يسمونه تدليس التسوية" (١) وهذا النوع هو الذي أشار إليه الخطيب بقوله: "وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ويُحسّن الحديث بذلك" (٢)، إلا أن ابن حجر تعقّب العراقي في ذلك، فقال:
"عندي أن ما فعله ابن الصلاح هو اللائق، والتحقيق أنه ليس لنا إلا قسمان:
الأول: تدليس الإسناد، والثاني: تدليس الشيوخ.
ويتفرع على الأول تدليس العطف، وتدليس الحذف.
وأما تدليس التسوية، فيدخل في القسمين، فتارة يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة يسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند،
وهذا يسميه القدماء: تجويدا، فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء" (٣)
وأوضح المراد بتدليس القطع والعطف بقوله: "ويلتحق بتدليس الإسناد تدليس القطع: وهو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على قوله مثلا الزهري (٤) عن أنس (٥). وتدليس العطف:
стр. 247
وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخا آخر له ولا يكون سمع ذلك من الثاني (١) " (٢)
والرواة المدلسون مراتب وطبقات، فمنهم من يُدلس عن الثقات ومنهم من يُدلِّس عن الضعفاء، وحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (٣)
نخلص مما سبق:
أن السقط في الإسناد نوعان: سقط ظاهر، وسقط خفي، وعدّ بعضهم وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع؛ لذا كان التعبير بنفي الاتصال يشمل كل ما يُعلّ به الحديث في سنده من حيث السقط الظاهر أو الخفي، وسواء كان الساقط واحداً أو متعدداً، متفرقاً، أو متتالياً، وسواء كان السقط في أوّل الإسناد أو وسطه أو آخره، فإن انقطاع السند يطعن في صحته ... وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلاً للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضاً واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.
стр. 248
السبب الثاني: الطعن (١) في عدالة الرواة أو أحدهم:
سبق في فصل الصحيح بيان معنى العدالة، والمراد منها، ومن ذلك قول ابن الصلاح: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ... وتفصيله أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة." (٢)
وجاء عن الإمام مالك ﵀ قوله: "لا يؤخذ العلم من أربعة، وخذوا ممن سوى ذلك؛ لا يؤخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لا يعرف ما يحدث." (٣)
والطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال أو البدعة، قال ابن حجر: "ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط." (٤)
"أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس:
١ - الأول بالكذب ٢ - والثاني باتهامه بالكذب ٣ - والثالث بالفسق ٤ - والرابع بالجهالة ٥ - والخامس بالبدع" (٥) وهي على التفصيل كما يلي:
стр. 249
الأول: طعن الراوي ووصفه بالكذب:
وذلك: إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يقله، متعمداً الكذب، ويثبت كذبه في الحديث النبوي إما بإقرار الواضع، أو بغير ذلك من القرائن، ويُسمّى حديث المطعون بالكذب موضوعاً. (١)
الثاني: اتهام الراوي بالكذب:
"بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي." (٢)، ويُسمّى حديث المتهم بالكذب متروكاً. (٣)
وقد سبق معنا قريباً قول الإمام مالك: "لا يؤخذ العلم من أربعة, ... ذكر منهم: ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس, وإن كنت لا تتهمه أن يكذب في حديث رسول الله ﷺ ... " (٤)
الثالث: طعن الراوي ووصفه بالفسق:
و"أصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة، والجَوْر، وبه سُمّي العاصي فاسقا." (٥)
وقيل: الفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة. (٦)
стр. 250
والمراد بالفسق هنا: الفسق العملي أي بالقول أو الفعل، أما الفسق بالمعتقد فهو داخل في الابتداع، وأكثر ما تُستعمل البدعة في الاعتقاد. والكذب وإن كان داخلا في الفسق العملي لكنهم عدوه أصلا على حدة، وأفردوه بالذكر في أولى مراتب الطعن في عدالة الراوي؛ لكون الطعن به أشد وأغلظ. (١)
وخبر الفاسق بارتكاب الكبائر والخروج عن طاعة الله تعالى لا يُقبل، وإن لم يظهر عليه الكذب، لأنه لا يؤمن أن يقع فيه حيث إنه مستهتر بمقام ربه، قد هتك الستر بينه وبينه والعياذ بالله، ولأن النصوص قد نهت عن قبول خبره بمجرد الفسق. إلا إذا أقلع عن ذنبه وتاب توبة نصوحا تبدل ما كان من حاله، إلى حال التقى فإنه يقبل خبره وتعود عدالته؛
لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). أما من لم يقع في الكبيرة، ولا عرف بالإصرار والاستهتار في الصغائر، فإنه يقبل حديثه، ويغتفر له ما قد يبدو منه من الهفوات، ويوهب نقصه لفضله. (٣)
الرابع: طعن الراوي ووصفه بالجهالة:
стр. 251
والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. (١) وسبب الطعن بالجهالة؛ لأنه لما لم يُعرف اسمه وذاته لم يُعرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة. (٢)
وقال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه, ولا عرفه العلماء به, ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" (٣).
وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور.
وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعداً ولم يُوثّق. (٤)
وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعداً عنه قال الخطيب البغدادي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك ... إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" (٥).
"وإنما يصبح من طبقة (مجهول الحال) وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة أو (المستور) وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم" (٦).
стр. 252
"الأصل في المجهول التوقف في حديثه حتى تستبين عدالته، وهو ملحق بالحديث الضعيف حكماً لفقدانه أحد شروط الصحة؛ إلا إن وجد مؤيد ومقوٍّ له من متابعة أو شاهد، فإنها قد تجبره وترتقي به" (١).
الخامس: طعن الراوي ووصفه بالابتداع (٢):
البدعة في اللغة: ابتداء الشيء لا عن مثال سابق، يُقال: أبدعت الشيء قولا أو فعلا: إذا
ابتدأته أو اخترعته لا عن سابق مثال. (٣)
стр. 253
وفي الاصطلاح: قال ابن حجر: "هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي ﷺ ، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة." (١)
والبدعة "إما أن تكون بمكفر:
١ - كأن يعتقد ما يستلزم الكفر.
٢ - أو بمفسق.
فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل. (٢)
والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.
فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله. (٣)
والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده:
فقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع.
وقيل: يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم.
стр. 254
وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته (١)؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح " (٢)
"وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء". (٣)
وما وقع في صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما من وقوع الرواية عن بعض المبتدعة، فقد اعتذر الحافظ ابن حجر ﵀ عن ذلك بأنه: "لم يكن داعية، أو كان وتاب، أو اعتضدت روايته بمتابع". (٤)
ثم إن عدد هؤلاء الرواة - ممن فيهم بدعة - تسعة وستون، (٥) وهو عدد يسير جداً مقارنة بعدد رواة البخاري وهم بضعة آلاف، وهذا يُظهر جلياً أن الرواية في الصحيح عن المبتدعة معدول بها عن الأصل. (٦)
стр. 255
نخلص مما سبق:
الطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل، وتتأثر شدتها كذلك حسب تشدد الناقد أو تساهله، وغالب دلالات هذه الألفاظ مرتبط بجانبي العدالة والضبط عند الراوي (١)، والتي تؤثر في درجة ضعف الحديث بين الضعف المحتمل والشديد، ولأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية كان الطعن فيها أشد.
стр. 256
السبب الثالث: الطعن (١) في ضبط الرواة أو أحدهم:
سبق الحديث عن المراد بالضبط وأنواعه ضمن قيد الضبط في فصل الحديث الصحيح،
والضبط نوعان وضّحهما ابن حجر ﵀ بقوله:
"والضبط: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه." (٢)
والمراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته (٣) مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ولا ريب أن هذه الصفات تتفاوت بين الجرح الخفيف والشديد، أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله: "ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط. ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر؛ لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد" (٤)، فلم يحرص ﵀ على التمييز بين
стр. 257
وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة وبين وجوه الطعن المتعلقة بالضبط إنما سردها حسب شدة الطعن من الأشد وهو الوصف بالكذب إلى الأخف وهو الوصف بسوء الحفظ.
"أما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضا خمسة:
١ - فرط الغفلة.
٢ - كثرة الغلط.
٣ - مخالفة الثقات.
٤ - الوهم.
٥ - سوء الحفظ." (١)
وهي على التفصيل كما يلي:
الأول: وصف الراوي بفحش الغلط:
الغلط في اللغة: خلاف الإصابة، وأن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه. (٢)
والمراد بفحش الغلط: أي: كثرته، وفحش الغلط في رواية الراوي أي: غلبة غلطه على صوابه. (٣)
قال سفيان الثوري: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد, إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك" (٤).
الثاني: وصف الراوي بكثرة الغفلة:
المغفل في اللغة: من لا فطنة له (٥)، والغفلة: عدم الفطنة لتمييز الصواب من الخطأ.
стр. 258
والمراد بكثرة غفلة الراوي في الرواية: غلبة غفلته على تيقّظه فلا يتقنها. (١)
و"فرط الغفلة وكثرة الغلط متقاربان، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث، والغلط في الإسماع والأداء" (٢)، وقد أطلق ابن حجر وصف النكارة على حديث فاحش الغلط أو كثير الغفلة فقال: "فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر" (٣).
وقد أشار الحميدي إلى بعض أنواع الطعون التي يُردّ بها الحديث، وذكر منها: فحش الغلط، وأوضح المراد بالغفلة التي يُردّ بها حديث الراوي فقال:
"فإن قال قائل: فما الشيءُ الذي إذا ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولا؟
قلنا: أن يكون في إسناده رجل غيرُ رِضا، بأمرٍ يَصِحُّ ذلك عليه: بكذب، أو جَرْحَةٍ في نفسه تُردُّ بمثلها الشهادة، أو غلطا فاحشا لا يَشْبَهُ مثله، وما أشبه ذلك.
فإن قال: فما الغفلة التي تَرُدُّ بها حديث الرجل الرِّضا الذي لا يُعرَفُ بكذب؟
قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيُقال له في ذلك، فيترُك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا، أو يُغيِّره في كتابه بقولهم، لا يَعقِل فرق ما بين ذلك، أو يُصحِّف تصحيفا فاحشا، فيقلب المعنى لا يَعقِلُ ذلك، فيُكَفُّ عنه" (٤)
الثالث: وصف الراوي بالوهم:
стр. 259
الوَهِم - بكسر الهاء - في اللغة: الغلط والسهو. (١)
والمراد بوهِم الراوي في الرواية: أي أخطأ وسها ورواها على سبيل التوهم.
والطعن على الراوي إنما يكون من جهة الوهم والنسيان وخطئه في الرواية، وكثيراً ما تُعلُّ الأحاديث بسبب الوهم وهذا أغمض علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزق فهما وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وأحوال الأسانيد والمتون. (٢)
قال عبدالرحمن بن مهدي (٣): "الناس ثلاثة , رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه , وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة , فهذا لا يترك حديثه , وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم , فهذا يترك حديثه" (٤).
الرابع: وصف الراوي بمخالفة الثقات:
المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٥).
стр. 260
وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (١).
والمراد بها: مخالفة الراوي - سواء كان ثقة أو ضعيف- لمن هو أرجح منه، فإن كان المُخالِف ثقة سُمِّي حديثه في اصطلاح المتأخرين شاذاً، وإن كان المُخالِف ضعيفاً سُمِّي
حديثه منكراً. (٢) قال ابن حجر: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا." (٣)
ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٤)
стр. 261
وجعل المخالفة "من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط، من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغير والتبديل". (١)
الخامس: وصف الراوي بسوء الحفظ:
ذكر ابن حجر المراد بسوء الحفظ بقوله: "من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه" (٢)، وعرفه كذلك بأنه "عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته" (٣)، وفرّق بين كثير الغلط وسيِّئ الحفظ فقال:
стр. 262
"وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقلُّ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط
علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وأن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء.
وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيِّئ الحفظ، أو لَهُ أوهام، أو لَهُ مناكير وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه، كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك" (١)
أي: إن أُخرِج في الصحيحين أو أحدهما من رواية سيِّئ الحفظ أو كثير الغلط فالاعتماد على أصل الحديث لا على هذه الطريق، وإنما هي من باب المتابعات والشواهد، ونسبة رواية كثير الغلط -في المتابعات- أقل من سيِّئ الحفظ.
فوصف سيِّئ الحفظ - عند ابن حجر- في أدنى مراتب التجريح وأسهلها (٢)، وفي أدنى مراتب طعن الراوي في ضبطه كما سبق معنا عند ترتيبه لوجوه الطعن في الراوي من الأشد إلى الأخف؛ لذا كانت روايته قابلة للانجبار إذا وُجد لها متابع فقال:
стр. 263
"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، ... صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع" (١)
بالإضافة إلى ما سبق، فإنه جعل سوء الحفظ على قسمين:
١ - "إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث.
٢ - أو إن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي؛ إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء فهذا هو المختلط." (٢)
فنجده وصف رواية سيِّئ الحفظ - إن كان لازماً للراوي- بالشذوذ، بينما أطلق وصف المنكر على رواية فاحش الغلط، والمنكر -عند ابن حجر- أشد ضعفاً من الشاذ. (٣)
نخلص مما سبق:
المراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ويتفاوت الطعن بين الجرح
стр. 264
الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.
السبب الرابع: انتفاء العاضد (١) في الضعيف القابل للانجبار:
إن من الحديث ما يكون ضعفه يسيراً قابلا للانجبار في حال وجود ما يعضده ويقويه، وسبق معنا في الحديث الحسن بيان المراد من قيد المعاضدة والمتابعة، حيث خصّ هذا
القيد - من أنواع الحديث المقبول- الحديث الحسن لغيره، إذ كان فيه ضعف خفيف انجبر بالمُعاضِد من المتابع أو الشاهد، وأصبح في عداد المقبول، أما إن انعدم المُعاضِد بقي الحديث على حاله من الضعف.
فهذا السبب أو المسلك من مسالك الضعف إنما يخص أنواعاً من الضعيف وهو القابل للانجبار، أما غير القابل للانجبار فيظل على حاله سواء وُجد له متابع أم لم يوجد.
قال ابن الصلاح: "ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:
فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.
стр. 265
وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم." (١)
وقال ابن حجر في كتابه النزهة:
"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه
صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه." (٢)
ولتقوية الحديث الضعيف شروط، حصرها الدريس في ستة شروط (٣) على النحو التالي:
стр. 266
١ - أن لا يكون فيه متهم بالكذب أو من لا يُعتبر به.
٢ - أن يروى من وجه آخر فأكثر، ... وأقل ما تحصل به تقوية الضعيف أن يروى من وجه آخر صالح للاعتبار، وكلما كثرت الطرق المعتبر بها، كلما قوي الظن بثبوت الحديث (١).
٣ - عدم مخالفته لما هو أقوى منه (٢).
٤ - أن لا يختلف معنى المتن (يُشترط في متن الشاهد أن يكون موافقاً في معناه لحديث الأصل) (٣).
٥ - اختلاف المخارج، والمقصد من اشتراط ذلك: أن يكون للحديث أكثر من راوٍ واحد، وحتى لا تكون الطرق المتعددة في حقيقتها تدور على راوٍ واحد، ولا شك
стр. 267
أنه كلما كانت المخارج مختلفة ومتنوعة مع صلاحيتها للاستشهاد كان ذلك أقوى وأكمل وأبلغ في انجبار الضعف (١).
٦ - أن يحصل غلبة ظن بقوة الحديث من مجموع الطرق الضعيفة. (٢)
ومن الأسباب التي قد تكون مانعة لتقوية الحديث الضعيف المعتضد بحديث آخر مثله قابل للاعتضاد، ولها تأثير في غلبة ظن الباحث ما يلي:
- أن يترجح للناقد أو الباحث خطأ الراوي الشاهد أو خطأ الراوي الأول (٣).
- أن يكون المتن فيه إثبات فرض أو تحريم (٤).
- تفرد الضعيف بما لا يُحتمل له. (٥)
стр. 268
- إذا اجتمع في الحديث أكثر من سبب للضعف (١).
- وجود سبب خاص أو قرائن خاصة (٢) تُضعف صلاحية الحديث للاستشهاد. (٣)
نخلص مما سبق:
تتفاوت درجات الحديث الضعيف في الضعف بين خفيف الضعف وشديده، وخفة الضعف تنجبر بوجود العاضد المقوي لها -بالشروط التي سبق ذكرها- بينما الشديد الضعف يظل على حاله ولا يقبل الانجبار.
وإن انتفاء العاضد للضعيف القابل للانجبار يجعل الحديث الضعيف باقياً على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.
السبب الخامس: الشذوذ المردود (٤):
وجود الشذوذ المردود أو النكارة في الحديث من مسببات ضعفه، وقد اعتبر ابن الصلاح كلاً من الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وفرّق بينهما ابن حجر، واعتبر إطلاق الشذوذ خاص بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، بينما النكارة تُطلق على مخالفة الضعيف، وذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاقاً آخر عند المحدثين، وهو إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي
стр. 269
سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته (١)، وإطلاقهم النكارة على رواية فاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق. (٢)
وسبقت الإشارة إلى معاني الشاذ في الاصطلاح (٣) - وأنها تراوحت بين معانٍ ثلاثة هي:
مخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام.
وخَلَص ابن الصلاح إلى أن "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (٤)
وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر "الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة (٥) " (٦)
قال السخاوي -موضحاً موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ-:
"على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح
стр. 270
وأصح، فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح ; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه.
ولا يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به ... " (١)
ثم أردف ذلك بقوله: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا، بخلاف العلة القادحة; كالإرسال الخفي (فتوذي) لوجودها الصحة الظاهرة، ويمتنع معها الحكم والعمل معا." (٢)
ويمكن صياغة المراد بالشذوذ المردود -ويدخل ضمنها النكارة (٣) - بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه وتعذّر الجمع بينهما، فمتى وجد من الراوي
تفرّد لا يُحتمل منه (٤)، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظاً وإتقاناً أو عدداً، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت لشذوذها أو نكارتها، ولم تقبل الانجبار؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.
"ويدخل في المعارضة التي يُرد بها الحديث الضعيف ولو اُعتضد بغيره أن يكون مُعارضاً لآية من كتاب الله أو لقاعدة من قواعد الشريعة المقررة أو لمقصد من مقاصد الشريعة العامة أو الخاصة، ولكن يجب أن يُطبّق ذلك بوسطية بعيدة عن الغلو والتكلف.
стр. 271
وغني عن القول أن تطبيق هذا الشرط يحتاج لأن يكون المعني به ذا حظ وافر من الفقه، ومن الخبرة بكتب مختلف الحديث ومشكله، وأن يعرف مناهج الأئمة وأساليبهم في الجمع والترجيح، وأن يفرق بين الجمع المتكلف وغيره، وبين الجمع الممكن والجمع اللازم، وعليه أن يعرف متى يقدم الترجيح على الجمع والعكس، ولا يتسنى ذلك إلا لمن رزقه الله الجمع بين الحديث والفقه مع طول الممارسة وتواصل الخبرة." (١)
نخلص مما سبق:
يعدّ الشذوذ المردود -ويدخل ضمن ذلك النكارة أيضاً- من مسالك الضعف إلى الحديث، ويمكن اختصار تعريفهما بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه مع تعذّر الجمع بينهما.
فمتى وجد من الراوي تفرّد لا يُحتمل منه، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظاً وإتقاناً أو عدداً، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت، ولم تقبل الانجبار؛ لشذوذها -وذلك في حال كون المُخالِف ثقة- أو نكارتها في حال كون المُخالِف ضعيفاً؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.
السبب السادس: وجود العلة (٢) القادحة في القبول:
العلة بشكل عام تُطلق على كل ما يقدح في صحة الحديث، وفي الاصطلاح على الخفي منها، والعلة الخفية تتطرق غالباً للأحاديث التي ظاهرها الصحة، فإذا ضُعِّف إسناد
стр. 272
لوجود راوٍ مجروح أو لانقطاع في سلسلة الإسناد، ونحو ذلك فهذا ظاهر العلة، وليس مراداً في هذا المبحث إذ سبق بيان أنواع الضعف الظاهر في المباحث السابقة. (١)
قال الحاكم: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٢)
"ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في
حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (٣)
وقد تُؤثر بعض أنواع العلل في ضعف يسير ينجبر بمعاضدة غيره له إلا أن المقصود هنا هي: العلة الخفية والتي تسبب ضعفاً شديداً لا يقبل الانجبار، والتي غالباً ما تأتي من خطأ الرواة أو بعضهم، ووهمهم، وسواء كان وجودها في الإسناد أو في المتن، إلا أن صفتها: أن تكون خفية وقادحة في الصحة.
ومما يدلل على تتنوع العلل بين الظهور والخفاء، والقدح وعدمه، ما ذكره ابن حجر في كتابه النكت ومثّل له من أنواع العلل القادحة وغير القادحة حيث قال:
стр. 273
"مثال ما وقعت العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقا: ما يوجد مثلا من حديث مدلس بالعنعنة، فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.
وكذا إذا اُختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.
٢ - ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف من إبدال راو ثقة براو ثقة وهو بقسم المقلوب (١) أليق، فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة
وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن- أيضا- إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة." (٢)
والعلة أنواع وأجناس متعددة ذكر الحاكم منها عشرة أجناس للعلة على سبيل التمثيل لا الحصر (٣).
وقال ابن الصلاح: "ثم اعلم أنه قد يُطلَق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل (٤)، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح. (٥) ... ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو
стр. 274
إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول." (١)
نخلص مما سبق:
إن من مسالك الضعف إلى الحديث وجود علة فيه، والحديث المعلل هو نوع من أنواع الحديث الضعيف، والمعنى الاصطلاحي الخاص للعلة يشمل العلة القادحة الخفية التي
يكون الظاهر السلامة منها، وهذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فإنها تتعلق بالرواية عموما، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفا وسواء كذلك أكان الوهم بالإسناد أو بالمتن (٢).
والعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات والشواهد، أو بتلقي أهل العلم للحديث بالقبول، أما العلل الخفية فلا تزول، وهي على نوعين:
أحدهما: ما كان سببه المخالفة، فتكون الرواية شاذة أو منكرة.
وثانيهما: أحاديث أعلت بأسباب أخرى غير المخالفة: كمعارضة القرآن، أو نص صحيح متواتر أو تأريخ مجمع عليه فهذه لا تزول، ويبقى الحديث معلا.
فالعلل الظاهرة وهي التي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الراوي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بين الضعف الشديد والضعف اليسير، فما كان يسيرا زال بمجيئه من
стр. 275
طريق آخر مثله أو أحسن منه، وما كان ضعفه شديدا فلا تنفعه كثرة الطرق، ولا تزول علته بذلك. (١)
وفي بيان الفرق بين التضعيف بسبب الشذوذ، والتضعيف بسبب العلة قال السخاوي: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا (٢)، بخلاف العلة القادحة; كالإرسال الخفي (فتوذي) لوجودها الصحة الظاهرة، ويمتنع معها الحكم والعمل معا" (٣).
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف .
- لم يضع - من جاء قبل ابن الصلاح- تعريفاً للحديث الضعيف أو حداً له، بل اكتفى بعضهم ببيان معنى الصحيح وشروطه أو مراتبه، وزاد آخرون ببيان معنى الحسن، واستغنوا بذكر ذلك عن تحديد معنى للضعيف؛ إذ ببيان مراتب المقبول من الحديث يتميّز ضده من المردود، فبالضّد تتميز الأشياء؛ لذا نجد أن ابن الصلاح قال في حدّ الضعيف: "كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف." (٤) وتبعه في ذلك من جاء بعده، فذهبوا إلى اختصار تعريفه، أو إعادة صياغته، بحيث دارت تعريفاتهم للضعيف على نفي شروط القَبول، فالضعيف عندهم: (ما فقد شرطاً أو أكثر من شروط القبول).
стр. 276
- وحسب ما مضى معنا في فصل الصحيح والحسن، فبمقدار اتفاقهم على كل شرط من شروط القبول، يكون اتفاقهم على أن انتفاءه يسلب الحديث صفة القبول، ويجعله في حيّز الضعف والرّد (١).
- فكما أن من شروط الصحيح والحسن لذاته اتصال سنده- كما مرّ سابقاً في فصل الصحيح والحسن- واشترطت ذلك أغلب التعريفات سوى ما ذكره الحاكم وأشار إليه من اختلافهم في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات بعض الثقات المُدلسين، ففي الغالب يُعدُّ انتفاء شرط الاتصال -أي: السقط في السند- مُخِلّاً بصحة الحديث وقبوله.
والسقط في الإسناد بوجه عام على نوعين: سقط ظاهر، وسقط خفي، فمما يندرج تحت السقط الظاهر: المعلق، والمرسل، والمنقطع، والمعضل.
ويندرج تحت السقط الخفي: المدلس، والمرسل الخفي.
وأيّاً كان موقع الساقط من الإسناد في أوّله أو وسطه أو آخره، وسواء كان الساقط واحداً أو متعدداً، متفرقاً، أو متتالياً، فإن انقطاع السند يطعن في صحته ... وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلاً
стр. 277
للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضاً واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.
هذا فيما يخص المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو: السقط في السند.
- أما ما يخص الركن الأكبر في الرواية وهي عدالة الرواة، فقد اتفقوا على اشتراطها كشرط من شروط قبول الرواية، وإن تخلل مفهوم العدالة تفاوت في مراتب رواتها -يفيد في الترجيح بينهم عند التعارض- إلا أنه غير مؤثر في مدلولها، والتأكيد على اشتراطها؛ لذا كان الطعن في عدالة الرواة من مسببات ضعف الحديث، وهو يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل.
- وغالباً ما ترتبط دلالات ألفاظ الجرح والتعديل بجانبيّ العدالة والضبط عند الرواة، لذا كان المسلك الثالث من مسالك الضعف في الرواية الطعن في ضبط الرواة.
والمراد به: وصف الراوي بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، كأن يوصف: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ.
ويتفاوت الطعن بهذه الصفات بين الجرح الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.
وغالب ألفاظ الجرح والتعديل مرتبطة بجانبي العدالة والضبط معاً، قال ابن الملقن: "واعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيا في الراوي، أو يجتمعا، أو يوجد واحد منهما فقط، فإن انتفيا فيه لم يقبل حديثه أصلا، وإن اجتمعا فيه قُبِل، وهو الصحيح المعتبر، وإن
стр. 278
وُجِدت العدالة وحدها دون الضبط قُبِل حديثه لعدالته، وتوقّف فيه لعدم ضبطه، على شاهدٍ منفصل يجبر ما فات من صفة الضبط، وإن وُجِد فيه الضبط دون العدالة لم يُقبل حديثه، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية." (١)
- ولعل ما مرّ في فصل الحسن من بيان درجات رواته (٢)، وتقسيمه إلى قسمين، أحدهما يحسُن لذاته، بينما الآخر في أصله ضعيف اكتسب الحُسن بتعدد طرقه، هو الذي حدا ببعضهم إلى اعتبار انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار، شرطاً من شروط الضعيف ضعفاّ خفيفاً قابلاً للانجبار؛ إذ أن انتفاء العاضد يجعل الحديث الضعيف باقياً على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.
وينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى ذلك تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته.
- ومن أنواع الضعيف الذي لا ينجبر (٣):
стр. 279
كون الحديث شاذاً مردوداً، أو منكراً أو معللاً بعلة قادحة في صحته، لذا كان من مسميات الحديث الضعيف غير المنجبر: المنكر، والمعلل، وسيأتي بيان كل نوع منهما في فصل مستقل بإذن الله.
وقبل الانتقال إلى الفصل الرابع، والذي يُعنى بتحرير مصطلح الحديث الشاذ، تجدر الإشارة إلى أسباب وجود الأحاديث الضعيفة في المصنفات الحديثية، والتي لخّصها بعض المعاصرين في أمور أربعة، هي:
- أن يكون الغرض من إيراد الأحاديث الضعيفة، هو: معرفة مخرجها، أي: من باب التعريف بها لا الاحتجاج (١).
- أو الذهول عن مواطن الضعف بها، وأسباب ردّها. (٢)
- أو من باب الضرورة إذا لم يكن في الباب غيره، أو لا يُعرف الحديث إلا من ذلك الوجه الضعيف. (٣)
стр. 280
- أو باب إخراج كل ما أُسند في هذا الموضوع، فيروي كل ما جمعه في هذا الباب. (١)
وبهذه الأسباب نختم الفصل الثالث؛ لننتقل إلى تحرير مصطلح الشذوذ، والذي رأيت أن يكون ترتيبه الرابع بين فصول هذا البحث؛ لتعلّقه بتحرير قيود تعريفات الفصول الثلاثة السابقة (الصحيح، والحسن، والضعيف)، وإلى الفصل الرابع: الحديث الشاذ.
стр. 281
الفصل الرابع: الحديث الشاذ
المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
стр. 282
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:
الشاذ في اللغة: مأخوذ من شذَّ يَشِذُّ ويَشُذُّ (بكسر الشين أو ضمّها) شذوذاً: أي انفرد، وندر عن الجمهور أو الجماعة أو خالفهم. وشذاذ الناس: مُتَفَرِّقوهم، الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم.
فالشذوذ في اللغة يأتي بمعنى الانفراد، والمفارقة، والتنحِّي، والإقصاء، والمخالفة. (١)
المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
بتتبّع كتب الحديث وعلومه بحثاً عن تعريف للحديث الشاذ، وبيان حدوده (٢)، وجدت أغلب من تكلّم على هذا النوع من علوم الحديث يذكر تعريف الإمام الشافعي ﵀ ثم يذكرون بعضاً من تعريفات من جاء بعده، وفي ذلك إشارة منهم إلى أنه أقدم من عرّف الشاذ من الحديث (٣)، وفيما يلي سرد هذه التعريفات حسب ترتيبها الزمني إلى عصر ابن الصلاح:
стр. 283
تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):
روى ابن أبي حاتم (١) بإسناده إلى الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يرويَ الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيُخالِفهم" (٢)، وبنحوه أخرجه الحاكم في كتابه المعرفة. (٣)
وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن الشافعي قوله: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم." (٤)
تعريف أبو بكر الأثرم (٥) (مختلف في وفاته ما بين ٢٦١ - ٢٧٣ هـ):
قال أبو بكر الأثرم: "الشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (٦)
стр. 284
تعريف صالح جزرة (١) (ت ٢٩٤ هـ)
قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف" (٢).
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
ذكر الحاكم تحت النوع الثامن والعشرين تعريف الشاذ فقال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". (٣)
стр. 285
تعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ):
عرّف الخليلي الحديث الشاذ بعد أن ذكر تعريف الشافعي له، ونسبه كذلك لجماعة من أهل الحجاز (١)، ثم أردفه بقوله: "والذي عليه حفَّاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يَشذُّ بذلك شيخ (٢)، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يُقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به" (٣)