← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142182

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

راوية بنت عبد الله بن علي جابر

Полный текст (604 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الفصل السابع: زيادة الثقة المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة: المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.

стр. 387

المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة: زيادة الثقة: مركب إضافي من كلمتين، والزيادة من زاد الشيء وازداد أي نما وكَثُر، والزيادة خلاف النقصان (١). والثقة من وثِق، و"الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثّقت الشيء: أحكمته." (٢) "ووثِق به يثِق فهو ثِقة إذا ائتمنه" (٣)، فمن معاني الثقة في اللغة: الإحكام والإئتمان. (٤) المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):

стр. 388

مصطلح زيادة الثقة له ارتباط وثيق بالتفرّد والأفراد، (١) فهو صورة من صور التفرّد، وفرع من فروعه، "بل علاقته به علاقة العموم بالخصوص، إذ التفرّد أعم، ومن صوره زيادة الثقة" (٢)؛ ولعل هذا ما دعا ابن كثير ﵀ في اختصاره لكتاب ابن الصلاح أن يقدّم نوع الأفراد ثم يتبعه بنوع زيادة الثقة (٣) - وذلك على خلاف ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح- وقد احتذيتُ صنيع ابن كثير في ذلك فقدّمت الكلام عن التفرّد والأفراد في الفصل الماضي ثم أتبعته بزيادة الثقة. وبالنظر في كتب الحديث وعلومه نجد أن "معظم كتب المصطلح، وبخاصة القديمة منها لم تهتم بتعريف زيادة الثقة، وإنما اقتصرت على بيان حكم هذه الزيادات؛ وذلك لوضوحها في أذهان الحفاظ والمحدثين، وأهل هذا الشأن" (٤). وكان ممن جاء قبل ابن الصلاح من أفردها بالذكر، ومثّل لها تحت نوع مستقل كالإمام الحاكم، أو ذكر حكمها تحت باب مستقل كالخطيب البغدادي كما سيأتي تفصيله.

стр. 389

تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ): قال الحاكم تحت النوع الحادي والثلاثين- وهو يشير إلى نوع من أنواع زيادات الرواة-: "معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد" (١). تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ): عنون الخطيب بقوله: "باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة , إذا انفرد بها" (٢) تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ): نجد الميانشي عرّف الفرد بقوله: "ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ." (٣) ثم قال: "وقد حكى شيخنا المازري-﵀ في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة" (٤)، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، فيكون الفرد وزيادة الثقة عنده بمعنى واحد.

стр. 390

تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث- فقال في تعريف زيادة الثقة: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي ﷺ ويجعلها من قوله." (١) تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) (٢): لخّص ابن الصلاح شيئاً مما ذكره الحاكم والخطيب البغدادي فيما يخص زيادة الثقة، فعنّون النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث: بمعرفة زيادات الثقات وحكمها، ثم ذكر بشكل مختصر من اهتم من العلماء بهذه الزيادات (زيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث) (٣)، وحكمها عند الجمهور من الفقهاء والمحدثين، ثم توصّل إلى تقسيم ما ينفرد به الثقات بشكل عام، فقال: "وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:

стр. 391

أحدها: أن يقع مخالفاً منافياً (١) لما رواه سائر الثقات؛ فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ. الثاني: ألا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلاً لما رواه غيره؛ كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا؛ فهذا مقبول. وقد ادعى "الخطيب" فيه اتفاق العلماء عليه. وسبق مثاله في نوع الشاذ. الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين؛ مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث." (٢) ثم ختم هذا النوع بالإشارة إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها، فقال: "وأما زيادة الوصل مع الإرسال؛ فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه، ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدحٍ في الحديث، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. ويجاب عنه بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع من وصل، (٣) والله أعلم." (٤)

стр. 392

تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه وما ذكره من أقسام لتفرّد الثقات بشكل عام، وتعقّبه فيما نقله عن الترمذي من تفرّد الإمام مالك - بزيادة (من المسلمين) في حديث زكاة الفطر (١) -، بأن مالكاً لم يتفرّد بهذه الزيادة، حيث قال السخاوي: "شُوحِح (٢) ابن الصلاح في التمثيل به" (٣)، وكان ممن تعقّبه في ذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٥)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٦)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه المقنع فقد ذكر لمالك اثني عشر مُتابِعاً (٧)، وأسهب في ذكر المذاهب والأقوال في حكم الزيادة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين (٨)، بينما اكتفى في التذكرة بقوله: "وزيادة الثقات: والجمهور على قبولها." (٩)

стр. 393

وذكر العراقي (ت ٨٠٦ هـ) أن ابن الصلاح حين نقل كلام الترمذي أسقط آخره، وأن الترمذي لم يُصرّح بتفرد مالك بهذه الزيادة دون غيره من الرواة، وإنما قيّد وصف المتفرّد بكونه من الحفاظ دون غيره ممن روى هذه الزيادة (١)، إلا أن ابن حجر برّر صنيع ابن الصلاح بقوله: "راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة (٢) قد أطلق كما حكاه عنه المصنف ... ، وفي (كتاب العلل المفرد) (٣) قد قيّد كما حكاه عنه شيخنا- يقصد العراقي-. فكأن ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل، والله أعلم." (٤) وقد نقل البقاعي تصريح ابن حجر بأن ما شُوحِح به ابن الصلاح لا يصلح اعتراضاً عليه، فقال في النكت: "على أنه لا يصلح اعتراضا على ابن الصلاح؛ فإنه قال: (انفرد من بين الثقات) يعني: أنه لم يروها من الثقات غيره، وإلا لم يكن لقوله: (من بين الثقات) كبير فائدة، وكان حذفه أخصر، وأدل على الإطلاق ... " (٥). ... وهناك من اختصر كلام ابن الصلاح دون استدراك كالطّيبي (٦) (ت ٧٤٣ هـ)، وهناك من استدرك عليه ما ذكره من تقسيم تحت نوع زيادة الثقة، لكون ما ذكره يضم أنواع الأفراد بشكل عام، وليس خاصاً بزيادة الثقة فقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في نكته:

стр. 394

"هذا التقسيم ليس على وجهه، فإن الأول والثاني لا مدخل لهما في زيادة الثقة بحسب الاصطلاح؛ فإن المسألة مترجمة بأن يروي الحديث جماعة ويتفرد بعضهم بزيادة فيه، والقسمان قد فرضهما في أصل الحديث لا في الزيادة فيه، وإنما هما قسما الشاذ بعينه على ما ذكره هناك فلا معنى لتكراره، وإدخاله مسألة في أخرى، ... " (١) وقد تعقّب محقق الكتاب استدراك الزركشي بأن: "ابن الصلاح إنما قسم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام، وليس المتفرد به دائماً زيادة فقد يكون غيرها؛ ولذلك صرّح ابن الصلاح في القسمين الأول والثاني بأنهما من نوع الشاذ. وإنما أراد استقراء أحوال التفرد وزيادة الثقة قسم منه، ولذلك لم يمثل للأول والثاني ومثّل للثالث الذي هو بيت القصيد عنده" (٢)؛ بينما وجّه أحد الباحثين تقسيم ابن الصلاح بكونه ليس خاصاً بموضوع (زيادة الثقة) بل هو تقسيم لما ينفرد به الثقة من الخبر المستقل بشكل عام، مع انطباق هذا التقسيم على زيادة الثقة، بحيث يمكن أن يُقال بأن تقسيم ابن الصلاح هذا يُعتبر تقسيم (زيادة الثقة) بالنظر إلى قبولها وردّها، وبالنظر إلى نفس الزيادة من حيث المخالفة، أو عدمها، أو المخالفة من وجه دون وجه. وعلى ضوء ذلك يمكن أن تتنوع زيادة الثقة إلى ثلاثة أنواع: ١ - زيادة ليست فيها مخالفة أصلاً. ٢ - زيادة خالفت من بعض الوجوه. ٣ - زيادة خالفت من كل وجه. (٣) وكان من أبرز التعاريف لزيادة الثقة بعد ابن الصلاح:

стр. 395

تعريف ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (١) حيث قال: "إذا تفرَّد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم، وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة". وقال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): "وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة." (٢) المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: سبق الإشارة إلى التداخل الكبير بين مصطلح الأفراد وزيادة الثقة، بل إن زيادة الثقة صورة من صور التفرد، ذكرها ابن الصلاح في النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث ثم أتبعها بذكر نوع الأفراد قائلاً: "وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، ... " (٣) أي أن مصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع أخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، وحين اختصر ابن كثير كتاب ابن الصلاح وجد أن

стр. 396

تقديم الأفراد على زيادة الثقة أنسب، فقال في خطبة كتابه: "ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب". (١) وقد أشار ابن حجر إلى السبب من أن ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح لم يكن بالشكل المتناسب، وذلك لكونه كان يُملي هذا الكتاب على تلامذته "شيئا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب" (٢)؛ لذا نجد ابن الصلاح في هذا النوع ذكر الأقسام التي تنتج من تفرد الثقات بالمتون أو الألفاظ، من حيث موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات، ثم عرّج إلى ذكر الزيادة في الأسانيد، ومثّل لها بزيادة الوصل مع الإرسال، واكتفى بذلك ولم يذكر لزيادة الثقة حداً أو تعريفاً، وبالنظر إلى ما ذُكر في نوع زيادة الثقة ممن جاء قبل ابن الصلاح أو بعده، فلعل أبرز ما ذُكر من قيود لزيادة الثقة هي: - القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً: فحين ذُكِر نوع زيادات الرواة في كتب علوم الحديث، هناك من قيّد وصف الراوي الزائد في الحديث بوصف الثقة، وهناك من لم يصرّح بهذا القيد لكن سياق الكلام يدل عليه، بل ويقتضيه؛ حيث الزيادة في الحديث لا يكون لها أثر ما لم يكن راويها في حيّز القبول، "فالزيادات في الأحاديث تكون من الثقات ومن الضعفاء، والزيادة من الضعيف غير مقبولة؛ لأن حديثه مردود أصلا سواء زاد أم لم يزد" (٣)، بل نجد أئمة الحديث يشترطون

стр. 397

في قبول الزيادة من الرواة كونهم من الحفاظ المتقنين، حيث قال الإمام مسلم "والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم" (١). وقال الترمذي: "ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه" (٢). ونقل ابن حجر عن ابن خزيمة قوله: "لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته". (٣) وزاد ابن حبان شرطاً وهو أن يكون الراوي فقيها في حال كانت الزيادة في متن الحديث، فقال: "وأما زيادة الألفاظ في الروايات؛ فإنا لا نقبل شيئا منها؛ إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلمَ أنه كان يروي الشيء ويعلمه، حتى لا يَشُك فيه أنه أزاله عن سَننِه، أو غيَّره عن معناه أم لا؟ " (٤)

стр. 398

وهذا الشرط "مما انفرد به ابن حبان، واشتراط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان." (١). ونجد ابن حجر في النزهة يحدد مرتبة راوي الزيادة المقبولة بأنه من كان في مرتبة رواة الصحيح أو الحسن، ثم زاد زيادة ... فقال: "وزيادة راويهما، أي: الصحيح والحسن، مقبولة ... " (٢)، فالثقة "قد يطلق على من كان مقبولا، وإن لم يكن تام الضبط" (٣). وبالرغم من أن الحاكم حين ذكر نوع الزيادات أطلق ذكرها دون تقييد بوصف الراوي الزائد بدرجة القبول، وذكر ضمن أمثلته زيادات للثقات وغيرهم، إلا أنه حين تكون الزيادة من ثقة فهو ينبّه على ذلك في الغالب (٤)، بل إنه صرّح في النوع الثالث عشر من الأنواع التي ذكرها في كتابه هذا: بأن الزيادة من الثقة مقبولة (٥)، ونجده يبني كتابه المستدرك على ذلك.

стр. 399

فأكّد في خطبة كتابه: "أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة" (١)، ونجده كثيراً ما يكرر قوله: "فأنا على الأصل الذي أصلته في قبول الزيادة من الثقة في الأسانيد والمتون" (٢). - القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه: ذكر ابن رجب تعريفه لزيادة الثقة بعد أن أكّد على أن مبحث زيادة الثقة إنما يتطرق لزيادة بعض الرواة فيما إذا كان مخرج الحديث واحداً (من رواية صحابي واحد)، حيث قال: "فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد" (٣). وما ذهب إليه ابن رجب - من اشتراط اتحاد المخرج أو السند فيما يزيده الرواة على الحديث؛ لتدخل هذه الزيادة تحت مسمّى زيادة الثقة- أيّده ابن حجر بقوله: "وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ إذا روى الحديث

стр. 400

جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة ... " (١) وقال أيضاً: "واعلم أن هذا كله إذا كان للمتن سند واحد. أما إذا كان له سندان، فلا يجري فيه هذا الخلاف." (٢) ذكر ذلك أثناء مناقشته مسألة (تعارض الإرسال والاتصال والرفع والوقف). ويترتب على هذا القيد: كون الراوي صاحب الزيادة من طبقة التابعين فمن بعدهم؛ لأن زيادة الصحابي على الصحابي لا تدخل ضمن زيادة الثقة إنما هما حديثان مستقلان (٣)، وهذا ما أوضحه قول ابن رجب: "فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد" (٤).

стр. 401

قال ابن حجر: "الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة، إنما هو في زيادة (بعض الرواة) من التابعين فمن بعدهم." (١) وقال السخاوي: " (واقبل) أيها الطالب (زيادات الثقات) من التابعين، فمن بعدهم" (٢). - القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر: لم تتفق تعريفات هذا النوع على عدد رواة الزيادة هل هو واحد أو أكثر، فبعضها نصّ على كون راوي الزيادة واحداً، حيث جاء في نوع الزيادات عند الحاكم قوله: "ينفرد بالزيادة راوٍ واحد" - إلا أنه في أمثلته ذكر في المثال الأول تفرّد راويان ثقتان (٣) - وتبعه في التقييد بمجيء الزيادة من راوٍ واحد: ابن الأثير، وابن كثير. بينما أفادت بعض التعريفات احتمال ورود الزيادة عن أكثر من راوِ، ومن ذلك: ما جاء عن الميانشي، وكذلك ما ذكره ابن رجب في تعريفه، حيث قال: "فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة" (٤) "وذِكرُ كلمة (بعض) في التعريف تومئ إلى أن هناك حالتين للزيادة: الحالة الأولى: أن ينفرد بالزيادة راوٍ واحد، لم يتابعه عليها غيره من الرواة الذين رووا أصل الحديث، وهذا هو المفهوم الشائع والمتبادر لزيادة الثقة، وهو الأصل فيها.

стр. 402

الحالة الثانية: أن يروي الزيادة أكثر من واحد، بأن توجد لهذه الزيادة متابعة، لكن تبقى الزيادة في حكم الانفراد؛ لأن الأكثر من رواة الحديث لم يذكروها." (١) وقد مثّل الترمذي لزيادة الثقة بزيادة مالك في حديث زكاة الفطر، فقال: "ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير)). قال: وزاد مالك في هذا الحديث من المسلمين. وروى أيوب السختيانى، وعبيدالله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه من المسلمين وقد روى بعضهم، عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه ... " (٢) قال ابن رجب مُعقّباً: "ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأن عامة أصحاب نافع لم يذكروها." (٣) وقد كان لأحد الباحثين رأي في التفريق بين مجيء الزيادة من راوٍ واحد ومجيئها عن أكثر من راو، واعتبار الأول زيادة ثقة بينما الثاني مختلف الحديث (٤)، فقال: "وصورة الزيادة التي تعنى هنا، كما عرفها أهل المصطلح: تفرد راو واحد ثقة عن بقية الرواة بنفس السند عن نفس الشيخ، بزيادة لفظة في المتن، أو وصل مرسل، أو رفع موقوف، ونحوه.

стр. 403

وأما إذا كان أكثر من واحد كأن يتابع ذلك الثقة بثقة آخر، أو ممن يعتبر به في المتابعة خرج عن أن يكون هذا الحديث من قبيل زيادة الثقة، وإنما هو من قبيل المختلف، لاحتمال أن يكون الشيخ رواه على الوجهين، فحمله كل جماعة على وجه." (١) وقد تعقّبه بعض الباحثين فعُدّ ما ذهب إليه حصر لمفهوم زيادة الثقة في نطاق ضيق، "فزيادة الثقة قد تأتي من ثقة انفرد بتلك الزيادة دون غيره، أو قد تأتي من ثقات آخرين كما أخبر بذلك العلماء، وإلا لما كان للقرائن التي تُحيط بتلك الزيادة واعتد بها العلماء أي فائدة أو قيمة تذكر. فالعلماء مثلاً: اعتدّوا بالمتابعة مثلاً كقرينة لقبول زيادة الثقة، وهذا بدوره يدل على أن الثقة لم يتفرد بتلك الزيادة لوحده ... " (٢) "وأما احتمال كون الشيخ قد حدّث به على الوجهين فلا يتأتّى هنا، ذلك أننا هنا لا نتكلم عن روايتين متكافئتين قوة أو عدداً؛ إنما عن رواية أو روايتين فيها زيادة لم تذكرها روايات أخرى كثيرة، فهنا باعتبار الكثرة، وقلة من روى الزيادة، تبقى في حكم زيادة الثقة، ولا تدخل باب المختلف، والله أعلم." (٣) فكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحداً، ليفيد بأنه قد يروي الزيادة جماعة من الرواة كما أنه يرويها راوٍ واحد. (٤) هذا فيما يخص أبرز القيود التي تطرقت لها تعريفات زيادة الثقة قبل وبعد ابن الصلاح، أما ابن الصلاح فإنه لم يذكر حداّ ولا تعريفاً لزيادة الثقة إلا أنه اهتم بذكر حكمها، وأشار إلى الأقسام التي تنتج من تفرد الثقات بالمتون أو الألفاظ، من حيث موافقتها أو مخالفتها

стр. 404

لما رواه سائر الثقات، ثم عرّج إلى ذكر الزيادة في الأسانيد، ممثّلاً لها بزيادة الوصل مع الإرسال. مما دعا إلى التطرّق لموضوع: محلّ ورود الزيادة، وأثر ذلك في الحكم عليها من حيث القبول أو الرد: (١) الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند: يُعدّ من المحاور الرئيسية التي تطرّق إليها نوع زيادة الثقة عند ابن الصلاح (محلّ ورود الزيادة في المتن أو السند)، وفيما يخص تقسيم زيادات الثقات إلى أقسام حسب محلّ ورود هذه الزيادة في المتن أو الإسناد، فلعل هذا ظاهر في كتب وأبحاث المعاصرين،

стр. 405

بينما حين يُتتبّع ذلك عند من سبق فإن ما يتعلّق بزيادات الإسناد، وحكمها يكون - في الغالب- مبثوثاً بين أنواع أخرى من علوم الحديث. (١) - فقد أفرد الحاكم زيادات المتون بنوع مستقل، وعنى بالزيادة (الألفاظ الفقهية) (٢)، ومثّل لها بعشرة أمثلة (٣) ضمّت زيادات للثقات وغيرهم، ولعله لذلك لم يذكر - حكم الزيادة في المتن- في هذا النوع، وإنما أشار إلى قَبولها من الثقة في نوع سابق في ترتيب كتابه (٤)، هذا فيما يخص الزيادة في المتن. أما الزيادة في الأسانيد، فعلى الرغم من أن الحاكم في كتابه (المدخل إلى الإكليل) أشار إلى الفرق بين منهج الفقهاء والمحدثين تجاه زيادات الثقات في الأسانيد (٥)، يُضاف إليه ما

стр. 406

ذكره في نوع العلل وأجناسها في (علوم الحديث) مما يدلّل على أنه يُرجّح منهج المحدثين في الأخذ بالقرائن في زيادات الأسانيد، (١) إلا أنه بنى كتابه المستدرك على قبول الزيادة إذا كانت من الثقة سواء كان ذلك في المتن أو الإسناد. (٢) أشار إلى ذلك ابن رجب حيث قال في شرح العلل: "وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ ـ أيضاً ـ ... وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث، وهذا يخالف تصرفه في المستدرك." (٣) فكلام الحاكم في مواضع كثيرة من (المستدرك) صريح في أنه يقبل وصل المرسل ورفع الموقوف، إذا كانا من ثقة، مهما كان شأن المُرسِل أو المُوقِف، وعلى هذا بنى الكتاب.

стр. 407

أما النصوص القليلة التي توهم أنه يُشترط في قبول الزيادة أن يكون راويها أحفظ من راوي النقص، كقوله عن حديث رواه: "أسنده جماعة وأوقفه جماعة والذي أسنده أحفظ والزيادة منهم مقبولة" (١)، فيمكن توجيهها على النحو الآتي: أن مثل هذه النصوص لا حكم لها فيما نحن بصدده، ولا يستفاد منها قيد يُقيَّد به كلام الحاكم المطلق في قبول الزيادة؛ وذلك لأمرين: الأول: أن هذه النصوص نادرة جدّا في الكتاب؛ فلا تقاوم النصوص المطلقة التي تكررت كثيراً، إلى الحد الذي لا يصلح معه تقييدها بهذه النصوص القليلة النادرة. الآخر: أن هذه النصوص وصف لما هو كائن، وليست شرطاً يوضع لقبول زيادة الثقة، (٢) ... وقبول الزيادة في الإسناد هو الذي جرى عليه الحاكم في رواياته في (المستدرك) وتعليقاته عليها، وتصحيحاته لها. (٣) - والخطيب البغدادي حين عنون أحد أبواب كتابه الكفاية بقوله: "باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة , إذا انفرد بها" (٤)، فإنه عنى بالزيادة: الزيادة في المتن، وذلك

стр. 408

يُفهم مما أورده تحت عنوان الباب من مناقشة حكم هذه الزيادة من جهة تعلّقها بحكم شرعي أو لا، أو من جهة تعلّق الزيادة بلفظ الحديث أو معناها ... أما ما يتعلّق بالزيادة في الأسانيد فقد أفرد أبواباً لذلك منها ما يخص تعارض الوصل مع الإرسال، فقال: "باب القول فيما روي من الأخبار مرسلا ومتصلا , هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟ " (١)، وقد رجّح فيه الحكم للوصل شريطة أن يكون راوي الزيادة عدلاً ضابطاً للرواية، فقال: "ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية, فيجب قبول خبره, ويلزم العمل به, وإن خالفه غيره, وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة, وهذا القول هو الصحيح عندنا, لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله, ولا تكذيب له, ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم, إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان, والناسي لا يقضى له على الذاكر, ... " (٢) وقال تحت "باب في الحديث يرفعه الراوي تارة ويقفه أخرى, ما حكمه؟ ... والأخذ بالمرفوع أولى, لأنه أزيد كما ذكرنا في الحديث الذي يروى موصولا ومقطوعا, وكما قلنا في الحديث الذي ينفرد راويه بزيادة لفظ يوجب حكما لا يذكره غيره: إن ذلك مقبول والعمل به لازم, والله أعلم" (٣)، حيث أطلق الحكم بقبول الزيادة من العدل سواء كانت الزيادة في المتن أو الإسناد، وقد أشار ابن رجب إلى تناقض ما ذكره الخطيب فيما يخصّ

стр. 409

زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد (١)، فقال: "وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وقسمه قسمين: أحدهما: ما حُكِم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها. والثاني: ما حُكِم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء. وهذا يخالف تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) " (٢). - وأما ابن الأثير فقد عنى بالزيادة: زيادة المتون، حيث صرّح بذلك حين عرّفها بكونها زيادة تُرفع إلى النبي ﷺ وتُجعل من قوله (٣)، ثمّ فرّق بينها وبين المُدرج (٤).

стр. 410

وحكم بقبولها عند الأكثر، فقال: "إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النَّقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى" (١) - أما ابن الصلاح فقد بدأ بذكر الزيادة في المتن ضمن ما ينفرد به الثقة عموماً، وعمد إلى تقسيمها إلى أقسام حسب موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات (٢)، ثم أشار إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها (٣)، وفرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقاً (٤)، حيث قال: "فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع؛ لأنه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه؛ لأنه علم ما خفي عليه." (٥) بينما هناك من يعدُّ تعارض الوصل والإرسال أو الوقف والرفع من أجناس العلل التي تُعلَّل بها الروايات - كما سبق عند الحاكم- فيعدّ الإرسال أو الوقف قادحاً في الوصل والرفع، بينما الزيادة في المتن لا تُعدّ كذلك، قال الزركشي: "الإرسال علة في السند فكان وجودها - أي الزيادة في الإسناد- قادحا في الوصل وليست الزيادة في المتن كذلك ... " (٦)

стр. 411

قال عمرو عبدالمنعم - في كتابه زيادة الثقة-: "فرق كبير بين ما يزيده الثقة في الإسناد وما يزيده في المتن، بخلاف من أطلق قبول (زيادة الثقة) فلم يُفرِّق بين الأسانيد والمتون، ... " (١). وقال في موضع آخر: "فالاختلاف على راوٍ في السند بزيادة أو نقصان بخلاف الاختلاف عليه في المتن في زيادة لفظة أو جملة، من جهة: أن الثقة إذا انفرد برواية حديث لم يأت به غيره، فهو صحيح محتج به إذا استوفى شروط الصحة لا سيما انتفاء الشذوذ والعلة، فقبول ما تفرّد به من الزيادة في الحديث أولى إن كانت هذه الزيادة مما يُحتمل من مثله، ولا تستنكر عليه، بخلاف أن يروي الحديث بسند زائد أو ناقص فيخالف فيه من هو أولى منه بقبول روايته، فحينئذ تُردُّ روايته ويُحكم عليها بالشذوذ ... " (٢) فالزيادة في المتن تُعلَّل في حال ثبت شذوذها، قال الحافظ ابن حجر: "ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع. أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر" (٣) - ولقد ذهب ابن حبان في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهباً خاصاً، ففرّق بين الفقيه والمُحدّث، فإن كانت الزيادة من مُحدّث في الإسناد قُبلت، وإن كانت في

стр. 412

المتن فلا، لأن اعتناءه بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُبلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر. (١) "وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه، ولا شك أن توثيق الأئمة للراوي يتناول ضبطه للأسانيد وللمتون جميعاً، فإذا عُلِم منه أنه يروي ما يخالف فيه من هو أوثق منه سواءً بالمعنى الذي يُخلَ، أو باللفظ الذي يحيل على معانٍ أخرى سوى ما روت الأثبات فحينئذ لا يدخرون جهداً في تليينه أو الكلام فيه، وإن كان ممن يُنسب إلى الحفظ والتثبت." (٢) - بينما رجّح ابن رجب - بعد أن استعرض الأقوال في حكم زيادة الثقة- وخَلُص إلى: أنه لا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة كأحمد وغيره يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضاً (٣)، وهو ما رجّحه كذلك ابن حجر نقلاً عن أئمة الحديث المتقدمين (٤) من أنهم يعتبرون الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قَبول الزيادة.

стр. 413

المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف . - ضوابط زيادة الثقة (قيود زيادة الثقة المستنبطة من تعريفاتها): - إن من القيود ما اتفقت عليه التعريفات، وإن لم يتم التصريح به في بعضها، إلا أن سياق الكلام يدل عليه، أو جاءت الإشارة إليه ضمن شرحهم لقيود التعريف أو التمثيل له، من ذلك: ١) أن يكون المنفرد بالزيادة ثقة، فغير الثقة لا تُقبل زيادته، وزاد بعضهم اشتراط كونه أحفظ وأتقن ممن لم يرو الزيادة. ٢) أن يكون المنفرد بالزيادة من التابعين فمن بعدهم، أما زيادات الصحابة فهي أحاديث مستقلّة، تقبل مُطلقاً ولا تدخل في باب زيادة الثقة. - أما تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر، فقد اختلفت التعريفات في التنصيص على عدد رواة الزيادة، وكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحداً، ليفيد بأنه قد يروي الزيادة جماعة من الرواة كما أنه يرويها راوٍ واحد. - وفيما يخص محلّ ورود الزيادة، وأثر ذلك في الحكم عليها من حيث القبول أو الرد، وتفريق بعضهم بين الزيادة في المتن والزيادة في الإسناد، فهو على النحو الآتي: - الحاكم أفرد زيادات المتون بنوع مستقل، وعنى بالزيادة (الألفاظ الفقهية)، وحكم بقَبولها من الثقة، وكذلك فيما يخص الزيادة في الأسانيد، فعلى الرغم من أنه في كتابه (المدخل إلى الإكليل) أشار إلى الفرق بين منهج الفقهاء والمحدثين تجاه زيادات الثقات في الأسانيد، وما ذكره كذلك في نوع العلل وأجناسها في (علوم الحديث) مما يدلّل على أنه يُرجّح منهج المحدثين في الأخذ بالقرائن في زيادات الأسانيد، إلا أنه بنى كتابه المستدرك على قبول الزيادة إذا كانت من الثقة سواء كان ذلك في المتن أو الإسناد.

стр. 414

- الخطيب البغدادي أطلق الحكم بقبول الزيادة من العدل سواء كانت الزيادة في المتن أو الإسناد، وقد أشار ابن رجب إلى تناقض ما ذكره الخطيب فيما يخصّ زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد). - ابن الصلاح فرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقاً. - ابن حبان ذهب في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهباً خاصاً، ففرّق في الزيادة بين الفقيه والمُحدّث، فإن كانت الزيادة من مُحدّث في الإسناد قُبلت، وإن كانت في المتن فلا، لأن اعتناء المحدِّث بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُبلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر. - بينما رجّح كل من: ابن رجب، وابن حجر أنه لا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة المتقدمين فيما يتعلق بزيادة الثقة سواء في المتن أو الإسناد، أنهم يعتبرون الترجيح ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قَبول الزيادة. - اعتنت أكثر كتب علوم الحديث ببيان حكم زيادة الثقة في المتن؛ لما لذلك من أهمية في استنباط الأحكام الفقهية، بينما زيادات الإسناد تفرّق الحديث عنها في أبواب (تعارض الوصل مع الإرسال، وتعارض الرفع مع الوقف، والعلل) ونحوها. وهناك تداخل بين بعض المصطلحات مع زيادة الثقة، يمكن الإشارة إليها على النحو الآتي: - الفرق بين الأفراد وزيادة الثقة: "إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة في روايته لهم

стр. 415

- بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً وأكثر عدداً، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته. ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن." (١) -الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة: في زيادة الثقة: الزيادة تكون ألفاظ تُستنبط منها أحكام فقهية، لا ما زاده الفقهاء دون المحدثين في الأحاديث فإن تلك تدل على المدرج. (٢) ويضاف إلى ذلك أن: "- زيادة الثقة لا تكون إلا من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف ... - يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لا يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلاماً للنبي ﷺ ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلاماً للصحابي فما دونه." (٣) - الفرق بين علم الزوائد وزيادة الثقة: علم الزوائد: "علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مُصنّف رويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلِّفه، على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها، من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها عن صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثرة عنده". (٤) فالصلة بين علم الزوائد، وزيادة الثقة، أن كتب الزوائد تضم بين دفّتيها أحاديث فيها زيادات للرواة، فإذا كان راوي الزيادة

стр. 416

ثقة، فهي عين زيادة الثقة، (١) وعليه فإن زيادات الثقات إنما هي نوع من الأحاديث المخرّجة في كتب الزوائد. - الفرق بين مختلف الحديث وزيادة الثقة: فرّق أحد الباحثين بين زيادة الثقة ومختلف الحديث فقال: "إن الزيادة إذا جاءت من ثقة واحد عن الشيخ نفسه وانفرد بها عن أقرانه -رواة الحديث- فهذا الذي يُسمّى زيادة الثقة. أما إذا وجدنا متابعة لهذا الثقة فإنه يخرج من دائرة الزيادة والتفرد إلى دائرة الاختلاف (مختلف الحديث) ... أي إن: زيادة الثقة إنما تكون من واحد أمام جماعة، أما إذا تكافأ العدد كأن يكون واحد أمام واحد أو أكثر فهذه لا تسمّى زيادة ثقة بل تُسمّى (مختلف الحديث)." (٢) وقد عُدّ ما ذهب إليه حصر لمفهوم زيادة الثقة في نطاق ضيق، فزيادة الثقة قد تأتي من ثقة انفرد بتلك الزيادة دون غيره، أو قد يتابعه عليها ثقات آخرين، فتكون الصلة بين نوع (مختلف الحديث) وبين نوع (زيادة الثقة) على النحو الآتي: إن الزيادات التي تخالف المزيد عليه، أي أصل الحديث؛ فيمكن الجمع أو الترجيح بينهما -أي: بين الزيادة وبين المزيد عليه- فهي تندرج أيضاً تحت نوع (مختلف الحديث). أما الزيادات التي لا تخالف المزيد عليه فلا تدخل في هذا النوع (٣)، والله أعلم. وبهذا نختم فصل زيادة الثقة، وننتقل إلى الفصل الثامن، وتحرير مصطلح الحديث المعلل، والذي له تعلّق بالمصطلحات السابقة، حيث انتفاء العلة قيدٌ بارزٌ في فصليّ

стр. 417

الصحيح والحسن، والتفرّد مظنة العلة، ولا يكتمل تحرير تلك المصطلحات إلا ببيان المراد بالعلة والحديث المعلل.

стр. 418

الفصل الثامن: الحديث المعلل المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.

стр. 419

المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريف المعلل لغة: المعلل: اسم مفعول من علَّل. وقد ذكر ابن فارس (١) أن الفعل (علَّ) يأتي على أصولٌ ثلاثة صحيحة: الأول: تكرُّرٌ أو تكرير، ومنه: العَلَلُ، وهي الشربة الثانية. والثاني: عائق يعوق صاحبه، والعلة حدث يشغل صاحبه عن وجهه. والثالث: ضَعفٌ في الشيء، فالعلة مرض، وصاحبها معتل. (٢) وعليه فإن من معاني العلة في اللغة: التكرير، والمرض، والعائق يعوق صاحبه. (٣) قال السخاوي: "أعله الله فهو مُعلّ، ولا يقال: معلل، فإنهم إنما يستعملونه من علله بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، وما يقع من استعمال أهل الحديث له;

стр. 420

حيث يقولون: علله فلان، فعلى طريق الاستعارة." (١) "فكأن وجه الشبه الشغل، فإن المُحدِّث يشتغل بما فيه من العلل." (٢) وتعقّب ابن الصلاح تسميّة الحديث المُعلّ بالمعلول، فقال: "ويسميه أهل الحديث (المعلول)، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: (العلة والمعلول) مرذول عند أهل العربية واللغة" (٣). وتبعه النووي في ذلك فقال: هو لحن (٤)، أي: تسميته بالمعلول، بينما جوّد العراقي تسميته بالمُعلّ، وأشار إلى أن لفظ معلول قد وقع في عبارات النقّاد من المحدثين (٥)، مما حدا بابن حجر إلى ترجيح هذه التسمية على غيرها؛ نقل ذلك عنه البقاعي في النكت، فقال: "قال شيخنا: والأولى عندي أن يقال: معلول؛ لأنها وقعت في عبارات أهل الفن ... " (٦).

стр. 421

المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): ورد لفظ العلة - وكذلك وصف الحديث بكونه مُعلاً أو معلولاً- في كتب نقاد الحديث، إلا أن تفسير معنى العلة أو الحديث المعلول، وحدِّه بما يُميِّزه إنما ورد في بعض الكتب التي صُنِّفت في علوم الحديث، وكان "أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث- وهو أقرب إلى الوصف منه إلى التعريف-" (١) ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث. تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ): قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث"- تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث-: "معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح، والسقيم، والجرح والتعديل ... ". ثم أتبعه بقوله: "وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٢) تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): أما ابن الأثير فقد ذكر صفة الحديث المعلل في مقابلة الحديث الشاذ (٣)، فقال في مقدمة كتابه جامع الأصول: "وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه،

стр. 422

فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذُكِرت، فزال الخلل منه (١). والشاذ: ما لا يعرف له علة." (٢) تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ): ذكر ابن الصلاح - في كتابه علوم الحديث تحت (النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل) - معنى علل الحديث، فقال: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣) تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)،

стр. 423

وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (١)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) نقل عبارة ابن الصلاح بتصرّف يسير في المقنع (٥)، واختصرها في التذكرة، فقال: "والمعلل: وهو ما اطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع السلامة عنها ظاهرا." (٦) ولعل من أبرز تعريفات الحديث المعلل بعد ابن الصلاح (٧): تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث قال في النزهة: "المعلل لغة: ما فيه علة، واصطلاحا: ما فيه علة خفية قادحة" (٨). ثم أوضح مراده بهذه العلة - في موضع آخر- فقال: "ثم الوهم ... إن اُطّلِع عليه بالقرائن الدالة على وهم راويه -من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق- فهذا هو المعلل." (٩) فالمعلل - وفق ما ذكر- ناتج عن وهم الرواة. (١٠)

стр. 424

وقد صاغ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) تعريف الحديث المعلل بقوله: "فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اُطُّلِع فيه بعد التفتيش على قادح." (١) المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: حرّر ابن الصلاح كلام الحاكم في نوع الحديث المعلل - كما ذكر ابن حجر (٢) - ثم عمد إلى تعريف الحديث المعلل بقوله: "هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها"، وذلك بعد أن ذكر تعريف علل الحديث بكونها: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه"، وذكر أن العلل عادةً تتطرق "إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣) ويمكن الإشارة إلى أن أبرز قيود العلة الواردة في تعريف ابن الصلاح هما قيّدي: الغموض، والقدح في الصحة، وفيما يلي تفصيل ذلك: قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

стр. 425

القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة . والخفي في اللغة من: الاستتار وعدم الظهور، وهو خلاف الظاهر. (١) والغامض من الكلام: خلاف الواضح. (٢) وبالنظر إلى ما سبق من تعريفات للعلة، فقد أشار الحاكم إلى قيد الغموض والخفاء في العلة حيث قال: "يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٣)
следующие страницы →