← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142182

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

راوية بنت عبد الله بن علي جابر

Полный текст (604 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: لقد تعددت مسالك من جاء بعد ابن الصلاح في تعريف المدرج وبيان أقسامه: - فمنهم من نقل تعريف ابن الصلاح لأقسام المدرج بتصرّف يسير كابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه المقنع (١)، وابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في التنقيح (٢)، إلا أن ابن الملقن عاد واختصر هذا التعريف بشكل مجمل وموجز في التذكرة، فقال: المدرج: "وهو زيادة تقع في المتن ونحوه." (٣) - ومنهم من اختصر كلام ابن الصلاح - ودمج بين القسم الثاني والثالث من أقسام المدرج عنده- كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٥)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في الخلاصة (٦). ولعل من أبرز تعريفات الحديث المدرج بعد ابن الصلاح، ما يلي:

стр. 492

تعريف ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ)، حيث قال: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول ﷺ ، ويكون ظاهرها أنها من لفظه فيدل دليل على أنه من لفظ الراوي" (١) ونجده قد خصّ مدرج المتن بالتعريف دون مدرج الإسناد، وتبعه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في الموقظة (٢)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) في الاختصار فقال: "وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك." (٣)، ثم أشار إلى وقوع الإدراج في الإسناد فقال: "وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة." (٤) ثم جاء ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) فأفرد كلاً من مدرج الإسناد، ومدرج المتن بتعريف خاص، فقال في النزهة (٥): "ثم المخالفة، إن كانت واقعة بسبب: تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد." وأتبع ذلك بذكر أقسام الإدراج في السند، ثم عرّف مدرج المتن بقوله: "وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارةً يكون في أوّله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف

стр. 493

من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي ﷺ ، من غير فصل، فهذا هو مدرج المتن." (١) المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: إن المتأمل لتعريفات الحديث المدرج يجد أن أغلبها ركّز على ذكر حدّ المدرج في المتن، وإن لم يُصرّح بذلك، فبدءًا من الحاكم ومن تبعه كابن الأثير، وابن دقيق العيد، وتلميذه الذهبي؛ نجدهم اقتصروا في تعريفهم على ما يخُصّ إدراج المتن، وقد أشار بعضهم كابن كثير وابن الملقن إلى أقسام الإدراج الأخرى بإشارة مجملة. أما الخطيب البغدادي فقد عمد في تصنيفه لكتاب (الفصل للوصل) إلى بيان أنواع الإدراج في الحديث وأقسامه (٢)، والتمثيل لكل قسم، وقد حذا حذوه ابن الصلاح في ذكر أقسام

стр. 494

المدرج إلا أنه اقتصر على ذكر أربعة منها، حيث قال ابن حجر: "لم يذكر المصنف من أقسام المدرج إلا أربعة: قسم في المتن وثلاثة في الإسناد، وقد قسمه الخطيب الذي صنف فيه إلى سبعة أقسام." (١) وهناك من تبع ابن الصلاح في ذكر أقسام المدرج والتمثيل لها، ومنهم من عرّف المدرج بشكل مجمل دون أن يصرّح بتخصيص نوع منه، بينما ذهب ابن حجر إلى تعريف كُلٍّ من مدرج المتن ومدرج الإسناد على حدة. وبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الحديث المدرج نجدها تضم قيدين أساسيين هما: - أن يُدخَل في الخبر (٢) ما ليس منه. - ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه. وفيما يلي بيان ذلك: قيود الحديث المدرج:

стр. 495

القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه . لقد تضمنت أقسام المدرج التي ذكرها ابن الصلاح تقييد الإدراج بكونه زيادة في الخبر ليست منه، يظهر ذلك في قوله: (ما أُدرِج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته ... كلاما من عند نفسه ... ) وقوله: (أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر ... )، وقوله: (أن يروي الراوي حديثا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده ... تدرج روايتهم على الاتفاق)، وقد تبع ابن الصلاح من جاء بعده ممن لخّص كلامه. وقد سبقه في بيان هذه الأقسام الخطيب البغدادي، والتي تضمّنت عباراته التنصيص على هذا القيد كقوله في أحدها: "ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر". - وأيضاً جاءت الإشارة لهذا القيد في تعريف الحاكم حيث قال: "معرفة المدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه ﷺ ". (١) - وأما ابن الأثير فقد صرّح بذكر هذا القيد؛ للتفريق بين الإدراج وزيادة الثقة، فعرّف الأخيرة بقوله: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي ﷺ ويجعلها من قوله" ثم أتبعها بذكر المراد بالإدراج، فقال في بيانه: "الإضافة إلى الحديث ما ليس منه ... "، فقوله: (ما ليس منه) احتراز من زيادة الثقة (٢)، إذ الإدراج وزيادة الثقة يتفقان في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.

стр. 496

- ويظهر أيضاً اشتراط هذا القيد - في الحديث المدرج- في قول ابن دقيق العيد: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول ﷺ ، ... "، وتبعه الذهبي، وابن كثير كذلك بقوله: "وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي"، وكذلك ابن حجر بقوله: "أن يقع في المتن كلام ليس منه ... "، فقد نصّ على كون الزيادة في الإدراج ليست من متن الحديث، وذكر أيضاً بأن مدرج الإسناد ناتج عن مخالفة الراوي بتغيير سياق الإسناد، وهذا التغيير كذلك إدخالٌ في الإسناد ما ليس منه، وللإدراج صور متعددة حسب موقعه في الإسناد أو المتن، وصور ذلك على النحو الآتي: صور الإدراج في السند: قسَّم الخطيب الإدراج في الإسناد إلى أربعة أقسام، ووافقه ابن الصلاح على ثلاثة منها، وقسمه الحافظ إلى خمسة أقسام، وملخصها ما يلي (١): ١ - أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها. (٢)

стр. 497

٢ - أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني. (١) ٣ - أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، (٢) فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل، (٣) قال ابن حجر: "وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس" (٤). ٤ - أن يكون متنان مختلفي الإسناد، (٥) فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي. (٦)

стр. 498

٥ - ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. (١) هذا فيما يخص صور الإدراج في السند. أما الإدراج في المتن فقد ذكر ابن حجر أنه على مراتب ثلاث (٢) هي: ١ - أن يقع الإدراج في أول المتن. (٣) ٢ - أن يقع الإدراج في وسط المتن. (٤)

стр. 499

٣ - أن يقع الإدراج في آخر المتن. (١) ثم قد يكون المدرج من قول الصحابي (٢) أو التابعي (٣) أو من بعده (٤).

стр. 500

- وتتفاوت أمثلة هذه المراتب بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث (١)، بل إنه ذهب إلى أنه لم يجد للتمثيل على الإدراج في أول السند غيرَ مثالين (٢)، ووافقه من

стр. 501

تلامذته فيما ذهب إليه: البقاعي (١)، والسخاوي (٢)، وزكريا الأنصاري (٣) الذي اعتبر ذلك كافياً لإسقاط القول بأن المدرج في الأول أكثر منه في الأثناء، ولعله يقصد بذلك قرينه السيوطي كما جاء في كتابه التدريب حيث قال: "والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه; لأن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل، فيتوهم أن الكل حديث." (٤) وما ذهب إليه السيوطي قد يُشكل من جهتين: - الأولى: من جهة معارضته لما ذهب إليه شيخه من كون أمثلة الإدراج في أول المتن نادرة؛ بينما ذهب السيوطي لكونها أكثر من الأمثلة في وسط المتن. - الثانية: من جهة تعارضه مع ما أورده هو بعد ذلك القول؛ حيث نجده قد ذكر مثالا واحدا للمدرج في أول السند، وثلاثة أمثلة للمدرج في الوسط، وعقّب بكون الأمثلة عليه كثيرة (٥). ويمكن الإجابة على هذا الإشكال على النحو الآتي: - من جهة معارضته إلى ما ذهب إليه شيخه، فيمكن توجيه ما ذهب إليه السيوطي -من كون أمثلة الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه- بالنظر إلى عدد الأمثلة الواردة في

стр. 502

كتاب الخطيب؛ حيث نجد أن المجموع الكلي لمدرج المتن سبعة وأربعون حديثاً (١)، يمثّل المدرج في أول المتن سبعة أحاديث، وواحد مختلف بين كون الإدراج في أوله أو آخره، (٢) أي بنسبة: ١٧%، ويقابلها مثالين للمدرج في الوسط، (٣) أي بنسبة: ٤%. وكذلك في الجزء الذي لخّصه السيوطي من مدرج المتن من كتاب ابن حجر- والذي هو في الأساس تهذيب وترتيب لكتاب الخطيب (٤) - فعدة الأحاديث التي اقتصر عليها السيوطي من تلخيصه لكتاب ابن حجر واحد وأربعون حديثاً، عدد الأحاديث المدرجة في أولها أربعة أحاديث (٥)، أي: بنسبة ١٠% تقريباً، وعدد مدرج الوسط ثلاثة أحاديث (٦)، أي: بنسبة ٧% تقريباً، وهذه النسب تؤيّد ما ذهب إليه السيوطي بداية من كون المدرج في أوله أكثر من المدرج في وسطه. - ومن جهة تعارض ما ذهب إليه السيوطي بداية مع ما أورده هو بعد ذلك: فإن السيوطي بعد أن ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) قام بإلحاق زياداته على مدرج المتن؛ بحيث أصبح مجموع أحاديث الكتاب سبعين حديثاً، وعدد ما أضافه من مدرج

стр. 503

الوسط تسعة أحاديث - علماً أن سبعة منها استفادها من فتح الباري لابن حجر (١) - ليصبح مجموع الأحاديث المدرجة في الوسط اثنا عشر حديثاً (٢) أي بنسبة ١٧%؛ بينما لم يضف في زياداته أي مثال على المدرج في أوله، فانخفضت نسبته إلى ٦% من المجموع الكلي لأحاديث الكتاب البالغ عددها سبعون حديثاً. ولعل السيوطي ذكر ذلك، أي: قوله: "والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه ; ... " (٣) قبل أن يؤلّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج)؛ لأنه لم يُشر إليه في التدريب، بل ذكر مُصنَّف الخطيب، وتلخيص ابن حجر له فقط. - وعلى كل حال فهم متفقون على أن النسبة الغالبة للإدراج في المتون من نصيب المدرج في آخره، (٤) ولعل اختلافهم في نسبة الإدراج في أوله ووسطه اختلاف بين نِسَبٍ متقاربة يحسمه ما ذكره ابن الوزير في كتابه التنقيح، حيث بدأ بذكر المدرج في الآخر ثم الأول ثم الوسط، ثم عقّب بقوله: "وهي متقاربة، وأكثرها وقوعاً الأول" (٥)، وأوضح مقصوده الصنعاني بقوله: "وهو الإدراج في آخره." (٦)

стр. 504

- ولو دققنا لوجدنا أنهم خصّوا بالأكثرية في أمثلة مدرج المتن- بعد المدرج في آخره- المدرج في وسط المتن لتفسير الغريب، حيث قال السخاوي: "ثم قد يكون تفسير الغريب في الخبر، وهو الأكثر; كحديث النهي عن نكاح الشغار (١)، ... " (٢)، وكذلك جاء قول السيوطي بأكثرية أمثلة مدرج الوسط في المتن بعد أن ذكر عدداً من الأمثلة المدرجة؛ لتفسير غريب الحديث (٣)، ويؤيد ذلك قول الجزائري: "وأما المدرج في أثناء الحديث فهو كثير إذا نظر إلى ما أدرج لتفسير الألفاظ الغريبة." (٤) - ولعل تفاوت الأمثلة يتعلّق بمدى اتفاق العلماء ونقاد الحديث على إثبات الإدراج ونفيه، حيث نجد ابن دقيق العيد يقول بتضعيف القول بالإدراج في أول الحديث ووسطه، فقال: "مما يَقوَى فيه أن يكون كلام الراوي أتى بعد انقضاء كلام النبي ﷺ متصلا بآخره. ومما قد يَضعُف فيه: أن يكون مدرجاً في أثناء لفظ الرسول ﷺ . لا سيما أن كان مقدماً على اللفظ المروي، أو معطوفاً عليه بواو العطف، " (٥)

стр. 505

وقال تلميذه الذهبي: "ويبعد الإدراج في وسط المتن" (١)، "بمعنى: أنه يندر، لا أنه لا يقع" (٢)؛ إلا أن ابن حجر يرى أن تضعيف ابن دقيق العيد فيه نظر، وعقّب بقوله: "إنه إذا ثبت بطريقه أن ذلك من كلام بعض الرواة لا مانع من الحكم عليه بالإدراج. وفي الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب على الظن ذلك، فسواء كان في الأول أو الوسط أو الآخر، فإن سبب ذلك الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمج من غير تفصيل فيقع ذلك." (٣) - ثم إن الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، تتعدد وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج: ١ - أن يريد الراوي بذلك تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواردة في متن الحديث النبوي (٤)، فيحملها عنه بعض الرواة من غير تفصيل لتفسير تلك الألفاظ. "كحديث الزهري، عن عائشة ﵂: ((كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء - وهو التعبد- الليالي ذوات العدد ... )) (٥)،

стр. 506

فقوله: (وهو التعبد) تفسير للتحنث." (١) وهو مدرج من كلام الزهري في الحديث. ٢ - أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي ﷺ : "كحديث ابن مسعود في التشهد (٢)، فإنه استنبط من الخبر أنه إذا فرغ من التشهد فقد خرج من الصلاة، ... ". (٣) ٣ - أن يقصد الراوي إثبات حكم ما، ويستدل على ذلك بقول النبي ﷺ فيأتي به بلا فصل، فَيُتَوَهَّم أن الكل حديث. (٤)

стр. 507

ومثاله: حديث أبي هريرة ﵁: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)). (١) ٤ - أن يكون الإدراج نتيجة وهم الراوي أو غفلته (٢)، مثال ذلك: قصة ثابت بن موسى العابد (٣)، في روايته: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) (٤). فقد دخل ثابت ابن موسى على شريك بن عبدالله القاضي وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله ﷺ . فدخل ثابت عليه، فلما نظر إلى ثابت ذكر ذلك يريد به ثابتاً لزهده وورعه. فظن ثابت أن ذلك سند الحديث فكان يحدث به بهذا الإسناد. "وهذا ضعف بيِّن وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث" (٥)، وعدّ ابن الصلاح هذا المثال من شبه الوضع، واختار الحافظ العراقي، وتبعه تلميذه ابن حجر أن يُعدَّ هذا النوع من أقسام المدرج. (٦)

стр. 508

٥ - اختصار الحديث والرواية بالمعنى، فإن من أسباب الإدراج: "الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمج من غير تفصيل فيقع ذلك." (١) القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه . فالمدرج: "ما أضيف إلى الخبر، من غير كلام صاحبه بلا تمييز" (٢)، وقد تنوعت عباراتهم في بيان هذا القيد بين التنصيص بكون الكلام المدرج موصولاً بالخبر، أو اشتراط عدم الفصل أو التمييز بينهما، حيث جاء عن ابن الصلاح قوله - في أحد أقسام المدرج-: (موصولا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه ... )، وقال أيضاً - في قسم آخر-: ( ... فلا يذكر الاختلاف بل تدرج روايتهم على الاتفاق)، واشترط ابن قيق العيد كون الزيادة موصولة، وتبعه الذهبي، وأشار إلى ذلك ابن كثير بقوله: (فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك)، ونصّ على عدم الفصل ابن حجر فقال: "يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي ﷺ ، من غير فصل ... )، أي: " (بلا فصل ظهر) بين هذا الملحق بعزوه لقائله، وبين كلام النبوة ; بحيث يتوهم أن الجميع مرفوع" (٣) هذا فيمن جاء بعد ابن الصلاح.

стр. 509

- أما من جاء قبله - كقول الحاكم "معرفة المدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه ﷺ ". (١) - فإن كلامه يشير إلى الغرض من بيان هذا النوع؛ ألا وهو حرص العلماء ونقاد الحديث في التمييز بين الأقوال ونسبتها إلى قائلها، إذ يلتبس أمر المدرج على من لا يعلم حقيقة الحال. وأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع (المُدرَج) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي ﷺ ولم يُميِّز بينهما، أي: لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي ﷺ ، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة. (٢) ونص الخطيب على اتصال الكلام المدرج بالخبر، فقال في بعض أقسام المدرج: (أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة)، وقال أيضاً: (فوصل بمتن يرويه الصحابي)، وقوله كذلك: (خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الاتفاق) ونصَّ على عدم التمييز في قسم آخر. (فلم يُبيِّن ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد). وكذلك وصف ابن القطان المدرجَ بأنه: "كل كلام مسوق في السياق"، وسياق الكلام تتابعه (٣)، فلم يُفصل بينهما بفاصل يميّزه؛ لذا نجده أتبعه بقوله: "لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة" (٤)، وقد ذكر العلماء عدداً من الأدلة والقرائن التي

стр. 510

يُعرف بها وجود إدراج في متن الحديث أو إسناده، ولمعرفة وجود الإدراج في المتن وجوهٌ وطرقٌ ذكرها ابن حجر في النكت، فقال: (١) "الأول: أن يستحيل (٢) إضافة ذلك إلى النبي ﷺ . (٣) الثاني: أن يصرح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي ﷺ . (٤) الثالث: أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع فيه بأن يضيف الكلام إلى قائله." (٥) ثم عقّب ابن حجر بالإشارة إلى تباين قوة هذه الطرق في إثبات الإدراج، فقال: "والحكم على هذا القسم الثالث بالإدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب

стр. 511

القطع بذلك خلاف القسمين الأولين، وأكثر هذا الثالث يقع تفسيرًا لبعض الألفاظ الواقعة في الحديث" (١). وبعد أن ذكر أقسام مدرج الإسناد، أتبعه بقوله: "والطرق إلى معرفة كونه مدرجا أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة وتتقوى الرواية المفصلة، بأن يرويه بعض الرواة مقتصرا على إحدى الجملتين" (٢) وذكر في النزهة عدداً مما يُدرك به وجود إدراج في الحديث بشكل عام سواء في المتن أو في الإسناد فقال: "ويدرك الإدراج بورود رواية مفصلة للقدر المدرج فيه (٣)، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، ... " (٤). "ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق". (٥)

стр. 512

المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف . - معنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء (١). - المتأمل لتعريفات المدرج في الاصطلاح: يجد أغلبها اقتصر على تعريف مدرج المتن، وإن لم يُصرَّح بذلك، كتعريف الحاكم وتبعه ابن الأثير، وابن دقيق العيد، والذهبي، وابن كثير، وابن الملقن؛ بينما ذهب قسم منهم إلى بيان أقسام المدرج وأنواعه كابن الخطيب، ومن سلك مسلكه، كابن الصلاح، ومن جاء بعده ممن اختصر تعريفه كالنووي، وابن جماعة، ثم جاء ابن حجر وأفرد تعريف كُلٍّ من مدرج المتن والإسناد على حدة. - ولعل اقتصار أغلبهم على تعريف مدرج المتن؛ يبرز أهمية معرفة الإدراج في تمييزه لكلام النبوة من كلام الرواة، فهذا النوع من علوم الحديث شاهد على حرص المحدثين ونقّاد الحديث على تمحيص الروايات وتمييزها، وتخليص حديث رسول الله ﷺ مما ليس منه. - تضمنت أغلب تعريفات المدرج على قيدين أساسين هما: ١ - أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه. ٢ - ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه. - ويقع الإدراج في السند وفي المتن، ولكل منهما صور متعددة، فمن صور إدراج السند: ١ - أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها.

стр. 513

٢ - أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني. ٣ - أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل. ٤ - أن يكون متنان مختلفي الإسناد، فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي. ٥ - ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. - ذلك فيما يخص صور الإدراج في السند، أما الإدراج في المتن: فإما أن يكون المُدرَج من قول الصحابي، أو التابعي، أو من بعده، ويقع الإدراج في أول المتن، أو وسطه، أو آخره. - وتتفاوت أمثلته بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث. وذكر ابن حجر أنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين من المدرج في أول المتن، رغم أن المذكور في الكتاب أكثر من ذلك، ولعل ابن حجر يقصد ما صحّ عنده، ويعضده قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: "وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مسلم له إدراجه." (١)

стр. 514

وذهب السيوطي بداية إلى أن وقوع الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه، ثم عاد وذكر أن أمثلة الإدراج في الوسط - خاصة المفسِّرة للغريب- كثيرة، ويمكن توجيه ذلك: بأن نسبة الأحاديث التي وقع الإدراج في أولها في كتاب الخطيب أكثر من المدرجة في وسطها، فلعل ما ذهب إليه لهذا السبب، ثم لما ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) أضاف لمدرج المتن زيادات ضمّت عدداً من مدرج الوسط، بحيث أصبح نسبته ١٧%، مقابل ٦% لمدرج الأول أي تضاعفت نسبة مدرج الوسط إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف نسبة مدرج الأول. وعلى كل حال تظل النسبة الغالبة للإدراج في المتن هي للمدرج في آخره، وهم متفقون على ذلك. - وتتعدد الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج: أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي ﷺ ، أو أن يقصد إثبات حكم ما، أو تفسير بعض الألفاظ الغريبة (وهي أكثرها وقوعاً في وسط المتن)، أو اختصار الحديث وروايته بالمعنى، أو يقع الراوي في الإدراج لوهمه وغفلته. - يُعرف وجود الإدراج في المتن من وجوه، تتفاوت من حيث قطعية الحكم على الحديث بالإدراج أو غلبة الظن به، وهي: أن يستحيل إضافة الكلام المُدرَج إلى النبي ﷺ ، أو أن يصرِّح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي ﷺ ، فهذان الوجهان قطعيان في الحكم على الحديث بالإدراج كما ذهب إليه ابن حجر. أما الوجه الثالث، وهو أن يأتي الكلام المدرج مفصولا في روايات أخرى منسوبا إلى قائله، فالحكم به على الإدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد. - يُعرف وجود الإدراج في السند:

стр. 515

بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو بالتنصيص عليه من بعض الأئمة المطلعين، ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق. - وهذا يؤكد العلاقة بين المدرج والمعلل: (١) فحين ذكر الحاكم أنواعاً للحديث المعلل -وذلك في معرض المقابلة بينه وبين الشاذ- قال: "فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم" (٢)، والإدراج يقع تحت قوله: (دخل حديث في حديث أو وهم فيه)، وعليه: فالمدرج من أنواع الحديث المعلل من عدة نواحي: - لأنه إدخال في الحديث ما ليس منه. -ولوقوع الوهم من الراوي في بعض حالاته.

стр. 516

- ولأن الكشف عن علة الإدراج في الحديث لا تتهيأ بيسر وسهولة، بل هي صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا تُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية. - أما الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة: إن الإدراج وزيادة الثقة يتفقان: في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه. قال ابن حجر: " الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل" (١)، فزيادة الثقة لم يقم الدليل على إثبات أنها من قول غير النبي ﷺ ؛ بينما المدرج وقع الدليل على نسبته لغير النبي ﷺ . (٢) - يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لا يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلاماً للنبي ﷺ ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلاماً للصحابي فما دونه." (٣) ويضاف إلى ذلك أن: "- زيادة الثقة لا تكون إلا من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف. حكم الإدراج:

стр. 517

الإدراج علة يعل بها الحديث، سواء وقعت في المتن أو الإسناد، لذا فتعمد الإدراج حرام، قال ابن الصلاح: "واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور" (١)؛ لما يتضمن ذلك من عزو الشيء لغير قائله. وأسوأ أنواع الإدراج: ما كان في المتن المرفوع مما لا دخل له في تفسير الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط. (٢) قال السيوطي: "وعندي أن ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع، ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة. (٣) والخلاصة: أن من أدخل ذلك قاصدًا أن يُلبِّس على الناس دينهم؛ فهو مجروح ساقط العدالة، وأما من قصد الاستنباط، أو الاستدلال، أو التفسير، ونحو ذلك؛ فهو مأجور بقصده، وكان الأولى به أن يفصل كلامه من كلام غيره، والله أعلم. (٤) وبهذه الخلاصة نختم فصل الحديث المدرج، لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وتحرير مصطلح الحديث المقلوب.

стр. 518

الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.

стр. 519

المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة: المقلوب: اسم مفعول من قَلَبَ، و"القاف واللام والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدل على: خالص شيء وشريفه، والآخر على: رد شيء من جهة إلى جهة." (١) فالقلب يأتي على معاني: - القلب من الشيء: لُبُّه ووسطه وخالصه، ومنه: قلب الإنسان وغيره، سمي لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه. - والقلب للشيء: تحويله وصرفه عن وجهه، ومنه: كلام مقلوب، أي: مصروف عن وجهه. - وقلب الشَّيْء، وقلَّبه: جعل أعلاه أسفله، ويقال قلب الأمر ظهرا لبطن اختبره، ونظر في عواقبه. (٢) المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): لم يلتزم كل من جاء بعد ابن الصلاح ممن اختصر كتابه، بالترتيب الذي انتهجه ابن الصلاح في ترتيب الأنواع الحديثية (٣)، إذ قام بعضهم بتقديم بعض الأنواع على بعض،

стр. 520

ومن ذلك نوع الحديث المقلوب، فقد ذكره ابن الصلاح بعد نوع الموضوع، في حين قمت في هذا البحث بتقديم الكلام على الحديث المقلوب وتأخير الموضوع، والذي هو شرّ أنواع الضعيف (١)، ووجدت لذلك سلفاً وهو الإمام بدر الدين (ابن جماعة) في كتابه المنهل الرويّ، فبالرغم من أنه مختصر من كتاب ابن الصلاح إلا أنه قال في مقدمته: "لم أزل حريصاً على تلخيص ألفاظه لنفسي، وتخليص خلاصة محصوله لتقريب مراجعتي له ودروسي، وترتيبه على ما هو أسهل عندي وأولى، وأخلى من الاعتراض عليه (وأجلى (" (٢). أيضاً، فإن الحديث المقلوب مرتبط بالأنواع الحديثية السابقة خاصة المعلل، إذ أن من أنواع القلب - كما سيأتي- ما يقع سهواً من الراوي ووهماً، فمن هذه الجهة يكون نوعاً من المعلل، قال ابن حجر: "كل مقلوب لا يخرج عن كونه معللا أو شاذا؛ لأنه إنما يظهر أمره بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ، والله أعلم." (٣) أما من جهة وقوع القلب في الحديث عمداً، وقصد فاعله الإغراب (٤) فهو قسم من أقسام الموضوع (٥)، والذي سيأتي بيانه في الفصل التالي والأخير من هذا البحث.

стр. 521

وبالبحث عن المراد بالحديث المقلوب عند علماء الحديث، نجد وصفهم لبعض الأحاديث بأنهما مقلوبة، كذلك جرحهم لبعض الرواة بكونهم ممن يقلب الأحاديث والأسانيد (١)، من ذلك ما جاء عن الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) في مقدمة كتابه التمييز، حيث ذكر من بعض الأخطاء والأوهام التي تقع من الرواة- وإن كانوا ثقات-: "أن يروي نفر من حفاظ الناس حدثنا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظا". (٢) ومن أكثر من جاء عنه جرح الرواة بقلب الأسانيد الإمام ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ)، خاصة في كتابه المجروحين (٣)، فقد ذكر عشرين نوعاً من أنواع جرح الرواة الضعفاء، خصّ النوع العاشر منهم بقوله: "ومنهم من كان يقلب الأخبار، ويسوّي الأسانيد كخبرٍ مشهورٍ عن [سالم] يجعله عن نافع، وآخر لمالك يجعله عن عبيدالله بن عمر ونحو هذا" (٤)، وليس معنى ذلك أنه يقصر القلب على الإسناد فقط، بل جاء عنه أيضاً وصفه لأحاديث بالقلب في المتن، وفيهما معاً. (٥)

стр. 522

وأشار الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) إلى مراده من الحديث المقلوب، بعد أن ذكره في المرتبة التي تلي الموضوع في شدة الضعف، فقال: "فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول" (١). هذا أبرز ما جاء في الإشارة إلى المراد من القلب في الأسانيد أو المتون عمن سبق ابن الصلاح. تعريف أما ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) فقال: "معرفة المقلوب هو: نَحْوُ حديثٍ مشهورٍ عن سالم، جعل عن نافع؛ ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه." (٢) تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: - أما من جاء بعد ابن الصلاح، فهناك من تابع ابن الصلاح فيما ذكره، واقتصر على اختصار كلامه دون تعقيب كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٣)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٤)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٥)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وزاد قوله: "وقد يكون في الإسناد كله

стр. 523

أو بعضه." (١)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في المقنع (٢)، إلا أنه في التذكرة، صاغ المراد بالمقلوب بعبارة مجملة فقال: "المقلوب: وهو إسناد الحديث إلى غير راويه" (٣). - وهناك من تعقّب ابن الصلاح كالزركشي (ت ٧٩٤ هـ) حيث قال: "وهذا التعريف غير واف بحقيقة المقلوب، وإنما هو تفسير لنوع منه. وحقيقته: (جعل إسناد لمتن آخر، وتغيير إسناد بإسناد)." (٤) وتعقّبه كذلك البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) بأن ما ذكره في نوع المقلوب؛ إنما يخص نوع مقلوب السند، فقال: "ما سبق هو القلب في الإِسناد. وقد يقع القلب في المتن، ... " (٥)، ومثّل له بمثال ثم قال: "ويمكن أن يسمى ذلك المعكوسَ، ولكن لم أر من تعرض له." (٦) أما ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) فقد أعاد صياغة ما ذكره ابن الصلاح كمثال، فقال:

стр. 524

"وهو أن يكون الحديث معروفاً برواية رجل معين، فيُروى عن غيره، طلباً للإغراب، وتنفيقاً لسوق تلك الرواية." ثم قال: "وقد يطلق المقلوب على اللفظ بالنسبة إلى الإسناد، والإسناد بالنسبة إلى اللفظ" (١). - ومنهم من ذكر أقساماً للمقلوب، ومثّل له: كالذهبي (ت ٧٤٨ هـ) حيث قال: "هو ما رواه الشيخ بإسناد لم يكن كذلك، فينقلب عليه ويَنُطُّ من إسناد حديث إلى متن آخر بعده. أو: أن ينقلب عليه اسم راوٍ، مثل (مُرّة بن كعب) بـ (كعب بن مرة)، و (سعد بن سنان) بـ (سنان بن سعد)." (٢) وقال العراقي (ت ٨٠٦ هـ): من أقسام الضعيف المقلوب، وهو قسمان: أحدهما: أن يكون الحديث مشهوراً براو، فجعل مكانه راو آخر في طبقته؛ ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه ... القسم الثاني من قسمي المقلوب: وهو أن يؤخذ إسناد متن، فيجعل على متن آخر، ومتن هذا فيجعل بإسناد آخر ... (٣) - وتابع ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في كتابه (التنقيح) ما ذكره العراقي في (شرح التبصرة)، وزاد عليه مقلوب المتن، فقال: وهو ما انقلب متنه على بعض الرواة كما رواه مسلم في

стр. 525

حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله (١)، وحديث أبي هريرة عند البخاري (٢) في محاجة الجنة والنار" (٣). - ولعل من أبرز تعريفات الحديث المقلوب بعد ابن الصلاح، تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، فبعد أن تعقّب كلام ابن الصلاح - في النكت - بقوله: "هذا تعريف بالمثال"، وضّح حقيقة المقلوب، فقال: "وحقيقته: إبدال من يعرف بروايةٍ بغيره"، ثم أردفه بقوله: "فيدخل فيه إبدال راو أو أكثر من راو حتى الإسناد كله، وقد يقع ذلك عمدا إما بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان، وقد يقع وهما." (٤) ونجده في النزهة يذكر كل قسم على حدة: فقال: - "إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء كمُرَّة بن كعب، وكعب بن مرة؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر، فهذا هو المقلوب." (٥) - ثم أشار إلى القلب في المتن، ومثّل له بحديث السبعة الذين يظلهم الله في عرشه، ففيه: ((ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)). فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) (٦) كما في الصحيحين." (٧)

стр. 526

وتبع السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) شيخه ابن حجر في بيان حقيقة المقلوب، فقال: "وحقيقة القلب: تغيير من يُعرَف بروايةٍ ما بغيره عمدا أو سهوا" (١)، وبينما اكتفى شيخه بذكر أمثلة على المقلوب في المتن، فإن السخاوي ذكر حقيقته بقوله: "وأما قلب المتن فحقيقته: أن يُعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر" (٢) ثم نقل تعريف ابن الجزري (٣) (ت ٨٣٣ هـ)، فقال: "ونحوه قول ابن الجزري: هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه وربما انعكس" (٤). وأشار السخاوي إلى وقوع اختلاف في تسمية بعض أقسام المقلوب، حيث سمّى ابن الجزري مقلوب المتن بالمنقلب، وأفرده في نوع مستقل، وسمّى مقلوب الإسناد عمداً بقصد الامتحان (مركب)، بينما سمّى ابن حجر - هذا الأخير- (المبدل)، قال السخاوي: "واختار في تسمية قسّميِّ العمد الإبدال لا القلب" (٥)، فما كان فى المتن - عند ابن حجر-

стр. 527

المقلوب، وما كان من الأسماء المبدل (١)، أي: "ما بدل فيه راو بآخر في طبقته، أو أُخذ إسناد متنه فرُكب على متن آخر" (٢). المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: إن المتأمل فيما سبق من تعريفات المقلوب يجد ابن الصلاح قد عرّفه بذكر المثال، فقال: "هو: نَحْوُ حديثٍ مشهورٍ عن سالم، جعل عن نافع؛ ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه"، ولعل سلفه في ذلك ما ذكره ابن حبان حين مثّل لمقصوده من جرح الرواة بقلب الأخبار والأسانيد. وقد تُعقِّب ابن الصلاح بأن تعريفه غير وافٍ بحقيقة المقلوب، وإنما هو تفسير لنوع منه (٣)؛ فكانت الإضافات في هذا النوع من باب ذكر أقسام المقلوب في الإسناد والمتن أو فيهما معاً، والتمثيل لذلك.

стр. 528

قيود الحديث المقلوب: لعل أبرز ما يميّز الحديث المقلوب عن غيره من أنواع علوم الحديث هو: وقوع الإبدال في إسناده أو متنه، فيُبدِل الراوي فيه شيئاً بآخر. وبيان هذا القيد على النحو الآتي: قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه: الإبدال، أو التبديل في اللغة: يقال: بدَّلت الشيء: غيَّرتهُ، وإن لم تأت له ببدل، وأبدلتُه، إذا أتيت ببدله. وحقيقته: أن التبديل تغيير الصورة إلى صورة أخرى، فتبديل الشيء: تغييره وإن لم تأت ببدل، والإبدال: تنحية الشيء، واستئناف بديل آخر عنه. (١) وبالنظر في تعريفات المقلوب، نجدها تدور حول هذا المعنى: فالأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح للمقلوب تتضمن معنى الإبدال، ففي المثال الأول أُبدِل الراوي بآخر (عن سالم، جعل عن نافع)، وهو نفس المثال الذي ذكره ابن حبان في بيان مراده من وصف الرواة بقلب الأخبار والأسانيد. وكذلك الحال في المثال الثاني، حيث ذكر ابن الصلاح أنهم (عمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر)، وهذا يتضمن معنى التبديل والتغيير.

стр. 529

وما ذكره الإمام مسلم في بيان معنى قلب المتون، بقوله: "يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ"، فإنه يتضمن معنى التبديل والتغيير، بحيث أصبح ما يرويه مخالفاً لما رواه الجماعة. وكذلك ما ذكره ابن حبان من بيان مراده بقلب المتن، في أحد الأحاديث التي وصفها بأنها مقلوبة المتن- في كتابه المجروحين- فقال: "أراد أن يختصر من الحديث شيئا فإذا به قد قلبه وغيّر معناه" (١)، فذكر أن المراد بقلب المتن هو تغيير لمعناه. وأما ما ذكره الخطابي، فأفاد اقتصار المقلوب على مقلوب الإسناد، دون أن يبيّن المقصود بالقلب، ولعل الحديث الذي وصفه بأنه مقلوب في شرحه لسنن أبي داود-يوضح مراده من القلب في الإسناد، وذلك بما وقع فيه الراوي من الوهم، والمخالفة لغيره من الرواة، وأبدال إسنادٍ بآخر (٢).

стр. 530

وتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تتضمن كذلك ذكر الإبدال أو معناه، فجاء في تعريف ابن دقيق العيد قوله (فيُروى عن غيره)، وعند الذهبي قوله (يَنُطُّ من إسناد حديث إلى متن آخر بعده)، والزركشي قوله (تغيير إسناد بإسناد)، وعند ابن الملقن (إسناد الحديث إلى غير راويه)، وعند العراقي - وتابعه ابن الوزير- قوله في أحد قسمّي المقلوب (فجعل مكانه راو آخر في طبقته)، وفي القسم الثاني قوله (يؤخذ إسناد متن، فيجعل على متن آخر)، فما سبق يتضمّن معنى الإبدال؛ بينما جاء التصريح به في تعريف ابن حجر، حيث قال: (وحقيقته: إبدال من يعرف بروايةٍ بغيره)، وبمعناه عند تلميذه السخاوي حيث قال - في مقلوب السند-: (تغيير من يُعرَف بروايةٍ ما بغيره)، وقال عن مقلوب المتن (أن يُعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر). ويلاحظ اقتصار أغلبهم على ذكر القلب في الإسناد وأقسامه دون القلب في المتن، وقد ذكر السخاوي العلة من ذلك لكون المقلوب السندي هو الأكثر (١)، وقال في موضع آخر: "ويقع القلب في المتن أيضا، لكنه قليل بالنسبة إلى السند". (٢) أقسام الحديث المقلوب: (٣) وتتنوع أقسام المقلوب حسب اعتبارات عدة: - فينقسم باعتبار موضعه إلى ثلاثة أقسام:
следующие страницы →