← Акыда

Акыда · id 142136

مسائل العقيدة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري

يوسف الحوشان

Полный текст (251 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأولى: قول بعضهم إن أول واجب الشك إذ هو اللازم عند وجوب النظر والقصد إلى النظر وإليه أشار الإمام الجو يني بقوله " ركبت البحر الأعظم وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرار من التقليد والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف. ثانيهما: قول جماعة منهم أن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه حتى لقد أُورِدَ على بعضهم: أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك فقال: لا تشنِّع علي بكثرة أهل النار. (١) فلماذا ليس النظر ولا القصد إلى النظر؟ الصحيح أن القرآن يعرض النظر ولكن لمن يحتاج إليه، أمّا النظر المنهي عنه هو النظر المؤسس على الآراء الفلسفية كالجوهر والعرض وغيرها، قال شيخ الإسلام: ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذاً في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات هل هو النظر أو القصد أو الشك أو المعرفة؛ صار كثير من المنتسبين للسنة يوافقونهم على ذلك. (٢) فتبين أن هذه المقالة من موروثات بدع الجهم التي تقاسمتها الفرق بعده وصدق فيهم قول ابن القيم ﵀ في نونيته: ولذا تقاسمت الطوائف قوله ... وتوارثوه إرث ذي السهمان لم ينج من أقواله طرفاً سوى ... أهل الحديث وشيعة القرآن. (٣) وممن صرح بأنها من قول الجهم الإمام السُجزي (٤) في رسالته في الحرف والصوت فقال "وهو من أفظع الأقاويل وهو قول الجهم". (٥)

стр. 72

وقال شيخ الإسلام: هذا القول هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام وإنما قاله من قاله من الأشعرية موافقة لهم، ولهذا قال أبو جعفر السمناني: القول بإيجاب النظر بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة وهؤلاء الموجبون للنظر يبينون ذلك على أنه لا يمكن حصول المعرفة الواجبة إلا بالنظر لا سيما القدرية منهم فإنهم يمنعون أن يثاب العباد على ما يخلق فيهم من العلوم الضرورية وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم بل هم متنازعون في ذلك. (١) قال الغزالي ﵀" أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين. (٢) وفي حديث الباب وحسن إيراد البخاري له - رحمة الله - الدليل على أن أول الواجبات التوحيد. فقوله ﷺ [أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله] بينتها الرواية الثانية (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله) وقوله (فإذا عرفوا ذلك) ليس فيه دليل لمن يوجب المعرفة أولاً بل الفعل متعلق بالدعوة، أي إذا عرفوا ما تدعوهم إليه فأخبرهم. . . الحديث. وهذا يعرف من حال الرسول ﷺ الذي هداه الله ﵎ بنص الوحي فقال: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحنا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ الشورى ٥٢ - ٥٣.

стр. 73

ونظيره قوله تعالى: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وأن اهتديت فبما يوحي إلى ربي﴾ سبأ ٥٠. " ففي هاتين الآيتين يبين الله سبحانه أن الإيمان والهدى حصل بالوحي النازل لا بمجرد العقل الذي كان حاصلاً قبل الوحي". (١) وانظر إلى فعله ﷺ مع عمه أبي طالب قبل موته قال له: "يا عم قل كلمة أحاج لك بها عند الله" (٢) فكان يكتفي منه بذلك، وهذا فعل الصحابة أسلموا كباراً وصغاراً بادية وحضراً أحراراً وعبيداً مع اختلاف عقولهم فهماً وإدراكاً لم ينقل عن واحد منهم أنه طُلب منه النظر والاستدلال على طريقة المتكلمين فلو كان الأمر على ما زعموا وألزموا الناس به فكيف كانت دعوة معاذ لأهل اليمن؟ بإثبات وجود الرب وحدوث العالم؟ أم هل كان بدليل التمانع أو الأعراض أو حدوث الأجسام؟ أم بأي دليل غير: قل لا إله إلاّ الله وأسلم تسلم. وننبه هنا مرة أخرى على أننا لا نعترض على النظر الذي وردت النصوص بالأمر به ولكن الاعتراض على النظر المؤسس على الآراء الفلسفية والطرق الكلامية الذي يحصل بعدم تطبيقها تكفير لعامة المسلمين ولمن لم يطبق هذه الأساليب وقد نكون أنا وأنت منهم أيها القارئ. وأمّا الأدلة التي يحتج بها الموجبون للنظر فليست لكل أحد. قال شيخ الإسلام: تعليقاً على أدلة الموجبين للنظر [سورة ليس فيها أن النظر أول الواجبات ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس وهذا موافق

стр. 74

لقول من يقول أنه واجب على من لم يحصل الإيمان إلا به بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجباً إلا به وهذا أصح الأقوال. (١) إذن من حصل له ما يفسد فطرته فيحتاج إلى نظر يحصل له به معرفة الرب وهذا أمرٌ ليس على القاعدة المطردة، أن معرفة الرب أمرٌ فطري، وأما الأصل فأول واجب هو شهادة ألا إله إلا الله.

стр. 75

الفصل الثالث: الأسماء الحسنى المبحث الأول: إثبات الأسماء الحسنى المطلب الأول: إثباتها وأقسامها الاسم مشتق من السمو والرفعة (١) وورد إثبات لفظ الاسم لله ﵎، على وجه التفصيل فمما ورد في إثبات لفظ (الاسم) في القرآن ونسبته إلى الله قوله تعالى، ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ الأعراف ١٨٠، وقوله، ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ طه ٨ وقوله، ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ الأعلى ١. ومن الأحاديث " اللهم باسمك أموت وأحيا"، " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء" وكذلك ورد الإثبات المفصل لأسماء الله الحسنى في الكتاب والسنة كآخر سورة الحشر ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس﴾ الحشر ٢٣. وختام كثير من الآيات يكون بهذه الأسماء ﴿إنه هو العزيز الحكيم﴾ العنكبوت ٢٦، ﴿والله غني حليم﴾ البقرة ٢٦٣، ﴿إن الله كان عليماً حكيماً﴾ النساء ١١. ومن السنة قوله ﷺ "إن الله جميلٌ يحب الجمال" (٢) وقوله " إن الله هو السلام". (٣) فهذه أدلة صريحة على إثبات صحة نسبة الاسم لله ﵎. (٤) ويذهب السلف الصالح إلى وجوب إثبات أسماء الله إثباتاً حقيقياً بألفاظها ومعانيها سواءً ما جاء به القرآن أو ما قاله الرسول ﷺ ، قال تعالى، ﴿ولله الأسماء

стр. 76

الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف ١٨٠، وقال جل شأنه، ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ الإسراء ١١٠. وقد أنكرها الجهمية ونفوها عن الله تعالى، وزعموا أنه لا يجوز تسمية الله باسم يصح إطلاقه على المخلوق، مدعين أن ذلك يقتضي التشبيه، لأجل هذا أثبتوا بعض الأسماء التي رأوا أنها لا يجوز أن تكون مشتركة بين الخالق والمخلوق، كالمحيي والمميت والخالق والقادر. . مع أنهم يطلقون الأسماء كلها على الله على جهة المجاز. قال ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- في الرد عليهم، " وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض اسامي الله تعالى بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال، أنكم شبهتم الله بخلقه إذا أوقعتم بعض اسامي الله تعالى على بعض خلقه. وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف أو محوها من صدور أهل القرآن أو ترك تلاوتها، أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه ﷺ أنه الملك وسمى بعض عبيده ملكاً، وأخبرنا أنه السلام وسمى تحية المؤمنين بينهم سلاماً في الدنيا وفي الجنة فقال، ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ الأحزاب ٤٤. وأعلمنا أنه المؤمن وسمى بعض عباده مؤمناً فقال، ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (١) الأنفال ٢. فكل ما مضى عليه كتاب الله وحديث رسوله ﷺ وجب الإيمان به، فمن أنكر أو ألحد فإنه يخشى عليه من الكفر بعد ثبوت الحجة عليه، كما قال الإمام الشافعي ﵀، (لله تعالى أسماء وصفات جاء بها في كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ لا يسع أحداً من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردَّها لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسوله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك

стр. 77

بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية ولا بالفكر. (١) ويقسم بعض العلماء الأسماء الإلهية من حيث ورودها إلى ثلاثة أقسام، أولاً، الأسماء المفردة كالرحمن، والرحيم، والسميع، والعليم، ونحو ذلك. وهي على أوجه، - فمنها ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير. - ومنها ما يرجع إلى أفعال الرب ﵎ مثل الخالق، الرزاق. - ومنها ما يرجع إلى تنزيه محض، ولابد من تضمنه ثبوتاً إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس، والسلام. - ومنها الاسم الدال على جملة أوصاف عددية لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد مثل (المجيد، العظيم، الصمد). (٢) ثانياً، الأسماء المتقابلة، - كقولنا الظاهر والباطن والقابض والباسط والمعز والمذل والضار والنافع لأن إطلاق واحد من غير ما يقترنه يوهم نقصاً تعالى الله عنه، فلا يطلق المانع والقابض والمذل على انفراد كل واحد فيما يقابله، فهي لم ترد في الوحي إلا كذلك. (٣)

стр. 78

- والجمع بينهما يكون وصف مدح إذ يدل على أن طرفي الأمور بعيدة كما قاله الغزالي في المقصد الأسنى. (١) - وقال الإمام الخطابي -رحمه الله تعالى-، " وإذا ذكرت القابض مفرداً عن الباسط كنت قد قصرت الصفة على المنع والحرمان وإذا أوصلت أحدهما بالآخر فقد جمعت بين الصفتين منبئاً عن وجه الحكمة فيهما. (٢) - ثالثاً، الأسماء المضافة إليه- تعالى-، وهي نوعان، - الأول، المضافة إلى الخلق (كرب العالمين، مالك يوم الدين، رب العرش) ونحوها. - الثاني، المضافة إلى لفظ (ذو) نحو " ذو الطول، ذو الجلال والإكرام، ذو القوة المتين، ذو العرش المجيد". - وورد عدة تقسيمات أخرى لا يخلو بعضها من تكلف، عدها بعضهم خمساً وبعضهم عشراً. (٣) وجمهور أهل السنة أن أسماء الله توقيفية لا يجوز تسميته بما لم يرد به السمع، وذلك أن أسماء الله وصفاته من الأمور الغيبية التي لا يمكن لنا أن نعرفها إلا عن طريق الرسل الذين يطلعهم الله على ما يشاء من الغيب، ثم هم (يبلغونه للناس)، ولا يجوز القياس فيها، أو الاجتهاد؛ ولأن هذا هو الطريق الصحيح والوحيد لمعرفة توحيد الله ، وأسماءه وصفاته،

стр. 79

وهو الاعتماد على الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه وأمره باتباعه، قال تعالى، ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ محمد ٩، وقال تعالى، ﴿وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي﴾ سبأ ٥٠. قال الزجاج، " لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه". (١) وقال الخطابي، "ومن علم هذا الباب، أعني الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام. (٢) وقال ابن قدامة (٣)، "ومذهب السلف -رحمة الله عليهم- الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها (٤) ". وقد خالف بعض المعتزلة أهل الحق في هذا الباب وقالوا، أن العقل دال على جواز تسمية الله باسم، وأن الأسماء مأخوذة من الاصطلاح والقياس. وكان الجبائي (٥) يقول، أن العقل إذا دل على أن الباري عالم، فواجب أن تسميه عالم، وإن لم يسم نفسه بذلك إذا دل العقل على المعنى وكذلك في سائر الأسماء. (٦)

стр. 80

ومناظرة الأشعري للجبائي في هذا مشهورة والتي قال في آخرها الجبائي، لم منعت أنت أن يسمى الله عاقلاً وأجزت حكيماً؟ فقال، لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الأذن الشرعي دون القياس اللغوي. (١) وقد قدمنا الأدلة على التوقيف في إطلاق الأسماء على الله لأنها من الأمور الغيبية والتي لا مجال للعقل فيها قال ﷺ ، " لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٢) والتسمية من الثناء فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلا التصديق والوقوف عند النصوص. (٣)

стр. 81

المطلب الثاني: دلالة الأسماء الحسنى على الذات يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- " إن كل اسم من أسماء الله فإنه يستلزم معنى الآخر، فإنه يدل على الذات، والذات تستلزم معنى الاسم الآخر (١) ". ومعرفة دلالة اللزوم من أنفع العلوم وأدقها ولكن يتفاوت الناس في معرفتها. قال ابن القيم ﵀، "يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه ومن هنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام، فإنه من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة، وأن السمع والبصر لازم للحياة الكاملة، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة، أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها، وكذلك سائر صفاته، فإن اسم الله العظيم له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها (٢) ". ودلالة أسماء الله على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وبالالتزام، ومثال ذلك (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام، ولهذا لما ذكر الله خلق السموات والأرض، قال، ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ (٣) الطلاق ١٢. وهذا كما نبه العلماء من العلم الرباني الذي يجب العناية به من طالب العلم والعناية بالتفكر فيه، كيف لا. وهو في أسماء الرب ﵎.

стр. 82

المبحث الثاني: الاسم والمسمى وأما مسألة الاسم والمسمى وهل هو عين المسمى أم لا؟ فهي مسألة حادثة في آخر القرون المفضلة وهي ناتجة عن الخلاف مع المعتزلة في عهد الإمام أحمد. وهي أحد فروع مسألة خلق القرآن. فلما قال المعتزلة أن القرآن مخلوق اطرد ذلك عندهم إلى القول أن الأسماء مخلوقة وهي غير المسمى فجاء رد السلف عليهم. وأول من رد عليهم الإمام أحمد ﵀ وإن كان شق عليه ذلك لعظم الكلام في مسألة حادثة. قال الإمام الطبري ﵀، "وأما القول في الاسم هل هو المسمي أم هو غيره فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيها شين والصمت عنها زين. (١) وقال " ثم حدث في زماننا حماقات خاض فيها أهل الجهل والعناد ونوكى (٢) الأمة والرعاع يتعب إحصاؤها ويُمل ويكثر تعدادها، منها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره". (٣) وهذا هو رأي الغزالي ﵀ في المسألة إذ يقول إن مسألة الاسم والمسمى طويلة الذيل قليل النيل قليلة الجدوى. (٤)

стр. 83

وقد أمسك بعض السلف عن هذه المسألة فهذا الإمام إبراهيم الحربي (ت ٢٨٥ هـ) وكان من أخص الناس بالإمام أحمد ﵀ روى عنه الذهبي بسنده إلى إبراهيم الحربي قال ولم يكن في وقته مثله يقول وقد سئل عن الاسم والمسمى، لي مذ أجالس أهل العلم سبعون سنة ما سمعت أحداً منهم تكلم في الاسم والمسمى. (١) وفي موضع آخر، أن أبا طاهر المخلص قال سمعت أبي سمعت إبراهيم الحربي وقد وعدنا أن يملي علينا مسألة في الاسم والمسمى وكان يجتمع في محله ثلاثون ألف محبرة وكان إبراهيم مقلاً وكانت له غرفة يصعد فيشرف منها على الناس فيها كوة إلى الشارع فلما اجتمع الناس أشرف عليهم فقال لهم، قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى ثم نظرت فإذا لم يتقدمني في الكلام فيها إمام نقتدي به فرأيت الكلام فيه بدعة فقام الناس وانصرفوا، وحين سأله أحدهم عن هذه المسألة قال، ألم تحضر مجلسنا بالأمس، قال، بلى، قال، أتعرف العلم كله، قال، لا، قال، فاجعل هذا مما لم تعرف. (٢) وسبب هذه المسألة مقولة الجهمية والمعتزلة في أن أسماء الله مخلوقة فيقولون الاسم غير المسمى أو أسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق. وهؤلاء هم الذين أنكر عليهم الأئمة. أما ما حدث بعدهم هل هو هو أو هو غيره أو لا يقال هو هو ولا هو غيره أو يفصل في ذلك فهذا اشتهر بعد الأئمة بعد أحمد وغيره كما يذكر ذلك ابن تيمية. (٣) وتوضيح هذا الأمر كما يلي،

стр. 84

ذهبت الجهمية والمعتزلة إلى أن الاسم غير المسمى وأن أسماء الله تعالى مستعارة مخلوقة من وضع البشر وهي ليست توقيفية، قال القاضي عبد الجبار، "اعلم أن جميع ما ذكرناه في الدلالة على حسن إجراء الاسم على المسميات من غير إذن يدل على حسن إجرائها على القديم تعالى ذكره من غير إذن" وقال، "إن استعمال الأسماء والأوصاف يحسن من جهة اللغة وإن لم يرد بها التوقيف، وإذا صح ذلك صارت اللغة هي الأصل فيه. (١) وسلفه في ذلك بشر المريسي إذ قال " إن أسماء الله غير الله، مستعارة، مخلوقة، كما أنه قد يكون شخص بلا اسم فتسميته لا تزيد في الشخص ولا تنقص (٢)، وعلَّة الجهمية ومن وافقهم هنا اتفاقهم على استحالة إثبات اسم لله تعالى بدون ألا يكون له صفة في الأزل. والصفات غير الموصوف، فلو كان متصفاً بصفات أزلاً للزم تعدد القدماء ومن هنا قالوا هي مستعارة مخلوقة وأنها لم تزده شيئاً كما إن الاسم لا يزيد مسماه ولا ينقص منه. وقد ناقش أئمة السلف ﵏ هذه الدعاوى. واشتد إنكارهم على من ادعى أن أسماء الله مخلوقة قال الإمام الشافعي ﵀، إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة. (٣) وقال الأصمعي إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاحكم أو قال فاشهد عليه بالزندقة لفظهما سواء. (٤)

стр. 85

وقال إبراهيم بن هاني سمعت أحمد بن حنبل وهو مختفٍ عندي، فسألته عن القرآن، فقال، من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهذا كافر. (١) ومثله عن الإمام إسحاق بن راهويه (٢) قال، أفضوا إلى أن قالوا، أسماء الله مخلوقة لأنه كان ولا اسم وهذا الكفر المحض لأن لله الأسماء الحسنى فمن فرق بين الله وبين أسمائه أو بين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقاً كله والله خالقها فقد كفر. (٣) وقال أبو الحسن الأشعري ﵀، " من زعم أن أسماء الله غيره فهذا ضال" (٤)، وقال أبو داود صاحب السنن “من زعم الاسم غير المسمى، فقد زعم أن الله غير الله وأبطل في ذلك". (٥) وقد توسع في الرد عليهم عقلياً الإمام الدارمي (٦) ﵀ في رده على بشر المريسي العنيد. ومثله الإمام اللالكائي (٧) في شرحه لأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ألزموهم بعدة لوازم باطلة، إذا كان الاسم غير المسمى منها، ١ - إن من أعظم الشرك أن يقال اعبدوا الله اسماً مخلوقاً في قوله تعالى، ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ النساء ٣٦. فتكون العبادة للاسم.

стр. 86

٢ - إن الآيات كثيرة بالأمر بذكر الله على الذبائح وغيرها ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ الأنعام ١١٨، وعلى قولهم لو ذكر اسم زيداً وعمرو أو اللات أو العزى فإنه يجزيه لأن هذه الأسماء مخلوقة كما إن أسماء الله عندهم مخلوقة. ٣ - يلزم على قولهم أن يقول المؤذن أشهد أن الذي اسمه الله لا إله إلا هو أشهد أن الذي اسمه محمد رسول الله. ٤ - ويلزم أن الناس يحلفون بغير الله فيحلفون باسمه المخلوق على زعمهم أن الاسم غير المسمى. (١) والحاصل أن السلف ﵏ شق عليهم الكلام فيه. فمما روي عن أحمد أنه كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى، أو يقول هذا كلام محدث ولا يقول أن الاسم غير المسمى، ولا هو هو ولكن يقول، إن الاسم للمسمى إتباعاً لقوله تعالى، ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف ٧، ولأنها عنده أعلام على المسميات، فلذلك قال هي له. (٢) ونقل عنه في موضع آخر، أنه عظم عليه الكلام في الاسم والمسمى وتكلم أصحابه في ذلك فمنهم من قال، الاسم للمسمى أو منهم من قال، الاسم هو المسمى، والذين طلبوا السلامة أمسكوا وقالوا لا نعلم. (٣) فالخلاف في هذه المسألة بينهم على أقوال منها،

стр. 87

١ - الإمساك عن هذا القول نفياً وإثباتاً كما هو الحال في المروي عن الشافعي وإبراهيم الحربي. ٢ - أن الاسم هو المسمى، وهو قول أبي قاسم الطبري، ومعمر بن المثنى (١) وابن فورك والبغوي واللالكائي والحارث المحاسبي (٢)، ومرادهم أن اللفظ هو التسمية والاسم ليس هو اللفظ بل هو المراد باللفظ. ٣ - أن الاسم للمسمى وهو قول أكثر أهل السنة في مقدمتهم الإمام أحمد والإمام الطبري وغيرهم، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام وساق أدلتهم. وهذا القول لا يخالف الكتاب والسنة، ويدل عليه قوله تعالى، ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ الأعراف ١٨٠. ومن السنة " أن لله تسعة وتسعين اسماً"، وقوله، " أن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي وأنا الحاشر". (٣) فهذه النصوص تدل على أن الاسم للمسمى ويدل عليه. وهذا القول موافق لمنهج أهل السنة والجماعة في عدم إطلاق الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة التي هي محتملة لمعنيين صحيح وباطل. فإذا سئل أهل هذا القول عن الاسم أهو المسمى أم غيره، أجابوا بجوابين، الأول، أن هذه المسألة حادثة لم ترد في الكتاب والسنة، ولم ترد عن السلف الصالح. الثاني، أن هذا السؤال فيه إجمال فلا يجاب بإطلاق إنما يفصل في ذلك، ويقال، "الاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى. فإذا قلت، قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه. وإذا قلت الله، اسم عربي، والرحمن اسم عربي،

стр. 88

والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال. فإذا أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله. (١) والبخاري ﵀ في صحيحه سار على منهج السلف الصالح من أن النصوص الدالة على أن الاسم للمسمى من غير أن يدخل في تفصيل ذلك، فبوب بقوله باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، وأورد فيه حديث الذكر عند النوم "بسمك ربي وضعت جنبي" وحديث ذكر الله على ما أرسلت إليه كلبك المعلّم، وحديث النهي عن الحلف إلا بالله. والبخاري ﵀ ساق بعض النصوص، واختلف الشراح في بيان قصده - ﵀ على عدة آراء، ١ - أنه لم يدخل أصلاً في موضوع الاسم والمسمى لأنه كان يرى رأي القائلين بعدم الخوض كمعاصره الإمام الحربي (٢) وأن الترجمة لبيان كيفية دعاء الله باسماءه. ٢ - أن الاسم للمسمى وهو ما انتهى إليه تقرير شيخ الإسلام. (٣) ٣ - أن مقصوده تصحيح القول، بأن الاسم هو المسمى كما نقله الحافظ عن ابن بطال (٤). (٥)

стр. 89

والذي يظهر والله أعلم، أن البخاري عاش هذه الفتنة وعاصر الخلاف فيها ومراده في الكتاب الرد على الجهمية والمعتزلة. وهم القائلون بأن الاسم غير المسمى، كما فصل ذلك الإمام الدارمي في رده على بشر المريسي. (١) وأبواب الكتاب تؤيد أنه يتعرض لغالب ما ظهر من بدع الجهمية والمعتزلة في وقته، والأدلة التي ساقها هي الأدلة التي يوردها أهل السنة في أن الاسم للمسمى. ومن ثم يفصلون في ذلك كما فصل هذه المسألة شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- في رسالة كاملة. (٢) ويظهر لي أن هذا مراده ﵀ خاصة أنه حين قرر الاستعاذة بالاسم فمعنى هذا صحتها كما صحت الاستعاذة بالذات وهذا هو المروي عن الشافعي. وأتبعه أيضاً بعدم الحلف إلا بالله تأكيداً لهذه المسألة وأن الاسم للمسمّى والله أعلم.

стр. 90

المبحث الثالث: عدّ الأسماء الحسنى وإحصاؤها بوب البخاري - رحمه الله تعالى- بقوله، باب (إن لله مائة اسم إلا واحداً)، ثم أورد حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال ﵊، أن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة. وهنا اختلفت عبارات العلماء وآراهم في عد الأسماء الحسنى وفي إحصاءها، أما عن عددها فالجمهور على أنها أكثر من ذلك كما حكاه الإمام النووي - رحمه الله تعالى- وقال، ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث، أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصاءها لا الإخبار بحصر الأسماء. (١) وقال الخطابي ﵀، إنما هو بمنزلة قولك أن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك، أن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أعده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب. (٢) قال شيخ الإسلام ﵀، وهو الذي عليه جمهور العلماء. (٣) ويستدل لذلك بحديث ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- فيمن أصابه هم وحزن، أن يقول، [سورة اللهم أنّي

стр. 91

عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي. إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً. (١) فمن يعلم الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده، فهذا جازم بأنها غير محصورة، وكذلك يقال أنه لم يثبت حديث صحيح صريح في تعيين هذه الأسماء التسعة والتسعين، والروايات التي تحددها هذه الأسماء قد تكلم فيها العلماء بتضعيف طرقها، وأن الراجح أن سرد الأسماء مدرج من بعض الرواة اجتهاداً، ويتضح ذلك بعد دراسة الروايات، والطرق التي سردت الأسماء الحسنى، وسأوجز نتيجة بعض الدراسات التي قام بها بعض الباحثين. (٢) فأصل الحديث في الصحيحين دون سرد الأسماء، وإما سرد الأسماء المشهور فله عدة طرق، الأولى، من طريق الوليد بن مسلم، - رواه عنه الترمذي (٣٥٧٤) وابن حبان (٢٣٨٤)، والحاكم (١/ ١٦)، والبيهقي في السنن والأسماء والصفات (صـ ١٥٥)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٣٣٠٣٢)، جميعهم من هذا الطريق. (٣) الثانية، من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، رواه ابن ماجة (٣٨٦١) مع اختلاف في سرد الأسماء ونقص وتقديم وتأخير. (٤) الثالثة، من طريق عبد العزيز بن الحصين. (٥) والأسانيد الثلاثة تكلم عنها منفردة ومجموعة علماء الحديث ونقدوها سنداً ومتناً. قال الحافظ ﵀، " واختلف العلماء في سرد الأسماء، هل هو مرفوع أم مدرج في الخبر من بعض الرواة؟ فمشى كثير منهم على الأول واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثير من هذه الأسماء كذلك، وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه، ونقله عبد العزيز النخشبي (٦) عن كثير من العلماء (٧) ". ثم توسع ﵀ في الرد على أصح الروايات في الباب، وهي رواية الوليد بن مسلم، وقال، " وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب وتدليسه، واحتمال الإدراج (٨) ".

стр. 92

وقال البيهقي ﵀ (في الأسماء والصفات)، ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري، ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح. (١) وأما من جهة المتن ففيه عدة تحفظات للأئمة على بعض الأسماء التي لا تصلح أن تكون من الأسماء الحسنى لعدم كمالها وحسنها، أو لعدم ورودها بصيغة الاسم. قال ابن عطية الغرناطي ﵀، " حديث الترمذي ليس بالمتواتر، وفي بعض الأسماء التي فيه شذوذ (٢) ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، " اسم المنتقم ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي ﷺ ". (٣) وهذا بيّن لأن صفة الانتقام لا تحمل معنى الكمال المطلق. قال ابن حجر - رحمه الله تعالى (٤) -، "والتحقيق إن سردها إدراج من بعض الرواة". وقال الصنعاني ﵀، " اتفق الحفاظ من أئمة الحديث، إن سردها إدراج من بعض الرواة (٥) ". وأما ما ورد في الترغيب في إحصاءها وأن ثوابها الجنة، فاختلفت عبارات العلماء -رحمهم الله تعالى- في تحديد معنى الإحصاء على عدة أقوال منها،

стр. 93

١ - العدّ حتى تستوفى حفظاً ثم يدعى بها، ودليل أصحاب هذا القول الرواية الثانية للبخاري في كتاب الدعوات (من حفظها دخل الجنة) فيستوفيها العبد حفظاً ويدعو بها ويثني عليه بجميعها كقوله تعالى، ﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾ الجن ٢٨، وعلى هذا القول الإمام الخطابي والنووي. (١) ٢ - المراد بالإحصاء الإطاقة كقوله تعالى، ﴿علم أن لن تحصوه﴾ المزمل ٢٠. أي لن تطيقوه، ولقوله ﵊، (استقيموا ولن تحصوا) (٢)، فيكون المعنى أن يطيق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال يا رحمن يا رحيم تذكر صفة الرحمن واعتقد أنها من صفات الله سبحانه فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته. (٣) ٣ - أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة من قول العرب، فلان ذو حصاة، أي ذو عقل، كقول طرفة، وأن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل (٤) فالمعنى من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، وعلى هذا ترجم به لهذا الحديث الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة (٥). (٦)

стр. 94

٤ - المراد بالإحصاء قراءة القرآن كاملاً، فإذا ختمه كان كمن أحصى الأسماء في أثناء الآيات أو فكأنه قال، من حفظ القرآن، قراءة فقد استحق دخول الجنة. (١) ٥ - قال الإمام ابن القيم ﵀ مبيناً معنى الإحصاء وأنه شامل لثلاثة أمور، الأول: إحصاء ألفاظها وعدها أو الإحاطة بها لفظاً. الثاني: فهم معانيها ومدلولها. الثالث: دعاء الله بها والتعبد بمقتضاها. (٢) وقال ابن بطال ﵀، " والإحصاء يقع بالقول وبالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والقدير، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الإقتداء بها في معانيها كالكريم والعفو فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأمّا الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها ولو شارك المؤمن غيره في العدد والحفظ فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها. (٣) والإمام البخاري ﵀ بوب بقوله، " باب (إن لله مائة اسم إلا واحدة) ثم أورد الحديث (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، ثم أورد الآية (أحصيناه) يس ١٢، وقال إن معناها حفظناه ".

стр. 95

والشراح للبخاري يرون في الغالب أنه يرى أن إحصاءها حفظ ألفاظها. وهذا هو المتبادر وحجتهم رواية البخاري الأخرى في كتاب الدعوات وفيها [لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة]. (١) ولكن هناك رأي معاصر للدكتور عبد الله الغنيمان الذي قال: إن عادة البخاري ﵀ التي سار عليها في كتابه أنه إذا جاء لفظ في الحديث، وفي القرآن لفظ يوافقه في اللفظ والاشتقاق أنه يذكره، وإن كان لا يوافقه في المعنى، وأمثلة ذلك كثيرة، كما قال. وعلل أن قوله: (أحصيناه) حفظناه، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ يس ١٢، وقد فسره البخاري ﵀ في كتاب التفسير عند سورة (يس) بنفس التفسير. (٢) ثم ذكر التعليل لذلك من قول الأصيلي (٣) ﵀ إن الحفظ قد يقع للكافر والمنافق كما في حديث الخوارج " يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم". (٤) فبان أن البخاري يرى حفظها ولم يصرح بغيره إلاّ ما علّله الدكتور الغنيمان والجمهور على أن الإحصاء هو الإحاطة والفهم والدعاء بها وهو الذي يوافق الأدلة والله أعلم. المبحث الرابع: الأسماء التي ذكرها البخاري ﵀: أورد البخاري ﵀ بعض الأسماء الحسنى على سبيل الذكر تارة، وعلى سبيل بيان عدم مطابقتها ومشابهتها لأسماء المخلوقين، ويتضح ذلك من الأحاديث التي يوردها تحت الباب: ومن الأسماء التي ذكرها: ١: الله ﷻ فبوب ﵀ بقوله: قال تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ الإسراء ١١٠، والاسم (الله) الذي ورد كثيرا في القرآن مأخوذ من إله وتقديرها " فُعلانية" بالضم، فتقول: إله بين الالهية والأُلهانية، وأصله من يأله إذا تحير، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله ﷻ ، وغير ذلك من صفات الربوبية، وصرف همه إليها. أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد. (٥) واختلف العلماء في اسم الله هل هو مشتق أم جامد؟ وقد ناقش الإمام ابن القيم الذين يرون عدم اشتقاقه، وذكر أن حجتهم أن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق.

стр. 96

ورد ابن القيم أن القائلين بالاشتقاق ليس هذا مقصودهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير وغيرها، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة والقديم لا مادة له. (١) وقال: القول الصحيح أن الله أصله من الإله كما قال سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ (٢)، وهو علم على الله ﵎ لا يسمى به غيره. ورحم الله سيبويه حين سئل عنه، فقال: الله: أعرف المعارف. ٢: الرحمن ورد هذا الاسم في القرآن الكريم نحوا من (٧٥) مرة. والرحمة هي الرقة والتعطف، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وإن كانا مشتقين من الرحمة؛ لأن بناء فعلان أشد مبالغة من فعيل ونظيرهما نديم وندمان، وقوله الرحمن يجمع كل معاني الرحمة من الرأفة والشفقة والحنان واللطف والعطف. (٣) ويروى عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿هل تعلم له سمياً﴾ مريم ٦٥، قال ليس أحدٌ يسمى الرحمن غيره. (٤) وقال ﷺ : قال الله : " أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي (٥) ".

стр. 97

وهناك من أدعى عدم معرفة العرب لهذا الاسم واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن﴾ الفرقان ٦٠، واستدل أيضاً بإنكار قريش عند توقيع معاهدة الحديبية لما قال الرسول ﷺ لعلي ﵁: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فو الله، ما أدري ما هي، ولكن اكتب بسمك اللهم كما كنت تكتب. (١) ويرد عليهم كما قال ابن جرير ﵀: " وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن (٢) ". وبين أن ذلك جحوداً منهم بدليل قوله تعالى: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ الزخرف ٢٠، وبأشعار العرب كقول سلامة بن جندل الطهوي (٣): عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يشاء الرحمن يعقد ويطلق وهذا الاسم من الأسماء الخاصة بالله غير المشتركة مع خلقه، كما قال ابن كثير - رحمه الله تعالى. والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها مالا يسمى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك. (٤)

стр. 98

٣: (الرزاق) ورد اسم الرزاق في آية واحدة وهي التي بوب بها البخاري ﵀ بقوله: باب "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"؛ وورد بصيغة الجمع خمس مرات منها قوله تعالى: ﴿والله خير الرازقين﴾ الجمعة ١١. والرزق ما ينتفع به، يقال رزق الخلق رَزقاً ورِزقاً، فالرزق بفتح الراء هو المصدر الحقيقي، والرزق بكسرها الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر، والجمع أرزاق، والرزاق من أبنية المبالغة (١)، وفي معناه قال ابن جرير ﵀: الرزاقُ خلقَه المتكفل بأقواتهم. وقال الخطابي: هو المتكفل بالرزق والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، فلم يختص بذلك مؤمناً دون كافر، ولا ولياً دون عدو يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له، ولا متكسب فيه، كما يسوقه إلى الجلد القوي ذي المرة السوي، قال سبحانه: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم﴾ العنكبوت ٦٠، وقال جل شأنه: ﴿وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ (٢) هود ٦.

стр. 99

وقال السعدي -رحمه الله تعالى-: (الرزاق) لجميع عباده فما من دآبة إلاّ على الله زرقها، ورزقه لعباده نوعان: ١ - رزق عام شمل البر، والفاجر، والأولين والآخرين، وهو رزق الأبدان. ٢ - الرزق الحلال: وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته. (١) وقد أنكر الله تعالى على المشركين عبادتهم للأوثان والأصنام مع إنها لا تملك لهم رزقاً فقال: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون﴾ النحل ٧٣، ومثله قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاءكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الروم ٤٠، أي لا يقدر شركاؤكم على شيء من ذلك، بل لو أمسك الله سبحانه الرزق عن الناس، فلا يملك أحدٌ أن يفتحه عليهم من دون الله، كقوله ﴿أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه﴾ (٢) الملك ٢١، ورزقه ﵎ بلا مشقة ولا كلفة ولا تخصيص لأحد دون أحد، بل ﴿الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز﴾ الشورى ١٩، ومنه حديث الباب عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أحد أصبر على أذىً سمعه من الله يدّعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم) ومعناه أن الله واسع الحلم حتى مع الكافر الذي ينسب له الولد فهو يعافيه ويرزقه.

стр. 100

وهنا تنبيه: أن كثرة الرزق لا تدل على محبة الله للعبد وهذا الظن هو الذي اعتقده الكفار ﴿وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذَبين قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون﴾ سبأ ٣٥ - ٣٧، وهذا من الاستدراج ﴿أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾ المؤمنون ٥٥ - ٥٦. ولا يعارض هذا أن التقوى وطاعة الله سبب عظيم للرزق والبركة ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ الأعراف ٩٦، وقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ الطلاق ٢ - ٣، وقال ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ إبراهيم ٧. بقي أن نقول أن أعظم رزق يرزقه الله لعباده هو الجنة، قال تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسنا وإن الله لهو خير الرازقين﴾ الحج ٥٨، وقال ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً﴾ الطلاق ١١، فهذا الرزق الذي لا ينقطع وليس بدٌ منه ولا استدراج ولا نهاية ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ ص ٥٤، جعلنا الله ممن كتب له هذا الرزق.

стр. 101

٤ - السلام ورد هذا الاسم مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿الملك القدوس السلام المؤمن﴾ الحشر ٢٣. والسلام والسلامة البراءة، وتسلم منه تبرأ منه، والسلامة العافية. يقال سلم يسلم سلامة، ومنه قيل للجنة دار السلام؛ لأنها دار السلامة من الآفات، ومنه قوله: ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ طه ٤٧، أي من اتبع هدى الله سلم من عذابه وسخطه. (١) وقال ابو حاتم الرازي (٢): فالله وضع هذا الاسم يريد السلام بين عباده ليكون أماناً لهم فيما بينهم، فإذا سلّم أحدهم على الآخر، فقد أعطاه الأمان، كأنه يقول قد سلمت من قبلي. (٣) وقال ابن كثير ﵀: " السلام أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله (٤) ". وقال الإمام ابن مندة (٥) ﵀: [سورة ومعنى السلام أن ذات الله خلصت بانفراد الوحدانية عن كل شي، وبانت عن كل شيء، وأخلصت به القلوب إلى توحيد الله وسلمت، قال تعالى، ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (٦) الشعراء ٨٩.

стр. 102

والله هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، فيسلم على عباده ﴿سلامٌ قولاً من رب رحيم﴾ يس ٥٨، ويستقبل عباده بدار السلام، ويدعو إليها ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ يونس ٢٥، وقد صرح النبي ﷺ في تسمية الله بالسلام، وبوب به البخاري ﵀ في كتاب الاستئذان [باب (السلام اسم من أسماء الله تعالى)]. وهذا جزء من حديث رواه البخاري في الأدب المفرد فقال: "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض فأفشوا السلام بينكم". (١) وأورد البخاري حديث " كنّا نصلي خلف النبي ﷺ فنقول السلام على الله" فأرشدهم النبي ﵊ إلى المشروع في السلام. وحديث الباب نهيٌ عن إلقاء السلام على الله؛ لأنه هو السلام، وأرشدهم ﵊ لقول التحيات لله والصلوات والطيبات) الحديث. قال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، وهنا نشير إلى فقه أم المؤمنين خديجة -عليها رضوان الله- ففي حديث أنس قال: قال: جبريل للنبي ﷺ : إن الله يقريء خديجة السلام، يعني فأخبرها. فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته. (٢) ففهمت أن الله لا يرد ﵇ مثل المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله. ويرى الحافظ ﵀ أن إيراد البخاري لهذا الاسم الإشارة إلى ذكر الأسماء التي تسمى الله

стр. 103

بها وأطلقت مع ذلك على المخلوقين (١) ففي الحديث "السلام عليك أيها النبي" وتحية المؤمنين يوم يلقونه "سلام".

стр. 104

٥ – المؤمن قال الزجاج: أصل الإيمان التصديق والثقة: وقال الله : ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ يوسف ١٧، أي لفرط محبتك ليوسف لا تصدقنا. فهذا بمعنى التصديق، والمعنى الآخر هو الأمان الذي ضده الإخافة قال تعالى: ﴿وآمنهم من خوف﴾ (١) قريش ٤، وقد وردت في آية واحدة ﴿السلام المؤمن المهيمن﴾ الحشر ٢٣. قال ابن جرير: المؤمن الذي يؤمن خلقه من ظلمه، ويروى عن ابن عباس ﵁ المؤمن الذي أمن خلقه أن يظلمهم (٢) وقال الغزالي: المؤمن، الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه وسده طرق المخاوف ولا يتصور أمن وأمان إلا في محل الخوف والمؤمن المطلق: هو الذي لا يتصور أمن وأمان إلاّ ويكون مستفاداً من جهته، وهو الله . (٣) وقال السعدي (٤) ﵀ المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال وبكمال الجلال والجمال الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، ويدل على صدقهم وصحة ما جاءوا به. (٥) ويقال أيضاً ما قيل في السلام من أنه سمى نفسه وسمى بعض خلقه فلا منافاة، فالمؤمن من اتصف بالإيمان فلا حرج في تسمي غير الله بهذا الاسم.

стр. 105

٦ - الملك بوب له البخاري بقوله تعالى: ﴿ملك الناس﴾ الناس ٢، وأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك اين ملوك الأرض". وقد ورد في القرآن خمس مرات منها ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ طه ١١٤، وقد ورد باسم (المالك) كقوله ﴿مالك يوم الدين﴾، ومرة باسم المليك ﴿عند مليك مقتدر﴾ القمر ٥٥، والملك هو المتصرف بالأشياء حسب إرادته ومشيئته، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، قال الطبري ﵀ أخبر أنه ملك الناس وهو ملك جميع الخلق انسهم وجنهم وغير ذلك، إعلاماً منه بذلك من كان يعظم بعض الناس تعظيم المؤمنين ربهم: أنه مُلك من يعظمه وأن ذلك في ملكه وسلطانه، تجري عليه قدرته، وأنه أولى بالتعظيم وأحق بالتعبد له ممن يعظمه ويتعبد له من غيره من الناس. (١) وقال الراغب: الملك هو المتصرف بالأمر والنهي. (٢) قال الزجاج: قال أصحاب المعاني: الملك النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والملاّك إنما استندوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى. (٣) وقال: أما الناس فقد تملك مع العجز عن التصرف، كأن يكون المالك صبياً أو مجنوناً ووليهما لا ملك له مع أن التصرف ثابت له. (٤)

стр. 106

فإذا كان الملك المطلق إنما هو لله وحده لا شريك له فالطاعة المطلقة إنما هي له وحده لا شريك له، فملك الملوك هو الله، ولذلك ورد النهي عن التسمّي ذلك بقوله ﷺ : "إن اخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك". (١) والتوفيق بين الترجمة وحديث الباب ظاهر وهو أن الناس الذين يوجد منهم الملوك والجبابرة، والذين يذل لهم ويخضع لهم بعض العباد قد يصرفون لهم ما هو خالص حق الله من العبادة هؤلاء ملك له تحت قهره، آخذ بنواصيهم، ويظهر ذلك جلياً بقبض الأرض. يقول: (أنا الملك أين ملوك الأرض)، فيعرف قدرهم وقدر ملكهم الذي أورثهم الذل والصغار. (٢)

стр. 107

٧ - العزيز ورد هذا الاسم في القرآن اثنتان وتسعون مرة. والعز في اللغة: القوة والشدة والغلبة، فرجل عزيز: منيع لا يغلب ولا يقهر، وعزني فلان على الأمر، أي غلبني ومنه ﴿وعزني في الخطاب﴾ سورة ص ٢٣، وعز يعز فهو عزيز، قل حتى ما كاد يوجد فأصبح نادراً. (١) قال قتادة العزيز، أي في نقمته إذا انتقم. (٢) قال السعدي ﵀ العزيز الذي له العزة كلها، عزة القوة والغلبة والامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات. وقهر جميع الموجودات واتت له الخليقة وخضعت لعظمته. (٣) وعلى هذا يكون معنى الاسم على أربعة أوجه: ١ - العزيز هو: المنيع الذي لا يرام جانبه. ٢ - العزيز هو: القاهرة الذي لا يغلب ولا يقهر. ٣ - العزيز هو: القوي الشديد. ٤ - العزيز بمعنى: نفاسة القدر وأنه سبحانه لا يعادله شيء ولا مثيل ولا نظير.

стр. 108

وهذا الذي نظمه ابن القيم ﵀ بقوله في الكافية الشافية: وهو العزيز فلن يرام جنابه أنى يرام جناب ذي السلطان وهو العزيز القاهر الغلاب لم يغلبه شيءهذه صفتان وهو العزيز بقوة هي وصفه فالعز حينئذ ثلاث معان وهي التي كملت له سبحانه من كل وجه عادم النقصان (١)

стр. 109

المبحث الخامس: اطلاق بعض النعوت على الله المطلب الأول: إطلاق الذات على الله بوب البخاري ﵀ للنعوت التي يجوز إطلاقها على الله ، فقال: باب [ما يذكر في الذات والنعوت واسامي الله]. واستشهد بقول الصحابي الجليل خبيب بن عدي (١) ﵁ حين عرض على القتل، فقال: "وذلك في ذات الإله"، قال البخاري: فذكر الذات باسمه تعالى. قال الحافظ ﵀ واستعمال البخاري لها دال على أن المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى ففرق بين النعوت والذات. (٢) وقد سمع النبي ﷺ هذه الأبيات، ولم يرد إنكاره لها فدل على جواز ذلك، وفي أثر لابن عباس وابن عمر ﵃ وربما رفعاه قالا: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله". (٣) وقال حذيفة بن اليمان لعمر بن الخطاب ﵄ إن جمعت في الله وقسمته في ذات الله فأنت أنت وإلا فلا. (٤) وذكر هذا الإمام ابن مندة فقال: إن ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا لقوله ﵊: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) (٥)، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإتقان بلا إحاطة إدراك بها بل هو أعلم

стр. 110

بذاته، فهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به لقربه كأنك تراه، وقريب غير ملازق، وبعيد غير منقطع، يسمع ويرى وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ﵎، ظاهر في ملكه وقدرته، وقد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء قدير. (١) وأصل كلمة ذات هي بمعنى صاحبة، وهي تأنيث كلمة "ذو". (٢) ومن هنا أنكر بعض الأدباء -كما قال النووي - إطلاق ذات على الحقيقة، فهي عندهم بمعنى صاحبة، وقالوا: ليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وأنكر الكندي إطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس. (٣) وأجاب الحافظ بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبه، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الإسمية فلا محذور لقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣، أي بنفس الصدور. (٤) ولهذا قال البخاري ﵀ (فذكر الذات باسمه تعالى) أي أقام الذات مقام اسمه تعالى. (٥) قال شيخ الإسلام: " لفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافاً إلى غيره منهم يقولون: فلان ذو علم وذو قدرة، ونفس ذات علم وقدره، وحيث جاء في القرآن أو
следующие страницы →