قال أبو حاتم (١): هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف". (٢)
وممن قال بالمخالفة في معنى الحديث المنكر:
الإمام مسلم حيث أشار إلى أن من علامة المنكر في حديث الراوي كثرت مخالفته للثقات، أو تفرده بما لا يوافقونه عليه، فقال ﵀: "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها" (٣).
ذكر ذلك في مقدمة صحيحه في سياق بيانه لصفات الرواة الذين تجنّب إخراج أحاديثهم في صحيحه ممن اُتهِم بوضع الحديث، ثم أتبعهم بذكر من غلب على حديثه المنكر والغلط، فقال: "وكذلك، من الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم"، ومثّل لهم بقوله: "فمن هذا الضرب من المحدثين:
عبدالله بن محرر" (٤)، ويحيى ابن أبي أنيسة (٥)، والجراح بن المنهال أبو العطوف (٦)، وعباد بن كثير (٧)، وحسين ابن عبدالله بن ضميرة (٨)،
стр. 352
وعمر بن صهبان (١)، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث" (٢). وجميع من ذكر من الرواة الضعفاء والمتروكين.
قال ابن حجر - مُعقِّبا على كلام مسلم -: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -" (٣).
ويؤيد ما ذهب إليه ابن حجر من إطلاق وصف الترك على هؤلاء الرواة قول الذهبي: "وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث." (٤)
стр. 353
ويُمثّل لمخالفة الضعيف غيره من الثقات: ما ذكره مسلم في كتابه التمييز، حيث أخرج خبراً في إسناده عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم (١)، ووصف هذا الخبر بكونه غير محفوظ الإسناد عن أبي هريرة، (٢) ثم قال: "وإن من أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهواً أو تعمداً.
فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ. ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر ابن
عبدالله بن أبي خثعم وأشباهم من نقلة الأخبار، لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ" (٣)، فسمّى مخالفة الضعيف للثقات منكراً.
قال الزركشي: "ومن تأمل كلام الأقدمين من أهل الحديث وجدهم إنما يطلقون النكارة على الحديث الذي يخالف رواية الحفاظ المتقنين" (٤) ثم استشهد بكلام مسلم في مقدمة صحيحه في علامة الحديث المنكر.
стр. 354
ويتلخّص من عبارة الإمام مسلم- ﵀ أنه يتجنب ذكر المناكير في صحيحه، ويترك الرواية عمن عُرف بروايتها واشتهر بها، وأن الحديث المنكر ضعيف مردود، ويُستدل عليه بمخالفة الثقات، أو بتفرّد من لا يُحتمل منه هذا التفرّد. (١)
وأشار البقاعي إلى أن هذا التفرّد ينقدح في النفس أن له علة قد لا يُقدر على التعبير عنها، فقال ناقلاً لما ذكره الإمام مسلم - بتصرّف-: "إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لا يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لا يقدر على التعبير عنها" (٢). فقد أوضح البقاعي نوع التفردات التي يستنكرها الإمام مسلم، ويُفهم من ذلك - ومما جاء عن مسلم في مقدمة صحيحه- أنه يجمع في إطلاق وصف النكارة بين رواية الضعيف المُخالف للثقات، والمتفرّد تفرداً لا يُحتمل.
نخلص مما سبق:
لقد سبق الإمام مسلم ابن الصلاح في الجمع بين قيدي المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في أن التفرّد غير المحتمل من الراوي يُعدُّ منكراً، بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات، وأطلق ابن الصلاح المخالفة من الراوي (ثقة كان أو غير ثقة) لمن هو أولى منه.
ومن أبرز التعريفات التي جمعت بين المخالفة والتفرّد ضمن قيود المنكر: تعريف ابن حجر الذي نقله عنه بعض تلامذته كالبقاعي والأنصاري، وأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، بينما عدّ مجرد التفرّد من الشديد الضعف منكراً.
стр. 355
ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيّاً منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر- ﵀ فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح.
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات .
- المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وهو عنده على قسمين مُحصِّلَتهما:
أ) استنكار حديث المُخالِف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
ب) واستنكار رواية الفرد الذي ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد سواء خالف أو لم يخالف غيره من الثقات.
- وسبقه الإمام مسلم ﵀ في الجمع بين المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في التفرّد غير المحتمل بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات.
- وقريباً مما ذهب إليه الإمام مسلم صاغ ابن حجر تعريفه للمنكر جامعاً بين قيديّ التفرد والمخالفة - وذلك فيما نقله عنه تلميذيه البقاعي والأنصاري- فأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، واستنكر مجرد التفرّد من الشديد الضعف.
وقد اُشتهر عنه ﵀ اقتصاره على معنى المخالفة دون التفرد فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح، ومجموع ما ذكره من أقوال في معنى المنكر- حسب ما وجدته أثناء البحث- خمسة أقوال:
стр. 356
- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: "وربما سماه بعضهم منكرا".
- تفرد الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: "فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث".
- مخالفة الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: "وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين".
- تفرّد الضعيف ضعفاً شديداً كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: "المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة".
- رواية المتروك تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: "فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم".
واُشتهر عنه كذلك تصريحه بالتفريق بين الشاذ والمنكر، وابن حجر ليس أول من فرّق بين الشاذ والمنكر، بل سبقه إلى ذلك شيخه ابن الملقن، ولعل لهما سلف في ذلك، مثل قول ابن معين: "إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا" (١).
- أما غالب تعريفات المنكر فقد دارت حول تفرد الضعيف أو التفرّد غير المحتمل (٢)، وأضاف الذهبي ﵀ تفردات الصدوق وألمح إلى قلة نسبتها إلى ما سبق.
стр. 357
- ويدخل ضمن المنكر كذلك تفردات الثقات الناشئة من الخطأ أو الوهم أو غلبة الظن بذلك كما يُفهم من تعريف البرديجي ﵀ وأمثلته.
- وفي الإحصائية التي أجراها الدكتور عبدالجواد حمام حول ما جمعه من الأحاديث الموصوفة بالنكارة وجد أن ثلثي هذه الأحاديث تفردات للضعفاء أو مخالفتهم، والثلث في تفرد الثقة أو الصدوق أو مخالفتهم (١).
وبشأن التفريق بين الشاذ والمنكر:
فلعل الداعي إلى القول بالفرق بينهما: أن أكثر (٢) تعريفات الشاذ - كما سبق في الفصل الخاص بالحديث الشاذ-: عن مخالفة الثقات أو تفردهم، بينما تعريفات المنكر يدور غالبها حول تفرّد الضعيف ومن باب أولى مخالفته لأنها أشد.
فالناس في المنكر فريقان:
فريق يقول إنه هو والشاذ سيان، ... ، وفريق يقول إن المنكر أسوأ حالا من الشاذ. (٣)
стр. 358
"قال الحسين بن حبان (١): قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: " لا يكون صدوقاً أبداً، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا" (٢)،
ولعل سبب اشتباه الحديث الشاذ كونه من رواية الثقات، والخطأ في روايات الثقات أشد غموضاً ولا يميّزه في الغالب إلا النقّاد (٣)، أما كون المنكر لا يشتبه لأحد فهذا دليل وضوحه وعدم اشتباهه لكونه في الغالب متعلّقا برواية الضعفاء والمتهمين والمتروكين، والله أعلم.
ولأن التفرّد كان قيداً بارزاً في تعريف كل من مصطلح الشاذ والمنكر؛ رأيت من المناسب أن أُلحِق فصل الأفراد بهما.
стр. 359
الفصل السادس: الأفراد
المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
стр. 360
المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:
الأفراد جمع فرد، وهو أصل يدل على الوحدة، من ذلك الفرد وهو الوتر، أو الذي لا نظير له. (١)
المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
قال ابن الصلاح - تحت النوع السابع عشر (معرفة الأفراد) -: "وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، لكن أفردته بترجمة كما أفرده (الحاكم أبو عبدالله)، ولما بقي منه" (٢)، فالأفراد متعلّق بأنواع عدة من علوم الحديث (٣)، والحاكم هو أقدم من أفرده بالذكر مستقلاً عن الأنواع الأخرى من أنواع علوم الحديث، والله أعلم.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
ذكر الحاكم تحت النوع الخامس والعشرين: "معرفة الأفراد من الأحاديث، وهو على ثلاثة أنواع: فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله ﷺ يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي (٤)، ... والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من
стр. 361
الأئمة، (١) ... فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه (٢) " (٣)
تعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ):
ذكر الخليلي أنواع الحديث الفرد (٤)، فقال: وأما الأفراد: فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة, أو إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه (٥) ... ،
- ومن الأفراد الذي يتفرد به ضعيف, وضعه على الأئمة, والحفاظ (٦) ... ،
- وما تفرد به غير حافظ يضعف من أجله, وإن لم يتهم بالكذب (٧) ... ،
- ونوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته, ولا بضعفه, ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه, ولا توثيقه ... ، وهذا فرد شاذ (٨).
стр. 362
تعريف ابن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧ هـ):
قال ابن طاهر المقدسي: "اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع:
النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهوراً برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة (١) والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في الكتابين.
والنوع الثاني من الأفراد: أحاديثُ يرويها جماعة من التابعين عن الصحابي، ويرويها عن كل واحد منهم جماعة، فينفرد عن بعض رواتها بالرواية عنه رجل واحد، لم يرو ذلك الحديث عن ذلك الرجل غيره من طريق يصح، وإن كان قد رواه عن الطبقة المتقدمة عن (شيخ (شيخه (جماعة ((٢)،
إلا أنه من رواية هذا المنفرد عن شيخه لم يروه عنه (غيره (. (٣)
والنوع الثالث: أحاديث يتفرد بزيادة ألفاظ فيها واحد عن شيخه، لم يرو تلك الزيادة غيره عن ذلك الشيخ، فينسب إليه التفرد بها، وينظر في حاله.
والنوع الرابع: متونٌ اشتهرت عن جماعة من الصحابة أو عن واحد منهم، فيُروَى ذلك المتن عن غيره من الصحابة ممن لا يُعرف به إلا من طريق هذا الواحد، ولم يتابعه عليه غيره.
والنوع الخامس من التفرد: أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم، وسننٌ يتفرد بالعمل بها أهل مِصْرٍ لا يُعْمَل بها في غير مصرهم ... " (٤)
стр. 363
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
قال الميانشي: "وأما المُفرَد (١)، فهو: ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ" (٢).
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
قال ابن الأثير: "ومن الغرائب: الأفراد، (٣) وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي ﷺ ، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور" (٤).
стр. 364
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح: "الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقا، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد ...
وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة، وحكمه قريب من حكم القسم الأول. ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أول أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو: لم يروه عن فلان غير فلان - وإن كان مرويا من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك.
ولسنا نطول بأمثلة ذلك؛ فإنه مفهوم دونها. وليس في شيء من هذا ما يقتضي الحكم بضعف الحديث، إلا أن يطلق قائل قوله: تفرد به أهل مكة، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو نحو ذلك، على ما لم يروه إلا واحد من أهل مكة أو واحد من البصريين ونحوه، ويضيفه إليهم كما يضاف فعل الواحد من القبيلة إليها مجازا" (١).
стр. 365
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
غالب من جاء بعد ابن الصلاح لخّص كلامه في الأفراد وبيان أقسامها، كالنووي (١) (ت ٦٧٦ هـ)، وابن جماعة (٢) (ت ٧٣٣ هـ)، والطيبي (٣) (ت ٧٤٣ هـ)، وابن كثير (٤) (ت ٧٧٤ هـ)، والعراقي (٥) (ت ٨٠٦ هـ).
ولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:
تعريف ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه التذكرة حيث لم يخرج عمّا ذكره ابن الصلاح أو أشار إليه في كتابه إلا أنه أفرد كلاً من الفرد والغريب بتعريف مستقل فقال:
"الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.
والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه (٦) " (٧)، وكأنه يُشير بذلك إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. (٨)
стр. 366
أما ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) فقد ساوى بين الفرد والغريب، وجعلهما مترادفين، وأشار إلى أن وجه المغايرة بينهما في كثرة الاستعمال وقلته، فقال:
"ثم الغرابة إما أن تكون:
١ - في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي. (١)
٢ - أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد.
فالأول: الفرد المطلق (٢).
والثاني: الفرد النسبي، سُمِّي بذلك لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا، ويقل إطلاق الفردية عليه، لأن الغريب والفرد
стр. 367
مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان." (١)
وتراوح موقف بعض تلامذة ابن حجر بين التصريح بموافقته وترجيح مذهبه فيما ذهب إليه من ترادف الأفراد والغرائب كالسخاوي (٢)، وبين الإشارة إلى هذا المذهب دون ترجيح أو تعقيب كالبقاعي (٣)،
والأنصاري (٤)، وبين من جعل الغرائب قسماً خاصاً من أقسام الأفراد التي تضمه وتضم غيره - تبعاً لابن الصلاح- كالسيوطي (٥).
стр. 368
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
مصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع أخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، قال السخاوي في شرحه لألفية العراقي - عند ذكره لمناسبة نوع المتابعات والشواهد لما قبلها، وذلك بعد مجيئها عقب الشاذ والمنكر-: "لما انتهى الشاذ والمنكر المجتمعان في الانفراد، أُردِفا ببيان الطريق المبين للانفراد وعدمه، ولكنه لو أُخِّر عن الأفراد والغريب الآتيين، كان أنسب" (١).
وقال كذلك في بداية نوع الأفراد: "ومناسبته لما قبله واضحة، ولكن لو ضُمَّ إلى المنكر والشاذ - كما قدمنا - كان أنسب" (٢)، ونجد أن السخاوي - في كلامه السابق عن الأفراد والغريب- صرّح إلى أن الأنسب هو ضم النوعين، وذلك حين ابتدأ ذكر مناسبة نوع الغريب لما قبله فقال: "وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد" (٣)، وهو بذلك يحتذي حذو شيخه ابن حجر الذي قال بترادف مصطلح الأفراد والغريب.
وبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الأفراد أو ذكر لأنواعه، نجدها تدور في غالبها حول محورين:
стр. 369
- أحدهما: من جهة أقسام الحديث الفرد وتنوعه بين مطلق ونسبي، ومدى اتفاقهم على هذا التقسيم.
- والثاني: من جهة علاقة مصطلح الأفراد بالغريب.
المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:
فقد قسّم ابن الصلاح الأفراد إلى قسمين: فرد مطلق، وفرد نسبي.
أما القسم الأول: وهو التفرّد المطلق: فقد قيّده بالانفراد بالرواية دون متابعة أو مشاركة، سواء كان التفرّد بأصل الحديث أو جزء منه، وسواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة (١)، ولم يقيّد موضع التفرّد من السند إنما أطلق موضع التفرّد دون تحديد، فقال: "الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقاً، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد، وقد سبقت أقسامه وأحكامه قريبا." (٢) ويقصد بأقسامه وأحكامه ما ذكره في الأنواع التي سبقت الفرد من الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، ويختلف حكم الحديث الفرد فيها حسب مرتبة راويه من الثقة والضبط، واحتمال التفرّد منه أو عدم احتماله.
- أما القسم الثاني: التفرد النسبي: وإنما سُميّ نسبياً؛ لكون التفرد فيه ليس مطلقاً بل بالنسبة لطريق معين، أو بالنسبة لصفة في أحد الرواة أو لجهة معينة أو بالنسبة لأهل بلد معين، حيث قال: "وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة،
وحكمه قريب من حكم القسم الأول، ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أو أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو لم يروه عن فلان
стр. 370
غير فلان - وإن كان مروياً من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك ... " (١).
وما ذكره الحاكم من أنواع الفرد تدخل ضمن هذا التقسيم، حيث قال:
"معرفة الأفراد من الأحاديث وهو على ثلاثة أنواع:
فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله ﷺ يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي، ... والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، ... فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه" (٢).
وحين اعترض مغلطاي على تقسيم ابن الصلاح، وأراد منه كما تبع الحاكم في إفراد هذا المصطلح بالذكر أن يتبعه كذلك في تقسيم الأفراد إلى ثلاثة أنواع، فقال: "كان ينبغي له إذ يتبع الحاكم في أفراده أن يتبعه في تقسيمه ... " (٣)
أجاب على اعتراضه ابن حجر فقال: "وهو اعتراض عجيب، فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحاكم داخلة في القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، ولا سبيل إلى الإتيان بالثالث: لأن الفرد إما مطلق وإما نسبي وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث.
والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.
والأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد .... وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعاً:
стр. 371
أحدهما: تفرد شخص عن شخص.
ثانيها: تفرد أهل بلد عن شخص.
ثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد.
رابعها: تفرد أهل البلد عن أهل بلد أخرى ... " (١)
وقال الزركشي - مُلحقاً أنواع الأفراد عند الحاكم إلى ما تندرج تحته من الفرد المطلق أو النسبي-: "وقسم الحاكم التفرد ثلاثة أقسام: الأول: تفرد أهل مدينة عن صحابي، الثاني: تفرد رجل واحد عن إمام من الأئمة، الثالث: تفرد أهل مدينة عن مدينة أخرى. والأول والثالث يدخلان تحت الفرد بالنسبة إلى جهة خاصة." (٢).
ويُلاحظ أن الزركشي أدرج القسم الأول من الأقسام التي ذكرها الحاكم - وهو: تفرد أهل مدينة عن صحابي- ضمن الفرد النسبي (٣)، حيث مثّل الحاكم لهذا النوع بأمثلة منها: حديث عائشة ﵂ أنها: "لما توفي سعد بن أبي وقاص (٤)،
قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله، لقد صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء (٥) وأخيه (٦) في المسجد" (٧).
стр. 372
قال الحاكم: تفرد به أهل المدينة ورواته كلهم مدنيون، ... ". (١)
- بينما نجد ابن حجر في كتابه النكت ذكر هذا المثال كمثال للنوع الثاني من الفرد المطلق، وهو: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٢)، فقال: "ومثال النوع الثاني: حديث عائشة ﵂ "في صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء ﵁ " له طريقان عنها (٣) رواتها كلهم مدنيون. قال الحاكم: "تفرد أهل المدينة بهذه السنة." (٤)
- ولعل ما أشار إليه السخاوي في شرحه لألفية العراقي يوضح بعض التداخل في أمثلة الفرد النسبي مع المطلق، فقال -قاصداً أمثلة الفرد النسبي-: "والحاصل أن القسم الثاني
стр. 373
أنواع، منها ما يشترك الأول معه فيه ; كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدا فقط. (١)
وتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعيف، ومنها ما هو مختص به، وهي تفرد شخص عن شخص أو عن أهل بلد، أو أهل بلد عن شخص أو عن بلد ... " (٢) ذكر هذه النتيجة بعد أن أسبقها بشرحه لعبارات الألفية فقال: " (فإن يريدوا) أي: القائلون بقولهم هذا وما أشبهه (واحدا من أهلها) بأن يكون المتفرد به من أهل تلك البلد واحداً فقط وهو أكثر صنيعهم، وأطلقوا البلد (تجوزا) كما يُضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازا (فاجعله من أولها) أي: الصور المذكورة في الباب، وهو الفرد المطلق." (٣)
ثم نقل عن ابن دقيق العيد قوله: "إنه إذا قيل في حديث: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفرداً مطلقاً، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مروياً عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، ... " (٤)
- وبالنسبة لأقسام الأفراد عند المقدسي، فالقسم الأول عنده يدخل في التفرد المطلق، وقد أشار فيه إلى التفرّد في أصل السند- ولعل ابن حجر تبعه في ذلك حين عرّف الفرد
стр. 374
المطلق، واختار تقييد موضع التفرّد بأصل السند، وذلك في كتابه النزهة (١)، - بينما الأنواع الأخرى عند المقدسي تفرّدات وغرائب نسبيّة.
- وأما ابن الأثير - فعلى الرغم من كونه لخّص ما ذكره الحاكم في كتابه- إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين للأفراد فقال: "ومن الغرائب: الأفراد، وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي ﷺ ، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور" (٢)، فالأول يتراوح في دخوله تحت الفرد النسبي كما صرّح الزركشي (٣)، وبين اعتباره نوعاً من الفرد المطلق حسب المثال الذي استشهد
به ابن حجر لتفرّد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٤)، أما القسم الثاني الذي ذكره ابن الأثير فإنه يتبع الفرد المطلق.
- وأما الخليلي فقد ذكر أنواع الأفراد حسب مرتبة الراوي المتفرّد من الثقة وعدمها، ولم يُشر لجهة الإطلاق في التفرّد أو النسبية، وإن كانت الأنواع التي ذكرها في مجملها لا تخلو من أن تندرج تحت واحدٍ منهما.
- وكذلك الميانشي ذكر نوعاً واحداً للفرد، أطلق فيه موضع التفرد، وحدد مرتبة راويه بكونه ثقة، وأردفه بما يشير إلى أنه يقصد بالفرد زيادة الثقة، فقال "وأما المفرد: فهو ما
стр. 375
انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ" (١)، فإذا قصد تفرّده بالحديث مُطلقاً بحيث لم يروه أحدٌ سواه لا عن شيخه ولا عن غيره، فهذا فرد مطلق، وإن خصّ التفرّد بالرواية عن الشيخ دون باقي تلامذته، بينما رُوي الحديث عن شيوخ آخرين، فهذا تفرّد نسبي.
- وغالب من جاء بعد ابن الصلاح ممن لخّص كتابه تابعوه في هذه التقسيم إلى مطلق ونسبي، وهذا شبه اتفاق بينهم على هذه القسمة، وإنما حدّد موضع التفرد - في الفرد المطلق- ابن حجر في كتابه النزهة فقال:
"ثم الغرابة إما أن تكون: في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي." - وقصد بذلك أن يرويه عن الصحابي تابعي واحد، - وقد أوضح ذلك بالأمثلة التي ذكرها، وفيها يتفرّد
التابعي في روايته عن الصحابي (٢)، وأشار أيضاً إلى أن هذا التفرد قد يستمر في الطبقات التي تلي التابعي فقال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم ... "، هذا فيما يخص الفرد المطلق، (٣) بينما أشار إلى أن موضع التفرد في الفرد النسبي يكون في الطبقة التي تلي التابعين فقال: "أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن
стр. 376
الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد. فالأول: الفرد المطلق. والثاني: الفرد النسبي ... " (١).
وقد علّق الدكتور الزهار على تخصيص ابن حجر لموضع التفرد بقوله: "بالنظر إلى تعريفات باقي الحفاظ للفرد المطلق يتضح أن الحافظ ابن حجر رأى التخصيص في إطلاق التفرد في طبقة معينة وهي أصل السند، وذهب الباقون إلى جعله مطلق التفرد." (٢) ولعل لابن حجر سلفاً فيما ذهب إليه، وذلك فيما ذكره المقدسي في النوع الأول من الغرائب والأفراد حيث قال: "النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهورا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في
الكتابين ... " (٣) حيث خصص موضع التفرّد بتفرد التابعي عن الصحابي، بل وأتبعه أيضاً بتفرد من بعده - أي: تابع التابعي- عنه بالرواية، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر حين قال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم ... " (٤)، وتحديد موضع التفرّد من السند إنما ذكره ابن حجر في كتابه النخبة وفي شرحه عليها وهو النزهة، بينما نجده أطلق موضع
стр. 377
التفرّد وتابع ابن الصلاح في ذلك في كتابه النكت على ابن الصلاح، بل وأشار إلى أن للمطلق أقساماً، وجعل من ضمنها تفرّد أهل البلد بالرواية دون غيرهم. (١)
نخلص مما سبق:
أن معظم تعريفات الحديث الفرد أو الأفراد، وما جاء في تفصيل بعضهم لأنواعها يشمل في غالبه الفرد المطلق والنسبي (٢)، وإن لم يُشر قائلها لذلك، فهي في مجملها لا تخلو من هذين القسمين، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم الحديث إلى فرد مطلق ونسبي لا تعلّق به مباشرة من حيث الحكم على الحديث بالصحة والضعف، وإنما القبول والرد، وتصحيح الروايات وتضعيفها
متعلّق باعتبارات أخرى لا مدخل للتفرّد المطلق أو النسبي فيها، ولكنه من القرائن المهمة في عملية النقد الحديثي. (٣)
стр. 378
المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:
مصطلح الأفراد من المصطلحات المتداخلة مع أنواع عدة من علوم الحديث (١)، وبالنظر إلى تعريفات من سبق ابن الصلاح نجد من أفرد هذا النوع بالذكر، ومنهم من ذكره مع الغرائب أو الغريب، وجعلهما نوعاً واحداً، ومنهم من ذكره كنوعين متتالين يظهر فيهما التداخل.
ومن جاء بعد ابن الصلاح كذلك هناك من ميّز بينهما، وهناك من جعلهما نوعاً واحداً.
- أما الحاكم فقد ميّز الغريب عن الأفراد (٢)، وذكر كلاً منهما في نوع ظاهره الاستقلال، وجعلهما متتالين، وكأنه يشير إلى ما بينهما من علاقة وطيدة مما جعل ابن الأثير في
مقدمة جامعه (٣) بعد أن نقل عن الحاكم أنواع الغريب الثلاثة -التي ذكرها في كتابه علوم الحديث (٤) - يدمج الأفراد بالغريب، وذكرها كقسم منه، إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين فقط من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الحاكم للأفراد، ولم يذكر النوع الثالث وهي: الأفراد المضافة للبلاد، ولعلها إشارة منه بأنها لا تدخل ضمن الغرائب بل هي نوع مستقل من
стр. 379
الأفراد كما صرّح بذلك ابن الصلاح حيث قال: "وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه" (١).
وهذا الصنيع من ابن الأثير - رغم كونه نقل واختصر غالب مقدمته من كتاب علوم الحديث للحاكم- يدل على أنه فهم أن فصل الحاكم بين الغريب والفرد، وإفراد كل نوع بالذكر إنما هو فصل في ظاهر الأمر وليس في حقيقته، وأن مساحة الاشتراك بين النوعين كبيرة، واقتصر على ذكر أنواع الفرد المشتركة مع الغريب دون النوع الثالث، والذي أشار الحاكم إلى ندرة وجوده وفهمه، فقال: "فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه" (٢).
قال الدكتور صبحي الصالح - بعد أن ذكر نوع الغريب واستشهد على أنواعه بالأمثلة-: "وأكثر الأمثلة التي استشهدنا بها عليه ذكرها الحاكم في النوع الخامس والعشرين من علم
الحديث وهو معرفة الأفراد، كأنه لا يرى بين الفرد والغريب فرقًا إلا في التوجيه والتعليل بين إطلاق وتقييد" (٣).
- أما ابن طاهر المقدسي فقد جمع بين الأفراد والغرائب، وعدّهما نوعاً واحداً له أقسام فقال: "اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع: ... " (٤) ثم عدّد هذه الأنواع، ويُفهم من ذلك أنه يسوّي بين الأفراد والغرائب، ولعله ومن سار على نهجه يُعدُّ سلفاً لابن حجر في
стр. 380
اعتباره ترادف مصطلحي الغريب والفرد، وأنه قد يُطلق أحدهما على الآخر، فيقال: أغرب به فلان، وتفرّد به فلان.
وقد أشار إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة الاستعمال أو كثرته، فقال: "الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان." (١)
- وقد احتذى السخاوي حذو شيخه ابن حجر حيث صرّح بترادف مصطلح الأفراد والغريب حين ذكر أن الأنسب هو ضم النوعين إلى بعضهما، فقال - في مقدمة شرحه لنوع الغريب-: "وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد" (٢).
- وقد نقل بعض تلامذة ابن حجر كالبقاعي والأنصاري عن شيخهما ابن حجر ما ذكره من أن ابن منده خصّ الغريب برسم خاص عن باقي أنواع التفرد فقال البقاعي- بعد تعريفه للغريب بالتفرّد المطلق-" أي: سواء كان انفراده بالنسبة إلى إمام يُجمَع حديثه كما قيده به ابن منده أولاً ... فهو الغريب على ما حده به الأئمة، إلا ابن منده، ... والحاصل أن التقدير: وابن منده خالف هذا الرسم، فحد الغريب بأنه: انفراد راو عن إمام يجمع حُديثه، وكان ابن منده يسمي الغريب في عرفنا فردا." (٣)
стр. 381
فابن منده إنما خصّ الغريب بجزء مما استقرّ عليه تعريف الغريب عند ابن حجر ومن وافقه، وأن ما يتفرّد به الراوي عمن يروي عنه بشكل عام يعدّه ابن منده فرداً لا غريباً وإنما الغريب عنده خاص بما كان تفرداّ عن إمام يُجمع حديثه.
فالبقاعي وكذلك الأنصاري ينقلان عن شيخهما ابن حجر، ولم يعقّبا، ولعل عدم تعقيبهما دليل موافقة لما ذهب إليه من ترادف الفرد والغريب.
- وفي مقابل من اعتبر ترادف المصطلحين فهناك من فرّق بينهما، فأفرد كل نوع بتعريف مستقلّ:
- كابن الملقن، ويُشبه ظاهر تعريفه ما ذهب إليه ابن منده من التفريق بين الغريب والفرد، حيث جعل لكل منهما تعريفاً مستقلاً فقال- في كتابه التذكرة-: "الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.
والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه." (١)، وهو بذلك يُشير إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. قال السخاوي شارحاً كلام ابن الملقن: " (والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه) كمالك (ممن يُجمع حديثه)
وحينئذ فهو والفرد النسبي سواء، بل هما مشتركان في المطلق أيضًا، وقد أشار ابن الصلاح إلى افتراقهما فيما إذا كان المنفرد به من مكة (٢) أكثر من واحد، فإنه حينئذ يكون فردًا لا غريبًا (٣)، فكل غريب فرد ولا عكس." (٤)
стр. 382
- وممن فرّق كذلك بين المصطلحين، وجعل لكل منهما تعريفاً مستقلاً في ظاهره الميانشي حيث قال: "وأما المفرد: فهو ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ ... وأما الغريب: فهو ما شذ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية" (١).
فقد خصَّ الميانشي الفردَ بتفرّد الثقة، وأعقب كلامه بما يدل على أن المقصود بالفرد عنده زيادة الثقة، (٢) وعرّف الغريب بكونه انفراد وشذوذ في الرواية من راوة مُقلّين في الرواية، فيُثير شذوذهم وانفرادهم الغرابة.
- وهناك من لم يذكر الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث، واكتفى بذكر الغريب، ومنهم: ابن دقيق العيد في الاقتراح (٣) (ت ٧٠٢ هـ) فلم يذكر في كتابه نوع الأفراد، بل اقتصر
على ذكر الغريب بعد ذكره لنوعيّ الشاذ والمنكر، ولعل في ذلك إشارة منه إلى ترادف الغريب والفرد أو كون الأفراد داخلة ضمن هذه الأنواع فلا حاجة إلى إفرادها بالذكر.
وتبعه الذهبي في كتابه الموقظة (٤) (ت ٧٤٨ هـ) إلا أنه تحدث عن الأفراد بشكل مبثوث ضمن مباحث الكتاب، وحكم ما لو انفرد ثقة أو ما دونه (٥).
стр. 383
نخلص مما سبق:
أن التداخل بين مصطلح الفرد والغريب تداخل كبير، وقد تعددت مذاهب العلماء في بيان العلاقة بينهما، ما بين علاقة عموم أحدهما وخصوص الآخر، وما بين علاقة الترادف واعتبارهما نوعاً واحداً، والإشارة إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة استعمال أحدهما أو كثرتها في موطن دون آخر.
قال الدكتور نور الدين عتر: "ومن هذا يظهر تقارب هذين النوعين: الغريب والفرد من بعضها، حتى اختلف فيهما المحدثون هل هما نوع واحد أو نوعان مفترقان. والأولى جعلهما نوعين لما عرفت من عدم دخول بعض الأفراد في الحديث الغريب، مثل أفراد البلدان وأفراد القبائل." (١)
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف .
- يُفهم من تعريف ابن الصلاح أن الأفراد أو التفرّد حالة من الحالات التي تعرض للحديث (٢)، وأنها على قسمين تفرد مطلق، أو تفرّد نسبي.
стр. 384
حيث "لم يتصدّ كثيرٌ من المحدثين الذين دونوا في علوم الحديث لتعريف (الحديث الفرد) بصورته العامة، بل كانوا يبوبون له في مصنفاتهم، ثم يَلِجون مباشرة في تقسيمه، والكلام على نوعيه المطلق والنسبي، والتمثيل له، والحكم عليه، كما فعل الحاكم، وابن الصلاح، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم ...
وقد عرّف بعضهم -وإن كان قليلاً- (الحديث الفرد) منهم الميانشي ... " (١)
- ونجد أغلب من ذكر نوع الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث ضمّنها أقساماً تدور حول الإطلاق والنسبية، وإن لم يصرّح البعض بذلك، ولعل أبرز ما تطرّقوا إليه هو بيان العلاقة بين الأفراد والغريب، حيث يتميز مصطلح الأفراد بتداخله مع مصطلح الغريب، وقد تعددت مذاهب أهل الاصطلاح بين اعتبارهما نوعاً واحداً أو التفريق بينهما:
- فهناك من ذكرهما كنوعين متتاليين وذكر لكل منهما أقسامه التي لا تخلو من التداخل بينها وبين أقسام النوع الآخر كصنيع الحاكم.
- وهناك من فرّق بينهما بذكر تعريف مستقل لكل نوع كالميانشي، وابن الملقن، ويُشبه ما ذهب إليه ابن الملقن ما نُقل عن مذهب ابن منده في التفريق بين الغريب والفرد.
- وهناك من ذكرهما كنوعين فيهما تداخل كبير بين أقسامهما وأشار إلى موطن الافتراق كابن الصلاح، وكثير ممن تبعه في تلخيص كتابه دون تعقيب.
стр. 385
- وهناك من اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر كالخليلي حين ذكر أنواع الأفراد، وابن دقيق العيد الذي اقتصر على ذكر الغريب بعد نوعيّ الشاذ والمنكر، ولم يُذكر الأفراد وتبعه الذهبي.
- وهناك من جعلهما نوعاً واحداً وصرّح بذلك كالمقدسي، وابن حجر، ومن وافقه من تلاميذه كالسخاوي.
إن العلاقة بين الفرد والغريب علاقة عموم وخصوص مطلق، فالفرد نوع عام، يشمل كل ما وقع فيه التفرّد، بغض النظر عن قبول هذا التفرد أو رده، وعن درجة الراوي المتفرد وحاله، وبغض النظر هل يستغرب الحفاظ هذا التفرّد، ويتحفّظون عليه، أم أنه سائغ مقبول لديهم لا غبار عليه، وبغض النظر هل كانت فيه مخالفة أم لا، كل هذا داخل في حقيقة الحديث الفرد.
أما الغريب؛ فلا يُسمّى به إلا ما كان تفردا مستغرباً، أو استقلالاً بالرواية تثير عند الحفاظ شيئاً من الاستغراب ...
إذاً: الحديث الفرد أعم من الحديث الغريب، فبينهما عموم وخصوص مطلق، وكل غريب يسمّى فرداً، وليس كل فرد يسمى غريباً، هذا من حيث الماهية والجوهر، فماهية الفرد أعم وأشمل من ماهية الغريب، وليست هي ذاتها، (١) والله أعلم.
إلى هنا انتهى تحرير مصطلح الأفراد، ولأن زيادة الثقة صورة من صور التفرّد؛ رأيت من المناسب أن يتبعها في ترتيب فصول البحث، فإلى الفصل السابع، وتحرير مصطلح زيادة الثقة.
стр. 386
الفصل السابع: زيادة الثقة
المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:
المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
стр. 387
المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:
زيادة الثقة: مركب إضافي من كلمتين، والزيادة من زاد الشيء وازداد أي نما وكَثُر، والزيادة خلاف النقصان (١).
والثقة من وثِق، و"الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثّقت الشيء: أحكمته." (٢)
"ووثِق به يثِق فهو ثِقة إذا ائتمنه" (٣)، فمن معاني الثقة في اللغة: الإحكام والإئتمان. (٤)
المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
стр. 388
مصطلح زيادة الثقة له ارتباط وثيق بالتفرّد والأفراد، (١) فهو صورة من صور التفرّد، وفرع من فروعه، "بل علاقته به علاقة العموم بالخصوص، إذ التفرّد أعم، ومن صوره زيادة الثقة" (٢)؛ ولعل هذا ما دعا ابن كثير ﵀ في اختصاره لكتاب ابن الصلاح أن يقدّم نوع الأفراد ثم يتبعه بنوع زيادة الثقة (٣) - وذلك على خلاف ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح- وقد احتذيتُ صنيع ابن كثير في ذلك فقدّمت الكلام عن التفرّد والأفراد في الفصل الماضي ثم أتبعته بزيادة الثقة.
وبالنظر في كتب الحديث وعلومه نجد أن "معظم كتب المصطلح، وبخاصة القديمة منها لم تهتم بتعريف زيادة الثقة، وإنما اقتصرت على بيان حكم هذه الزيادات؛ وذلك لوضوحها في أذهان الحفاظ والمحدثين، وأهل هذا الشأن" (٤).
وكان ممن جاء قبل ابن الصلاح من أفردها بالذكر، ومثّل لها تحت نوع مستقل كالإمام الحاكم، أو ذكر حكمها تحت باب مستقل كالخطيب البغدادي كما سيأتي تفصيله.
стр. 389
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
قال الحاكم تحت النوع الحادي والثلاثين- وهو يشير إلى نوع من أنواع زيادات الرواة-: "معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد" (١).
تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):
عنون الخطيب بقوله: "باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة , إذا انفرد بها" (٢)
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
نجد الميانشي عرّف الفرد بقوله: "ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ." (٣) ثم قال: "وقد حكى شيخنا المازري-﵀ في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة" (٤)، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، فيكون الفرد وزيادة الثقة عنده بمعنى واحد.
стр. 390
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث- فقال في تعريف زيادة الثقة: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي ﷺ ويجعلها من قوله." (١)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) (٢):
لخّص ابن الصلاح شيئاً مما ذكره الحاكم والخطيب البغدادي فيما يخص زيادة الثقة، فعنّون النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث: بمعرفة زيادات الثقات وحكمها، ثم ذكر بشكل مختصر من اهتم من العلماء بهذه الزيادات (زيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث) (٣)، وحكمها عند الجمهور من الفقهاء والمحدثين، ثم توصّل إلى تقسيم ما ينفرد به الثقات بشكل عام، فقال:
"وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام: