← Акыда

Акыда · id 142136

مسائل العقيدة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري

يوسف الحوشان

Полный текст (251 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولأهمية هذه المسألة انقل قواعد لشيخ الاسلام موضحة لمثل هذه المسألة قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى وبصرف الكلام عن ظاهره إذ لا محذور في ذلك عند أحد مناهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه لأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي, والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين والله اعلم ٠٠ (١) وقال ﵀: وهذا التوحيد وتفسيره المذكور فى قوله (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) هو نحو مما ذكر فى قوله تعالى ﴿كل شئ هالك الا وجهه﴾ بعد قوله ... ﴿فلا تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت اليك وادع الى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله الها آخر لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون﴾ فإن ذكره ذلك بعد نهيه عن الاشراك وأن يدعو معه الها آخر وقوله لا اله الا هو يقتضى أظهر الوجهين وهو أن كل شئ هالك الا ما كان لوجهه من الأعيان والاعمال وغيرهما روى عن أبي العالية قال الا ما أريد به وجهه وعن جعفر الصادق الا دينه ومعناهما واحدوقد روى عن عبادة بن الصامت قال يجاء بالدينا يوم القيامة فيقال ميزوا ما كان لله منها قال فيماز ما كان لله منها ثم يؤمر بسائرها فيلقى فى النار وقد روى عن على ما يعم ففى تفسير الثعلبى عن صالح بن محمد عن سليمان ابن عمرو عن سالم الافطس عن الحسن وسعيد بن جبير عن على بن أبى طالب أن رجلا سأله فلم يعطه شيئا فقال أسألك بوجه الله فقال له

стр. 177

على كذبت ليس بوجه الله سألتنى انما وجه الله الحق ألا ترى الى قوله كل شئ هالك الا وجهه يعنى الحق ولكن سألتنى بوجهك الخلق وعن مجاهد الا هو وعن الضحاك كل شئ هالك الا الله والجنة والنار والعرش وعن ابن كيسان إلا ملكه وذلك أن لفظ الوجه يشبه أن يكون فى الاصل مثل الجهة كالوعد والعدة والوزن والزنة والوصل والصلة والوسم والسمة لكن فعله حذفت فاؤها وهى أخص من الفعل كالآكل والإكلة فيكون مصدرا بمعنى التوجه والقصد كما قال الشاعر أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد اليه الوجه والعمل ثم أنه يسمى به المفعول وهو المقصود المتوجه اليه كما فى اسم الخلق ودرهم ضرب الأمير ونظائره ويسمى به الفاعل المتوجه كوجه الحيوان يقال أردت هذا الوجه أى هذه الجهة والناحية ومنه قوله ولله المشرقوالمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله أى قبلة الله ووجهة الله هكذا قال جمهور السلف وان عدها بعضهم فى الصفات وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر وذلك أن معنى قوله أينما تولوا أى تتولوا أى تتوجهوا وتستقبلوا يتعدى الى مفعول واحد بمعنى يتولاها ونظير ولى وتولى قدم وتقدم وبين وتبين كما قال لا تقدموا بين يدى الله ورسوله وقال بفاحشة مبينة وهو الوجه الذى لله والذى أمر الله أن نستقبل فان قوله ولله المشرق والمغرب يدل على أن وجه الله هناك من المشرق والمغرب الذى هو لله كما فى آية القبلة سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء الى صراط مستقيم فلما سألوا عن سبب التولى عن القبلة أخبر أن له المشرق والمغرب وأما لفظ وجهة مثل قوله ولكل وجهة هو موليها فقد يظن أيضا أنه مصدر كالوجه كالوعدة مع الوعد وانها تركت صحيحة فلم تحذف فاؤها وليس كذلك

стр. 178

لأنه لو كان مصدرا لحذفت واوه وهو الجهة وكان يقال ولكل جهة أو وجه وإنما الفعلة هنا بمعنى المفعول كالقبلة والبدعة والذبحة ونحو ذلك فالقبلة ما استقبل والوجهة ما توجه اليه والبدعة ما ابتدع والذبحة ما ذبح ولهذا صح ولم تحذف فاؤه لأن الحذف إنما هو من المصدر ... ٠٠. الخ كلامه. (١) وقال ﵀: فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة وظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك؛ بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات. كقوله تعالى: ﴿على ما فرطت في جنب الله﴾. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه. وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية وهذا موجود في أمر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات. وأنا أذكر لهذا مثالين نافعين (أحدهما صفة الوجه فإنه لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية والأشعرية والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها. (مثال ذلك قوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها " أولئك " كابن خزيمة مما يقرر إثبات الصفة وجعل " النافية " تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع. (٢) المطلب الثاني: ما ورد في العين ذكر الله ﵎ صفة العين فقال ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه ٣٩ وقال ﴿فانك باعيننا﴾ الطور ٤٨ وقال ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ هود ٣٧ وكذلك جاء إ ثبات هذه الصفة في السنة النبوية. ففي حديث ابن عمر قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال: (ان الله لايخفى عليكم ان الله ليس بأعور - واشار بيده إلى عينه - وان المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية) ويقال في هذه الصفة ما يقال في الصفات الخبرية التي ثبتت بالسمع من الايمان بها على الوجه اللائق به تعالى فهذا الذي فهمه سلف الامة. فقد فسر ابن عباس قوله (باعيننا) أنه اشار إلى عينيه وقد مرّ معنا حديث ابي هريرة حين تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى ﴿وكان الله سميعاً بصيراً﴾ النساء ١٢٤، فوضع ابهامه على اذنه واصبعه التي تليها على عينه قال ابو هريرة رضى الله عنه: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. (٣) وقد ذكر ذلك غير واحد من السلف وتصريحهم بهذا (٤) وبوب الامام الاشعري في الابانة فقال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين، ثم ذكر الادلة على ذلك. وصرح ﵀ حين ذكر جملة من أقوال اصحاب الحديث والسنة وان من عقيدتهم اثبات ان لله عينين بلا كيف (٥) وهذا هو فعل البخاري ﵀ فقد أورد الآيات الدالة على اثبات هذه الصفة فقد جاءت في القرآن مفردة مضافة إلى الضمير وجاءت مجموعة مضافة إلى ضمير الجمع، قال ابن القيم " ذكر العين مفردة لا يدل على انها عين واحدة ليس إلا قولك افعل هذا على عيني لا يريد ان له عيناً واحدة ولما اضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهراً أو مضمراً

стр. 179

حسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله تعالى ﴿تجري باعيننا﴾ القمر ١٤ وقوله ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ هود ٣٧ (١) ومايذكره المفسرون من تفسير لمعاني الآيات التي يستشهد بها على اثبات صفة العين لا يلزم منه انكار هذه الصفة فقوله ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ بان معناها: بمراى منا وحراستنا وحفظنا لك وقوله ﴿ولتصنع على عيني﴾ بمعنى لتربى بمراى ومنظر مني، وقوله: ﴿فانك باعيننا﴾ أي بمراى منا وتحت كلاءتنا (٢) فهذه المعاني معانٍ صحيحة وهي بماذكر دالة على اثبات العين اذا انها تصح نسبة العين إلى ما ليس من شأنه ان يكون له عين والسياق بيّن ذلك بمن اضيفت اليه، كما قال ابن جرير تجري باعيننا (تجري السفينة التي حملنا نوحاً فيها بمراى منا ومنظر (٣) هذا الذي فهمه السلف ومنهم البخاري ﵀، ثم استشهد ﵀ باحاديث الدجال وفيه (ان ربكم ليس باعور) و (ان الله ليس باعور). قال الدارمي في رده على بشر المريسي " ففي تأويل قول رسول الله ﷺ " ان الله ليس باعور " بيان انه بصير ذو عينين خلاف الاعور ". (٤) قال ابن المنير " وجه دلالة الحديث على اثبات العين لله من جهة ان العور عرفاً عدم العين وضد العور ثبوت العين فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها وهو وجود العين (٥)، وعلى هذا نثبت العينين لله ﵎ كما قال ابن خزيمة " بين النبي ﷺ ان لله

стр. 180

عينين فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التنزيل (١) وقد تقدم الرد على من يؤل هذه الصفة في اثبات البصر لله ﵎. المطلب الثالث: ما ورد في اليدين والأصابع (٢) من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة اليدان قال تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة ٦٤ وقال تعالى ﴿ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص ٧٥ وقال ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر ٦٧ وقال ﴿يد الله فوق ايديهم﴾ الفتح ١٠. وقال ﴿بيده الملك﴾ تبارك ١ وقال ﴿بيدك الخير﴾ آل عمران ٢٦. وقال ﵊ كما في البخاري من حديث طويل وهو محاجة آدم وموسى وفيه: يا آدم انت ابونا خلقك الله بيده) وفيه (أنت موسى كلمك الله تكليماً وخط لك التوراة بيده)، فاليد في ما سبق من النصوص هي يد حقيقية على ظاهرها خلافاً لمن أولها من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم. قال الامام المقدسي (٣) في كتابه الصفات: فلا نقول يد كيد ولا نكيف ولا نشبه ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول اهل التعطيل والتأويل بل نؤمن بذلك ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ثم قال ولا يصح حمل اليدين على القدرتين فان قدرة الله واحدة ولا على النعمتين فان نعم الله لا تحصى كما قال سبحانه ﴿وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ابراهيم ٣٤. (٤)

стр. 181

قال الامام البربهاري (١) " واعلم انما هلال الجهمية من انهم فكروا في الرب فأدخلوا (لم وكيف) وتركوا الأثر ووضعوا القياس، قاسوا الدين على رأيهم فجاؤوا بالكفر عياناً " (٢) وعلى هذا اثبت الأئمة في ما ساقوه في معتقداتهم ومصنفاتهم في ردودهم على الجهمية والمعتزلة أو في بيان السنة قال شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني عن أهل السنة: ويقولون انه خلق آدم بيده كما نص سبحانه في قوله ﴿قال يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص ٥٧. ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية اهلكهم الله ولا يكيفونها بكيف ويشبهونها بايدي المخلوقين تشبيه المشبهة خذلهم الله (٣) وهو الذي قرره الإمام الاشعري: أن من جملة ما عليه أهل الحديث والسنة أن لله يدين بلا كيف، ثم ساق الأدلة لذلك في عدة كتب له (٤) ومثله الامام الاصبهاني في الحجة قال: (فصل في اثبات اليد لله تعالى صفة له) ثم قال: (ذكر البيان من سنة النبي ﷺ على إثبات اليد موافقاً للتنزيل). (٥) والنصوص التي وردت في اثبات اليدين تضمنت اثبات صفات أخرى لهذه اليد وهو الذي نراه في الاحاديث التي استشهد بها الأئمة على ذلك فمنها: - ١ - صفة اليمين كما في حديث ابي هريرة (يمين الله ملآى) وقوله (أخذها الرحمن بيمينه). ٢ - صفة الكف كما في حديث الصدقة (فتربوا في كف الرحمن). ٣ - صفة الأصابع كما في حديث الحبر اليهودي الذي رواه البخاري في الباب من حديث النواس بن سمعان ﵁. ٤ - صفة القبض والطي كما في حديث ابن عمر (يقبض الله الارض). ٥ - صفة البسط كما في قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾. قال ابن القيم ﵀: " فهذا القبض والبسط والطي باليمين والاخذ والوقوف على يمين الرحمن والكف وتقليب القلوب باصابعه ووضع السموات على اصبع والجبال على أصبع وذكر احدى اليدين ثم قوله " وبيده الاخرى - ممتنع فيه اليد المجازية سواء بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة فانها لا يتصرف فيها هذا التصرف، هذه لغة العرب نظمهم ونثرهم هل تجدون فيها ذلك اصلاً. (٦) قال الامام أحمد (من زعم ان يداه نعماه كيف يصنع بقوله (خلقت بيديّ) مشددة (٧)، والإمام البخاري قرر هذه الصفة وبوب لها وساق من الاحاديث ما يدل على ثبوتها، فحديث انس فيه (خلقك بيده) ثم حديث ابي هريرة قال: يد الله ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والارض فانه لم يغض ما في يده) وقال (وكان عرشه على الماء وبيده الاخرى الميزان يخفض ويرفع)، وحديث ابن عمر (أن الله يقبض يوم القيامة الارض وتكون السموات بيمينه ثم يقول انا الملك)، فهذه الآية فيها اثبات اليدين لله ثم أورد ﵀ ما يدل على ذلك من السنة فقال (بيده) مرة ثم قال (وبيده الأخرى) ثم ساق ﵀ ما يدل على الاصابع للرحمن فجاء بحديث ابن مسعود ان يهودياً

стр. 182

جاء إلى النبي ﷺ فقال يا محمد ان الله يمسك السموات على اصبع والاراضين على اصبع والجبال على أصبع والشجر على اصبع والخلائق على اصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ زاد عبد الله بن مسعود: فضحك رسول الله ﷺ تعجباً وتصديقاً له وساق بنحوه حديثاً لابن مسعود فيه اختلاف يسير وليس هذا هو الحديث الوحيد الذي فيه ذكر الأصابع فقد قال ﵊ " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ". (١) قال الامام البغوي: والأصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله وكذلك ما جاء به الكتاب والسنة من هذا القبيل من صفات الله (٢) وقال ابن بطال: " لايحمل ذكر الاصبع على الجارحة بل يحمل على انه صفة من صفات الذات لا تكيف ولا تحدد (٣) وبمثله قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث " ولا نقول اصبع كاصبعنا لان كل شيء منه لايشبه شيئاً منا ". (٤) والمخالف لهذه الاحاديث له نفس الحجة التي سبقت في باقي الصفات وأولها كما اول غيرها، فحديث (إن قلوب العباد بين أصبعين) اولهما بالنعمة أو بالقدرة، وقال لانها تقتضي المماسه وهذا بعيد فانه ليس في ظاهر الحديث أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه ولا أن قول القائل هذا بين يدي يقتضي مباشرته ليديه، فقوله تعالى ﴿والسحاب المسخر بين السماء والارض﴾ البقرة ١٦٤ لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والارض. (٥)

стр. 183

وقد رد الدارمي على هذه الشبهة أيضاً بقوله: " وهل من شيء ليس تحت قدرة الله التي وسعت كل شيء حتى خص الرسول ﷺ القلوب من بينها بقدرتين (١) وهناك من جعل ضحك الرسول ﷺ تعجباً لا موافقة وانكاراً لا موافقة، وهذا يعيد قال ابن خزيمة " قد أجل الله تعالى نبيه من أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكاً بل لا يصف النبي ﷺ بهذا الوصف مؤمن مصدق برسالته. (٢) فتمر هذه الاحاديث والصفات على ما يليق بجلال الله. قال الامام وكيع بن الجراح نسلم هذه الاحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا ولا لم كذا؟ يعني مثل حديث بن مسعود ان الله يحمل السموات على أصبع وحديث قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ونحوها من الاحاديث. (٣) واختم هذا المبحث في الصفات الخبرية بقول شيخ الاسلام ﵀ " فهل يجوز ان يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وان الله خلق بيده وان يداه مبسوطتان وان الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم ان رسول الله ﷺ واولي الأمر: لا يبينون للناس ان هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره؟ حتى ينشأ (جهم بن صفوان) بعد انقراض عهد الصحابة فيبين للناس ما نزل اليهم على نبيهم ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق. وكيف يجوز ان يعلمنا نبينا ﷺ كل شيء حتى الخراءة ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوة مما يزعم الخصم ان ظاهره التشبيه والتجسيم. وان اعتقاد ظاهره ضلال ثم لا يبين ذلك ولا يوضحه، وكيف يجوز للسلف ان يقولوا أمروها كما جاءت مع أن معناها المجاز

стр. 184

هو المراد - وهو شيء يفهمه الاعراب حتى يكون ابناء الفرس والروم اعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار. (١) وهكذا ظهر تبويب البخاري بإثباته لهذه الصفات كما هو منهج السلف ﵏ على الحقيقة مع تفويض كيفيتها لله ﵎ بما يليق به سبحانه مورداً للنصوص على سبيل الجزم كما هي عادته فيما يعتقده ﵀.

стр. 185

الفصل الثاني: الصفات الفعلية المبحث الأول: الصفات الاختيارية و [شبهة قيام الحوادث بذاته ] يفرق أهل السنة والجماعة بين صفات الله الذاتية وصفاته تعالى الفعلية والتي يفعلها بمشيئته سبحانه ويثبتون أن هناك صفات ذاتية فعلية هي صفة ذات له ﵎ وهي صفة فعلية يفعلها متى يشاء سبحانه كالرحمة والخلق والكلام ونحوها. وأهل السنة في إثباتهم لهذه الصفات ينطلقون من أنه ﵎ منزه عن الشبيه، كما قال الإمام نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً. (١) فالصفات التي وصف الله بها نفسه وأعني هنا ما اصطلح على تسميتها بالفعلية الاختيارية حصل فيها الخلاف العظيم بين المسلمين وطال النزاع فيها بسبب القياس الخاطئ بين الخالق والمخلوق إذ أن الصفات الإلهية لا يجوز أن يستدل فيها بالقياس الشمولي ولا قياس التمثيل، فالتمثيل يستوي فيه الفرع والأصل والشمولي يستوي أفراده. فالله ﵎ ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يوصف به وإدخاله سبحانه مع غيره تحت أي قضية كلية يستوي أفرادها، عمل فاسد، هذا الذي جَرَّ والطوائف

стр. 186

إلى الضلال في هذا الباب، وكان الأولى بهم استعمال قياس الأولى سواء كان تمثيلاً أو شمولاً كما قال الله في كتابه ﴿ولله المثل الأعلى﴾ النحل آية ٦٠. قال العلامة السعدي في تفسيره لهذه الآية هو كل صفة كمال وكل كمال في الوجود، فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصاً بوجه من الوجوه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه وهو التعظيم والإجلال والمحبة والإنابة والمعرفة. (١) وقد اجتهد أئمة السلف ﵏ في دفع الخطأ الناتج عن الاعتقاد الخاطئ في فهم الصفات الفعلية الاختيارية لله ﵎. ولكن قبل عرض ردهم وتوضيحهم لابد من الرجوع لأصل المشكلة التي لأجلها قام الوهم من قبل الذين نفوا هذه الصفات الاختيارية. وأساسها: بعد عصر الصحابة والتابعين ومجيء جهم بن صفوان وذلك عندما لقيه بعض عباد السُمنية (٢) ممن لا يؤمنون بالله فقالوا صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج وقال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء. (٣) وأما رواية الإمام أحمد انهم قالوا نكلمك فان ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وان ظهرت حجتك علينا دخلنا دينك فكان مما كلموا به الجهم ان قالوا له: هل رأيت إلهك أو سمعت كلامه أو شممت له رائحة أو وجدت له حساً أو مجساً وكل ذلك يقول لا.

стр. 187

فقالوا فما يدريك أنه اله قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوماً ثم أنه استدرك حجة مثل حجج زنادقة النصارى الذين يزعمون أن الروح الذي في عيسى من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمراً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء وهو روح غائبة عن الأبصار ثم قال للسُمنى ألست تزعم أن فيك روحاً فقال جهم: هل رأيت روحك أو سمعت كلامه أو وجدت له حساً وكل ذلك يقول: لا فقال جهم: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان قال الإمام أحمد: فبنى أصل كلامه على تأول هذه الآيات ﴿ليس كمثله شيء﴾ و ﴿وهو الله في السموات والأرض﴾ الأنعام ٣ و ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ الأنعام ١٠٣ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فقد كفر وكان من المشبهة (١) فالجهم أصل اصلاً في إثبات وجود الله وهو الذي عرف بعد بدليل حدوث الأجسام، فالأجسام حادثة لأنها لا تخلو من الحوادث والأعراض أو أنها مستلزمة للأعراض فصار ما لا يخل من الحوادث فهو حادث فالعالم حادث وبه يعرف إثبات الصانع فما قامت به الصفات قامت به الأعراض وما قامت به الأعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ات قامت به الاعراض وما قامت به الاعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم الصفات أو بعضها على أصل جهم هذا ثم ان من اراد اثبات صفة فأنه يثبتها لجوازها عقلاً! فمن اثبت ثلاث صفات ثم من زاد عقله فاثبت سبعاً ثم من اثبت اكثر من ذلك ولايسمونها أعراضاً

стр. 188

ولكن حين جاء ذكر الصفات الاختيارية سموّها حوادث فوجب نفيها عندهم على هذا الأصل. وهذا الدليل باطل، من وجوه الأول: طوله الذي يجعل العامي لا يستطيع فهمه حتى يتم لأجله ايمأنه الثاني: أنه دليل متبوع بعد عهد النبوة والصحابة لم يدع به النبي ﷺ الناس ولا صحابته من بعده الثالث: اللوازم الفاسدة على هذا الدليل من نفي صفات الله ونفي قدرته على الفعل والقول بأنه فعل بعد ان كان الفعل ممتنعاً عليه الرابع: هذا الدليل الذي ارتضاه المتكلمون أوجب تسلط الفلاسفة عليهم في مسألة حدوث العالم (١) والقول بنفي الصفات خوفاً من حلول الحوادث من قبل المتكلمين وانكروها بلسانهم ان الحوادث لا تقوم بالله - حسب فهمهم وان كنا لا نوافق على هذا الاطلاق - إلاّ انهم يقولون به كما نقل ذلك الرازي في (الأربعين في اصول الدين) فبين أن الجبائي وابنه من المعتزلة قالوا بارادة حادثة لا في محل وابو الحسين البصري يثبت في ذاته تعالى علوماً متجددة بحسب تجدد المعلومات والاشعرية يثبتون نسخ الحكم ويثبتون للعلم والقدرة تعلقات حادثة

стр. 189

والفلاسفة يقولون بان الاضافات وهي القبلية والبعدية موجودة في الاعيان فيكون الله مع كل حادث ثم قال: وذلك الوصف الاضافي حدث في ذاته (١) وقد نبه الإمام الطحاوي في عقيدته المختصرة إلى ان الله يوصف بصفاته التي لا يلزم من الوصف بها تجدد الحوادث أو قدم الصفة فقال: ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه لم يزد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً. قال ابن ابي العز ﵀ مبيناً كلام الإمام الطحاوي: أي أن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال صفات الذات وصفات الفعل ولا يجوز ان يعتقد ان الله وصف بصفة بعد ان لم يكن متصفاً بها لان صفاته سبحانه صفات كمال وفقدها صفة نقص ولا يجوز ان يكون حصل له الكمال بعد ان كان متصفاً بضده ولا يرد على هذا صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها كالخلق والتصوير والاحياء والاماتة والقبض والبسط والطي والاستواء والاتيان والمجيء والنزول والغضب والرضا ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا ندخل في ذلك بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ولكن اصلُ معناه معلوم لنا كما قال مالك في الاستواء (٢) وغالب ما يوقع في مثل هذه المسائل هذه الالفاظ المجملة المحدثة واعني بها (لول الحوادث) فهذه لم يرد فيها نفيٌ ولا اثبات في الكتاب والسنة ويلاحظ انها لفظ مجمل لازمه هو المحذور فمن يريد باطلاقها ان الله ﵎ لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته

стр. 190

المحدثة أو بعبارة اخرى لا يتجدد له وصف لم يكن فنفي حلول الحوادث بهذا المفهوم صحيح من لوازم التنزيه لله ﵎ ولكن ان اريد باطلاقه نفي الصفات الاختيارية أعني أنه لا يفعل ما يريد فلا يتكلم إذا شاء وأنه لا يغضب ولا يرضى مع نفي التشبيه ولا ينزل ولا يستوي كما وصف نفسه ولاق بجلاله فهذا نفي باطل لا يسلم لقائله وقد بين الإمام البخاري ﵀ هذا الأمر بايسر عبارة وواضح دليل لمن تأمل فقال ﵀: باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩ و﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢ وقوله تعالى ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ الطلاق ١ ثم اتى بالقول الفصل في هذه المسألة فقال: وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١ ساق البخاري هذا الباب وهو مهم بالنسبة لافعال الله لاثبات ان لله صفات هي افعال يفعلها متى شاء ويصح ان نطلق عليها حادثة لكنها ليست كحدوث المخلوقين التي قد يعتريها العجز وقد يعتريها الخفاء وما اشبه ذلك من نواقص حوادث المخلوقين وقال د. الغنيمان يريد بهذا بيان ان الله تعالى يحدث ما يريد احداثه في أى وقت اراد وان احداثه ذلك من افعاله التي هو اوصاف له (١) وقد نبه البخاري ﵀ في اكثر من موضع على هذه المسألة فأشار إلى مسألة انكار افعال الله من القول والفعل مما له تعلق بمشيئة الله وارادته وقدرته مما انكرته الجهمية ومن تبعهم فقال [باب ما جاء في تخليق السموات والارض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب ﵎ وأمره فالرب بصفاته وفعله وامره وهو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وامره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون] ثم قال أيضاً [سورة باب قول الله تعالى، ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن اذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ سبأ ٢٣ ولم يقولوا ماذا خلق ربكم] فالله ﵎ يحدث من امره ما يشاء من القول والأمر والفعل وكما أنه ليس له مثل في ذاته كذلك ليس له في افعاله) والآيات التي استشهد بها البخاري ﵀ من قوله تعالى ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩ قال عنها رسول الله ﷺ حين سأله اصحابه ما ذاك الشأن قال ﵊ " أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين " (٢) ونقل مثل ذلك الإمام البغوي قول عامة المفسرين عن هذه الآية فقال: قال المفسرون: من شأنه ان يحي ويميت ويرزق ويعز قوماً ويذلك قوماً ويشفي مريضاً ويفك عانياً ويفرج

стр. 191

مكروباً ويجيب داعياً ويعطي سائلاً ويغفر ذنباً إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء (١) ثم استشهد ﵀ بقوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢، قال الداودي ﵀ في بيان مراد البخاري: الذكر في الآية هو القرآن وهو محدث عندنا وهو من صفاته تعالى ولم يزل سبحانه بجميع صفاته (٢) وقد نقل الحافظ عن الداودي (٣) ﵀ ما يؤيد قوله هذا في شرح قول عائشة " ولساني في نفسي كان أحقر من ان يتكلم الله في بأمرٍ يتلى) قال: فيه ان الله تكلم ببراءة عائشة حين انزل براءتها بخلاف قول بعض الناس أنه لم يتكلم (٤) اراد الرد على من يقول ان الله إذا تكلم فيكون كلامه حادثٌ فتحل فيه الحوادث على مايفهمه من يقول بذلك قال ابن كثير " محدث " أى جديد انزاله ثم استشهد باثر ابن عباس الذي ساقه البخاري بنحوه " كيف تسألون اهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرقوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه وكتابكم احدث الكتب بالله تقرؤنه محضاً لم يشب (٥) ثم قال البخاري ﵀ وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ وهذه الآية معلوم انها في المطلقة التي لها عدة تعدها ولم تبن فأمر الله ﵎ ان تعتد في بيت زوجها من غير ان تخرج منه إلاّ أن تأتي بفاحشة وعلل ذلك بقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ الطلاق ١ قال ابن جرير " لا تدري ما الذي يحدث لعل الله يحدث بعد طلاقكم اياهن رجعة " (٦) يحدث للزوجين حالاً غير ما كانا عليه وقت الطلاق فقد تتبدل الكراهية رغبة والبعد قربا ويحصل الندم منهما فيحدث الرجوع بينهما فمقصود البخاري من هاتين الآيتين ان الله تعالى يتكلم بعد ان لم يكن تكلم بذلك الكلام بعينه ويأمر وينهى بعد ان لم يكن امر بذلك المأمور وذلك المنهي بعينه لمن وجه اليه الأمر والنهي (٧) وفسر شيخ الاسلام الذكر بان منه محدث ومنه غير محدث لان النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره مفسراً لقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢ وبقوله ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث﴾ الشعراء ٥ في الآيتين ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمية ولكن الذي انزل جديداً فان الله ينزل من القرآن شيئا بعد شيء فالمنزل أولاً قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا

стр. 192

وكل ماتقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب كما قال تعالى ﴿كالعرجون القديم﴾ يس ٢٩ وقال ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ (١) يوسف ٩٥ ومن قامت لديه شبهة في مسألة حلول الحوادث فان الإمام البخاري جلاها بوضوح إذ ان من يمنع حلول الحوادث قد ارتبط بذهنه قياس الشاهد على الغائب فقال ان الحوادث لا تقوم إلاّ بحادث فقاس على ما يراه فقال البخاري " وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١ فكما أنه ﵎ لا مثل له في ذاته فكذلك لا مثل له في افعاله واوصافه واحداثه التي يحدثها مما يتعلق بمشيئته وهي افعاله. ويتساءل العلامة ابن عثيمين عن أصل المسألة: من أين أتى القائلون بأن من قامت به الحوادث فهو حادث، فلا كتاب ولا سنة ولا عقل يدل عليها قال: فنحن نشاهد الآن بانفسنا أنه تحصل حوادث لنا في هذا اليوم غير ما حصل باليوم الذي قبله وهل يلزم إذا قامت بنا الحوادث ان تكون موجودة بوجودنا؟ لا يلزم فالحوادث تتجدد من الحادث ومن غير الحادث بل ان قيام الحوادث به دليل على كماله وأنه يفعل ما يشاء متى ما شاء ولو قلنا أنه لا يستطيع ان يفعل لكان في هذا نقص والله تعالى فعال لما يريد، واستدل بقوله تعالى ﴿ولو شاء الله ما قتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ البقرة ٢٥٣ فالاقتتال من حادث لا شك وهو من فعل الله أي من تقديره أن يفعل وهذا صريح في قيام الافعال الحادثة به (٢)

стр. 193

ثم استشهد البخاري ﵀ بحديث ابن مسعود وعلى رسوله ﷺ " ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تكلموا في الصلاة " ذلك ان ابن مسعود قدم على رسول الله ﷺ وهو يصلي وسلم عليه وكانوا يفعلون ذلك - فلم يرد ﵇ فلما فرغ الرسول ﷺ قال لابن مسعود ما قال: ودلالة الحديث واضحة ومطابقة الحديث للترجمة والآيات فقوله ﷺ ﴿ان الله يحدث من أمره﴾ موافق لقوله تعالى ﴿وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢ قال ابن رجب ﵀ في شرحه لصحيح البخاري: وقوله " ان الله احدث ان لا تكلموا في الصلاة " اشارة إلى أنه شرع بعد ان لم يكن شرّعه ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه (١) ومثله الروايتان عن ابن عباس " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي انزله الله على نبيكم احدث الأخبار بالله محضاً لم يشب وفي الرواية الاخرى أقرب الكتب عهداً بالله. فالمعنى أنه آخر الكتب واحدثها بالله واقربها عهداً به وهذا موضع الشاهد من الباب، وهذا الباب فصل في ما سيأتي من أبواب فيها الكلام على بقية الصفات الاختيارية إذ سيكون ايرادها على وجه الاختصار خاصة ما دخلت تحت جنس واحد في الكلام، ومابقي من مسائل جرى فيها الخلاف سأعرض له في مسألة الكلام ان شاء الله إذ أطال فيها الإمام البخاري (٢)

стр. 194

المبحث الثاني: ما ورد في الاستواء على العرش لما كان من الجهمية ومن تبعهم يزعمون ان الله في كل مكان وانكروا ان يكون فوق عرشه (١) كما اخبر عن نفسه فقال ﴿ثم استوى على العرش﴾ الحديد ٤ ظنوا ان في اثبات استواءه على العرش تشبيهاً له بخلقه وهو يقول ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ البقرة ١٤٠ وعلّة الجهمية هي علّة كل من لم يفرق الله عن المخلوق فيتوهمون باوهامهم وخيالاتهم أنه إذا كان فوق العرش كان محتاجاً اليه كما يحتاج الملك إلى كرسيه وكذلك من توهم ان استواءه مثل استواء خلقه باطل بل هو مستغن عن كل ما سواه ولم يتوهم ذلك الصحابة وهم يسمعون ذلك من رسول الله ﷺ بل آمنوا بعلوه علواً يليق به من غير ان يفتقر إلى شيء من مخلوقاته ﵎. قال شيخ الاسلام " وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش وحملة العرش فانما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق حمل العرش ما شاء ان يحمله من عظمته وغيرها فهو بقوته الحامل للحامل والمحمول فكيف يكون مفتقراً إلى شيء (٢) وقد ذكر العرش في القرآن الكريم في احدى وعشرين آية من كتاب الله ذكر الله الاستواء في سبع آيات منها وقد مجد الله ﵎ نفسه وأنه ذو العرش فاضافة له اضافة تعظيم وتمجيد واختصاص فقال: ﴿فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ الأنبياء ٢٢ وقال ﴿

стр. 195

الله لا اله إلاّ هو رب العرش العظيم﴾ النمل ٢٦ وقوله ﴿فتعالى الله الملك الحق لا اله إلاّ هو رب العرش الكريم﴾ المؤمنون ١١٦. وقد جاء زيادة في وصف العرش في السنة المطهرة فهو أعلى المخلوقات وأعظمها وله قوائم وله حملة قال ﵊ " إذا سألتم الله فسألوه الفردوس فأنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " كما رواه البخاري وقال ﷺ في حديث أبي مسعود " ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء ين خمسمائة عام وبين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش يعلم ما انتم عليه " (١) ووصفه الله ﵎ بأنه كريم: أى حسن المنظر بهي الشكل فقال: فتعالى الله الملك الحق لا اله إلاّ هو رب العرش الكريم) ١١٦ المؤمنون قال البغوي: يعني السرير الحسن وقيل المرتفع (٢) ووصفه بأنه واسع عظيم في قوله ﴿ذو العرش المجيد﴾ البروج ١٥ والمجد الاتساع وعظم القدر (٣)

стр. 196

وان للعرش قوائم كما في حديث ابي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وفيه: الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش فلا ادري افاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) وفي رواية (آخذ بجانب العرش " كما في البخاري. وان للعرش زنة عظيمة كما في حديث ام المؤمنين جويرية قال: لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلته لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضى نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته " (١) وهنا نعلم ان زنة العرش أثقل الأوزان كما ان عدد الخلق أكثر الأعداد. ووصف لنا العرش ان له حملة من الملائكة يسبحون الله ويكبرونه ولا يستكبرون عن عبادته بل يستغفرون للذين آمنوا، قال الله فيهم ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ غافر ٧ وأعلمنا سبحانه ان حملة عرشه يوم القيامة ثمانية كما قال: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية﴾ الحاقة ١٧ وهؤلاء الملائكة قد أخبرنا نبينا ﵊ بصفة واحدٍ منهم وعظم خلقه فقال: " أذن لي أن احدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " (٢) وقد انكر العرش كما سبق الجهمية، قال الإمام الدارمي في رده على الجهمية باب الايمان بالعرش وهو احد ما انكرته المعطلة ثم قال: وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على احد ممن يدعي الاسلام في اثبات العرش والايمان به حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله

стр. 197

فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الامم قبلنا وإلى الله نشكو ما اوهمت هذه العصابة من عرى الاسلام واليه نلجأ وبه نستعين. ثم ساق أدلة العرش وذكر مناقشته لرجل منهم قال أنه يؤمن بالعرش لأنه مذكور في القرآن فالزمه ﵀ بقوله اتقرون ان لله عرشاً معلوماً موصوفاً فوق السماء السابعة تحمله الملائكة والله فوق كما وصف نفسه بائن من خلقه؟ فأبى ان يقربه كذلك وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح ثم قال ﵀: فقال لي زعيم منهم كبير لا ولكن لما خلق الله الخلق يعني السموات والارض وما فيهن سمىّ ذلك كله عرشاً له واستوى على جميع ذلك كله (١) وقد جاء على لسان صحابة رسول الله ايمان بالعرش وان الله مستو عليه بكل تسليم، قال الصحابي عبد الله بن رواحة: " وان العرش فوق الماء طافٍ: . وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة شداد.: . ملائكة الإله مسومينا (٢) وهكذا سلف الامة نظروا في هذه النصوص فآمنوا بها ولم يؤلوها ولم ينكروها. قال الإمام أحمد " ولله عرش وللعرش حملة يحملونه والله على عرشه (٣) ومثله ابن ابي زمنين (٤): قال: ومن قول اهل السنة ان الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء (٥)

стр. 198

وذكر ذلك الإمام الطحاوي في عقيدته " وهو مستغن عن العرش وما دونه " وفسر كلامه الشارح احسن تفسير فقال: ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش لاستواءه عليه ليس لحاجته اليه بل له في ذلك حكمة اقتضته (١) قال الذهبي مبيناً كيف اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ﵁ كما في الحديث الصحيح في مسند أحمد. " والعرش خلق لله مسخر إذا شاء ان يهتز اهتز بمشيئة الله وجعل فيه شعوراً لحب سعد كما جعل تعالى شعوراً في جبل احد بحبه النبي ﷺ ثم قال: وهذ باب واسع سبيله الايمان (٢)، وأما من كان سبيله التأويل للعرش كما عند المعتزلة فقد قالوا: أنه يراد به (معنى الملك) كما قال عبد الجبار وقال ان ذلك ظاهر اللغة يقال: مثل عرش بني فلان أي زال ملكهم (٣) وقد رد كلامه أئمة السلف: من أن العرش سرير الملك كما قال الله عن بلقيس ﴿ولها عرش عظيم﴾ النمل ٢٣. قال البيهقي ﵀: وأقاويل اهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم مجسم (٤) وقال ابن ابي العز " وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك فكيف يصنع بقوله تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية﴾ وقوله ﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود ٧ ويكون موسى ﵇ آخذ بقائمة من قوائم الملك هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول. (٥)

стр. 199

ولعظم هذه المسألة عند السلف افردوها بالتأليف كما فعل الإمام ابي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه فضائل العرش، والعرش وما روي فيه للحافظ ابن ابي شيبة صاحب المصنف والرسالة العرشية لابن تيمية وغيرهم ﵏. وفي هذا الدرب سار الإمام البخاري ﵀ في صحيحه فبوب بذكر العرش بقوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود ٤، وقوله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ التوبة ١٢٩ ثم بين الفرق ﵀ بين استوى إلى السماء واستوى على العرش وأورد قول ابي العالية ﵀ (استوى إلى السماء) ارتفع ثم (سواهن) خلقهن ثم نقل قول مجاهد في الاستواء على العرش ان (استوى) علا (على العرش) وقول ابن عباس في معنى (المجيد) أي الكريم و (الودود) أي الحبيب قال: كأنه فعيل من ماجد ومحمود من حميد قال ابن المنير: نبه البخاري هنا على مسألة لطيفة وهي ان المجيد على قراءة الكسر لا يتخيل انها صفة العرش وأنه بذلك قديم بل هي صفة الحق بدليل قراءة الرفع وبدليل اقترانها بالودود وهي صفة الحق فيكون بالكسر على الجوار حينئذٍ (١) قال الحافظ بعد نقله لكلام ابن المنير: وهو يؤيد انها عند البخاري صفة لله تعالى ما اردفه به وهو يقال حميد مجيد. . الخ (٢) ثم ساق ﵀ احاديث الباب لبيان العرش فبدأ بحديث عمران بن حصين لما جاءه بنو تميم واهل اليمن وفيه [كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والارض وكتب في الذكر كل شيء] واراد به ﵀ الاخبار بكون العرش على الماء عند ابتداء خلق السموات والارض، قال ابن خزيمة ﵀ (

стр. 200

معنى قوله وكان عرشه على الماء كقوله وكان الله عليا حكيما) (١) يعني ان كان هنا لا تدل على أن ذلك امر قد مضى وانقضى بل تدل على ثبوته فهو كان ولا يزال على ما كان وليس معنى ذلك ان شيئا من مفعولاته قديم معه بل هو خالق كل شيء وكل شيء سواه مخلوق له وكل مخلوق محدث كائن بعد ان لم يكن مع أنه تعالى لم يزل بصفاته خالقاً فعالاً لما يريد (٢) والبخاري أورد هذا الحديث للدلالة على عظم العرش وان له شأناً غير السموات والارض وان وجوده قبل وجودهما، ومثل هذا الحديث الذي رواه ابو هريرة وفيه (وعرشه على الماء) فالعرش والماء سابق على وجود السموات والارض بزمن لا يعلم مقداره إلاّ الله. ثم أورد حديث افتخار أم المؤمنين زينب على ازواج رسول الله ﷺ تقول " زوجكن اهاليكن وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع سموات) وهذا بيان ان العرش فوق السموات فيكون الله فوق السموات لأنه سبحانه فوق العرش (٣) والرواية الاخرى (ان الله انكحني في السماء) مثل سابقتها بالمعنى إذ هو في جهة العلو سبحانه علو ذات وعلو صفات، ثم أورد حديث ابي هريرة وفيه (ان الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه ان رحمتي سبقت غضبي) فهنا ظرفان مختصان بالمكان وقد اضيفا إلى الله تعالى فلا بد ان هذه الاضافة تقتضي تخصيصاً للعرش على غيره من السموات والارض وقد تكلف في هذا الحديث تأويلاً له ما ليس لنا به حاجة إذا آمنا أنه على الحقيقة وأوكلنا علم كيفيته إلى الله (٤)

стр. 201

ثم حديث ابي هريرة ﵁ وفيه [فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فأنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة] وقد ساق البخاري لبيان أن أعلى مخلوق هو العرش وليس فوق العرش مخلوق ولكن الرحمن جل وعلا فوقه كما قال ابن خزيمة (فالخبر يصرح ان عرش ربنا فوق جنته) وقد أعلمنا أنه مستو على عرشه الذي هو فوق جنته (١) ثم حديث ابي ذر ﵁ قال ﷺ : بعد ان غربت الشمس أتدري أين تذهب هذه قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب تستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ثم قرأ ﴿ذلك مستقرٌ لها﴾ في قراءة عبد الله ابن مسعود. وكعادة البخاري في ايراد الحديث ثم لا يكون فيه موضع الشاهد لأنه ذكره في مكان آخر أو ورد في حديث ليس على شرطه، وفي هذا شحذ لطالب العلم للبحث عنه. وقد جاء الشاهد عند البخاري في بدء الخلق وفي تفسير سورة يس وفيه (فانها تذهب حتى تسجد تحت العرش) وفي رواية مسلم [قال مستقرها تحت العرش] (٢) ومعلوم أن أعلا ما تكون فيه الشمس تكون أقرب ما تكون إلى العرش وفيه دليل على علو العرش وأنه مخلوق إذ له فوق وتحت وهي صفة المخلوقات (٣) وأما سجودها فانها تسجد كل ليلة على جانب من الارض مع سيرها وفي مكان معين يحصل سجودها الذي لاندركه ولكن علمناه بالوحي سجود حقيقي يناسبها كما هو ظاهر الحديث

стр. 202

ومن يتوهم في كيفية السجود أو مكأنه فانما يقع في المحذور الذي يقع فيه كل من قاس بمقاييس البشر وصفات البشر ثم أورد أثر زيد بن ثابت ﵁ في جمع القرآن قال فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ابي خزيمة الانصاري ﵁ لم أجدها مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ حتى آخر براءة] وأورد البخاري لموضع الشاهد من آخر الآيات وهو قوله ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله إلاّ هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ قال الحافظ: وصف العرش ان له رباً فهو مربوب وكل مربوب مخلوق (١) وانما عني بوصفه - جل ثناؤه أنه رب العرش العظيم - الخبر عن جميع ما دونه انهم عبيده وفي ملكه وسلطأنه لأان العرش العظيم انما يكون للملوك فوصف نفسه أنه ذو العرش دون سائر خلقه وأنه المالك العظيم دون غيره وأن من دونه في سلطأنه وملكه جار عليه حكمه وقضاؤه (٢) وهكذا ﵀ يورد حديث ابن عباس في هديه ﷺ في دعاء الكرب وفيه (رب العرش العظيم ورب العرش الكريم) قال الكرماني " وصف العرش بالعظمة هو من جهة الكمية وبالكرم أي الحسن من جهة الكيفية فهو ممدوح ذاتاً وصفة وخص بالذكر لأنه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى (٣) ثم يورد وصف العرش بان له قوائم بحديث ابي سعيد الخدري " فإذا انا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش " فتبين أن البخاري ﵀ وافق السلف الصالح في اثبات العرش وان الله استوى عليه وأن العرش فوق جميع المخلوقات وله حملة وله قوائم وهو سقف الفردوس وأنه

стр. 203

من أول المخلوقات المعلومة لنا إذ هو على الماء قبل ان يخلق السموات والارض خلافاً لما قالته الجهمية ومن تبعهم. وقد اطلنا الكلام هنا لاطالة البخاري في بيان عظمة العرش الذي أورد في أوله أنه سبحانه استوى عليه استواء يليق بجلاله كما ذكر في كتابه خلق افعال العباد وقال: حدثت عن يزيد بن هارون (١) قال: من زعم ان الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامه فهو جهمي " (٢) فالاستواء لم يظهر إنكاره إلاّ في أوائل القرن الثاني كما قدمنا على يد الجعد بن درهم ثم تبعه من اوله حتى لا يشابه به المخلوقين فقال استولى على العرش بدلاً من استوى. ولهذا أورد البخاري قول التابعي الجليل ابو العالية (٣): استوى ارتفع وقول مجاهد استوى علا. والاستواء له عدة معانٍ فهو إما مطلق أو مقيد: فالمطلق: مالم يوصل معناه بحرف مثل قوله ﴿ولما بلغ اشده واستوى﴾ القصص ١٤ فهذا معناه كمل وتم كقولنا استوى الطعام وأما المقيد: فثلاثة اضرب الأول: إما مقيد (بإلى) كقوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ فصلت ١١، واستوى فلان على السطح وإلى الغرفة وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بإلى في موضعين في سورة البقرة في قوله تعالى ﴿هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعاً ثم استوى إلى السماء﴾ البقرة ٢٩.

стр. 204

وفي سورة فصلت ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ فصلت ١١، وهذا بمعنى العلو والارتفاع باجماع السلف. الثاني: مقيد بعلى كقوله تعالى ﴿لتستووا على ظهوره﴾ الزخرف ١٣ وقوله ﴿واستوت على الجودي﴾ هود ٤٤ وقوله ﴿فاستوى على سوقه﴾ الفتح ٢٩ وهذا معناه العلو والارتفاع والاعتدال باجماع اهل اللغة. الثالث: المقرون بواو مع التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو: استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها. وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلام العرب ليس فيها معنى استولى البتة ولا نقله احد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وقد ابطل قولهم العلامة ابن القيم من اثنين واربعين وجهاً (١) ومعلوم ان استواء الله على عرشه في القرآن الكريم جاء مقيداً (بعلى) فلا يصح إلاّ ان يكون على معنى العلو والارتفاع. وقد حاول اهل التأويل ايجاد مخارج للفظ استوى بمعنى استولى فقد سألوا ابن الاعرابي (٢) عن ذلك فقال: " لا تعرف العرب ذلك كما نقل ذلك الحافظ عن ابو اسماعيل الهروي في كتابه (الفاروق) قال ابن خلف: كنا عند ابي عبد الله بن الاعرابي يعني يحيى بن زياد اللغوي فقال له رجل ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه ٥، فقال هو على العرش كما اخبر قال ابا عبد الله انما معناه استولى فقال اسكت لايقال استولى على شيء إلاّ ان يكون له مضاد

стр. 205

والذي يدل على محاولات المعتزلة لذلك طريق هذه الرواية عن محمد بن احمد بن النضر الازدي قال: سمعت بن الاعرابي يقول: ارادني أحمد بن أبى داؤد أن أجد له في لغة العرب (الرحمن على العرش استوى) بمعنى استولى فقلت والله ما اصبت هذا (١) لأنه لو كان بمعنى استولى لم يكن خاصاً بالعرش لأنه غالب على جميع المخلوقات، وقد ناقش المعتزلة وغيرهم الإمام الدارمي ورد شبههم بالتفصيل (٢) ونختم هذا المبحث بالمقولة العلم والقول الأتم الذي صار قانوناً يحتذى ومثالاً يقتدى به في الصفات وهو قول إمام دار الهجرة مالك بن انس ﵀ لمّا سئل عن الاستواء قال له السائل: يا ابا عبد الله (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى. قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء - يعني العرق - قال واطرق القوم جعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة فاني اخاف ان تكون ضالاً وأمر به فاخرج (٣) قال الدارمي: وصدق مالك لا يعقل منه كيف ولا يجهل منه الاستواء والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية (٤)

стр. 206

المبحث الثالث: ما ورد في العلو علو الله ﵎ من الصفات الذاتية فالله ﵎ عالٍ على كل شيء علواً شاملاً، وماذكرناه سابقاً من استواءه على العرش فهو علو خاص فالعلو من الصفات الذاتية من وجه والفعلية من وجه والأدلة عليه من الكتاب والسنة والعقل والفطرة وقد آمن بذلك الصحابة ولم يتوهموا ان الله متحيز في جهة ولا يلزم ذلك من كونه فوق ﵎ وتقدس وقد خالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم فأولوا نصوص العلو وتكلفوا فيها إلى علو القدر والمكانة والفوقية بالقهر والقدرة (١) والأدلة التي ساقها الإمام البخاري هي أدلة اهل السنة والجماعة من السلف الصالح فقال ﵀: باب قول الله ﴿تعرج الملائكة والروح اليه﴾ والعروج هو الصعود كما فسره (٢) البخاري في قوله تعالى ﴿من الله ذي المعارج﴾ يقال ذي المعارج الملائكة تعرج إلى الله وكذلك فسر ﵀ المعارج في سورة الزخرف ﴿لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج﴾ الزخرف ٣٣ قال وهي درجٌ فعروج الملائكة إلى فوق كما قال الراغب (العروج ذهاب إلى فوق) (٣) ثم قال البخاري ﵀: وقوله تعالى ﴿اليه يصعد الكلم الطيب﴾ وساق اثر مجاهد ﵀ وهو: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وقد وصله بالاسناد ابن جرير والبيهقي رحمهما الله. ولفظه عند ابن جرير: الكلام الطيب ذكر الله والعمل الصالح آداء فرائضه فمن ذكر الله

стр. 207

في آداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به (١)، وهذا نص من الكتاب وغيره معه كما قال تعالى ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ النحل ٥٠ وقوله ﴿اني متوفيك ورافعك الي﴾ آل عمران ٥٥ وغيرها من الآيات. ومن السنة النبوية المطهرة أورد ﵀ حديث ابي هريرة المشابه لهذه الآيات وهو قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتو فيكم) وهذا هو الشاهد عنده ﵀ قال الحافظ وقد تمسك بظواهر احاديث الباب من زعم ان الحق في جهة العلو (٢) وظاهر سياق النصوص يدل على أن البخاري يقول بذلك كأن البخاري ﵀ يفسر تلك الآيات بهذا الحديث وقد خاطبهم الله الملائكة بدون واسطة إذ لو كان بوحي لم يكن هناك فرق بين كونهم في السماء أو في الارض ومثله حديث ابي هريرة الآخر (من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلاّ الطيب) ففيه معنى الفوقية وصعود الشيء اليه سبحانه وهذا من البخاري ﵀ تنويع في الادلة إذ ساق بعده حديث الكرب الذي تقدم في ذكر العرش، وساقه هنا لان الله اخبرنا أنه مستو على العرش، والعرش سقف المخلوقات وليس فوقه مخلوق، ثم ساق حديث بعث علي بن ابي طالب إلى النبي ﷺ بزكاة من اليمن ولمّا قسمها بين أصحابه. . . وفيه (فقال يا محمد اتق الله فقال ﵊ فمن يطيع الله إذا

стр. 208

عصيته؟ فيأمنني على أهل الارض ولا تأمنونني) والشاهد في هذا الحديث في رواية اخرى تقدمت في باب المغازي من الصحيح كما هي عادة البخاري وهي (الاّ تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءاً) وهذا هو المقصود من الباب كما قال الحافظ ﵀ " وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة لكنه جرى على عادته في إدخال الحديث في الباب للفظه تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها ويريد بذلك شحذ الأذهان والبعث على كثرة الاستحضار (١) و(في) هنا بمعنى (على) كما قال البيهقي عن احمد بن إسحاق الضبعي كما في قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ التوبة ٢، أي على الأرض. (٢) والسماء هي جهة العلو لا السماء التي تحت العرش قال شيخ الإسلام " من توهم بان كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب؛ إن نقله عن غيره؛ وضال إن اعتقده في ربه بل هو فوق كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته (٣) ومثله قوله تعالى ﴿ء أمنتم من في السماء) الملك ١٦ فإن الجهمية ومن تبعهم يؤلونها إلى من في السماء ملكه وسلطأنه ونحو ذلك ومن نظر في هذه الآية ثم قارنها بأختها التي تشبهها في سورة الإسراء بان له من هو الذي في السماء. قال تعالى ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلاّ إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا﴾ الإسراء ٦٧، وهنا لا ريب أن الضمير عائد إلى الله ثم تتابع الآية ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو

стр. 209

يرسل عليكم حاصباً﴾ الإسراء ٧٨، ولا يزال الضمير عائداً على الله ففي آية الإسراء ﴿أفأمنتم أن يخسف. . . . . . أو يرسل﴾ وفي سورة الملك ﴿ء أمنتم من في السماء أن يخسف. . . . . . أم أمنتم من في السماء أن يرسل﴾ فالله هنا يخوفنا نفسه كما قال ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أل عمران ٢٨، وهكذا فسرت الآيات بعضها. وقال القرطبي (ء أمنتم عذاب من في السماء أن عصيتموه). (١) ثم أورد حديث أبي ذر في الشمس وقوله عليه الصلاة السلام (ومستقرها تحت العرش)، وهو مثل الذي قبله في استواء الله على عرشه وان عرشه أعلى ما تصل إليه الشمس في أوجها تكون تحته والله فوق العرش كما أخبر سبحانه. وهذه الأدلة التي ساقها البخاري كتاباً وسنةً وعقلاً يفهم من النصوص أضاف إليها ﵀ دلالة الفطرة على علو الله ﵎. فأورد أثر أبي ذرٍ لما بعث أخاه إلى مكة يستطلع له خبر الرسول ﷺ زمن بعثته فقال لأخيه: إعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء) ومعلوم أن الخبر لا يأتي إلا من مخبر والمخبر الذي يرسل الرسل بأوامره ونواهيه هو الله - جل وعلا - وهو في السماء أي في العلو بائن من خلقه (٢) قال ابن أبي شيبة (٣) في كتاب العرش: اجمع الخلق جميعاً انهم إذا دعوا الله جميعاً رفعوا أيديهم إلى السماء فلو كان الله في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو

стр. 210

معهم في الأرض (١) ومثله قال ابن قتيبة ﵀: وأما قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ فاطر ١٠، فكيف يصعد إليه شيء وهو معه؟ أو يرفع إليه عمل وهو عنده؟ وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة؟ ولو أن هؤلاء - يعني منكرو العلو - رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى وهو بالمكان الرفيع وان القلوب عند الذكر لتسموا نحوه والأيدي ترفع بالدعاء إليه ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر وينزل الرزق. (٢) ونختم هذا المبحث بقصة الإمام الجويني المشهورة مع الهمذاني محمد بن الحسن الذي قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه ٥، فقال: كان الله ولا عرش - وجعل يتخبط بالكلام - فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلاّ قبل أن يتحرك لسأنه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت - وبكيت وبكى الخلق - فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة ونزل قال فسمعت أصحابه يقولون: سمعناه يقول حيرني الهمذاني (٣) وحدث مثل هذا لابن تيمية وقد حكاه بقوله: ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا - يعني العلو والفوقية - من هو من مشايخهم وهو يطلب مني حاجة وأنا أخاطبه في هذا المذهب

стр. 211

كأني غير منكر له وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا الله فقلت له: أنت محقق! لمن ترفع رأسك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: استغفر الله ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته ثم بينت له فساد هذا القول فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (١) ولعظم هذه المسألة وظهورها لدى أئمة أهل العلم أفردوها بالتأليف كابن قدامة في (إثبات صفة العلو) وابن القيم (اجتماع الجيوش الإسلامية) والذهبي (العلو للعلي الغفار) وغيرهم ممن جعلها ضمن مسائل العقيدة ﵏ جميعاً وقبلهم جميعاً أشار اليها امامنا البخاري ونوع في الأدلة عليها وساق الارشادات البديعة والاستنباطات من النصوص وأورد الأدلة العقلية التي فهمها من كلام الله وكلام رسول الله ﷺ

стр. 212

الفصل الثالث: ما ورد في الرؤية رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بأبصارهم من المسائل التي تضافرت عليها النصوص وتواترت فيها الآثار وقام عليها إجماع سلف الأمة وسألوا الله أن لا يحرمهم النظر إليه ولكن أبا جهم ومن تبعه من المعتزلة وغيرهم إلا نفي الرؤية وحجتهم " إن إثبات الرؤية يؤدي إلى حدوث الله لان الشيء إنما يرى إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل وهذه من صفات الأجسام فيوجب ذلك أن يكون الله تعالى جسماً وإذا كان جسماً صار محدثاً وإذا كان جسماً تجوز عليه الحاجة. (١) وكان ذلك أصلاً من قول جهم الذي نفى الرؤية أحد أصوله كما نقل لنا ذلك الإمام احمد ﵀ في رده على الجهمية فذكر أن الجهم بنى اصل كلامه على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها وذكر منها آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة قال تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ الأنعام ١٠٣ (٢) ونفى الرؤية عن الله مع النصوص الواردة الكثيرة مؤذن بكفرنا فيه وقد نقل هذا عن الإمام احمد ﵀ أنه قال: من قال أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر عليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس. (٣) وليس للنافين للرؤية إلا تأويل بعض الأدلة أو التعليق بمفهوم بعضها كقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أو حجة. أن الرؤية توجب كون المرئي محدثاً حالاً في مكان فأولوا قوله ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ القيامة ٢٢ - ٢٣، بأنها منتظرة وهذا خلاف تفسيرها الذي

стр. 213

أثُر عن السلف قال ابن عباس “ مسرورة إلى ربها (ناظرة) قال تنظر إلى ربها، ومثله عن الحسن البصري ومجاهد وعكرمة. (١) قال الإمام أبو الحسن الأشعري " ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار لان النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه (٢) قال وهذا مما يبطل قول المعتزلة: لان نظر الانتظار لا يكون مقروناً بقوله (إلى) لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار (إلى) (٣) وقد قيل للإمام مالك: أن أقواماً يقولون تنظر ما عنده فقال: بل تنظر إليه نظراً (٤) وأما قولهم أن قوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فيه نفي للرؤية لأن الآية عامة عندهم فهذا لا يسلم لهم لان المنفي هنا هو الإدراك فالإدراك هو الإحاطة ونفي الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية فقد تقع الرؤية بدون الإدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية. فقوم موسى قالوا له (إنا لمدركون) مع قوله ﴿فلما تراءى الجمعان﴾ فقال موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) فنفى موسى ﵇ الإدراك مع إثبات الترائي. وهذا هو تفسير ابن عباس لما تكلم في الرؤية فقال له رجل أليس قال الله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فقال له ألست ترى السماء قال بلى قال أتراها كلها قال: لا فبين له أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية. (٥)

стр. 214

وما دليلهم العقلي إن الرؤية توجب تجسيم وحدوث المرئي فهذه على جميع منكري الصفات من قياسهم الأمور الغيبية على ما ألفوه في دنياهم وقياس الخالق بالمخلوق. قال ابن بطال (وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي. (١) هذه هي أقوي أدلة المعترضين للرؤية ولأهل السنة الآيات الصريحة والأحاديث الكثيرة في هذه الكرامة التي يمن الله بها على عباده. وقد بوب البخاري بهذه الآية فقال: باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾ القيامة ٢٢، ٢٣. وقد تقدم قول السلف فيها وقد بلغ الإمام أحمد أن رجلاً قال: إن الله لا يرى في القيامة فقال: لعنه الله من كان من الناس - أليس الله يقول ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقال ﴿كلا انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ (٢) المطففين ١٥. ثم ساق الإمام البخاري ﵀ الأدلة من السنة على الرؤية منها حديث جرير ﵁ قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذا نظر إلى القمر ليلة البدر قال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " الحديث. والحديث الآخر: " إنكم سترون ربكم عياناً ". وحديث: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته".

стр. 215

وفي هذه الأحاديث تأكيد من رسول الله ﷺ للرؤية بأن وبالفعل المضارع المسبوق بالسين وبقوله (كما ترون هذا القمر) مع إشارته إليه فأي بيان بعد ذلك. وقوله (لا تضامون) بفتح التاء وتشديد الميم والمعنى إنكم ترون ربكم رؤية واضحة لا تحتاجون في رؤيته أن ينضم بعضكم إلى بعض لتتساعدوا على الرؤية كما يقع عند رؤية الأمور الخفية. (١) وقوله (إنكم سترون ربكم عياناً) ومعناه عياناً أي بأعينكم وهذا الحديث ذو دلالة واضحة، وقوله (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا) يعني القمر فيه دلالة على أن الرؤية ستقع يوم القيامة وليس هناك تشبيه للمرئي بالمرئي بل تشبيه بالرؤية للرؤية ثم ساق ﵀ حديث أبي هريرة الطويل وفيه: الذي دلالته من أوضح الدلالات حيث سأل الصحابة الرسول ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم " هل تضارون في القمر ليلة البدر " فقالوا: لا يا رسول الله قال: (فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب) فقالوا لا يا رسول الله، فقال: (فإنكم ترونه كذلك) وهنا بين ﵊ انهم سيرونه كما يرون القمر ليلة البدر والشمس ليس دونها سحاب. وفي سياق الحديث: (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه)، فانهم سيرونه ﵎ على صورته اللائقة بجلاله وقد أطال أهل العلم الكلام في الصورة.
следующие страницы →