← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142182

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

راوية بنت عبد الله بن علي جابر

Полный текст (604 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

"معرفة المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له." (١) ثم أردف بذكر شرط التساوي بين الروايات، فقال: "وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه." (٢) تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من نقل تعريفه للمضطرب كما هو، كالطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٣)، ومنهم من فصّل عبارته - فذكر وقوع الاختلاف من الراوي نفسه أو من عدة رواة- كالعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، وتبعه ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) (٥).

стр. 457

وأغلب من جاء بعد ابن الصلاح، فقد اختصر كلامه: كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٢)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٣)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث ذكره مختصراّ في كلا كتابيه المقنع (٥)، والتذكرة (٦). ولعل من أبرز تعريفات الحديث المُضطرب بعد ابن الصلاح، والتي فيها إضافة أو تركيز على شق من التعريف: تعريف ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): حيث قال: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أُخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض." (٧)، فقد أبرز ابن كثير في تعريفه موضع الاختلاف على الشيخ، وهو نوع من اضطراب السند، إلا أن قوله (أو من وجوه أُخر) يعمّ كذلك أنواع الاضطراب الأخرى. وكذلك تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): في نزهة النظر حين ذكر المضطرب تحت أنواع مخالفة الراوي، فقال: "أو كانت المخالفة بإبداله - أي: الراوي (٨)، - ولا مرجح

стр. 458

لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو المضطرب" (١)، وتعريفه رغم اختصاره؛ إلا أن بعض الشراح فهموا اشتماله على ما يخص اضطراب السند والمتن. (٢) وقد أطنب الدهلوي (٣) (ت ١٠٥٢ هـ) - حين عرّف المضطرب- في ذكر أنواع المخالفة من الراوي، فقال: "وإن وقع في إسناد أو متن اختلاف من الرواة بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان، أو إبدال راو مكان راو آخر، أو متن مكان متن، أو تصحيف في أسماء السند أو أجزاء المتن، أو باختصار أو حذف، أو مثل ذلك: فالحديث مضطرب" (٤) ولخّص الجزائري (ت ١٣٣٨ هـ) تعريف المضطرب بقوله: "هو ما وقعت المخالفة فيه بالإبدال على وجه يحصل فيه التدافع مع عدم وجود المُرجِّح." (٥) المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: إن المتأمل لكلام ابن الصلاح في المضطرب يجد أن القيود التي يدور حولها التعريف تتمثل في: الاختلاف في الرواية، والتساوي بين أوجه الاختلاف مع تعذر الجمع أو الترجيح، ويمكن صياغة هذه القيود على النحو الآتي:

стр. 459

١ - اختلاف روايات الحديث الواحد، ويتضمن: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج. ٢ - التساوي بين أوجه الاختلاف، ويتضمن: عدم إمكانية الجمع أو الترجيح. قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح: القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد: (١) والاختلاف في اللغة: من اختلف: ضد اتّفق، فالاختلاف نقيض الاتفاق. وتخالف الأمران، واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف. (٢) والاضطراب يُعدّ نوعاً من أنواع اختلاف الرواة في الرواية (٣)، ونلحظ أن تعريفات المضطرب السابقة اتفقت على ذكر الاختلاف بين الروايات أو مخالفة الراوي لغيره - في حدّ الحديث المضطرب- سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها، كتعريف الخطيب حين ذكر أن الاضطراب تلبيس أسماء الرواة وأنسابهم وتدليسها، والتلبيس بمعنى التعمية والتخليط، وعدم الوضوح (٤)، فيُذكر الراوي على خلاف ما اُشتهر به، وهذا نوع مخالفة في الإسناد.

стр. 460

وقد نُقل عن أبي داود - في المراد بالاختلاف- قوله: "والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء" (١)، ولعل عبارة الترمذي أكثر وضوحاً في بيان حد الاختلاف في الأسانيد، حيث قال - عن أحد الرواة الموصوفين بكثرة الاضطراب، وهو ابن أبى ليلى (٢) - أنه: "كان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغيِّر الإسناد" (٣)، ... ونقل أيضاً عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ابن أبى ليلى لا يُحتجُّ به"، ثم عقّب ببيان المراد من عدم الاحتجاج وسببه، فقال: "إنما عنى إذا تفرد بالشيء. وأشد ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد، أو نقص، أو غيَّر الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى، فأما من أقام الإسناد وحفظه، وغير اللفظ. فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير به المعنى." (٤) وفي موضع آخر في سننه أخرج لهذا الراوي حديثاً، وذكر اضطرابه فيه (٥)، وفي ذلك إلماحة منه بما يحويه الاضطراب من تغيير وتبديل في الرواية، سواء من حيث الإسناد

стр. 461

أو المتن، وسواء وقع هذا الاختلاف في رواية الراوي الواحد حيث يرويه مرة هكذا، ومرة هكذا كما ذكر الترمذي (١)، أو وقع الاختلاف بين عدد من الرواة في روايتهم عن شيخهم، فيروي بعضهم ما يخالف رواية الآخرين؛ لذا استدرك الزركشي ما قد يُتوهم من إغفال تعريف ابن الصلاح للاضطراب الصادر عن راوٍ واحد فقال - مُعقِّباً على قول ابن الصلاح "هو الذي يختلف الرواة فيه"-: "قد يخرج ما لو حصل الاضطراب من راو واحد. وقد يقال فيه: نبنيه على دخوله من باب أولى، فإنه أولى بالرد من الاختلاف بين راويين". (٢) ولأن "الاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد" (٣)؛ فإن اختلاف الرواة منه القادح في صحة الحديث، ومنه غير القادح، وإنما يُعدّ هذا الاختلاف اضطراباً إذا كان قادحاً في الصحة، وهذا ما استدركه الزركشي على ابن الصلاح فقال: "وينبغي

стр. 462

أن يقال على وجه يؤثر" (١)، أي: الاختلاف المؤثر في الصحة، وأكّد على ذلك ابن حجر بقوله: "الاضطراب هو: الاختلاف الذي يُؤثِّر قدحاً". (٢) فاشتراط كونه مؤثراً يُخرج اختلاف التنوِّع في الرواية، والذي مثَّل له الذهبي بقوله: "ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يُسمِّي أحدهما في الإسناد ثقة، ويُبدله الآخر بثقة آخر. أو يقول أحدهما: (عن رجل)، ويقول الآخر: (عن فلان) فيسمي ذلك المبهم. فهذا لا يضر في الصحة." (٣) ولأن الاضطراب يقع في السند وفي المتن، فقد قسّم ابن سيّد الناس - في كتابه النفح الشذي- (٤) الاضطراب من حيث موضعه في السند أو المتن، ومن حيث القدح وعدمه إلى أربعة أقسام. اضطراب في الإسناد، ومنه القادح، وغير القادح (٥)، أما القادح: فالحديث يُروى عن الثقة تارة وعن من تُكُلِّمَ فيه تارة، والراوي عنهما واحد، والطرق إليه مختلفة. (٦)

стр. 463

واضطراب في المتن، ومنه القادح، وغير القادح، فالقادح في المتن: وهو ما اختلفت فيه مدلولات ألفاظه وتباينت معانيه، ولم يمكن أن تردَّ إلى معنىَّ واحد، ولا معانٍ يَقرب بعضُها منْ بعض. وغير القادح هو: ما اختلف ألفاظه وأمكن ردّها إلى شيء واحد ومعان متقاربة (١). والمراد بالاختلاف في هذا القيد: هو الاختلاف القادح أو المؤثّر: وهو المشعر بقلة ضبط راويه (٢)، ويقع على وجه يقدح في صحة الرواية، بحيث لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى: أن الراوي لم يضبط الحديث، فهو وإن كان ثقة إلا أنه ضعيف في هذا الحديث خاصة. (٣) وكثرة وقوع الاضطراب من الراوي والاختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر -أثناء كلامه على حديث اختلف فيه الرواة- فقال: "التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه ... " (٤)

стр. 464

وقد أشار ابن حجر في كلامه السابق إلى الشق الثاني من هذا القيد، ألا وهو: اتحاد المخرج، فاختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الاضطراب، "والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم." (١) ذكر هذا الشرط ابن دقيق العيد - فيما يخص الاختلاف المؤثر- فقال: "وهذا بشرط أن لا يكون الطريقان مختلفين، بل يكونان عن رجل واحد" (٢) وحين عرّف ابن كثير المضطرب، قال: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، ... " (٣)، فقوله (على شيخ بعينه) اشتراط لاتحاد المخرج. وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثاً بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا عُلِم أن الحديث الذي اُختلِف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما. وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر". (٤) - أما "تعليلهم الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً. أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة". (٥)

стр. 465

"وإذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله." (١) - وتجدر الإشارة إلى أن تعدد أوجه الرواية قد يُحتمل من بعض الرواة دون غيرهم، وذلك في حال كان الراوي معروفاً بكثرة الرواية وجمع الطرق، أوضح ذلك ابن حجر بقوله: "التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج، يوهن راويه ويُنبِئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه." (٢) وسبقه ابن رجب في تقرير هذا، وبيان حال الرواة ممن يُحتمل منه الاختلاف في الرواية ومن لا يُحتمل، فقال: "اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهماً؛ فإنه ينسب به إلى الكذب، وإن كان سيئ الحفظ؛ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما (يُحتمل مثل ذلك) ممن كثر حديثه وقوي حفظه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما." (٣) نخلص مما سبق: أن المراد بالاختلاف في قيد الحديث المضطرب، هو اختلاف التضاد القادح في الصحة، والواقع في روايات الحديث الواحد سواء في السند أو في المتن أو في كليهما، وسواء وقع هذا الاضطراب من راوٍ واحد أو أكثر.

стр. 466

القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف: التساوي في اللغة: من سَوِيَ، والسين والواو والياء: "أصل يدل على استقامة واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا أي لا يُعادِله." (١) واستوى الشيئان وتساويا تماثلا، وتعادلا. (٢) والمراد بالتساوي بين وجوه الاختلاف، أي: تساوي "الاختلاف في الجهتين أو الجهات; بحيث لم يترجح منه شيء، ولم يمكن الجمع." (٣) وقد صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط التساوي بين أوجه الروايات من حيث القوة، فوصفت الروايات المختلفة بمعاني مترادفة (كالتقارب، والتقاوم، والتعادل ... ). (٤) وعقّب ابن الصلاح بذكر هذا الشرط، فقال: "وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان ... " (٥)، فلا يُسمّى الحديث مضطرباً عند ابن الصلاح إلا إذا تساوت الروايات المختلفة في القوة، وتعذّر الترجيح بينها؛ بينما يرى الزركشي أن مجرد الاختلاف في الرواية يُعدّ اضطراباً، ولا يكون هذا الاضطراب قادحاً إلا في حال التساوي بين

стр. 467

الروايات المختلفة، فاستدرك على ابن الصلاح بقوله: "وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت، وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت" (١). ويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة: فقد أشار ابن الصلاح إلى اشتراط انتفاء الترجيح - بأحد طرقه المعتمدة- بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال: "وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه." (٢) وزاد ابن حجر ذكر عدم إمكانية الجمع بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال: "وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه" (٣)، "وأما مع إمكان الجمع بين ما اختلف من الروايات ولو تساوت وجوهها فلا يستلزم اضطراباً." (٤) "فالاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطرباً إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح.

стр. 468

ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث." (١) "فالأصل عند الاختلاف بين الروايات أن يجمع بينها برابط يزيل الاختلاف، فالترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع؛ لأن الجمع أولى منه إذا أمكن" (٢)، حيث قال الحافظ: "الجمع بين الروايتين أولى ولا سيما إذا كان الحديث واحداً والأصل عدم التعدد" (٣)، فإن تعذر الجمع انتقل إلى الترجيح، "ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق." (٤) وبالنظر إلى الكثير من أمثلة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب في كتب الحديث وعلله، نجد أن عدداً من الأحاديث أُطلِق عليها وصف الاضطراب بالرغم من ترجيح بعض علماء الحديث ونقّاده لأحد الروايات، ففي دراسة أجراها أحد الباحثين (٥) جمع فيها مائة حديث وصف بالاضطراب في السنن الأربع، وباستقراء سريع لهذه الأمثلة، وجدت ما يلي: -

стр. 469

- نسبة الأحاديث المضطربة في المتن ٤%، وهي نسبة قليلة كما أشار لذلك ابن حجر بقوله: "وهو يقع في الإسناد غالبا. وقد يقع في المتن. لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث باضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد." (١) - نسبة الأحاديث التي جمعت بين اضطراب السند والمتن ١١%، فيكون مجموع الأحاديث التي أُعلّ فيها السند دون المتن ٨٥%، وهي النسبة الغالبة على الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب. - ونسبة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب مع ترجيح أحد الطرق ٣٢%، وهي تقريباً ثلث الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب في هذه الدراسة. (٢) - وهنا قد يظهر إشكال: وهو وصف المحدث حديثاً ما بالاضطراب مع ترجيحه لرواية منها، فكيف يجمع بين الوصف بالاضطراب والترجيح؟ وللجواب عن هذا الإشكال عدة أجوبة: الأول: أنه وصف بالاضطراب دون النظر إلى النتيجة والحكم النهائي، ومرادهم أن الرواة اختلفوا واضطربوا فيه، والراجح من الاختلاف رواية فلان، وعندها لا يكون هناك اضطراباً معلاً للرواية؛ بل محفوظ وشاذ أو معروف ومنكر (٣)، ولذلك لما قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان".

стр. 470

علق عليه الزركشي بقوله: "وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت؛ وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت" (١). الثاني: أنهم وصفوا الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راو (٢). الثالث: أنه ترجيح افتراضي (٣) لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر. (٤) ويمكن إضافة وجه رابع: أنه قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب. كالمثال الذي مثّل به ابن الصلاح لمضطرب السند، حيث مثّل بحديث الخط في السترة (٥)،

стр. 471

وقد رُوِي على أوجه ذكرها ابن الصلاح (١) وغيره (٢)، مع عدم تمكنه من ترجيح بعضها على بعض، لكن الحافظ ابن حجر استدرك على ابن الصلاح والعراقي ما ذهبا إليه من اضطراب الحديث، فقال: " بقي أمر يجب التيقظ له، وذلك أن جميع من رواه عن إسماعيل بن أمية (٣)، عن هذا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته، وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة، وإذا تحقق الأمر لم يكن فيه حقيقة الاضطراب." (٤) نخلص مما سبق: أن اشتراط التساوي في القوة بين وجوه الاختلاف، وما يلحق به من عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات كقيد من قيود الحديث المضطرب، هو اشتراط أغلبي، إذ أن هناك أمثلة ليست بالقليلة وصفت بالاضطراب رغم وجود الترجيح بين رواياتها.

стр. 472

هذا فيما يخص قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، ومدى اتفاق تعريفات المضطرب معها. أما تعريف الخطيب البغدادي للمضطرب، فقد أثار لديّ تساؤلا عن سبب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء، دون غيره من أنواع الاضطراب في الأسانيد؛ علماً بأن الاضطراب في السند يتنوع إلى خمسة أنواع هي: ١ - تعارض الوصل والارسال. ٢ - تعارض الوقف والرفع. ٣ - تعارض الاتصال والانقطاع. ٤ - زيادة رجل في أحد الاسنادين. ٥ - الاختلاف في اسم الراوي ونسبه اذا كان مترددا بين ثقة وضعيف. (١) مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند: - إن المتأمل في تعريف الخطيب البغدادي لاضطراب السند قد يستغرب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة في السند أو بعضهم، دون أنواع الاضطراب الأخرى التي تقع في السند (كاختلاف الرواة في السند بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، ونحو ذلك) وذكر أن الدافع في الغالب لتدليس أسمائهم وتبديلها بما لم يشتهروا به كونهم ضعفاء، ويمكن توجيه ذلك على النحو الآتي: - لعله عمد إلى ذلك؛ لكونه أفرد ذكر التعارض بين الرواة في وصل الحديث وإرساله، وكذلك في رفعه أو وقفه في أبواب أخرى في كتابه الكفاية (٢)، هذا من جهة.

стр. 473

- ومن جهة أخرى: إذا استثنينا من صور اضطراب السند: (تعارض الرواة في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، والمزيد في متصل الأسانيد؛ حيث ألّف فيه الخطيب كتاباً مستقلاً (١)) فسيكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالاضطراب؛ لذا خصّها بتعريف اضطراب السند، للتمييز بين الأنواع؛ فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم. إذ الناظر والمتأمل في أمثلة الأحاديث الموصوفة بالاضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد يجدها لا تكاد تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل، والغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو وفقه أو رفعه أو وصله أو إرساله. (٢)

стр. 474

- وجدير بالذكر الإشارة إلى أن: ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لاضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لا يُعرف. وهناك مسألة أخرى تتعلّق أيضاً بتعريف الخطيب البغدادي، وهي: مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب: - فقد عرَّف الخطيب اضطراب السند بقوله: "أن يذكر راويه رجالاً فيُلبَّس أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليساً للرواية عنهم" (١)، وهذا التعريف قريب من تعريفه لتدليس الشيوخ، والذي قال فيه: "هو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثاً فغيّر اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره لئلا يُعرَف" (٢)، والفرق بين التعريفين:

стр. 475

- أنه في تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، وذكر لذلك دوافع متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب قد يطرأ التغيير على اسم أي راوٍ من رواة السند، والدافع لتبديل أسمائهم في الغالب لكونهم رواة ضعفاء. (١) ولعل لذلك علاقة بصنيع الحاكم حين ذكر تحت النوع السادس والعشرين من علوم الحديث (نوع معرفة المدلسين) ثم ذكر أجناسهم، وخصّ: الجنس الرابع من المدلسين بأنهم: "قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لا يعرفوا" (٢)، ومثّل له بمثال موصوف بالاضطراب (٣).

стр. 476

فالحاكم في هذا النوع من التدليس صرّح بتدليس أسماء الرواة المجروحين، والخطيب حين عرّف اضطراب السند أعقبه بذكر السبب في تغيير وتدليس أسماء الرواة، فقال: "وإنما يفعل ذلك غالباً في الرواية عن الضعفاء." (١) - والناظر في الاقتراح لابن دقيق العيد يجد نوع المضطرب بعد المُدلَّس، وكذلك عند الطيبي في الخلاصة؛ فبالرغم من أنه اختصر كتابه من كتاب ابن الصلاح، والنووي، وابن جماعة، إلا أنه عقّب بقوله: "فهذبته تهذيباً، ونقحته تنقيحاً، ورصفته ترصيفاً أنيقاً. فوضعت كل شيء في مصبَّه ومقره" (٢)، ونجده قد خالفهم في ترتيب الأنواع، وذكر المضطرب بعد المُدلَس. - فلعل ابن دقيق العيد والطيّبي بانتهاجهم هذا الترتيب بين الأنواع في كتبهم رأوا شبهاّ بين التدليس، وبين الاضطراب في الإسناد مما حذا ببعض المعاصرين إلى أن أشاروا لتلك العلاقة سواء من قريب أو من بعيد، فذهب أحدهم إلى أن: "التدليس - بشكل عام-: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُدخِل الاختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف عن سقوط راو أحياناً فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون" (٣)، وصرّح الآخر بأن: التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن كثرة ما يُدلِّس، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر. (٤)

стр. 477

ومثّل لذلك بما قيل في الراوي: الحجاج بن أرطأة، حيث "قال عنه إسماعيل القاضي (١): "مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه، وقال محمد بن نصر (٢): الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ." (٣) حكم الحديث المضطرب: (٤) قال ابن الصلاح في بيان حكم الحديث المضطرب: "الاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط" (٥)، إذ الضبط شرط من شروط صحة الحديث، فإذا اختل ضبط الراوي أصبح حديثه ضعيفاً لفقده شرطاً من شروط الصحة، هذا في الغالب، لكن لا يمنع ذلك أن يجتمع الاضطراب والصحة في بعض الحالات، حيث قال ابن حجر: "إن الاختلاف في الإسناد إذا كان بين ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فهو في الحقيقة لا يضر في قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة في الجملة، ولكن يضرُّ ذلك في الأصحيّة عند التعارض - مثلا -.

стр. 478

فحديثٌ لم يختلف فيه على روايةٍ - أصلاً - أصح من حديث اختلف فيه في الجملة، وإن كان ذلك الاختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح- والله أعلم -" (١). وقد شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فقال: "وقع في كلام شيخ الإسلام السابق أن الاضطراب قد يجامع الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطرباً، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن." (٢) المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف . - الاضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الاختلاف، والاختلال، وعدم الاستقرار، والمضطرِب بكسر الراء هو الشائع، ويجوز فيه فتحها. - ومعناه في الاصطلاح له ارتباط وثيق بمعناه اللغوي، فوصف الحديث بالاضطراب يوحي باختلال في ضبط الرواة، ويُعدُّ الوصف بالاضطراب نوعاً من العلة. - معنى الاضطراب قبل ابن الصلاح:

стр. 479

أقدم من وجدته عرّف المضطرب هو الخطيب البغدادي، حيث صرّح بالمراد من اضطراب السند، وأشار إلى معنى الاضطراب في المتن بالمقابلة بين الحديث السالم من الاضطراب والحديث المضطرب متنه. ويثير تعريفه لمضطرب السند إشكالاً، حين قصره على نوع من أنواع الاضطراب في السند - بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء- دون بقية الأنواع ولعل إجابة هذا الإشكال، تكون على النحو الآتي: - بالنسبة للأنواع الأربعة الأخرى فقد أفردها بالذكر إما في أبواب من كتابه الكفاية، أو في كتاب مستقل كنوع المزيد في متصل الأسانيد. - بعد استثناء الأنواع السابقة يكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالاضطراب، فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم، حيث يُلاحظ أن: أمثلة الأحاديث الموصوفة بالاضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد لا تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل، والغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو في رفع الحديث أو وقفه أو وصله أو إرساله، وليست مقصورة على نوع واحد فقط. - ويلاحظ: أن ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لاضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لا يُعرف. - مسألة أخرى أثارها تعريف الخطيب البغدادي، وهي: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب: - ففي تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، والدوافع لهذا التبديل متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب فالتغيير قد يطرأ على اسم أي راوٍ من رواة السند؛ وذلك لكونهم في الغالب رواة ضعفاء.

стр. 480

- كذلك نجد أن الحاكم حين ذكر أجناس المدلسين، ذكر منهم: "قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لا يعرفوا" (١)، ومثّل له بمثال موصوف بالاضطراب. وقد أشار بعض الباحثين إلى العلاقة بين التدليس والاضطراب: فذهب أحدهم إلى أن: "التدليس - بشكل عام-: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُدخِل الاختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف عن سقوط راو أحيانا فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون" (٢)، وصرّح الآخر بأن: التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن كثرة ما يُدلِّس، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر. (٣) - ونجد كذلك ابن دقيق العيد في الاقتراح، ومن بعده الطيبي في الخلاصة، يورد نوع المضطرب بعد المدلس، وهو ترتيب مخالف لمن سبقهم، ولعلهم وجدوا شبهاً بين النوعين فذكروهما متتاليين، والله أعلم. - لابن القطان الفاسي مذهب خاص في التعليل بالاضطراب، حيث ذهب إلى أن: الاضطراب في المتن يُعلُّ الحديث، بينما اضطراب السند ليس بعلة، وذلك في حال كان الراوي الذي وقع منه الاضطراب ثقةً، بينما إذا كان الراوي غير ثقة فحديثه ضعيف، واضطرابه يزيد الحديث وهناً. - أما ما يخص أبرز قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، فهي على النحو التالي:

стр. 481

القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد: - تضمنت تعريفات من سبق ابن الصلاح ومن بعده الإشارة إلى هذا القيد ضمن تعريفها للاضطراب، سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها. - إن اختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الاضطراب، وتعليلهم أحياناً الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً، أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة. - أما إذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله. - كثرة وقوع الاضطراب من الراوي والاختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ما لم يكن هذا من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث. - القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف: - صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط ذلك بمعاني مرادفة للتساوي كالتقارب، والتعادل. - ويرى ابن الصلاح بأن التساوي شرط لتسمية الاختلاف بين روايات الحديث اضطراباً، بينما ذهب الزركشي إلى أن مجرد الاختلاف من الرواة في رواية الحديث كافٍ لتسمية الحديث بالمضطرب، وإنما يؤثر تساوي هذه الوجوه في القوة في جعل هذا الاضطراب قادحاً في صحة الحديث. - ويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة: قال ابن حجر: "فالاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين:

стр. 482

أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح. ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث." (١) - تجدر الإشارة إلى أن أمثلة الحديث الموصوف بالاضطراب في كتب نقّاد الحديث، تحوي عدداً ليس بالقليل مما وُصف بالاضطراب مع وجود ترجيح لأحد رواياته أو بعضها، (٢) ويُعدّ هذا إشكالاً في ظل اشتراط عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات، وتحتمل الإجابة عن هذا الإشكال عدداً من الأجوبة، وهي كما يلي: ١ - أن هناك من يصف الحديث بالاضطراب لمجرد الاختلاف بين الروايات، سواء تكافأت الروايات أو تفاوتت. ٢ - أنهم وصفوا الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راوٍ. ٣ - أنه ترجيح افتراضي لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر. ٤ - أنه قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.

стр. 483

هذا، وتظل النسبة الغالبة من أمثلة الحديث المضطرب لم يتم الترجيح بين رواياتها المختلفة. (١) - أما ما يخص حكم الحديث المضطرب، ففي الغالب يكون إطلاق وصف الاضطراب على الحديث يوجب ضعف الحديث؛ إلا أنه في حالات قد يجتمع وصف الاضطراب مع الصحة؛ كأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذُكِر مع تسميته مضطربا. الفرق بين الشاذ والمضطرب: "قد تقرر: - أن الثقة إذا خالفه من هو أرجح منه سمي حديثه شاذاً، والشاذ من المردود. - وأن الحديث إذا وقع الخلاف فيه بالإبدال في متنه أو سنده ولا مرجح سمي حديثه مضطربا، والمضطرب من المردود." (٢) الفرق بين مختلف الحديث والمضطرب: مختلف الحديث: هو أن يأتي حديثان متضادان أو متعارضان في المعنى ظاهراً، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما على الآخر. (٣) فالفرق بينهما: (٤)

стр. 484

- أن التعارض في مختلف الحديث هو تعارض ظاهري بين معاني متون الأحاديث (مع اختلاف مخرجها)، مع إمكان الجمع بينها أو الترجيح. - أما المضطرب، تعارض بين روايات الحديث الواحد (مع اتحاد مخرجها)، ويقع غالباً في السند، وقد يقع بقلة في المتن، ويتعذر الجمع أو الترجيح. الفرق بين الاضطراب وزيادة الثقة: - الاضطراب اختلاف يكون بين راوٍ أو مجموعة من الرواة يرويه بعضهم على وجه والآخرون على وجه مخالف لا يمكن الجمع ولا الترجيح بينهما. - بينما زيادة الثقة، فإن الراوي يروي الحديث ذاته الذي يرويه الآخرون إلا أنه يزيد عليه سواء في السند أو المتن. - كلاهما يشترط اتحاد المخرج، وقد تتداخل الزيادة مع الاضطراب في حال روى الراوي الحديث الواحد مرة بالزيادة ومرة بالنقصان (كتعارض الوصل والإرسال- وتعارض الرفع والوقف ... ). - من حيث درجة الراوي: راوي الزيادة يكون ثقة، بينما يقل الاضطراب في روايات الثقات، ويكثر في روايات الضعفاء. وقد فصّل ابن سيد الناس في بيان (الفرق بين زيادات الثقات في المتون واضطراب الرواة في المتن)، وملخّص ما ذكر في ذلك: أن الحديث الواحد المتحد المخرج، إن اختلفت ألفاظ رواته، وترتب على ذلك اختلاف المعنى:

стр. 485

- فإما أن يكون المخالف أتى بأمر زائد على ما أتى به غيره، فلا تنافي، وهذه زيادة تقبل من الثقات. - وإن أتى الاختلاف بلفظ مباين لغيره من الرواة من غير زيادة، فإما أن تستوي أحوال الرواة عند هذا الاختلاف أو تتفاوت، فإن تفاوتت فالترجيح، وإن تساوت وتعذر الترجيح فالحديث حينئذٍ مضطرب لا يقوم له حجة (١)، والله أعلم. وبعد ذكر الفرق بين الحديث المضطرب وأنواع أخرى من أنواع علوم الحديث، ننهي هذا الفصل؛ لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وهو الإدراج في الحديث، فإلى الفصل العاشر وتحرير مصطلح الحديث المدرج.

стр. 486

الفصل العاشر: الحديث المدرج المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.

стр. 487

المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريف المدرج لغة: المُدْرَج: بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من (أدرج). والإدراج: لَفُّ الشيء في الشيء، ودَرَج الشيء في الشيء يدرُجُهُ دَرْجاً، وأدرجه: طواه وأدخله. ومنه: أدرج الميت في الكفن والقبر: أدخله. وأدرج الكتاب في الكتاب: أدخله، ودَرْجُ الكتاب: طيه وداخله. (١) فمعنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء. المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): أشار السخاوي إلى المناسبة من ذكر الحديث المدرج بعد كلٍ من المعلل والمضطرب بقوله: "لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح" (٢) وهو المضطرب، ولما كان مما يُعلُّ به كذلك إدخال متن ونحوه في متن، ناسب إردافه بالمدرج. (٣)

стр. 488

فالمدرج نوع من أنواع المعلول، ولا يُعدّ الكشف عن علة الإدراج في الحديث مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا يُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية. (١). وإطلاق وصف الإدراج على بعض الأحاديث موجود في كلام الأئمة النقاد (٢)، ولعل أقدم من ذكر حدّاً للمدرج هو الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث. تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ): قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع الثالث عشر: "معرفة المدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه ﷺ ". (٣) تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ): لقد صنَّف الخطيب البغدادي كتاباً في الأحاديث المدرجة، واسمه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ذكر فيه أنواعاً وأقساماً للحديث المدرج (٤)، فقال: هذا كتاب ذكرت فيه أحاديث يشكل شأنها على جماعة من أصحاب الحديث والأثر، ... فمنها: أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة، فصار الكل مرفوعًا إلى النبي ﷺ .

стр. 489

ومنها: ما كان متن الحديث عند راويه بإسناد غيرُ لفظةٍ منه أو ألفاظ فإنها عنده بإسناد آخر فلم يبين ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد. ومنها: ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر. ومنها: ما كان بعض الصحابة يروي متنه عن صحابي آخر عن رسول الله ﷺ فوصل بمتن يرويه الصحابي الأول عن رسول الله ﷺ . ومنها: ما كان يرويه المحدث عن جماعة اشتركوا في روايته فاتفقوا غير واحد منهم خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الاتفاق. (١) تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث (٢) - ثم أتبعها بذكر تعريف المدرج، وأشار إلى الفرق بين النوعين، فقال: النوع الخامس: في الإضافة إلى الحديث ما ليس منه ... ، وهذا النوع: (هو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة، ويضيف إليه شيئًا من قوله، إلا أنه لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي ﷺ ، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة). وأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع (المُدرَج) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي ﷺ ولم يُميِّز بينهما، فَيُظَنُّ أن جميعه لفظ النبي ﷺ . (٣) تعريف ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ): أشار ابن القطان إلى المراد من الإدراج، والموقف من الحديث المدرج بقوله: "كل كلام مسوق في السياق لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة" (٤).

стр. 490

تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ): لقد ذكر ابن الصلاح أقسام المدرج، فقال: (١) معرفة المدرج في الحديث، وهو أقسام: منها: ما أدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي - أو: من بعده - عقيب (٢) ما يرويه من الحديث كلاماً من عند نفسه فيرويه من بعده موصولاً بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ويتوهم أن الجميع عن رسول الله ﷺ . (٣) - ومن أقسام المدرج: أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفاً منه فإنه عنده بإسناد ثان فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني ويروي جميعه بالإسناد الأول. (٤) ومنها: أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر مخالف للأول في الإسناد. (٥) ومنها: أن يروي الراوي حديثاً عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده فلا يذكر الاختلاف بل تدرج روايتهم على الاتفاق (٦).

стр. 491

تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: لقد تعددت مسالك من جاء بعد ابن الصلاح في تعريف المدرج وبيان أقسامه: - فمنهم من نقل تعريف ابن الصلاح لأقسام المدرج بتصرّف يسير كابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه المقنع (١)، وابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في التنقيح (٢)، إلا أن ابن الملقن عاد واختصر هذا التعريف بشكل مجمل وموجز في التذكرة، فقال: المدرج: "وهو زيادة تقع في المتن ونحوه." (٣) - ومنهم من اختصر كلام ابن الصلاح - ودمج بين القسم الثاني والثالث من أقسام المدرج عنده- كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٥)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في الخلاصة (٦). ولعل من أبرز تعريفات الحديث المدرج بعد ابن الصلاح، ما يلي:

стр. 492

تعريف ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ)، حيث قال: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول ﷺ ، ويكون ظاهرها أنها من لفظه فيدل دليل على أنه من لفظ الراوي" (١) ونجده قد خصّ مدرج المتن بالتعريف دون مدرج الإسناد، وتبعه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في الموقظة (٢)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) في الاختصار فقال: "وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك." (٣)، ثم أشار إلى وقوع الإدراج في الإسناد فقال: "وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة." (٤) ثم جاء ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) فأفرد كلاً من مدرج الإسناد، ومدرج المتن بتعريف خاص، فقال في النزهة (٥): "ثم المخالفة، إن كانت واقعة بسبب: تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد." وأتبع ذلك بذكر أقسام الإدراج في السند، ثم عرّف مدرج المتن بقوله: "وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارةً يكون في أوّله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف

стр. 493

من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي ﷺ ، من غير فصل، فهذا هو مدرج المتن." (١) المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: إن المتأمل لتعريفات الحديث المدرج يجد أن أغلبها ركّز على ذكر حدّ المدرج في المتن، وإن لم يُصرّح بذلك، فبدءًا من الحاكم ومن تبعه كابن الأثير، وابن دقيق العيد، وتلميذه الذهبي؛ نجدهم اقتصروا في تعريفهم على ما يخُصّ إدراج المتن، وقد أشار بعضهم كابن كثير وابن الملقن إلى أقسام الإدراج الأخرى بإشارة مجملة. أما الخطيب البغدادي فقد عمد في تصنيفه لكتاب (الفصل للوصل) إلى بيان أنواع الإدراج في الحديث وأقسامه (٢)، والتمثيل لكل قسم، وقد حذا حذوه ابن الصلاح في ذكر أقسام

стр. 494

المدرج إلا أنه اقتصر على ذكر أربعة منها، حيث قال ابن حجر: "لم يذكر المصنف من أقسام المدرج إلا أربعة: قسم في المتن وثلاثة في الإسناد، وقد قسمه الخطيب الذي صنف فيه إلى سبعة أقسام." (١) وهناك من تبع ابن الصلاح في ذكر أقسام المدرج والتمثيل لها، ومنهم من عرّف المدرج بشكل مجمل دون أن يصرّح بتخصيص نوع منه، بينما ذهب ابن حجر إلى تعريف كُلٍّ من مدرج المتن ومدرج الإسناد على حدة. وبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الحديث المدرج نجدها تضم قيدين أساسيين هما: - أن يُدخَل في الخبر (٢) ما ليس منه. - ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه. وفيما يلي بيان ذلك: قيود الحديث المدرج:

стр. 495

القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه . لقد تضمنت أقسام المدرج التي ذكرها ابن الصلاح تقييد الإدراج بكونه زيادة في الخبر ليست منه، يظهر ذلك في قوله: (ما أُدرِج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته ... كلاما من عند نفسه ... ) وقوله: (أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر ... )، وقوله: (أن يروي الراوي حديثا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده ... تدرج روايتهم على الاتفاق)، وقد تبع ابن الصلاح من جاء بعده ممن لخّص كلامه. وقد سبقه في بيان هذه الأقسام الخطيب البغدادي، والتي تضمّنت عباراته التنصيص على هذا القيد كقوله في أحدها: "ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر". - وأيضاً جاءت الإشارة لهذا القيد في تعريف الحاكم حيث قال: "معرفة المدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه ﷺ ". (١) - وأما ابن الأثير فقد صرّح بذكر هذا القيد؛ للتفريق بين الإدراج وزيادة الثقة، فعرّف الأخيرة بقوله: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي ﷺ ويجعلها من قوله" ثم أتبعها بذكر المراد بالإدراج، فقال في بيانه: "الإضافة إلى الحديث ما ليس منه ... "، فقوله: (ما ليس منه) احتراز من زيادة الثقة (٢)، إذ الإدراج وزيادة الثقة يتفقان في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.
следующие страницы →