← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14218

الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام

القرافي

Полный текст (296 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 107

وأما آثارُ هذه الحقائق في الشريعة فمُخْتلفة: فما فَعَله ﵇ بطريق الإِمامةِ كقسمةِ الغنائم، وتفريقِ أموال بيت المال على المصالح، وإقامةِ الحدود، وترتيبِ الجيوش، وقتالِ البُغَاة، وتوزيع الإِقطاعات في القُرى والمعادن، ونحو ذلك: فلا يجوز لأحدٍ الإِقدامُ عليه إلَّا باذنِ إِمامِ الوقت الحاضر (١)، لأنه ﷺ إِنما فَعَله بطريقِ الإمامة، وما استُبِيحَ إِلَّا بإذنه، فكان ذلك شرعاً مقرراً لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢). وما فَعَله ﵊ بطريق الحكم كالتمليكِ بالشفعة، وفسوخِ الأنكحةِ والعقود، والتطليقِ بالإِعسار عند تعذُرِ الإِنفاقِ والإِيلاء والفَيئة (٣). ونحو ذلك: فلا يجوز لأحدِ أنْ يقدِم عليه إِلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر (٤)، اقتداءَ به ﷺ ، لأنه ﵇ لم تقرر تلك الأمور إلا بالحكم، فتكون أمَّتُه بعدَهُ ﷺ كذلك. وأما تصرُّفُهُ ﵊ بالفُتيا والرسالةِ والتبليغِ، فذلك شَرْعٌ يَتقرّرُ على الخلائق إلى يوم الدين، يَلزمُنا أن نَتْبَع كلَّ حُكمِ مما بلَّغه إِلينا عن ربِّه بسببه، من غير اعتبار حُكمِ حاكمٍ ولا إِذن إِمام، لأنه ﷺ مبلِّغٌ لنا ارتباطَ ذلك الحكمِ بذلك السبب، وخَلَّى بين الخلائق وبين ربِّهِم.

стр. 108

ولم يكن مُنشِئاً لحُكمٍ مِنْ قِبَلِه ولا مُرتَّباً له برأيه على حسب ما اقتضته المصلحة، بل لم يَفعل إِلَّا مجرَّدَ التبليغ عن ربَّه كالصلواتِ والزكواتِ وأنواعِ العبادات وتحصيلِ الأملاك بالعقودِ من البِياعاتِ والهِباتِ وغيرِ ذلك من أنواع التصرُّفات: لكلّ أحَدٍ أن يُباشره ويُحصل سبَبَهُ، ويَترتَبُ له حُكمُه من غير احتياجٍ إِلى حاكم يُنشئُ حكماً، أو إِمامٍ يُجدّدُ إِذناً. فإِذا تقررَ الفرقُ بين آثار تصرفه ﷺ بالإِمامةِ والقضاءِ والفُتيا: فاعلم أنَّ تصرُّفَه ﵊ ينقسمُ إِلى أربعة أقسام: قسمٌ اتفق العلماء على أنه تصرُّفٌ بالِإمامة، كالإِقطاع، وإِقامةِ الحدود، وإِرسالِ الجيوش، ونحوِها. وقسمٌ اتفق العلماء على أنه تصرف بالقضاء، كإِلزام أداء الديون، وتسليمِ السِّلَع، ونقدِ الأثمان، وفسخِ الأنكحة، ونحوِ ذلك. وقسمٌ اتفق العلماء على أنه تصرفٌ بالفتيا، كإِبلاع الصلواتِ، وإِقامتِها، وإقامةِ المناسك، ونحوِها. وقسمٌ وقع منه ﷺ مُتردِّداً بين هذه الأقسام، اختَلَف العلماءُ فيه على أيها يُحمَلُ؟ وفيه مسائل: المسألة الأولى قولُهُ ﷺ : "مَنْ أحيا أرضاً مَيِّتةً فهي له" (١)

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 110

قال أبو حنيفة: هذا منه ﷺ تصرُّفٌ بالإِمامة، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يُحييَ أرضاً إِلا بإذنِ الإمام، لأن فيه تمليكاً، فأشبَهَ الِإقطاعات، والِإقطاعُ يَتوقَّفُ على إِذن الإِمام، فكذلك الإِحياء. وقال مالك والشافعي: هذا مِن تصرُّفِهِ ﷺ بالفُتيا، لأنه الغالبُ من تصرُّفاته ﷺ فإِنَّ عامَّة تصرفاته التبليغُ، فيُحمَلُ عليه، تغليباً للغالبِ الذي هو وضْعُ الرسل ﵈. فعلى هذا: لا يَتوقَفُ الِإحياءُ على إِذن الإِمام، لأنها فُتيا بالِإباحة كالاحتطاب والإحتشاش، بجامعِ تحصيلِ الأملاك بالأسباب الفعلية. وأمَّا قولُ مالك: ما قَرُبَ من العُمْران لا بُدُّ فيه من إِذن الإِمام، فليس لأنه تصرُّف بطريق الِإمامة، بل لِقاعدةٍ أخرى، وهي أنَ إِحياءَ ما قَرُبَ يَحتاجُ إِلى النظر في تحريرِ حَرِيم البَلَد، فهو كتحرير الإعسار في فَسْخ النكاح، وكلُّ ما يَحتاجُ لنظرٍ وتحريرٍ فلا بُدَّ فيه من الحُكَّام.

стр. 111

المسألة الثانية قولُهُ ﵇ لهندِ بنتِ عُتْبَة لمَّا شكَتْ إِليه أنَ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، لا يُعطيها ووَلَدَها ما يَكفيها، قال لها ﵇: "خُذي ما يكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف" (١). قال جماعة من العلماء: هذا تصرُّفٌ منه ﷺ بالفُتيا، لأنه غالبُ أحواله ﵊. فعلى هذا: مَنْ ظَفِرَ بجنسِ حَقِّهِ، أو بغير جنسه مع تعذُّر أخذِ الحق ممن هو عليه، جازَ له أخذُه حتى يَستوفي حقَّه. ومشهورُ مذهب مالك - وقالَهُ جماعة من العلماء - أنه لا يأخُذُ جِنْسَ حَقِّهِ إذا ظَفِرَ به وإِن تعذَّرَ عليه أخْذُ حقَّهِ ممن هو عليه (٢).

стр. 112

واختُلِفَ في المُدْرَكِ للمَنعْ: هل هو كونه ﷺ تَصرَّفَ في قضيةِ هندٍ بالقضاءِ فلا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يأخذ شيئأ من ذلك إلا بحُكم حاكم؟ وهذه الطائفةُ من العلماء جَعَلَتْ هذه القضيةَ أصلاً في القضاء على الغائب. ومنهم مَنْ جَعَلَها أصلاً في القضاء بالعِلْم، لأنها لم تُقِم بيِّنةً على دعواها، حكاه الخطَّابيُّ وغيرُه (١). وقيل: القضيَّهُ ليس فيها إلا الفُتيا، لأنَ أبا سفيان كان حاضراً في البلد، والقضاءُ لا يتأتَّى على حاضرٍ في البلدِ قبلَ إعلامه، بل هذا تصرُّفٌ

стр. 113

بالفُتيا (١) وعارَضَ حديثَ قضيَّةِ هند قولُه ﷺ : "أدِّ الأمانةَ إِلى مَن ائتَمنك، ولا تَخُنْ من خانك" (٢). فاتفق الفريقان على الحُكم، واختلفا في المُدْرَك.

стр. 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 115

المسألة الثالثة قولُهُ ﵊: "مَنْ قتَلَ قتيلاً فله سَلَبُه" (١)

стр. 116

قال مالك: هذا تصرُّف من النبي ﷺ بالإِمامة، فلا يجوزُ لأحَدٍ أن يَختصَّ بسَلَب إلَّا بإِذن الإِمام في ذلك قَبْلَ الحرب، كما اتَّفق ذلك من رسول الله ﷺ (١). وقال الشافعي: هذا تصرُّفٌ من رسول الله ﷺ على سبيل الفُتيا، فيَستحق القاتلُ السَّلَبَ بغير إذن الإمام، لأنَّ هذا من الأحكام التي تَتْبَعُ

стр. 117

أسبابَها كسائر الفتاوى. واحتَجَّ على ذلك بالقاعدةِ المتقدمة (١)، وهي أنَّ الغالب على تصرُّفه ﷺ الفُتيا، لأنَّ شأنَهُ الرسالةُ والتبليغ. وأمَّا مالكٌ: فخالَفَ أصلَهُ في القاعدة، وجعَلَهُ من باب التصرُّف بالإِمامة، بخلاف المسألتين المتقدمتين، وسببُه أمورٌ: أحدُها: قولُهُ تعالى: ﴿واعلَمُوا أنَّما غَنِمتُمِ من شيءٍ فأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢). فالآية تقتضي أنَّ السَّلَبَ فيه الخُمُسُ لله ، وبقيتُهُ للغانمين. والآيةُ متواترة، والحديثُ آحاد، والمتواترُ مقدَّم على الآحاد (٣). وثانيها: أنَّ إِباحةَ هذا تُفضِي إِلى فسادِ النيَّات، وأن يَحمِلَ الِإنسانُ بنفسه على قِرْنهِ من الكُفِّارِ لما يَرى عليه من السَّلَب، فربما قَتَله الكافرُ وهو غيرُ مُخْلِصٍ في قتاله، فيَدخُلُ النار! فتذهَبُ النفسُ والدِّين! وهذه مَزَلَّة عظيمة تقتضِي أن يُترَك لأجلها الحديث (٤)، لأنَّ الآحَادَ قد تُترَكُ للقواعد، لا سيَّما والحديثُ لم يُتْرَك، وإِنما حَمَلناه على حالةٍ وهو أن يُجعَل من باب

стр. 118

التصرُّف بالإِمامة، فإِذا قاله الإِمام صَحّ. وثالثها: الاستدلالُ على صَرْفِه للتصرُّف باللإمامة. وذلك أنَّ هذا القول منه ﷺ يَتبادَرُ للذهن منه أنه إِنما قاله ﷺ لأنَّ تللق الحالةَ كانَتْ تقتضي ذلك ترغيباً في القتال. فلذلك نقول: متى رأى الإِمامُ ذلك مصلحةَ قاله، ومتى لا تكون المصلحةُ تقتضي ذلك لا يقولُه. ولا نَعني بكونه تصرُّفاَ بالإِمامة إلا هذا القدْر. فهذه الوجوهُ هي المُوجِبَةُ لمخالفةِ مالكِ أصلَهُ وفي حَمْل (١) تصرُّفِ رسولِ الله ﷺ على الفُتيا حتى يَثْبُت غيرُها، لأنها الغالب. ونظائرُ هذه المسألة كثيرٌ في الشريعة، فتَفَقدْه تجده وتجد فيه عِلماً كثيراً ومُدْرَكاً حسناً للمجتهدين. تنبيه لا يتَوهم الفقيهُ أنَّ مِن هذه المسائلِ المختَلَفِ فيها: ما وقع بين عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق ﵄ في سبايا بني حَنِيفة، فإِنَّ الصديق ﵁ أباحَهُنَ سَبْياً، ثم لمَّا وَلِيَ عمرُ بن الخطاب ﵁ أمَرَ برَدِّهن لأهلهنّ، ولو كان الصديقُ ﵁ حَكَم باسترقاقِ بني حنيفة صاروا مِلكاً للمسلمين، فلا يجوزُ لعمر ﵁ إِتلافُهُ عليهم. بل كان ذلك من الصديق ﵁ على سبيل الفتوى، لا جَرَم جاز لعمر ﵁ مخالفتُه، لأنها مسألةُ اجتهادِ لم يَحْصُل فيها

стр. 119

إِجماع، ولم يتَّصِل بها حُكم، فاعلم ذلك فإِنَّ كثيراً من الفقهاء يَستشكلُ إطلاقَ عمر ﵁ لبني حنيفة مع أنَ الصديق استرقهم. ولولا تقريرُ هذه القواعد لعَسُرَ في ظاهرِ الحال فَهْمُ ذلك، فإِنَّ المتبادِرَ إلى الفَهْم أنه مما حَكَمَ به الصديق ﵁.

стр. 120

السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونْ إذا قلتم: إنَّ حُكم الحاكم لا يُنقَض، فهل معناه أنَّ الحاكم لا يَنْقُضُه وللمفتي أنَّ يُفتي بما يخالفه كما كان قَبْل الحكم، أو تَبْطُلُ الفُتيا بمخالفته وتصيرُ مسألةَ اتفاقٍ بعد الحكم؟ فإن قلتم: تَبْطُل الفُتْيا أيضاً مع الحكم، فيُشكِلُ ذلك بما قاله صاحبُ "الجواهر" (١) في قوله في كتاب الأقضية في نقض الأحكام فيما يُنقَضُ منها، قال: "الفَرْعُ الرابعُ أنَّ القضاء وإن لم يُنْقَض فلا يَتغيَّرُ به الحكمُ الباطن، بل هو على المكلَّف على ما كان قبلَ قضاءِ القاضي، وإِنما القضاءُ إِظهارٌ لحُكم الشرع لا اختراعٌ له، فلا يَحِل للمالكي شُفعةُ الجار إِذا قَضَى له بها الحنفي، ولا يَحِلُّ لمن أقام شهودَ زُور على نكاح امرأة فحكمَ له القاضي - لإعتقادِه عدالتَهم - بنكاحِها وإِباحةِ وطئها: أن يطأها، ولا أن يَبْقَى على نكاحها".

стр. 121

هذا نصُه في "الجواهر". ومع هذا النص كيف يقولون: إِن الفُتيا تَبْطُل بحكم الحاكم؟ وهو يقول: الحكُم في الباطن على المكلَّف على ما كان عبيه، وإِنَّ المالكيَّ إِذا حَكَم له الحنفيُّ بشفعة الجار لا يجوزُ له أخذُها، فلو كانت الفُتيا تَبْطُلُ بالحكم وتصيرُ المسألةُ إِجماعيةً لجاز للمالكي أخْذُ شفعةِ الجار، ولا سبيلَ حينئذٍ إِلى القول بتغيير الفتاوى لقضاء الحكام بخلافها؟ جَوَابُهُ اعلم أنَّ جماعةً من أعيان المالكية اعتقدوا بسبب هذا الفرع، أنَّ حكم الحاكم في مسائل الخلاف لا يُغَيرُ الفتاوى، فإِذا حَكَم فيها بالحِلِّ مثلاً بقي المُفتِي بالتحريم يُفتي به بعد ذلك. فالقائلُ: إِنَّ وَقْفَ المُشاع لا يجوز، أو إِنَّ الوقفَ لا يجوز، إِذا حكم حاكمٌ بالجوازِ والنفوذِ واللزومِ بَقي للآخرَ أن يُفتي بجواز بيعِ ذلك الموقوف، والممتنعُ النقضُ دون الفُتيا. وكذلك إِذا قال: إِن تزوَّجتُكِ فأنتِ طالق، فتزوجَها وحكمَ حاكمٌ بصحةِ العقد وبقاءِ النكاح وعدَمِ لزوم الطلاق: إِنَّ لِمخالِفه أن يُفتي بعد ذلك أنها حرام عليه. وهذا أعتقدُه خلافَ الإِجماع، ولم أجد هذا النقلَ الذي في "الجواهر" لغيره، مع أني بذلتُ جهدي في تتبُّعِ المصنَّفات. والظاهرُ أنَّ عبارته ﵁ وقَعَ فيها توسُّعٌ، ومقصودُهُ إحدى مسألتين في المذهب: إِحداهما: أنَّ الحكم إِذا لم يصادف سبَبه الشرعي فإِنه لا يُغَيِّرُ الفُتيا، كالحكمِ بالطلاقِ على من لم يُطلِّق، إِمَّا لخطأ البيِّنة وإِما لتعمُّدها الزُّور. وقد ذكَرَها في "الجواهر" في عين الفرع كما تَقدَّم الآن نقلُه، أو بالقِصاصِ أو غيرِه مع انتفاء سببه، فإِنَّ الفتاوى عندنا على ما كانت عليه قبلَ الحكم خلافاً لأبي حنيفة.

стр. 122

والمسألة الثانية: ما هو على خلافِ القواعد أو النصوص، كما قال ابنُ يونس (١): قال عبدُ الملك (٢): معنى قولِ مالكِ: "لا يُنقَضُ قضاءُ القاضي": إِذا لم يُخالِف السُّنَّة، أما إِذا خالَفَها نُقِضَ: كاستسعاءِ العبد بعِتْقِ بعضه، فيقضِي باستسعائه فيُنْقَضُ ويُرَدُّ له ما أدَّى، ويَبقى العبدُ مُعتَقاً بعضُه. وكالشُّفْعَةِ للجار أو بعدَ القسمة، أو الحكمِ بشهادةِ النصراني، أو ميراثِ العمَّة أو الخالة أو المَوْلى الأسفَل، وكل ما هو على خلاف عمل أهل المدينة ولم يقل به إِلَّا الشذوذُ من العلماء، أو طلَّقها البتة فرآها الحاكمُ واحدةً وتزوَّجها الذي أبتَّها فلغيره التفريق.

стр. 123

فهذه نحوُ عَشْر مسائل نقَلها ابنُ يونس، وإِنَّ الفتاوى تتقى فيها، ويُنقَضُ الحكمُ (١). فيَبقى قولُ صاحبِ "الجواهر": "إِنا إِذا قلنا: لا يُنْقَض الحكمُ لا يأخذ المالكيُّ شُفعة الجار". مع أنَّ ابن يونس ما نقَلَها إِلَّا في أنَّ الحكم يُنقَض، فبَيْنَ النقلينِ تنافٍ كما ترى. فإِن كان مرادُ صاحب "الجواهر" هاتين المسألتين فهو صحيح، غير أن عبارتَه وتفريعَه على عدمِ نقضِ الحكم يأبى ذلك، مع أنه لم يُمثّل إلَّا بشُفعةِ الجار ومَنْ طُلِّقَ عليه بشهادة الزُّور. وكونُهُ لم يُمثل إِلَّا بالمسألتين يُشعِرُ بأنه لم يُرد إِلَّا إِياهما، وتفريعُهُ على عدم النقض في الحكم يأبى ذلك. فهذا اضطراب لم يوجد لغيره، مع أنَّ نُقولَ المذهب تأباه، وذلك في مسائل: إِحداها: أنَّ الساعي إِذا أخَذَ شاة من أربعين شاة لأربعين مالكاَ، مقلِّداً لمذهبِ الشافعي، قال الأصحاب بتوزيع الشاة على الأربعين مالكاً، وأفتَوْا قبل أخْذِ الساعي لها أنَها - إِنْ أخَذَها غيرَ متأوِّلٍ ولا حاكمٍ - مَظْلَمة (٢)، ولا تُوزَّع، وتَختصُّ بمن أُخِذَتْ منه. فقد تغثرتْ فُتياهم باعتبارِ مقتضى مذهبهم، وباعتبارِ طرَيَانِ الحكم (٣)، فدَلَّ ذلك على أنَّ حُكم الحاكم يرفعُ الفتاوى، وتصيرِ المسألةُ كالمجمَعِ عليها بسبب اتصالِ حكمِ الحاكم بها. وثانيها: في "المدوَّنة": إذا كان لأحدِهما أحَدَ عَشَر، وللآخَرِ مئةٌ

стр. 124

وعشرة، قال صاحبُ "الطِّرَاز" (١) وغيرُه: لا شيء على صاحبِ الأحَدَ عَشَر إِلَّا أن يأخذها الساعي حاكماً بمذهب من يقلدُه في ذلك فتتوزَّع على الجميع (٢). وثالثُها: قال سَنَدٌ (٣) - في صلاة الجمعة -: إِذا نَصَب السُّلطانُ فيها إِماماً مِن قِبَلِه لا تَصحُّ إِلَّا من نائبِ السلطان، لأنَّ افتقارَ إِقامة الجمعة إِلى إِذن السلطان مسألَةُ خلاف، فإِذا اتَصَل بها حكمُ حاكم لم تَصح إِلَّا بنائبِ السلطان. وهذه كلُّها فتاوى تغئرتْ بسبب حكم الحاكم.

стр. 125

ورابعها: قالوا في تخالُفِ المتبايعَيْنِ (١): هل يقتضي الفسخَ أو حتى يَحكمَ به الحاكم؟ قالوا (٢): ويُبْنَى على الخلاف هل لأحدهما أن يُمضي العقد بما قال الآخَرُ قَبْلَ الحكم أم لا؟ فقد تغيَّرت الفُتيا بجواز إِمضاء العقد بما قال الآخر بسبب الحكم. وخامسها: في "المدوَّنة ": أنَّ المُعتِق إِذا كان مُعسِراً ثم طرأ اليسارُ بعدَه قُوِّمَ عليه، إِلَّا أن يَتقدَّم حُكمٌ بسقوط التقويم عليه، فلا يَلزمه تقويم. فقد أَفتى مالك في الكتاب بالتقويم، ثم أَفتى بعدمه لتقدُّمِ الحكم، فقد غيَّرَ الحُكمُ الفتيا. وسادسها: قال مالك في "المدوَّنة" في العتق الأوَّل إِذا رَدَّ الغرماءُ عِتقَ المعسِر: ليس لهم ولا له بيعُ العبيد المعتَقين حتى يُرفَع للإِمام، فإِن فَعَل أو فَعَلوا ثم رُفعَ للإِمام بعد أن أيسر: رَدَّ البيعَ ونَفَذَ العتقُ لحدوث اليُسر، فإِن باعهم الإِمام ثم اشتراهم المعتِقُ بعد يُسرِه كانوا له أرقَّاء (٣).

стр. 126

فتغيَّرت الفُتْيا ببيعِ الحاكم لأنه مُستلزِمٌ للحكم، وبطَلَ العتقُ، وكانت الفُتيا في بيعِ الغرماء وبيعِ المعتق أن البيع يَبطل باليسار، ويَنْفُذُ العتق، وفي الصُّورتين بَيْع، وفي الصورتين تعلُقُ حق الغرماء، وفي الصُّورتين طَرَيانُ اليُسرِ بعدَ العُسر، ولا فارقَ في تغيُّر الفُتيا إِلَّا حكمُ الحاكم. وسابعها: قال مالك: إِن خُرِصَتْ الثمارُ فنَقَصت لم يُعتبَر النقصُ، لأنَّ الخارص حاكم، ولو لم تُخرَص الثمار وكانت عند وقت الوجوب أقلُّ من النصاب: لم تجب الزكاة، وهاهنا هي في وقت الوجوب أقلُّ من النصاب، وقد أفتى بوجوب الزكاة لأجلِ حُكم الحاكم. فقد تغيَّرت الفُتيا لأجل الحكم، وهذا مع تبيُّن خطئه، وكلامُنا في الحاكم إِذا لم يَتبيَّن خطؤه، فهو أولى وأحرى بأن تَتغيَّر الفُتيا لأجله (١). وثامنها: ما قال ابنُ يونس عن جماعة من الأصحاب في كتاب إِحياء المَوَات: إِذا شَرَع اثنانِ في بناءِ بئرينِ لكل واحدٍ منهما بئر، بعد تنازعٍ بينهما في الحَرِيم لذينك البئرين ونفيِ الضرر عنهما، فحكمَ حاكمٌ بعدَمَ الضرر، ثم تبيَّن الضَّررُ: إِنه ليس للمضرور منهما إِزالةُ الضرر، وقد سَقَط حقُّه منه، لأنه بحكم حاكم. وقولُهم: (سَقَط حقُّه) فُتْيَا، فقد تغيَّرت الفُتيا بسبب حكم الحاكم، فإِنه لولا حُكْم الحاكم لكان له دَرْءُ الضرَّرِ عن نفسه، وكُنَّا نُفتيه بذلك اتفاقاً. فإِذا تغيَّرت الفُتيا للحكم وإِن تبيَّنَ خطؤه فأولى أن تتغيَّر بالحكم الذي لم يتبيَّن خطؤه. وما وقع في هذه المسألةِ وفي مسألةِ الخَرْص التي قبلَها بَيْنَ

стр. 127

الأصحاب من الخلافِ إِلَّا لكونِ الحُكم تبيَّن خطؤه، ولو اتَّفقوا على عدم الخطأ لاتَّفقوا على تغيُّر الفُتيا، وإِنما الخلافُ بينهم في نقض هذا الحكم لتبين خطئه فقط. فظهر أنهم لا يختلفون في الحكم الذي لم يَتبيَّن خطؤه أنه تتغيرُ الفُتيا باعتباره. فإِن قيل: إِنما المعنى في هذه المسائل كلِّها أنَّ الحكم لا يُنقَضُ، وليس بتغيُّرِ فُتيا؟ قلنا: النقضُ وظيفةُ حاكمٍ آخر غيرِ الحاكم الأوّل، لا وظيفةُ المفتي، والمفتي في هذه المسائل يُسألُ ويُخبِرُ عن الله تعالى بأنَّ ذلك له أو ليس له، وأنَ ذمَّته تَعفَرَتْ بالزكاة أو ما تَعفَرَتْ. وهل هذا إِلَّا فُتْيَا صِرْفَة؟ وإِلَّا فلا معنى للفُتيا غيرُ قولِنا: هذا حلال، هذا حرام، هذا واجب، هذا غير واجب، هذا مأذون فيه، هذا غير مأذون فيه، إِلى غير هذا. فهذا تغيُّرٌ للفتاوى جزماً، لا امتناعٌ مِن نَقْضِ الحكم. وتاسعها: في الكتاب (١): لا يَجزي أن يُؤخَذ في الزكاة ذاتُ العَوَار (٢) ولا التَيْسُ، فإِنْ رأى السَّاعي أجزأ، فأفتى بالِإجزاء بعد أخذِ الساعي، وبعَدَمِه قبلَه، وهذا تغيُّرٌ في الفُتيا لأجلِ حكم الحاكمِ، لأن الساعي عند مالك حاكم. وعاشرها: قال سَنَدٌ في كتاب الخِلْطة: لو كان لكلّ واحدٍ من الخُلَطاء أربعون شاة، فأُخِذَ من أحدهم ثلاثُ شياه، رَجَعَ على صاحبيه بثلثي شاة، لأنه لا تجب في مئة وعشرين إِلَّا شاة، عليه ثلثُها، وعلى صاحبيه ثلثاها، فإِن أُخِذَ الثلاثُ شياه على رأي من لا يَرى بالخلطة كأبي حنيفة: رَجَع على كل واحد بشَاةٍ.

стр. 128

فقد تغيَّرت الفتيا بعد فعل الحاكم، وليس هذا من باب عدم النقض، لأن النقض إِنما هو للحكام. وأمَّا قولُ العالمِ: لك الرجوعُ، ليس لك الرجوع، إِنما هو فتيا. ونظائرُ هذه المسائل كثيرةٌ في المذهب جداً. وإِنما قَصدتُ بهذه النبذةِ التنبيهَ على المطلوب، وأنَّ المسألةَ - فيما أظنُ - مجمَعٌ عليها، وكيف يمكنُ الخلافُ فيها وبقاءُ الفُتيا بعد الحكم؟ وقد تقدَّم (١) أنَّ الله تعالى استناب الحُكَامَ في إِنشاء الأحكام في خُصوصيات الصور في مسائل الخلاف، فإِذا حكَمَ الحاكم بإِذْنِ الله تعالى لَهُ، وصح حكمُه عن الله تعالى: كان ذلك نصاً وارداً من الله تعالى على لسان نائبه الذي هو نائبُه في أرضه، وخليفةُ نبيّه في خصوص تلك الواقعة، فوجَبَ حينئذٍ إِخراجهُا من مذهب المخالِفِ في نوع تلك المسألة. فإِنَّ الدليل الشرعي الذي وجدَه المخالفُ في ذلك النوع عامٌ فيه، وهذا النصُّ خاص ببعض أفراد ذلك النوع، فيَتعارضُ في هذا الفرد من هذا النوع دليل خاصّ وهو حكمُ الحاكم، ودليلٌ عامٌ وهو ما اعتقده المخالِف في جملة النوع، فيُقدَّمُ الخاصُ على العام كما تَقرَّر في أصول الفقه. وهذا هو السرُّ في أنَّ الحكم لا يُنقَض، لا ما يعتقده بعضُ الفقهاء من أنَّ النقض إِنما امتنَع لئلا تنتشرَ الخصومات، فإِنَّ ما تقدَّم شَهدَتْ له قاعدةٌ أصولية، وما ذكروه لم يَشهد له قاعدة أصولية. والمعضودُ بالشهادة أَولى، وإِن سلمنا صِحَّتَه فيَتعاضَدُ هو والمشهودُ له، لأن المَدَاركَ قد تَجتمع، إِلَّا أنه لا ينبغي أن يُلغَى ما شهدَتْ له القواعدُ إِلَّا لمعارضٍ أرجحَ منه.

стр. 129

السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونْ هل يكون حكمُ الحاكم مدلولاً عليه بالمطابقة تارة، وبالتضمن تارة، وبالالتزام أخرى كسائر الحقائق، أوْ لا توجدُ الدلالةُ عليه إِلَّا مطابقةً؟ وهل يكون الدال عليه تارةً قولاً، وتارةً فعلاً، أم لا يَدكُ عليه إِلَّا القولُ خاصَّةً نحو قوله: قد حكمتُ بكذا، واشهدوا عليَّ أني حكمتُ بكذا؟ وهل إِذا جوَّزتم أن يكون الدالُّ عليه فِعلاً يختصُّ بتصرفات الحكام أم لا (١)؟ جَوَابُهُ قد يكون الحكم الذي يُنشئه الحاكم مدلولاً عليه بالمطابقة قولاً، نحو قوله: قد حَكمتُ بفسخ هذا النكاح، وقد يكون مدلولاً عليه بالقول تضمناً، نحو قوله، قد حَكمتُ بفسخ هذين النكاحين، فمجموعُ الحكمين مدلول عليه مطابقةَ، وكلُّ واحد منهما مدلولٌ عليه تضمُّناً، وقد يكون مدلولاً عليه باللفظ التزاماً، نحو قوله: قد حكمتُ بصحة بيعِ العبدِ الذي أعتقه من أحاط الدينُ بماله، فإِنه يَدلُّ بالمطابقةِ على الحكم بصحة البيع، وبالإلتزامِ على الحكم بإِبطال العتق المتقدم على البيع، لأنه يَلزمُ مِن صحةِ البيع بطلانُ العتق، لأنَّ الحُرَّ يَحرُمُ بيعُه، هذا القول. واْما الفعلُ فقد يدلُّ على الحكم مطابقة، فإِن مجرَّدَ بيعِ الحاكم للعبد

стр. 130

الذي أعتقه من أحاط الدينُ بماله مُبطِلٌ العِتقَ (١)، فإِنَّ إِقدامه على بيعه يَستلزمُ الحكمَ ببطلان العتق. وكذلك إِقدامُه على تزويج امرأة تزوَّجت قبل هذا العقد بنكاح: فسخٌ (٢)، فإِنَّ نفس العقد عليها يَستلزم الحكم بفَسْخ نكاحِها المتقدم، بخلاف ما لو زَوَّج يتيمةً تحت حِجره، أو باع سِلعةً لها: لا يدلُّ ذلك على الحكم البتة لا بسابقٍ ولا لاحقٍ ولا مُقارِن، بل لغيره من الحكام أن يَنظر فيه إِن كان مختلَفاً في بعض شروطه عند الحاكمِ الثاني فله فسخُه. وأما دلالةُ الفعل تضمناً: فلا توجد إِلَّا في الكتابة، فإِنها فِعلٌ، وإِذا كتَبَ لحاكمٍ آخر: أني قد أَعتقتُ هذين العبدين على المُعْتِق لبعضِهما، أو فسَختُ هذين النكاحين، فدلالةُ هذه الكتابة على الحكم فيهما مطابقةٌ، وعلى كل واحدٍ منهما تضمُّن، لأنه جزءُ مدلولِ الكتابةِ. وأما الفعل الذي هو البيعُ ونحوُه فلا تتأتَّى فيه دلالةُ التضمُّن البتة، فإِنَّ الحكم لا يقع إِلَّا لازماً له، وجُزءُ اللازم لا يكون مدلولاً تضمّناً، إنما يكون مدلولاً تضمُّناً جزءُ المدلول مطابقةً، والبيعُ لا يَدلُّ مطابقةً بل التزاماً فقط، والكتابةُ وإن كانت فعلاً فهي كاللفظ تدلُّ مطابقة، فتُصورَتْ فيها دلالةُ التضمُّنِ. فتأمَّلْ ذلك، وفَرقْ بين النوعين والدلالتين، ويُحتَمَلُ أن الكتابة تدلُّ بالوضع كاللفظ (٣)، بخلاف البيع ونحوِه ليس دلالتُه بالوضع بل باللزوم الشرعي فقط.

стр. 131

وظهر لك حينئذ أنَّ الحكم يكون مدلولاً مُطابقةً وتضمُّناً والتزاماً بالقولِ والفعل، وأنَّ الفعل قد يختصُ بالحكام كالبيع على المَديِن، وقد لا يَختصُّ كالكتابة، لأنَّ لكلّ واحدِ أن يكتُبَ بحاله وتصرُّفاته. وظهر لك أيضاً أن فِعلَ الحاكم قد يَعْرَى عن الحُكم البتة، وقد يَستلزمه، والمتقدّمُ من المُثُلِ في هذا الجواب كافٍ في هذه المقاصد فتأمَّلْه.

стр. 132

السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونْ هل يتأتَّى نقضٌ من المفتي أو لا يتأتَّى إِلَّا مِن حاكم؟ وقولُ الفقهاء: حكمُ الحاكم في مسائل الخلاف والإجتهاد لا يُرَد ولا يُنقَضُ، هل يَخصُّ ذلك الحُكَّامَ أو يَعمُّ الفريقين: الحُكام والمفتين؟ جَوَابُهُ أنَّ النقض لا يكون إلَّا لمن يكون له الإبرامُ فيما يكون فيه النقض. وإِنشاء الحكم في مَوَاضع الخلاف إِنما هو للحكام، فكذلك النقضُ والفسخُ إِنما هو لهم. والمفتي ليس له إنشاءُ الحكم فليس له نقضُه، كما أنَّ الوليَّ في المحجور عليه له إِنشاءُ العقود على أموال المحجور عليه، وله فسخُها، والمحجورُ عليه ليس له إِنشاؤها، فليس له فسخُها. وكذلك المرأةُ ليس لها إِنشاءُ عقد النكاح على نفسها، فليس لها حَلُّه. والعبدُ ليس له أن يُزوِّجَ نفسه بغير إِذن سيده، فليس له فسخُ العقد عن نفسه إِلَّا أن يأذن له سيده في النكاح فله الطلاق، لأنه بالإِذن صار له الإِنشاء. وهذه قاعدةٌ كثيرةُ الفروع، من لا يَملك العقدَ لا يملك الحَلّ، وبها استَدلَّ علينا الشافعيةُ في التعليقِ قبلَ النكاحِ والملكِ إِذا قال: إِن تزوَّجتُكِ فأنتِ طالق، وإِن اشتريتُكَ فأنتَ حُرّ. قالوا: لم يَملك الآن عصمة فلا يَملك طلاقاً، أولم يَملك إِنشاءَ الطلاق فلا يَملك تعليقه. وكذلك قالوا في العتق، مع أنَّ الزوج والسيد لهما الإِنشاء من حيث الجُملةُ إِجماعاً إِذا مَلَكا العصمةَ والرقّ.

стр. 133

وأما المفتي من حيث هو مفتٍ فليس له أن يُنشئ حكماً على الوجه الذي فُوضَ للحُكَّام - كما تقدم بيانُه - (١) ألبتَّةَ في صُورةٍ من الصُّورَ، فلا يكون له النَّقضُ في صُورة من الصُّوَر، وما هو إِلَّا مِثلُ أنَّ المرأة ليس لها أن تُزوِّج نفسَها في صُورة من الصُّور، فليس لها الطلاق في صُورة من الصُّوَر. وبهذا يَظهر لك أن جميع ما يَصدر من المفتي إِنما هو فُتيا، لا نقضٌ ولا حُكمٌ بالمعنى المفوض إِلى الحكام، وإِن كان حكماً شرعياً بالتفسيرِ باعتبار استقراءِ الأدلة الشرعية كالمترجِمِ عن الحاكم، كما تقدَّم تقريره في الفرق بين المفتي والحاكم (١)، وأنَّ الحاكمَ منشئ والمفتيَ مترجِم.

стр. 134

السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونْ ما سببُ نقضِ الحكم إِذا وقَعَ في الصوَر الأربع مُخالفةِ الإِجماع، والقواعدِ، والقياسِ الجليّ، والنصِّ؟ وما مُثُلُ ذلك (١)؟ جَوَابُهُ أمَّا سببُ النقض فإِنّ الإِجماع معصوم لا يقولُ إِلَّا حقاً، ولا يَحكمُ إِلَّا بحق، فخلافُهُ يكون باطلاً قطعاً، والباطل لا يقرَّرُ في الشرع فيُفسَخ ما خالف الإِجماع. وأمَّا القواعدُ والقياسُ الجلي والنصُّ - وإِن كانت في صورة الخلاف - فالمراد إِذا لم يكن لها مُعارِضٌ راجحٌ عليها، أما إِذا كان لها مُعارِضٌ فلا يُفسَخُ الحكم إِذا كان وَفْقَ مُعارضِها الراجح إِجماعاً، كالقضاء بصحة عقد القِراض والمساقاةِ والسَّلَمِ والحوالةِ ونحوِها، فإِنها على خلاف القواعد والنصوص والقياس، ولكن لأدلةٍ خاصَّةٍ مقدمةٍ على القواعد والنصوص والأقيسة، لأنها عامة بالنسبة إِلى تلك النصوص. ومتى لم يكن هذا المُعارِضُ، بل عُدِمَ بالكلية بأن يكونَ الإجتهادُ لتوهمٍ ليس بواقعٍ في نفس الأمر، أو اعتماداً على استصحاب براءةِ الذمَّة ونحوِه، لعدم الشعورِ بتلك القواعد والنصوص والأقيسة، أو يكونَ ثَمَّ

стр. 135

مُعارِضٌ مرجوحٌ من حديثٍ مضطربِ الإسنادِ ونحوِه: فإِنه لا يُعتدُّ به، ويُنقَضُ ذلك الحكمُ لوقوعه على خلاف المعارِض الراجح. فهذا هو سببُ النقض، فإِنَّ مِثلَ هذا لا يقر في الشرع لضعفه، وكما لا يَتقرر إِذا صدَرَ عن الحكام كذلك أيضاً لا يصح التقليدُ فيه إذا صدَرَ عن المفتي، ويَحرُم اتباعُهُ فيه. ولذلك نقولُ: ليس كلُّ الأحكام يجوزُ العملُ بها، ولا كلُّ الفتاوى الصادرةِ عن المجتهدين يجوز التقليدُ فيها، بل في كل مذهبٍ مسائلُ إِذا حُقّقَ النظرُ فيها امتنَعَ تقليدُ ذلك الإِمام فيها كالحُكَام حَرْفاً بحرف. وأما مُثلُها: فكما لو حكَمَ بأنَّ الميراث كلَّه للأخ دون الجَدّ، فإِن الأُمة على قولين: المالُ كلُه للجَد، أو ويقاسِمُ الأخَ، أما حِرمانُه بالكلية فلم تقل أحدبه. فمتى حكَمَ به حاكم بناءً على أنَّ الأخَ يُدلي بالبنوة، والجدَّ يُدلي بالأبوَّة، والبُنَّوة مقدمة على الأبوَّة: نَقَضْنا هذا الحكمَ، وإِن كان مُفتِياً لم نُقلده. ومثالُ مخالفةِ القواعد: المسألةُ السُّرَيْجِية (١)، متى حكَمَ حاكم بتقرير

стр. 136

النكاح معها في حقّ من قال: إِن وقع عليكِ طلاقي فانتِ طالق قبلَه ثلاثاً (١).

стр. 137

فطلَّقها ثلاثاً أو أقلَّ، فالصحيحُ لزومُ الثلاثِ له (١)، فإِذا ماتت أو مات وحكَم بالإِرث لها أو منها نَقَضنا حُكمَه، لأنَّهُ على خلاف القواعد، لأنَّ من قواعد الشرع صِحَّةَ اجتماع الشرط مع المشروط، لأنَّ حُكمه إِنما يظهر فيه، فشَرْط لا يصحُّ اجتماعه مع مشروطه لا يَصحُّ أن يكون في الشرع شرطاً، فلذلك يُنقَضُ حكمُ الحاكم في المسألةِ السُّريجيَّة. ومثالُ مخالفةِ النصّ: حكمُهُ بشُفعةِ الجار، فإِنَّ الحديث الصحيح واردٌ في اختصاصها بالشَّريك (٢)، ولم يَثبُت له معارِضٌ صحيح، فيُنقضُ الحكمُ

стр. 138

بخلافه (١).

стр. 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 140

ومثالُ مخالفةِ القياس: قبولُ شهادةِ النصراني، فإِنَّ الحكم بشهادته يُنقَض، لأنَّ الفاسق لا تُقبَل شهادتُه، والكافرُ أشدُّ منه فسوقاً وأبعدُ عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس، فيُنقَضُ الحكمُ لذلك، فألحِقْ بكلّ قسمِ منها ما يناسبُه.

стр. 141

السُّؤَالُ الثَّلَاثُونْ ما الفرقُ بين الحكمِ والثبوتِ والتنفيذ؟ وهل الثبوتُ حكمٌ أم لا؟ وإِذا قلنا بأنَّ الثبوت حُكمٌ فهل هو عينُ الحكم أو يَستلزمُه ظاهراً؟ وعلى التقديرين هل ذلك عامٌّ في جميع صُوَر الثبوتِ أم لا؟ (١). جَوَابُهُ أمَّا الحكمُ فقد تقذَمت حقيقتُه (٢)، وهو إِنشاءُ إِلزامٍ أو إطلاقٍ في صُوَر التنازع لمصالح الدنيا. وتقدَّمتْ فوائدُ هذه القيود (٣). وأمَّا الثبوتُ فهو قيام الحِجَاج على ثبوت الأسباب عند الحاكم وفي ظنه. فإِذا ثبَتَ بالبيّنة أنَّ السيد أَعتقَ شِقْصاً له في عبد (٤)، أو أنَّ النكاح كان بغير وليّ أو بصداقٍ فاسد، أو أنَّ الشريك باع حِصَّتَه من أجنبي في مسالةِ الشفعة، أو أنها زوجةٌ للميتِ حتى تَرِث، ونحوُ ذلك من ثبوت أسباب الأحكام، فلا شكَّ أنه قد تَقوم الحجةُ على ثبوت السبب، وتَبقَى عند الحاكم رِيبةٌ، أو لا تَبقى عنده ريبة؟ لكن يَبقى عليه أن يَسأل الخصمَ هل له مطعن أو مُعارِض؟ ونحوُ ذلك، ولا ينبغي أن يُختلَف في هذا أنه ليس

стр. 142

حُكماً (١). وإن قامت الحُجَّةُ على سبب الحكم، وكَمَل، وانتفت عنه الرِّيَب، وحصلتْ الشروطُ وجميعُ المطلوبِ فيه، فلا شكَّ أنه يتعيَّنُ على الحاكم على الفور أن يَحكم، لأنَّ أحد الخصمين ظالم، وإزالةُ الظلم واجبةٌ على الفور. وإِذا تعيَّن على الحاكم في هذه الحالة الحكمُ، فَظَاهرُ حاله أنه فعَلَ ما يجب عليه، فصار الحكمُ من لوازم الثبوت على هذا الوجه، فيجب أن يُعتقد أنه حُكمٌ بناءً على ظاهر الحال. فهذا معنى قول فقهاءِ المذهب: إِنَّ المشهور أنَّ الثبوت حُكم (٢).

стр. 143

والقولُ الشاذُّ يَرى أنَّ حقيقةَ الثبوت مغايرة لحقيقة الحكم، ومع تغايرِ الحقائق لا يمكن القولُ بحصول أحدِ المتغايرين عند حصول الآخر إِلَّا أن يُجزَم بالملازمة، واللزومُ غيرُ موثوق به، لإحتمال أن يكون عند الحاكم ريبة ما علمنا بها، ولا يَلزمُ من عَدَمِ العلم بالشيء العلمُ بالعَدَم، فيُتوقَّفُ حتى يَحصُلَ اليقين بالتصريح بأنه حُكم. هذا في الصُّوَر المتنازَعِ فيها التي حكَمَ الحاكم فيها بطريق الإِنشاء (١). اْما الصُّوَرُ المجمَعُ عليها، كثبوتِ القيمةِ في الإِتلاف، والقتلِ للقِصاص، وثبوتِ الدَّينِ عنده في الذمة وعقدِ القِراض، والسرِقة للقطع، فالثبوتُ الكاملُ في هذه الصُّورِ جميعِها لا يَستلزمُ إنشاءَ حكم من جهة الحاكم، بل أحكامُ هذه الصور جميعِها مقرَّرةٌ في أصل الشريعة إِجماعاً. ووظيفةُ الحاكم في هذه الصور إِنما هو التنفيذ، وفيما عدا التنفيذ: الحاكمُ والمفتي فيه سواءٌ، وليس هاهنا حُكم استنابَ صاحبُ الشرع فيه الحاكمَ أصلاً البتة، بل هذه أحكامُها تَتْبَعُ أسبابَها، كان ثَمَّ حاكمٌ أم لا؟ نعم، الذي يقفُ على الحاكم: التنفيذُ. مع أنه غيرُ مختص به في الدَّيْن وشِبهِه، فلو دَفَعَ المُتلِفُ القيمةَ والمَدينُ الدَّينَ وسلَّم البائعُ المبيعَ استُغنِيَ عن مُنفِّذٍ من حاكمٍ أو غيرِه. وإِنما يُحتاجُ إِلى الحاكم في الصُّوَر المجمَع عليها إِذا كانتْ تفتقر إِلى نظرٍ واجتهادٍ وتحريرِ أسباب، كفسخ الأنكحة، أو كان تفويضُها للناس يؤدّي إِلى التهارُجِ والقتال، كالحدود والتعازير، مع أنَّ التعازير من القسم

стр. 144

الأول، تفتقرُ إِلى التحرير وتقديرِ التعزير بقدر الجناية والجاني والمجني عليه. وأما متى عَرِيَتْ الأحكامُ المجمَعُ عليها عن ذلك لم تَحتج إلى تنفيذ الحاكم، وله تنفيذُها. وأما إِنشاءُ حكمِ فلا سبيل إِليه في جميعها. وأما حقيقةُ التنفيذ فهو غيرُ الثبوتِ والحكم، لأنه الإِلزامُ بالحبسِ والسَّجن، وأخذُ المالِ بيد القوة ممن عليه الحق، ودفعُه لمستحقِّه ونحوُ ذلك، فهذا هو التنفيذ. وهو في الرتبة الثالثة الأخيرة (١)، والثبوتُ في الرتبة الأولى، والحكمُ بينهما في الرتبة الثانية. فظهر الفرقُ بين الثبوت والحكم والتنفيذ، وأنَّ الثبوت غيرُ الحكم قطعاً، وقد يَستلزمه وقد لا يَستلزمه، وقد تكون الصورة قابلةَ لاستلزامه وقد لا تكون قابلةً له، كما تقدَّمَ في صُوَر الإِجماع (٢). وأن القولَ بأن الثبوتَ حُكم في جميع الصور خطأ قطعاً، وأنه يتعيَّن تخصيصُ هذه العبارة، وتأويلُ كلام العلماء وحملُه على معنى يصح، فاعلم ذلك (٣).

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →