المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
ورد لفظ العلة - وكذلك وصف الحديث بكونه مُعلاً أو معلولاً- في كتب نقاد الحديث، إلا أن تفسير معنى العلة أو الحديث المعلول، وحدِّه بما يُميِّزه إنما ورد في بعض الكتب التي صُنِّفت في علوم الحديث، وكان "أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث- وهو أقرب إلى الوصف منه إلى التعريف-" (١) ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث"- تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث-: "معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح، والسقيم، والجرح والتعديل ... ".
ثم أتبعه بقوله: "وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٢)
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
أما ابن الأثير فقد ذكر صفة الحديث المعلل في مقابلة الحديث الشاذ (٣)، فقال في مقدمة كتابه جامع الأصول: "وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه،
стр. 422
فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذُكِرت، فزال الخلل منه (١). والشاذ: ما لا يعرف له علة." (٢)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
ذكر ابن الصلاح - في كتابه علوم الحديث تحت (النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل) - معنى علل الحديث، فقال: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)،
стр. 423
وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (١)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) نقل عبارة ابن الصلاح بتصرّف يسير في المقنع (٥)، واختصرها في التذكرة، فقال: "والمعلل: وهو ما اطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع السلامة عنها ظاهرا." (٦)
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المعلل بعد ابن الصلاح (٧):
تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث قال في النزهة: "المعلل لغة: ما فيه علة، واصطلاحا: ما فيه علة خفية قادحة" (٨). ثم أوضح مراده بهذه العلة - في موضع آخر- فقال:
"ثم الوهم ... إن اُطّلِع عليه بالقرائن الدالة على وهم راويه -من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق- فهذا هو المعلل." (٩)
فالمعلل - وفق ما ذكر- ناتج عن وهم الرواة. (١٠)
стр. 424
وقد صاغ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) تعريف الحديث المعلل بقوله: "فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اُطُّلِع فيه بعد التفتيش على قادح." (١)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
حرّر ابن الصلاح كلام الحاكم في نوع الحديث المعلل - كما ذكر ابن حجر (٢) - ثم عمد إلى تعريف الحديث المعلل بقوله: "هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها"، وذلك بعد أن ذكر تعريف علل الحديث بكونها: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه"، وذكر أن العلل عادةً تتطرق "إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
ويمكن الإشارة إلى أن أبرز قيود العلة الواردة في تعريف ابن الصلاح هما قيّدي: الغموض، والقدح في الصحة، وفيما يلي تفصيل ذلك:
قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:
стр. 425
القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة .
والخفي في اللغة من: الاستتار وعدم الظهور، وهو خلاف الظاهر. (١)
والغامض من الكلام: خلاف الواضح. (٢)
وبالنظر إلى ما سبق من تعريفات للعلة، فقد أشار الحاكم إلى قيد الغموض والخفاء في العلة حيث قال: "يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٣)
стр. 426
وقد أخرج الحاكم عن عبدالرحمن بن مهدي قوله: "معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يُعلِّل الحديث: من أين قلت هذا؟ ، لم يكن له حجة" (١).
ورُوي عن ابن مهدي أيضا، قوله: "إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة" (٢).
فمعرفة العلل يغمُض على غير أهل هذا العلم، حيث أخرج الحاكم ما جاء في قصة أبي زُرْعة: أن رجلاً قال له:
"ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة - يعني محمد بن مسلم بن وارة (٣) - وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام." (٤)
"وهذه الحكاية التي ذكرها " الحاكم " تدل على أن الجهابذة النقادَ يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ومعوجِّه، كما يميز الصيّرفي بين الجيد والرديء. وكم من شخص لذلك لا يهتدي." (٥)
وقال ابن حجر- موضّحاً خفاء هذا العلم على غير أهله-:
"وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصاً واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا
стр. 427
أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك."
وقد تقصر عبارة المعلِّل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح [إحدى] الروايتين على الأخرى [كما] في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم - بتعليله - فالأولى إتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه." (١)
فالمراد بالغموض والخفاء في قيد العلة: غموض هذه العلل وخفائها على غير أهل هذا الفن؛ فهو غموض نسبيّ، وليس غموضاً مطلقاً (٢)؛ إذ لا يخفى ذلك على نقاد الحديث وجهابذته، -كما أوضح ذلك ابن حجر- وأكد عليه الجزائري بقوله:
"وهذه المسألة ليست من المسائل الغامضة، فإن كل من اشتغل بفن من الفنون، وتفرغ له، وسلك مسلك أهله، وصرف عنايته إليه، قد يَحكُم في مسائله بحكم لا يتيسَّر له إقامة الدليل الظاهر عليه، وإن كان له في نفس الأمر دليل ربما كان أقوى من الأدلة الظاهرة، إلا أن العبارة تقصر عنه، ولذلك ترى المشاركين له في تلك الحال يحكمون بمثل حكمه في الغالب.
ومن ثم اتفق الجهابذة من العلماء على أنه يُرجَع في مسائل كل فن إلى أهله المعنيين بأمره.
وعلى ذلك فلا يستغرب أن يقال إنه يجب في الحديث أن يرجع فيه إلى أئمته المشهورين، الذين تفرغوا له، وصرفوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله وأحوال رجاله، فإذا ثبت اتفاقهم على شيء ثبوتا بينا، لم يسغ العدول عنه، ومن سلك مسلكهم تبين له مثل ما تبين لهم". (٣)
وقال الخطيب البغدادي -مبيّناً تفاوت العلة في الغموض والخفاء-:
стр. 428
- فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن البعيد ... كقول علي بن المديني: "ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"
- ومنها ما قد كفى راويه مؤونته، وأبان في أول حاله علَّته.
قيل لشعبة: "من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي ﷺ لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب" (١)
فلا يَحسُن الكلام في علم العلل إلا لأهله، قال ابن رجب: "ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة، العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه." (٢)
والعلة الخفية تتطرق غالباً للإسناد الذي ظاهره الصحة، كما صرّح بذلك ابن الصلاح، فقال: "ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
وأشار إلى ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له
стр. 429
علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (١)
قال ابن حجر - معقبا على كلام الحاكم-: "فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك. وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود." (٢)
وعقَّب أيضاً على قول ابن الصلاح: -"وكثيرا ما يعللون الموصول بالمرسل مثل: أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضا بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول ... " (٣) - بقوله: "ليس هذا من قبيل المعلول على اصطلاحه- وإن كانت علة في
الجملة- إذ المعلول على اصطلاحه مقيد بالخفاء، والإرسال أو الانقطاع ليست علتها بخفية." (٤)
وما قرره ابن حجر - من أن المعلول في الاصطلاح إنما يُطلق على ما خفيت علّته- قد يُشكِل مع قول ابن الصلاح:
"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما
стр. 430
هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب (١)،
والغفلة (٢)، وسوء الحفظ (٣).
стр. 431
ونحو ذلك من أنواع الجرح (١). وسمى (الترمذي) النسخ علة (٢) من علل الحديث." (٣)
إلا أن ابن حجر أجاب على هذا الإشكال بقوله:
стр. 432
"مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المُصنّف وبين ما يقع في كلامهم؛ أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولا اصطلاحا.
إذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة, ولهذا قال الحاكم: "وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل". (١)
وقد نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر جواب هذا الإشكال- بشكل أكثر إيجازاً- فقال: "وذلك من قائله إما تجوزا عن الاصطلاح، ونظراً إلى معناها اللغوي فقط، وإما أن يكون قاله قبل تقرر الاصطلاح." (٢)
وذهب الصنعاني (٣) إلى أن ما استقرّ عليه الاصطلاح "تعريف أغلبي للعلة وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث" (٤)
ولعل ما ذهب إليه السخاوي من إجابة على هذا الإشكال أكثر استيعاباً، حيث قال:
"ولكن ذلك - أي: الإعلال بالأمور الظاهرة- منهم بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يُحتمل أيضا أن التعليل بذلك من الخفي; لخفاء وجود طريق آخر ينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده." (٥)
стр. 433
فذكر هنا جوابين لهذا الإشكال:
الأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.
الثاني: أن ما قد يبدو -في بعض الأحيان- تعليلاً بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.
والجواب الثاني لعله يؤيّد ما ذهب إليه شيخه ابن حجر بقوله: " لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك." (١)
فالعلة في الاصطلاح إذن: "لا تُطلق على الضعف الظاهر في السند من جهة الانقطاع أو ضعف أحد الرواة أو بعضهم، ولكن تُطلق على ما خفي أولاً على الناقد ثم اكتشفه مما يضعف به الحديث." (٢)
"وما تقدم من إعلال المُحَدِّثين بالظاهر كالإرسال أو الوقف وعدم السماع أو ضعف الراوي، أو جهالته .. هو في حقيقة الأمر إعلال بالخفي غالباً. فالتعليل بالإرسال وإن كان ظاهراً في الجملة؛ لكن التعليل به وبيان أنه الصواب في الرواية أو أنه خطأ أمر خفي، إذ كيف يرجحون الإرسال ويعرفون أنه الصواب في الرواية وأن الخطأ في المسند نفسه لولا المقارنة والحفظ والفهم والمعرفة.
стр. 434
والتعليل بعدم سماع الراوي ممن فوقه أمر خفي كذلك؛ لأنهم يعلون به في خبر يتوهم فيه سماع الراوي ممن فوقه، بل قد يختلفون فيه مما يدل على شدة الخفاء في ذلك، وهم لا يقولون هذا تخميناً، مع علمهم أن الراوي أدرك من روى عنه لكنه قد لا يكون سمع منه مطلقاً أو لم يسمع منه خبراً من الأخبار وهذا لا يدركه إلا جهابذة النقاد من أهل المعرفة والحفظ." (١)
ويلاحظ أيضاً:
"أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس - مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ.
ومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساساً يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه." (٢)
ولكون العلة مقيّدة بالخفاء والغموض، "فيستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (٣)
стр. 435
وأشار الخطيب البغدادي إلى سُبل معرفة العلة بقوله: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (١)
فمن طرق معرفة العلة: (٢)
١ - الإلهام من الله الناشئ عن الإخلاص وكثرة الممارسة.
٢ - كثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال، وأحاديث كل واحد منهم.
٣ - جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والاعتبار بمكانتهم من الحفظ والإتقان.
٤ - النص على علة الحديث من إمام من أئمة الحديث المعروفين بتمرّسهم في ذلك.
"فما حاز علم العلل هذه الشهرة، وحظي بالتقديم والتبجيل دون سائر علوم الحديث إلا بخفاء العلل التي يبحث فيها ودقتها" (٣)؛ لذا قال الخطيب البغدادي تحت باب (بيان علل المسند): "يستحب أن يُصنّف المُسنَد مُعَللا، فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث." (٤)
هذا فيما يخص قيد الغموض والخفاء في العلة (٥).
стр. 436
القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث .
ويُطلق لفظ القادحة في اللغة: على عدد من الآفات، كالدودة التي تأكل السِّن والشجر، وعلى الصَدْع في العود، والسوادُ الذي يظهر في الأسنان.
والقدح في النسب: الطعن والعيب. (١)
والقدح في الحديث: الطعن في صحته، ومن قيود العلة في تعريف ابن الصلاح: كونها قادحة في صحة الحديث، حيث قال: "فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها." (٢)
وعقّب بعد أن ذكر أنواعاً من العلل - التي يتنبّه إليها أهل هذا الفن، ويعلّون الأحاديث بها- بقوله: "وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (٣)، فلا يوصف الحديث بكونه
стр. 437
معلولا إلا إذا قدحت فيه العلة الخفية (١)، "وحينئذ فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح." (٢)
وسبق في فصل الحديث الصحيح ضمن قيوده: اشتراط نفي العلة عن الصحيح، وقد جاء عن الحاكم قوله في النوع التاسع عشر من كتابه معرفة علوم الحديث: "إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (٣)، ذكر ذلك بعد أن استعرض أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة؛ لكنها مردودة ومعلولة بعلل بيّنها (٤).
وقد ذكر الحاكم - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث- عشرة أجناس للعلل على سبيل التمثيل لا الحصر (٥)، حررها البلقيني وذكر أمثلتها، (٦) ونقلها عنه السيوطي في تدريب الراوي (٧)، وهي على النحو الآتي:
١ - أن يكون السند ظاهرُه الصحة، وفيه من لا يُعرف بالسماع ممن روى عنه. (٨)
стр. 438
٢ - أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند من وجه ظاهره الصحة. ولكن له علةً تمنع من صحة السند. (١)
٣ - أن يكون الحديث محفوظا عن صحابي، ويروى عن غيره، لاختلاف بلاد رواته، كرواية المدنيين عن الكوفيين. (٢)
٤ - أن يكون محفوظا عن صحابي، فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي (صحبته ((٣)، بل ولا يكون معروفا من جهته. (٤)
стр. 439
٥ - أن يكون رُوِي بالعنعة، وسقط منه رجل دلّ عليه طريق أخرى محفوظة. (١)
٦ - أن يُختَلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد، فيكون ذلك علة في المسنَد. (٢)
٧ - الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله. (٣)
٨ - أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلَّتها أنه لم يسمعها منه. (٤)
стр. 440
٩ - أن يكون طريقه معروفة، يروي أحد رجالها حديثا من غير تلك الطريقة، فيقع من رواه من تلك الطريقة (بناءً ((١) على الجادة في الوهم. (٢)
١٠ - أن يُروى الحديث مرفوعا من وجه، وموقوفا من وجه. (٣)
ثم أتبعها الحاكم بقوله: "فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم نذكرها وإنما جعلتها مثالا لأحاديث كثيرة معلولة يهتدي إليها المتبحر في هذا العلم، فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم." (٤)
وبالنظر إلى أجناس العلل - التي مثّل لها الحاكم - فإنها تقع في الإسناد، ولا يعني ذلك أنها لا تقع في المتن، فقد أخبر ابن الصلاح بأن وقوعها في الإسناد هو الغالب، وأنها تتفاوت في القدح، فقال: "قد تقع العلة في إسناد الحديث، وهو الأكثر، وقد تقع في متنه. ثم
стр. 441
ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعا، كما في التعليل بالإرسال والوقف. وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن ... " (١)
وقد قسّم ابن حجر الأحاديث حسب موقع العلة منها، وأثرها في القدح وعدمه إلى ستة أقسام:
١ - أن تقع العلة في الإسناد ولا تقدح مطلقا.
مثاله: ما يرويه مدلّس بالعنعنة، فذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة. (٢)
٢ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه دون المتن.
مثاله: إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة. (٣)
٣ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معا.
مثاله: كإبدال راو ضعيف براو ثقة. (٤)
стр. 442
٤ - أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما.
مثاله: "ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردَّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها." (١)
٥ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه دون الإسناد. (٢)
٦ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه وفي الإسناد معا.
مثاله: "ما يرويه راو بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي فيعلل الاسناد" (٣)
стр. 443
وما بيّنه ابن حجر من هذه الأقسام يدل على تفاوت العلل في القدح وعدمه، وقد قال - في شرحه على الصحيح- أن "مراتب العلل متفاوتة، وأن ما ظاهره القدح منها إذا انجبر زال عنه القدح." (١)
فعبّر عن تقسيم العلل إلى قادحة وغير قادحة بـ: (مراتب العلل). (٢)
"فإذا وجدت في الحديث علة قادحة ثم أزيلت وسلم الحديث من العلة، يقال: فيه علة غير قادحة.
وذلك كعنعنة المدلس الذي تضرُّ عنعنته ثم جاء من طريق تنتهي إلى ذلك المدلس وفيها تصريحه بالسماع، والإرسال والوصل، ثم ترجح الوصل، والوقف والرفع ثم ترجح الرفع، وهكذا بقية العلل القادحة التي تطرأ على الحديث، وتعرف بجمع الطرق كما قال علي بن المديني ﵀: الباب إذا لم تُجمع طرقه، لم يتبين خطؤه." (٣)
قال ابن الصلاح: " ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما
стр. 444
هو صحيح معلول ... " (١)، ومراده بهذا البعض (أبو يعلى الخليلي) كما صرّح بذلك الزركشي في النكت (٢)، والعراقي في كتابه التقييد (٣).
قال الخليلي - في كتابه الإرشاد-: "فأما الحديث الصحيح المعلول: فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى, لا يمكن حصرها. فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا , وينفرد به ثقة مسندا. فالمسند صحيح, وحجة, ولا تضره علة الإرسال." (٤)
ومثّل لذلك بقول الإمام مالك: "بلغنا عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ قال: ((للمملوك طعامه وشرابه, ولا يكلف من العمل ما لا يطيق)) (٥).
فالخليلي أخرج الرواية من طريق مُعضل ثم أتبعها بذكر الروايات الموصولة، وقال: "فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحا, يعتمد عليه, وهذا من الصحيح المبين, بحجة ظهرت. وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث, لا يبين إسنادها, وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله, ربما أجابه إلى الإسناد." (٦)
стр. 445
وقد ذكر البقاعي في النكت أن مراد الخليلي بقوله: (صحيح معلول) أي: كأن يظهر أن فيه علة، فيتبين بعد ذلك بالفحص أنه ليس له علة، ... فيسميه معلولا باعتبار ما كان عليه، وصحيحا باعتبار ما آل به النظر إليه ... ، وهذا عكس المعلول سواء، فإن المعلول ما كان ظاهره السلامة، فاطلع فيه بعد الفحص على عوار. (١)
"فمراد الخليلي بالصحيح المعلول إذاً هو: المتن الصحيح الذي جاء بسند فيه علة نحو الإرسال، أو الإنقطاع، أو الإعضال، ثم جاءت طريق من نفس المخرج تُبيِّن أن الحديث موصول صحيح من طريق الثقات." (٢)
أي: "بعض الأحاديث التي يكون ظاهرها العلة ثم وُجِد ما يصححها." (٣)
ومن الأمثلة على العلل غير القادحة:
ما ابتدأ الدارقطني به كتابه (التَّتبع) حيث قال: "ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بينت عللها والصواب منها." (٤)
فالدارقطني يصف الأحاديث التي استدركها على الشيخين بكونها معلولة، مع أنها علل غير قادحة، حيث "عُرِف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما". (٥)
стр. 446
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف .
- تأتي العلة في اللغة على عدة معانٍ منها: التكرار، والمرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه. أو حدث يشغله عن وجهه.
- ولعل أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث: هو ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث. (١)
- حرر ابن الصلاح- في تعريفه للحديث المعلل- كلام الحاكم، وكان أبرزُ قيود التعريف قيدين: الأول: غموض العلة وخفائها، والثاني: قدحها في الصحة.
- القيد الأول: غموض العلة وخفائها، وقد تضمنت تعريفات العلة - بعد ابن الصلاح- هذا الوصف.
والمراد بالغموض والخفاء: الاستتار وعدم الوضوح؛ إلا أنه غموض نسبي وليس مطلقاً، إذ لا تخفى هذه العلل عن نقاد الحديث وجهابذته، والذين يُرجع إليهم في معرفة وتمييز ذلك، ولا يحسُن الكلام في علم العلل إلا لأهله.
- ويتفاوت هذا الغموض من حديث لآخر، حيث ذكر الخطيب البغدادي أن من الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن البعيد ... كقول علي ابن المديني: "ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"
- ومنها ما قد كفى راويه مؤونته، وأبان في أول حاله علَّته.
стр. 447
قيل لشعبة: "من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي ﷺ لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب" (١)
- والعلة الخفية تتطرق غالباً للإسناد الذي ظاهره الصحة، كما جاء في كلام الحاكم وابن الصلاح، ومن تبعهم، وذكر ابن حجر أن المعلول في الاصطلاح إنما يُطلق على ما خفيت علّته.
- وأُجيب عن الإشكال الوارد من إطلاقهم - أحياناً- وصف المعلل أو المعلول على الحديث ظاهر العلة بجوابين:
الأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.
الثاني: أن ما قد يبدو -في بعض الأحيان- تعليلاً بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.
- وأشار الخطيب البغدادي إلى سُبل معرفة العلة بقوله: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (٢)
- ويلاحظ أيضاً:
"أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس - مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ.
стр. 448
ومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساساً يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه." (١)
- أما القيد الثاني: أن تكون العلة قادحة في الحديث، أي: تطعن في صحته.
وقد تضمنت تعريفات العلة - بعد ابن الصلاح- هذا الوصف، بحيث استقرّ اصطلاحهم على أن الحديث لا يوصف بكونه معلولأً إلا إذا قدحت فيه العلة الخفية. (٢)
- وقد أخبر ابن الصلاح أن العلة تقع في الإسناد، وفي المتن؛ إلا أن وقوعها في الإسناد أغلب وأكثر، وأشار كذلك إلى تفاوتها في القدح.
وقسّم ابن حجر الأحاديث حسب موقع العلة منها، وأثرها في القدح وعدمه إلى ستة أقسام.
١ - أن تقع العلة في الإسناد ولا تقدح مطلقا.
٢ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه دون المتن.
٣ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معا.
٤ - أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما.
٥ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه دون الإسناد.
٦ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه وفي الإسناد معا.
- وأشار ابن حجر كذلك إلى أن هذا القدح يتفاوت في تأثيره:
بين ما ظاهره القدح فإذا جاء ما يجبره - بورود الحديث من طرق أخرى صحيحة- زال عنه القدح، وبين القدح الشديد الذي لا ينجبر، وعبّر عن ذلك بـ (مراتب العلل).
стр. 449
قال الوادعي - في مقدمة كتابه (أحاديث معلة) -: "فإذا وجدت في الحديث علة قادحة ثم أزيلت وسلم الحديث من العلة، يقال: فيه علة غير قادحة.
وذلك كعنعنة المدلس الذي تضرُّ عنعنته ثم جاء من طريق تنتهي إلى ذلك المدلس وفيها تصريحه بالسماع، والإرسال والوصل، ثم ترجح الوصل، والوقف والرفع ثم ترجح الرفع، وهكذا بقية العلل القادحة التي تطرأ على الحديث، وتعرف بجمع الطرق" (١)
- ولعل هذا ينطبق على مراد الخليلي في جمعه بين وصفيّ الصحة والعلة، بقوله: (صحيح معلول): أي أحاديث يكون ظاهرها العلة ثم يتبيّن وجود ما يصححها، وهذا عكس المعلول في الاصطلاح، فإن المعلول: ما كان ظاهره السلامة، فاطلع فيه بعد الفحص على عوار. (٢)
- "فالحاصل مما ذكرنا: إن الاصطلاح الشائع والمشهور بين أهل الحديث تخصيص لفظ العلة لما كان خفياً وغامضاً قادحاً.
وأما إطلاقهم اسم العلة على كل قادح، فليس من باب المعنى الاصطلاحي، بل من استعمال العلة بمعناها اللغوي العام." (٣)
وهناك تنبيه مهم أشار إليه أحد الباحثين المعاصرين بقوله: "أن المحدثين إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيداً لابُدّ منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي
стр. 450
القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح." (١)
- فالعلة إذن ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهراً أم خفياً يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، أما المتأخرين: فبتحرير ابن الصلاح لكلام الحاكم في الحديث المعلل، فإن غالب تعريفات العلة في - كتب علوم الحديث- دارت حول تقييدها بقيديّ: الخفاء والقدح في الصحة.
وعليه فقد استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة، والله أعلم. (٢)
وبهذا نختم فصل الحديث المعلل، ونتبعه بالحديث المضطرب؛ لكون الاضطراب في رواية الحديث نوع من أنواع علل الحديث، فمن المناسب أن يتبعه في ترتيب فصول هذا البحث.
стр. 451
الفصل التاسع: الحديث المضطرب
المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
стр. 452
المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:
المُضطرِب: بكسر الراء اسم فاعل من (اضطرب) (١).
والاضطراب: الاختلاف والاختلال، يُقال: اضطّرب الحبل بين القوم، إذا اختلفت كلمتهم. واضطرب أمره: اختلّ.
ويُطلق الاضطراب على الحركة، يُقال: الموج يضطرب، أي: يضرب بعضه بعضاً.
فالاضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الاختلاف، والاختلال، والحركة وعدم الاستقرار. (٢)
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
إن وصف الحديث بالاضطراب يوحي باختلال في ضبط راويه (٣)، بل يُعدُّ الاضطراب نوعاً من علل الحديث (٤)؛ لذا قال السخاوي في مناسبة إرداف نوع المضطرب بالمعلل - في كتاب ابن الصلاح ومن تبعه-: "لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة،
стр. 453
ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح" (١)، أي: في حال ظهرت العلة وترجّحت للنقاد أطلقوا على الحديث وصف المُعلّ، وفي حال تساوت وجوه العلة والاختلاف، ولم تترجّح أطلقوا عليه وصف المضطرب، فالمضطرب "قسيم المُعلِّ من حيثية الترجيح والتساوي" (٢).
وقد ذكر محققا كتاب ابن الصلاح - ضمن سمات منهج ابن الصلاح في كتابه- أن تعريف الحديث المضطرب من التعاريف التي ابتكرها ابن الصلاح، ولم يُسبق إليها. (٣)
ومقصدهما من الابتكار هو حدّه بحدّ يميّزه عن غيره، فوصف الحديث بالاضطراب، أو وصف الراوي بكونه مضطرباً موجود بكثرة في كتب أهل الحديث ونقّاده، ويلخّص ذلك قول أحد الباحثين: "وجدت كلام ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث يتضمن خلاصة كلام أهل الفن في المضطرب مع ما في كلامه ﵀ من قوة ومتانة." (٤)
وبالبحث عن معنى الاضطراب قبل ابن الصلاح، وجدت من قسّم الاضطراب إلى قسمين (اضطراب سند، واضطراب متن)، وعرّف أحدهما وأشار إلى معنى الآخر، وهناك من فرّق بينهما في الحكم، وفما يلي بيان ذلك:
стр. 454
تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):
ذكر الخطيب البغدادي المراد باضطراب السند، فقال: "واضطراب السند أن يذكر راويه رجالاً فيُلبِّسُ أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليساً للرواية عنهم, وإنما يفعل ذلك غالباً في الرواية عن الضعفاء." (١)
وعرّج على المراد باضطراب المتن حين قابل بين الحديث السالم من الاضطراب في متنه والحديث المضطرب في متنه، فقال:
"فمما يوجب تقوية أحد الخبرين المتعارضين وترجيحه على الآخر: سلامته في متنه من الاضطراب, وحصول ذلك في الآخر, لأن الظن بصحة ما سلم متنه من الاضطراب يقوى, ويضعف في النفس سلامة ما اختلف لفظ متنه. فإن كان اختلافاً يؤدي إلى اختلاف معنى الخبر, فهو آكد وأظهر في اضطرابه, وأجدر أن يكون راويه ضعيفاً قليل الضبط لما سمعه, أو كثير التساهل في تغيير لفظ الحديث, وإن كان اختلاف اللفظ لا يوجب اختلاف معناه فهو أقرب من الوجه الأول, غير أن ما لم يختلف لفظه أولى بالتقديم عليه." (٢)
فيكون مراده باضطراب المتن: روايته بلفظ مختلف، فإن أدّى ذلك إلى اختلاف معنى الحديث فهو ظاهر الاضطراب، وإن لم يختلف المعنى فهو أقرب إلى السالم من الاضطراب، إلا أنه دونه في حال الترجيح، فيقدّم ما خلا من الاضطراب في متنه على ما اُختلف لفظه وإن لم يختلف المعنى.
بينما ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ) - وهو معاصر لابن الصلاح- فرّق بين حكم الاضطراب في المتن والاضطراب في السند دون أن ينصّ على تعريف لأيّ منهما، ولعل استدراكاته - على من سبقه فيما يخصّ اضطراب السند، وذلك في كتابه بيان الوهم
стр. 455
والإيهام- (١)، وتفنيده سبب مخالفته عامة أهل الحديث في عدم اعتباره هذا النوع من الاضطراب علة؛ يشير إلى معنى اضطراب السند عنده.
من ذلك قوله: "وإن كنت لا أرى الاضطراب في الإسناد علة، وإنما ذلك إذا كان من يدور عليه الحديث ثقة، فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عنه إلى مسند ومرسل، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع. وأما إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا، أو ببعضه، أو بغيره، غير ثقة، أو غير معروف، فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه." (٢)
فيكون مراده باضطراب السند، أنه: اختلاف النقلة عن الراوي (الشيخ) في إسناد الحديث أو إرساله، أو رفعه ووقفه، أو وصله وقطعه.
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح تحت النوع التاسع عشر من أنواع علوم الحديث:
стр. 456
"معرفة المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له." (١)
ثم أردف بذكر شرط التساوي بين الروايات، فقال: "وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه." (٢)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من نقل تعريفه للمضطرب كما هو، كالطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٣)، ومنهم من فصّل عبارته - فذكر وقوع الاختلاف من الراوي نفسه أو من عدة رواة- كالعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، وتبعه ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) (٥).
стр. 457
وأغلب من جاء بعد ابن الصلاح، فقد اختصر كلامه: كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٢)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٣)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث ذكره مختصراّ في كلا كتابيه المقنع (٥)، والتذكرة (٦).
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المُضطرب بعد ابن الصلاح، والتي فيها إضافة أو تركيز على شق من التعريف:
تعريف ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): حيث قال: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أُخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض." (٧)، فقد أبرز ابن كثير في تعريفه موضع الاختلاف على الشيخ، وهو نوع من اضطراب السند، إلا أن قوله (أو من وجوه أُخر) يعمّ كذلك أنواع الاضطراب الأخرى.
وكذلك تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): في نزهة النظر حين ذكر المضطرب تحت أنواع مخالفة الراوي، فقال: "أو كانت المخالفة بإبداله - أي: الراوي (٨)، - ولا مرجح
стр. 458
لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو المضطرب" (١)، وتعريفه رغم اختصاره؛ إلا أن بعض الشراح فهموا اشتماله على ما يخص اضطراب السند والمتن. (٢)
وقد أطنب الدهلوي (٣) (ت ١٠٥٢ هـ) - حين عرّف المضطرب- في ذكر أنواع المخالفة من الراوي، فقال:
"وإن وقع في إسناد أو متن اختلاف من الرواة بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان، أو إبدال راو مكان راو آخر، أو متن مكان متن، أو تصحيف في أسماء السند أو أجزاء المتن، أو باختصار أو حذف، أو مثل ذلك: فالحديث مضطرب" (٤)
ولخّص الجزائري (ت ١٣٣٨ هـ) تعريف المضطرب بقوله: "هو ما وقعت المخالفة فيه بالإبدال على وجه يحصل فيه التدافع مع عدم وجود المُرجِّح." (٥)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
إن المتأمل لكلام ابن الصلاح في المضطرب يجد أن القيود التي يدور حولها التعريف تتمثل في: الاختلاف في الرواية، والتساوي بين أوجه الاختلاف مع تعذر الجمع أو الترجيح، ويمكن صياغة هذه القيود على النحو الآتي:
стр. 459
١ - اختلاف روايات الحديث الواحد، ويتضمن: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج.
٢ - التساوي بين أوجه الاختلاف، ويتضمن: عدم إمكانية الجمع أو الترجيح.
قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:
القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد: (١)
والاختلاف في اللغة: من اختلف: ضد اتّفق، فالاختلاف نقيض الاتفاق.
وتخالف الأمران، واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف. (٢)
والاضطراب يُعدّ نوعاً من أنواع اختلاف الرواة في الرواية (٣)، ونلحظ أن تعريفات المضطرب السابقة اتفقت على ذكر الاختلاف بين الروايات أو مخالفة الراوي لغيره - في حدّ الحديث المضطرب- سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها، كتعريف الخطيب حين ذكر أن الاضطراب تلبيس أسماء الرواة وأنسابهم وتدليسها، والتلبيس بمعنى التعمية والتخليط، وعدم الوضوح (٤)، فيُذكر الراوي على خلاف ما اُشتهر به، وهذا نوع مخالفة في الإسناد.
стр. 460
وقد نُقل عن أبي داود - في المراد بالاختلاف- قوله: "والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء" (١)، ولعل عبارة الترمذي أكثر وضوحاً في بيان حد الاختلاف في الأسانيد، حيث قال - عن أحد الرواة الموصوفين بكثرة الاضطراب، وهو ابن أبى ليلى (٢) - أنه: "كان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغيِّر الإسناد" (٣)، ... ونقل أيضاً عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ابن أبى ليلى لا يُحتجُّ به"، ثم عقّب ببيان المراد من عدم الاحتجاج وسببه، فقال: "إنما عنى إذا تفرد بالشيء. وأشد ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد، أو نقص، أو غيَّر الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى، فأما من أقام الإسناد وحفظه، وغير اللفظ. فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير به المعنى." (٤)
وفي موضع آخر في سننه أخرج لهذا الراوي حديثاً، وذكر اضطرابه فيه (٥)، وفي ذلك إلماحة منه بما يحويه الاضطراب من تغيير وتبديل في الرواية، سواء من حيث الإسناد