فإذا كان الملك المطلق إنما هو لله وحده لا شريك له فالطاعة المطلقة إنما هي له وحده لا شريك له، فملك الملوك هو الله، ولذلك ورد النهي عن التسمّي ذلك بقوله ﷺ : "إن اخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك". (١)
والتوفيق بين الترجمة وحديث الباب ظاهر وهو أن الناس الذين يوجد منهم الملوك والجبابرة، والذين يذل لهم ويخضع لهم بعض العباد قد يصرفون لهم ما هو خالص حق الله من العبادة هؤلاء ملك له تحت قهره، آخذ بنواصيهم، ويظهر ذلك جلياً بقبض الأرض. يقول: (أنا الملك أين ملوك الأرض)، فيعرف قدرهم وقدر ملكهم الذي أورثهم الذل والصغار. (٢)
стр. 107
٧ - العزيز
ورد هذا الاسم في القرآن اثنتان وتسعون مرة.
والعز في اللغة: القوة والشدة والغلبة، فرجل عزيز: منيع لا يغلب ولا يقهر، وعزني فلان على الأمر، أي غلبني ومنه ﴿وعزني في الخطاب﴾ سورة ص ٢٣، وعز يعز فهو عزيز، قل حتى ما كاد يوجد فأصبح نادراً. (١) قال قتادة العزيز، أي في نقمته إذا انتقم. (٢) قال السعدي ﵀ العزيز الذي له العزة كلها، عزة القوة والغلبة والامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات. وقهر جميع الموجودات واتت له الخليقة وخضعت لعظمته. (٣)
وعلى هذا يكون معنى الاسم على أربعة أوجه:
١ - العزيز هو: المنيع الذي لا يرام جانبه.
٢ - العزيز هو: القاهرة الذي لا يغلب ولا يقهر.
٣ - العزيز هو: القوي الشديد.
٤ - العزيز بمعنى: نفاسة القدر وأنه سبحانه لا يعادله شيء ولا مثيل ولا نظير.
стр. 108
وهذا الذي نظمه ابن القيم ﵀ بقوله في الكافية الشافية:
وهو العزيز فلن يرام جنابه أنى يرام جناب ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم يغلبه شيءهذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه فالعز حينئذ ثلاث معان
وهي التي كملت له سبحانه من كل وجه عادم النقصان (١)
стр. 109
المبحث الخامس: اطلاق بعض النعوت على الله
المطلب الأول: إطلاق الذات على الله
بوب البخاري ﵀ للنعوت التي يجوز إطلاقها على الله ، فقال: باب [ما يذكر في الذات والنعوت واسامي الله].
واستشهد بقول الصحابي الجليل خبيب بن عدي (١) ﵁ حين عرض على القتل، فقال: "وذلك في ذات الإله"، قال البخاري: فذكر الذات باسمه تعالى.
قال الحافظ ﵀ واستعمال البخاري لها دال على أن المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى ففرق بين النعوت والذات. (٢)
وقد سمع النبي ﷺ هذه الأبيات، ولم يرد إنكاره لها فدل على جواز ذلك، وفي أثر لابن عباس وابن عمر ﵃ وربما رفعاه قالا: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله". (٣)
وقال حذيفة بن اليمان لعمر بن الخطاب ﵄ إن جمعت في الله وقسمته في ذات الله فأنت أنت وإلا فلا. (٤)
وذكر هذا الإمام ابن مندة فقال: إن ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا لقوله ﵊: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) (٥)، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإتقان بلا إحاطة إدراك بها بل هو أعلم
стр. 110
بذاته، فهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به لقربه كأنك تراه، وقريب غير ملازق، وبعيد غير منقطع، يسمع ويرى وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ﵎، ظاهر في ملكه وقدرته، وقد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء قدير. (١)
وأصل كلمة ذات هي بمعنى صاحبة، وهي تأنيث كلمة "ذو". (٢)
ومن هنا أنكر بعض الأدباء -كما قال النووي - إطلاق ذات على الحقيقة، فهي عندهم بمعنى صاحبة، وقالوا: ليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وأنكر الكندي إطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس. (٣)
وأجاب الحافظ بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبه، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الإسمية فلا محذور لقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣، أي بنفس الصدور. (٤)
ولهذا قال البخاري ﵀ (فذكر الذات باسمه تعالى) أي أقام الذات مقام اسمه تعالى. (٥)
قال شيخ الإسلام: " لفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافاً إلى غيره منهم يقولون: فلان ذو علم وذو قدرة، ونفس ذات علم وقدره، وحيث جاء في القرآن أو
стр. 111
لغة العرب لفظ (ذو)، ولفظ (ذات) لم يجيء إلا مقروناً بالإضافة كقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ الأنفال ١، وقوله: ﴿عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣، وقول خبيب ﵁ (وذلك في ذات الإله) ونحو ذلك.
لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا: إنه لا يقال أنها ذات علم وقدرة ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه، فقالوا: الذات، وهو لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء، ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم كأبي الفتح ابن برهان (١)، وابن الدهان (٢) وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية.
ثم حدد ﵀ أنها لفظة مولده كالموجود والماهية والكيفية (٣)، وقال: هذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها. فيقال ذات علم وذات قدرة وذات كلام فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلاً. (٤)
وهنا يتبين أن إطلاق الذات على الله ليس كإطلاق الصفات، أي أنه وصف له، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ إنما يريدون نفس الموصوف وحقيقته، فلا إنكار عليهم في ذلك كما وضحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
стр. 112
المطلب الثاني: إطلاق النفس على الله
بوب له البخاري ﵀ بقوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠، واستدل بآية ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ١١٦، والنفس في هذه النصوص يراد بها الله ﷻ ولا يقصد ذات منفكة عن الصفات.
قال ابن خزيمة ﵀ في أول كتاب التوحيد: فأول ما نبدأ به من صفات الله خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدماً لا نفس له. قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام ٥٤. فأعلمنا ربنا أن له نفساً كتب عليها الرحمة. (١)
والآيات والأحاديث في إطلاق النفس على الله ﵎ كثيرة فمن القرآن:
قوله تعالى: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾ طه ٤١، وقوله ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام ٥٤، وقوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠، وقوله ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ١١٦.
ومن الأحاديث: الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) رواه البخاري. (٢)
стр. 113
وحديث مسلم " قال ﵊ لجويرية ﵂: قد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بهنّ لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ومداد كلماته ورضى نفسه وزنة عرشه (١) ".
وفي حديث البخاري، قال ﵇: “ لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو واضع عنده على العرش (إن رحمتي تغلب غضبي) (٢) ”.
وقد أورد البخاري حديثاً في الباب هو: ” ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله” فطريق هذا الحديث ليس فيه ذكر النفس، لكنه تقدم في كتاب التفسير من طريق آخر في تفسير سورة الأنعام وفيه: “ولا شيء أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه”. (٣)
وقال الحافظ ﵀: فذكر النفس ثابت في هذا الحديث وإن كان لم يقع في هذا الطريق، لكنه أشار إليه كعادته، فإنه ﵀ كثيراً ما يترجم ببعض ما ورد في طرق الحديث الذي يورده.
قال ابن خزيمة ﵀ فالله جل وعلا أثبت في آي كتابه أن له نفساً، وكذلك قد بين على لسان نبيه ﷺ أن له نفساً، كما أثبت النفس في كتابه، وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنن وزعم بعض جهلتهم أن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق
стр. 114
إليه وزعم أن نفسه غيره كما أن خلقه غيره، وهذا لا يتوهمه ذو لب وعلم فضلاً عن يتكلم به. (١)
وهذا واضح البطلان - أعني زعم الجهمية- الذين يزعمون أن الله لا يوصف بالضمير، وهو منفي عن الله كما نقل ذلك عنهم الإمام الدارمي ﵀ حين رد على بشر المريسي، فقال: وادعى المعارض أن الله لا يوصف بالضمير والضمير منفي عن الله، وهي كلمة خبيثة قديمة من كلام جهم، عارض بها قوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ٧٦، يدفع بذلك أن يكون الله تعالى سبق له علم في نفسه من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم.
قال أبو سعيد: "وقول جهم هذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق، ثم قال ﵀ فإذا اجتمع قول الله وقول الرسولين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فمن يكترث لقول جهم والمريسي وأصحابهما؟ فنفس الله هو الله والنفس مجمع الصفات كلها، فإذا نفيت النفس نفيت الصفات، وإذا نفيت الصفات كان لا شيء (٢) ".
قال الراغب الأصفهاني (٣) في مفرداته: "نفسه ذاته وهذا وإن كان قد حصل من حيث اللفظ مضاف ومضاف إليه يقتضي المغايرة وإثبات شيئين من حيث العبارة فلا
شيء من حيث المعنى سواه سبحانه عن الأثنوية من كل وجه (٤) ".
стр. 115
ونقل الحافظ ﵀ عن ابن بطال في هذه الآيات والأحاديث إثبات النفس لله تعالى، وللنفس معانٍ والمراد بنفس الله تعالى ذاته وليس بأمر مزيد عليه، فوجب أن يكون هو (١) "
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " إن هذه المواضع المراد منها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، وليس المراد بها ذاتاً منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما تظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ (٢) ".
فبان أن البخاري ﵀ يرى جواز إطلاق النفس على الله من باب الإخبار وليس من باب التسمية ومعلوم أن باب الإطلاق والإخبار أوسع من باب التسمية، فأوردها مصدراً لها بالآية الصريحة ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠.
стр. 116
المطلب الثالث: إطلاق (الشيء) على الله
إطلاق الشيء على الله تعالى يعني إثباتاً للوجود ونفياً للعدم، وقد اختلف المتكلمون هل يسمى الباري شيئاً أم لا.
قال الجهم: أن الله لا يسمى شيئاً، لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل.
والمعتزلة قالوا: إنه غير الأشياء على مقالات:
فهو غير الأشياء بنفسه، ولا يقال إنه غيرها لغيرية.
وقائل انه غير لأشياء والأشياء غيره لنفسه ولنفسها.
وقائل انه غير لأشياء أي ليس هو الأشياء. (١)
ويطلق أهل السنة على الله وعلى صفاته أنه شيء، وليس معناه عندهم أن الشيء اسم من أسماء الله، ولكن يخبر عنه بأنه شيء، ويخبر عن صفاته أنها شيء لأن كل موجود يصح أن يقال له شيء.
قال الحافظ: " الشيء يساوي الموجود لغة وعرفاً وأما قولهم فلان ليس بشيء فهو على طريق المبالغة في الذم فلذلك وصف بصفة العدم. (٢)
والبخاري ﵀ بوب بقوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله. .﴾ الأنعام ١٩. قال: فسمى الله تعالى نفسه شيئاً، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئاً، وهو صفة من صفات الله وقال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص ٨٨.
стр. 117
ثم استدل بحديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: أمعك من القرآن شيء، قال: نعم، سورة كذا وكذا لسورٍ سماها.
قال ابن بطال ﵀: إن الآيات والآثار المذكورة في هذا الباب ترد على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله تعالى أنه شيء. (١)
وقد قال الإمام عبد العزيز الكناني (٢) في مناظرته لبشر المريسي في رفع الشبهة عن هذه الكلمة، فإن بشراً ادعى أن القرآن شيء وعلى هذا فهو مخلوق.
وأجابه الكناني: سألت عن القرآن أهو شيء أو غير شيء، فإن كنت تريد هو شيء إثباتاً للوجود ونفياً للعدم فهو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فلا، ولكن بشراً ادعى عدم الفهم وطلب زيادة إيضاح، فقال الكناني: إن الله أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه إذ كان كلامه من صفاته، فلم يقسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسماً من أسمائه، ولكنه دل على نفسه أنه شيء، وأكبر الأشياء ونفياً للعدم، وتكذيباً منه للزنادقة والدهرية ومن تقدمهم جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم، فقال لنبيه: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ الأنعام ١٩، فدل على نفسه أنه شيء لا كالأشياء وأنزل في ذلك خبراً خاصاً مفرداً لعلمه السابق أن جهماً وبشراً ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه ويشبهونه على خلقه ويدخلونه وكلامه في الأشياء المخلوقة، قال : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، فاخرج نفسه وكلامه وصفاته من
стр. 118
الأشياء المخلوقة، فهذا الخبر تكذيباً لمن ألح في كتابه وافترى عليه وشبهه بخلقه، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ الأعراف.
ثم عدد أسماءه في كتابه ولم يتسم بالشيء، ولم يجعله اسماً من أسمائه.
واحتج ﵀ بأن الله ذم اليهودي (١) الذي نفى أن تكون التوراة شيء فقال: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشرٍ من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدىً للناس﴾ الأنعام ٩١.
واستدل بقوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء﴾ الأنعام ٩٣.
وهكذا يمضي الإمام عبد العزيز الكناني ﵀ في استنباط الأدلة رداً على بشر المريسي، الذي طلب دليلاً على أن القرآن شيء، ولكن لا كالأشياء.
فقال الكناني: قال الله : ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ النحل ٤، وقال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ يس ٨٢، وقال: ﴿وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ البقرة ١١٧.
فدل بهذه الأخبار كلها وأشباه لها كثيرة على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه غير الأشياء وأنه خارج عن الأشياء، وأنه إنما " تكون الأشياء بقوله وأمره ثم ذكر خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيء إلا ذكره وأخرج كلامه وقوله وأمره منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء
стр. 119
وخارج عن الأشياء المخلوقة فقال: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره الا له الخلق والأمر﴾ الأعراف ٥٤.
فجمع في هذه اللفظة الخلق كله ثم قال: والأمر يعني الأمر الذي كان به هذا الخلق ففرق بين خلقه وأمره فجعل الخلق خلقاً والأمر أمراً، وجعل هذا غير هذا. (١)
وفي هذه اللفظة (شيء) صرح الإمام البخاري بها وأنها تطلق على الله ونوع الإستدلال بذلك فقال: فسمى الله نفسه شيئاً ثم استدل باطلاق شيء على القرآن الذي هو صفة لله فقال: وسمى النبي القرآن شيئاً وهو صفة من صفات الله ثم عاد إلى القرآن فأكد بقوله ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨. فبان غرضه ﵀ ووافق السلف في جواز اطلاق الشيء على الله إخباراً لا تسمية.
стр. 120
المطلب الرابع: إطلاق (الشخص) على الله
جاء في بعض الأحاديث الصحيحة إطلاق (الشخص) على الله، كما بوب البخاري ﵀ لذلك فقال: باب قول النبي ﷺ لا شخص أغير من الله، وقد رواه تعليقاً ﵀ ولكن وصله ابن حجر في تغليق التعليق (١) بإسناده إلى الدارمي ﵀ وغيره.
ورواه مسلم (٢) أيضاً بهذا اللفظ (لا شخص).
وهناك روايات أخرى بقوله (لا شيء) و (لا أحد).
وهناك من جعل لا شخص تصحيف ووهم من الرواة، وهناك من أولها، فقال الخطابي ﵀: إطلاق الشخص في صفة الله تعالى غير جائز وذلك لأن الشخص لا يكون إلا جسماً مؤلفاً وإنما يسمى شخصاً ما كان له شخص وارتفاع، ومثل هذا النعت منفي عن الله ، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصحيفاً من الراوي. (٣)
ثم ذكر أن الشيء والشخص سواء فمن لم يفهم الاستماع لم يأمن الوهم، وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث حتى لا يتعدوه.
ويشكك الخطابي ﵀ بأن الراوي جرى منه لفظ الشخص من غير تأمل. (٤)
ولعل الخطابي ﵀ لم يطلع على الروايات الأخرى، فقد روى الحديث مسلم وأحمد والدارمي وغيرهم بلفظ (لا شخص)، ولذلك قال الإمام الكرماني معلقاً على الخطابي:
стр. 121
"لا حاجة إلى تخطئة الرواة الثقات بل حكمه حكم سائر المتشابهات فإما أن يفوض وإما أن يؤول (١) " هذا ما يراه الكرماني ولا يُسلم له.
ومثله الحافظ ﵀ فقد تعقب الخطابي بأنه لم يراجع باقي الروايات الصحيحة وأن طعنه في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه ما رووا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث وهو يقتضي قصور في علم من فعل ذلك منهم. (٢)
وقال الإمام النووي ﵀: (لا شخص) أي لا أحد، وإنما قال لا شخص استعارة ومعناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله ولا يتصور ذلك منه. (٣)
وإلى مثل هذا ذهب البيهقي ﵀ فقد ساق كلام الخطابي وارتضى أن يكون لفظ (لا شخص) تصحيفاً ثم قال: ولو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها ما يوجب أن يكون الله شخصاً، فإنما قصد إثبات صفة الغيرة لله تعالى والمبالغة فيه، وأن أحداً من الأشخاص لا يبلغ تمامها. ونقل البيهقي مثل ذلك عن أبي بكر الإسماعيلي (٤) بأنه لا يوجب بأن الله شخص. (٥)
واسند لذلك بأن قوله (ما خلق الله شيئاً أعظم من آية الكرسي) ليس فيه إثبات خلق آية الكرسي، وليس فيه إلا أن لا خلق في العِظم كآية الكرسي، لا أن آية الكرسي مخلوقة (٦)، وبهذا قال ابن فورك وأخذه عنه ابن بطال.
стр. 122
وقال ابن فورك بالمنع لهذا الإطلاق لعدم ثباته عنده من طريق السماع وللإجماع على منعه ولأن معناه يقتضي الجسمية.
وقال بالإجماع أيضاً ابن بطال، فقال: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص.
ونقل عن القاضي عياض (١) ﵀ أنه لا إشكال في قوله (لا شخص) لأنه ربما وقع تجوزاً من (شيء) أو (أحد) وقال: قد يكون المراد بالشخص المرتفع؛ لأن الشخص هو ما ظهر وشخص وارتفع، فيكون المعنى لا مرتفع أرفع من الله كقوله (لا متعالي أعلى من الله) وله توجيه آخر وهو: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، وبمثله قال القرطبي (٢)
وأما من يسوق هذا اللفظ من غير تأويل فالإمام عبيد الله القواريري (٣) راوي الحديث في المسند ﵀ قال عبد الله بن أحمد بعد ذكره لهذا الحديث: قال عبيد الله القواريري: “ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث (٤) ”.
ورواه الإمام الدارمي في سننه ساكتاً عنه. (٥)
وبوب له الإمام الحافظ ابن أبي عاصم (٦) في كتابه [السنة] وساق للحديث إسنادين صحيحين على شرط الشيخين كما قال الألباني. (٧)
стр. 123
ومثله الإمام أبو يعلى ساق هذا الحديث بسنده في [إبطال التأويلات لأخبار الصفات] ثم قال: وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه ووجهه أن قوله (لا شخص) نفي من إثبات وذلك يقتضي الجنس كقولك: لا رجل أكرم من زيد، يقتضي أن زيداً يقع عليه اسم رجل، كذلك قوله (لا شخص أغير من الله) يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم. (١)
ثم ذكر احتمالاً آخر وهو أن الاستثناء من غير جنسه لورود الروايات الأخرى (لا أحد) وقال إن هذا مثل قوله ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ النساء ١٥٧، وليس الظن من نوع العلم، وقوله ﴿فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين﴾ (٢) الشعراء ٧٧.
فعلى هذا يمتنع في الرأي الآخر لأبي يعلى إطلاق الشخص على الله. (٣)
وجزم الدكتور عبد الله الغنيمان بأن هذا هو مراد البخاري وأنه وصف له.
وقال عن حكاية الإجماع التي قالها ابن بطال بأنه [لا يجوز أن يوصف بأنه شخص] أنها مجازفة ودعوى عارية عن الدليل وأن الدليل على ثبوت هذا اللفظ ثم قال: " وقد صح عنه ﷺ إطلاق هذا الاسم - أعني الشخص- على الله تعالى فيجب اتباعه في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله وهو ﷺ أعلم بربه وبما يجب له وما يمتنع عليه من غيره من سائر البشر. (٤)
стр. 124
والبخاري ﵀ لم يصرح بشيء غير التبويب بهذا الحديث المعلق، قال الحافظ ﵀: لم يفصح المصنف بإطلاق الشخص على الله، بل أورد ذلك على طريق الاحتمال.
ويلاحظ أن البخاري ﵀ جزم بتسميته شيئاً لوضوح ذلك بالآيتين فقال: "فقد سمى الله شيئاً وسمى النبي ﷺ القرآن شيئاً وهو صفة من صفات الله".
ولكن بعض المؤلفين في مناسبات تراجم البخاري يرى أن مقصود البخاري بهذه الترجمة إثبات صفة الغيرة لله بدليل الحديث الذي أورده في الباب وهو قوله [أتعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن]. (١)
هذا والله أعلم، له وجاهة ولا حاجة للتأويل ونسبة الرواة للجهالة أو الرواية بالمعنى لثبوت لفظ الشخص في الصحيحين وغيرهما؛ ولأنه لا يلزم في اللغة أن يكون المفضل عليه من جنس المفضل، فلا يلزم إذاً أن يكون الله موصوفاً بالشخصية.
ثم إذا سلم بالوصف بالشخصية على قول من قال به، فهو لا يلزم من كونه شخصاً أن يكون مماثلاً للأشخاص فإن الله ليس كمثله شيء حتى في اللفظة التي يستوي الإنسان والرب فإنه لا يماثله في حقيقة معناها، كما مرّ معنا في أكثر من إطلاق.
قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١.
واورد الإمام الدارقطني في كتاب الرؤية، وعبد الله بن أحمد بأسنادهما إلى لقيط بن عامر (٢) ﵁ في حديث قدومه على رسول الله ﷺ وهو حديث طويل وفيه ". .
стр. 125
فذكر الرب فقال تنظرون إليه وينظر إليكم" قال قلت يا رسول الله، كيف ونحن ملئ الأرض وهو شخص واحد فينظر إلينا وننظر إليه؟
فقال: الشمس والقمر آية منه صغيرة تروينهما ويرياناكم".
قال: فأقره النبي ﷺ على قوله " وهو شخص واحد".
وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، فممن صححه الإمام ابن القيم، وحكى قبوله عن الأئمة أبو زرعة الرازي وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.
ثم علق على قوله (وهو شخص واحد) بقوله: وقد جاء هذا في الحديث وفي حديث آخر (لا شخص أغير من الله).
قال: والمخاطبون بهذا قوم عرب يعلمون المراد منه ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص بل هم أشرف عقولاً واصح أذهاناً وأسلم قلوباً من ذلك. (١)
والذي بان لي أنه يجوز إطلاق لفظ الشخص من باب الإخبار عن الله ولكن ليس من باب التسمية؛ لأن شرط الأسماء أن تكون حسنى بالغة الحسن أكمله، ولأنه لا يدعي بقوله يا شخص ولم يرد هذا اللفظ في جميع روايات من جمع الأسماء الحسنى، والله أعلم.
стр. 126
الفصل الرابع: من أحكام الأسماء الحسنى
المبحث الأول: السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها
السؤال هو الطلب بذلٍ وخضوع وافتقار.
والاستعاذة: هي العوذ والاحتماء بمن يدفع المكروه ويرفع البلاء بعد نزوله. (١)
وهذا في حق الأسماء الحسنى ارتبط بقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف ١٨٠.
(فالدعاء هو العبادة) ولعظم أمر الدعاء عند الله فقد أمر عباده به كثيراً في كتابه فقال: ﴿وقال ربك ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ غافر ٦٠، فجعل الاستكبار عن الدعاء استكبار عن العبادة وقال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ البقرة ١٨٦.
ولذلك لما قال عليه الصلاة السلام (الدعاء هو العبادة) (٢) قرأ بعدها قوله: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾ غافر ٦٠.
وقد قرر أهل العلم أن الدعاء نوعان:
١ - دعاء ثناء على الله.
стр. 127
٢ - دعاء مسألة لله.
وكلاهما عبادة لله ﵎.
فدعاء مسألة وطلب ودعاء ثناء وهذا بيّن باستقراء النصوص، فدعاء الثناء هو: التعبد لله سبحانه والثناء عليه بأسمائه الحسنى.
ودعاء العبادة يقتضي أن يتعبد العبد لله بمقتضى الأسماء، فلابد أن تؤثر عليه ظاهراً وباطناً فإذا علم العبد سَمْعَ الله، وعلمه، وبصره، وأنه السميع العليم البصير لا يخفى عليه شيء وأنه يعلم السر وأخفى يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله. (١)
وأما دعاء المسألة بالنسبة للأسماء الحسنى فهو سؤال الله في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب والتوسل إلى الله بالأسماء في الدعاء، فيقول الداعي اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وتب عليَّ يا تواب وارزقني يا رزاق ونحو ذلك.
وبيان ذلك في قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ آل عمران ٨.
وفي تمثل الرسول ﷺ حيث علم عائشة ﵂ ما تدعو ربها به في تحريها لليلة القدر أن تقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. (٢)
وهنا لابد من التنبيه على أن ما يدخل في باب الإخبار عن الله تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه والشارع فإن هذا يخبر عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى.
стр. 128
قال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه. (١)
وقال الخطابي: ومن علم هذا الباب أعني: الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقف ولا يستعمل فيها القياس فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام. (٢)
وقال شيخ الإسلام: ثم أنت تسميه قديماً وواجب الوجود وذاتاً ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع، والشارع يفرق بين ما يدعى به من الأسماء، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى وبين ما يخبر بمضمونه عنه من الأسماء لإثبات معنى يستحقه نفاه عنه نافٍ مما يستحق من الصفات، كما أن من نازعك في قدمه أو وجوب وجوده قلت مخبراً عنه بما يستحقه: أنه قديم وواجب الوجود. (٣)
وقال في موضع آخر: " فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت في الشرع والعقل وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى وبما يخبر به عنه مما هو حق ثابت لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال ونفي ما تنزه عنه من العيوب والنقائض، فإنه الملك القدوس السلام سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كثيراً، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ الأعراف ١٨٠، مع قوله ﴿قل إي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ الأنعام ١٩، ولا يقال في الدعاء: يا شيء (٤) ".
стр. 129
ونذكر هنا مخالفة المعتزلة -[معتزلة البصرة، أما البغداديون فيرون أنها توقيفية]- زعموا أن العقل إذا دل على اسم لله ثبت له، وبالغ أبو علي الجبائي في ذلك حتى سمى الله بأسماء ينزه الرب عنها كالمطيع ومحبل النساء وغير ذلك، وله مناظرات مشهورة مع أبي الحسن الأشعري في ذلك كانت سبباً في مفارقته له. (١)
والاستعاذة كذلك بالأسماء الحسنى مثل الدعاء بها كقول الله تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ النحل ٦٨.
وقوله ﴿إني عذت بربي وربكم﴾ الدخان ٢٠، وقوله ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك﴾ مريم ١٨.
ويلاحظ أن الأسماء تشارك الصفات في جواز السؤال بها والاستعاذة بها، ولكن المخالفة بينهما بالدعاء، فدعاء الأسماء الحسنى توحيد وعبادة، تقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، وأما دعاء الصفات فهو من الشرك، كقولك يا رحمة الله اغفري يا قدرة الله انقذيني.
قال شيخ الإسلام: " إن مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماته جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأما دعاء صفاته وكلماته فكفر باتفاق المسلمين، فهل يقول مسلم يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغنني وأعني، أو يا علم الله أو يا قدرة الله أو يا عزة الله أو يا عظمة الله ونحو ذلك.
стр. 130
أو سمع من مسلم أو كافر أنه دعى بذلك أو يطلب من الصفة جلب المنفعة، أو دفع مضرة أو إعانة أو نصر أو إغاثة أو غير ذلك. (١) ويضاف أن الأسماء يصح التعبيد بها كعبدالله، بينما الصفات لا يجوز ذلك فلا يقال عبدالرحمة ولا عبد القوة وهكذا.
وفي هذا الباب بوب البخاري ﵀ بقوله " باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها" وأورد ﵀ أحاديث تدل على السؤال والتوسل والاستعاذة بالأسماء الحسنى لورود الأحاديث، والتي ساق منها:
" باسمك ربي وضعت جنبي،
- (باسمك أحيا وأموت) وحديث (باسمك نموت ونحيا)
- باسم الله اللهم جنبنا الشيطان"
- إذا أرسلت كلابك المعلَّمة وذكرت اسم الله فامسكن فكل"
- اذكروا اسم الله وكلوا. .
- ضحى بكبشين يسمي ويكبر.
- ومن لم يذبح فيذبح باسم الله
فهذه الأحاديث في الاستعاذة بالله وسؤاله عند النوم وبعده وعند الجماع ولحل الأكل ولحل الصيد وعند النسك تجعل المسلم في كل أحواله مع الله سائلاً ومستعيناً به فهذا بيان من فعله ﷺ وأمره.
стр. 131
ونقل الحافظ عن الإمام نعيم بن حماد قوله في كتاب الرد على الجهمية " دلت هذه الأحاديث على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان القرآن مخلوقاً لم يستعذ بها، إذ لا يستعاذ بمخلوق، قال تعالى ﴿فاستعذ بالله﴾ الأعراف ٢٠٠، وقال ﵊ (فإذا استعذت فاستعذ بالله). (١)
وفيه الرد على من قال إن أسماء الله مخلوقه وكلامه مخلوق، كما نقل عن الجهمية. ووجه الرد أنها لو كانت غيره لما جازت الاستعاذة بها، والسؤال واضح في أحاديث الباب والاستعاذة تفهم من حديث جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
وقد نبه على هذه المسائل البخاري في - خلق أفعال العباد- خاصة أن الاستعاذة بها فيه أن كلام الله غير مخلوق وأن سواه خلق (٢) وقال فيه: باب ما كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره.
стр. 132
المبحث الثاني: الحلف بأسماء الله
الحلف هو: تأكيد الخبر بذكر اسم الله العظيم الذي يوقع بالكاذب العقوبة، ففي ضمن ذلك أن المحلوف به مطلع على حقيقة الأمر ولذلك صار الحلف بغير الله شركاً. (١)
قال ﵊ " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". ولما سمع ابن عمر رجلاً يحلف بالكعبة قال: لا يحلف بغير الله، ثم استشهد بالحديث السابق. (٢) وأخرج البيهقي ﵀ عن الشافعي، قال: قال الشافعي ﵀: من حلف بالله أو باسم من أسمائه فعليه الكفارة، ومن حلف بشيء غير الله مثل أن يقول الرجل [والكعبة] وأبي وكذا وكذا ما كان فحنث فلا كفارة عليه ومثل ذلك قوله: لعمري، لا كفارة عليه ويمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول الرسول ﷺ : [إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت] (٣). (٤)
وهذا هو مراد البخاري ﵀ في إيراد هذا الحديث في باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها من أن ذكر اسم الله - تعالى- أو صفته لتأكيد الخبر مشروع بالجملة وأنه لا يجوز ذلك لغير الله فيكون ذلك من العبادة بأسماء الله تعالى. (٥)
стр. 133
وقد بوب البخاري ﵀ في كتاب الإيمان والنذور بقوله: " باب الحلف بغير الله وصفاته وكلماته، ومثله في كتاب التوحيد، قال: من حلف بغير الله وصفاته" وأورد أحاديث تدل على الحلف بغير الله كقول جهنم: (قطٍ قطٍ وعزتك) وقول الرجل الذي يكون آخر من يدخل الجنة: (لا وعزتك لا أسألك غيرها).
وقول أيوب ﷺ : "وعزتك لا غنى بي عن بركتك".
وغيرها من الأحاديث الدالة على أن الحلف بالله أو بأسمائه أو بصفاته فقط.
وتنبيه البخاري وتبويبه يدل على إهتمامه بهذه المسألة من ناحيتين:
الأولى: حماية جناب التوحيد من أن الحلف بغير الله شرك.
الثانية: أن الحلف بأسمائه وصفاته دالٌ على أنها غير مخلوقة.
стр. 134
الباب الثاني الصفات الالهية
الفصل الأول: الصفات الذاتية
الفصل الثاني: الصفات الفعلية
الفصل الثالث: ماورد في الرؤية
الفصل الرابع: ماورد في صفة الكلام
الفصل الخامس: ماورد في أفعال العباد
стр. 135
الباب الثاني الصفات الإلهية
تمهيد: تعريف الصفة وأقسام الناس فيها:
وصف الله ﵎ نفسه بصفات كمال مطلق من جميع الوجوه ونعوت العظمة والجلال والجمال، ومن تدبر القرآن الكريم عرف أن الله على كل شيء قدير وأنه هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، غفور لعباده، رحيم بهم، يحب لعباده الإيمان ولا يرضى لهم الكفر، وهاب جزيل العطايا، صمدٌ واحدٌ لا شريك له، علا واستوى على العرش، وهو مع عباده إينما كانوا، كل هذا وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
فمن عرف صفات ربه تعبده بها وأجر عليها ومن وصف ربه بالنقائص وعطل ذاته عن صفاته فقد دخل في الوعيد الشديد.
فقد عاقب الله الواصفين له بالنقص كما في قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ المائدة ٦٤.
وقوله : ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ آل عمران ١٨١.
ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص فقال: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ الصافات ١٨٠.
стр. 136
وقال : ﴿ما أتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون﴾ المؤمنون ٩١.
ولم يسأل صحابة رسول الله ﷺ نبيه - والقرآن ينزل - عن هذه الصفات بل استبشروا بها خيراً وفرحوا برحمته ومغفرته لهم، كما قال الله في كتابه: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ يونس ٥٨.
وبنظرة قريبة لأصل كلمة الصفة فيقال: الوصف: ما يقوم بالواصف، والصفة ما تقوم بالموصوف. (١)
قال البخاري ﵀ في خلق افعال العبادة: فالوصف إنما هو قول القائل حيث يقول: هذا رجل طويل وثقيل وجميل وحديد، فالطول والجمال والثقل والحدة، إنما هو صفة الرجل، وقول القائل وصف، كذلك إذا قال: الله رحيم، والله عليم. (٢)
قال شيخ الإسلام: والصفة والوصف تارة يراد بها الكلام الذي يوصف به الموصوف كقول الصحابي - لأنها صفة الرحمن- وتارة يراد به المعاني التي دل عليها الكلام كالعلم والقدرة، والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه وتقول إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصف والوصف فيجعلون الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف. وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحد
стр. 137
من لفظ الصفة والوصف مصدر في الأصل كالوعد والعدة والوزن والزنة وأنه يراد به تارة هذا وتارة هذا. (١)
والنصوص متوافرة في الكتاب والسنة في سياق صفات الله ﵎ وأكثر من أن تورد، لكن هناك شبهة بالغ ابن حزم ﵀ فيها وهي إنكار هذه اللفظة (صفة وصفات) وقال: وأما إطلاق لفظ الصفات لله فمحال لا يجوز؛ لأن الله لم ينص في كلامه المنزل على لفظ الصفات أو الصفة، ولا نبيه ﷺ ولا عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من تابعي التابعين، وما كان هكذا فلا ينبغي لأحد أن ينطق به، وإنما اخترع لفظ الصفات المعتزلة وسلك سبيلهم قوم من أصحاب الكلام سلكوا غير مسلك السلف الصالح، وربما أطلق هذه اللفظة من متأخري الأئمة الفقهاء من لم يحقق النظر فيها. (٢)
ولعل ابن حزم ﵀ لا يرى حديث البخاري في كتاب التوحيد في الرجل الذي كان في سرية (ويقرأ بهم بقل هو الله أحد ويختم بها قراءته، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال عليه الصلاة السلام: أخبروه أن الله يحبه).
فاللفظ هنا صريح من صحابي بنعت الله ﵎ بالصفة، ولذلك علق الحافظ -رحمه
стр. 138
الله- بقوله: " وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن لله صفة وهو قول الجمهور. (١)
ولكن ابن حزم ﵀ لمّا أعيته الحيلة في رد هذا الحديث ظهرت عليه ظاهريته فقال: "قل هو الله أحد خاصة صفة الرحمن". (٢)
وهناك دليل آخر:
فعن ابن عباس -رضي لله عنهما- أن اليهود جاءت النبي ﷺ ، فقالوا: يامحمد صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله ﴿قل هو الله أحد﴾ الاخلاص ١ فقال هذه صفة ربي وتقدس وعلا علواً كبيراً. (٣)
وعن ابن عباس ﵄ فيما رواه عنه علي بن أبي طلحة قال: في سورة الإخلاص ". . . وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلاّ له ليس له كفء وليس كمثله شيء". (٤)
وقال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. (٥)
والنصوص عن السلف في إثبات الصفات ووصف الله بما يليق كثيرة جداً. والخلاف في صفات الله ﵎ حادث بعد عصر الصحابة ولم يكن هناك خلاف بين صحابة رسول
стр. 139
الله ﷺ في مسائل الصفات وقد صور الإمام المقريزي ﵀ كيف تدرج الناس في هذه المسألة المهمة فقال:
اعلم أن الله تعالى - لما بعث من العرب نبيه محمداً رسولاً إلى الناس جميعاً وصف لهم ربهم بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروح الأمين وبما أوحى إليه ربه تعالى فلم يسأله عن معنى شيء من ذلك، كما كان يسألونه ﷺ عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم، والفتن ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث في معاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم ير قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف به الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات.
نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة وساقوا الكلام سوقاً واحداً وهكذا أثبتوا ﵃ ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريم من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا - رضي
стр. 140
الله عنهم- بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض أحدٌ منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت ولم يكن عند أحدٍ منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحدٌ منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة. (١)
ونقلت هذا الكلام على طوله لنفاسته في عرض العصر النقي الصافي، ثم توالت العصور وأحدث من أحدث في الكلام في الصفات كالجعد بن درهم (٢) والجهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان (٣) وغيرهم من المعطلة والمشبهة، فقام أهل السنة في الذب عن الدين وتوضيح الكلام ونشروا لذلك الردود وبينوا النصوص وقعدوا القواعد.
وللبيان فالناس في هذا الباب على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: المعطلة:
وهم الذين عطلوا الرب عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات وهذا على مراتب:
١ - وصف الله بسلب النقيضين وهو مذهب غلاة المعطلة، فإنهم يقولون لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، لأننا لو وصفناه بالإثبات لشبهناه بالمخلوقات، ولو وصفناه بالنفي لشبهناه بالمعدومات.
٢ - وصف الله بالسلب والإضافة دون صفات الإثبات، وهو مذهب المعطلة من الفلاسفة والجهمية وهؤلاء كلهم ينفون الأسماء والصفات.
٣ - إثبات الأسماء دون الصفات وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم.
стр. 141
والمعطلة قسمان:
* أهل التأويل: وهم الذين يصرفون معاني نصوص الكتاب والسنة عن معانيها الظاهرة بغير حجة وهذا تحريف.
* وأهل التجهيل: وهم الذين ينكرون معاني الأسماء والصفات ويثبتون ألفاظاً لا معاني لها.
الصنف الثاني: وهم المشبهة:
وهم من يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين كقولهم لله سمع كسمعي وبصر كبصري.
ومن التشبيه التعرض لكيفية صفات الرب وحقيقتها التي لا يعلمها إلاّ الله، وهؤلاء الحادهم في مقابل الحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفات كماله وجدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه.
الصنف الثالث: السلف المتبعون:
وهم من يصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل. (١)
قال الإمام الصابوني في اعتقاد أصحاب الحديث: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، وشهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له ﷻ فيها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لا يعتقدون فيها تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه ولا يحرفون كلاماً عن مواضعه، وقد أعاذ الله أهل
стр. 142
السنة من التحريف والتكييف والتشبيه ومنَّ عليهم بالتصريف والتفهم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعليل والتشبيه واتبعوا قول الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (١) الشورى ١١.
والصفات الإلهية تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية
أولاً: الصفات الثبوتية:
çي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله وكلها صفات كمال لا نقص بها بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة والاستواء والنزول والوجه واليدين ونحو ذلك.
وهذا مما تضافرت به الأدلة على وجه التفصيل حيث بعث الله رسله بإثبات مفصل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل. (٢)
ثانياً: الصفات السلبية:
وهي التي نفاها الله ﵎ عن نفسه أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات نقص في حقه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب، وهذا النفي مجمل فإن الرسل نفوا عن الله ما لا يليق به على وجه الإجمال دون التفصيل.
والصفات السلبية تتضمن إثبات كمال ضدها مع تنزيه الرب عن العدم والنفي المحض، وأن النفي يلتزم به المنافي الأدب مع الله ﵎. (٣)
стр. 143
ومجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً. (١)
وقد نبه على هذا الإمام الكناني في مناظرته لبشر المريسي فقال: إن نفي السوء لا تثبت به المدحة، قال بشر: وكيف ذلك، قال: إن قولي هذه الأسطوانة لا تجهل ليس هو إثبات العلم لها. (٢)
والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين:
ذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال الله متصفاً بها كالعلم والسمع والبصر والحياة ومنها الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا، والمحبة والغضب والرضا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً.
وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئة الله يتكلم متى شاء بما شاء. (٣)
وذهب إلى هذا التقسيم من المتكلمين أبو الهذيل العلاف من المعتزلة والباقلاني من الأشاعرة. (٤)
стр. 144
وكذا قسم بعض أهل السنة الصفات إلى قسمين سمعية وعقلية يظهر هذا من كلام الإمام أحمد وابن كلاب (١) وعبدالعزيز المكي كما صرح به ابن تيمية. (٢)
ويظهر لنا أن تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية أنه متقدم وذلك بالنظر إلى كلام الإمام ابن خزيمة كما ذكر ذلك في كتاب التوحيد، فقال في باب ذكر إثبات وجه الله: جل ربنا عن ان يهلك شيء منه مما هو من صفات ذاته. (٣)
وقال في صفة الاستواء: باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه (٤)، فعدها من صفات الأفعال.
والإمام أبو الحسن الأشعري فقال في رسالته إلى أهل الثغر: " ومعرفة أسماءه الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات فعله (٥) ".
стр. 145
الفصل الأول: الصفات الذاتية
المبحث الأول: ما ورد في السمع والبصر
وصف الله ﵎ نفسه بالسمع والبصر في القرآن الكريم، ومن ثم وجب الإيمان بأن لله تعالى سمعاً وبصراً يليقان بجلاله فهما صفتان حقيقتان فكما أن له ذاتاً حقيقية لا تشبه الذوات فله صفات حقيقة لا تشبه صفات الخلق، وقد ورد إثبات صفة السمع في سبع وخمسين آية، وإثبات صفة البصر في خمسين آية.
ومن ذلك قوله ﵎: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ البقرة ١٢٧، وقوله: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ المجادلة ١، وقوله: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً﴾ النساء ١٣٤، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، وهذا الذي بوب له البخاري -رحمه الله تعالى- لإثبات هذه الصفة والرد على من تأولها فقال: باب قول الله تعالى ﴿وكان الله سميعاً بصيراً﴾ النساء ١٣٤.
وأورد ﵀ أحاديث تدل على مقصود الترجمة لإثبات هاتين الصفتين وصار حجة لمن جاء بعده، منها حديث عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾.