وتبع السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) شيخه ابن حجر في بيان حقيقة المقلوب، فقال: "وحقيقة القلب: تغيير من يُعرَف بروايةٍ ما بغيره عمدا أو سهوا" (١)، وبينما اكتفى شيخه بذكر أمثلة على المقلوب في المتن، فإن السخاوي ذكر حقيقته بقوله:
"وأما قلب المتن فحقيقته: أن يُعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر" (٢) ثم نقل تعريف ابن الجزري (٣) (ت ٨٣٣ هـ)، فقال: "ونحوه قول ابن الجزري: هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه وربما انعكس" (٤).
وأشار السخاوي إلى وقوع اختلاف في تسمية بعض أقسام المقلوب، حيث سمّى ابن الجزري مقلوب المتن بالمنقلب، وأفرده في نوع مستقل، وسمّى مقلوب الإسناد عمداً بقصد الامتحان (مركب)، بينما سمّى ابن حجر - هذا الأخير- (المبدل)، قال السخاوي: "واختار في تسمية قسّميِّ العمد الإبدال لا القلب" (٥)، فما كان فى المتن - عند ابن حجر-
стр. 527
المقلوب، وما كان من الأسماء المبدل (١)، أي: "ما بدل فيه راو بآخر في طبقته، أو أُخذ إسناد متنه فرُكب على متن آخر" (٢).
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
إن المتأمل فيما سبق من تعريفات المقلوب يجد ابن الصلاح قد عرّفه بذكر المثال، فقال: "هو: نَحْوُ حديثٍ مشهورٍ عن سالم، جعل عن نافع؛ ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه"، ولعل سلفه في ذلك ما ذكره ابن حبان حين مثّل لمقصوده من جرح الرواة بقلب الأخبار والأسانيد.
وقد تُعقِّب ابن الصلاح بأن تعريفه غير وافٍ بحقيقة المقلوب، وإنما هو تفسير لنوع منه (٣)؛ فكانت الإضافات في هذا النوع من باب ذكر أقسام المقلوب في الإسناد والمتن أو فيهما معاً، والتمثيل لذلك.
стр. 528
قيود الحديث المقلوب:
لعل أبرز ما يميّز الحديث المقلوب عن غيره من أنواع علوم الحديث هو: وقوع الإبدال في إسناده أو متنه، فيُبدِل الراوي فيه شيئاً بآخر.
وبيان هذا القيد على النحو الآتي:
قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:
الإبدال، أو التبديل في اللغة:
يقال: بدَّلت الشيء: غيَّرتهُ، وإن لم تأت له ببدل، وأبدلتُه، إذا أتيت ببدله.
وحقيقته: أن التبديل تغيير الصورة إلى صورة أخرى، فتبديل الشيء: تغييره وإن لم تأت ببدل، والإبدال: تنحية الشيء، واستئناف بديل آخر عنه. (١)
وبالنظر في تعريفات المقلوب، نجدها تدور حول هذا المعنى:
فالأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح للمقلوب تتضمن معنى الإبدال، ففي المثال الأول أُبدِل الراوي بآخر (عن سالم، جعل عن نافع)، وهو نفس المثال الذي ذكره ابن حبان في بيان مراده من وصف الرواة بقلب الأخبار والأسانيد.
وكذلك الحال في المثال الثاني، حيث ذكر ابن الصلاح أنهم (عمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر)، وهذا يتضمن معنى التبديل والتغيير.
стр. 529
وما ذكره الإمام مسلم في بيان معنى قلب المتون، بقوله: "يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ"، فإنه يتضمن معنى التبديل والتغيير، بحيث أصبح ما يرويه مخالفاً لما رواه الجماعة.
وكذلك ما ذكره ابن حبان من بيان مراده بقلب المتن، في أحد الأحاديث التي وصفها بأنها مقلوبة المتن- في كتابه المجروحين- فقال: "أراد أن يختصر من الحديث شيئا فإذا به قد قلبه وغيّر معناه" (١)، فذكر أن المراد بقلب المتن هو تغيير لمعناه.
وأما ما ذكره الخطابي، فأفاد اقتصار المقلوب على مقلوب الإسناد، دون أن يبيّن المقصود بالقلب، ولعل الحديث الذي وصفه بأنه مقلوب في شرحه لسنن أبي داود-يوضح مراده من القلب في الإسناد، وذلك بما وقع فيه الراوي من الوهم، والمخالفة لغيره من الرواة، وأبدال إسنادٍ بآخر (٢).
стр. 530
وتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تتضمن كذلك ذكر الإبدال أو معناه، فجاء في تعريف ابن دقيق العيد قوله (فيُروى عن غيره)، وعند الذهبي قوله (يَنُطُّ من إسناد حديث إلى متن آخر بعده)، والزركشي قوله (تغيير إسناد بإسناد)، وعند ابن الملقن (إسناد الحديث إلى غير راويه)، وعند العراقي - وتابعه ابن الوزير- قوله في أحد قسمّي المقلوب (فجعل مكانه راو آخر في طبقته)، وفي القسم الثاني قوله (يؤخذ إسناد متن، فيجعل على متن آخر)، فما سبق يتضمّن معنى الإبدال؛ بينما جاء التصريح به في تعريف ابن حجر، حيث قال: (وحقيقته: إبدال من يعرف بروايةٍ بغيره)، وبمعناه عند تلميذه السخاوي حيث قال - في مقلوب السند-: (تغيير من يُعرَف بروايةٍ ما بغيره)، وقال عن مقلوب المتن (أن يُعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر).
ويلاحظ اقتصار أغلبهم على ذكر القلب في الإسناد وأقسامه دون القلب في المتن، وقد ذكر السخاوي العلة من ذلك لكون المقلوب السندي هو الأكثر (١)، وقال في موضع آخر: "ويقع القلب في المتن أيضا، لكنه قليل بالنسبة إلى السند". (٢)
أقسام الحديث المقلوب: (٣)
وتتنوع أقسام المقلوب حسب اعتبارات عدة:
- فينقسم باعتبار موضعه إلى ثلاثة أقسام:
стр. 531
١ - مقلوب في الإسناد: وهو إما بإبدال راوٍ في السند، أو بإبدال الإسناد كله،
٢ - مقلوب في المتن: بتغيير المتن كله أو جملة منه.
٣ - مقلوب في الإسناد وفي المتن معاً.
- وينقسم كذلك المقلوب باعتبار الأسباب الحاملة عليه إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: وقوعه عمداً، والقسم الثاني: وقوعه وهماً وخطأً.
- ووقوعه عمداً يتفرّع إلى فرعين: أ- إما لغرض الإغراب.
ب- أو لغرض الامتحان والاختبار.
"فلو وقع الإبدال عمدا، لا لمصلحة، بل للإغراب، مثلا، فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطا فهو من المقلوب، أو المعلل" (١).
ولوقوع القلب في الحديث سندا أو متناً أسباب، هي كما يلي:
أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً (٢):
السبب الأول: وقوع الوهم من الراوي أو الغفلة، وقد أشار الحافظ إلى وقوع ذلك من بعض الرواة، وأن بيان أمثلته في كتب العلل (٣)، ويقع ذلك في السند أو المتن، ومن أمثلة المقلوب في الإسناد على سبيل الوهم:
стр. 532
المثال الذي ذكره ابن الصلاح (١) من حديث جرير بن حازم (٢) عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) (٣).
أوضح علّته الترمذي في العلل فقال:
"سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث خطأ، أخطأ فيه جرير بن حازم.
ذكروا أن الحجاج الصواف (٤) كان عند ثابت البناني (٥) , وجرير بن حازم في المجلس، فحدث الحجاج عن يحيى بن أبي كثير, عن عبدالله بن أبي قتادة (٦) , عن أبيه (٧) , عن
стр. 533
النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا
حتى تروني)) (١). فوهم فيه جرير بن حازم فظن أن ثابتا حدثه عن أنس بهذا, والصحيح هو عن ثابت, عن أنس: ((كان النبي ﷺ إذا أقيمت الصلاة يتكلم مع الرجل حتى نعس بعض القوم)) (٢).
ومن أمثلة المقلوب في المتن على سبيل الوهم:
قول ابن حجر (٣): "ووقع لجرير هذا - أيضا - عن ثابت عن أنس ﵁ حديث انقلب عليه متنه وهو ما ذكره الترمذي من طريقه عن ثابت عن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يُكلَّم بالحاجة إذا نزل عن المنبر)) (٤)، عقّب الترمذي بعد إخراجه للحديث بقوله:
"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم.
سمعت محمداً يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي ﷺ فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم، والحديث هو هذا.
стр. 534
وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء، وهو صدوق." (١)
السبب الثاني: ادعاء الراوي ما لم يسمع، والكذب في الرواية بقصد الإغراب، وتنفيقاً لمروياته، (٢) حيث قال ابن دقيق العيد في تعريفه للمقلوب: "وهو أن يكون الحديث معروفا برواية رجل معين، فيُروى عن غيره، طلبا للإغراب، وتنفيقا لسوق تلك الرواية." (٣)
قال السخاوي: "وقد قيل في فاعل هذا: يسرق الحديث (٤)، وربما قيل في الحديث نفسه: مسروق.
وفي إطلاق السرقة على ذلك نظر؛ إلا أن يكون الراوي المُبْدَل به عند بعض المحدثين منفردا به، فيسرقه الفاعل منه، وللخوف من هذه الآفة كره أهل الحديث تتبع الغرائب" (٥).
ومثال ما وقع في الإسناد من القلب للإغراب:
قول ابن حجر: "فممن كان يفعل ذلك عمدا لقصد الإغراب على سبيل الكذب: حماد ابن عمرو النصيبي (٦) وهو من المذكورين بالوضع.
стр. 535
من ذلك روايته عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا لقيتم المشركين في طريق، فلا تبداهم بالسلام ... )) الحديث، فإن هذا الحديث قال العقيلي (١): "لا يعرف من حديث الأعمش وإنما يعرف من رواية سهيل بن أبي صالح (٢) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁" (٣).
قلت: كذلك أخرجه مسلم (٤) وغيره.
فجعل حمادُ بن عمرو الأعمشَ موضع سهيل؛ ليغرب به." (٥)
- ومثال ما وقع في المتن من القلب للإغراب:
قول ابن حجر: "فَكَمَنْ يعمَدُ إلى نسخة مشهورة بإسناد واحد فيزيد فيها متناً أو متوناً ليست فيها". (٦)
стр. 536
السبب الثالث: أن يقع ذلك بقصد اختبار ضبط الراوي، وحفظه.
قال الحافظ ابن حجر: "كان شعبة يفعله كثيراً لقصد اختبار حفظ الراوي، فإن أطاعه على القلب عرف أنه غير حافظ وإن خالفه عرف أنه ضابط." (١)
- ومثال ما وقع من القلب للامتحان:
ما فعله أصحاب الحديث مع البخاري، وقد أشار ابن الصلاح إلى هذه القصة باختصار (٢)، وأوردها ابن حجر كاملة في النكت عليه، وذكر أيضاً ممن امتحنه تلاميذه الحافظ الجليل أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي. (٣)
وقد ذكر ابن حجر - في نكته على ابن الصلاح- أمثلة على وقوع القلب في المتن دون الإسناد، وكذلك على وقوعه فيهما معاً، (٤) منها:
ما وقع فيه قلب في المتن دون الإسناد، ومثاله: ما جاء في الصحيح من حديث هريرة ﵁ في السبعة الذين يظلهم الله في عرشه .. فذكر منهم: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)).
ومن أمثلته كذلك - وذكره البلقيني في محاسن الاصطلاح (٥) - ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال:
стр. 537
((إن ابن أم مكتوم (١) يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال (٢)؛ فإن بلالاً لا يؤذن حتى يرى الفجر)) (٣).
ونقل ابن حجر عن شيخه البلقيني قوله:
"هذا مقلوب والصحيح من حديث عائشة ﵂: ((أن بلالا ﵁ يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت)) (٤).
وما تأوله ابن خزيمة (٥) من أنه يجوز أن يكون النبي ﷺ جعل الأذان نوبا بين بلال
وابن أم مكتوم ﵄ بعيد، وأبعد منه جزم ابن حبان (٦) بأن النبي ﷺ فعل ذلك." (٧)
стр. 538
وقد ذكر ابن حجر في النكت مثالاً على وقوع القلب في الإسناد والمتن معاً (١)، فقال:
"ومثال ما وقع في القلب في الإسناد والمتن معا. ما رواه الحاكم (٢) من طريق المنذر ابن عبدالله الحزامي (٣)، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون (٤)، عن عبدالله بن دينار (٥)، عن ابن عمر ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة
قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك ... )) (٦)، ولفظ الحديث الصواب: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ... )). (٧)
ويضاف إلى الأسباب السابقة:
стр. 539
سبب يخص وقوع القلب في المتن:
" فالظاهر والله أعلم أنه يقع من بعض الرواة الذين انصرفت همتهم إلى حفظ الأسانيد ولم يُولوا المتون تلك العناية التي جرت منهم مع أسانيد الأحاديث، مع ملاحظة ما هو معلوم من طبيعة البشر من وقوع الأخطاء والأوهام". (١)
بيّن ذلك ابن حبان في مقدمة كتابه المجروحين- ضمن أجناس من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها- فقال: "الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها، ... ، فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن بفقيه، وحدث من
حفظه، ربما قلب المتن، وغيَّر المعنى، حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلبه إلى شيء ليس منه وهو لا يعلم." (٢)
حكم الحديث المقلوب:
عدّ الإمام مسلم وقوع القلب في الحديث من أخطاء وأوهام الرواة المردودة، وإن كانوا ثقات، وأخرج ابن خزيمة حديثاً قُلب إسناده، وقال: "ولا أحل لأحد أن يروي عني بهذا الخبر إلا على هذه الصيغة؛ فإن هذا إسناد مقلوب" (٣)، وعدّ الخطابي الحديث المقلوب من الضعيف الذي يلي الموضوع، فقال:
стр. 540
"فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول وكتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته" (١)
فالقلب في الحديث مما يُعلّ الحديث ويضعفه، ولم يجز المحدثون رواية المقلوب إلا ببيان علته.
واختلفوا في جواز تعمد القلب بقصد امتحان الرواة:
فرأى العراقي أن في جوازه نظر، فقال: "وقد يُفعل اختبارا لحفظ المحدث، وهذا يفعله أهل الحديث كثيراً، وفي جوازه نظر إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثا، وإنما يقصد اختبار حفظ المحدث بذلك، أو اختباره، هل يقبل التلقين، أم لا؟ " (٢)
ووازن ابن حجر بين مصالح ذلك ومفاسده، ورجّح أن مصلحته أكثر من مفسدته، بشرط ألا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة. (٣)
طرق معرفة الحديث المقلوب:
الأصل في معرفة وقوع القلب في الحديث وكشفه هو جمع طرقه والنظر فيها، ومقابلتها بأحاديث الثقات.
стр. 541
قال ابن حجر "إنما يظهر أمره - أي: المقلوب- بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ، فكل مقلوب لا يخرج عن كونه معللاً أو شاذاً" (١).
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف .
- القلب في اللغة يأتي على معاني منها: لُبُّ الشيء وخالصه، أو تحويل الشيء وصرفه عن وجهه، والمعنى الثاني هو الذي له علاقة بمعنى المقلوب في اصطلاح المحدثين، فكأن الراوي بقلبه للحديث إسناداً أو معنى أخرجه عن وجهه الصحيح. (٢)
- اقتصرت أكثر تعريفات المقلوب على القلب في الإسناد، لأنه الأكثر والأغلب وقوعاً، بينما تقلّ أمثلة المقلوب متناً.
- للمقلوب علاقة بأنواع متعددة من علوم الحديث، ويتداخل معها:
فمن حيث وقوع المخالفة من الراوي: فإذا كان الراوي ثقةً، وخالف بقلب الحديث سنداً أو متناً، فحديثه شاذ، وإذا كان الراوي ضعيفاً، فحديثه منكر.
ومن حيث سبب الوقوع في القلب: إذا كان وهماً وخطأً من الراوي، فحديثه معلول، وإن تعمّد القلب، فحديثه موضوع.
- سمّى ابن الجزري مقلوب المتن: بـ (المنقلب)، وأطلق عليه البلقيني (المعكوس).
стр. 542
وسمّى ابن الجزري مقلوب الإسناد عمداً بقصد الامتحان (مركب)، بينما اختار ابن حجر تسمية المقلوب عمداً بـ (المُبدل).
- تتنوع أقسام المقلوب حسب اعتبارات عدة:
- فينقسم باعتبار موضعه إلى ثلاثة أقسام: مقلوب في الإسناد، او في المتن، أو فيهما معاً.
- وينقسم باعتبار الأسباب الحاملة عليه إلى قسمين رئيسيين: إما عمداً، أو وهماً وخطأً.
ويتفرّع المقلوب عمداً إلى فرعين: إما لغرض الإغراب، أو لغرض الامتحان والاختبار.
- ومن فوائد معرفة الحديث المقلوب (١)
١ ـ أن الحديث يُظن فائدة، وليس كذلك، إذ يُكتشف أنه مقلوب، قال شعبة ﵀: "أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة" (٢).
٢ ـ أن القلب يوهم التفريق بين رجلين لوجود اسمين وهما واحد، يُعرف هذا بمعرفة أن الحاصل من الاسمين إنما هو من باب قلب الأسماء.
٣ ـ أن الحديث الواحد يُعد أحاديث إذا وقع القلب في اسم الصحابي، فيتبين بمعرفة وقوع القلب فيه أنه حديث واحد، وليس حديثين. (٣)
стр. 543
٤ ـ كشف زيف تعدد الطرق لبعض الأحاديث، وعند التحقيق ليس للحديث إلا طريق واحد انقلب على بعض الرواة فظُن طريقان.
٥ ـ أن متن الحديث يُظن حديثاً آخر وهو حديث واحد انقلب على راويه.
٦ ـ أنه يكتشف به حال الراوي من الضبط.
٧ ـ أن الراوي قد يقلب سند الحديث فيُظن أنه صحابي وهو تابعي، يُكشَف ذلك بمعرفة وقوع القلب في السند على الراوي.
وبهذه الفوائد نختم فصل الحديث المقلوب، وننتقل إلى الفصل الأخير من هذا البحث، والذي جعلته خاصاً بشر أنواع الضعيف وهو: الموضوع.
стр. 544
الفصل الثاني عشر: الموضوع
المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
стр. 545
المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:
الموضوع اسم مفعول، من وَضَع الشيء، يضَعه - بالفتح - (وَضْعًا) و (مَوْضِعًا) و (مَوْضُوعًا).
والوَضْعُ: ضد الرّفْع. ورجل وضيع، وهو ضدّ الشريف. ووُضِع فلَان في تجارته فهو موضوع فيها إِذا خسر فيها، ووضع عنه الدَّين: أسقط عنه.
ووَضَعَت المرأَةُ وَضْعًا وَلَدَت.
ووضَع الشَّيء وَضْعا: اختلقه، والأحاديث الموضوعة: المُخْتَلَقَة. (١)
يقال: وضَع فلان على فلان عاراً إذا ألصقه به، والوضْع أيضاً: الحطُّ والإسقاط. (٢)
فيأتي الوضع في اللغة على معانٍ منها:
الحطُّ والإسقاط، والإلصاق والاختلاق.
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني):
ذكر البقاعي - في النكت- أن الموضوع من وَضَع الشيء يضَعه وضعاً: حطّه. إشارة إلى أن رتبته أن يكون دائما مُلقى مطرحا لا يستحق الرفع أصلا (٣)، "فكأنَّ هؤلاء الفسقة وضعوا على رسول الله ﷺ أحاديث وهي ساقطةٌ عنه إذ هي كلامُ غيره" (٤).
стр. 546
"فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وفيه انحطاط في رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وإيجاد ما لم يكن موجودا، وإذا أُطلِق الموضوع ينصرف إلى المُفتَرى" (١).
"ويشبه أن يكون من باب استعمال الأضداد في المعاني المتناقضة؛ إذ ما ينسب إلى النبي ﷺ يسمّى مرفوعاً، تعظيماً لقدره ومراعاة لجهة نسبته إلى المصطفى ﷺ .
أما المكذوب: فسُمِّيَ موضوعاً إشارةً إلى عدم استحقاقه وأخذه بنظر الاعتبار، بل منْزلته أن يبقى غير معبوءٍ به." (٢)
وقد أكّد الإمام مسلم في مقدمة صحيحه على وجوب التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وسرد عدداً من الأحاديث المحذّرة والمتوعدة للكاذب على رسول الله ﷺ ، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)) (٣).
- وأشار الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) - في مقدمة كتابه معالم السنن- إلى أن الموضوع شرّ درجات الضعيف، فقال: "فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول" (٤).
стр. 547
- وذكر الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) - في المدخل إلى الإكليل- أنواع الجرح والمجروحين على عشرة طبقات، وأشدها الوضع في الحديث، فقال: "أول أنواع الجرح وضع الحديث على رسول الله ﷺ ، وقد صحت الرواية عنه ﷺ أنه قال: ((من كذب على متعمدا فليتبؤ مقعده من النار))." (١)
وقال في كتابه المدخل إلى الصحيح: عَلِم ﷺ ما يكون بعده من الكذابين الذين يقصدون وضع الأحاديث عليه فأعلمهم ﷺ أن موعد الكاذب عليه النار ... ، وقد شدد ﷺ في ذلك وبين أن الكاذب عليه في النار تعمد الكذب أو لم يتعمد ... (٢).
- وتابع ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) الحاكم فيما ذكره من طبقات المجروحين، فقال في مقدمته لجامع الأصول: "وطبقات المجروحين كثيرة، وقد أوردنا منها في هذا الفرع عشر طبقات، ذكرها الحاكم - رحمه الله تعالى -.
الطبقة الأولى وهي أعظم أنواع الجرح، وأخبث طبقات المجروحين: الكذب على رسول الله ﷺ ... " (٣).
- وأفرد الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه الجامع لأخلاق الراوي باباً في تحريم رواية الأخبار الكاذبة، ووجوب إسقاط الأحاديث الباطلة، وسرد تحته الأحاديث والآثار المحذِّرة من الكذب على رسول الله ﷺ ، فقال: "يجب على المحدث أن لا يروي شيئا من
стр. 548
الأخبار المصنوعة والأحاديث الباطلة الموضوعة فمن فعل ذلك باء بالإثم المبين ودخل في جملة الكذابين كما أخبر الرسول ﷺ ... " (١).
- أما ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، فقد عرّف الموضوع بقوله: "الموضوعات المقطوع بأنها محال وكذب، فتارة تكون موضوعة في نفسها وتارة توضع على الرسول ﷺ وهى كلام غيره" (٢).
- بينما عرّف ابن دحية (ت ٦٣٣ هـ)، الموضوع بقوله:
"هو ما وُضع على رسول الله ﷺ أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه، يقال: وضَع فلانْ على فلانِ عاراً إذا ألصقه به.
والوضْع أيضاً الحطُّ والإسقاط فكأنَّ هؤلاء الفسقة وضعوا على رسول الله ﷺ أحاديث وهي ساقطةٌ عنه إذ هي كلامُ غيره" (٣)
هذا فيما يخص من سبق ابن الصلاح.
- أما ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ): ، فقد عرّف الموضوع فقال: "معرفة الموضوع وهو: المختلق المصنوع." (٤)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
стр. 549
أغلب من جاء بعد ابن الصلاح تابعه على تعريفه، كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (٢) وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في المقنع (٣)، إلا أنه زاد في التذكرة ألقاباً له،
فقال: "وقد يلقب بالمردود، المتروك، والباطل، والمُفْسَد." (٤) بينما اقتصر ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٥)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٦)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في الخلاصة (٧) على شق (المُختَلق).
- وزاد العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة: "وهو المكذوب" (٨)، وتابعه ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في (التنقيح) (٩)، والسخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في الغاية (١٠)، والسيوطي (ت ٩١١ هـ) في تدريب الراوي (١١).
- وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في النكت: "الوضع إثبات الكذب والاختلاق" (١٢).
- بينما عرّفه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) بقوله:
стр. 550
"ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا" (١).
وزاد مرتبة بين الضعيف والموضوع، وهو المطروح، فقال: "المطروح: ما انحط عن رتبة الضعيف." (٢)
والفرق بين ثلاثتهم عنده، أن الضعيف رواته ليسوا بالمتروكين، بينما المطروح رواته متروكون، والموضوع رواته كذابون.
تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ):
أما ابن حجر، فقد أيّد ابن الصلاح في تعريفه الموضوع بأنه المختلق المصنوع، فقال في النكت: "هذا تفسير بحسب الاصطلاح" (٣)، ووافق الذهبي في شقٍ من تعريفه، فقال في نزهة النظر: "الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي- هو الموضوع." (٤)
وفسّر المراد بكذب الراوي في الحديث النبوي بقوله: "بأن يروي عنه ﷺ ما لم يقله، متعمداً لذلك." (٥)
стр. 551
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
غالب من سبق ابن الصلاح ذكروا الموضوع في مَعرِض التحذير منه، وتمييز الصحيح من السقيم، وأشار الخطابي إلى أن الموضوع شرّ درجات الضعيف، وتبعه ابن الصلاح في ذلك، وتعقّبه بعض من جاء بعده فقال الزركشي: "هذه العبارة سبقه إليها الخطابي، وقد استنكرت منه، فإن الموضوع لا يعد في الأحاديث للقطع بكونه غير حديث، وأفعل التفضيل إنما يضاف لبعضه. وهذا الإشكال يرد أيضا على إفراد المصنف له بنوع، فإنه إذا لم يكن حديثا فكيف يعد من أنواع الحديث ... " (١).
ثم أجاب عن ذلك بقوله: "ويمكن أن يقال: إنهم أرادوا بالحديث القدر المشترك، وهو ما يُحَدِّثُ به" (٢)، أو إطلاق الحديث عليه بالنسبة إلى زعم واضعه، وإلى ظاهر الأمر قبل البحث، والنظر، وإلا فليس هو في التحقيق حديثا. (٣)
أو "لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته؛ لِيُنفَى عن المقبول ونحوه". (٤)
ومما تُعقِّب به ابن الصلاح ما ذكره في نوع الضعيف من أن شرّ أنواعه ما عُدم فيه جميع صفات الصحيح والحسن، فقال: "ما عدم فيه جميع الصفات هو القسم الآخِرُ الأرذل" (٥)، ثم عاد في نوع الموضوع، وقال: "اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث
стр. 552
الضعيفة" (١)، وصوّب العراقي ما ذكره آخراً، فقال: "وهذا هو الصواب (٢)، كما ذكره ابن الصلاح هنا. وأما قوله في قسم الضعيف: إن ما عدم فيه جميع صفات الحديث الصحيح والحسن، هو القسم الآخِرُ الأرذل؛ فهو محمول على أنه أراد ما لم يكن موضوعا ... " (٣).
وأجيب بأنه لا تنافي بين القولين، لأن القسم الأرذل من الضعيف يدخل تحته نوعان: الضعيف مطلقاً، والموضوع. (٤)
قيود الموضوع عند ابن الصلاح:
عرّف ابن الصلاح الموضوع بكونه المختلق المصنوع، "أي: إن واضعه اختلقه وصنعه" (٥)، وعليه فإن من أبرز قيود الموضوع عند ابن الصلاح، قيد الاختلاق والصُنْع .
قيد: الاختلاق والصُنْع:
معنى الاختلاق في اللغة: يقال: خَلَقَ الكلمة، واختلقها، وخَرَقَهَا واخْتَرَقَها: إِذا ابْتَدَعَها كذباً، واختلقه بمعنى: ابتدعه، وافتراه. (٦)
стр. 553
والصُنْع: مصدر من "صَنَع الشيء صَنْعاً وصُنْعاً، بالفتح والضمِّ، أي عَمِله، فهو مَصْنوع" (١).
والمصنوع من الشِّعر وغيره: المفتعل. (٢)
وكلا اللفظين (المختلق المصنوع) يتضمنان معنى الابتداع والافتراء والتلفيق.
قال السخاوي في تعريف الموضوع: "واصطلاحاً: (الكذب) على رسول الله ﷺ (المُختلَق) بفتح اللام، الذي لا ينسب إليه بوجه، (المصنوع) من واضعه، وجيء في
تعريفه بهذه الألفاظ الثلاثة المتقاربة للتأكيد في التنفير منه". (٣)
وقد أوضح ابن الصلاح أنواعاً من الوضع والاختلاق في الحديث، فقال: "ثم إن الواضع ربما صنع كلاماً من عند نفسه فرواه، وربما أخذ كلاماً لبعض الحكماء (٤) أو غيرهم،
стр. 554
فوضعه على رسول الله ﷺ " (١)، وقد سبقه ابن الجوزي بذكر هذين النوعين بقوله: "فتارة تكون موضوعة في نفسها، وتارة توضع على الرسول ﷺ وهى كلام غيره" (٢).
وكلا النوعين يتضمّنان معنى الاختلاق والافتراء، إلا أن التقييد بالاختلاق قد يقصر الوضع على ما وقع عمداً (٣)، دون ما وقع سهواً من الراوي وخطأً، ولعل ذلك ما دعا ابن الصلاح إلى ذكر نوع ثالث من أنواع الموضوع أطلق عليه (شبه الوضع) (٤)، فقال: "وربما غلط غالط، فوقع في شبه الوضع من غير تعمد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) " (٥)، وقد سبق ذكر هذا المثال في فصل الحديث المدرج، إذ عدّه العراقي وتبعه ابن حجر من أقسام المدرج. (٦)
وهو من الأمثلة المتداخلة بين نوعي الإدراج والوضع، حيث صدّر العراقي هذا المثال بقوله: "ومن أقسام الموضوع: ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه بعض الرواة." (٧) ثم أردفه بذكر أقوال نقّاد الحديث فيه، والتي تراوحت بين الوصف بالإدراج، والوضع والبطلان، فقال: "وقول المصنف - يقصد ابن الصلاح- في هذا الحديث أنه شبه الوضع
стр. 555
حسن؛ إذ لم يضعه ثابت بن موسى، وإن كان ابن معين قد قال فيه أنه كذاب. نعم بقية الطريق التي سرقها من سرقها موضوعة؛ ولذلك جزم أبو حاتم الرازي بأنه موضوع فيما حكاه ابنه أبو محمد في العلل، (١) والله أعلم." (٢)
فعند ابن الصلاح الموضوع ما تعمّد راويه الكذب على رسول الله ﷺ ، وشبه الموضوع ما لم يقصد راويه وضعه، وإنما وقع منه ذلك وهماً وخطأً، ولعل تعريف ابن دحية يشملهما، حيث قال: "هو ما وُضع على رسول الله ﷺ أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه" (٣)، والإلصاق: يشمل ما وضع عمداً، أو خطأً.
وتعريف الوضع بالإلصاق أليق كما ذكر ابن حجر في نكته على ابن الصلاح. (٤)
ونجده أيضاً زاد نوعاً من أنواع الموضوع في النزهة، فقال: "أو يأخذ - أي الواضع- حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا لِيَرُوْجَ" (٥).
"فهذا الحديث موضوع [الإسناد] لا المتن." (٦)، وسمّاه السخاوي بالوضع السندي. (٧)
وبالنظر إلى تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح، نجد أنها اتفقت على كون الموضوع من المختلق المصنوع، فمعظمها صرّح بلفظ الاختلاق في نص التعريف، بينما لم يصرح
стр. 556
الذهبي بذلك، ولكن جاء الوصف بالاختلاق في معرض كلامه عن طرق معرفة الحديث الموضوع، فقال: "فيحكمون بأن هذا مختلق، ما قاله رسول الله ﷺ " (١).
وقد "سلك أئمة الحديث وأعلام السنة لمعرفة الحديث الموضوع طريقتين:
إحداهما نظرية، حيث وضعوا القواعد الدالة على وضع الحديث وأقاموا الأمارات الصادقة على ذلك بما لا يدع مجالا للشك.
ثانيهما: عملية، وذلك ببيانهم لأشخاص الوضاعين وتعريف الناس بهم، وبيان الموضوعات التي وضعوها والأكاذيب التي اختلقوها، وصنفوا تآليف كثيرة لبيان الأحاديث الموضوعة وبذلوا في ذلك غاية جهودهم، وهي الكتب المعروفة اليوم بكتب الموضوعات (٢)." (٣)
طرق معرفة الموضوع:
قال ابن الصلاح: "وإنما يعرف كون الحديث موضوعاً بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها." (٤)
ويمكن تقسيم العلامات التي وضعها علماء الحديث للكشف عن الحديث الموضوع إلى قسمين، قسم يختص بالراوي أي: بالسند، وآخر يتعلق بالمروي، أي: بالمتن.
стр. 557
أولاً: ما يتعلق بالسند:
١ - إقرار واضع الحديث بوضعه. (١)
ومثاله: كحديث نوح بن أبي مريم (٢) في فضائل القرآن (٣).
وحديث أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف راويه بالوضع. (٤)
стр. 558
٢ - ما يتنزّل منزلة الإقرار بالوضع، أو بمعنى إقراره (١):
قال ابن حجر في النكت (٢): "والأَولى أن يُمثِّل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبدالله الجويباري (٣) في سماع الحسن من أبي هريرة ﵁، فروى لهم حديثا بسنده إلى النبي ﷺ قال: ((سمع الحسن من أبي هريرة ﵁)) (٤).
стр. 559
٣ - قرينة حال الراوي: كمن يروي عمن لم يدركه (١)، بأن يُحدِّث بحديث عن شيخ، ويُسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يُعلَم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يُعرف ذلك الحديث إلا عنده (٢).
ثانياً: ما يتعلق بالمروي، أي: بالمتن:
- وتتمثل في: قرينة حال المروي (٣): مثل الأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، ومعانيها، أو تخالف العقل ولا تقبل تأويلا بحال (٤)، "فإن معرفة الوضع من قرينة حال المروي أكبر من قرينة حال الراوي" (٥)
ولعل هذا ما دعا الذهبي لتعريف الموضوع بأنه: "ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا" (٦)، فهذه إشارة منه إلى ما تمثله القرائن الخاصة بالمروي في الحكم بالوضع.
ونجد ابن حجر كذلك بعد أن عرّف الموضوع بأنه: "الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي" أردفه بقوله: "والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع؛ إذ
стр. 560
قد يصدق الكذوب، لكن، لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاماً، وذهنه ثاقباً، وفهمه قوياً، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة." (١)
ومن القرائن في المروي، ركاكة ألفاظه ومعانيه، والمراد بالرِّكّة أي: "الضعف عن قوة فصاحته ﷺ في اللفظ والمعنى معاً، مثل ما يُروى في وفاة النبي ﷺ . (٢)
وكذا في أحدهما، لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرَّح بأنه لفظ الشَّارع، ولم يحصل التصرُّف بالمعنى في نقله؛ لا سيما إن كان لا وجه له في الإعراب." (٣)
قال ابن دقيق العيد: "وأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بذلك باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث.
وحاصلُه يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول ﷺ هبة (٤) نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي ﷺ ، وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه. كما سئل بعضهم: كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ فقال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب". (٥)
وسُئِل ابن القيم: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظَر في سنده؟
فقال: "هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يَعلمُ ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن
والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه
стр. 561
ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه." (١)
ثم ذكر ﵀ أموراً كلّية يُعرف بها كون الحديث موضوعاً، منها (٢):
١ - اشتماله على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله ﷺ .
٢ - تكذيب الحس له.
٣ - سماجة الحديث، وكونه مما يُسخر منه.
٤ - مناقضته لما جاءت به السنة مناقضة بيِّنة.
٥ - ركاكة ألفاظه، وكونه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلا عن كلام رسول الله ﷺ الذي هو وحي يُوحى.
أسباب الوضع في الحديث: (٣)
تعددت الأسباب التي أدّت إلى الوضع في الحديث بحسب غرض أصحابها، ومرادهم من ذلك، ومن تلك الأسباب:
١ - الجهل بالدين مع الرغبة في الخير واحتساب الأجر:
فمن أكثر أصناف الوضّاع ضرراً: طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، وتعلقوا بشبه باطلة (٤)، وهو صنيع كثير من الزهّاد
والعُبّاد ممن يتدينون بذلك؛ لترغيب الناس في أفعال الخير بزعمهم، وضررهم عظيم؛
стр. 562
لأنهم يحتسبون بذلك، ويرونه قربة، والناس يثقون بهم، ويركنون إليهم لما نسبوا له من الزهد، والصلاح، فينقلونها عنهم.
قال ابن الصلاح:
"وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتساباً فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم." (١)
"ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكروهم بقوله ﷺ : ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) قالوا: نحن نكذب له ﷺ لا عليه، وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل. حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق." (٢)
٢ - الزندقة والإلحاد في الدين:
والزنادقة: هم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو الذين لا يتدينون بدين. (٣)
فضربٌ من الزنادقة يضعون الأحاديث، وذلك؛ استخفافاً بالدين، واضلالاً للناس. (٤)
٣ - نصرة المذاهب والأهواء: (سواء كان مذهباً سياسياً أو عقدياً، أو فقهياً)
стр. 563
"فقد نزع الجهال والفسقة من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية إلى تأييد مذهبهم بأحاديث مكذوبة." (١)، وضربٌ منهم يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم، فيضعون الأحاديث في ذلك. (٢)
"ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم." (٣)
٤ - تحقيق أغراض ومصالح دنيوية:
حيث ذكر ابن حجر من أصناف الوضاعين: "أصحاب الأغراض الدنيوية: كالقصاص، والسؤّال في الطرقات، وأصحاب الأمراء ... " (٤)، وهؤلاء "أمرهم أظهر؛ لأنهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث." (٥)
стр. 564
فمنهم قوم من السؤّال يقفون في الأسواق والمساجد والمحافل فيضعون الأحاديث على رسول الله ﷺ بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد. (١)
وضرب يتقربون لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وأهوائهم. (٢)
ومنهم من يضع الحديث لمصلحة شخصية أو قصد الانتقام من شخص أو فئة مُعيّنة. (٣)
وضرب يتكسبون بوضع الحديث، ويرتزقون به في قصصهم، وهم قوم شقّ عليهم الحفظ
أو رأوا أن الحفظ معروف، فأتوا بما يغرب رغبة في استمالة السامعين، وصرف وجوه الناس إليه. (٤)
٥ - حب الظهور
ذكر ابن حجر من أصناف الوضّاع: "من حمله الشره ومحبة الظهور على الوضع ممن رق دينه من المحدثين فيجعل بعضهم للحديث الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا كمن يدعي سماع من لم يسمع. وهذا داخل في قسم المقلوب." (٥)
стр. 565
٦ - الغفلة والتلقين:
وهم صنف من المحدثين: "امتحنوا بأولاد لهم أو ورّاقين (١)، فوضعوا لهم أحاديث ودسوها عليهم، فحدثوا بها من غير أن يشعروا". (٢)
٧ - الخطأ والوهم:
وقد يقع الوضع في الحديث خطأً أو وهماً، كمن يغلط فيضيف إلى النبي ﷺ كلام بعض الصحابة ﵃ أو غيرهم، من غير تعمّد لذلك. (٣)
قال ابن حجر: "وأخفى الأصناف القسم الأخير الذين لم يتعمدوا مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد - والله الموفق -" (٤).
حكم الموضوع، وروايته: (٥)
قال ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقروناً ببيان وضعه." (٦)