٍ هَذِهِ، أَوْ صَدِيقَهُ هَذَا، فتغَيَّرَتْ حَالُهُمْ، وَكَلَّمَهُمْ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَدْخُلُ هذِهِ الدَّارَ، فَحُمِلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وُيمكِنُهُ الِامتِنَاعُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ حِينَ الْيَمِينِ فِيهَا، فَلَمْ يَخْرُجْ، حَنِث، وأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَعِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ.
فَإِنْ حَلَفَ لا يَدْخُل عَلَى فُلانٍ بَيْتًا، فَدَخَلَ فُلانٌ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، حَنِث، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَحْنَثَ، فَإِنْ دَخَلَ بَيْتاً هُوَ فيهِ وَلا يَعْلَمُ، فَهُوَ كَالدُّخُولِ نَاسِيًا.
وَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ، حَنِث؛ فَإِنْ نَوَى بالدُّخُولِ عَلَى غَيْرِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَدْخُلُ بَيْتًا، حَنِث بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَبَيْتِ الشَّعْرِ، وَلا يَحْنَثُ بِدُخُولِ الدِّهْلِيزِ وَالصُّفَّهِ وَالطَّرزِ.
стр. 614
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَدْخُلُ بَيْتَ فُلانٍ، فَدَخَلَ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِالأُجْرَةِ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ مِلْكَهُ.
- فَإِنْ دَخَلَ دَاراً لَهُ مُؤْجَرَةً، وَدَارَ عَبْدِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَدْخُلُ دَارَ عَبْدِ فُلانٍ، فَدَخَلَ دَاراً جُعِلَتْ بِوَسْمِهِ (١)، حَنِث.
* * * стр. 615
فَصْلٌ في اللُّبْسِ
إذَا حَلَفَ: لا لَبِسْتُ حَلْياً، فَلَبِسَ الْعَقِيقَ وَالشِّيحَ، لَمْ يَحْنَثْ.
فَإِنْ لَبِسَ الدَّراهِمَ وَالدَّنَانِيرَ في مرسله، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا لَبِسْتُ شَيْئاً، فَلَبِسَ خُفّاً، أَوْ نَعْلاً، أَوْ جَوْشَناً، حَنثَ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا لَبِسْتَ ثَوْباً، وَهُوَ لابِسُهُ، أَوْ: لا يَرْكَبُ دَابَّةً هُوَ رَاكِبُها، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِث.
وَلَوْ حَلَفَ: لا يَتَزَوَّجُ، وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ، أَوْ: لا يَتَطَهَّرُ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، أَوْ: لا يَتَطَيَّبُ، وَهُوَ مُتَطَيِّبٌ، فَاسْتَدَامَ، لَمْ يَحْنَثْ.
стр. 616
فَصْلٌ في الشُّرْبِ وَالأَكْلِ وَالشَّمِّ
إذَا حَلَفَ: لا يَشرَبُ لَهُ الْماءَ مِنْ الْعَطَشِ، فَاسْتَعَارَ ثَوْبَهُ، أوِ انتفَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، حَنِثَ إِذَا قَصَدَ قَطْعَ الْمِنَّةِ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ لَحْمًا، لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْقَلْبِ وَالْقَانِصَةِ وَالْكِرْشِ وَالْمَرَقِ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ شحْماً، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ وَحْدَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ، حَنِثَ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ رَأْساً، وَلا بَيْضًا نِيئاً، وَلا رُؤُوسَ الطُّيُورِ وَالْحِيتَانِ وَبَيْضَ السَّمَكِ وَالْجَرادِ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ لا يَتَنَاوَلُ رَأْساً لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِداً، وَلا بَيْضَ مَا لا يُفَارِقُ بَايِضَهُ حَالَ الْحَيَاةِ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ لَبَناً، فَأَكَلَ زُبْدًا أَوْ (١) سَمْناً، أَوْ مَصْلاً وَجُبْناً، أَوْ كِشْكاً، لَمْ يَحْنَثْ. стр. 617
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ الزُّبْدَ، فَأَكَلَ اللَّبَن، لَمْ يَحْنَثْ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَاْكُلْ سَمْنًا، فَعَمِلَ بِهِ خَبِيصاً، فَصَارَ مُسْتَهْلَكاً فيهِ، فَأَكَلَ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ ظَهَرَ فيهِ طَعْمُ السَّمْنِ، حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَهُ بِالْخُبْزِ، حَنِثَ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ مُذَنِّبًا، حَنِث، فَإِنْ أَكَلَ تَمْراً أَوْ بُسْراً، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ تَمْراً، فَأَكَلَ دِبْسًا، أَوْ لا يَأْكُلُ دِبْسًا, فَأَكَلَ نَاطِفاً، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ حِنْطَةً، فَأَكَلَ حِنْطَةً فيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، حَنِثَ. وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا يَحْنَثَ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ فَاكهَةً، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّوْزِ وَالْبِطِّيخِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ أُدْماً، حَنِثَ بِأَكْلِ الْجُبْنِ وَالْمِلْحِ وَالزَّيْتُونِ.
وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ التَّمْرِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَذَاقَهُ وَلَمْ يَبْلَعْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَأْكُلُ السُّكَّرَ، فترَكَهُ في فِيهِ حَتَّى ذَابَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَشَمُّ الْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُ، حَنِثَ.
стр. 618
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ والْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ، فَهَلْ يَحْنَث؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ شَمَّ الْفَاكِهَةَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لا يَشَمُّ الطِّيْبَ، فَشَمَّهَا.
стр. 619
فَصْلٌ في الْبَيْعِ وَقَضَاءِ الْحُقُوقِ
إذَا حَلَفَ (١): لا يَبِيعُ ثَوْبَهُ بِمِئَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَقَلَّ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَهَبُ فُلاناً، وَلا يُهْدِي لَهُ، ولا يَتصَدَّقُ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْبَلِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، حَنِثَ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَهَبُ لَهُ، فتصَدَّقَ عَلَيْهِ، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ لا يَحْنَثُ.
فَإِنْ أَوْصَى لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَعَارَهُ، لَمْ يَحْنَث، إِلَّا عِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِالْمُحَابَاةِ، حَنِثَ، وَيَحْتَمِلُ ألاَّ يَحْنَثَ.
وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، فَوَهَبَ لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَبِيعُ الْخَمْرَ، فَبَاعَهَا، حَنِثَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَحْنَثَ. стр. 620
وَإِنْ حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَداَّ، فَمَاتَ صَاحِبُ الْحَقِّ، فَقَضَى وَرَثتهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
- وَإِنْ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ بَاعَهُ بِمَالِهِ عُرُوضاً، وَقَبَضَهَا، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
فَإِنْ حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأَسِ الْهِلالِ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الشَّهْرِ، لَمْ يَحْنَثْ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، فَفَلَّسهُ (١) الْحاكِمُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَعْطَاهُ حَقَّهُ في الظَّاهِرِ، فَفَارَقَهُ، فَخَرَجَ رِدْئاً، أَوْ أَحَالَهُ، فَفَارَقَهُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدِير، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَدْرُ الْفُرْقَةِ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا في الْعَادَةِ.
* * * стр. 621
فَصْلٌ في الْكلامِ
إذَا حَلَفَ: لا يُكَلِّمُهُ، فَدَقَّ الْبَابَ، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ، يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ زَجَرَهُ فَقَالَ: تنَحَّ، أَوِ اسْكُتْ، حَنِثَ.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يُكَلّمُهُ زَمَاناً، أَوْ عُمْرًا، أَوْ دَهْرًا، أوِ الْحِيْنَ وَالزَّمَانَ، فَهُوَ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَإِنْ قَالَ: إِلَى الْبَعِيْدِ، أَوْ مَلِيّاً، أَوْ طَوِيلًا (١)، فَهُوَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ.
وَإِنْ قَالَ: الدَّهْرَ، فَهُوَ إِلَى الأَبَدِ.
وَعِنْد أَبِي الخَطَّابِ في غَيْرِ الْحِينِ يَحْتَمِلُ (٢) عَلَى أَقَلّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ.
وَالْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يُكَلِّمُهُ أَيَّامًا، فَهُوَ عَلَى ثَلاثَةٍ، وَإِنْ قَالَ: شُهُورًا، стр. 622
فَهَلْ يَحْتَمِلُ (١) عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ، أَوْ عَلَى ثَلاثَةٍ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ حَلَفَ: لا يُصَلِّي، فَكَبَّرَ، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ لا يَحْنَثُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً؛ كَمَا إذَا حَلَفَ: لا يَصُومُ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا.
فَصْلٌ: إذَا حَلَفَ: لا يَضْرِبُ إِنْسَانًا، فَخَنَقَهُ، أَوْ عَضَّهُ، أَوْ نتَفَ شَعْرَهُ، حَنِثَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَحْنَثَ.
فَإِنْ حَلَفَ: لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، بَرَّ بِنِكَاحِ أَيِّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لا يَبَرُّ حَتَّى يَتَزَوَّجَ بِنَظَائِرِهَا وَيَدْخُلَ بِهَا.
فَإِنْ حَلَفَ: لا يَسْتَخْدِمُ إِنْسَانًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، حَنِثَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَحْنَثَ.
* * * стр. 623
فَصْلٌ في الْكَفَّارَةِ
لا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَيَجُوزُ بَعْدَهَا وَقَبْلَ الْحِنْثِ.
وَإذَا كَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى أَفْعَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَوْ كَفَّارَتَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَحْرَارِ في التكفِيرِ، فَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصّيَامِ، وَلَيْسَ لِسَيّدِهِ (١) مَنْعُهُ؛ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ بِالتكفِيرِ بِالطَّعَامِ، جَازَ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ في التكْفِيرِ بِالْعِتْقِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يُجْزىَ، فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
* * * стр. 624
فَصْلٌ في النَّذْرِ
عَنْ عُقْبَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِيْنِ (١) " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
وَيَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً، وَلا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ.
وَقَدْرُ (٣) اللِّجَاجِ وَالْغَضَبِ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلاناً، فَمَالِي صَدَقَةٌ، أَوْ: فَعَلَيَّ الْحَجُّ، يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ.
وَإذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، لَزِمَهُ الْجَمِيعُ.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ الثُّلُثُ.
وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ السَّنَةِ، لَمْ يَدْخُلْ في نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ. стр. 625
وَإذَا نَذَرَ صِيَاماً، فَعَجَزَ لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ، أَفْطَرَ، وَكَفَّرَ، وَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
- وَإذَا نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ، طَافَ طَوَافَيْنِ.
وَإذَا نَذَرَ الصَّلاةَ في أحَدِ الْمَسَاجِدِ، فَهُوَ كَنَذْرِ الِاعْتِكَافِ فِيهَا.
وَإذَا نَذَرَ الْحَجَّ رَاكِبًا، فَمَشَى، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَإذَا نَذَرَ هَدْياً، وَعَيَّنَهُ بِمَا لا يُنْقَلُ في الْقَفَارِي، بِيع، وَنُقِلَ ثَمَنُهُ، وَيُفَرَّقُ في الْحَرمِ.
فَإِنْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، لَزِمَهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
وَإِنْ قَالَ: عِنْدِي عَبْدُ فُلانٍ حُرٌّ لأَفْعَلَنَّ، فَهَلْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
стр. 626
كِتَابُ الْقَضَاءِ
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
قَالَ أَحْمَدُ ﵀: "لا بُدَّ للنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أتذْهَبُ (٢) حُقُوقُ النَّاسِ؟! ".
وَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الإِنْسَانِ الدُّخُولُ فيهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ.
رُوِيَ عَنْهُ: سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؟ قَالَ: لا يَأْثَمُ بِذَلِكَ، وَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لا تَجِبُ. стр. 627
وَلا خِلافَ في أَنَّهُ يُكْرَهُ طَلَبُهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ، وَإِنْ طُلِبَ، فَالأَفْضَلُ أَلَّا يَدْخُلَ فيه.
وَلا تَصِحُّ وِلايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْليَةِ الإمَامِ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الإمَامُ؛ فَإِنْ وَلاَّهُ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ تَحَاكَمَ اثْنَانِ إِلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ للْقَضاءِ، فَحَكَّمَاهُ في مَالٍ، فَمَا قَضَى بِهِ في حَقِّهِمَا لَزِمَهُمَا.
وَلا يَنْفُذُ حُكْمُهُ في الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالنِّكاحِ وَاللِّعَانِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلامِهِ.
وقال الْقَاضِي: يَنْفُذُ.
وَيَلْزَمُ الإمَامَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْقَضَاءِ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ، وَأَورَعَهُمْ، وَيأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَالْعَدْلِ، وأن يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقْعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْوِلاَيَةِ مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي لِلْمُوَلَّى، وَأَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَيُعَيِّنُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فيهِ مِنَ الْبُلْدَانِ والأَعْمَالِ، وَيُشَافِهُهُ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلاَيَةِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ يُكَاتِبُهُ إِنْ كَانَ غِائِبًا، وَيُشْهِدُ عَلَى تَوْليتهِ بِشَاهِدَيْنِ.
وَقِيلَ: تَثْبُتُ الْوِلاَيَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إذَا كَانَ الْبَلَدُ قَرِيباً.
وَألْفَاظُ الْوِلاَيَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ،
стр. 628
وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاستَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ.
وَالْكِنَايَةُ أَرْبَعَةٌ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَوَكَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدتُ إِلَيْكَ.
فَلا تَثْبُتُ الْوِلاَيَةُ بِهَا حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوَ قَوْلهِ: فَاحْكُمْ، أَوْ: فَانْظُرْ، وَتَوَلَّ.
وَيُعْتَبَرُ الْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى.
فَإنْ قَالَ: مَن نَظَرَ في الْحُكْمِ مِنْ فُلانٍ وَفُلانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، لَمْ تَنْعَقَدِ الْوِلاَيَةُ.
وَإِنْ قَالَ: قَدْ وَلَّيْتُ فُلاناً وَفُلاناً، فَأَيُّهُمَا نَظَرَ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، انْعَقَدَتِ الْوِلاَيَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ جَمِيعَ الأَحْكَامِ في بَلَدٍ يُعَيِّنُهُ، فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَنْ سَكَنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، أَوْ قَدِمَ إِلَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ في عُمُومِ الْعَمَلِ، فَيَقُولَ: جَعَلْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ في الْمُدايَنَاتِ خَاصَّةً.
وَيجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ في قَدْرٍ مِنَ المَالِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ في بَلَدٍ يَجْعَلُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلاً؛ فَإِنْ قَلَّدَ قَاضِيَيْنِ عَمَلاً وَاحِداً، لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ.
стр. 629
وَإذَا صَحَّتِ الْوِلاَيَةُ، وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشْيَاءَ: فَصْلِ (١) الْخُصُومَاتِ، وَاسْتيفَاءِ الْحَقِّ مِمَّنْ عَلَيْهِ، وَدَفْعِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالنَّظَرِ في أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ، وَالْحَجْرِ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرِ في الْوُقُوفِ في عَمَلِهِ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ، وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا، وَتَزْوِيجِ مَنْ لا وَلِيَّ لَهَا، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالنَّظَرِ في مَصَالِح عَمَلِهِ بِكَفِّ الأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ، وَتَصَفُّحِ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِمْ (٢)، وَالإِمَامَةِ في صَلاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ.
فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَةِ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلَهُ طَلَبُ الرِّزقِ لِنَفْسِهِ وَلخُلَفَائِهِ وَأُمَنَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا، فَهَلْ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
* * * стр. 630
فَصْلٌ
وَلا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ سَمِيعاً بَصِيراً مُتَكَلِّمًا مُجْتَهِداً.
وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبيِّهِ ﷺ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُبيَّنَ وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالِاسْتِثْنَاءَ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَيعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ: يَعْرِفُ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَتَوَاتُرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا مِنْ مُتَّصِلِهَا، وَمُسْنَدَهَا مِنْ مُنْقَطِعِهَا مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَلا تُشْتَرَطُ عَلَيْهِ الإِحَاطَةُ بِجَمِيعِ مَا في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ هذِهِ الأَبْوَابِ.
وَيعْرِفُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُم، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (١) مِنَ الْمَسائِلِ.
وَيعْرِفُ حُدُودَ الْقِيَاسِ وَشُرُوطَهُ وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ. стр. 631
وَيَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بَيْنَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَنْ يُوَالِيهِمْ.
وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، مُسْتَوْفًى بِأَدِلَّتِهِ، فَمَنْ تَشَاغَلَ بِهِ، وَرَزَقَهُ الله (١) فَهْمَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، يَصْلُحْ لِلْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ في الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
* * * стр. 632
فَصْلٌ في آدابِ الْقَاضِي
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، وَيَسْأَلَ عَنْ حَالِ الْبَلَدِ الَّذِي قُلِّدَ الْحُكْمَ فيهِ، وَعَنْ حَالِ مَنْ فيهِ مِنَ الْعُدُولِ وَالْفُضَلاءِ، وَيَقْصِدَ الْجَامِعَ، فَيُصَلِّيَ فيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
فَإذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ، أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِىَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فَيُنَادِي: مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الْقَاضِي، فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَيَنْفُذُ فَيَتَسَلَّمُ (١) دِيْوَانَ الْحُكْمِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَيَخْرُجُ الْيَوْمَ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فيهِ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ، وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ في وَسَطِ الْبَلَدِ في مَكَانِ فَسِيحٍ؛ كَالْجَامعِ، أَوِ الْفَضَاءِ، أَوْ دَارٍ كَبِيرَة، وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَدْعُوهُ سِرّاً أَنْ يَعْصِمَهُ.
وَينْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَهُ الْفَقَهَاءُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إِنْ أَمْكَنَ، стр. 633
فَيُشَاوِرَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ، حَكَمَ، وَإِلَّا أَخَّرَهُ، وَلَمْ يُقَلِّدْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ.
وَلا يَتَّخِدُ حَاجِباً وَلا بَوَّاباً إِلَّا في مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَيَعْرِضُ الْقُصَصَ، فَيَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، فَإِنْ حَضَرَ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَشَاحَّا، قُدِّمَ السَّابِقُ بِالْقُرْعَةِ، ولا يُقَدَّمُ السَّابِقُ في أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ.
وَيَتَّخِذُ كَاتِبا عَدْلاً عَالِمًا حَافِظًا مَجْلِسَهُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ، وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُسَوِّي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَافِراً، قَدَّمَ عَلَيْهِ الْمُسْلمَ في الدُّخُولِ، وَرَفَعَهُ في الْجُلُوس، وَقِيلَ: يُسَوِّي بَيْنَهُمَا في الْجُلُوسِ، وَلا يُسَارِرُ أَحَدَهُمَا، وَلا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِيِ، وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى خَصْمِهِ أَنْ يُنْظِرَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ، وَلَهُ حُضُورُ الْوَلائِمِ؛ فَإِنْ كَثُرَتِ عَلَيْهِ (١)، امْتَنَعَ عَنْ
حُضُورِهَا.
وَلا يُجِيبُ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ.
وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوَكّلَ في ذَلِكَ مَنْ لا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسهِ، وَلا لِوَالِدَيْهِ، وَلا وَلَدِهِ، وَلا رَقِيقِهِ، وَيَحْكُمُ لَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ. стр. 634
وَيُوصِي أَعْوَانَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَالرِّفْقِ، وَيَجتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخاً أَوْ كُهُولاً مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالْعِفَّةِ.
وَيَنْبَغِي أَلَّا يَحْكُمَ إِلَّا بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وَلا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلا في شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ وَالْوَجَعِ وَالنُّعَاسِ، وَالْبَرْدِ الْمُؤلمِ وَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ، وَمُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ.
فَإِنْ حَكَمَ فَوَافَقَ الْحَقَّ، نَفَذَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَنْفُذُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لا يَحْبهُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) وَمُسْلِمٌ (٢).
وَأَوَّلُ مَا يَنْظُرُ في أَمْرِ الْمُحَبَّسِينَ، فَيَأْمُرُ أَنْ يُكْتَبَ اسْمُ كُلِّ مَحْبُوسٍ في رُقْعَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَمَنْ حَبَسَهُ؟ وَفِيمَ حَبَسَهُ؟ وَيُنَادِي في الْبَلَدِ أَنَّهُ يَنْظُرُ في أَمْرِهِمْ غَداً، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ، فَلْيَحْضُرْ في غَدٍ، فإذَا كَانَ الْغَدُ، حَضَرَ الْقَاضِي، وَأَخْرَجَ رُقْعَةً فَقَالَ: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلانٍ، فَمَن خَصْمُهُ؟ فَإذَا حَضَرَ خَصْمُهُ، نَظَرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ حُبسَ في تُهَمَةٍ أوِ افْتِيَاتٍ عَلَى الْقَاضِي، خَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنْ (٣) لَم يُعْرَفْ لَهُ خَصْمٌ، وَقال: حُبِسْتُ стр. 635
ظُلْما، نَادَى الْقَاضِي لِذلِكَ ثَلاثاً، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ خَصْمٌ، وَإِلَّا حَلَفَ وَأُطْلِقَ.
ثُمَّ يَنْظُرُ في أَمْرِ الأَيْتَامِ وَالْوَصَايَا وَالْوَقْفِ.
ثُمَّ يَنْظُرُ في حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، نَقَضَ أَحْكَامَهُ، وَلَوْ وَافَقَتِ الصَّحِيحَ.
فَإِنِ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ الْقَاضِي قَبْلَهُ، رَاسَلَهُ، فَإِنْ قَالَ: إِنَّما يُرِيدُ تَبْدِيلي وَالتَّشَفِّيَ مِنِّي، لَمْ يَحْضُرْ حَتَّى يُبَيِّنَ لِما ادَّعَاهُ أَصْلًا في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ لا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ لِما ادَّعَاهُ أَصْلًا وَإِنْ (١) بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: يُحْضِرُ كُلَّ مَنِ ادَّعَى، وَهِيَ اخْتِيَارُ الأَصْحَابِ.
وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإذَا عُزِلَ الْقَاضِي مَعَ صَلاحِيتِهِ، أَوْ مَات الْمُوَلِّي لَهُ، فَهَلْ يَنْعَزِلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ، فَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاء عَلَى الْوَكِيلِ.
* * * следующие страницы →