← Акыда

Акыда · id 142136

مسائل العقيدة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري

يوسف الحوشان

Полный текст (251 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمعطلة قسمان: * أهل التأويل: وهم الذين يصرفون معاني نصوص الكتاب والسنة عن معانيها الظاهرة بغير حجة وهذا تحريف. * وأهل التجهيل: وهم الذين ينكرون معاني الأسماء والصفات ويثبتون ألفاظاً لا معاني لها. الصنف الثاني: وهم المشبهة: وهم من يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين كقولهم لله سمع كسمعي وبصر كبصري. ومن التشبيه التعرض لكيفية صفات الرب وحقيقتها التي لا يعلمها إلاّ الله، وهؤلاء الحادهم في مقابل الحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفات كماله وجدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه. الصنف الثالث: السلف المتبعون: وهم من يصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل. (١) قال الإمام الصابوني في اعتقاد أصحاب الحديث: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، وشهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له ﷻ فيها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لا يعتقدون فيها تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه ولا يحرفون كلاماً عن مواضعه، وقد أعاذ الله أهل

стр. 142

السنة من التحريف والتكييف والتشبيه ومنَّ عليهم بالتصريف والتفهم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعليل والتشبيه واتبعوا قول الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (١) الشورى ١١. والصفات الإلهية تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية أولاً: الصفات الثبوتية: çي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله وكلها صفات كمال لا نقص بها بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة والاستواء والنزول والوجه واليدين ونحو ذلك. وهذا مما تضافرت به الأدلة على وجه التفصيل حيث بعث الله رسله بإثبات مفصل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل. (٢) ثانياً: الصفات السلبية: وهي التي نفاها الله ﵎ عن نفسه أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات نقص في حقه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب، وهذا النفي مجمل فإن الرسل نفوا عن الله ما لا يليق به على وجه الإجمال دون التفصيل. والصفات السلبية تتضمن إثبات كمال ضدها مع تنزيه الرب عن العدم والنفي المحض، وأن النفي يلتزم به المنافي الأدب مع الله ﵎. (٣)

стр. 143

ومجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً. (١) وقد نبه على هذا الإمام الكناني في مناظرته لبشر المريسي فقال: إن نفي السوء لا تثبت به المدحة، قال بشر: وكيف ذلك، قال: إن قولي هذه الأسطوانة لا تجهل ليس هو إثبات العلم لها. (٢) والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال الله متصفاً بها كالعلم والسمع والبصر والحياة ومنها الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين. والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا، والمحبة والغضب والرضا. وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً. وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئة الله يتكلم متى شاء بما شاء. (٣) وذهب إلى هذا التقسيم من المتكلمين أبو الهذيل العلاف من المعتزلة والباقلاني من الأشاعرة. (٤)

стр. 144

وكذا قسم بعض أهل السنة الصفات إلى قسمين سمعية وعقلية يظهر هذا من كلام الإمام أحمد وابن كلاب (١) وعبدالعزيز المكي كما صرح به ابن تيمية. (٢) ويظهر لنا أن تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية أنه متقدم وذلك بالنظر إلى كلام الإمام ابن خزيمة كما ذكر ذلك في كتاب التوحيد، فقال في باب ذكر إثبات وجه الله: جل ربنا عن ان يهلك شيء منه مما هو من صفات ذاته. (٣) وقال في صفة الاستواء: باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه (٤)، فعدها من صفات الأفعال. والإمام أبو الحسن الأشعري فقال في رسالته إلى أهل الثغر: " ومعرفة أسماءه الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات فعله (٥) ".

стр. 145

الفصل الأول: الصفات الذاتية المبحث الأول: ما ورد في السمع والبصر وصف الله ﵎ نفسه بالسمع والبصر في القرآن الكريم، ومن ثم وجب الإيمان بأن لله تعالى سمعاً وبصراً يليقان بجلاله فهما صفتان حقيقتان فكما أن له ذاتاً حقيقية لا تشبه الذوات فله صفات حقيقة لا تشبه صفات الخلق، وقد ورد إثبات صفة السمع في سبع وخمسين آية، وإثبات صفة البصر في خمسين آية. ومن ذلك قوله ﵎: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ البقرة ١٢٧، وقوله: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ المجادلة ١، وقوله: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً﴾ النساء ١٣٤، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، وهذا الذي بوب له البخاري -رحمه الله تعالى- لإثبات هذه الصفة والرد على من تأولها فقال: باب قول الله تعالى ﴿وكان الله سميعاً بصيراً﴾ النساء ١٣٤. وأورد ﵀ أحاديث تدل على مقصود الترجمة لإثبات هاتين الصفتين وصار حجة لمن جاء بعده، منها حديث عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾.

стр. 146

وحديث أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: " اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، تدعون سمعياً بصيراً قريباً". وحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك" ومناسبة الأحاديث للترجمة واضحة إن لله سمعاً حقيقياً ثم أورد حديث أبي بكر ﵁ أنه قال: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت فاغفر لي من عندك مغفرة إنك أنت الغفور الرحيم). فمناسبته والله أعلم كما قال ابن بطال: أن دعاء أبي بكر يقتضي أن الله سميع لدعائه ومجازيه عليه، وقال غيره لما كان بعض الذنوب مما يسمع وبعضها مما يبصر لم تقع مغفرته إلا بعد السمع والإبصار. (١) وقال ابن المنير: لولا أن سمع الله يتعلق بالسر وأخفى لما أفاد الدعاء في الصلاة سراً. (٢) وقال الغنيمان: والمقصود من الحديث في هذا الباب أن المدعو لابد أن يكون سميعاً يسمع دعوة الداعي إذا دعاه بصيراً بحاله يوصل إليه ما طلب بقدرته وإلاّ تكون دعوته ضلال وسدى. (٣)

стр. 147

قال الخطابي ﵀: السميع بمعنى السامع إلاّ أنه أبلغ في الصفة، وبناؤه فعيل بناء المبالغة، كقولهم عليم من عالم وقدير من قادر (١)، وبهذا أيضاً فسره ابن جرير فقال: "وهو السميع البصير" السميع لما ينطق به خلقه من قول. (٢) وقال (في البصير) والله ذو ابصار بما يعملون لا يخفى عليه شيء من أعمالهم بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب باجزاءها، وأصل بصير مبصر، من قول القائل أبصرت فأنا مبصر ولكن صرف إلى فعيل كما صرف مسمع إلى سميع وعذاب مؤلم إلى اليم ومبدع إلى بديع وما أشبه ذلك. (٣) وقد خالف أهل السنة في فهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ : الجهمية وتبعهم المعتزلة وتأولوا السمع والبصر أنهما بمعنى العلم، فقالوا إنه عالم بالأصوات والألوان لا يسمع بسمع ولا يبصر ببصر، وضربوا مثالاً بقولهم عن الأعمى ما أبصره أي ما أعلمه وإن كان لا يبصر بعين وادعوا أنه لم يثبت نص أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر. وقد وافق الجهمية في هذا القول من المعتزلة: الكعبي (٤) ومعتزلة بغداد. (٥) وقد نبه بعض شراح البخاري إلى أن هذا هو مقصوده ﵀ إذ أن كتابه في الرد على الجهمية وأنه بوب بقوله وكان الله سميعاً بصيراً ليثبت هاتين الصفتين وأنه يسمع ويبصر حسب تسلسل النصوص التي أوردها ويمكن القول بهذا وبالرد على المعتزلة.

стр. 148

كما قال ابن بطال ﵀: غرض البخاري في هذا الباب الرد على من قال إن (معنى سميع بصير) عليم وقال: ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتاً ولا يسمعها، ولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال فمن انفرد في أحدهما دون الآخر فصح أن كونه سميعاً بصيراً يفيد قدراً زائداً على كونه عليماً وكونه سميعاً بصيراً يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر كما تضمن كونه عليماً أنه يعلم بعلم ولا فرق بين إثبات كونه سميعاً بصيراً أو بين كونه ذا سمع وبصر، قال وهذا قول أهل السنة قاطبة. (١) ولهذا عقد الإمام عثمان الدارمي فصلاً حافلاً في رده على الجهمية وفي رده على بشر المريسي خاصة، أورد فيه شبة القوم والرد عليهم من الكتاب والسنة والعقل والزمهم بعدة لوازم على قولهم بالتأويل منها: ١ - القول بعجز الله إذ من لا يسمع ولا يبصر عاجز كما قال الخليل ﴿يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً﴾ مريم ٤٢. ٢ - إن السمع والبصر إذا كان اثباتهما نفياً للعجز وجب أن نصف الله كما وصف به نفسه وهو أعلم بصفات نفسه. ٣ - أنه لا يلزم من ثبوت السمع والبصر أن يكون بعضه سميعاً وبعضه بصيراً، ومثل هذا لا يصلح وصفه لأدنى الحيوانات، فكيف بالخالق . (٢) فكان أن أورد ﵀ أكثر أحاديث البخاري في الرد على شبهة الجهمية، وقد ورد حديث آخر في إثبات السميع بسمع والبصير ببصر ما رواه أبوداود عن أبي هريرة -رضي

стр. 149

الله عنه- قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿إن الله كان سميعاً بصيراً) النساء ٥٨. فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه. (١) قال البيهقي: والمراد بالإشارة المروية في هذا الخبر تحقيق الوصف لله بالسمع والبصر، ثم قال وأفاد أنه سميع بصير، له سمع وبصر، لا على معنى أنه عليم إذ لو كان بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا وليس في الخبر إثبات الجارحة -تعالى الله- عن شبه المخلوقين علواً كبيراً. (٢) ومثل هذا روى عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر ١٤. قال أشار بيده إلى عينه. (٣) قال إمام الأئمة ابن حزيمة في هذا الباب العظيم: وتدبروا أيها العلماء ومقتبسوا العلم مخاطبة خليل الرحمن أباه وتوبيخه إياه لعبادته من كان يعبد، تعقلوا بتوفيق خالقنا -جل وعلا- صحة مذهبنا وبطلان مذهب مخالفينا من الجهمية المعطلة، ثم أطال ﵀ في رد شبه الجهمية واستدل بأحاديث البخاري في إثبات أن الله يسمع بسمع ويبصر ببصر مع التنزيه اللائق بالله ﵎ والله أعلم. (٤) قال ابن القيم ﵀: وهو السميع يرى ويسمع كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان ولكل صوت منه سمع حاضر ... فالسر والإعلان مستويان والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى عليه بعيدها والداني

стр. 150

وهو البصير يرى دبيب النملة الـ ... سوداء تحت الصخر والصواني ويرى مجاري القوت في أعضاءها ... ويرى عروق بياضها بعيان ويرى خيانات العيون بلحظها ... ويرى كذاك تقلب الإجفان (١)

стр. 151

المبحث الثاني: ما ورد في العلم والقدرة المطلب الأول: ما ورد في العلم أثبت أهل السنة والجماعة أن علم الله شامل لجميع الأشياء صغيرها وكبيرها جليلها وحقيرها، وعلمه محيط بجميع الأشياء في كل الأوقات أزلاً وأبداً، فقد علم تعالى في الأزل جميع ما هو خالق وعلم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم شقاوتهم وسعادتهم ومن هو من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار. قال تعالى واصفاً نفسه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾ الجن ٢٦، وقال: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ لقمان ٣٤، وقال: ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء ١٦٦، وقال: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه﴾ فاطر ١١، وقال: ﴿إليه يرد علم الساعة﴾ فصلت ٤٧ وغيرها من الآيات. فقد ورد اسمه العليم المتضمن لعلمه في القرآن الكريم في مائة وسبع وخمسين موضعاً تقدم منها ما أستدل به الإمام البخاري ﵀. وقد أورد حديثين في ذلك وهما حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلاّ الله)، وأثر عائشة ﵂ وفيه قالت: (من حدثك أنه يعلم الغيب، فقد كذب. وهو يقول (لا يعلم الغيب إلا الله). ثم نقل البخاري ﵀ عن الإمام يحيى الفراء في أحد معاني الظاهر والباطن، قال: قال يحيى (١): الظاهر على كل شيء علماً والباطن على كل شيء علماً، وهي تفسير لقوله

стр. 152

تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ ولأن في آخرها دلالة صريحة على صفة العلم فقال: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾. (١) وهذا الباب من الإمام البخاري ردٌ على غلاة القدرية وعلى الذين ينكرون علم الله السابق، وقد أنكر عليهم السلف إنكاراً شديداً وكفروهم، بل وأفتوا بقتلهم إن لم يرجعوا، قال الإمام أحمد ﵀: القدري الذي يقول إن الله لم يعلم الشيء حتى يكون هذا كافر. وقال أبو بكر المروزي سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) يقول: إذا جحد العلم قال: إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون استتيب فإن تاب وإلاّ قتل. (٢) ونتيجة لهذا الإنكار من السلف ولرداءة هذا المعتقد تراجع تراجعاً سريعاً حتى لم يعد له وجود، وأشار إلى ذلك شيخ الإسلام، فقال: " لما اشتهر الكلام في القدر ودخل فيه كثير من أهل النظر والعباد صار جمهور القدرين يقرون بتقدم العلم وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. (٣) وقال الحافظ: وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون الباري عالماً بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد كونها، قال القرطبي: قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحداً ينسب إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد

стр. 153

مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهباً باطلاً أخف من المذهب الأول. (١) وهذا الذي عناه الإمام الشافعي ﵀ بقوله: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروا كفروا. (٢) وقولهم هذا حدث في أواخر عصر الصحابة، فقد جاء عن يحيى بن يعمر (٣) قال: كان أول من قال في القدر معبد الجهني (٤) ثم ساق قصة لقاءه بعبد الله بن عمر وعرض عليه أمر هؤلاء وأنهم يقولون لا قدر وأن الأمر أنف فقال ابن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وانهم براء مني والذي يحلف به ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. (٥) ومعنى قولهم لا قدر وأن الأمر أنف، أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وإنما يعلمه بعد وقوعه، وأن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يعصيه ممن يطيعه حتى فعلوا ذلك فعلمه بعدما فعلوه. (٦)

стр. 154

وقد فصل شيخ الإسلام موقف الناس من علم الله ﵎ فقال: الناس المنتسبون إلى الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والعلوم وهو قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وهو قول طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات. الثاني: أنه لا يعلم المحدثات إلاّ بعد حدوثها وهو أصل قول القدرية. الثالث: أنه يعلمها قبل حدوثها ويعلمها بعلم آخر حين وجودها (١)، وهذا هو قول السلف، فقد قال إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀: باب ذكر إثبات العلم لله جل وعلا تباركت أسماؤه وجل ثناؤه بالوحي المنزل على النبي المصطفى ﷺ ، لا بنقل الأخبار التي هي من نقل علم الخاص - ثم قال- فأعلمنا الله انه أنزل القرآن بعلمه وأخبرنا أن أي أنثى لا تضع إلا بعلمه. . فكفرت الجهمية وأنكرت أن يكون لخالقنا علم مضاف إليه من صفات الذات. (٢) وقد أفاض الإمام عثمان (٣) الدارمي في رده على بشر المريسي ومن تابعه من المعتزلة كابي الهذيل وغيره على اختلاف درجاتهم في إنكار العلم جملة أو من أثبت العلم وقال إنه غير الله وأنه محدث مخلوق أو من قال إن علم الله هو الله. (٤)

стр. 155

ومثله الإمام الأشعري قال: قد علم الله نبيه الشرائع والأحكام والحلال والحرام ولا يجوز أن يعلم ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز أن يعلم الله نبيه ما لا علم له به، تعالى الله عن قول الجهمية علواً كبيراً. (١) وهكذا الإمام البخاري ﵀ بوب بالآيات الدالة على علم الله الأزلي، قال ابن بطال: في هذه الآيات إثبات علم الله تعالى وهو من صفات ذاته خلافاً لمن قال عالم بلا علم. (٢) وأورد الإمام البيهقي آيات وأحاديث الباب وغيرها، وقال: كان الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني (٣) يقول من أسامي صفات الذات ما هو للعلم، منها العليم ومعناه يعلم جميع المعلومات، ومنها الخبير يعلم ما يكون قبل أن يكون، ومنها الحكيم يعلم دقائق الأوصاف، ومنها الشهيد ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه لا يغيب عنه شيء، ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى ما علم، ومنها المحصي ويختص أنه لا تشغله الكثرة عن العلم. (٤) وبهذه المعاني اللائقة بالله فسر الإمام الطبري ﵀ وغيره من أئمة السلف الآيات التي استشهد بها البخاري وبوب بها فقال: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾ الجن ٢٦، أي عالم ما غاب عن أبصار خلقه فلم يروه، فلا يظهر على غيبه أحدا فيعلمه أو يريه أياه، إلا من ارتضى من رسول فإنه يظهره على ما شاء من ذلك. (٥)

стр. 156

وقال البغوي: عالم الغيب رفع على نعت قوله (ربي) وقيل هو عالم الغيب فلا يظهر على غيبه إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما شاء من الغيب؛ لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بأن يخبر عن الغيب. (١) وقوله ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ الآية، هي موافقة لحديث الباب، أعني حديث ابن عمر قال: قال ﵊: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلاّ الله. قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلاّ بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿لا يجليها لوقتها إلاّ هو﴾ وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلاّ الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن يشاء من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه - ثم قال- وهذه شبيهة بقوله تعالى ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو﴾ وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب. (٢) وقوله: ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء ١٦٦، قال ابن الجوزي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنزله وفيه علمه. الثاني: أنزله من علمه. الثالث: أنزله إليك بعلم منه إنك خيرته من خلقه، قاله ابن جرير. (٣)

стр. 157

وقوله: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه﴾ فاطر ١١، وقوله: ﴿إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه﴾ فصلت ٤٧. قال البغوي ﵀ أي علمها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره، وقوله إلاّ بعلمه: إلاّ بإذنه. (١) وقال ابن جرير ﵀: إلى الله يرد العالمون به علم الساعة، فإنه لا يعلم قيامها غيره. (٢) وعلى هذا جرى الإمام اللالكائي ﵀ في عرضه لشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، فقال: سياق ما دل من كتاب الله وما روي عن رسول الله ﷺ في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق ثم ساق الأدلة الكثيرة على هذا. (٣)

стр. 158

المطلب الثاني: ما ورد في القدرة القدرة من صفات الله ﵎ الذاتية ومن أسماءه القادر والقدير والمقتدر، لكن القادر مقيدة مثل قوله: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ الأنعام ٦٥، أما القدير فجاءت مطلقة مثل ﴿وهو العليم القدير﴾ الروم ٥٤، والمقتدر جاءت مطلقة ﴿عند مليك مقتدر﴾ القمر ٥٥، وكل هذا راجع إلى معنى واحد وهو القدرة. قال ابن الأثير (القادر والمقتدر والقدير) القادر اسم فاعل من قدر يقدر، والقدير فعيل منه وهو للمبالغة، والمقتدر مفتعل من اقتدر وهو أبلغ. (١) وهذه الصفة وردت في القرآن بصيغ القادر والمقتدر والقدير أكثر من اثنتي عشرة مرة، قال الإمام البيهقي: هو الذي له القدرة الشاملة والقدرة له صفة قائمة بذاته. (٢) وقال الخطابي: القادر هو من القدرة على الشيء، يقال قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، كقوله ﴿وكان الله على كل شيء قديرا﴾ الأحزاب ٢٧. ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده لا يعترضه عجز ولا فتور. وقد اتفق المسلمون وأهل الملل على أن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا يفوته مطلوب بل له القدرة الشاملة الكاملة. ومعنى قدرة الله تعالى: قدرته على الفعل. والفعل نوعان: لازم، ومتعد، فالأفعال اللازمة هي تقوم بالفاعل ولا تتعدى إلى مفعول، وقد ذكر النوعان في قوله تعالى ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ الحديد ٤، قال شيخ الإسلام: الاستواء والأتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك أفعال لازمة لا تتعدى إلى مفعول بل هي قائمة

стр. 159

بالفاعل والخلق والرزق والأمانة الإحياء والإعطاء والمنع والهدي والنصر والتنزيل ونحو ذلك تتعدى إلى مفعول. ثم ذكر اختلاف الناس في ذلك وأنهم على ثلاثة أقوال: أحدها: من لا يثبت فعلاً قائماً بالفاعل فاللازم عنده منتفٍ والمتعدي كالخلق فهو عنده هو المخلوق أو معنى غير المخلوق ونسب هذا القول إلى الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم. والثاني: أن الفعل المتعدي قائم بنفسه دون اللازم، فالخالق قائم بنفسه ليس هو المخلوق. والثالث: من يثبت الفعلين اللازم والمتعدي، كما يثبته القرآن وهو قول السلف وأئمة السنة. ثم قال بعد أن أفاض في الردود عليهم " والمقصود التنبيه على تنازع الناس في مسألة القدرة وفي الحقيقة أنه من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة ولا يثبته قادراً، فالجهمية - ومن تبعهم - والمعتزلة والقدرية والمجبرة والنافية حقيقة قولهم أنه ليس قادراً وليس له الملك فإن الملك إما أن يكون هو القدرة أو المقدور أو كلاهما وعلى كل تقدير فلابد من القدرة فمن لم يثبت له القدرة لم يثبت له ملكاً كما لا يثبتون له حمداً (١)، وعلى هذا جرى الإمام البخاري ﵀ فبوب بقوله باب قول الله تعالى ﴿قل هو القادر﴾، وهنا أطلق ﵀ لكي تعم القدرة التي هي من صفات الذات لا من صفات الفعل فقط ثم أورد حديث الاستخارة وفيه (واستقدرك بقدرتك فإنك تقدر ولا أقدر) ليبين أن أسماء الله ليست جامدة بل متضمنة للصفات والمعاني التي تدل عليه وهي القدرة. وهناك من فسر من الشراح القدرة بالقوة، والقوة بالقدرة وأنهما بمعنى واحد.

стр. 160

قال ابن بطال في باب قوله تعالى ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ الذاريات ٥٨، قال القوة بمعنى القدرة، وقال البيهقي: القوي التام القدرة لا ينسب إليه عجز في حالة من الأحوال ويرجع معناه إلى القدرة والقادر. وقال الحافظ" الحديث رد على من قال إنه قادر بنفسه لا بقدرة؛ لأن القوة بمعنى القدرة. (١) وذكر الحافظ ﵀ مثل هذا في باب [قل هو القادر] وأحال إلى الموضع السابق. وهذا خلاف ظاهر الآيات لأنه يمكن تفسير القوة بأنها الفعل بلا ضعف وليست القدرة؛ لأن القوة الفعل بلا عجز، يستدل بقوله تعالى ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة﴾ الروم ٥٤، ولم يقل ثم جعل من بعد ضعف قدرة، وقال سبحانه ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ فاطر ٤٤، فقال ليعجزه ثم قال إنه كان عليماً قديراً ولم يقل كان عليماً قوياً. ولأن بينهما فرقاً، فالقوة أكمل من القدرة فمن لا يستطيع حمل صخرة مثلاً يقال له غير قادر ومن يحمله بمشقة يقال إنه قادر غير قوي ومن حمله بسهولة فهو قادر قوي. (٢) وفي إثبات قدرته التامة ﵎ تنزيه له ووصف له بما يستحق من الإجلال والتعظيم وهذا معنى قوله تعالى ﴿إنه على كل شيء قدير﴾. فليست القدرة بمعنى القوة بل بينهما فرق، وهنا ننبه بخطأ من يقول (إنه على ما يشاء قدير) فهذا القول فيه تخصيص للقدرة بما يشاء ويلزم من ذلك أن يكون غير قادر على الذي لا يشاؤه ومن هنا يأتي المعتزلة في قولهم

стр. 161

إنه لا يشاء أفعال العباد وتكون القدرة هنا من صفات الفعل فقط، فالقدرة لا تتعلق إلاّ بما تعلقت به المشيئة. قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الزمر ٦٧، قال هذه في الكفار فأما من آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره. (١)

стр. 162

المبحث الثالث: ما ورد في المشيئة والإرادة وهي مشيئة الله ﵎ وإرادته فهو سبحانه ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، له المشيئة العامة والإرادة التامة، وقد ذكر الله ﵎ مشيئته في القرآن الكريم في ما يقرب من أربعمائة موضع. وهنا مسألة هل الإرادة والمشيئة بمعنى واحد أي مترادفتان أو متباينتان؟ قال الإمام البيهقي ﵀ أنهما بمعنى واحد، فقال: جماع أبواب إثبات صفة المشيئة والإرادة لله وكلتاهما عبارتان عن معنى واحد. (١) وهناك من يفصل بأن المشيئة معناً من معاني الإرادة وليست مرادفة لها. (٢) والإرادة تنقسم إلى قسمين: أولاً: إرادة كونية لابد فيها من وقوع المراد، وقد يكون المراد محبوباً أو غير محبوب. ثانياً: إرادة شرعية، فلا يلزم فيها وقوع المراد، ولا يكون المراد فيها محبوباً لله. وتكون الإرادة الشرعية بمعنى المحبة. ودليل الكونية ﴿فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ الأنعام ١٢٥. ودليل الشرعية ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ النساء ٢٧. وأمر الله ﵎ نوعان:

стр. 163

أمر تكوين (كوني). وأمر تعبد (شرعي). وهذا التقسيم الذي يشير إليه كثيرٌ من متأخري أهل السنة كإبن تيمية وابن القيم وابن إبي العز الحنفي. قد سبقوا إليه، وهو تقسيم متقدم. وأقدم من وجدته فعل ذلك الإمام محمد بن نصر المروزي صاحب الإمام البخاري وتلميذه والملتقي معه في كثير من شيوخه (٢٠٢ هـ - ٣٩٣ هـ). قال في كتابه " تعظيم قدر الصلاة" في معرض ذكر الخلاف بين الإيمان والإسلام وبعض مسائله: والأمر من الله ورسوله قد يتجه على وجوه: ١ - فوجه منه أمر تكوين للشيء، قال تعالى: ﴿وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر﴾ القمر ٥٠. فهذا أمر التكوين الذي لا يأمر الله به إلاّ مرة واحدة حتى يكون المأمور به كما أراد الله، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ النحل ٤٠، ومن ذلك قوله تعالى للذين اعتدوا: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة ٦٥. فكانوا قردة ولم يكن لهم في كونهم قردة نية ولا إرادة. ٢ - ومنه أمر التعبد: قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ النساء ١٣٥. فهذا الأمر بخلاف الأمر الأول، هذا أمر تعبد يكون المأمور به بين أمرين:

стр. 164

إن عمل بما أمره الله بنية وإرادة كان مطيعاً لله عاملاً له، وإن ترك أمره قاصداً لذلك، كان عاصياً لله وذلك بتقدير العزيز العليم. - ثم قال- وأمر التعبد يعيده مرة بعد أخرى ويكرره ويعد على العمل به ويوعد على ترك العمل به، وأمر التكوين لا يكون إلاّ مرة واحدة ولا وعد فيه ولا وعيد. (١) وهناك إشارة إلى تعلق هذا الأمر بالإرادة وضّحه الإمام ابن القيم بقوله: أمر الله ﵎ نوعان، أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي، فمشيئته سبحانه متعلقة بأمره وخلقه الكوني وكذلك تتعلق بما يحبه وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته شاملة لذلك كله. وأما محبته ورضاه فمتعلقة بالأمر الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد فيه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعها، فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته، وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته لا محبته، فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي والإرادة الكونية هي المشيئة. (٢)

стр. 165

وهذا الذي قرره شارع الطحاوية ونسبه إلى المحققين من أهل السنة وأن المشيئة هي الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقوله تعالى عن نوح ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ (١) هود ٣٤. واختلفوا هل مشيئة الله شاملة لفعله وفعل عباده أو هي خاصة بفعله؟ أهل السنة يقولون أنها عامة فيما يتعلق بفعله وفيما يتعلق بفعل عباده، ففعله كإنزال المطر والأحياء والإماتة، وفعل عباده كصلاح العبد وفساد العبد، قال تعالى ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ فقيد فعلهم بمشيئته فهي شاملة لفعل العبد أيضاً. (٢) وأما الخلاف فيما يريده الله ﵎ من مثل قوله ﴿وإذا أردنا﴾ الإسراء ١٦، فالناس فيه على أقوال: الأول: أن الإرادة أزلية قديمة واحدة وإنما يتجدد تعلقها بالمراد ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص وهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما. الثاني: أن الإرادة واحدة قديمة لكنها تحدث عند تجدد الأفعال، إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة وهو قول الكرامية.

стр. 166

الثالث: من ينفون قيام الإرادة به وهو قول الجهمية والمعتزلة على خلاف بينهم فيمن ينفيها أو يفسرها بأنها نفس الأمر والفعل أو يقول بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين من المعتزلة. (١) الرابع: أنه لم يزل مريد بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنه يريده في وقته وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدرها علم ما سيفعله وأراد فعله في الوقت المستقبل لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله فالأول عزم والثاني قصد (٢)، وهو قول أهل السنة. ولعظم هذه المسألة بوب لها الإمام البخاري ﵀ بقوله: بابٌ في المشيئة والإرادة. ثم ساق الآيات والأحاديث التي تنص على مشيئته ﵎ التامة، وساق في بيانها بعد ست آيات ساق سبعة عشر حديثاً فيها ذكر المشيئة والإرادة بل أشار ﵀ إلى نوعي الإرادة، فأشار إلى الإرادة الكونية بقوله تعالى ﴿توتي الملك من تشاء﴾ آل عمران ٢٦، وقوله ﴿وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله﴾ الإنسان ٣٠، وقوله ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاّّ أن يشاء الله﴾ الكهف ٢٣، وقوله ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ القصص ٥٦. لأن الإرادة الكونية هي المشيئة العامة التي لا يخرج عنها شيء.

стр. 167

وأشار إلى النوع الثاني من الإرادة وهي الدينية الأمرية والتي تتضمن الأمر والمحبة والرضى بقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (١) البقرة ١٨٥. وأما الأحاديث فسأبين الشاهد منها على وجه الاختصار لطولها فمنها: حديث أنس (ولا يقولن أحدكم إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له) فيه أن تعليق الدعاء بالمشيئة يشعر بأن الله يعطي ما لا يريد كما يحصل لابن آدم وهذا لا يجوز اعتقاده لأن ليس بعد المشيئة إلا الإكراه، والله لا مكره له. (٢) والحديث الثاني: حديث علي ﵁ وفيه [إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا] فيه بيان أنه لا ينبغي معارضة الأمر بالقدر ولهذا انصرف النبي ﵊ كارهاً لمقالته، وتلا قوله تعالى ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ الكهف ٥٤، ومن إنكاره ضربه فخذه ﵊ كما في الحديث. والحديث الثالث: حديث أبي هريرة وفيه قوله [فيقصمها الله إذا شاء] وهي معنى المشيئة النافذة السابقة أي في الوقت الذي سبقت إرادته إن يقصمها فيه. الحديث الرابع: حديث ابن عمر وفيه [ذلك فضلي أوتيه من أشاء] وهذا رد على المعتزلة إذ الإشارة بقوله [ذلك فضلي] إلى جميع الثواب لا إلى القدر الذي يقابل العمل كما يقوله المعتزلة واثبت مشيئة في فعله لا في فعل العبد. (٣)

стр. 168

وهكذا في بقية الأحاديث التي تدل على مشيئته ﵎ وإرادته وما تعلقت به إرادته الكونية، وقد أجمل ووضح شيخ الإسلام ﵀ فذكر أن الأشياء باعتبار تعلق الإرادتين بها من عدمه لا تخرج عن أربعة أقسام: أحدها: ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فهذه مرادة ديناً وشرعاً؛ لأنها محبوبة ومرضية ومرادة كوناً وشرعاً لوقوعها ولولا ذلك لما كانت. الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة مما لم يقع كايمان أبي جهل وسائر الكفار، فهذه مرادة ديناً لأنها من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها وليست مرادة كوناً لأنها لم تقع. الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما وقع من المعاصي، فهذه مرادة كوناً؛ لأنها وقعت وغير مرادة ديناً وشرعاً لأن الله لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها. الرابع: ما لم تتعلق به الإرادة الكونية ولا الشرعية، فهذا ما لم يكن ولم يقع من أنواع المعاصي (١) وهنا تبين أن لفظ الإرادة ينقسم إلى كونية وهي المشيئة وإرادة دينية وهي المحبة والرضى، وأن السلف فهموا الفرق بينهما ويدل على ذلك تنوع الإستدلال في التبويب والتصريح كما في كلام الإمام المروزي.

стр. 169

المبحث الرابع: الصفات (الخبرية) المطلب الأول: ما ورد في الوجه وصف الله ﵎ نفسه في القرآن الكريم بصفات عديدة وورد على لسان رسوله ﷺ ما يوافق هذه الصفات وتلقاها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بالتسليم، ووصفوا الله على ماوصف به نفسه ومن غير ان يتدخلوا في هذه الصفات بالتأويل أو النفي أو الكيفية أو التحريف اللفظي أو المعنوي. من هذه الصفات ما وقع فيها الخلاف متأخراً عن القرون المفضلة من وصف الله ﵎ بالوجه أو اليدين أو العين والقدم والاصابع أو نحوها. قال الاوزاعي: كان الزهري ومكحول يقولان امروا هذه الاحاديث كما جاءت (يعني احاديث الصفات). وقال سفيان الثوري كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل (١)، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة عن أئمة الهدى في وجوب الاذعان لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وقبول ما جاء فيهما من غير تدخل للعقل في تأويل هذه الصفات، وهذه الصفات هي أكثر الصفات التي وقع الاختلاف فيها وتسمى عند اهل الكلام الصفات الخبرية أو السمعية لانها ثبتت بالخبر فقط بخلاف غيرها عندهم فانه ثابت بالسمع والعقل وهذا لا يسلم لهم بل هذه الصفات مثل غيرها وقد وقع فيها الاختلاف بين الناس على ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب أهل السنة والجماعة وهو اثباتها لله من غير تمثيل ولا تشبيه، فتصف الله بهذه الصفات على الحقيقة مع نفي مشابهتها للمخلوقين والبعد عن ما يصمه

стр. 170

المخالفون من شبهة التجسيم والتشبيه. قال الامام احمد ﵀ (التشبيه ان تقول يد كيد ووجه كوجه، فأما اثبات يد ليست كالأيدي ووجه كالوجوه فهو إثبات ذات ليست كالذوات (١) الثاني: مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم فهؤلاء أولوا فقالوا المراد بالوجه الذات وبالعين العلم واليد بالنعمه وهكذا. . وأدى بهم ذلك الظن إلى التأويل لئلا يقع التشابه بين الله وبين خلقه مع اثباتهم اسماء وصفات يشترك في بعضها المخلوقين مع الله كالعالم والقادر ونحوها. الثالث: المشبهة الذين شبهوا صفات الله بصفات خلقه وقد ظنوا ان الاتفاق في الاسماء يستلزم الاتفاق في المسميات (٢) وسنأتي على تفصيل ماورد في هذه الصفات من نصوص.

стр. 171

الوجه (١) اثبت الله ﵎ لذاته المقدسة صفة الوجه في أربع عشرة آية من القرآن الكريم فقال ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨. وقال ﴿انما نطعمكم لوجه الله﴾ الإنسان ٦، وقال ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام﴾. وقد دلت السنة على مثل ذلك، فقال ﷺ (جنان الفردوس أربع، جنتان من فضة آنيتهما ومافيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن (٢)، وفي حديث ابو موسى الاشعري رضي الله عنهقال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له ان ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (٣) وكان من دعاءه ﵊ " اسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" (٤) وقوله فيما استشهد به البخاري ﵀ فقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهلمّا نزلت هذه الآية ﴿قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ قال ﷺ (اعوذ بوجهك)، قال: (أو من تحت أرجلكم)، قال: (أعوذ بوجهك)، قال (أو يلبسكم شيعاً)

стр. 172

فقال ﵊ هذا أيسر (١)، وقد ورد مثل هذا الوصف عن صحابة رسول الله ﷺ وسلف الامة. فعن الزبير بن العوام ﵁ انه سئل بوجه الله فقال: أعطه فانه بوجه الله سأل لا بوجه الخلق. وعن القاسم بن محمد أنه سئل بوجه الله فقال لا يفلح من رّده (٢) وقال الامام ابن خزيمة ﵀: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا انا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه نقر بذلك بالسنتنا ونصدق ذلك بقلوبنا من غير ان نشبه وجه خالقنا بوجه احد من المخلوقين (٣) ومثله يروى عن الامام ابي حنيفة فقال: ما ذكره الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف (٤)، وقال الامام ابو الحسن الاشعري " فمن سألنا فقال أتقولون أن لله سبحانه وجهاً قيل له نقول ذلك خلافاً لما قاله المبتدعون (٥) وهذه الصفة يقال فيها ما يقال في الصفات التي تسمى عند المتكلمين الصفات الخبرية فمنهم من نفاها كالجهمية والمعتزلة ومنهم من يتأول هذه الصفات ومنهم من يثبت ماورد في القرآن دون الحديث ويدخل في هذه الاقسام الاخيرة غالب الصفاتية وعلى رأسهم الكلايبيه ومن تبعهم، فمن نفى هذه الصفة فالنصوص الكثيرة التي سبق شيء منها يرد عليه ومن أولها فهو لا يخرج عن وصف الوجه بأن المراد به (ذاته أو نفسه وبالنعمة وبالاعمال الصالحة

стр. 173

وبالقبلة) (١) وهنا يظهر أن الذين أولوا هذه الصفة اختلفوا فيما بينهم على تأويلها بل لا تجد فرقتين متفقتين بل في الفرقة الواحدة تجد الإختلاف، ويلزم من تأويل من تأول الوجه انه بهذه التأويلات مخلوق لان النعمة والقبلة والاعمال الصالحة مخلوقة، والبخاري رحمه الله تعالى بوب بآية القصص وهي ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨. وبحديث (أعوذ بوجهك) فأثبت الوجه لله ثم بيّن أن وجه الله لا يكون مأولاً لأن تأويله بمخلوق يجعله مخلوقاً فأورد حينئذ الاستعاذة به والاستعاذة لا تكون بمخلوق، وهذا غاية الفقه. قال ابن بطال: في هذه الآية والحديث دلالة على ان لله وجهاً وهو من صفات ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين. (٢) وقد يرد الوجه في القرآن ويراد به الثواب أو غيره، قال الامام ابن مندة في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ القيامة ٢٣، قال: اجمع اهل التأويل كابن عباس وغيره من الصحابة ومن التابعين محمد بن كعب وعبد الرحمن بن سابط والحسن بن ابي الحسن وعكرمة وابو صالح وسعيد ابن جبير وغيرهم ان معناه إلى وجه ربها ناظرة. (٣) وقال: وأما الذي بمعنى الثواب فكقول الله ﴿انما نطعمكم لوجه الله﴾ الانسان ٩ وقوله ﴿ولاتطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ الانعام ٥٢. (٤) وقد ورد عن بعض السلف كمجاهد وغيره تفسير الوجه بمعنى القبلة وهذا في موضع واحد هو قوله ﴿فاينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٥) البقرة ١١٥، فان هذه الآية اختلف فيها هل هي من آيات الصفات أم لا وسواء حصل الاختلاف ام لا، فهل يصح ان يقال ذلك في بقية المواضع التي ذكر فيها الوجه؟ وقد اطال ابن القيم في مختصر الصواعق في بيان هذه المسألة من اثنين وعشرين وجهاً (٦) وقد أورد الامام البخاري ﵀ آية القصص في كتاب التفسير فقال (كل شيء هالك إلاّ وجهه) إلاّ ملكه ويقال: إلاّ ما أريد به وجه الله فهل أول البخاري هنا؟ أو هل رضي بالتأويل؟ والجواب: أن البخاري لا ريب ممن يثبت صفة الوجه لله ﵎ على الحقيقة ويدل على ذلك انه أوردها مبوباً لها في كتاب التوحيد وهو مظنة هذه الامور الاعتقادية، ثم اتبعها بحديث (أعوذ بوجهك) فلا إشكال في إثباته للوجه صفة لله، وأما قوله إلاّ ملكه أو ما أريد به وجه الله فقد أوردها في كتاب التفسير عند تفسير سورة القصص، ومعلوم انه يريد بذلك ان هذا من تفسيرها التي تفسر به والذي يلاحظ ان البخاري ينقل عن أئمة اللغة والسلف معاني التفسير خاصة الفراء وابي عبيدة معمر بن المثنى، وقد فهم بعض شراح البخاري ان هذا تأويل منه واحتج بان قوله إلاّ ملكه غير مستقيم لان معنى الآية يكون حينئذٍ (كل شيء هالك إلاّ كل شيء) فان كل شيء ملكه (٧) ولكن البخاري هنا ﵀ مشى على منهجه في كتاب التفسير وهو ايراد معاني الآية فان قوله (إلاّ ما اريد به وجهه) مروي عن ابن عباس ومجاهد وسفيان كما في الدرر المنثور (٨) وذكر ابو عبيدة (٩) في مجاز القرآن والفراء (١٠)

стр. 174

في معاني القرآن (١) ان معناها (إلاّ هو) وقال ابن كثير (إلاّ اياه) ثم ذكر ان لا منافاة بين القولين، فقول مجاهد والثوري ومن وافقهما اخبار عن كل الاعمال بانها باطلة إلاّ ما اريد بها وجه الله من الاعمال الصالحة المطابقة للشريعة والقول الآخر مقتضاه ان كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلاّ ذاته تعالى فانه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. (٢) وقد نبه الحافظ ان في بعض روايات البخاري انه قال: قال معمر وهي رواية النسفي وهذا وهم فليس في كتاب معمر هذا اللفظ كما تقدم. ولفظ (إلاّ ملكه) ذكره غير واحد من السلف كما نقله شيخ الاسلام في الفتاوى عن الامام طاووس بن كيسان (٣) قوله (إلاّ ملكه) (٤) فالبخاري ناقل عن امام من أئمة السلف وهذه طريقته، فهذا من معاني قوله إلاّ وجهه وهذا الذي فهمه المفسر أبو حيان في تفسيره فقال (إلاّ ملكه) يفسرها قول الله حين ينفخ في الصور فتهلك جميع الخلائق فيقول ﴿لمن الملك اليوم﴾ (٥) غافر ١٦، وقال شارح الطحاوية في رده على الجهمية في استدلالهم بهذه الآية على عدم وجود الجنة والنار الآن، قال: فلم توفقوا أنتم ولا اخوانكم لفهم معنى الآية وإنما وفق لذلك أئمة الاسلام فمن كلامهم: ان المراد

стр. 175

كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء وكذلك العرش فانه سقف الجنة وقيل المراد إلاّ ملكه وقيل إلاّ ما أريد به وجهه. (١) وقال الطبري في قوله تعالى ﴿لمن الملك اليوم. .﴾، يعني يقول الله لمن الملك فترك ذكر ذلك استغناء لدلالة الكلام عليه. (٢) وعلى هذا يزول الاشكال في هذه المسألة فليس السلف هنا يقولون بان ظاهر الآية ممتنع أو ينفونها ولكن هنا استعمل التأويل على أصله الصحيح وهو التفسير ومعرفة المعنى وهو ما يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة التابعين وتابعيهم والمعرفة بأساليب اللغة العربية وليس إلى ما ذهب اليه المتكلمون وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناً آخر مع عدم اثبات الصفة أوصلهم إلى ذلك إلاّ لتقديمهم آرائهم على نصوص الوحي وجعلوها ميزاناً يوزن به كلام الله ورسوله فما وافق موازينهم قبلوه وما خالفها أولوه أو ردوه. فيثبت عندهم اللفظ ويصح النص ثم يحرفونه وهو ما يسمونه تأويلاً.

стр. 176

ولأهمية هذه المسألة انقل قواعد لشيخ الاسلام موضحة لمثل هذه المسألة قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى وبصرف الكلام عن ظاهره إذ لا محذور في ذلك عند أحد مناهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه لأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي, والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين والله اعلم ٠٠ (١) وقال ﵀: وهذا التوحيد وتفسيره المذكور فى قوله (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) هو نحو مما ذكر فى قوله تعالى ﴿كل شئ هالك الا وجهه﴾ بعد قوله ... ﴿فلا تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت اليك وادع الى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله الها آخر لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون﴾ فإن ذكره ذلك بعد نهيه عن الاشراك وأن يدعو معه الها آخر وقوله لا اله الا هو يقتضى أظهر الوجهين وهو أن كل شئ هالك الا ما كان لوجهه من الأعيان والاعمال وغيرهما روى عن أبي العالية قال الا ما أريد به وجهه وعن جعفر الصادق الا دينه ومعناهما واحدوقد روى عن عبادة بن الصامت قال يجاء بالدينا يوم القيامة فيقال ميزوا ما كان لله منها قال فيماز ما كان لله منها ثم يؤمر بسائرها فيلقى فى النار وقد روى عن على ما يعم ففى تفسير الثعلبى عن صالح بن محمد عن سليمان ابن عمرو عن سالم الافطس عن الحسن وسعيد بن جبير عن على بن أبى طالب أن رجلا سأله فلم يعطه شيئا فقال أسألك بوجه الله فقال له

стр. 177

على كذبت ليس بوجه الله سألتنى انما وجه الله الحق ألا ترى الى قوله كل شئ هالك الا وجهه يعنى الحق ولكن سألتنى بوجهك الخلق وعن مجاهد الا هو وعن الضحاك كل شئ هالك الا الله والجنة والنار والعرش وعن ابن كيسان إلا ملكه وذلك أن لفظ الوجه يشبه أن يكون فى الاصل مثل الجهة كالوعد والعدة والوزن والزنة والوصل والصلة والوسم والسمة لكن فعله حذفت فاؤها وهى أخص من الفعل كالآكل والإكلة فيكون مصدرا بمعنى التوجه والقصد كما قال الشاعر أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد اليه الوجه والعمل ثم أنه يسمى به المفعول وهو المقصود المتوجه اليه كما فى اسم الخلق ودرهم ضرب الأمير ونظائره ويسمى به الفاعل المتوجه كوجه الحيوان يقال أردت هذا الوجه أى هذه الجهة والناحية ومنه قوله ولله المشرقوالمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله أى قبلة الله ووجهة الله هكذا قال جمهور السلف وان عدها بعضهم فى الصفات وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر وذلك أن معنى قوله أينما تولوا أى تتولوا أى تتوجهوا وتستقبلوا يتعدى الى مفعول واحد بمعنى يتولاها ونظير ولى وتولى قدم وتقدم وبين وتبين كما قال لا تقدموا بين يدى الله ورسوله وقال بفاحشة مبينة وهو الوجه الذى لله والذى أمر الله أن نستقبل فان قوله ولله المشرق والمغرب يدل على أن وجه الله هناك من المشرق والمغرب الذى هو لله كما فى آية القبلة سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء الى صراط مستقيم فلما سألوا عن سبب التولى عن القبلة أخبر أن له المشرق والمغرب وأما لفظ وجهة مثل قوله ولكل وجهة هو موليها فقد يظن أيضا أنه مصدر كالوجه كالوعدة مع الوعد وانها تركت صحيحة فلم تحذف فاؤها وليس كذلك

стр. 178

لأنه لو كان مصدرا لحذفت واوه وهو الجهة وكان يقال ولكل جهة أو وجه وإنما الفعلة هنا بمعنى المفعول كالقبلة والبدعة والذبحة ونحو ذلك فالقبلة ما استقبل والوجهة ما توجه اليه والبدعة ما ابتدع والذبحة ما ذبح ولهذا صح ولم تحذف فاؤه لأن الحذف إنما هو من المصدر ... ٠٠. الخ كلامه. (١) وقال ﵀: فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة وظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك؛ بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات. كقوله تعالى: ﴿على ما فرطت في جنب الله﴾. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه. وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية وهذا موجود في أمر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات. وأنا أذكر لهذا مثالين نافعين (أحدهما صفة الوجه فإنه لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية والأشعرية والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها. (مثال ذلك قوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها " أولئك " كابن خزيمة مما يقرر إثبات الصفة وجعل " النافية " تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع. (٢) المطلب الثاني: ما ورد في العين ذكر الله ﵎ صفة العين فقال ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه ٣٩ وقال ﴿فانك باعيننا﴾ الطور ٤٨ وقال ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ هود ٣٧ وكذلك جاء إ ثبات هذه الصفة في السنة النبوية. ففي حديث ابن عمر قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال: (ان الله لايخفى عليكم ان الله ليس بأعور - واشار بيده إلى عينه - وان المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية) ويقال في هذه الصفة ما يقال في الصفات الخبرية التي ثبتت بالسمع من الايمان بها على الوجه اللائق به تعالى فهذا الذي فهمه سلف الامة. فقد فسر ابن عباس قوله (باعيننا) أنه اشار إلى عينيه وقد مرّ معنا حديث ابي هريرة حين تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى ﴿وكان الله سميعاً بصيراً﴾ النساء ١٢٤، فوضع ابهامه على اذنه واصبعه التي تليها على عينه قال ابو هريرة رضى الله عنه: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. (٣) وقد ذكر ذلك غير واحد من السلف وتصريحهم بهذا (٤) وبوب الامام الاشعري في الابانة فقال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين، ثم ذكر الادلة على ذلك. وصرح ﵀ حين ذكر جملة من أقوال اصحاب الحديث والسنة وان من عقيدتهم اثبات ان لله عينين بلا كيف (٥) وهذا هو فعل البخاري ﵀ فقد أورد الآيات الدالة على اثبات هذه الصفة فقد جاءت في القرآن مفردة مضافة إلى الضمير وجاءت مجموعة مضافة إلى ضمير الجمع، قال ابن القيم " ذكر العين مفردة لا يدل على انها عين واحدة ليس إلا قولك افعل هذا على عيني لا يريد ان له عيناً واحدة ولما اضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهراً أو مضمراً

стр. 179

حسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله تعالى ﴿تجري باعيننا﴾ القمر ١٤ وقوله ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ هود ٣٧ (١) ومايذكره المفسرون من تفسير لمعاني الآيات التي يستشهد بها على اثبات صفة العين لا يلزم منه انكار هذه الصفة فقوله ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ بان معناها: بمراى منا وحراستنا وحفظنا لك وقوله ﴿ولتصنع على عيني﴾ بمعنى لتربى بمراى ومنظر مني، وقوله: ﴿فانك باعيننا﴾ أي بمراى منا وتحت كلاءتنا (٢) فهذه المعاني معانٍ صحيحة وهي بماذكر دالة على اثبات العين اذا انها تصح نسبة العين إلى ما ليس من شأنه ان يكون له عين والسياق بيّن ذلك بمن اضيفت اليه، كما قال ابن جرير تجري باعيننا (تجري السفينة التي حملنا نوحاً فيها بمراى منا ومنظر (٣) هذا الذي فهمه السلف ومنهم البخاري ﵀، ثم استشهد ﵀ باحاديث الدجال وفيه (ان ربكم ليس باعور) و (ان الله ليس باعور). قال الدارمي في رده على بشر المريسي " ففي تأويل قول رسول الله ﷺ " ان الله ليس باعور " بيان انه بصير ذو عينين خلاف الاعور ". (٤) قال ابن المنير " وجه دلالة الحديث على اثبات العين لله من جهة ان العور عرفاً عدم العين وضد العور ثبوت العين فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها وهو وجود العين (٥)، وعلى هذا نثبت العينين لله ﵎ كما قال ابن خزيمة " بين النبي ﷺ ان لله

стр. 180

عينين فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التنزيل (١) وقد تقدم الرد على من يؤل هذه الصفة في اثبات البصر لله ﵎. المطلب الثالث: ما ورد في اليدين والأصابع (٢) من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة اليدان قال تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة ٦٤ وقال تعالى ﴿ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص ٧٥ وقال ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر ٦٧ وقال ﴿يد الله فوق ايديهم﴾ الفتح ١٠. وقال ﴿بيده الملك﴾ تبارك ١ وقال ﴿بيدك الخير﴾ آل عمران ٢٦. وقال ﵊ كما في البخاري من حديث طويل وهو محاجة آدم وموسى وفيه: يا آدم انت ابونا خلقك الله بيده) وفيه (أنت موسى كلمك الله تكليماً وخط لك التوراة بيده)، فاليد في ما سبق من النصوص هي يد حقيقية على ظاهرها خلافاً لمن أولها من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم. قال الامام المقدسي (٣) في كتابه الصفات: فلا نقول يد كيد ولا نكيف ولا نشبه ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول اهل التعطيل والتأويل بل نؤمن بذلك ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ثم قال ولا يصح حمل اليدين على القدرتين فان قدرة الله واحدة ولا على النعمتين فان نعم الله لا تحصى كما قال سبحانه ﴿وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ابراهيم ٣٤. (٤)
следующие страницы →