السُّؤَالُ الرَّابِعْ وَالثَّلَاثُونْ
ما معنى قولِ الفقهاء: إِنَّ للِإنسان أن يَنقُضَ حُكمَ نفسِه، وله نقضُ حكمِ غيرِه إِذا كان ذلك الغيرُ ليس أهلًا للقضاء؟ فهل يَختصُّ ذلك بالمُجمَعِ عليه؟ أو بالمُختلَفِ فيه؟ أو يَعُمُّ النوعين؟ أو ليس ذلك على ظاهره؟
جَوَابُهُ
أنَّ نقْضَ الِإنسان لحكمِ نفسِه متصوَّرٌ بشرطين: أحدهما: أن يكون غيرَ مُجمَعٍ عليه. وثانيهما: أن تقطع بخطئه.
والصحيحُ أنه لا يُنقَضُ اجتهاد باجتهاد، أما متى كان مجمَعًا عليه فالنقضُ في الحقيقة ليس للحكم، بل التغييرُ إِنما يَلْحقُ السببَ بمعنى أنَّ الذي اعتُقِدَ سببًا لم يُوجد سببًا. أما حُكمُ ذلك السبب لا سبيلَ إِلى نقلِه عنه.
كما لو حُكِمَ على رجل بالقِصاصِ في موضعِ أجمَعَ الناسُ على ثبوت القصاص فيه، ثم تَبين أنَّ الرجل لم يقتُل، فالتغييرُ إنما لَحِقَ ما اعتُقِدَ أنه سبب لا ما يترتَّبُ عليه (١).
وكذلك تعقُّبُ الِإنسان لحُكم غيره إِذا كان الذي تقدَّمه فاسقاً أو ليس بأهلِ: إنما معناه إنْ كان الحكمُ غيرَ مجمَعِ عليه، فله أن يُغيّرَ الحكمَ نفسَه من اللزومِ لعَدَمِه، ومن الفسخ للثبوتِ ونحوِه. وله أيضًا أن يُلغِيَ ما اعتَقَده
стр. 177
الأولُ سببًا، فلا يَجعلُهُ الثاني سببًا إِن كان غيرَ مجمَعٍ على سببيَّته.
وأمَّا الحُكمُ المجمَعُ عليه فلا يَنظُرُ إِلَّا في سببه خاصَّةً هل تَحقَّق أم لا؟ فإِن وجَدَه مُتحقِقًا تركَهُ على حاله لا حِيلةَ له فيه, وإِن كان في ثبوت سببه شكٌّ كشَفَ عنه حتى يَعلم نفيَه أو ثبوتَه، فيَنفي الحكم أو يُثْبِته.
стр. 178
السُّؤَالُ الخَامِسُ وَالثَّلَاثُونْ
قولُ الفقهاء: إِنَّ الشهود إِذا رجعوا عن الشهادة لا يُنقَضُ الحكم مُشكِلٌ، فإِنَّ إِثباتَ الحكم بغير سببِ خلاف الإِجماع، والسَّببُ لم يَثبت لرجوعِ الشهود عن الشهادة به، فهل هذا مستثنى من قاعدةِ أنَّ ما خالَفَ الإِجماعَ يُنقَضُ؟ أو له معنى آخر؟
جَوَابُهُ
أنَّ ما كان خلافَ الِإجماعِ يُنقَضُ، إِلَّا أنَّ المُدْرَك في عدمِ النقض ها هنا كونُ الحكمِ ثبَتَ بقولِ عُدولِ وسببِ شرعي. ودعوى الشهود بعد ذلك: الكذِبَ اعترافٌ منهم أنهم فَسَقة، والفاسقُ لا يُنقَضُ الحكمُ بقوله، فبقي الحكمُ على ما كان عليه.
стр. 179
السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونْ
قد التبسَ على كثيرِ من الفقهاء بعضُ تصرفاتِ الحكام، هل هو حُكمٌ له أم لا؟ فما التصرُفاتُ التي ليستْ بحكم حتى يكون لغيرهم تغييرُها إِن رأى ذلك، أو المُخالَفَةُ فيها؟ فإِنَّ الحُكمَ نفسَه لا يجوز نقضُه، وغيرَه يجوزُ نقضُهُ والمُخالفةُ فيه. فما ضابطُ ما عدا الحكمَ حتى يُعرَفَ أنه غيرُ حُكمٍ فيُنظَرَ فيه (١)؟
جَوَابُهُ
أنَّ تصرُّفاتِ الحُكَام والأئمة بغير الحكم أنواعٌ كثيرة، أنا ذاكرٌ منها - إِن شاء الله - عشرين نوعاً، وهي عامَّةُ تصرُّفاتِهم فيُسلَمُ من الغلَطِ فيها:
النوع الأول: العقود، كالبيع والشراءِ في أموال الأيتام والغائبين والمجانين، وعقدِ النكاح على من بَلَغ من الأيتام، وعلى من هو تحت الحَجْر من النساء ومن ليس لها وليّ، وعقدِ الإِجارة على أملاكِ المحجورِ عليهم، ونحوِ ذلك.
فهذه التصرفاتُ ليست حُكماً، ولغيرِهم النظرُ فيها، فإِن وجَدَها بالثمنِ البخس، أو بدونِ أُجرةِ المثل، أو وجَدَ المرأةَ مع غير الكفء: فله نقلُ ذلك على الأوضاع الشرعية، ولا تكونُ هذه التصرفاتُ في هذه الأعيان
стр. 180
والمنافع حُكماً في نفسِها البتة.
نعم قد تكون حُكماً في غيرها، بأن تتوقَّفَ هذه التصرفات على إِبطالِ تصرفاتٍ متقدّمةِ على هذه التصرفات الواقعة من الحاكم الآن، كتزويجِها بعدَ أن تزوَّجتْ من غير هذا الزوج والحاكمُ يَعلمُ ذلك، أو بَيْعِ العين مِن رجلٍ بعد أن بِيعَتْ من رجل آخر والحاكمُ يَعلمُ ذلك، ونحوِ ذلك، فإِنَّ ثبوتَ هذه التصرفاتِ بهذه العقود يقتضي فَسْخَ تلك العقود السابقة ظاهراً.
النوع الثاني: إِثباتُ الصفات، نحوُ ثبوتِ العدالة عند حاكمٍ أو الجرحِ، أو أهليةِ الإِمامة للصلاة، أو أهليةِ الحضانة، أو أهلية الوصيَّة، ونحوِ ذلك.
فجميعُ إِثباتِ الصفات من هذا النوع ليس حكمًا، ولغيره من الحكام أن لا تقبلَ ذلك، ويَعتقدَ فِسقَه إِن ثبَتَ عنده سببُه، وتقبلَ ذلك المجروحَ إِن ثبَتَ عنده عدالتُه، وكذلك جميعُ هذه الصفات ليست بحكم البتة.
النوع الثالث: ثبوتُ أسباب المطالبات، نحوُ ثبوتِ مقدارِ قِيمة المُتلَفِ في المُتلفَات، وإِثبات الدُّيون على الغُرمَاء، وإِثباتِ النفقات للأقارب والزوجات، وإِثباتِ أُجرةِ المِثل في منافع الأعيان، ونحوِه.
فإِنَّ إثبات الحاكم لجميع هذه الأسباب ليس حُكماً، فلغيره من الحكام أن يُغيّر مقدارَ تلك الأجرةِ وتلك النفقةِ وغيرِها من الأسباب المقتضِيَةِ للمطالبة (١).
стр. 181
النوع الرابع: إِثباتُ الحِجَاجِ المُوجِبةِ لثبوت الأسبابِ الموجِبة للاستحقاق، نحوُ كونِ الحاكم ثبَتَ عنده التحليفُ ممن تعيَّنَ عليه الحلفُ، وثبوتِ إِقامةِ البينات ممن أقامها، وثبوتِ الإِقرارات من الخصوم، ونحوِ ذلك.
فإِنَّ هذه حِجَاج تُوجبُ ثبوتَ أسبابٍ موجبةٍ لإستحقاق مسبَّباتها، ولا يَلزمُ من كونِ الحاكم أثبتها أن تكون حُكماً، بل لغيره أن يَنظر في ذلك فيُبطِلَ أولًا يُبطِل، بل إِذا اطَّلع فيها على خَلَلٍ تعقَّبه، ولا يكونُ ذلك الإِثباتُ السابقُ مانعًا مِن تعقُّبِ الخلَل في تلك الحِجَاج.
النوع الخامس: إِثباتُ أسباب الأحكام الشرعية، نحوُ الزَّوَالِ، ورُؤيةِ الهلالِ في رمضان وشوالٍ وذي الحِجَّة، مما يترتَّبُ عليه الصومُ، أو وجوبُ الفطر، أو فِعلُ النُسُك، ونحوُ ذلك، وجميعُ أوقات الصلوات.
فجميعُ إِثبات ذلك ليس بحكم، بل هو كإِثباتِ الصفات. وللمالكي أن لا يصوم في رمضان إِذا أثبَتَ الشافعيُّ هِلالَ رمضان بشاهدٍ واحد؛ لأنه ليس بحكم وإِنما هو إِثبات سبب، فمن لم يكن ذلك عنده سببًا لا يَلزمه أن يُرتَبَ عليه حُكماً (١).
стр. 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 183
النوع السادس: مِن تصرفات الحكام، الفتاوى في الأحكام في العباداتِ وغيرِها، من تحريمِ الأبضاع، وإِباحة الانتفاع، وطهاراتِ المياه، ونجاساتِ الأعيان، ووجوبِ الجهاد، وغيرِه من الواجبات، وليس ذلك بحكم، بل لمن لايعتقدُ ذلك أن يُفتيَ بخلاف ما أَفتى به الحاكمُ أو الإِمامُ الأعظم.
وكذلك إِذا أَمروا بمعروف أو نَهَوْا عن منكر وهم يعتقدونه منكرًا أو معروفاً، فلمن لا يعتقد ذلك أن لا يفعل مثلَ فعلِهم، إِلَّا أن يدعوه الإمامُ للِإنكار، وتكونَ مخالفتُه شِقاقاً، فتجبُ الطاعةُ لذلك.
وأما الحاكم فلا يُساعَدُ على ما نعتقدُ نحن خلافَ ما هو عليه، إِلَّا أن يُخشى فتنةٌ يَنهى الشرعُ عن السماحةِ فيها.
النوع السابع: تنفيذاتُ الأحكام الصادرة عن الحكام فيما تقدَّم الحكمُ فيه من غير المنفذ بأن يقول: ثبَت عندي أنه ثبَتَ عند فلان من الحكام كذا وكذا.
وهذا ليس حُكماً من المنفِّذ البتة. وكذلك إِذا قال: ثبَتَ عندي ان فلانًا حكَمَ بكذا وكذا: فليس حُكماً من هذا المثبِت، بل لو اعتقَدَ أنَّ ذلك الحكم على خلافِ الإِجماع صحَّ منه أن يقول: ثبَتَ عندي أنه ثبَتَ عند فلان كذا وكذا؛ لأنَّ التصرُّف الفاسدَ والحرامَ قد يَثبُتُ عند الحاكم، ليترتَّبَ عليه تأديبُ ذلك الحاكمِ أو عَزْلُه.
وبالجملة: ليس في التنفيذ حُكم البتة، ولا في الإِثبات أنَّ فلانًا حكَمَ مساعدةٌ على صحَّةِ الحكم السابق، فلا يُغتَرُّ بكثرةِ الإثبات عند الحكام، فهو كحكمِ واحدِ وهو الأوَّل، إلَّا أن يقول الثاني: حكمتُ بما حكَمَ به الأول.
стр. 184
النوع الثامن: تصرُّفات الحكامِ بتعاطي أسباب الإستخلاص ووصولِ الحقوق إِلى مستحقِّيها، من الحبسِ والإِطلاقِ، وأخذِ الكُفَلاء الأمْلِياء، وأخذِ الرُّهون لذوي الحقوق، وتقدير مدة الحبس بالشهور، وغيرِها.
فهذه التصرفات كيفما تقلَّبت ليست حُكماً لازمًا، ولغير الأوَّل من الحكام تغييرُ ذلك وإِبطالُه بالطرق الشرعية على ما تقتضيه المصلحةُ شرعًا.
النوع التاسع: التصرُّفُ في أنواع الحِجَاج، بأن يقول: لا أسمعُ البيِّنةَ لأنك حلفتَ قبلَها مع قدرتك على إِحضارها، أو لا أحكمُ بالشاهدِ واليمين، أو لا أردُ اليمينَ على المدَّعي، أو لا أُحَلِّفُ المدَّعَى عليه لأنها يمينُ تُهمة، ومذهبي أنها لا تُحلَّف.
فهذا كلُّه ليس حُكماً شرعياً، ولغيره من الحكام أن يفعل ما تركه.
النوع العاشر من التصرفات: توليةُ النُوَّابِ عنهم في الأحكام، ونَصْبُ الكُتَّاب والقُسَّام والمترجِمين والمقوِّمين وأمناءِ الحُكم للأيتام، وإِقامةُ الحُجاب والوَزَعة، ونَصْبُ الأُمناء في أموال الغائبين والمجانين، وإِقامةُ من يَتَجرُ في أموال الأيتام، أو يَعمُرُ العَقَار، أو يَجبِي رَيْعَهُ ويَلُمُّ شَعَثَه، ونحوُ ذلك.
فهذا كلُّه ليس بحكم في هذه المواطن، ولغيره من الحكام نقضُ ذلك وإِبدالُه بالطرق الشرعية، لا بمجرد التشهي والغَرَض والهوى واللعب.
النوع الحادي عشر: إِثباتُ الصفاتِ الموجِبةِ لِلمُكْنَةِ من التصرُفِ في الأموال، كالترشيد في الصبيانِ والبنات، وإِزالةِ الحَجْر عن المُفْلِسين والمكاتَبِين والمبذِّرين والمرتدِّين، أو المُزِيلةِ للمُكْنَةِ من التصرُّف، كضربِ الحَجْرِ على غيرِ البالغين أو المجانين أو المفلِسين أو المبذِّرين ونحوِهم.
стр. 185
فليس ذلك بحكم يَتعذَّرُ نقضُه، بل لغيره أن يَنظرُ في تلك الأسباب، ومتى ظهَرَ له وتحقَّقَ ضدُّ ما تحقق عند الأوَّلِ نقَضَ الحُكمَ وحكَمَ بضدّه، فيُطلِقُ مَنْ حُجِرَ عليه، ويَحجرُ على من أَطلَقه الأول، كما تقدَّمَ في العدالةِ والتجريح (١)؛ لأنه إِثباتُ صفاتٍ لا إِنشاءُ أحكام.
النوع الثاني عشر: من تصرُّفاتِ الأئمة: الإِطلاقاتُ من بيت المال، وتقديرُ مقاديرِها في كلِّ عطاء، والإِطلاقاتُ من الفيءِ أو الخُمُسِ في الجهاد، والإِطلاقاتُ من أموال الأيتام لهم التي تحت يدِ الحكام، والإِطلاقاتُ في الأرزاق للقُضاةِ والعلماءِ والأئمةِ للصلاة والقُسَّامِ وأربابِ البيوت والصلحاءِ، وإِطلاقاتُ الإِقطاعات للأجنادِ وغيرِهم من القُرَى والمعادِن.
ومن ذلك إِنفاقُ بعضِ الجهاتِ العامَّةِ على من يجوز الصرفُ لهم على الخلاف في ذلك، هل يُلاحَظُ أنه صَرْفٌ للمال في جهته الشرعية فيجوز؟ أو يُلاحَظُ الحَجْرُ بالوقفِ على المستحقّ ولم يكن ذلك لازمًا له فيَمتَنع؟
فهذا كلُّه ليس حكمًا، ولغيره - إِذا رُفِعَ له - النظرُ فيه بما يَراه من الطرق الشرعية فيُطْلِقُ ما عَوَّقَ، ويُعوَّقُ ما أَطلَق بحسب ما تقتضيه المداركُ الشرعية.
النوع الثالث عشر: اتِّخاذُ الأحْمِيَة من الأراضي المشتركةِ بين عامَّة المسلمين تَرْعَى فيها إِبلُ الصدقة وغيرُها، كما فَعَلَ عمرُ بن الخطاب ﵁ وغيرُه.
стр. 186
فهذا ليس حُكماً: ولغيره بعدَه أن يُبطِلَ ذلك الحِمَى، ويَفعلَ في تلك الأرض ما تقتضيه المصالح الشرعية.
النوع الرابع عشر: تأميرُ الأمراءِ على الجيوش والسرايا، فقد عزَمَ الصحابةُ رضوان الله عليهم على ردِّ جيشِ أسامة، ونفَّذَه أبو بكر الصديق ﵁ لأنه المصلحة في نظره، لا لتعذُّرِ نَقْضه.
النوع الخامس عشر: تعيينُ أحدِ الخِصالِ في الحِرابةِ لعقوبة المحارِبين (١)، ليس حكمًا شرعياً، وإذا رُء لغيره من أهلِ مَذْهَبه في مذهبِ من يَرى التخييرَ مطلقًا قبلَ التنفيذ، ورأى أنَّ المصلحة تعيينُ غير تلك الخَصْلَة عيَّنَها؛ لأنَّ تعيينها أولًا ليس حُكماً شرعياً.
النوع السادس عشر: تعيينُ مقدارٍ من التعزير إذا رُفع لغيره قبلَ تنفيذه فرأى خلافَ ذلك، فله تعيينُه وإِبطالُ الأول؛ لأنه ليس حكمًا شرعياً، بل اجتهادٌ في سببٍ هو الجِناية، فإِذا ظهر للثاني أنها لا تقتضي ذلك حَكَمَ بما يراه.
وهذا بخلاف تعيين الأسارى للرِقِّ ونحوِه؛ لأنها مسألةُ خلافٍ بين العلماء، فقال بعضهم: تُقْتَلُ الأسارى فقط، ومذهبُنا ومذهبُ الشافعي وأبي حنيفة: جوازُ الإسترقاقِ أو ضَرْبِ الجزية، فإِذا اختار أحدَهما فهو حُكم منه بالذي اختاره، وهو إِنشاءُ حُكمٍ في مختلَفٍ فيه.
стр. 187
وكذلك كلُّ خَصْلَةٍ من الخِصال الخَمْس التي يُخيَّرُ فيها الإِمامُ في الأسارى: المنِّ، والفداءِ، وضربِ الجِزية، والقتلِ، والإسترقاق.
ووافَقَنا الشافعيُّ في التخيير بين الخمسة، ومنَعَ أبو حنيفة المَنَّ والفِداءَ.
وبالجملة: فاختيارُ الإِمام لأيّ خَصلةٍ اختارها من الخَمْسِ حُكمٌ بتلك الخَصلة؛ لأنه إِنشاءٌ في مختلَفٍ فيه.
أمَّا مَقاديرُ التعزيرِ فليس فيها خلاف، إِنما اتفق الناس على أنه يَتبَعُ سببَهُ في عِظَمِه وحقارتِه، وللإِمامِ أو الحاكمِ تلخيصُ ذلك السبب، فلا يقعُ فيه إِنشاءُ حُكم بتلخيصِ سببٍ وتنفيذِ حُكمٍ مجمَعٍ عليه.
وكذلك اختياره لخَصْلَةٍ من عقوبة المحارِبين إِن وُجِدَ من المحارِب القتلُ وعيَّنَ الإِمامُ القتلَ: لم يكن إِنشاءً لحاكم في مختلَفٍ فيه، بل تنفيذٌ لمجمَعٍ عليه. وإِن عيَّنَ القتلَ في محارِبٍ لم يقتُل، لِعظَمِ رأيِه ودَهائِهِ وأنَّ قَتْلَه مصلحة للمسلمين، فهذه مسألةُ خلاف:
فالشافعيُّ يَمنعُها ولا يُجيزُ قتلَ المحارب إِلَّا إِذا قَتَل، ولا قَطْعَه إِلَّا إِذا قَطَع، فتصيرُ هذه كمسألة الأسارى سواء، فتتعيَّنُ خَصلةٌ من خِصال عقوبةِ المحارِب بالقتلِ أو القطع، ويكون على هذا التقرير إِنشاءَ حكمٍ في مختلَفٍ فيه لا يجوزُ لغيره نقضُه. وكذلك تعيينُ أرضِ العَنْوَةِ للبيع، أو القسْم، أو الوقفِ، إِنشاءٌ في مختلَفٍ فيه.
النوع السابع عشر من التصرُّفاتِ: الأمرُ بقتلِ البُغَاةِ وردْعِ الطُّغاة إِذا لم يُنَفَّذْ، ليس إِنشاءً الحاكم في مختلَفٍ فيه، فلغيره إِذا اتَّصلَ به أن يَنظرَ في تحقيقِ سببه، إِلَّا أن تكون المسألةُ مختلفاً فيها، كتاركِ الصلاة، وقَتْلِ
стр. 188
الزنادقة، فإِنه إذا عيَّنَ القتلَ وحكمَ به، كان هذا إِنشاءً الحاكم في مختلفٍ فيه، فليس لغيره نقضُه، بخلاف قتالِ البُغاةِ المجمَع عليه ونحوِه فإِنه متفَق عليه.
النوع الثامن عشر: عَقْدُ الصُّلحِ بين المسلمين وبين الكفار، ليس من المختلَفِ فيه، بل جوازُه عند سببه مجمَع عليه، فلغيره بعده أن يَنظرَ: هل السببُ يقتضي ذلك؟ فيُبقيَه، أو لا يقتضيه؟ فيُبطلَه.
والصُلحُ إِنما هو التزامٌ لكفايةِ الشر حالةَ الضعف، فإِن كان فيه تأمين، أوما يُوجبُ نقضُهُ عليه الخِيانَةَ من جهةِ المسلمين امتنَعَ نَقْضُه لذلك؛ لأنه مُوادَعة ومُتاركةٌ للحرب (١).
النوع التاسع عشر: عَقْدُ الجِزية للكفار لا يجوز نقضُه ولا تغييرُه، ولكن ليس لكويه حكمًا إِنشائياً، كالقضاء بصحةِ العقود المختلَفِ فيها، بل لأنَّ الشرع وضَعَ هذا العقدَ مُوجِبَاً للإستمرارِ للمعقودِ له ولذُرِّيَّتِه إلى يوم القيامة، إِلَا أن يكون وقَعَ على وجهٍ يقتضي النقض، كعَقْدهِ لأهلِ دِينٍ لا يجوز إِقرارُهم، نحوُ الزنادقةِ والمرتدةِ ونحوِهم.
وأما متى وقع مستجمعاً لشروطه فلا يجوز لأحدٍ تغييرهُ، كعقد البيع وغيرِه مما مقتضاه الدوام، لا يجوز لأحدٍ إِبطالُه بغير سببٍ حادثٍ يقتضي إِبطالَه.
стр. 189
النوع العشرون: تقرير الخراج على الأَرَضِين وما يُؤْخَذُ من تُجارِ الحربِيين: ليس بحكم، إِنما هو ترتيبُ ما تقتضيه الأسبابُ الحاضرة، فإِن ظهَرَ لغيره أنَّ السبب على خلاف ما اعتقده الأولُ فَعَل غيرَ ذلك، وإن تبيَّنَ أنَّ العقد على خلافِ الغِبْطةِ للمسلمين نقَضَه، كما إِذا باع مالَ اليتيم بالبَخْسِ فإِنه يُنقَض.
تنبيه
حُكمُ الحاكمِ في مسائل الإجتهاد لا يُنقَض، والحكمُ المجمَعُ عليه لا يُنقَض، وعَقْدُ النَّذْر لا يُنْقَض، وعُقودُ التعاليق في الشروط في الطلاقِ والعتاقِ وغيرِهما لا تُنْقَض، وعقودُ المعاملات لا تُنْقَض.
وسبَبُ ذلك مختلِفٌ: ففي مسائل الإجتهادِ كونُه نصَّاً خاصاً كما تقدَّمَ بيانُه (١)، فيُقَدَّمُ على العامّ. وفي مسائل الإِجماع لأجلِ الإِجماعِ على أنَّ ذلك السبب يقتضي ذلك الحكمَ فلا يجوز اقتطاعُه عنه. وعَقْدُ النَّذْرِ لأنه سبَبٌ يقتضي اللزومَ فيما التَزَم. وعَقْدُ الجِزية لأنه يقتضي الدوامَ بالإِجماع، وعقودُ المعاملات كذلك.
فعدَمُ النقض مشترَك، والأسبابُ مختلفة.
стр. 190
السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونْ
ما معنى مذهبِ مالكِ الذي يقلَّدُ فيه ومذهبِ غيرِه من العلماء؟ فإِن قلتم: ما يقوله مِن الحقّ، أشكلَ ذلك بقوله: الواحدُ نصف الإثنين، وسائرِ الحسابيات والعقليات، وإِن قلتم: ما يقوله من الحق في الأمور الشرعية مما طلبَهُ صاحبُ الشرع، بطَلَ ذلك بأصولِ الدين وأصولِ الفقه، فإِنها أمورٌ طَلَبها صاحبُ الشرع، ولا يجوز التقليدُ فيها لمالكٍ ولا غيرِه.
فإِن قلتم: مذهبُ مالكٍ وغيرِه من العلماء الذين يقلَّدون فيه هو الفروعُ الشرعية. قلتُ: إِن أردتم جميعَ الفروع بطَلَ ذلك بالفروع المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلوات الخمسِ، وصوم شهر رمضان، وتحريمِ الكذبِ والزِّنى والسرقةِ ونحوِها، فإِنها يَبطلُ فيها التقليدُ لكونها ضروريَّة، والمعلومُ من الدين بالضرورة يستحيلُ فيه التقليدُ، لاستواءِ العامَّةِ والخاصَّةِ فيه، وهي من الفروع.
وإِن أردتم بعضَ الفروع فما ضابطُه؟ ثم إِنْ بيَّنتُم ضابطَه لا يتمُ لكم المقصود؛ لأنَّ الحد حينئذ لا يكون جامعاً، فإِنه خرَجَ عنه ما تَقلَّدتم فيه من أسباب الأحكام وشروطِها، فإِنَّ أسبابَ الأحكام وشروطَها غيرُها, ولذلك قال العلماء: الأحكام مِن خِطابِ التكليف، والأسبابُ والشروطُ مِن بابِ خِطابِ الوضع، فهما بابانِ متباينان.
ولأجلِ هذه الأسئلةِ لا يكادُ فقيه من ضعفَةِ الفقهاء يُسألُ عن حقيقةِ مذهب إمامِه الذي يقلدُ فيه فيَعرفه على التحقيق، وهذا عامٌّ في جميع
стр. 191
المذاهبِ المقلَّدِ فيها الأئمة.
جَوَابُهُ
أنَّ ضابطَ المذاهب التي يقُلَّدُ فيها أنها خمسةُ أشياء لا سادسَ لها:
١ - الأحكامُ الشرعية الفُروعيَّة الاجتهادية. ٢ - وأسبابُها. ٣ - وشروطُها.
٤ - وموانعُها. ٥ - والحِجاجُ المثبِتةُ للأسباب والمشروطِ والموانعِ.
١ - فقولنا: (الأحكامُ) احترازٌ عن الذوات.
وقولُنا: (الشرعية) احترازٌ عن العقلية كالحساب والهندسةِ والحِسيَّات وغيرِها.
وقولنا: (الفُروعيَّة) احترازٌ مِن أصول الدين وأصول الفقه، فإن الشرع طَلَب منا العلمَ بما يجبُ له ، وما يستحيلُ عليه، وما يجوز. وطلَبَ منا العلمَ بأصول الفقه لاستنباط الأحكام الشرعية، فهي أحكامٌ شرعية لكنها أصولية ولا تقليد فيها.
فأخرجنا بقولنا: (الفروعية) الأحكامَ الشرعيةَ الأصولية، وهي أصولُ الدينِ وأصولُ الفقهِ المطلوبانِ شرعًا (١).
وأخرجنا بقولنا: (الاجتهادية) الأحكامَ الفروعيةَ المعلومةَ من الدين بالضرورة.
٢ - وقولُنا: (وأسبابُها) نريد به نحوَ الزوالِ ورؤيةِ الهلال والإِتلافِ سَبَبِ الضمان، ونحوَ ذلك من المتفَقِ عليه.
ومن المختلَفِ فيه: الرَّضْعةُ الواحدةُ سبَبُ التحريم عند مالك دون
стр. 192
الشافعي، وضَمُّ غيرِ الربوي في نحوِ مسألةِ مُد عجوةٍ ودرهمٍ سبَبٌ للفساد عند مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة (١)، وحُلولُ النجاسة فيما دون القُلتينِ مع عدم التغيرِ سبَبُ التنجيسِ عند الشافعي وأبي حنيفة، خلافًا لمالك، ونحوُ ذلك.
٣ - (والشروطُ) نحوُ الحَوْلِ في الزكاة، والطهارةِ في الصلاة، من المجمَعِ عليه. والوليِّ والشهودِ في النكاح، من المختَلَفِ فيه.
٤ - و (الموانعُ) كالحَيْضِ يَمْنعُ الصلاة والصوم، والجنونِ والإِغماءِ يمنعُ التكليفَ، من المجمَعِ عليه، والنجاسةِ تمنعُ الصلاةَ، من المختلَفِ فيه، وكذلك مَنع الدَينِ الزكاةَ.
٥ - وقولُنا: (والحِجاجُ المثبِتةُ (٢) للأسبابِ والشروطِ والموانعِ) نريد به ما يَعتمدُ عليه الحُكَّامُ من البيّنات والأقارير ونحوِ ذلك.
وهي أيضًا نوعان:
١ - مجمَعٌ عليه: نحوُ، الشاهدينِ في الأموال، والأربعةِ في الزنا، والإِقرارِ في جميع ذلك إذا صدَرَ من أهله في محله، ولم يأتِ بعدَهُ رجوعٌ عن الِإقرار.
стр. 193
٢ - والنوع الثاني مختلَفٌ فيه، نحوُ الشاهدِ واليمين، وشهادةِ الصبيان في القتلِ والجِراح، والِإقرارِ إذا تعقَّبَه رجوع، وشهادةِ النساء إذا اقتُصِرَ منهن على اثنتين فيما يختَصُ بهن الإطّلاع عليه، كعيوبِ الفُروج واستهلالِ الصبي ونحو ذلك. وإِثباتِ القِصاص بالقَسامة، فإِن الشافعي يَمنعُه، ونحوِ ذلك.
فهذه الحِجاجُ يَثبُتُ بها عند الحكام الأسبابُ نحوُ القتل، والشروطُ نحوُ الكفاءة، وعدَمُ الموانع نحوُ الخُلُو عن الأزواج، ونحوِه. ونحن كما نُقلِّدُ العلماءَ في الأحكام وأسبابِها وشروطِها وموانِعها، فكذلك نُقلِّدُهم في الحِجاج المثبِتةِ لذلك كما تقدَّم.
فهذه الخمسة هي التي يقع التقليدُ فيها من العوامّ للعلماء، لا سادسَ لها، عملًا بالإستقراء، فمن سُئلَ عما يقُلَّدُ فيه العلماء فليذكر هذه الخمسة على هذا الوجه، يكونُ مجيبًا بالضابط الجامع المانع، وما عدا ذلك يكون الجوابُ فيه مختلاً بعدمِ الجمعِ أو بعدمِ المنع.
تنبيه
ينبغي أن يقال: إِنَّ الأحكامَ المجمَعَ عليها التي لا تَختَصُّ بمذهب، نحوُ جوازِ القِراض ووجوبِ الزكاة والصومِ ونحوِ ذلك: إِنَّ هذه الأمور مذهبُ إِجماعٍ من الأُمَّة المحمدية. ولا يقال: هذا مذهَبُ مالكٍ والشافعي إِلَّا فيما يختَصُ به؛ لأنه ظاهرُ اللفظ في الإِضافةِ والإِختصاص.
ألا تَرى أنه لو قال قائل: وجوبُ الخمس صلواتٍ في كلِّ يوم هو مذهبُ مالك، لنبَا عنه السمعُ ونَفَر منه الطبع، وتُدرِكُ بالضرورة فرقاً بين هذا القول وبين قولنا: وجوبُ التدليك في الطهارات مذهبُ مالك،
стр. 194
ووجوبُ الوتر مذهبُ أبي حنيفة، ولا يَتبادَرُ الذهنُ إِلَّا إِلى هذا الذي وقَعَ به الإختصاص، دون ما اشترك فيه السَّلَفُ والخَلَفُ والمتقدّمون والمتأخّرون.
كما أنه لا يقال: هذه طريقُ الزُّهَّاد إِلَّا فيما اختَصَّ بهم، دون ما يُشاركهم فيه الفُجَّار والكَفَرة، فالطُّرقُ المشتركةُ لا يَحسنُ إِضافتُها لآحادِ الناس إِلَّا توسُّعاً، وعلى التحقيقِ لا يُضافُ إِلَّا للمُختَصّ.
كذلك المذاهبُ إِنما هي طَرِيقٌ مَعْنَوِيّهٌ لا يُضافُ لعالمٍ منا إِلَّا ما اختَصَّ به. وكذلك يقال: المذاهبُ المشهورةُ أربعة، ولن يَحصُلَ التعدُّدُ إِلا بالإختصاصِ لا بالمشتَرَكِ بينها.
وعلى هذا ينبغي أن يزاد في الضابط هذا القيدُ، فإِذا قيل لك: ما مذهبُ مالك؟ فقُل: ما اختَصَّ به من الأحكام الشرعيةِ الفُرُوعيةِ الاجتهاديةِ، وما اختَص به من أسبابِ الأحكام والشروطِ والموانعِ والحِجاجِ المثبِتةِ لها. وهذا هو اللائق الذي يُفهَمُ في عرف الإستعمال، وما السؤالُ إِلا عنه.
وبهذا التلخيص تزداد المسألةُ غُموضاً والجوابُ عن السؤال بُعداً، وتقلُّ معرفةُ الجواب من كثيرٍ من الفقهاء (١).
تنبيه
اعلم أنَّا إِذا قلَّدنا آحاد العلماء في الأسباب، إِنما نُقلِّدهم في كونها أسبابًا لا في وقوعها، ففَرْقٌ بين قولِ مالك: اللِّواطُ مُوجِب للرَّجْم، وبين قوله: فلانٌ لاطَ، فنُقلِّدُه في الأول دون الثاني، بل الثاني من باب
стр. 195
الشهادة، إِن شَهِدَ معه ثلاثةٌ ثَبَتَ الحكم وإِلا لم يَثبُت. وهو في هذا مُساوٍ لسائرِ العدول، ولا أثَرَ لكونه مجتهداً في هذا الباب لا هو ولا غيرُه من المجتهدين.
وكذلك نُقلدُه في أنَّ النبَّاش يقطعُ، ولا نُقلدهُ في أنَّ فلانًا نَبَشَ. وكذلك نُقلدُه في أنَّ النية شَرْطٌ في الطهارة، ولا نُقلدهُ في أن فلانًا نَوَى. ونُقلدُه في أن الدَّيْن مانعٌ من الزكاة، ولا نُقلدُه في أن فلانًا عليه دَيْن يستغرقُ مالَه (١)، بل لابُدَّ معه من شاهدٍ آخر. وهو في جميع هذه الأمور كسائرِ العدول، ولا أثر لكونه مجتهداً، بل هذا المعنى يكفي فيه مُطلَقُ العدالة (٢).
стр. 196
فإن قلتَ: فنحن نُقلدُه إِذا رَوَى لنا عن ماعزٍ أنه زَنى، وأنَّ رسولَ الله ﷺ رَجَمه (١). وكذلك الغامِدية (٢). وكذلك قلَّدناه في سارقِ رِداءِ
стр. 197
صفوان، وأنَّ رسول الله ﷺ قطَعَه (١).
وهذا كلُّه تقليدٌ في وقوعِ الأسباب، ويكفي في العمل بهذه الوقائع رِوايتُه وحدَه. وكذلك إِذا رواه غيرُه من العلماء وحدَه قلَّدناه ورَتَّبنا عليه الأحكام، فبطَلَ ما ذكرتموه من أن التقليدَ لا يَدخلُ في وقوع الأسباب.
بل أكثَرُ الشريعة مبنية على الأسباب الواقعة في زمانه ﵇ من الظهار واللعان وغيرهما، وأجمَعَ الناسُ على أنه إِذا نَقَل إِلينا عالمٌ عَدْلٌ شيئًا من ذلك قلَّدناه فيه ورَتَّبنا عليه الأحكَام اللائقةَ به، وليس لكل مجتهدٍ طريقٌ إِلى معرفةِ الأدلة، وانتزاعِ الأحكام من الوقائع والأسباب إِلا بطريق التقليد لناقليها، فظهر أن وقوعَ الأسباب والشروط والموانع يُقلَّد فيها.
قلنا: ليس هذا مما نحن فيه لأنَّ هذا من باب الرواية, والروايةُ يكفي فيها الواحدُ على الصحيح من مذاهب العلماء، واشترَط بعضُهم اثنين، واشترَطَ بعضُهم في الأحاديثِ المتعلقةِ بالزِّنا أربعةَ رُواة. وإِذا اكتَفينا بالواحد في الرواية فمعناه أنَّا نُصدّقُه في وقوعِ ذلك السببِ أو ذلك الشرطِ أو ذلك المانع، من حيث إِنه يترتَّبُ عليه شَرْعٌ عامٌّ إِلى يوم القيامة لا يَختصُّ بأحد.
стр. 198
ولا نُصدّقُه ونعتبرُ روايتَه في ترتب الحكم في تلك الصورة الجزئية التي رواها، فلا نَرجمُ غيرَ ماعزِ بقوله (١)، ولا نَقطعُ غيرَ سارِقِ رِدَاءِ صفوان بقوله، وإِن كنا نَرجُمُ الزانيَ بتلك الرواية إِلى قيام الساعة، ونقطعُ (٢) السارقَ إِلى قيام الساعة بقوله، فلا تَثبُتُ الأحكامُ أبداً (٣) في غيرِ ذلك الجزئي الذي رواه إِلا بطريق الشهادةِ وتكميلِ النصاب منه مع غيره، فافهم هذا الموضعَ فهوَ مزَلَّة لكثير من الفقهاءِ.
ولهذا السرّ قال علماء الأصول: إِنما اشتُرِطَ العددُ في الشهادة دون الرواية؛ لأنَّ العداوة تُتوقَّعُ في الصُّوَر الجزئية، وقد لا يُعلَمُ بها، وكذلك أسبابُ التُّهَم، فاشتَرطَ الشرعُ مع الواحد آخَرَ لتَبْعُدَ مظِنَّةُ العداوةِ والتُّهمة (٤). قالوا: وأما عداوةُ الخَلْقِ إِلى يوم القيامة فَتَبْعُدُ جداً، فلذلك اكتَفى صاحبُ الشرع بالعدلِ الواحد؛ لأنَّ ظاهر العدالةِ الصدق.
فظهر حينئذٍ أنَّا إِنما نُقلّد العلماءَ في الوقائع الجزئية إِذا رَوَوْها فيما يَتعلَّقُ بها من غير أحكامها الواقعة فيها، أما في أحكامِها المتعلّقة بها فلا نُقلدُهم أصلًا، بل راويها شاهدٌ من الشهود، فهو مُقلدٌ فيها من وجهٍ دون وجه كما تقدَّم (٥).
إِذا تقررَ أنَّا لا نُقلدُ العلماءَ في وقوع الأسباب في ترتيب أحكامها
стр. 199
الخاصَّة بها عليها، فاعلَمْ أنه قد وَقَع في المذاهب مسائلُ مبنيَّةٌ على تقليدهم في وقوع الأسباب في ترتيب أحكامها الخاصة بها عليها، كما اتَّفق المالكيةُ في نقضِ البِياعات، وإِبطالِ الِإجارات، وتعطيلِ الأخذ بالشُّفُعات في أراضي العَنْوَات كمصر ومكة والعراق ونحوِها.
فقال مالك: مِصرُ فُتِحَتْ عَنْوةً فعمَدَ فقهاء المذهب إِلى إِبطال البَيعِ والشُّفعةِ والإِجارةِ في أرض مصر، بناءً على قوله: فُتِحَتْ عَنْوة؛ لأنَّ من مذهبه أن أرض العنْوَةِ لا تُباعُ ولا تُؤجرُ ولا يُستَحقُّ فيها شُفعة.
فتقليدُهم له في أنَّ بيعَها وإجارتَها والشُّفعة فيها لا تصح تقليدٌ صحيح (١)؛ لأنه تقليدٌ في الأحكام. وتقليدُهم له في أنَّ الأرض إذا فُتحَتْ عَنْوةً اقتضت هذه الأحكامَ: تقليدٌ صحيح؛ لأنه تقليدٌ في سببيّةِ سَبَب.
وتقليدُهم له في أنَّ الأخذ قهرًا وعَنْوةً وقَعَ في أرض مصر ومكة تقليدٌ لا يصح؛ لأنه تقليدٌ في وقوع سبب لا يترتّبُ عليهُ أحكامٌ عامة ولا خاصة (٢).
стр. 200
أمَّا أنه لا يَترتَّب عليه أحكامٌ عامَّة لعموم الخلق كما قلنا في زِنا ماعز، لأنَّ ترتيبَ الأحكامِ العامَّة إِنما نشأ من أنَّ المباشِرَ لتلك الأحكام مَنْ فِعلُه
стр. 201
حُجَّة، وهو رسولُ الله ﷺ فلو كان الراجمُ لماعزٍ مَنْ ليس فِعلُه حُجَّةً ما انتفعنا بروايته في ترتيب الأحكام العامة أصلًا.
وكونُ مِصرَ عَنْوَةً لم يُتصرَّف فيها بالوقفِ وإِبطالِ البيع: ليس ممن قولُه حُجَّةٌ ولا فِعلُه، بل إِنما وقع فتحُها في زمن الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يَثبت أنهم صرَّحوا بامتناع البيع في خصوصها، ولو ثبَتَ ذلك كان حُجَّة.
وأما أنه لا يترتب عليه أحكام خاصة، فلأنَّا قد بينَّا أنّ روايةَ وقوعِ الأسباب لا تقتضي أن تترتَّب عليها الأحكامُ الجزئيةُ الخاصة بها، كما لا يُرجَمُ ماعزٌ برواية واحدٍ ونحوِه.
والمالكيَّةُ يُثبِتون بفتاويهم وأقضيةِ حُكَّامِهم نقضَ هذه العقود، وإِبطالَ هذه الحقوق بناءً على قولِ مالك: إِنها فُتِحَتْ عَنْوة، بل كان يَتعيَّنُ عليهم أن يقفوا حتى يَكمُلَ نصابُ الشهادة عندهم، أو يَثبُتَ أنَّ هذه الأحكام في هذه الأراضي، حكَمَ بها أو أَفتَى مَنْ قولُهُ أو فِعلُهُ حُجَّة مِن نَبيّ أو صحابي، وحينئذ كانوا يُقْدِمون على الفتاوى والأحكام في تلك الوقائع.
وليت شعري أيُّ فرقٍ بين قوله: فُتِحتْ الأرضُ الفلانية عَنْوةً وقهرًا؟ وبين قوله: فلانٌ قُتِلَ قهرًا وَعُدْوَانًا وعَمْدًا؟ وثَوْبُ فلانٍ أُخِذَ غصبًا؟ وهل ذلك كلُّه إِلَّا إِخبارٌ عن وقوع فِعلٍ من فاعلِ موصوفٍ بالقهر والغلبة؟
وتَراهم إِذا قال لهم مالك: فلانٌ قُتِلَ عمدًا يَقتصُّون مِن قاتِله بمجرَّدِ قوله، ويُرتّبون جميعَ تلك الأحكامِ المتعلقةِ بتلك الواقعة الجزئية، أوْ لا يُرتّبون تلك الأحكام ويُجرونه مُجرَى الشهادة؟ فإِن رَتَّبوا بِتِلكَ خَرَقُوا الإِجماع، وإِن أجروه مُجَرى الشهادة، ووَقَفُوا ترتيبَ تلك الأحكام على
стр. 202
كمالِ نصاب الشهادة أو القَسَامة، فما الفرقُ بين ذلك وكونِ الأرض عَنْوَة، وإِخبارِه عن وقوعِ القهر فيها؟
فإِن قالوا: هو من باب الشهادة، فيقال لهم: إِنه ﵁ لم يُباشِر الفتح، فلا تَصحُّ الشهادة إِلَّا بطريق المباشرة.
ولا يُمكنهم أن يقولوا: إِنَّ هذا من باب الشهادة بالسماع والإستفاضة، فإِنَّ الأصحاب قد عَدُّوا مسائلَ الشهادة بالسماعِ نحوَ سبعٍ وعشرين مسألة، ولم يَعُدُّوا هذا منها، فأين النَّقلُ الذي يُعتمَدُ عليه في أن مالكًا شَهِدَ في هذا بالسماع؟
ولا يُمكنهم أن يقولوا: حصَلَ له العلمُ بنقلِ التواتو بأنها فُتِحَتْ عَنْوة، وإِذا حَصَلَ العلمُ للشاهد جازت الشهادةُ، باشَرَ المشهودَ به أم لا، كما نَصَّ عليه صاحبُ "المقدِّمات" (١).
لأنا نقول لهم: حصولُ العلم له بعيدٌ في هذا بالتواتر، وظاهِرُ الحال يأباه، لأنه ﵁ من أهل المدينة لا من أهل مصر، والليثُ بن سعد
стр. 203
من أهلِ مصر (١)، وهو يقول: إِنها فُتِحَتْ صُلحًا لا عَنْوة، ووافَقه على ذلك جمعٌ كثيرٌ من العلماء وأهلِ التواريخِ والنقل، وأهلُ البلد أخبَرُ بحالِ بلدهم من غيرهم، فإِن يكن ثَمَّةَ تواترٌ فهُمْ أولى به.
فحيث جَزَموا بخلافه دَلَّ ذلك على أنَّ النقل لم يَصِل للتواتر عند مالك، بل إِنما وصَلَ إِليه مِمَّن يثقُ به بطريق أخبار الآحاد، فأخَبَرَ بما ظنَّه لا بما عَلِمَه.
سلَّمنا أنه حصَلَ له العلمُ، لكن يُمكن أن يقال: إِنَّ الليث أيضًا ومَنْ معه حصَلَ لهم العلمُ بطريقِ الأولى، فتتعارَضُ شهادةُ مالكٍ ومن وافقه، والليثِ بن سعد والشافعيِّ ومن وافقهما.
وإِذا تعارضَتْ البيّناتُ وجَسَرَ أحدُ الفقهاء وقال: مالكٌ أعدلُ وكذلك من وافقه، فيقال له: هل هذه المسألةُ مما يُحكَمُ فيها بأعدلِ البينتين؟ مع أنَّ مذهب المالكية أنه لا يُحكَمُ بأعدلِ البينتين إِلَّا في الأموال خاصَّة (٢)، وهذا
стр. 204
وصفٌ وسبَبٌ شرعي ليس من الأموال في شيء.
فإِن قالوا: إنه نقَل الشهادةَ عن غيره، فيقال لهم: مِن شَرْطِ النقلِ في الشهادة أن يأذَنَ الأصلُ للفرع في التحمُّل، فهل ثبَتَ عند حكام المالكية أنَّ المنقولَ عنه أذِنَ لمالكٍ ﵀ في النقل عنه؟ مع أنه لا يجوز لحاكمٍ أن يَحكمَ بشهادةِ فرعٍ حتى يَثبُتَ عنده شروطُ التحمُّلِ وجميعُ ما يَتعلَّقُ بتلك الواقعة.
وكذلك جميعُ قضايا الحُكّام، لابُدَّ من ثبوتِ كلِّ ما يَتوقفُ عليه ذلك الحكمُ عند الحاكم بطُرُقِه، فمنه ما يُحتاجُ فيه إِلى البيّنة، ومنه ما يُكتَفى فيه بمجرَّد إخبارِ الشاهدِ الفَرْعِ. وهذه كلُّها أمورٌ مشكلةٌ فتأمَّلْها.
واعلم أنَّ هذا ليس خاصًا بمذهبنا، بل الشمافعيَّةُ لهم مثلُ ذلك في أرضِ العراق وغيرِها، فيَرِدُ عليهم ما يَرِدُ علينا.
فتأمَّلْ هذه المباحث تَتيقَّنْ أنه ليس كلِّ ما يُنقَل عن العلماء يَدخله التقليد، بل يُقلَّدون في تلك الأمور الخمسة التي تقدَّمَ تلخيصُها (١)، وما عداه لا يَدخله التقليد.
وقد تَدخله الرواية إِن كان المنقولُ عنه مِمَّن فِعلُه حُجَّةٌ أو قولُه، وقد
стр. 205
تَدخله الشهادةُ وهو الإِخبارُ عن وقوع الأسبابِ والشروطِ والموانع، وقد لا يَدخلُه تقليدٌ ولا روايةٌ ولا شهادة، وهو ما يذكرونه من أصولِ الفقه وأصولِ الدين أو غيرِ ذلك من الأمور الحِسيَّات أو العقلياتِ ونحوِها، وقد تقدّمَ تلخيصُ هذه الأقسام كلِّها على أحسنِ الوجوه (١).
стр. 206
السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونْ
ما معنى قولِنا في الفتاوى: مَسْحُ جميعِ الرأس واجب، والغِناءُ حرام، وسَبُعُ الطيرِ مُباح، إِلى غير ذلك من الفتاوى المختلَفِ فيها؟ هل معنى ذلك أنَّ مسحَ جميع الرأس واجبٌ على جميع الخلائق أو على المالكيّ خاصَّة؟
وإِن قلتم: على المالكيّ خاصَّة، فالدليلُ الدالُّ على ذلك ما دلَّ إِلَّا على عمومِ وجوبِه على عموم الخلق، فكيف خصَّصتموه؟
وإن قلتم: على عامَّة الخلق، فيكون الشافعي قائمًا بتركِ الواجبِ عليهِ ويُصِرُّ على ذلك، والإِصرارُ على تركِ الواجب فُسوقٌ وعِصيان. فيَلزمُ أن يكون الشافعيُّ عاصيًا وفاسقًا عند مالكٍ والمالكية، وأن يكون مالكٌ وشِيعتُه عُصاةٌ عند الشافعي بتركِ البسملة في الصلاةِ، ونحوِها.
وكذلك جميعُ المذاهب، فلا يَبقى أحدٌ من الفِرَق إِلَّا عاصيًا لله تعالى بتركِ ما عليه مخالِفُه، وهذا بعيدٌ جدًا. والتخصيص في الأدلَّةِ الدالَّةِ أيضًا على العموم وجعلُها خاصةً: تحكُمٌ محض.
وهذه خُطَّتا خَسْفٍ لا خُروجَ عنهما (١)، فكيف التخلُّصُ منهما؟ وما يَعتمدُ أحدُكم في فُتياه إِذا أَفتى بالوجوبِ مثلًا يَنوي بذلك العمومَ
стр. 207
أو الخصوص؟ أوْ لا يَخطرُ ببالكم شيءٌ من ذلك؟ وأنتم عن هذه الأمورِ العظامِ غافلون!
جَوَابُهُ
أنَّ السؤال الذي تتَرتَّبُ عليه الفُتيا له أربعةُ أحوال:
١ - تارةً يُسألُ عن وجوب مسح الرأس مثلًا في نفس الأمر على المكلَّفين، من غير تعرُّضِ لمن قَلَّد.
٢ - وتارةً يُسألُ عنه في حقّ من قلَّدَ القائلَ بالوجوب.
٣ - وتارةَ يُسألُ عنه في حقّ من قلّدَ المخالِفَ للقائلِ بالوجوب.
٤ - وتارةً يُسألُ عنه في حق مجتهدٍ لم يَنظر بعدُ في المسألة.
ا - فإن وقع السؤالُ عن الوجوب في نفس الأمر عمَّمنا الفُتيا، لأنَّ الدليل دلَّ بعمومه في نفسِ الأمر على جميع الخلائق، إِلى يوم القيامة، في جميع الأعصار والأمصار، ما لم يَعرِض تقليدٌ لمخالِفِ ولَهُ دليلٌ مُعارِضٌ لهذا الدليل، فإنه يُصرَفُ موجَبُ هذا الدليل عن ذلك المخالف، لأنه أرجحُ عنده في ظنّه، والله إِنما كلَّفَ كلَّ واحدٍ بما غَلَب على ظنّه.
٢ - وإِن وقع السؤالُ عن الوجوب في حقّ من قلَّد القائلَ به أفتيناه بالوجوب، ولا غَرْوَ في ذلك، لأنَّ إِمامه يَعتقدهُ لدليلٍ راجحٍ عنده، وهو قد التَزمَ مذهبَه فيَلزمُه ما التزمه، ولذلك إِذا سألَنا الإِمامُ نفسُه الذي أدَّاه اجتهادُه للوجوب قلنا له: حُكمُ الله تعالى عليك وعلى مَنْ قلَّدك الوجوبُ، بسبب ما غلَبَ على ظنّك من الوجوب، وأنت مكلَّفٌ بظنّك، وكذلك من قلَّدك تَبَعٌ لك في ذلك.
стр. 208
٣ - وإن وقع السؤالُ عن مَسْح الرأس في حقّ من قلَّد الشافعيَّ القائلَ بعدمِ الوجوب مثلًا، أفتيناه بعدمِ الَوجوب، لأنَّ الأُمَّة مجمعة على أنَّ المجتهد إِذا أدَّاه اجتهادُه إلى حُكم، فهو حُكمُ الله في حقه وحقِّ من قلَّده إِذا قام به سبَبُه.
وقولُنا: (إِذا قام به سَبَبُه) احترازٌ من أن يَجتهد في الزكاةِ ولا مالَ له، أو في النكاحِ ولا مَوْلِيَّةَ له، أو في القَضَاءِ ولا منصِبَ له. وإِذا انعقد الإِجماعُ على ذلك فلو أفتيناه بخلافه كنا خارقين للإجماع، بل هذا حُكمٌ مجمَعٌ عليه لا يجوز لأحد خِلافُه.
ونظيرُ هذه المسألة: عَشَرَةٌ اجتهدوا في طلب القِبلة، فأدَّى كلًا منهم اجتهادُه إلى جهةٍ غير الجهة التي أدَّى إِليها اجتهادُ التسعة الأُخَر، وبقي مع هذه العَشَرةِ جماعاتٌ عوامٌّ لا يُحسنون الإستدلالَ على القِبلة، فاتَّبَع كلَّ واحدٍ من العشرة جماعةٌ من أولئك العوامّ، فإِنَّ كلَّ واحدٍ من تلك العشرة العلماءِ بالإستدلال، الذين اختَلفتْ فيه ظنونُهم، واختار كلٌّ منهم جهةً غيرَ التي اختارها الآخَرُ، إِذا سأل التسعةَ الباقيةَ الذين خالفوه:
هل يَحْرُمُ عليَّ أن أُصلّي إِلى الجهة التي غلَبَ على ظني أنَّ الكعبة فيها أم لا؟ فإنهم يُفتونه بأنك يجبُ عليك وعلى من اتَّبَعك الصلاةُ للجهة التي غلَبَ على ظنّك أنَّ الكعبة فيها، ولا يَحرُمُ عليك، ونحن يَحرُمُ علينا أن نُصلّي إِليها، وكذلك من قلَّدَنا، لأنا نعتقد أنَّ الكعبة ليست فيها، فيصير إِجماعُ تلك العَشَرَةِ منعقِدًا على أنَّ حُكمَ الله في حقّ كلٍّ منهم ما أدَّى إليه اجتهادُه من تلك الجهات.
فكذلك الأحكامُ الشرعية، وتكونُ المرأةُ المتزوِّجةُ بغير وليّ،
стр. 209
أو لَحْمُ السَّبُعِ مثلًا: حرامًا لقومِ حلالًا لقوم، كما جعَلَ الله تعالى الميتةَ حلالًا للمضطرّين حرامًا على المختارين، ويكونُ اختلافُ ظنونِ المجتهدين القائمةِ بهم كاختلافِ أحوالِ المضطرين والمختارين بالإضطرارِ والإختيار، فاختلافُ الصَّفَتَينِ في المحلَّينِ رتَّبَ الله تعالى عليه حُكمين متضادَّين، وهذا حقٌّ واضحٌ لا خَفَاء فيه.
فكذلك متى سُئلنا عن الشافعية هل يجب عليهم مسحُ الرأس بكماله؟ نقول: لا (١)، ونُفتي الحنفيةَ بأنه يجبُ عليهم الرُّبعُ، ولا نُفتي في مذهبِنا بخلافِ مذهبِنا (٢)، لِكلِّ فرقةٍ مذهبُ إِمامِها يخالِفُنا بما يخالفُنا ويخالفُ مذهبَنا، لأنه مجمَعٌ عليه.
غيرَ أنه يُستثنى من هذا أربَعُ صُوَر خاصَّة، وهي الصُّوَر التي يُنقَضُ قضاءُ القاضي فيها: ما كان على خلافِ الِإجماعِ، أو القواعدِ، أو النصوصِ، أو القياسِ الجليّ، إِذا سَلِمَ كلٌّ مِن هذه الثلاثة عن مُعارِض راجحٍ له (٣).
فإِذا غلَبَ على ظنّنا أنَّ مخالِفَنا في المسألة قد وقع في فُتياه - بما خالَفنا فيه - أحَدُ هذه الأربعة فإِنا لا نُفتي مقلِّديه في تلك المسألة الواقعة على خلافِ أحد الأمور الأربعة إِلَّا بمذهبنا، لأنَّ خلافَه غيرُ مُعتدّ به،
стр. 210
ولا يَتقرَّرُ شرعًا عامًّا للمكلَّفين، لأنَّ ما لا نُقرُّه إذا حَكَم به حاكم وتأكَّد بالحُكم، أَولى أن لا نُقرَّه إذا لم يتصل به حُكمُ حاكم.
وكذلك أنَّ كلَّ من قال بجوازِ الإنتقال في المذاهب استَثنَى هذه الأمورَ الأربعة وقالَ: يجوزُ التقليدُ للمذاهب، والإنتقالُ فيها بشرط أن لا يكون على خلافِ الإِجماعِ أو القواعد، أو القياس الجليّ، أو النصّ، السالمةِ عن المُعارضِ الراجحِ عليها.
٤ - الحالةُ الرابعة: أن يقع السؤالُ عن وجوب مَسْحِ جميعِ الرأس في حقّ مجتهدٍ له أهليَّةُ الإجتهاد، كالشافعي ونحوِه، فلا نُفتيه بالوجوبِ ولا عدمِ الوجوب، بل نقولُ له: حُكمُ الله تعالى عليك أن تَجتهدَ وتَنظرَ في أدلَّةِ الشريعة ومَصادِرها ومَوارِدها، فأيُّ شيء غَلَب على ظنّك فهو حُكمُ الله تعالى في حقِّك وحق من قلَّدك، ما لم تخالِف أحدَ الأمور الأربعة التي يُنقَضُ قضاء القاضي إِذا خالَفَها.
فإِذا خالفتَ أحدَ الأمورِ الأربعةِ ولم تطَّلع عليه، وجَبَ عليك أن تَبقى على ما غلَبَ على ظنك، وإِن كنتَ على خلافِ الإِجماع في نفس الأمر. وقد قال الغزاليُّ (١) في كتاب "المستصفَى" في كتاب الإجتهاد: إِن الإِجماعَ
стр. 211
منعقِدٌ على أنَّ من خالفَ الإِجماعَ ولم يَطَّلع عليه، وجَبَ عليه بالإِجماع أن يَبقى على مُخالفةِ الإِجماع، حتى يَطَّلعَ على أنه خالَفَ الإِجماع (١).
ونقولُ له: فإِذا اطَّلعتَ على أنَّك خالفتَ أحدَ الأمور الأربعة وجَبَ عليك استئنافُ الإجتهاد، ولا نُفتيه أيضًا بالوجوبِ ولا بعَدمِه.
وكذلك نُفتي مقلِّديه أنهم إِن لم يَطَّلعوا على أنه خالَفَ أحدَ الأمور الأربعة، فحُكمُ الله تعالى في حقِّهم ما ذهَبَ إِليه، وإِن اطلَّعوا على أنه خالَفَ أحدَ الأمور الأربعة حَرُمَ عليهم موافقتُه، ويُخيَّرون في بقية المذاهب، يُقلِّدون من شاؤوا فيها.
ويجبُ هاهنا الإنتقالُ والجمعُ بين مذهبَينِ، أو الإنتقالُ إِلى جملةِ
стр. 212
المذهبِ الثاني الذي هو أحَدُ المذاهب الصحيحة، لأنه لا سبيلَ إِلى تركِ التقليد في مسحِ الرأس في حقّ العامي، لأنه يُضطَرُّ إِليه في صلاته، والتقديرُ أنه لم يجده في مذهبه (١)، فيَتعيَّنُ عليه أحدُ الأمرين: إِما الجمعُ بين مذهبِه الذي كان عليه فيما عدا هذا الفرع وبين غيرِ مذهبه في هذا الفرع، أو ينتقلُ عن مذهبه الأول بالكلية إِلى مذهب آخر.
وهذه الصُّورةُ ينبغي أن يَتنبَّه لها كلُّ من يقول بالمنع من الإنتقالِ في المذاهب، ويقولُ باستثنائها عن قاعدتِه في عدمِ الإنتقال، فهي ضرورة وموضعُ حاجةِ لا انفكاكَ عنها.
فهذه صُورةُ ما يُفتي به المفتون في جميع المذاهب، تارةً تكون الفُتيا عامَّة، وتارةَ تكون خاصَّة، وتارةً تكون بضدّ ما عليه مذهبُ المفتي في نفسه.
ومن جَهِلَ هذا وهو يُفتي فقد جَهِلَ أمرًا عظيمًا يتعلَّقُ بمنصِب الفُتيا، ربما وقع في خلافِ الإِجماع في فتاويه وهو لا يَشعرُ إِذا عَرَضَ له مثلُ هذه الأمور الخفيَّة التي لا يكادُ يجدها في الكُتُب، فكم من علمٍ لا يوجد مسطورًا بفَصّه ونَصّه أبدًا (٢)، ولا يُقدَرُ على نقله، وهو موجودٌ فيما نُصَّ من القواعد ضِمنًا على سبيل الاندراج، يتفطَّن لاندراجه آحادُ الفقهاءِ دون عامَّتِهم (٣).
стр. 213
مسْألة بعيْدة الغَور معضِلة
نقَلَ الشافعية أنه سُئِلَ عنها الشافعيُّ ﵁، ولم أرهم نقَلُوا جوابَه فيها (١)، وهي أنَّ المقلِّدين لأرباب المذاهب يجوز أن يُصلّي بعضهُم خلفَ بعضِ، وإِن كان كلٌّ منهم يعتقدُ أنَّ مخالِفَه فَعَلَ ما لو فعلَه هو لكانت صلاتُه باطلة، كمن مَسحَ بعضَ رأسهِ، أو تَرَك البسملةَ أو التدليكَ في الطهارة، ونحوِ ذلك. وكذلك يجوز لأحدِ المجتهدِين في هذه المسائل أن يُصلّي خلفَ من يخالفُه من المجتهدين، ويُحكَى أنَّ ذلك جائزٌ إجماعًا، وأنَّ الخلافَ فيه مسبوقٌ بالإِجماع.
ثم انعقدَ الإِجماعُ على خلافِ ذلك في المجتهدين في الأواني والقِبلةِ والثيابِ المختلطِ نجِسُها بطاهرِها ونحوِ ذلك، إِذا أدَّى اجتهادُ أحدِ الشخصين إِلى خلافِ ما أدَّى إِليه الآخر: أنَّه لا يجوز تقليدُهُ له، ولا أن يُصلّي خلفَه، لأنه يَعتقدُ بطلانَ صلاته باعتبار ما خالفه فيه.
فما الفرقُ بين البابين؟ ولم يُنقَل عن الشافعي ﵁ فيها جواب.
وأجاب بعض متأخّري الشافعية (٢) بأنَّ القِسمَ الأولَ لو مَنَعْنا الإقتداء
стр. 214
فيه، لأدَّى ذلك إِلى تقليل الجماعات لعمومِ مواقع الإختلاف في تلك المسائل وكثرتِها، بخلافِ القسمِ الثاني، الإختلافُ فيه نادر، فمَنْعُ الإقتداءِ فيه لا يُفضِي لذلك، وهو ضعيف، فإِنَّ مصلحة الإقتداء إِن كانت لا يُبطلها الخلافُ في الإجتهاد وجب تجويزُها في الجميع، وإِلا فيَمتنع في الجميع، ولأنه فارِقٌ وبحْثٌ لا يَشهد له شاهدٌ بالإعتبار.
والجوابُ الحقُّ أن فقه المسألة أنَّ الله تعالى شَرَع لكل فريقٍ من المخالِفين في مسألة مسحِ الرأس ونحوِها ما أدَّى إِليه اجتهادُه، وجعَلَه شرعًا مقرَّرًا في نفس الأمر، كما جعَلَ الحِلَّ في الميتةِ للمضطر، وتحريمَها على المختار: حُكمين ثابتين في نفس الأمرِ للفريقينِ بالإِجماع، وجعَلَ الله تعالى الظَّنَيْنِ في حقّ المجتهدَينِ، كَالوصفينِ من الإضطرارِ والإختيارِ في حقِّ المكلَّفينِ بالنسبة إلى الميتة.
أما المجتهدانِ في القِبلة ونحوِها فقد أجمَعا على أنَّ ثَمَّ حُكمًا معتَبرًا في نفس الأمر، وهو القِبلةُ أو الطَّهُوريَّة، وأنَّ تركه خطأٌ بإِجماع الفريقين إِذا تعيَّن، فكلُّ واحدٍ من الفريقين غلَبَ على ظنّه أنَّ مخالِفَه مخالفٌ للإِجماع، ولا يَقطَعُ باعتباره، ومَنْ غلب على الظنّ أنه مخالفٌ للإِجماع امتَنع تقليدُه إِجماعًا، ولذلك يُنقَضُ ما خالَفَ الإِجماعَ المنقولَ بأخبارِ الآحاد، أو القواعدَ، أو النَّصَّ، وإِن كان ذلك مظنونًا. فهذه قاعدةٌ انعقد الإِجماعُ على اعتبارها.
وأما في مسحِ الرأس ونحوِه إِذا غَلَبَ على ظنّ المخالِفِ أنَّ مخالِفَه خالفَ معتبرًا يَظنُّ اعتبارَه ولا يَقطُع باعتباره، فهو مُعارَضٌ بظَنٍّ آخَر قِبالتَه في اعتبار ذلك المعتبَرِ من نصٍّ أو قياس.
стр. 215
وأما الإجماعُ الذي غلَبَ على ظنّنا أنه خُولِفَ في القبلة ونحوِها ليس قِبالتَه معارِضٌ البتة، فلم يُمكن تقليدُ من يخالِفُه في ظننا، وفي الأوَّل لمَّا تقابلَتْ الظنون أمكن أن يكون كلُّ ظنٍّ معتبَرًا في حقّ صاحبه، ولذلك تقرَّر شرعًا عامًا في حقِّ ذلك المجتهدِ وحقِّ من قلَّده إِلى يوم القيامة، سواءٌ فرَّعنا على أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ أم لا.
ونظيرُه لو اجتمع شافعيَّان يعتقِدان نجاسةَ الأرواث، واجتهدا في ثوبٍ تنَجَّس بالأرواث، لم تَجُز صلاةُ أحدِهما خلفَ الآخر، وتجوزُ صلاتُه خلفَ المالكيّ المعتقِدِ طهارةَ ذلك الثوب، بسبب أنهما أجمعا في الأوَّلِ على عدمِ تقليدِ مالكٍ، والصلاةُ بالرَّوْثِ مع عدمِ تقليدِ من يعتقد طهارتَه باطلةٌ بالإِجماع، فامتنَع تقليدُه له، لأنه غلَبَ على ظنِّهِ أنه على خلاف الإِجماع.
وكذلك ماءٌ نَجِسٌ لم يَتغيَّر، غير أنه أُخِذَ مِمَّا دُونَ القُلَّتينِ، إِن كانا شافعيينِ امتَنعَ التقليد، أو مالكيًّا وشافعيًّا جاز.
فضابطُ هذا الباب أبدًا أنه متى كان المقلَّدُ فيه على خلاف الإِجماع في ظنّ المقلِّد امتَنَع، وإِلا جاز، وهو سِرُّ الفِقْه في المسألة، فتأمَّلْه (١).