Полный текст (754 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَيَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بَيْنَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَنْ يُوَالِيهِمْ.
وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، مُسْتَوْفًى بِأَدِلَّتِهِ، فَمَنْ تَشَاغَلَ بِهِ، وَرَزَقَهُ الله (١) فَهْمَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، يَصْلُحْ لِلْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ في الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
* * * стр. 632
فَصْلٌ في آدابِ الْقَاضِي
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، وَيَسْأَلَ عَنْ حَالِ الْبَلَدِ الَّذِي قُلِّدَ الْحُكْمَ فيهِ، وَعَنْ حَالِ مَنْ فيهِ مِنَ الْعُدُولِ وَالْفُضَلاءِ، وَيَقْصِدَ الْجَامِعَ، فَيُصَلِّيَ فيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
فَإذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ، أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِىَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فَيُنَادِي: مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الْقَاضِي، فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَيَنْفُذُ فَيَتَسَلَّمُ (١) دِيْوَانَ الْحُكْمِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَيَخْرُجُ الْيَوْمَ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فيهِ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ، وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ في وَسَطِ الْبَلَدِ في مَكَانِ فَسِيحٍ؛ كَالْجَامعِ، أَوِ الْفَضَاءِ، أَوْ دَارٍ كَبِيرَة، وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَدْعُوهُ سِرّاً أَنْ يَعْصِمَهُ.
وَينْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَهُ الْفَقَهَاءُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إِنْ أَمْكَنَ، стр. 633
فَيُشَاوِرَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ، حَكَمَ، وَإِلَّا أَخَّرَهُ، وَلَمْ يُقَلِّدْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ.
وَلا يَتَّخِدُ حَاجِباً وَلا بَوَّاباً إِلَّا في مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَيَعْرِضُ الْقُصَصَ، فَيَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، فَإِنْ حَضَرَ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَشَاحَّا، قُدِّمَ السَّابِقُ بِالْقُرْعَةِ، ولا يُقَدَّمُ السَّابِقُ في أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ.
وَيَتَّخِذُ كَاتِبا عَدْلاً عَالِمًا حَافِظًا مَجْلِسَهُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ، وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُسَوِّي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَافِراً، قَدَّمَ عَلَيْهِ الْمُسْلمَ في الدُّخُولِ، وَرَفَعَهُ في الْجُلُوس، وَقِيلَ: يُسَوِّي بَيْنَهُمَا في الْجُلُوسِ، وَلا يُسَارِرُ أَحَدَهُمَا، وَلا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِيِ، وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى خَصْمِهِ أَنْ يُنْظِرَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ، وَلَهُ حُضُورُ الْوَلائِمِ؛ فَإِنْ كَثُرَتِ عَلَيْهِ (١)، امْتَنَعَ عَنْ
حُضُورِهَا.
وَلا يُجِيبُ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ.
وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوَكّلَ في ذَلِكَ مَنْ لا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسهِ، وَلا لِوَالِدَيْهِ، وَلا وَلَدِهِ، وَلا رَقِيقِهِ، وَيَحْكُمُ لَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ. стр. 634
وَيُوصِي أَعْوَانَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَالرِّفْقِ، وَيَجتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخاً أَوْ كُهُولاً مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالْعِفَّةِ.
وَيَنْبَغِي أَلَّا يَحْكُمَ إِلَّا بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وَلا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلا في شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ وَالْوَجَعِ وَالنُّعَاسِ، وَالْبَرْدِ الْمُؤلمِ وَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ، وَمُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ.
فَإِنْ حَكَمَ فَوَافَقَ الْحَقَّ، نَفَذَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَنْفُذُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لا يَحْبهُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) وَمُسْلِمٌ (٢).
وَأَوَّلُ مَا يَنْظُرُ في أَمْرِ الْمُحَبَّسِينَ، فَيَأْمُرُ أَنْ يُكْتَبَ اسْمُ كُلِّ مَحْبُوسٍ في رُقْعَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَمَنْ حَبَسَهُ؟ وَفِيمَ حَبَسَهُ؟ وَيُنَادِي في الْبَلَدِ أَنَّهُ يَنْظُرُ في أَمْرِهِمْ غَداً، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ، فَلْيَحْضُرْ في غَدٍ، فإذَا كَانَ الْغَدُ، حَضَرَ الْقَاضِي، وَأَخْرَجَ رُقْعَةً فَقَالَ: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلانٍ، فَمَن خَصْمُهُ؟ فَإذَا حَضَرَ خَصْمُهُ، نَظَرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ حُبسَ في تُهَمَةٍ أوِ افْتِيَاتٍ عَلَى الْقَاضِي، خَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنْ (٣) لَم يُعْرَفْ لَهُ خَصْمٌ، وَقال: حُبِسْتُ стр. 635
ظُلْما، نَادَى الْقَاضِي لِذلِكَ ثَلاثاً، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ خَصْمٌ، وَإِلَّا حَلَفَ وَأُطْلِقَ.
ثُمَّ يَنْظُرُ في أَمْرِ الأَيْتَامِ وَالْوَصَايَا وَالْوَقْفِ.
ثُمَّ يَنْظُرُ في حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، نَقَضَ أَحْكَامَهُ، وَلَوْ وَافَقَتِ الصَّحِيحَ.
فَإِنِ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ الْقَاضِي قَبْلَهُ، رَاسَلَهُ، فَإِنْ قَالَ: إِنَّما يُرِيدُ تَبْدِيلي وَالتَّشَفِّيَ مِنِّي، لَمْ يَحْضُرْ حَتَّى يُبَيِّنَ لِما ادَّعَاهُ أَصْلًا في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ لا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ لِما ادَّعَاهُ أَصْلًا وَإِنْ (١) بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: يُحْضِرُ كُلَّ مَنِ ادَّعَى، وَهِيَ اخْتِيَارُ الأَصْحَابِ.
وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإذَا عُزِلَ الْقَاضِي مَعَ صَلاحِيتِهِ، أَوْ مَات الْمُوَلِّي لَهُ، فَهَلْ يَنْعَزِلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ، فَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاء عَلَى الْوَكِيلِ.
* * * стр. 636
فَصْلٌ في طَرِيقِ الْحُكْمِ
إذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الْخَصْمَانِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنِ الْمُدَّعِي؟ وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِيا؛ فَإِنْ سَبق أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، قُدِّمَ، وَإِنِ ادَّعَيَا معاً، قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَلا تُسْمَعُ إِلَّا دَعْوَى صَحِيحَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقُولُ؟ فَإِنْ أقرَّ لَهُ، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ حَتَى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ، وَإِنْ أَنْكَرَ، سَأَلَ الْمُدَّعِي: ألكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإنْ قَالَ: مَا لي بيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَميِنِهِ إِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إِحْلافَهُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: إِنْ لَمْ تَحْلِفْ، قَضَيْتُ عَلَيْكَ، ثَلاثاً، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
وَاخْتَارَ (١) أَبُو الخَطَابِ: أَنَّهُ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَقَدْ صَوَّبَهُ فَقَالَ: وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ، فَيُقَالُ لِلْمُنْكِرِ: رُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ رَدَّهَا، وَحَلَفَ الْمُدَّعِي، حَكَمَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا، صَرَفَهُمَا، فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ، لَمْ стр. 637
يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يَتَحَاكَمَا في مَجْلِسٍ آخَرَ، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً، فَقَالَ شَاهِدَانِ: نَحْنُ نشهَدُ لَكَ، فَقَالَ: هذَانِ بَيِّنَتِي، (١ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْهَدا لَهُ، لَمْ يُطَالَبْ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (١).
وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ، وَأُرِيدُ يَمِينَهُ، فَهَلْ يَحْلِفُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ فَسَقَةً، قَالَ الْقَاضِي: زِدْنِي شُهُوداً، وَإِنْ كَانُوا عُدُولاً، فَارْتَابَ بِشَهَادَتِهِمْ، فَفَرَّقَهُمْ، ثُمَّ سَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؟ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ وَمَوْضِعٍ؟ وَهَلْ تَحَمَّلْتَهَا وَحْدَكَ؟ فَإِنِ اخْتَلَفُوا، تَوَقَّفَ، وَإِنِ اتَّفَقُوا، وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ، فَإِنْ ثَبَتُوا، اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: قَدْ شَهِدَ عَلَيْكَ فُلانٌ وَفُلانٌ، وَقَدْ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُمَا عَلَيْكَ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَمْرٌ (٢) يَقْدَحُ فِيهِمَا، فَإِنْ جَرَّحَهُمَا، كُلِّفَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْجَرْحِ، وَلا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّراً بِمَا يَقْدَحُ، نَحْوَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِشُرْبِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ، أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ (٣) يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِعَدْلٍ، فَإِنْ طَلَبَ الإِمْهَالَ لِيُخَرِّجَ الشُّهُودَ، أَوْ لِيُقِيمَ بينَةً بِالْقَضَاءِ أَوِ الإِبْراءِ، أُمْهِلَ الْيَوْمَيْنَ وَالثَّلاثَةَ، وَلِلْمُدَّعِي مُلازَمَتُهُ حَتَّى يُثْبِتَ الْجَرْحَ.
فَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُثْبِتَ عَدَالَةَ الشُّهُودِ، احْتَمَلَ أَنْ يَحْبِسَهُ، وإِنْ أَقَامَ شَاهِداً، أَوْ سَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآخَرِ، стр. 638
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ في الْمَالِ، حَبَسَهُ، وَإِنْ كَانَ في غَيْرِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
وَيَحْكُمُ بِالإِقْرَارِ في مَجْلِسِهِ إذا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ إِلَّا وَاحِدٌ، حَكَمَ لَهُ -نَصَّ عَلَيْه-.
وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَحْكُمُ بِهِ.
وَهَلْ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَالَ لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ، وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلاً، وَحَكَمْتُ عَلَيْكَ، وُيرَدِّدُهُ عَلَيْهِ ثَلاثاً، فَإِنْ قَالَ: لي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فيهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُدَّعِيَ إِنْظَارُهُ، فَإِنْ قَالَ: لِي بيِّنَةٌ أُقِيمُهَا بِالْقَضَاءِ أَوِ الإِبرَاءِ، أُمْهِلَ إِلَى (١) ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَلِلْمُدَّعِي مُلازَمَتُهُ حَتَّى يُقِيمَهَا، فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ، وَلَمْ يَبَرَّ، وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاه.
فَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ في الْبَلَدِ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَهُ بَيِّنَتُهُ، حَكَمَ لَهُ بِهَا، وَهَلْ يَحْلِف الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَهُمْ عَلَى حُجَجِهِمْ.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى ظَاهِرٍ في الْبَلَدِ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبيِّنَةُ عَلَيْهِ في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ: يَتَقَدَّمُ إِلَى مَنْزلهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَدْعِي فُلاناً، فَأَخْبِرُوهُ، فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الِاسْتِتَارُ، أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ في الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ حَتَّى يَحْضُرَ. стр. 639
فَإِنِ اسْتَعْدَى عَلَى غَائِبٍ في الْبَلَدِ في مَوْضِعٍ لا حَاكِمَ فيهِ، كَتَبَ إِلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ لِيَتَوَسَّطُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، قِيلَ لِلْخَصْمِ: حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ، ثُمَّ يُحْضِرُهُ، سَوَاءٌ أَبَعُدَتِ الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ.
فَإِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيْرِ بَرْزَةٍ، تَقَدَّمَ إِلَيْهَا أَنْ تُوَكِّلَ وَلا تَحْضُرَ؛ فَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، أَرْسَلَ إِلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا.
وَلا يُقْبَلُ في التَّرْجَمَةِ وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ وَالرِّسَالَةِ إِلَّا قَوْلُ عَدْلَيْنِ.
وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ.
وَإذَا قَالَ الْحَاكِمُ: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلانٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ وَحْدَهُ، وإنِ اذَعَى أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ، فَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي، فَشَهِدَ عَدْلانِ أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ لَهُ، قُبِلَ قَوْلُهُمَا (١)، وَنَفَذَ الْقَضَاءُ.
وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلانِ بِحَقٍّ، وَنَسِيَ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُمَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِذَلِكَ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا.
فَإنْ وَجَدَ في قِمَطْرِهِ وَتَحْتَ خَتْمِهِ صَحِيفَةً بِخَطِّهِ فِيهَا حُكْمُهُ، لَمْ يَنْفُذْ حَتَّى يَذْكُرَهُ.
وَعَنْهُ: يَنْفُذُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في الشَّاهِدِ إذا عَرَفَ خَطَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّهَادَةَ.
وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّيءَ عَنْ صِفَتِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : стр. 640
"إِنَكمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ (١) مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً، فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" رَوَاهُ مسلمٌ (٢).
وَعَنْهُ: يَزُولُ الْفُسُوخُ وَالْعُقُودُ، وَلا يَنْقُضُ الْحَاكِمُ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادِهِ.
* * * стр. 641
فَصْلٌ في كِتَابِ الْقَاضِي
وَلا يُقْبَلُ في الْحُدُودِ؛ لِحَقِّ الله تَعَالَى، وَيُقْبَلُ في الْمالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمالُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ؛ كَالْقِصَاصِ، وَالنِّكاحِ، وَالطَّلاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّسَبِ وَالْكِنَايَةِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ في الشَّهَادَة عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَيَجُوزُ كِتَابُ الْقَاضِي فَيمَا حَكَمَ فيهِ لِيُنْفِذَهُ في الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ، وَفِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ إذا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى مَنْ وَصَلَهُ كِتَابِي مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصِلَ مَخْتُومًا أوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ.
فَإنْ تَغَيَّرَ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِعَزْلٍ أَوْ مَوْتٍ، لَمْ يُقْدَحْ في كِتَابِهِ، وَجَازَ لِكُلِّ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ أَنْ يُنْفِذَهُ.
وَإِنْ تَغَيَّرَ بِفِسْقٍ، قُبِلَ كِتَاُبهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا ثَبَتَ لِيُنْفِذَه.
وَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، جَازَ لِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ،
стр. 642
وَإِنْ أَحْضَرَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ الْخَصْمَ فَقَالَ: لَسْتَ بِفُلانِ بْنِ فُلانٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُه، إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ.
فَإذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَقَالَ: الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِي، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةَ أَنَّ في الْبَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِيمَا سُمِّيَ وَوُصِفَ بِهِ، فَيَتَوَقَّفَ حَتَّى يَثْبُتَ مَنِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ، أَوْ ادُّعِيَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ، وَسَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَراً بِمَا جَرَى لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى فَصْلِ الْخُصَومَةِ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُ.
وَإِنْ سَأَلَ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَيَجْعَلُ السِّجِلَّ أَوِ الْمَحْضَرَ نُسْخَتَيْنِ، يَدْفَعُ إِحْدَاهُمَا إلَيْهِ، وَالأُخْرَى تَكُونُ في دِيوَانِهِ.
وَالْبَيَاضُ مِنْ بَيْتِ (١) الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ.
وَصِفَةُ الْمَحْضَرِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حَضَرَ الْقَاضِيَ فُلانَ بْنَ فُلانٍ الفُلانِيّ قَاضِيَ عَبْدِ اللهِ (فُلانٍ) الإِمَامِ عَلَى كَذَا وَكَذَا، في مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا، مُدَّع ذَكَرَ أَنَّهُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ الْفُلانِيِّ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ الْفُلانِيِّ، وَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، فَأقَرَّ، أَوْ فَأَنْكَرَ، فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: ألكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلهُ سَمَاعَهَا، فَفَعَلَ، (أَوْ فَلَمْ يُقِمْ لَهُ بَيِّنَةً)، وَسَأَلَ стр. 643
إِحْلافَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، (وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، ذَكَرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حَكَمَ بِنُكُولِهِ)، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَراً بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ في يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، وَيُعَلِّمُ في الإِقْرَارِ: جَرَى الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي الْبَيِّنَةِ: شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ.
فَأَمَّا السِّجِلُّ، فَهُوَ لإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلان - وَيَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ- أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلان وَفُلانٍ مَا في كِتَابِ نُسْخَتِهِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَنْفَذَ مَا ذَكَرَ ثُبُوتَهُ عِنْدَهُ في صَدْرِ هذَا السِّجِلِّ، وَأَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ.
وَمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ في كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ، عَلَى قِلَّتِهَا وَكَثْرَتهَا، يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا: "مَحَاضِرُ" وَقْتِ كَذَا، وَ"سِجِلَّاتُ" وَقْتِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَيَتْرُكُهَا عِنْدَهُ (١).
* * * стр. 644
كِتَابٌ في الْقِسْمَةِ
وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَهِيَ مَا كَانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ أَوْ ضَرَرٍ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِالْقِسْمَةِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلامِهِ، أَوْ أَلَّا يَنتفِعَ أَحَدُهُمَا فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ كَالدُّورِ الصّغَارِ، وَالْحَمَّامِ، وَنَحْوِهَا، إذا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانا بِالْقِيمَةِ، فَهذِهِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ.
وَقِسْمةُ إِجْبَارٍ، وَهِيَ مَا لا ضَرَرَ فِيهَا، وَلا رَدَّ عِوَضٍ؛ كَالأَرَاضِي الْوَاسِعَةِ، وَالْبَسَاتِينِ وَالْقُرَى وَالدُّورِ الْكِبَارِ، وَالْمَكِيلاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَالْقِسْمَةُ: إِفْرَازُ حَقٍّ.
وَفِي (١) ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فتجُوزُ قِسْمَةُ الْمَكِيلِ بِالْوَزْنِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْكَيْلِ، وَقِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصاً، وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَإذَا كَانَ نِصْفُ الْعَقَارِ وَقْفاً، جَازَتِ الْقِسْمَةُ. стр. 645
وَقَالَ ابْنُ بَطَةَ: هِيَ كَالْبَيع، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا.
وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنْ يُنَصِّبُوا قَاسِماً، وَإِنْ سَأَلُوا الْحَاكِمَ، يُنَصِّبْ قَاسِماً يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ.
فَإذَا عُدِّلَتِ السِّهَامُ، وَأُخْرِجَت الْقُرْعَةُ، لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ، وَيَحْتَمِلُ فِيما فِيهِ رَدٌّ أَلَّا يَلْزَمَ حَتَّى يَرْضَيَا بِذَلِكَ.
وُيجْزِىَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ إذا كَانَ عَارِفاً بِالْقِسْمَةِ عَدْلاً إذا خَلَتْ مِن تَقْوِيمٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ, لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ.
وَإذَا كَانَ في بَعْضِ الأَرْضِ نَخِيلٌ، وَفِي بَعْضِها أَشْجَارٌ، أَوْ بَعْضُهَا يُسْقَى سَحّاً (١)، وَبَعْضُهَا بِالنَّواضِحِ، أَوْ دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقْسِمَ أَعْياناً بِالْقِيمَةِ، أَوْ طَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الْعُلْوَ، وَالآخَرُ السُّفْلَ، وَطَلَبَ بَعْضُهُمْ قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ، قُسِمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ (٢)، وَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى الأَوَّلِ، جَازَ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ، قُسِمَتْ.
وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَتَهَا مَعَ الزَّرْعِ، أَوْ قِسْمَةَ الزَّرْعِ مُنْفَرِداً، لَمْ يُجْبَرِ الآخَرُ.
وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ أَوْ قُطْنٌ، جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ стр. 646
كَانَ سَنَابِلَ قَدِ اشْتَدَّ حَبُّهَا، قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ، وَقَالَ أَبُو الخَطَّابِ: في الْبَذْرِ وَالسَّنَابِلِ وَجْهَانِ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، فتراضَيَا عَلَى قِسْمَتِهَا بِالْمُهَايَأَةِ، جَازَ، وَإِنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يُجْبَرْ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ عَيْنٌ، أَوْ قَنَاةٌ، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ، جَازَ.
وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَتَهُ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ أوْ حَجَير مُسْتَوٍ في مَصْدَمِ (١) الْمَاءِ فيه ثَقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، جَازَ.
فَإِنْ (٢) أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ أَرْضاً لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هذَا النَّهْرِ، جَازَ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ.
وَيَجِيْءُ عَلَى أَصْلِنَا أَنْ يَنتفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ، ولا يَمْلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ في نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، سَقَى الأَعْلَى حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ.
فَإِنْ أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْ هذَا النَّهْرِ، جَازَ بِشَرْطِ أَلَّا يَسْتَضِرَّ أَهْلُ الأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنَ النَّهْرِ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبيدٌ أَوْ ثِيَابٌ أَوْ حَيَوَانٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا أَعْيَاناً بِالْقِيمَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُجْبَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْبَرَ. стр. 647
وُيعَدِّلُ الْقَاسِمُ السِّهَامَ بِالأَجْزَاءِ إنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً، أَوْ بِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، وَبِالرَّدِّ إنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الرَّدَّ، وَيُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ في رُقْعَةٍ، وَتُدْرَجُ كُل رُقْعَةٍ في بُنْدُقَةٍ مِنْ طِينٍ أَوْ شَمْعٍ، وَتَكُونُ الْبَنَادِقُ مُتَسَاوِيَةً في الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ، وَتُوضَعُ في حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وُيقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هذَا السَّهْمِ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ، فَهُوَ لَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ السَّهْمُ الثالِثُ لِلثَّالِثِ.
وإنِ اخْتَارَ إِخْرَاجَ السِّهَامِ عَلَى الأَسْمَاءِ، جَازَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِوَاحِدٍ الثُّلُثُ، وَلِلآخَرِ السُّدُسُ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ سِتَّ رِقَاعٍ بِأسْمَائِهِمْ، فَإذَا خَرَجَ السَّهْمُ الأَوَّلُ لِصَاحِبِ النِّصِفِ، أَخَذَهُ، وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، ثُمَّ يُخْرَجُ السَّهْمُ الرَّابع؛ فَإنْ خَرَجَ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَهُ وَالَّذِي يَلِيهِ، وَالسَّهْمُ الآخَرُ لِصَاحِبِ السّدُسِ.
فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطاً في الْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمُوهُ بِأنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدُوا عَلَى تَرَاضِيهِم، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمينِهِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعيِ بَيِّنَةً.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ (١) قَاسِمٌ نَصَّبُوهُ، فَإنْ كَانَ فِيما يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَا، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، وإنْ كَانَ في غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ، فَإِنِ اسْتَحَقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْئاً مُعَيَّناً، بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ كَانَ مُشَاعاً، فَهَلْ يَبْطُلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. стр. 648
فَإنِ اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاراً، وَبَنَى أَحَدُهُمَا، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، فَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْبنَاءِ، وَإِنْ خَرَجَ في نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ، فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ.
وَإذَا قَسَمَ الْوَارِثَانِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيْتِ دَيْنٌ؛ لَمْ تَبْطُلِ الْقِسْمَةُ.
وَيَجُوزُ لِلأَبِ وَالْوَصِيِّ قِسْمَةُ مَالِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرِيكِهِ.
стр. 649
بَاب الدَّعَاوَى
الْمُدَّعي: مَنْ إذا سَكَتَ تُرِكَ.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ إذا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ.
وَلا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلا تُسْمَعُ إِلَّا مُحَرَّرَةً، إِلَّا في الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعى عَيْناً حَاضِرَة، عَيَّنَهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَة أَوْ تَالِفَة، أَوْ دَيْناً، ذَكَرَ صِفَاتِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا يَنْضَبِطُ، والأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ قِيمَتَهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ، ذَكَرَ قِيمَتَهَا، فَإِنْ كَانَ سَيْفاً مُحَلًّى، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ.
فَإِنِ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ، عَيَّنَهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، وَشَرَائِطَ النِّكاحِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنِ ادَّعَى بَيْعاً، أَوْ عَقْداً مِنَ الْعُقُودِ، فَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ شُرُوطِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ وَلِيِّهِ، ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَصِفَةَ الْقَتْلِ عَمْداً أَوْ خَطَأً.
وَإِنِ ادَّعَى الإِرْثَ، ذَكَرَ سَبَبَهُ.
стр. 650
فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْمُدَّعي تَحْرِيرَ الدَّعْوَى، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ تَحْرِيرُهَا لَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَهَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ قَبْلَ قَوْلِ الْمُدَّعي: أَسُئِلَ سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإذَا أَنْكَرَ بِأَنْ يَقُولَ: أَقْرَضْتُهُ، فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي (١)، أَوْ قَالَ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ، وَلا شَيْئاً مِنْهُ، صَحَّ (٢) الْجَوَابُ.
وَلِلْمُدَّعيِ أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَلكَ بيِّنَةٌ؟ وَإِنْ (٣) لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينَ، فَإِنْ طَالَبَ الْحَاكِمَ بِاسْتِيفَائِهَا، حَلَّفَهُ.
فَإِنْ بَدَرَ الْمُنْكِرُ فَحَلَفَ، أَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلةِ الْمُدَّعيِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الْيَمِينِ.
فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ، لَمْ يَكُنْ مُقِرّاً، وَلا مُجِيباً.
وَإِنْ قَالَ: لِفُلانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَاراً بِشَيْء، إذا قَالَ (٤): أَرَدْتُ التَّهَزِّي بِهِ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ: يَكُونُ مُقِرّاً بِحَقٍّ لَهُمَا، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ. стр. 651
فَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتَ تَدَّعِي هَذَا الْمالَ مِنْ ثَمَنِ المَبِيعِ الَّذِي لَمْ تُقْبِضْنِي (١) إِيَّاهُ، فَنَعَمْ، أَوِ ادَّعَيْتَ أَلْفاً عَلَى رَهْنِ فُلانٍ لي في يَدِكَ، أَجَبْتُ، وإن ادَّعَيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ ذَلِكَ، كَانَ جَوَاباً.
* * * стр. 652
فَصْلٌ في تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ
بَيِّنَةُ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ.
وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَعَنْهُ: إِنْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ نُتِجَتْ في مِلْكِهِ، أَوْ قَطيعةً مِنَ الإِمَامِ، قُدِّمَتْ بيِّنَتُهُ، وَإِلَّا قُدِّمَتِ الأُخْرَى.
فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ في أَيْدِيهِمَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ في يَدِ أَحَدِهِما، أُسْقِطَتِ الْبَيِّنتَانِ.
عَنْهُ: تُسْتَعْمَلانِ، وَ (١) تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةِ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَيُقَدَّمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ.
فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْبَيِّنتَانِ في التَّأْرِيخِ، قَدَّمَ أَقْدَمَهَا تَأْرِيخاً، فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُخْرِى، فَهُمَا سَوَاءٌ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ لِمَنْ لَمْ يُوَقِّتْ. стр. 653
فَإِنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ، وَالأُخْرَى بِالْمِلْكِ فَقَطْ، فَهَلْ يَتَسَاوَيَانِ، أَمْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلا تُرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلا اشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ، وَلا الرَّجُلانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ.
وفي تَقْدِيمِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَجْهَانِ.
وَإذَا تَدَاعَيَا جِدَاراً لأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ أرجٌ، أَوْ عَرَصَةٌ لأَحَدِهِمَا فِيهَا (١) بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ، حَكَمَ لَهُ.
وَلا يُرَجَّحُ بِوُجُوهِ الآجُرِّ وَالتَّجْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ وَمَعَاقِدِ الْقُمُطِ في الْخُصِّ.
فَإنْ تنازَع صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ في سُلَّمٍ مَنْصُوبٍ، أَوْ دَرَجَةٍ لا مَسْكَنَ تَحْتَهَا، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ، وَاخْتَلَفَا في السَّقْفِ، تَحَالَفَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ إِنْ تنازَعَا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهْرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الآخَرِ.
وَإذَا تَنَازَعَ صَانِعَانِ في بَيْتٍ لَهُمَا فيهِ قُمَاشٌ، حَكَمَ بِآلَةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا؛ كَالزَّوْجَيْنِ إذا اخْتَلَفَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ. стр. 654
فَإِنْ تَنَازَعَا دَابَّةً: أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْل، وَالآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا، فَهِيَ لِلأَوَّلِ.
وَإِنْ تَنَازَعَا قَمِيصاً: أَحَدُهُمَا لابِسُهُ، وَالآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلابِسِهِ.
وَإِنْ تنازَعَ الْمُؤْجِرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ في مِصْرَاعٍ أَوْ دَفٍّ مَقْلُوعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَإِلَّا تَحَالَفَا، وَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تنازَعَ الْخَيَّاطُ وَصَاحِبُ الدُّكَّانِ في الإِبْرَةِ وَالْمِقَصِّ، فَهُوَ لِلْخَيَّاطِ.
فَإِنْ تَنَازَعَا في صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ في أَيْدِيهِمَا، فَهُوَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزاً، فَقَالَ: إِنِّي حُرٌّ، مُنِعَا مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ كَبِيراً، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، قُدِّمَ.
وَلَوِ ادَّعَيَاهُ وَهُوَ في يَدِ غَيْرِهِمَا، فَأَقَرَّ الْعَبْدُ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ. وَإذَا ادَّعَى رَجُلٌ مُلْكَ عَبْدٍ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ، وَأقامَ بَيِّنَةً، قُدّمَتْ بَيِّنَةُ الشَّرَاءِ وَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ الدَّارُ.
وَإِنِ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ سَيِّدِهِ، وَأقامَا الْبَيِّنَةَ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَأْرِيخاً.
فَإِنِ اتَّفَقَتَا، وَأَطْلَقتَا التَّأْرِيخَ، وَالْعَبْدُ في يَدِ الْمُشْتَرِي، فَأَيُّهُمَا
стр. 655
يُقَدَّمُ؟ تَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ في بيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ في يَدِ السَّيِّدِ، فَأقَرَّ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإقْرَارِهِ، وَيُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ عَلَى قَوْلِ أَبي بَكْرٍ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَحَدَهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ جَحَدَهُمَا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ دَعْوَاهُ، وَالْعَبْدُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ في يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فَادَّعَى اثْنَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ بِأَلْفٍ، وَصَدَّقَهُمَا، أَوْ قَامَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، لَزِمَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَالُ الثَّمَنِ (١)، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَ تَارِيخُ الْبيِّنتَيْنِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَيَتَعَارَضَان.
وَإِنْ أَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، أَوْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، لَزِمَهُ كَمَالُ الثَّمَنِ (١) لَهُ، وَيَحْلِف الآخَرُ.
وَإذَا شَهِدَتِ الْبَيِّنتَانِ أَنَّ الْعَبْدَ ابْنُ أَمَةِ أَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ.
وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّ الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِ أَحَدِهِمَا، أوِ الطَّيْرَ مِنْ بَيْضِهِ، أوِ الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، حَكَمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ قَالَ: مَتَى قُتِلْتُ، فَأنْتَ حُرٌّ، فَأَقَامَ الْعَبْدُ بيِّنَةَ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَقَامَ الْوَرَثَةُ بيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. стр. 656
فَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ في الْمُحَرَّمِ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ في صَفَرٍ، فَجَارِيَتي حُرَّة، فَأقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ في مَرَضِي هذَا، فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ، فَجَارِيَتي حُرَّةٌ، وَاخْتَلَفَا، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، تَعَارَضَتَا، وَبَقِيَا عَلَى الرِّقِّ، فَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَعْتَقَ زَيْداً في مَرَضِهِ، فَشَهِدَتْ (١) بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّه أَعْتَقَ سَالِماً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ مَالِهِ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، احْتَمَلَ أَنْ يُعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُعْتَقَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ عَيْنُ السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَيُعْتَقَ دُونَ صَاحِبهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ إحْدَى
الْبَيِّنتَيْنِ مِنَ الْوَرَثَةِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ.
فَإِنْ كَذَّبَتِ الْوَرَثَةُ الأَجْنَبِيَّةَ (٢)، فَقَالَتْ: مَا أَعْتَقَ زَيْداً، وَإنَّمَا أَعْتَقَ سَالِماً، عَتَقَ الْعَبْدَانِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْوَرَثَةُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الآخَرِ، عَتَقَ الآخَرُ كُلُّهُ، وَعَتَقَ مِنَ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْوَرَثَةُ ثُلُثُ الْبَاقِي.
فَإِنْ كَانَ في أَيْدِيهِمَا دارٌ، فَادَّعَاهَا (٣) أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِ النِّصْفِ. стр. 657
وَإِنْ كَانَتْ (١) لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، ابْتُنِيَ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ.
فَإِنْ كَانَتْ دَارٌ في يَدِ رَجُلٍ، فَأقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، لَمْ يَحْكُمْ بِهَا لِلْمُدَّعِي حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَ عَمْرٍو.
وَإذَا تَدَاعَيَا دَاراً في يَدِ غَيْرِهِمَا، قَالَ أَحَدُهُما: غَصَبَنِي إيَّاهَا، وَقَالَ الآخَرُ: مَلَّكَنِي، أَوْ أَقَرَّ لِي بِها، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلا يَغْرَمُ الآخَرُ شَيْئاً (٢).
وإذا مَاتَ رَجُلٌ، فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَارِثُهُ، وَ (٣) لا يَعْرِفَانِ لَهُ وَارِثاً سِوَاهُ، سَلَّمَ مَالَهُ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا (٤).
وَإِنْ قَالا: لا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثاً غَيْرَهُ في هَذَا (٥) الْبَلَدِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَلَّا يُسلَّمَ إِلَيْهِ حَتَّى يَكْشِفَ الْقَاضِي عَنْ حَالِهِ في الْبِلادِ الَّتِي سَافَرَ إِلَيْهَا.
وَإذَا اخْتَلَفَ أَبَوَانِ كافِرانِ وَابْنَانِ مُسْلِمَانِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ стр. 658
مِنْهُمْ (١) أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الأَبَوَيْنِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الِابْنَيْنِ.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْناً مُسْلِماً، وَأَخاً وَزَوْجَةً كافِرَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْكُمُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
* * * стр. 659
فَصْلٌ في الْيَمِينِ
رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى نَاسٌ (١) دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢).
وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ "قَضَى بِيَمِينِ وَشَاهِدٍ" رَوَاهُمَا (٣) مُسْلِمٌ (٤).
وَإذَا رَأى الْحَاكِمُ تَغْلِيظَهَا في اللَّفْظِ وَالْمَكانِ وَالزَّمَانِ، فَلَهُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ في اللَّفْظِ: وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الطَّالِبُ الْغَالِبُ النَّافِعُ الضَّارُّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. стр. 660
وَفِي الزَّمَانِ: فحَلَّفَهُ (١) بَعْدَ الْعَصْرِ، أَوْ بَيْنَ الأَذَانَيْنِ.
وَفِي الْمَكَانِ: يُحَلِّفُهُ في الأَمَاكِنِ الشَّرِيفَةِ، كَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بِمَكَّةَ، وَعِنْدَ مِنْبَرِ رسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَالصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي غَيْرِ ذلِكَ في الْجَوامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
وَلا تُغَلَّظُ إِلَّا فِيمَا لَهُ (٢) خَطَرٌ، كَالَّذِي تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ.
وَقِيلَ: فِيمَا يُقْطَعُ فِيهِ (٣) السَّارِقُ، وَفِي الْجِنَايَاتِ وَالْعِتَاقِ وَالطَّلاقِ.
وَلِلْحَاكِمِ تَرْكُ التَّغْلِيظِ إذا رَأَى.
وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ يَمِيناً وَاحِدَةً لِلْكُلِّ، فَرَضُوا، جَازَ، وَإِنْ أَبَوْا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِيناً.
وَلا يُسْتَحْلَفُ في شَيْءٍ مِنْ حُقوقِ اللهِ، وَيُسْتَحْلَفُ في كُلِّ حَقٍّ لآدَمِيٍّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لا يُسْتَحْلَفُ في النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالرِّقِّ، وَالِاسْتِيلادِ، وَالْوَلاءِ، وَالنَّسَبِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَهَلْ يُسْتَحْلَفُ في الْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ وَالطَّلاقِ أَمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
* * * стр. 661
بَابٌ في الشَّهَادَاتِ
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَلا يَجُوزُ أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَجُوزَ إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ.
وَمَنْ كَانَتْ عِنْده شَهَادَةٌ في حَدٍّ للهِ، لَمْ تُسْتَحَبَّ لَهُ إِقَامَتُهَا، وَأُبِيحَ لَهُ.
وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لآدَمِيٍّ لا يَعْلَمُ بِهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِهَا، وَلَهُ إِقَامَتُهَا قَبْلَ إِعْلامِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
فَإِنْ كَانَ مَنْ لَهُ (٢) الشَّهَادَةُ يَعْلَمُهَا، وَلا يُقِيمُهَا حَتَّى يَسْأَلهُ، وَلا يَشْهَدُ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُ بِرُؤْيَةٍ أوْ سَمَاعٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
ولَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِفَاضَةِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ في стр. 662
الْغَالِبِ إِلَّا بِذَلِكَ؛ كَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالْمِلْكِ، وَالنِّكاحِ، وَالْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ، وَالْعِتْقِ وَالْوَلاءِ، وَالْوِلايَةِ وَالْعَزْلِ، وَالْخُلْعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلا تُقْبَلُ الِاسْتِفَاضَةُ إِلَّا مِنْ عَدَدٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُسْمَعُ مِنْ عَدْلَيْنِ فَصَاعِداً؛ فَإِنْ سَمعَ إِنْسَاناً يُقِرُّ بِنَسَبِ أَبٍ أَوِ ابْنٍ، فَصَدَّقَهُ، شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ سَكَتَ، جَازَ أَيْضاً، وَيَحْتَمِلُ ألاَّ يَشْهَدَ بِهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يَشْهَدْ بِهِ.
فَإِنْ رَأَى في يَدِ إِنْسَانٍ بَيْتاً يَتَصَرَّفُ فيهِ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ مِنَ النَّقْضِ وَالْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ، شَهِدَ بِالْمِلْكِ، وَيَحْتَمِلُ ألاَّ يَشْهَدَ إِلَّا بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ.
وَإذَا شَهِدَا أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ ابْنِ (١) أَحَدِهِما، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِهِ حَتَّى يَقُولا: نَشْهَدُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ، أَوْ الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، أَوْ الطَّيْرَ مِنْ بَيْضَتِهِ (٢)، حَكَمَ لَهُ بِهِ.
وَإذَا تَحَمَّلَ الْبَصِيرُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ، ثُمَّ عَمِيَ، شَهِدَ بِهِ إذا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، أَوْ عَرَفَهُ بِعَيْنِهِ وَوَصْفِهِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ عَلَى الإِقْرَارِ، ثُمَّ طَرِشَ.
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخْرَسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ.
* * * стр. 663
فَصْلٌ
وَإذَا شَهِدَ بِالنِّكَاحِ، فَلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ، وَإِنْ شَهِدَ بِالرَّضَاعِ، فَلا بدَّ مِنْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، وأنَّهُ شَرِبَ مِنْ ثدْيِهَا، أَوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ، فَلا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: ضَرَبَهُ بِكَذَا، أَوْ جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ، أَوْ فَمَاتَ مِنْهُ.
وَلَوْ قَالَ: جَرَحَهُ فَمَاتَ، لَمْ يَحْكُمْ بِهِ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالزِّنَا، فَلا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ بِمَنْ (١) زَنَى، وَأيْنَ زَنَى، وَكَيْفَ زَنَى، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْمَزْنيِّ بِهَا، وَلا ذِكْرِ الْمَكَانِ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالنِّصَابِ، وَالْحِرْزِ، وَصِفَةِ السَّرِقَةِ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ، ذَكَرَ الْمَقْذُوفَ، وَ (٢) صِفَةَ القَذْفِ. стр. 664
وَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لِلشُّهودِ بِالْوُقُوفِ عَنِ الشَّهَادَةِ في الْحُدودِ الْخَالِصَةِ للهِ (١)؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ، فَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَ لِي بِنِصْفِهِ، لَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ أَبُو الخَطَّابِ: يَجُوزُ.
* * * стр. 665
فَصْلٌ فِيمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ.
وَالْعَدْلُ: مَنْ لا يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً، وَلا يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةِ.
وَقِيلَ: أَلَّا يَظْهَرَ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ، وَيَسْتَعْمِلُ الْمُرُوءَةَ.
فَأَمَّا غَيْرُ ذِي الْمُرُوءَةِ؛ كَالْمُصَاقعِ، وَالْمُتَمَسْخِرِ، وَالْمُغَنِّي، وَالرَّقَّاصِ، وَاللاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ، وَالَّذِي يَأْكُلُ في (١) السُّوقِ، وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ في مَجْمَعِ النَّاسِ، وَيَتَحَدَّثُ بِمُبَاضَعَتِةِ (٢) أَهْلَهُ، فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
فَأَمَّا الشَّيْنُ في الصِّنَاعَةِ؛ كَالْحَجَّامِ، وَالنَّخَّالِ، وَالنَّفَّاطِ، وَالْقَمَّامِ، وَالزَّبَّالِ، وَالْمُشَعْوِذِ، وَالدَّبَّاغِ، وَالْحَارِسِ، وَالْقَرَّادِ، وَالْكَنَّاسِ (٣)، فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. стр. 666
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ.
وَعَنْهُ: لا تُقْبَلُ إِلَّا في الْجِرَاحِ إذا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا.
وَمَنْ فَعَلَ شَيْئاً مِنَ الْمُخْتَلَفِ فيهِ في الْفُرُوعِ مُتَأَوِّلاً، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِداً تَحْرِيمَهُ، رُدَّتْ، وَيَحْتَمِلُ ألاَّ تُرَدَّ.
وَفِي شَهَادَةِ مُتَّهَمٍ؛ كَالْوَارِثِ يَشْهَدُ لِمُوَرثهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَالْمَقْذُوفِ عَلَى الْقَاذِفِ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الإِنْسانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَلَّا تُقْبَلَ، فَيَحْتَمِلُ أَلَّا تُقْبَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَل، اخْتَارَهَا أَبُو الخَطَّابِ.
وَإذَا شَهِدَ لِابْنِهِ وَأَجْنَبِيٍّ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَهُمَا.
وَمَنْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ، قُبِلَتْ.
وَلَوْ شَهِدَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ، فَرُدَّتْ، أَوْ شَهِدَ وَارِثَانِ لِمُوَرثهِمَا بِالْجُرْح قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادُوا الشَّهَادَةَ بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ، وَانْدِمَالِ الْجُرْحِ، فَهَلْ تُقْبَلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَتُقْبَلُ في الْمالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمالُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَشَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَرَجُلٍ عَدْلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَلا يُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ.
стр. 667
وَمَا لا يُقْصَدُ بِهِ الْمالُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرّجَالُ؛ كَالطَّلاقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلاءِ وَالْحُدُودِ وَالْوِكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلا يُقْبَلُ فيهِ إِلَّا رَجُلانِ؛ فَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِالسَّرِقَةِ، ثَبَتَ الْمالُ دُونَ الْقَطْعِ، وَإِنْ شَهِدُوا بِقَتْلِ الْعَمْدِ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ وَلا دِيَةٌ.
وَإذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ الْخُلْعَ، لَمْ يُقْبَلْ فيهِ إِلا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَإِنِ ادَّعَاهُ الزَّوْج، قَبِلَ فيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَهَلْ تُثْبِتُ الرَّجْعَةَ وَالنِّكاحَ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلا يُقْبَلُ في ذَلِكَ شَاهِدٌ وَيمِينٌ.
وَمَا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، تُقْبَلُ فيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ.
وَعَنْهُ: لا تُقْبَلُ إِلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ.
فَإِنْ شَهِدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ، كَانَ أَوْلَى.
وَإذَا ادَّعَى رَجُلٌ جَارِيَةً أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدَهَا مِنْهُ، فَشَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، قُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ.
وَهَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْوَلَدِ، أَمْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ مَنْ هُوَ في يَدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ قَضَاهُ مِنْهَا بَعْضَها، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُما.
وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفاً، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُما: قَضَاهُ بَعْضَهَا، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَإذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ دَارَهُ أَمْسِ، وَشهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ أَقرَّ لَهُ بِأَلْفٍ
стр. 668
الْيَوْمَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَكَذَلِكَ في كُلِّ شَهَادَةٍ تَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ، إِلَّا النِّكّاحَ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ إذا اخْتَلَفَا في الْوَقْتِ؛ مِثْلَ: أَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ، وَشَهِدَ آخَرُ (١) أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ هذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ إِيَّاهُ أَمْسِ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا.
وَهَلْ يُؤَثِّرُ الِاخْتِلافُ في الْوَقْتِ في الشَّهَادَةِ بِالْقَذْفِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْباً أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرَانِ (٢) أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْباً أَبْيَضَ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ.
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَتْلَفَ ثَوْباً قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلاثُونَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ.
وَإذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رَجُل بِالْقَتْلِ، فَشَهِدَ شاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُمَا هُمَا (٣) قتلاهُ، فَكَذَّبَ الْوَليُّ الجَمِيعَ، أَوْ صَدَّقَهُمْ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَذَّبَ الأَوَّلَيْنِ وَصَدَّقَ الآخَرَيْنِ.
وَإِنْ صَدَّق الأَوَّلَيْنِ، حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَلا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أُحِقُّ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا.
* * * стр. 669
فَصْلٌ في الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ
وَلا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْتَدْعِيَهُ شَاهِدُ الأَصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَ فُلانَ بْنَ فُلانَ، وَقَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ، أَقَرَّ عِنْدِي وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ طَوْعاً بِكَذَا وَكَذَا.
وَلَوْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَشْهَدَنِي فُلانٌ بِكَذَا، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي، لَمْ يَجُز أَنْ يَشْهَدَ.
وإن سَمِعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى إِنْسَانٍ بِحَق يُعْزِيهِ إِلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعِ، أوْ إِجَارَةٍ، أَوْ قَرْضٍ، فَهَلْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ في الشَّهادَةِ عَلَى الشَهَادَةِ بِحَالٍ، سَوَاءٌ كُنَّ أُصُولاً أَوْ فُرْوعاً، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى: لَهُن مَدْخَلٌ؛ فَيَشْهَدُ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ وامرَأَتَيْنِ، وَيَشْهَدُ رَجُلانِ علَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الأَصْلِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا،
стр. 670
سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: لا يَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ (١) شَاهِدُ أَصْلٍ وَشَاهِدَا فَرْعٍ.
وَلا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ إِلَّا مَعَ تَعَذُّرِ شُهُودِ الأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْبَةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ فَإِنْ شَهِدُوا، فَلَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الأَصْلِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ حَتَّى فَسَّقَ شُهُودَ الأَصْلِ، أَوْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، لَمْ يَحْكُمْ بِهَا (٢).
فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ، ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ، ضَمِنُوا.
وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الأَصْلِ، قَالَ الْقَاضِي: لا يَضْمَنُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنُوا.
وَإذَا كَانَ الْحُكْمُ بشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، لَزِمَهُ جَمِيعُ الْمَالِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَلْزَمَهُ الَنِّصْفُ؛ فَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَزِمَهُمْ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَمْ يَضْمَنُوا.
وَإذَا رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتيفَاءِ، اسْتُوفيَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدًّا أَوْ قِصَاصاً. следующие страницы →