← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14218

الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام

القرافي

Полный текст (296 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

السُّؤَالُ الثَّلَاثُونْ ما الفرقُ بين الحكمِ والثبوتِ والتنفيذ؟ وهل الثبوتُ حكمٌ أم لا؟ وإِذا قلنا بأنَّ الثبوت حُكمٌ فهل هو عينُ الحكم أو يَستلزمُه ظاهراً؟ وعلى التقديرين هل ذلك عامٌّ في جميع صُوَر الثبوتِ أم لا؟ (١). جَوَابُهُ أمَّا الحكمُ فقد تقذَمت حقيقتُه (٢)، وهو إِنشاءُ إِلزامٍ أو إطلاقٍ في صُوَر التنازع لمصالح الدنيا. وتقدَّمتْ فوائدُ هذه القيود (٣). وأمَّا الثبوتُ فهو قيام الحِجَاج على ثبوت الأسباب عند الحاكم وفي ظنه. فإِذا ثبَتَ بالبيّنة أنَّ السيد أَعتقَ شِقْصاً له في عبد (٤)، أو أنَّ النكاح كان بغير وليّ أو بصداقٍ فاسد، أو أنَّ الشريك باع حِصَّتَه من أجنبي في مسالةِ الشفعة، أو أنها زوجةٌ للميتِ حتى تَرِث، ونحوُ ذلك من ثبوت أسباب الأحكام، فلا شكَّ أنه قد تَقوم الحجةُ على ثبوت السبب، وتَبقَى عند الحاكم رِيبةٌ، أو لا تَبقى عنده ريبة؟ لكن يَبقى عليه أن يَسأل الخصمَ هل له مطعن أو مُعارِض؟ ونحوُ ذلك، ولا ينبغي أن يُختلَف في هذا أنه ليس

стр. 142

حُكماً (١). وإن قامت الحُجَّةُ على سبب الحكم، وكَمَل، وانتفت عنه الرِّيَب، وحصلتْ الشروطُ وجميعُ المطلوبِ فيه، فلا شكَّ أنه يتعيَّنُ على الحاكم على الفور أن يَحكم، لأنَّ أحد الخصمين ظالم، وإزالةُ الظلم واجبةٌ على الفور. وإِذا تعيَّن على الحاكم في هذه الحالة الحكمُ، فَظَاهرُ حاله أنه فعَلَ ما يجب عليه، فصار الحكمُ من لوازم الثبوت على هذا الوجه، فيجب أن يُعتقد أنه حُكمٌ بناءً على ظاهر الحال. فهذا معنى قول فقهاءِ المذهب: إِنَّ المشهور أنَّ الثبوت حُكم (٢).

стр. 143

والقولُ الشاذُّ يَرى أنَّ حقيقةَ الثبوت مغايرة لحقيقة الحكم، ومع تغايرِ الحقائق لا يمكن القولُ بحصول أحدِ المتغايرين عند حصول الآخر إِلَّا أن يُجزَم بالملازمة، واللزومُ غيرُ موثوق به، لإحتمال أن يكون عند الحاكم ريبة ما علمنا بها، ولا يَلزمُ من عَدَمِ العلم بالشيء العلمُ بالعَدَم، فيُتوقَّفُ حتى يَحصُلَ اليقين بالتصريح بأنه حُكم. هذا في الصُّوَر المتنازَعِ فيها التي حكَمَ الحاكم فيها بطريق الإِنشاء (١). اْما الصُّوَرُ المجمَعُ عليها، كثبوتِ القيمةِ في الإِتلاف، والقتلِ للقِصاص، وثبوتِ الدَّينِ عنده في الذمة وعقدِ القِراض، والسرِقة للقطع، فالثبوتُ الكاملُ في هذه الصُّورِ جميعِها لا يَستلزمُ إنشاءَ حكم من جهة الحاكم، بل أحكامُ هذه الصور جميعِها مقرَّرةٌ في أصل الشريعة إِجماعاً. ووظيفةُ الحاكم في هذه الصور إِنما هو التنفيذ، وفيما عدا التنفيذ: الحاكمُ والمفتي فيه سواءٌ، وليس هاهنا حُكم استنابَ صاحبُ الشرع فيه الحاكمَ أصلاً البتة، بل هذه أحكامُها تَتْبَعُ أسبابَها، كان ثَمَّ حاكمٌ أم لا؟ نعم، الذي يقفُ على الحاكم: التنفيذُ. مع أنه غيرُ مختص به في الدَّيْن وشِبهِه، فلو دَفَعَ المُتلِفُ القيمةَ والمَدينُ الدَّينَ وسلَّم البائعُ المبيعَ استُغنِيَ عن مُنفِّذٍ من حاكمٍ أو غيرِه. وإِنما يُحتاجُ إِلى الحاكم في الصُّوَر المجمَع عليها إِذا كانتْ تفتقر إِلى نظرٍ واجتهادٍ وتحريرِ أسباب، كفسخ الأنكحة، أو كان تفويضُها للناس يؤدّي إِلى التهارُجِ والقتال، كالحدود والتعازير، مع أنَّ التعازير من القسم

стр. 144

الأول، تفتقرُ إِلى التحرير وتقديرِ التعزير بقدر الجناية والجاني والمجني عليه. وأما متى عَرِيَتْ الأحكامُ المجمَعُ عليها عن ذلك لم تَحتج إلى تنفيذ الحاكم، وله تنفيذُها. وأما إِنشاءُ حكمِ فلا سبيل إِليه في جميعها. وأما حقيقةُ التنفيذ فهو غيرُ الثبوتِ والحكم، لأنه الإِلزامُ بالحبسِ والسَّجن، وأخذُ المالِ بيد القوة ممن عليه الحق، ودفعُه لمستحقِّه ونحوُ ذلك، فهذا هو التنفيذ. وهو في الرتبة الثالثة الأخيرة (١)، والثبوتُ في الرتبة الأولى، والحكمُ بينهما في الرتبة الثانية. فظهر الفرقُ بين الثبوت والحكم والتنفيذ، وأنَّ الثبوت غيرُ الحكم قطعاً، وقد يَستلزمه وقد لا يَستلزمه، وقد تكون الصورة قابلةَ لاستلزامه وقد لا تكون قابلةً له، كما تقدَّمَ في صُوَر الإِجماع (٢). وأن القولَ بأن الثبوتَ حُكم في جميع الصور خطأ قطعاً، وأنه يتعيَّن تخصيصُ هذه العبارة، وتأويلُ كلام العلماء وحملُه على معنى يصح، فاعلم ذلك (٣).

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 146

السُّؤَالُ الحَادِي وَالثَّلَاثُونْ هل يكون إِقرارُ الحاكم على الواقعة حُكماً بالواقع فيها أم لا؟ كما إِذا رُفع له عَقْدٌ فترَكه من غير نكير، هل يكونُ ذلك كإِقرار صاحب الشرع إِذا رأى أحداً يفعل شيئاً فترَكه؟ فإِنَّ ذلك يكون إِباحةً لذلك الفعل، أو يكونُ إِقرارُ الحاكم أضعفَ؟ لكونه في موطن الخلاف، فله تبقيتُهُ على ما هو عليه من الخلاف، ولا يَتعرَّضُ له، بخلاف إِقرار رسول الله ﷺ يكون دليلَ الإِباحة، لأنه ﷺ لا يُقِرُّ على منكر. جَوَابُهُ أنَّ الِإقرار دليلُ الرِّضَا بالمُقَرِّ عليه ظاهراً، وهو أضعفُ في الدلالة من الفعلِ والقولِ، لأنه مجرَّدُ التركِ والسكوت، وقد يكونُ مع الإِنكار، ألا تَرى أن رسول الله ﷺ لما بلَّغَ النهيَ عن الكفر، والأمرَ بالِإيمان، وآمنَ من آمن وكفَرَ من كَفَر: لم يكن ﵇ يكرّرُ النكيرَ في كل يوم على أهل مكة ولا غيرِهم، ولم يُكرر الكتابة لملوكِ الكفارِ في كل شهر فضلاً عن كل يوم. فتَرْكُهُ للنكير في بعض الأوقات عن تلك المنكرات بعدَ التبليغ لا يقتضي إِباحةَ تلك المنكرات. وأما اللفظُ الدالُّ على إِباحة تلك المنكرات أو الفعلُ فلا سبيل إِليه. فعَلِمنا أنَّ مدلول التَّرْك قد يتَخلَّفُ عنه ما لا يتَخلَّفُ مَدْلُولاَ القولِ

стр. 147

والفعلِ عنهما. إِذا تقرَّرَ أنه أضعفُ في الدلالة من اللفظ والفعل، فإِقرارُ الحاكم أيضاً له ذلك الضعفُ في الدلالة وزيادةُ أمرٍ آخر، لمزيدِ احتمالٍ وهو: أنَّ الحاكم قد يَترك الواقعة على ما فيها من الخلاف، ولا يَتعرَّضُ لِإنشاء حكم فيها، لأنَّ كلا القولين يجوز الأخذُ به، وهو طريقٌ إِلى الله تعالى، فلا غَرْوَ في الإِقرار عليهما. بخلاف إِقرار الرسول ﷺ على الواقعة، لا يكونُ إِلَّا مع إِباحة الفعل، أو يكونُ تقدَّمَ من الإِنكار ما يكفي في الإِرشاد إِلى حكمِ الله تعالى في حكمِ تلك الواقعة. إِذا تقرَّرَ مزيدُ ضَعفِ إِقرارِ الحاكم فاعلَمْ أنَّه لأجلِ أنه دليل، ولأجلِ ضعفِه اختَلَف أصحابُنا في اعتقادِ كون الحاكم إِذا رُفِعَتْ إِليه الواقعة فأقرَّها على قولين: ففي "الجواهر": إِذا رُفِعَتْ إِليه امرأةٌ زَوَّجَتْ نفسَها بغير إِذن وليها فأقرَّه وأجازه، ثم عُزِلَ: ١ - قال عبدُ المَلِك: ليس بحُكمٍ ولغيره فسخُه. ٢ - وقال ابنُ القاسم (١): ليس لغيره فسخُه، وإِقرارُه عليه كالحكم

стр. 148

به، واختاره ابنُ مُحْرِز (١). وهذا بخلاف ما لو رُفع إليه فقال: لا أُجيزُ النكاحَ بغير وليّ، من غير أن يَحكم بفسخٍ، فهذا فتوى ولغيره الحكمُ بما يراه في تلك الواقعة،

стр. 149

وكذلك إِذا قال: لا أُجيزُ الشاهدَ واليمينَ فهو فتوى اتفاقاً. وقال ابن يونس: قال عبدُ الملك إِذا قيل: إِنَّ التخيير تطليقةٌ بائنةٌ فاختارت نفسَها، فتزوَّجَها قبلَ زوج، ورُفع ذلك لحاكمٍ يَرى ذلك فأقرَّه، فلمَنْ بعدَه فسخُ العقد، ويَجعلُ طلاقَها ثلاثاً. وإِن علَّقَ الطلاقَ أو العتاقَ على المِلك، أو تزوَّجَ وهو مُحْرِم، فأقرَّه حاكم، أو أقام شاهداً على القتل، فرُفِعَ لمن يَرى القَسامة فلم يَحكم بها فلغيره الحكم، لأنَّ الأوَّلَ ليس بحكم. وكأنَّ هذا النقل عن عبد الملك خِلافُ ما نقَلَه صاحبُ "الجواهر" عنه؟ وبالجملة: فكونُ التقريرِ في مسائل الخلاف من الحاكم مشتملاً على نوعين من الضعف كما تقدَّم اقتَضَى الخلافَ بين العلماء، فمن لاحَظَ أصلَ دلالته قال: ظاهِرُ حالِ الحاكم يقتضي أنه حُكم، ومن لاحَظَ ضعفَه أسقَطَ اعتبارَه، ولم يعتقد أن الحاكم حَكَمَ به فيَجُوزُ لَهُ النقضُ (١).

стр. 150

السُّؤَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونْ ما ضابطُ ما يفتقرُ لحكمِ الحاكم، ولا يكفي فيه وجودُ سببه الشرعي؟ وما لا يَفتقرُ ويكفي فيه وجودُ سببه؟ جَوَابُهُ أنَّ الضابط الذي يُرجَعُ إِليه في ترتيب الأحكام على أسبابها من غير حكم حاكم، وما يَفتقرُ لحُكم الحاكم (١): أنَّ الموجِبَ للإفتقار الحاكم الحاكم ثلاثةُ أسباب: السببُ الأول: كونُ ذلك الحكم يَحتاجُ إِلى نظرٍ وتحرير، وبذلِ جهدٍ من عالم بصيرٍ، حَكَمٍ عَدْلٍ في تحقيق سببِه ومقدارِ مُسبَّبه، وله مُثُلُ: المثالُ الأول: الطلاقُ بالإِعسار؛ لأنه يفتقر إِلى تحقيق الإِعسار، وهل ذلك الزوجُ ممن تُستَحق عليه النفقة حتى تقدحَ في استمرارِ عصمتِه الِإعسارُ؟ أم هو ممن ظاهِرُ حالِه العجزُ أبدًا؟ كما قال مالك: لو تزوَّجَتْ رجلًا من أهل الصَّنْعَةِ (٢)، لم يكن لها التطليقُ بسبب الإِعسار، لدخولها

стр. 151

عليه. المثالُ الثاني: التعزيراتُ تَفتقر إِلى تحريرٍ في مقدارِ الجناية وحالِ الجاني والمجنيّ عليه، حتى تقع المؤاخذةُ على وَفقِ ذلك من غير حَيْف. المثالُ الثالث: التطليقُ على المُوْلي، يَفتقر إِلى بذلِ الجهد والتحريرِ في تلك اليمين المحلوفِ بها، هل هي مما تُوجِبُ عليه حُكماً على تقدير الفَيئةِ أم لا؟ وهل ترْكُ الفَيئةِ منه مُضِرٌ بالمرأةِ أم لا؟ وهل كان المقصودُ بتلك اليمينِ الإضرارَ فتُطلَّق عليه؟ أو نَظَراً مَصْلحيًا وغرَضاً صحيحًا فلا تُطلَّق عليه؟ كما لو حلَفَ أن لا يطأها، خوفاً على وَلِده من السَّقَمِ لِفسادِ اللَّبَن، وغيرِ ذلك من جهات النظر. المثالُ الرابع: إِذا حلَف ليَضربَنَ عبدَه ضرباً مُبرِّحًا، فالقضاءُ بالعتقِ عليه يفتقر للحاكم؛ لأنه لا يُدرَى هل ثمَّ جناية تقتضي مثلَ هذا الضرب أم لا؟ ويَحتاجُ إِلى تحقيقِ كون ذلك الضرب مبرِّحًا بذلك العبد، وهل السيّدُ عاصٍ به فيَعتِق عليه؟ لأنَّ الحَلِفَ على المعصيةُ يوجب تعجيلَ الحنث، أو ليس عاصياً فلا يَلزمه عتق؟ السببُ الثاني المُوجِبُ لافتقارِ ترتيبِ الحكم على سببه إِلى حكمِ الحاكم ومباشرةِ ولاةِ الأمور: كونُ تفويضِه لجميع الناس يُفضي إِلى الفِتَن والشحناء، والقتلِ والقتال، وفسادِ النفس والمال، وله مُثُلٌ: المثالُ الأول: الحدودُ، فإِنها منضبطة في أنفسها, لا تَفتقرُ إِلى تحرير

стр. 152

مقاديرها، غيرَ أنها لو فُوِّضَتْ لجميعِ الناس، فبادَرَ العامَّهُ لَجلْدِ الزُّناةِ، وقطع العُداةِ بالسرقةِ وغيرِها، اشتدتْ الحَمِيّات، وثارتْ الأَنَفَاتُ، وغَضِبَ ذوو المُروءات، فانتَشرت الفِتَن، وعَظُمتْ الإِحَن، فحسَم الشَّرعُ هذه المادةَ وفَوَّضَ هذه الأمورَ لولاةِ الأمور، فأذعن الناسُ لهم، وأجابوا طوعًا وكرهاً، واندفعت تلك المفاسدُ العظيمة. المثالُ الثاني: قِسمةُ الغنائم معلومةُ المقاديرِ وأسبابِ الاستحقاق، غيرَ أنَّ النفوس مجبولةٌ على مَزيدِ الأطماع والمنافسةِ في كرائم الأموال، فيقصِدُ كل أحدِ أن يَختص بما يُريد غيرُه أن يَختصَ به، فيُؤدي ذلك لتلك المفاسدِ المتقدّمة، فحسَمَها الشرعُ بتفويض ذلك لولاة الأمور. وهذه الأمورُ وإِن لم تكن مما يَدخل فيه حكمُ الحاكم غيرَ أنه من جنس ما يَفتقر لولاةِ الأمور، فذكرتُه تنبيهاً على سببِ الإفتقار وللمناسبةِ بينه وبين هذا الباب. المثالُ الثالث: جِبايةُ الجِزية، وأخذُ الخراجِ من أرض العَنْوة وغيرِها هو مالُ المسلمين، ولو جُعِلَ لعامَّة الناسَ التَّحَدُّثُ فيه (١)، لفسَدَ الحالُ

стр. 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 156

وساء المآلُ في ذلك (١). السببُ الثالث: قُوَّةُ الخلاف مع تعارضِ حقوقِ الله تعالى وحقوقِ الخلق، فوَجَبَ افتقارُ ذلك للحاكم؛ لأنه نائبُ الله تعالى في أرضه خلافةً عن نبيه ﷺ ، فإِذا أنشأ حُكمًا مما تقبلُه ذلك المحل تعين فيه ووجَب الِإذعانُ إِليه. وله مُثُلٌ: المثالُ الأول: من أَعتقَ نصفَ عبدِه لا يُكَمَّلُ عليه بقيتُه إِلَّا بالحكم، لتعارُضِ حقِ الله تعالى في العتقِ، وحق السيد في المِلكِ، وحقِّ العبد في تخليص الكسب، وقُوَّةِ الخلافِ في التكميل عليه. المثالُ الثاني: العتقُ بالمُثْلَة (٢)، فيه حقُّ الله تعالى وحقُّ السيدِ في الملكِ وحق العبد، كما تقدَّم في المثالِ الأول، فإذا حكَمَ حاكم تعيَّنَ ما حَكَم به، وبطَلَ ما يُخالفُه وسكنَتْ النفوسُ وتعيَّنت الحقوق.

стр. 157

المثالُ الثالث: بَيع من أعتقَه المِدْيانُ (١)، لا بُدَّ فيه من الحاكم، لتعارضِ حقِّ الغرماء في ماليّة العبد، وحقِ الله تعالى في العتق، وحق السيد في براءة ذمَّتِهِ من الدَّين، أو تحصيلِ القُربة بالإِعتاق، وقُوَّةِ الخلاف في المسألة، حتى إِنَّ الشافعيَّ يُنكرُها إنكاراً شديداً ويقولُ: الدَّيْنُ في الذمَّة، والعتقُ في عينِ الرَّقيق، فلا تَنافي، فلا يَبْطُلُ العتقُ لعدم تعيُّنِ الرقيق عنده للدَّيْن. فإِذا حكَمَ به حاكم تعيَّن ما حكَمَ به من البيع، وثَبَت الملكُ للمشتري وللمعتقِ إِنْ اشتراه بعدَ ذلك، وصُرِفَتْ الأثمان في الديون، ورَضِيَ كلُّ أحدِ بما صدَرَ عن نائبِ الله تعالى ونائب رسوله ﷺ . فهذه الأسباب الثلاثةُ هي الموجِبةُ للإفتقار للحُكَّام ووُلاةِ الأمور، فإِذا لم يُوجدُ شيءٌ به. منها تَبِعَ الحُكمُ سبَبه الشرعيَ، حكَمَ به حاكم أم لا. ولأجلِ هذه القاعدة انقسمت الأحكامُ ثلاثةَ أقسام: ١ - منها: ما يَتبَعُ سبَبَه بالإِجماع، ولا يَفتقرُ الحاكم، لقوَّةِ بُعدِه عن اشتماله على أحدِ تلك الأسباب الثلاثةِ الموجِبة للإفتقار. ٢ - ومنها: ما يَفتقرُ للحاكم إِجماعاً، للجزم باشتماله على أحدِ الأسباب الثلاثة أو اثنينِ منها. ٣ - ومنها: ما اختُلِفَ فيه هل هو من القسم الأول أومن القسم الثاني؟ لِمَا فيه من وجوهِ الإِخالة (٢)، باشتمالِه على أحدِ الأسباب أو عدمِ

стр. 158

أشتماله، فلحصولِ التردُدِ في الإشتمال حصَلَ التردُّدُ في الإفتقار. وأمثل لك لهذه الأقسام الثلاثة: القسم الأول، مثالُه: العباداتُ كلُّها وتحريمُ المحرماتِ المتفَقِ عليها كالعصير إِذا اشتدَّ، والمختَلفِ فيها كتحريم السبّاع، وطهارةِ المياهِ، ووفاءِ الدُّيون، ورَدِّ الودائع والغُصوبِ، ونحوِه. القسمُ الثاني، مثالُه: تفليسُ المَدِين إِذا أحاط الدَّينُ مسألة، والتطليقُ على الغائبين من المفقودين وغيرِهم، وفَسْخُ النكاحات بالإِعسار أو الإِضرار أو نحوِ ذلك. القسمُ الثالث، المختلَفُ فيه، هل يَفتقرُ إِلى حكمٍ أم لا؟ وله مُثُلٌ: المثال الأول: قبضُ المغصوب من الغاصب إِذا كان المغصوبُ منه غائباً، هل يَفتقر إِلى الحاكم أم لآحاد الناس قبضُه من الغاصب؟ فيه خلافٌ بين العلماء. المثالُ الثاني: من أعتقَ شِرْكاً له في عبد (١)، قال ابنُ يونس: اتفق

стр. 159

أصحابُنا على أنه يَعتِقُ بمجرَّدِ التقويم من غير حاجة إِلى حُكم؛ لأنه الواردُ في الحديث، وقال غيرُه: يَفتقرُ للحُكم. المثالُ الثالث: عتقُ القريب إِذا ملَكه الحُرُّ المَلِيء، المشهورُ عدَمُ افتقارِه للحكم، وقيل لابُدَّ فيه من الحكم. المثالُ الرابع: العتقُ بالمُثْلَة، قال ابنُ يونس: قال مالك: لا يَعتِقُ إِلَّا بالحُكم، وقال أشهب (١): لا يَفتقر إلى الحكم، بل يَتْبَع سبَبَه. المثالُ الخامس: فَسْخُ البيع بعدَ التحالُفِ من المتبايعَيْن. المثالُ السادس: فَسْخُ النكاح بعدَ التحالُفِ إِذا قيل به. ويُلحَقُ بهذا الباب: إِقامةُ الجمعة، لكنَّ الخلافَ ليس في افتقارها للحكم، بل لِإذن الإِمام وهو غيرُ الحكم. وسببُ الخلاف في هذه المُثُلِ كلها: اجتماعُ الشوائب، وتخيُّلُ

стр. 160

احتياجِها لأسباب الإحْتِياج، وتخيلُ استغنائِها وعَرَائِها عن تلك الأسباب. فهذا تلخيصُ الجواب عن ضابطِ ما يَفتقرُ الحاكم الحاكم، وما لا يَفتقر ويكفي فيه وجودُ سببه، وأقسامِ الأحكام باعتبار الضابط المذكور، وتلخيصُ الأسباب في ذلك مستوعَباً ممثلاً، ليتمكَنَ الفقيهُ من تخريج أمثالِ تلك المُثُل عليها بسبب اطلاعه على سِرّها.

стр. 161

السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونْ أيُّ شيء يُفيدُ الِإنسانَ أهليةَ أن يُنشئ حُكماً في مَواطنِ الخلاف، فيجبُ تنفيذُه ولا يجوزُ نقضُه؟ فهل ذلك لكل أحدٍ؟ أو إِنما يكون ذلك لمن حصلَ له سببٌ خاص؟ وما هو ذلك السبب؟ وهل هو واحد أو أنواعٌ كثيرة (١)؟ جَوَابُهُ أنه لا خلافَ بين العلماء أنَّ ذلك ليس لكل أحد، بل إِنما يكون ذلك لمن حصَلَ له سببٌ خاصٌ، وهو وِلاية خاصة، ليس كلُّ الوِلايةِ تُفيدُ ذلك. فمن الولاياتِ: ما لا يُفيدُ أهليةَ شيء من الأحكام، ومنها: ما يُفيدُ أهليةَ الأحكامِ كلِّها، ومنها: ما يُفيدُ أهليةَ بعضِ الأحكام، ومنها: ما تكون أهليةُ الأحكامِ بعضَها، ومنها: ما يكون كمالُها وجُملتُها بعضَ أهليةِ الأحكام. ومن الولايةِ: ما يكون صريحًا في أهلية الحكم، ومنها: ما يكون صريحًا في عَدمِ أهلية الحكم، ومنها: ما يَحتملُها (٢)، ومنها: ما يَحتملُها

стр. 162

من حيث الجملة. ثم الولاية لها طرفان وواسطة، فأعلاها: الخلافةُ التي هي الِإمامةُ "الكبرى" وأدناها التحكيمُ الذي يكون منِ جهة المتنازِعينِ، وبين هذين الطرفين وسائطُ كثيرة. فأسرُدُ من ذلك خمْسَ عشرةَ رُتبةً وأُمثّلُها وأُبيّنُ أحكامَها. الرتبة الأولى: الإِمامةُ "الكبرى" فأهليةُ جميعِ أنواعِ القضاءِ في الأموال والدماءِ وغيرِها: جُزؤها، وهي صريحةٌ في ذلك، فتَتناولُ بصراحتها أهليةَ القضاء وأهليةَ السياسة العامَّة. الرتبةُ الثانية: الوِزارةُ للإمامة. قال ابنُ بشير من أصحابنا (١): يجوز التفويض في جميع الأمور للوزير، ويَختصُّ الإِمامُ عنه بثلاثة أحكام: ١ - لا يَعقِدُ ولاية العهد (٢)، ويعقدُها الإِمام لمن يريد فيكون إِماماً للمسلمين بعده، كما فعَلَ الصديقُ ﵁ مع عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 163

٢ - ولا يَستعفي من الولاية (١)، وللإِمام الإستعفاء من الإِمامة. ٣ - ولا يَعزِلُ من قلَّده الإِمامُ (١). ويُسمى هذا الوزيرُ وزيرَ تفويض (٢). ثم الوزراءُ أقسام، أعلاها: وزيرُ التفويض، ويليه: وزيرُ التنفيذ، وأدناها: وزيرُ الإستشارة. ولا خفاءَ أنَّ وِزارةَ التفويض تَشملُ أهليةَ القضاء وغيرَها، وأنها صريحة في ذلك إِذا قال الإِمام: ولَّيتُك وِزارةَ تفويض، أو: فوَّضتُ إِليك التصرُفَ، ونحوَ ذلك. وأما إِن نَصَّ على أنه وزيرُ تنفيذٍ فقط، فإِذا حكَمَ الإِمامُ بشيء نفَّذه: فهذا ليس له أهليةُ الحكم. وكذلك وزيرُ الإستشارة. الرتبة الثالثة: وِلايةُ الِإمارة على البلادِ وبعضِ الأقاليم، كالملوكِ مع الخلفاء. وهذه أيضًا صريحة في إِفادة أهلية القضاء إِذا صادفتْ الولايةُ أهلَها ومحلها. وتشملُ أهليةَ القضاء وغيرَها، من السياساتِ وتدبيرِ الجيوش وقَسْمِ الغنائم وتفريقِ أموال بيت المال ونحوِها. الرتبة الرابعة: وزيرُ الأميرِ المولَّى على القُطْر. قال العلماء: ليس له أن يستوزِرَ وزيرَ تفويض إِلَّا بإِذنِ الخليفة، وله أن يَستوزر وزيرَ تنفيذ، فإِن أذِنَ له أن يَستوزر وزيرَ تفويض كان القضاءُ مندرِجاً في ولايته، كوزير الخليفة إِذا كان وزيرَ تفويض. الرتبة الخامسة: الِإمارةُ الخاصَّةُ على تدبيرِ الجيوشِ وسياسةِ الرعيّة

стр. 164

وحمايةِ البَيْضة، دون توليةِ القُضاةِ وجبايةِ الخراج. فهذه الولايةُ أيضًا مقتضى مذهبِ مالك أنَّ القضاءَ مندرجٌ في وِلايتِهم، فإِنَّ مالكاً يقول في الكتاب (١): لا يُنقَضُ ما حَكَمَتْ به وُلاةُ المياه. وفسَّره القاضي عِياضٌ (٢)

стр. 165

بالولاةِ الذين فُوِّضَ إِليهم أمرُ المياه وهم مقيمون عندها. ولا شكَّ أن الذين فُوِّضَ إِليهم تدبيرُ الجيوشِ وغيرِها أعظمُ منهم، فنفوذُ حكمِهم بطريق الأولى، وفيه خلافٌ بين العلماء. الرتبة السادسة: ولايةُ القضاء. وهذه الولايةُ مُتناوِلَةٌ للحُكم (١)، لا يَندرج فيها غيرُه، بخلاف ما تقدَّم. فهي تفيد إِنشاءَ الحكم في المختلَفِ فيه، أو القابلِ للخلاف إِن كانت الواقعة لم تقع بعد، ولم يتقدم فيها فُتيا ولا قضاء، وتُفيد تنفيذَ الحكمِ المجمَعِ عليه (٢).

стр. 166

الرتبة السابعة: ولايةُ المظالم، وأوَّل من أحدثَها في الإِسلام عبدُ الملك بن مروان (١)، فكان يجلسُ للمظالم يومًا يَخُصُّه، ويَرُدُ مشكلاتِها لإِدريسَ الأَوْدِيِّ (٢). وله ما للقُضاةِ غير أنه أفسحُ مجالاً منهم،

стр. 167

لأنَّ له الأخذَ بالقرائنِ وشواهدِ الأحوالِ ما لا يأخذُ به القُضاة، وله وجوهٌ كثيرة اختَصَ بها عن القضاة مبسوطة في الفقه (١). فهذا أيضًا له إِنشاء الحكمِ

стр. 168

في المختلفِ فيه، وله تنفيذُ الأحكامِ المجمَعِ عليها إِذا ثبتَتْ أسبابُها. الرتبة الثامنة: نُوَّابُ القُضَاة في عملٍ من أعمالهم أو مُطْلَقاتهم (١)

стр. 169

مساوون للقُضاةِ الأصولِ في أنَّ لهم إِنشاءَ الحكم في غير المجمَعِ عليه، وتنفيذَ المجمَع عليه إِذا قامت الحججُ وتعينتْ الأسباب (١). وولايتُهم مساويةٌ لمنصبِ الحكم من غير زيادة ولا نقصان، غيرَ أنَّ الفرق بقلَّةِ العمل وكثرته من جهة كثرة الأقطار وقِلَّتها، وأنَّ الأصلَ له عَزْلُ الفرعِ بخلاف العكس،

стр. 170

وهي فروق: ليست زائدةً في مقتضى الولاية. الرتبة التاسعة: ولايةُ الحِسْبَة، وهي تَقْصُرُ عن القضاءِ في إِنشاء كلِّ الأحكام، بل يَجتهدُ (١) في إِنشاء الأحكام في الرواشنِ (٢) الخارجةِ من الدور (٣) وبناءِ المَصاطِب في الطُرُقِ ونحوِ ذلك مما يتعلَّقُ بالحِسبة (٤)،

стр. 171

وليس له إِنشاءُ الأحكام ولا تنفيذُها في عقودِ الأنكحة والمعاملات. ويزيدُ (١) على القاضي بكونه يَتعرَّضُ للفحص عن المنكرات وإِن لم تُنْهَ إِليه، والقاضي لا يَحكم إِلَّا فيما رُفِعَ إِليه، ولا يَبحثُ عما لم يُرفَع إِليه. وله من السلاَطةِ ما ليس للقُضَاة لأن موضوعَه الرهْبَة، وموضوعَ القضاةِ النَّصَفَة، فصارت الحِسبةُ أعَم من القضاءِ من وجه وأخصَّ من وجه، فيها بعضُ القضاء دون كلِّه، وفيها ما ليس في القضاء. الرتبة العاشرة: الولاياتُ الجزئية المستفادةُ من القُضاةِ وغيرهِم، كمن تولَّى العقودَ والفُسوخَ في الأنكحة فقط، أو النظرَ في شُفُعاتِ الأيتام أو عقودِهم فقط، فيُفوَّضُ إِليه في ذلك النقضُ والإِبرام على ما يَراه من الأوضاع الشرعية. فهذه الولاية شعبةٌ من ولاية القَضاء، وله إِنشاء الأحكامِ في غير المجمَع عليه، وله تنفيذُ المجمَع عليه، وذلك كلُّه فيما وَلِيَهُ فقط، وما عداه لا يَنفُذُ له فيه حكم البتة. الرتبة الحادية عشرة: الولايةُ المستفادةُ من آحادِ الناس، وهي التحكيم، فهو مشروعٌ في الأموالِ دون الحدودِ واللعانِ ونحوه، فهو شعبةٌ من القضاء، فكل ما فيه للقُضاة، وللقُضاةِ ما ليس فيه. فهو مفيدٌ للإِنشاءِ في غير المجمَعِ عليه، والتنفيذِ في المجمَعِ عليه في الأموالِ وما يتعلَّقُ بها خاصَة. قال ابنُ يونس: قال سُحنون (٢): فإِنْ حكَمَ فيما ليس من أحكامِ

стр. 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 173

الأموالِ نفَذَ ويُنهَى عن العَوْد. الرتبة الثانية عشرة: ولايةُ السعاةِ وجُباةِ الصدقة. لهم إنشاءُ الحكم في غير المجمَعِ عليه، وتنفيذُ المجمَعِ عليه في الأموال الزكَوِيَّة خاصَّة، فإن حكموا في غير ذلك لم يَنفُذ لعدمِ الولاية فيه. الرتبة الثالثة عشرة: ولايةُ الخَرْص. فليس فيها لمُتولِّيها إِنشاءُ حُكمِ في مختلَفٍ فيه، ولا تنفيذُ حكم في مُجمَعِ عليه. وليس له غيرُ حَزْرِ مقاديرِ الثمار، وكم يكون مقدارُها إِذا يَبِسَتْ فقط. وجعَلَ مالك حُكمَه بالمقدار إِذا تبيَّن خطؤه لا يُنقَض. والقياسُ نقضُه لأنه قد تبيَّن خطؤه قبلَ التنفيذ، والقاضي إِذا تبيَّن خطؤه قطعًا قَبْلَ التنفيذ حَرُمَ التنفيذُ إِجماعاَ فيما علمتُ، ولأنَّ إِيجابَ الزكاة بما دون النصابِ خلاف الإِجماع، أو خلافُ النصّ إِن لم يكن إجماع، وما تبيَّن أنَّ الحكمَ فيه خِلاف الإِجماع وَجَبَ نقضُهُ بالإِجماع.

стр. 174

غيرَ أنَّ مالكاً رأى هذا من باب المصالح العامَّة للفقراءِ والأغنياء، أما للفقراءِ فلعدمِ إِفادةِ دعوى النقض، وللأغنياءِ بَالتمكُّنِ من المالِ يَتصرَّفون فيه كيف شاؤوا. ولولا الوثوق بتعيُّنِ ما حكَمَ به الخارصُ كنا نَحجُرُ عليهم، لئلا يأكلوا الثمرة ويقولوا: نَقَص الخَرْص. والقواعدُ قد تُخالَفُ لمثلِ هذا، كما ضمَّن مالكٌ حاملَ الطعامِ وإِن كان الأجيرُ أمينًا لا يَضمن، وضمَّن الصانعَ المؤثرَ في الأعيانِ بصَنْعتِه كالصبَّاغ والنسَّاج ونحوِهما؛ لأنَّ مصالحَ الناس العامَّة لا تتقررُ إِلَّا بذلك، لمبادرةِ النفوسِ لتناولِ الطعام وعِظَمِ الجُرأةِ على جَحْدِ العين إِذا تغيَّرَتْ بالصنعة. وبهذا يَظهرُ الفرق بين ولاية الخَرْص وولايةِ التقويم ونحوها، فإِن المقوِّمَ إِذا أخطأ بالزيادة أو النقص، وجبَ الرجوعُ للحق بخلافِ الخارص، لما ذكرنا من المصالح العامَّةِ التي لا تُحقَّقُ في المقوِّم ونحوِه. الرتبة الرابعة عشرة: ولايةٌ ليس فيها شيءٌ بلا من الحكم البتة، بل تنفيذُ مصالحَ وترتيبُها على أسبابها، فأهلُها كالقُضاة في التنفيذِ لا في الإِنشاء، كالولايةِ على قِسمةِ الغنائم، وإِيصالِ أموالِ الغائبين إِليهم، وصرفِ النفقاتِ والفروض المقدَرة لمستحقيها، وإِيصالِ الزكواتِ لأصنافها، ونحوِ ذلك مما فيه تنفيذٌ ليس إِلَّا, وليس فيه إِنشاءُ حكم آلبتة. الرتبة الخامسة عشرة: ولايةٌ ليس فيها حكم ولا تنفيذ، كولايةِ المقوِّمِ والتَّرْجُمانِ والكاتبِ والقائف، ومَن يُوضَعُ عنده المُوَاضعةُ (١) في الإِماء إِذا

стр. 175

بِيعت، والقاسمِ ونحوِ ذلك، فهذا القِسمُ أيضًا ليس له أن يُنشئ ولا يُنفّذ، ومهما حكَمَ في شيء من الأحكام لا يَنْفُذ حكمُه؛ لأنه لمَّا لم يُولَّ عليه كان كآحادِ الناس. فقد ظهر بهذا التلخيص: ما يستفيد به الِإنسانُ ولايةَ الحكم، وما لا يستفيدُ به ذلك، وأنَّ ذلك ليس لكل أحد، وأنَّ المفيد لذلك أنواع كثيرة من الولايات، منها ما يكون ولايةُ الحكمِ بعضَه، ومنه ما لا يَسعُ ولا يَشملُ إلَّا بعضَ الحكم في شيء خاصّ، ومنها ولايةٌ تزيدُ على الحكم وتَنقصُ عنه من وجه آخر.

стр. 176

السُّؤَالُ الرَّابِعْ وَالثَّلَاثُونْ ما معنى قولِ الفقهاء: إِنَّ للِإنسان أن يَنقُضَ حُكمَ نفسِه، وله نقضُ حكمِ غيرِه إِذا كان ذلك الغيرُ ليس أهلًا للقضاء؟ فهل يَختصُّ ذلك بالمُجمَعِ عليه؟ أو بالمُختلَفِ فيه؟ أو يَعُمُّ النوعين؟ أو ليس ذلك على ظاهره؟ جَوَابُهُ أنَّ نقْضَ الِإنسان لحكمِ نفسِه متصوَّرٌ بشرطين: أحدهما: أن يكون غيرَ مُجمَعٍ عليه. وثانيهما: أن تقطع بخطئه. والصحيحُ أنه لا يُنقَضُ اجتهاد باجتهاد، أما متى كان مجمَعًا عليه فالنقضُ في الحقيقة ليس للحكم، بل التغييرُ إِنما يَلْحقُ السببَ بمعنى أنَّ الذي اعتُقِدَ سببًا لم يُوجد سببًا. أما حُكمُ ذلك السبب لا سبيلَ إِلى نقلِه عنه. كما لو حُكِمَ على رجل بالقِصاصِ في موضعِ أجمَعَ الناسُ على ثبوت القصاص فيه، ثم تَبين أنَّ الرجل لم يقتُل، فالتغييرُ إنما لَحِقَ ما اعتُقِدَ أنه سبب لا ما يترتَّبُ عليه (١). وكذلك تعقُّبُ الِإنسان لحُكم غيره إِذا كان الذي تقدَّمه فاسقاً أو ليس بأهلِ: إنما معناه إنْ كان الحكمُ غيرَ مجمَعِ عليه، فله أن يُغيّرَ الحكمَ نفسَه من اللزومِ لعَدَمِه، ومن الفسخ للثبوتِ ونحوِه. وله أيضًا أن يُلغِيَ ما اعتَقَده

стр. 177

الأولُ سببًا، فلا يَجعلُهُ الثاني سببًا إِن كان غيرَ مجمَعٍ على سببيَّته. وأمَّا الحُكمُ المجمَعُ عليه فلا يَنظُرُ إِلَّا في سببه خاصَّةً هل تَحقَّق أم لا؟ فإِن وجَدَه مُتحقِقًا تركَهُ على حاله لا حِيلةَ له فيه, وإِن كان في ثبوت سببه شكٌّ كشَفَ عنه حتى يَعلم نفيَه أو ثبوتَه، فيَنفي الحكم أو يُثْبِته.

стр. 178

السُّؤَالُ الخَامِسُ وَالثَّلَاثُونْ قولُ الفقهاء: إِنَّ الشهود إِذا رجعوا عن الشهادة لا يُنقَضُ الحكم مُشكِلٌ، فإِنَّ إِثباتَ الحكم بغير سببِ خلاف الإِجماع، والسَّببُ لم يَثبت لرجوعِ الشهود عن الشهادة به، فهل هذا مستثنى من قاعدةِ أنَّ ما خالَفَ الإِجماعَ يُنقَضُ؟ أو له معنى آخر؟ جَوَابُهُ أنَّ ما كان خلافَ الِإجماعِ يُنقَضُ، إِلَّا أنَّ المُدْرَك في عدمِ النقض ها هنا كونُ الحكمِ ثبَتَ بقولِ عُدولِ وسببِ شرعي. ودعوى الشهود بعد ذلك: الكذِبَ اعترافٌ منهم أنهم فَسَقة، والفاسقُ لا يُنقَضُ الحكمُ بقوله، فبقي الحكمُ على ما كان عليه.

стр. 179

السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونْ قد التبسَ على كثيرِ من الفقهاء بعضُ تصرفاتِ الحكام، هل هو حُكمٌ له أم لا؟ فما التصرُفاتُ التي ليستْ بحكم حتى يكون لغيرهم تغييرُها إِن رأى ذلك، أو المُخالَفَةُ فيها؟ فإِنَّ الحُكمَ نفسَه لا يجوز نقضُه، وغيرَه يجوزُ نقضُهُ والمُخالفةُ فيه. فما ضابطُ ما عدا الحكمَ حتى يُعرَفَ أنه غيرُ حُكمٍ فيُنظَرَ فيه (١)؟ جَوَابُهُ أنَّ تصرُّفاتِ الحُكَام والأئمة بغير الحكم أنواعٌ كثيرة، أنا ذاكرٌ منها - إِن شاء الله - عشرين نوعاً، وهي عامَّةُ تصرُّفاتِهم فيُسلَمُ من الغلَطِ فيها: النوع الأول: العقود، كالبيع والشراءِ في أموال الأيتام والغائبين والمجانين، وعقدِ النكاح على من بَلَغ من الأيتام، وعلى من هو تحت الحَجْر من النساء ومن ليس لها وليّ، وعقدِ الإِجارة على أملاكِ المحجورِ عليهم، ونحوِ ذلك. فهذه التصرفاتُ ليست حُكماً، ولغيرِهم النظرُ فيها، فإِن وجَدَها بالثمنِ البخس، أو بدونِ أُجرةِ المثل، أو وجَدَ المرأةَ مع غير الكفء: فله نقلُ ذلك على الأوضاع الشرعية، ولا تكونُ هذه التصرفاتُ في هذه الأعيان

стр. 180

والمنافع حُكماً في نفسِها البتة. نعم قد تكون حُكماً في غيرها، بأن تتوقَّفَ هذه التصرفات على إِبطالِ تصرفاتٍ متقدّمةِ على هذه التصرفات الواقعة من الحاكم الآن، كتزويجِها بعدَ أن تزوَّجتْ من غير هذا الزوج والحاكمُ يَعلمُ ذلك، أو بَيْعِ العين مِن رجلٍ بعد أن بِيعَتْ من رجل آخر والحاكمُ يَعلمُ ذلك، ونحوِ ذلك، فإِنَّ ثبوتَ هذه التصرفاتِ بهذه العقود يقتضي فَسْخَ تلك العقود السابقة ظاهراً. النوع الثاني: إِثباتُ الصفات، نحوُ ثبوتِ العدالة عند حاكمٍ أو الجرحِ، أو أهليةِ الإِمامة للصلاة، أو أهليةِ الحضانة، أو أهلية الوصيَّة، ونحوِ ذلك. فجميعُ إِثباتِ الصفات من هذا النوع ليس حكمًا، ولغيره من الحكام أن لا تقبلَ ذلك، ويَعتقدَ فِسقَه إِن ثبَتَ عنده سببُه، وتقبلَ ذلك المجروحَ إِن ثبَتَ عنده عدالتُه، وكذلك جميعُ هذه الصفات ليست بحكم البتة. النوع الثالث: ثبوتُ أسباب المطالبات، نحوُ ثبوتِ مقدارِ قِيمة المُتلَفِ في المُتلفَات، وإِثبات الدُّيون على الغُرمَاء، وإِثباتِ النفقات للأقارب والزوجات، وإِثباتِ أُجرةِ المِثل في منافع الأعيان، ونحوِه. فإِنَّ إثبات الحاكم لجميع هذه الأسباب ليس حُكماً، فلغيره من الحكام أن يُغيّر مقدارَ تلك الأجرةِ وتلك النفقةِ وغيرِها من الأسباب المقتضِيَةِ للمطالبة (١).
следующие страницы →