← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142182

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

راوية بنت عبد الله بن علي جابر

Полный текст (604 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الفصل الرابع: الحديث الشاذ المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

стр. 282

المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف. المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة: الشاذ في اللغة: مأخوذ من شذَّ يَشِذُّ ويَشُذُّ (بكسر الشين أو ضمّها) شذوذاً: أي انفرد، وندر عن الجمهور أو الجماعة أو خالفهم. وشذاذ الناس: مُتَفَرِّقوهم، الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم. فالشذوذ في اللغة يأتي بمعنى الانفراد، والمفارقة، والتنحِّي، والإقصاء، والمخالفة. (١) المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): بتتبّع كتب الحديث وعلومه بحثاً عن تعريف للحديث الشاذ، وبيان حدوده (٢)، وجدت أغلب من تكلّم على هذا النوع من علوم الحديث يذكر تعريف الإمام الشافعي ﵀ ثم يذكرون بعضاً من تعريفات من جاء بعده، وفي ذلك إشارة منهم إلى أنه أقدم من عرّف الشاذ من الحديث (٣)، وفيما يلي سرد هذه التعريفات حسب ترتيبها الزمني إلى عصر ابن الصلاح:

стр. 283

تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): روى ابن أبي حاتم (١) بإسناده إلى الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يرويَ الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيُخالِفهم" (٢)، وبنحوه أخرجه الحاكم في كتابه المعرفة. (٣) وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن الشافعي قوله: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم." (٤) تعريف أبو بكر الأثرم (٥) (مختلف في وفاته ما بين ٢٦١ - ٢٧٣ هـ): قال أبو بكر الأثرم: "الشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (٦)

стр. 284

تعريف صالح جزرة (١) (ت ٢٩٤ هـ) قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف" (٢). تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ): ذكر الحاكم تحت النوع الثامن والعشرين تعريف الشاذ فقال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". (٣)

стр. 285

تعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ): عرّف الخليلي الحديث الشاذ بعد أن ذكر تعريف الشافعي له، ونسبه كذلك لجماعة من أهل الحجاز (١)، ثم أردفه بقوله: "والذي عليه حفَّاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يَشذُّ بذلك شيخ (٢)، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يُقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به" (٣)

стр. 286

تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ): قال الميانشي: "وأما الشاذ: فهو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون" (١). تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ): قال ابن الصلاح: "الشاذ المردود (٢) قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (٣)

стр. 287

تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: لقد قسّم ابن الصلاح الشاذ إلى قسمين، تضمَّنا - بشيء من التصرّف- ما ذكره السابقون له في تعريفهم للشاذ، أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح. وممن اختصر كلامه دون تعقيب: ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (١)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، بينما تعقّبه ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) في تقسيمه فقال: "وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٥). وكان ممن رجّح بين التعريفات: ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) حيث رجّح تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة

стр. 288

حديثا منفردا به - لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يسمى شاذاً، وإن اُصْطُلِح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغا له." (١) وكذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) ففي كتابه (التقريب) (٢) اختصر ما ذكره ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، لكن في كتابه (المجموع شرح المهذب) رجّح ما ذهب إليه الشافعي في الشاذ بقوله "ومذهب الشافعي وطائفة من علماء الحجاز أن الشاذ ما يخالف الثقات، أما ما لا يخالفه فليس بشاذ، بل يُحتجُّ به. وهذا هو الصحيح وقول المحققين" (٣)، وممن رجّح تعريف الشافعي أيضاً: ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) حيث اختصر كلام ابن الصلاح، وأكّد على تصويب مذهب الشافعي في الشاذ فقال: "الذي قاله الشافعي أولاً هو الصواب؛ أنه إذا روى الثقة شيئاً قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ -يعني المردود-؛ وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروِ غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلاً ضابطاً حافظاً" (٤). وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (٥) بينما اقتصر في التذكرة على ما يوافق تعريف الشافعي للشاذ، فقال: "الشاذ: وهو ما روى الثقة مخالفا لرواية الثقات" (٦). ومن أبرز التعاريف للحديث الشاذ بعد ابن الصلاح:

стр. 289

تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث اعتمد تعريف الشافعي للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف بأن قيّده بالقبول، بينما الشافعي قيّده بالثقة، فقال في كتابه (نزهة النظر): "الشاذ: ما رواه المقبول (١) مخالفاً لِمَنْ هو أَولى منه." (٢)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد (٣) في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح." وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (٤) وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) وتبعه السيوطي (ت ٩١١ هـ) (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة (٦)، ففي كتابه (فتح المغيث) ذكر ترجيح قول الشافعي في الشاذ، وأشار إلى أنه اختيار شيخه ابن حجر، فقال: "فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي؛ ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه". (٧)

стр. 290

ووضّح المراد بالحديث الشاذ بقوله: "الشاذ اصطلاحا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (الملا) - بالهمز وسهل تخفيفا- أي: الجماعة الثقات من الناس; بحيث لا يمكن الجمع بينهما" (١). المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: ابتدأ ابن الصلاح - في نوع الحديث الشاذ- بتعريف الشافعي للشاذ، وأتبعه بتعريف الخليلي ثم الحاكم، وأعقب ذلك بتصويب ما ذكره الشافعي، واستشكل ما جاء عن غيره بأفراد العدول الضابطين المخرجة في الصحيح، وقال: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيِّنه، فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا (٢). وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قُبِل ما انفرد به (٣)، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما

стр. 291

سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يُوثَق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له، مُزحزحاً له عن حيز الصحيح (١). ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك (٢)، ولم نحطَّهُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به (٣)، وكان من قبيل الشاذ المنكر." (٤) وقد فصّل وذكر أنواع التفرد الحاصلة من الرواة في روايتهم، وأثر مرتبة الراوي من الضبط والإتقان في قبول روايته أو ردّها، ثم خلص ﵀ إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.

стр. 292

والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (١) قيود الشاذ عند ابن الصلاح: نجد أن ابن الصلاح حين قسّم الشاذ إلى قسمين، جعل أحدهما موافقاً لتعريف الشافعي للشاذ من حيث اشتراط المخالفة من الراوي لغيره من الثقات؛ إلا أنه أطلق رتبة الراوي المُخالِف فيشمل بذلك الثقة وغيره، بينما الشافعي قيّد المخالِف بالثقة. وجعل القسم الثاني خاصاً بتفرّد الرواة الذين هم في الثقة والضبط دون مرتبة رواة الصحيح والحسن لذاته (٢). فالقسم الأول من الشاذ عند ابن الصلاح: مطلق المخالفة من الراوي - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه. والقسم الثاني من الشاذ عند ابن الصلاح: تفرّد الضعيف (٣)، أو بشكل أدق تفرّد من لا

стр. 293

يُحتمل تفرّده من الرواة. (١) وبتأمل قسميّ الشاذ عند ابن الصلاح فإن أبرز القيود التي تحتاج إلى تحرير في تعريفه للشاذ (٢) هما: المخالفة، والتفرّد. - مخالفة الراوي لمن هو أولى منه. - تفرّد الضعيف أو (من لا يُحتمل تفرّده). أو (التفرّد غير المحتمل). القيد الأول: المخالفة: المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٣). وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (٤).

стр. 294

ثم أشار إلى بعض أسباب هذا التغاير فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها" (١). ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٢) والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث. (٣) وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي ﵀ إلا أنه جعل الشذوذ خاصاً بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه. وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه. أما المثال الذي ذكره أبو بكر الأثرم في كتابه ناسخ الحديث ومنسوخه في باب صيام العشر (٤) فهو من حديث موسى بن عُلي (٥) عن أبيه (٦) عن عقبة بن عامر (٧)

стр. 295

أن رسول الله ﷺ قال: ((يوم عرفة وأيام التشريق أيام أكل وشرب)) (١). ثم قال - بعد أن ذكر أحاديث ظاهرها الاختلاف في حكم صوم يوم عرفة-: "وأما حديث عقبة بن عامر فإنه حديث تفرد به موسى بن علي، وروى الناس هذا الحديث من وجوه كثيرة، فلم يدخلوا فيه صوم عرفة، غيره. وقد يكون من الحافظ الوهم أحياناً، فالأحاديث إذا تظاهرت فكثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، ... " ثم أعقبه بقوله: "فالشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (٢)

стр. 296

فهذا المثال الذي ذكره الأثرم زاد الراوي لفظة لم تأتِ من الوجوه الأخرى للحديث، وقد أشار إلى أن الحافظ قد يهم، ويشذ في مقابلة الأكثر. ومن تعريفه للشاذ وتقييده بالمخالفة، يظهر اعتباره هذه اللفظة مخالفة لما جاءت به الأحاديث الأخرى في فضل صوم عرفة، وأيّده إلى ما ذهب إليه بخصوص هذا الحديث ابن عبدالبر حيث قال: "هذا حديث انفرد به موسى بن عُلي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي ﷺ من وجوه، يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب". (١) وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من: - ابن القيم (٢)، والنووي في كتابه المجموع (٣)، وصوّبه كذلك ابن كثير" (٤)، واقتصر ابن الملقن على تعريف الشافعي للشاذ في كتابه (التذكرة) (٥)، واعتمده ابن حجر - غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق-، فقال: "الشاذ: ما

стр. 297

رواه المقبول (١) مخالفاً لِمَنْ هو أَولى منه." (٢)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح."، وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (٣) قال ابن حجر في النزهة - ممثلاً للحديث الشاذ-: "مثال ذلك: ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار (٤)، عن عوسجة (٥)، عن ابن عباس: ((أن رجلا توفي على عهد النبي ﷺ ، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه ... )) (٦) ... وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج (٧) وغيره، وخالفهم حماد بن زيد (٨)؛

стр. 298

فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة. ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم (١): المحفوظ حديث ابن عيينة (٢). انتهى. فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رجح أبو حاتم (٣) رواية من هم أكثر عدداً منه." (٤) في هذا المثال حماد بن زيد -وهو ثقة- روى الحديث مرسلاً، وخالف بذلك رواية عدد من الثقات رووه موصولاً، وهذا المثال الذي مثّل به ابن حجر للشذوذ في السند يُناسب ما عرّف به الشاذ من كونه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. - وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي وتبعه السيوطي (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة. (٦)، ولعله استفاد هذا القيد

стр. 299

من كلام شيخه ابن حجر حين قال: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ (١)، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم

стр. 300

على ما يخالف فيه بكونه منكرا." (١) فقد ذكر ضابطاً للمخالفة، وهو: تعذر الجمع بين الروايات على قواعد المحدثين. وقد أورد السخاوي في كتابه فتح المغيث مثالين في الشذوذ، فذكر المثال الذي استشهد به الحافظ ابن حجر على أنه شذوذ في السند، والمثال الذي ذكره الأثرم على أنه شذوذ في المتن (٢)، والأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن. ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي ثلاثة أمثلة تحت نوع الشاذ، المثال الأول أثناء مناقشته لقول الحاكم في الشاذ والفرق بينه وبين المعلل فقال: "قلت: ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام النخعي (٣)، عن علي بن حكيم (٤)، عن شريك (٥)، عن عطاء بن

стр. 301

السائب، عن أبي الضحى (١)، عن ابن عباس قال: ((في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى)) (٢). وقال: صحيح الإسناد. ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له، حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح، ولكنه شاذ بمرة" (٣) قال ابن كثير: "وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ((في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه الأرض حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم)) فهذا ذكره ابن جرير مختصرا، واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات، وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس ﵁ عن الإسرائيليات (٤) والله أعلم" (٥) بينما ذكر ابن حجر تعليق البيهقي على الحديث بالشذوذ، ولم يُعقّب. (٦) وقال السيوطي: "هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ورواه البيهقي في شعب الإيمان وقال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة، وهذا الكلام من البيهقي في غاية الحسن، فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر في علوم الحديث لاحتمال أن يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تمنع صحته، وإذا تبين ضعف

стр. 302

الحديث أغنى ذلك عن تأويله؛ لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة، ويمكن أن يؤول على أن المراد بهم النُذُرُ الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر، ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي بلَّغ عنه". (١) - وأما المثال الثاني الذي ذكره السيوطي تحت نوع الشاذ، فهو المثال الذي أورده ابن حجر تحت نوع الشاذ، وقد سبقت الإشارة إليه قريبا (٢). - وأما المثال الثالث فقد ذكره كمثال على الشذوذ في المتن (٣) فقال: "ومن أمثلته في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبدالواحد بن زياد عن الأعمش (٤)، عن أبي صالح (٥)، عن أبي هريرة مرفوعا: ((إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع عن يمينه)) (٦).

стр. 303

قال البيهقي: (١) خالف عبدالواحد (٢) العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ﷺ لا من قوله، وانفرد عبدالواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ" (٣) وقد ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة عبدالواحد في ميزان الاعتدال، وأشار إلى تجنب صاحبي الصحيحين إخراجه لكونه مما اُستنكر عليه فقال: "عبد الواحد بن زياد أبو بشر العبدي البصري، أحد المشاهير احتجا به في الصحيحين، وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه، فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح. (٤) وقد أعلّه البيهقي بمخالفة عبدالواحد للعدد الكثير. نخلص مما سبق: المخالفة من الاختلاف وهي ضد الاتفاق، والمراد بمخالفة الراوي هي أن يروي عن شيخه حديثاً يُغاير ما رواه غيره من الثقات عن الشيخ ذاته، وتكون هذه المغايرة أو الاختلاف في السند أو في المتن، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة، وتكثر المخالفة أو تقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ أو قلتهم.

стр. 304

وقد عدّ الشافعي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه شذوذاً، ووافقه على ذلك: الأثرم، والنووي في كتابه المجموع، وابن الملقن في كتابه التذكرة، وابن حجر - مع توسّعه بإضافة الراوي الصدوق؛ ليصبح الشاذ عنده مخالفة المقبول لمن هو أولى منه-، وتبعه السخاوي، والسيوطي، ومثّلوا للشذوذ بأمثلة يُخالف فيها الراوي المقبول (الثقة أو الصدوق) غيره من الثقات. القيد الثاني: التفرد: ومعناه في اللغة: مأخوذ من الفَردُ، وهو ما كان وحده، والذي لا نظير له، و (تَفَرَّدَ) بكذا و (اسْتَفْرَدَه) انفرد به. (١) اصطلاحا: لم يُفرد له تعريف مستقل في كتب مصطلح الحديث (٢)، وقد اجتهد بعض الباحثين في تعريفه، فعرّفه الدكتور عبدالجواد - في رسالته الموسومة ب (التفرّد في رواية الحديث) - بقوله: "التفرد: ما يأتي من طريق راوٍ واحد، دون أن يشركه غيره من الرواة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، مع المخالفة أو دونها، بزيادة فيه أو بدون زيادة، في المتن أو السند، ثقة ضابطاً كان الراوي أو دون ذلك" (٣)

стр. 305

واختصره الدكتور عبدالله زهّار في كتابه (التفرد عند المحدثين) بقوله: "هو أن يأتي الراوي برواية لا يشاركه فيها أحد سنداً أو متناً" (١). والتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مؤشر على علة قد تكون موجودة، (٢) وفي هذا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد بِهِ واحد - وإن لَمْ يروِ الثقات خلافه -: (إنه لا يتابع عليه) ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كَثُر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (٣)

стр. 306

وممن قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد: الإمام الحاكم، وخصَّه - في تعريفه المختصر للشاذ- بتفرد الثقة (١)؛ إلا أن المتأمل لسياق كلامه يفهم منه أن الشذوذ يُطلق على التفرّد الذي فيه علة لم يُهتدَ إليها، فهو يفرّق بين الشاذ والمعلل بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته، قال ابن الصلاح مُعقّباً- بعد نقله لتعريف الشاذ عند الحاكم-: "وذكر أنه يغاير المعلل من حيث أن المعلل وُقِف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك" (٢). وقال البقاعي نقلاً عن شيخه -ابن حجر-: "أَسْقَطَ من قول الحاكم قيداً لابد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك". (٣) قال السخاوي مُعقِّباً على ما سبق: "وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (٤) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تَقصُر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض

стр. 307

الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة التامة بمراتب الرواة، والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ - كما نُسِب لشيخنا- أدق من المعلل بكثير." (١)؛ لذا حين اُستُشكِل على تعريف الحاكم - ما تفرّد به العدل الحافظ الضابط مما حُكِم بصحته، وأُخرِج في الصحيح، - أجاب البقاعي بقوله: "وأما الحاكم فبعد علمك بالقيد الذي قاله تعلم أنه لا يرد عليه ذلك؛ لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ (٢)، وما شاكله لم يقع في قلب أحد من النقاد ضعفه" (٣). وبهذا يُستنتج "أنّ للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين: ١ - تفرد ثقة. ٢ - وينقدح في نفس الناقد أنه غلط. وعليه فإذا كان هناك حديث فرد، ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم" (٤). فالحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذاً مردوداً، فقد قال في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة)) (٥)

стр. 308

"هذا حديث صحيح على شرطهما فقد احتجا جميعا بمالك بن سعير (١)، والتفرد من الثقات مقبول". وقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة: المثال الأول: حديث معاذ بن جبل ﵁ ((أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب)) (٢). ثم قال مُعلِّقاً عليه: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها" ... ثم ذكر قول قتيبة بن سعيد -فيمن كتب عنه هذا الحديث-فقال: "على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة حتى عد قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث ... " ثم عقّب الحاكم بقوله: "فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب،

стр. 309

وحدثنا به، عن أبي عبدالرحمن النسائي، وهو إمام عصره، عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبدالرحمن، ولا أبو علي للحديث علة ... " (١). قال الذهبي معقّباً على كلام الحاكم "بل رووه في كتبهم واستغربه بعضهم" (٢). وقال أيضاً مستدركاً بأن النسائي لم يُخرج هذا الحديث من طريق قتيبة "وأما النسائي فامتنع من إخراجه لنكارته" (٣). قال أبو داود - عقب إخراجه للحديث-: "ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده" (٤) وقال الترمذي أيضاً بعد إخراجه للحديث: "وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء" (٥) وقد أعلّ هذا الحديث عدد من الأئمة النقاد: قال ابن أبي حاتم: "وسمعت أبي يقول: كتبت عن قتيبة حديثا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، عن النبي ﷺ : أنه كان في سفر فجمع بين الصلاتين. قال أبي: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، عن

стр. 310

هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ بهذا الحديث" (١). وقال الدارقطني في العلل: "وحدث به قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ أن النبي ﷺ كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا ... الحديث. كذلك حدث به جماعة من الرفعاء، عن قتيبة. ورواه المفضل بن فضالة، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بهذه القصة بعينها، وهو أشبه بالصواب، والله أعلم" (٢). قال ابن حجر في فتح الباري: "والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة حكاه الحاكم في علوم الحديث" (٣). فالحديث معلول بتفرد قتيبة، وأنه دخل عليه حديث في حديث كما جاء عن أبي حاتم، أو أدخله عليه بعض الضعفاء كما نُقل عن البخاري، والمثال مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً؛ إلا أنه بعد التمعن والنظر وصف الحديث بالوضع (٤)، حيث قال: "فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن

стр. 311

سعيد، ثقة، مأمون، ... " ثم ذكر بإسناده عن البخاري قوله: "قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب, عن أبي الطفيل؟ ، فقال: كتبته مع خالد المدايني، قال: البخاري، وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ". "وهذا الكلام يدل على أن الشاذ عند الحاكم، حديث مخالف للمعروف، أو المحفوظ، وأنه حديث مشتمل على نوع من الخلل أو العلة غير أنه لا يعثر على علته أو يصعب جداً الوقوف على سبب الخطأ وموضع العلة فيه، وسبب ذلك هو أنه ليس له إلا إسناد واحد. ولو كان هذا الحديث ليس مُشكِلاً عند الحاكم لما كلّف نفسه النظر فيما يُعِل به الحديث، ولما أخذ يتتبع حلقات الإسناد يتفحصها لعله يقف على شيء يكون مفسراً للإشكال، أو مفصحاً عن العلة المظنونة أو المتحسَّسة. وكذلك فعل في المثال الثاني." (١) والمثال الثاني- الذي ذكره الحاكم كمثال للشاذ-: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ في صلاة الظهر: يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" (٢) قال الخطيب البغدادي: "هذا حديث غريب من حديث الثوري عن أبي الزبير عن جابر تفرد بروايته عنه محمد بن كثير العبدي، ولم يروه عن ابن كثير غير أحمد بن سيار المروزي، ولا نعلم رواه عن أحمد بن سيار إلا المحبوبي" (٣).

стр. 312

ويصدق على هذا المثال تعريف الحاكم للشاذ حيث قال: "وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن، إذ لم نقف له على علة، وليس عند الثوري, عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها، ولا نعلم أحدا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان، وحده، تفرد به ... " (١) فقد صرّح بأنه لم يقف على علة للحديث، لكن قوله: "وليس عند الثوري, عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها" يدل على ما انقدح في نفسه من وجود علة لكنها لم تظهر له. "فالمعروف بين الحفاظ أن هذا الحديث هو من أفراد إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير، وليس في متنه ذكر صلاة الظهر (٢)، وقد تكلّم فيه الحفاظ أيضاً (٣). فهذا الحديث يخالف ما يحفظه المحدثون من أن الحديث حديث ابن طهمان (٤) عن أبي الزبير، ويُخالف أيضاً في ذكر صلاة الظهر في متنه، فلم ترد في حديث آخر، وليست كذلك في حديث ابن طهمان المعروف بهذا الحديث.

стр. 313

فالحديث ليس له أصل متابع عند المحدثين، أي لا يعرفونه، ولا يحفظونه بهذا السياق، وليس له متابعة، وحقُّ مثل هذا الحديث أن توجد له المتابعات لشهرة سفيان، وأبي الزبير. وقد نُقل عن بعض الحفاظ تعليلهم الحديث بأن محمد بن كثير أخطأ فجعل سفيان الثوري مكان ابن طهمان، لكن الحاكم ردّ ذلك؛ لكون محمد بن كثير ليس له رواية عن ابن طهمان حتى يخلط بينه وبين الثوري، فالحاكم يُقرّ بوجود علّة فيه، لكنه لم يوافق على هذا التعليل." (١) المثال الثالث: حديث أنس ﵁ قال: ((كان قيس بن سعد ﵁ من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير)) (٢)، يعني ينظر في أموره ... ثم قال الحاكم: "وهذا الحديث شاذ بمرة، فإن رواته ثقات، وليس له أصل عن أنس، ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر." (٣) قال ابن حجر في النكت: "وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذاً، ولا مشاحة في التسمية" (٤). ولعل ما يدل

стр. 314

على كون الحاكم موافقاً على صحته: استدلاله بمعنى الحديث في المستدرك، وذلك بعد أن أخرج حديثا من رواية قيس بن سعد، وأعقبه بقوله: "ثم يعرف من فضل قيس بن سعد ﵁ أنه خدم النبي ﷺ حتى صار منه بمنزلة صاحب الشرط" (١). ومما يؤيد أيضاً ما ذهب إليه ابن حجر- من إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على أحاديث حكم عليها بالصحة- ما ذكره الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل، حين ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وذكر منها: القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب، التي يرويها الثقات العدول، تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب، واستشهد بعدد من الأمثلة منها حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت: طُّبَّ (٢) رسول الله ﷺ حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. (٣) ثم قال: "هذا الحديث مخرج في الصحيح وهو شاذ بمرة ... " (٤). والقسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم (بها (إلا عنهم. (٥)

стр. 315

قال الحاكم ﵀: "جماعتهم صحابيون، وأحفادهم ثقات، والأحاديث على كثرتها محتج بها في كتب العلماء" (١) ثم ألحق في آخر الكتاب رموز هذه الأقسام فقال: "وأنا ممتثل بمشيئة الله سبحانه ما رسمه بعلامات تدل على كل حديث منها على ما شرحته في أول هذه الرسالة (٢) ... ، وعلامة القسم الرابع من الصحيح والإشارة فيه أنه براو واحد به ثقة واحد: (صف) (٣). وعلامة القسم الخامس من الصحيح والإشارة فيه أنها أخبار رواتها ثقات وهي شواذ (بلا ((٤) شواهد: (صش) (٥) " (٦). فالمثال الثالث - الذي ذكره الحاكم- للشاذ يُعدّ من الغرائب الصحيحة التي أخرجها البخاري في صحيحه، فيصدق عليه شق من تعريف الحاكم كونه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة؛ إلا أن تخريج البخاري له في الصحيح يدل على خلوه من العلل المنافية للصحة، وقد عدّ ابن حجر إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على هذا الحديث إطلاقاً لفظياً، ولا يُراد به ردّ الحديث. "ومما سبق يمكننا القول إن الغريب عند الحاكم هو ما كان على نحو المثال الثالث وهو ما يتفرد به الثقة، ولم ينقدح في نفس الناقد أن به علة. ويكون الشاذ ما تفرد به الثقة وانقدح في نفس الناقد أن به علة، مع عدم وقوفه عليها. وهذا الشاذ عنده - هو الشاذ المردود.

стр. 316

والحاكم ﵀ لم يفصح عن هذا التقسيم كما هو ظاهر، ولكن كلامه في كتاب المعرفة والمدخل وتصرفه في المستدرك يجعلنا نذهب هذا المذهب في فهم كلامه ومعرفة مصطلحه. وهذا يعني أن الشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه. وهو قسمان: ١ - شاذ مقبول وهو ما يرادف الغريب عنده، وهو ما تفرد به الثقة ولم ينقدح في نفس العارف لهذا العلم أن به علة. وهذا النوع هو الذي صحح الحاكم أمثاله في المستدرك مع النص على شذوذه. فمن ذلك قوله في حديث: "إسناده صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة" (١). ومنه أيضاً قوله في حديث آخر: "هذا حديث شاذ صحيح الإسناد" (٢). وعلى هذا يحمل قوله: "ولعل متوهماً يتوهم أن هذا متن شاذ، فلينظر في الكتابين ليجد من المتون الشاذة، التي ليس لها إلا إسناد واحد، ما يتعجب منه، ثم ليقس هذا عليها" (٣). ٢ - شاذ مردود، وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد. وعلى هذا يحمل المثال الأول والثاني اللذان ذكرهما الحاكم للشاذ." (٤) وممن قال كذلك بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد: الخليلي -وهو تلميذ الحاكم- وذلك في كتابه الإرشاد، ولم يقيّد التفرّد بالثقة بل جعله مُطلقاً؛ ليشمل الثقة وغيره، فقال: "الذي

стр. 317

عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به" (١). وقد فُهم من ذلك أنه يُسوّي بين الشاذ والفرد المطلق (٢) إلا أن ابن رجب كان له تعقيب يوضح مراد الخليلي لمعنى الشاذ فقال: "ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره. فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فرداً، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه، ... " إلى أن قال: "وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم". (٣) قال العراقي: "الخليلى يجعل تفرد الراوي الثقة شاذا صحيحا، وتفرد الراوي غير الثقة شاذا ضعيفا" (٤)؛ إلا أن المتأمل لما ذكره الخليلي يجد هذا الإطلاق من العراقي ﵀ غير دقيق، فالأفراد على أنواع عند الخليلي كما ذكر في كتابه الإرشاد (٥) - وأشار إلى ذلك أيضاً ابن رجب في النقل السابق- فهناك تفرد الحافظ الثقة المشهور وهو صحيح، وتفرّد الضعيف المتهم بالوضع فهو موضوع، وتفرّد كثير الغلط فهو منكر أو متروك،

стр. 318

وتفرّد من لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه فهو الشاذ، ويتوقف فيه فلا يُحكم بصحته ولا بضعفه، فبالنظر إلى هذه الأقسام الأربعة مع ما ذكره في تعريف الشاذ يمكن استنتاج ما يلي: "أن الخليلي لم يقصد في تعريفه أن كل تفرّد يُعدّ شاذاً (١)، فهو لم يتعرض في تعريفه لتفرد الحافظ المشهور الثقة أو الإمام، إذ حكم بصحة تفرده حين ذكر أقسام التفرّد، وحين عرّف الشاذ ذكر تفرّد شيخ ثقة، وقال: يتوقف فيه، وهذا يوافق كلامه على القسم الرابع من تقسيمه للأفراد والذي مثّل له بحديث (أبي زُكَير) (٢) وقال عنه: شيخ صالح، وقال: لا يُحكم بصحته ولا بضعفه؛ أي: أنه توقف فيه أيضاً. وتحدث كذلك في تعريفه للشاذ عن تفرّد شيخ غير ثقة، وحكم برد حديثه، وهذا يوافق كلامه على القسمين الثاني والثالث من تقسيمه للأفراد، والتي حكم عليها بالردّ. والله أعلم". (٣) وبعد أن عرّف الخليلي الشاذ لم يذكر أمثلة عليه، إنما أطلق وصف الشذوذ على أحد أقسام الفرد التي سبقت ذكره لمعنى الشذوذ، فقال: "نوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته ولا بضعفه، ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه ... " ثم أخرج بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد

стр. 319

بالخَلِق! )). (١) وأعقبه بقوله: "وهذا فرد شاذ، لم يروه عن هشام، غير أبي زكير. وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته، ولا بضعفه ويستدل بهذا على نظائره من هذا النوع". (٢) "فهذا النوع من الأفراد الذي سمّاه الخليلي فرداً شاذاً، هو ما تفرّد به شيخ ليس على درجة من الضبط والإتقان حتى يُقبل ما يَتفرّد به كما تُقبَل تفردات الأئمة الحفاظ، ولا هو ساقطٍ واهٍ فيُرد حديثه ويُضعّف مباشرة، ولو كان للحديث أصل شاهد أو متابعة، أو كان معروفاً محفوظاً عند المحدثين لانتفى تفرّده، وجُبِر الضعف الذي فيه، حيث تفرد به من لا يُحتمل تفرّده." (٣) والمثال السابق تفرّد به أبو زكير، وقد اُختلف في توثيقه، وأُنكِر عليه روايته لهذا الحديث (٤)، وقد سمّاه الخليلي فرداً شاذاً. "والظاهر أن الخليلي أراد بالشاذ أحاديث الشيوخ غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فرداً، ونصّ على كونها صحيحة ... فأفراد الشيوخ عند الخليلي على مرتبتين:

стр. 320

١ - ما كان عن شيخ غير ثقة، فما يتفرّد به متروك لا يُقبل، ولا يُحتج به. ٢ - وما كان عن شيخ ثقة فيتوقف في تفرده، ولا يُحتج به، فإن وجد ما يعضدها ويشهد لها زال التوقف، وتقوّت بغيرها." (١) وممن فُهم من تعريفه للشاذ بأنه التفرّد: الميانشي، حيث قال: "هو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون" (٢)، وعلّق الزركشي بقوله: "جرى الميانشي على طريق المحدثين." (٣)، ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف. وكتاب الميانشي مختصر، ولم يذكر أمثلة على ما ذكر ليتضح مقصوده، وبالنظر إلى تعريفه مجرداً يمكن حمله على مذهبين من مذاهب العلماء في الشاذ (٤)، المذهب القائل بتفرّد الثقة مطلقاً، والمذهب المقيّد له بمخالفة الثقات، وإن كان الحمل على الإطلاق أولى، ويؤيد ذلك سرده لتعريف الفرد والغريب والشاذ بشكل متتالٍ، فعرّف الفرد بقوله:
следующие страницы →