منعقِدٌ على أنَّ من خالفَ الإِجماعَ ولم يَطَّلع عليه، وجَبَ عليه بالإِجماع أن يَبقى على مُخالفةِ الإِجماع، حتى يَطَّلعَ على أنه خالَفَ الإِجماع (١).
ونقولُ له: فإِذا اطَّلعتَ على أنَّك خالفتَ أحدَ الأمور الأربعة وجَبَ عليك استئنافُ الإجتهاد، ولا نُفتيه أيضًا بالوجوبِ ولا بعَدمِه.
وكذلك نُفتي مقلِّديه أنهم إِن لم يَطَّلعوا على أنه خالَفَ أحدَ الأمور الأربعة، فحُكمُ الله تعالى في حقِّهم ما ذهَبَ إِليه، وإِن اطلَّعوا على أنه خالَفَ أحدَ الأمور الأربعة حَرُمَ عليهم موافقتُه، ويُخيَّرون في بقية المذاهب، يُقلِّدون من شاؤوا فيها.
ويجبُ هاهنا الإنتقالُ والجمعُ بين مذهبَينِ، أو الإنتقالُ إِلى جملةِ
стр. 212
المذهبِ الثاني الذي هو أحَدُ المذاهب الصحيحة، لأنه لا سبيلَ إِلى تركِ التقليد في مسحِ الرأس في حقّ العامي، لأنه يُضطَرُّ إِليه في صلاته، والتقديرُ أنه لم يجده في مذهبه (١)، فيَتعيَّنُ عليه أحدُ الأمرين: إِما الجمعُ بين مذهبِه الذي كان عليه فيما عدا هذا الفرع وبين غيرِ مذهبه في هذا الفرع، أو ينتقلُ عن مذهبه الأول بالكلية إِلى مذهب آخر.
وهذه الصُّورةُ ينبغي أن يَتنبَّه لها كلُّ من يقول بالمنع من الإنتقالِ في المذاهب، ويقولُ باستثنائها عن قاعدتِه في عدمِ الإنتقال، فهي ضرورة وموضعُ حاجةِ لا انفكاكَ عنها.
فهذه صُورةُ ما يُفتي به المفتون في جميع المذاهب، تارةً تكون الفُتيا عامَّة، وتارةَ تكون خاصَّة، وتارةً تكون بضدّ ما عليه مذهبُ المفتي في نفسه.
ومن جَهِلَ هذا وهو يُفتي فقد جَهِلَ أمرًا عظيمًا يتعلَّقُ بمنصِب الفُتيا، ربما وقع في خلافِ الإِجماع في فتاويه وهو لا يَشعرُ إِذا عَرَضَ له مثلُ هذه الأمور الخفيَّة التي لا يكادُ يجدها في الكُتُب، فكم من علمٍ لا يوجد مسطورًا بفَصّه ونَصّه أبدًا (٢)، ولا يُقدَرُ على نقله، وهو موجودٌ فيما نُصَّ من القواعد ضِمنًا على سبيل الاندراج، يتفطَّن لاندراجه آحادُ الفقهاءِ دون عامَّتِهم (٣).
стр. 213
مسْألة بعيْدة الغَور معضِلة
نقَلَ الشافعية أنه سُئِلَ عنها الشافعيُّ ﵁، ولم أرهم نقَلُوا جوابَه فيها (١)، وهي أنَّ المقلِّدين لأرباب المذاهب يجوز أن يُصلّي بعضهُم خلفَ بعضِ، وإِن كان كلٌّ منهم يعتقدُ أنَّ مخالِفَه فَعَلَ ما لو فعلَه هو لكانت صلاتُه باطلة، كمن مَسحَ بعضَ رأسهِ، أو تَرَك البسملةَ أو التدليكَ في الطهارة، ونحوِ ذلك. وكذلك يجوز لأحدِ المجتهدِين في هذه المسائل أن يُصلّي خلفَ من يخالفُه من المجتهدين، ويُحكَى أنَّ ذلك جائزٌ إجماعًا، وأنَّ الخلافَ فيه مسبوقٌ بالإِجماع.
ثم انعقدَ الإِجماعُ على خلافِ ذلك في المجتهدين في الأواني والقِبلةِ والثيابِ المختلطِ نجِسُها بطاهرِها ونحوِ ذلك، إِذا أدَّى اجتهادُ أحدِ الشخصين إِلى خلافِ ما أدَّى إِليه الآخر: أنَّه لا يجوز تقليدُهُ له، ولا أن يُصلّي خلفَه، لأنه يَعتقدُ بطلانَ صلاته باعتبار ما خالفه فيه.
فما الفرقُ بين البابين؟ ولم يُنقَل عن الشافعي ﵁ فيها جواب.
وأجاب بعض متأخّري الشافعية (٢) بأنَّ القِسمَ الأولَ لو مَنَعْنا الإقتداء
стр. 214
فيه، لأدَّى ذلك إِلى تقليل الجماعات لعمومِ مواقع الإختلاف في تلك المسائل وكثرتِها، بخلافِ القسمِ الثاني، الإختلافُ فيه نادر، فمَنْعُ الإقتداءِ فيه لا يُفضِي لذلك، وهو ضعيف، فإِنَّ مصلحة الإقتداء إِن كانت لا يُبطلها الخلافُ في الإجتهاد وجب تجويزُها في الجميع، وإِلا فيَمتنع في الجميع، ولأنه فارِقٌ وبحْثٌ لا يَشهد له شاهدٌ بالإعتبار.
والجوابُ الحقُّ أن فقه المسألة أنَّ الله تعالى شَرَع لكل فريقٍ من المخالِفين في مسألة مسحِ الرأس ونحوِها ما أدَّى إِليه اجتهادُه، وجعَلَه شرعًا مقرَّرًا في نفس الأمر، كما جعَلَ الحِلَّ في الميتةِ للمضطر، وتحريمَها على المختار: حُكمين ثابتين في نفس الأمرِ للفريقينِ بالإِجماع، وجعَلَ الله تعالى الظَّنَيْنِ في حقّ المجتهدَينِ، كَالوصفينِ من الإضطرارِ والإختيارِ في حقِّ المكلَّفينِ بالنسبة إلى الميتة.
أما المجتهدانِ في القِبلة ونحوِها فقد أجمَعا على أنَّ ثَمَّ حُكمًا معتَبرًا في نفس الأمر، وهو القِبلةُ أو الطَّهُوريَّة، وأنَّ تركه خطأٌ بإِجماع الفريقين إِذا تعيَّن، فكلُّ واحدٍ من الفريقين غلَبَ على ظنّه أنَّ مخالِفَه مخالفٌ للإِجماع، ولا يَقطَعُ باعتباره، ومَنْ غلب على الظنّ أنه مخالفٌ للإِجماع امتَنع تقليدُه إِجماعًا، ولذلك يُنقَضُ ما خالَفَ الإِجماعَ المنقولَ بأخبارِ الآحاد، أو القواعدَ، أو النَّصَّ، وإِن كان ذلك مظنونًا. فهذه قاعدةٌ انعقد الإِجماعُ على اعتبارها.
وأما في مسحِ الرأس ونحوِه إِذا غَلَبَ على ظنّ المخالِفِ أنَّ مخالِفَه خالفَ معتبرًا يَظنُّ اعتبارَه ولا يَقطُع باعتباره، فهو مُعارَضٌ بظَنٍّ آخَر قِبالتَه في اعتبار ذلك المعتبَرِ من نصٍّ أو قياس.
стр. 215
وأما الإجماعُ الذي غلَبَ على ظنّنا أنه خُولِفَ في القبلة ونحوِها ليس قِبالتَه معارِضٌ البتة، فلم يُمكن تقليدُ من يخالِفُه في ظننا، وفي الأوَّل لمَّا تقابلَتْ الظنون أمكن أن يكون كلُّ ظنٍّ معتبَرًا في حقّ صاحبه، ولذلك تقرَّر شرعًا عامًا في حقِّ ذلك المجتهدِ وحقِّ من قلَّده إِلى يوم القيامة، سواءٌ فرَّعنا على أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ أم لا.
ونظيرُه لو اجتمع شافعيَّان يعتقِدان نجاسةَ الأرواث، واجتهدا في ثوبٍ تنَجَّس بالأرواث، لم تَجُز صلاةُ أحدِهما خلفَ الآخر، وتجوزُ صلاتُه خلفَ المالكيّ المعتقِدِ طهارةَ ذلك الثوب، بسبب أنهما أجمعا في الأوَّلِ على عدمِ تقليدِ مالكٍ، والصلاةُ بالرَّوْثِ مع عدمِ تقليدِ من يعتقد طهارتَه باطلةٌ بالإِجماع، فامتنَع تقليدُه له، لأنه غلَبَ على ظنِّهِ أنه على خلاف الإِجماع.
وكذلك ماءٌ نَجِسٌ لم يَتغيَّر، غير أنه أُخِذَ مِمَّا دُونَ القُلَّتينِ، إِن كانا شافعيينِ امتَنعَ التقليد، أو مالكيًّا وشافعيًّا جاز.
فضابطُ هذا الباب أبدًا أنه متى كان المقلَّدُ فيه على خلاف الإِجماع في ظنّ المقلِّد امتَنَع، وإِلا جاز، وهو سِرُّ الفِقْه في المسألة، فتأمَّلْه (١).
стр. 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 217
السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونْ
ما الصحيحُ في هذه الأحكامِ الواقعةِ في مذهبِ الشافعي ومالكٍ وغيرِهما، المرتَّبةِ على العوائدِ والعُرفِ اللَّذينِ كانا حاصلينِ حالةَ جزمِ العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إِذا تغيَّرتْ تلك العوائد، وصارت العوائدُ تَدُلُّ على ضِدّ ما كانت تدلُّ عليه أوَّلًا، فهل تَبْطُلُ هذه الفتاوى المسطورةُ في كتب الفقهاء ويُفتَى بما تقتضيه العوائد المتجدِّدة؟ أو يقال: نحن مُقلِّدون، وما لنا إِحداثُ شرعِ لعدَمِ أهليتنا للإجتهاد، فنُفتِي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين (١)؟
جَوَابُهُ
أنَّ إِجراءَ الأحكام التي مُدْرَكُها العوائدُ مع تغيُّرِ تلك العوائد: خلافُ الإِجماع وجهالةٌ في الدّين، بل كلُّ ما هو في الشريعةِ يَتْبَعُ العوائدَ: يَتغيَّرُ الحكمُ فيه عند تغيُّرِ العادةِ إِلى ما تقتضيه العادَةُ المتجدِّدةُ (٢)، وليس هذا تجديدًا للإجتهاد من المقلِّدين حتى يُشترَطَ فيه أهليةُ الإجتهاد، بل هذه
стр. 218
قاعدةٌ اجتهدَ فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نَتْبَعُهم فيها من غيرِ استئنافِ اجتهاد.
ألا تَرى أنهم أجمعوا على أنَّ المعاملات إِذا أُطلِقَ فيها الثَّمَنُ يُحمَلُ على غالب النقود، فإِذا كانت العادةُ نقدًا معيَّنًا حمَلْنا الإِطلاقَ عليه، فإِذا انتقلتْ العادةُ إِلى غيرِه عيَّنَّا ما انتقلتْ العادَةُ إِليه، وأَلغينا الأوَّلَ (١)، لإنتقالِ العادة عنه.
وكذلك الإِطلاقُ في الوصايا والأَيمانِ وجميعِ أبواب الفقه المحمولة على العوائد، إِذا تغيَّرتْ العادةُ تغيَّرتْ الأحكامُ في تلك الأبواب. وكذلك الدَّعاوى إِذا كان القولُ قولَ من ادَّعى شيئًا لأنه العادَة، ثم تغيَّرت العادةُ: لم يَبق القولَ قول مُدَّعِيه بل انعكسَ الحالُ فيه.
بل ولا يُشترطُ تغيُّرُ العادة، بل لو خرجنا نحن من ذلك البلد إِلى بلَدٍ آخر، عوائدُهم على خلافِ عادةِ البلد الذي كنا فيه أفتيناهم بعادةِ بلدهم، ولم نعتبر عادةَ البلد الذي كنا فيه. وكذلك إِذا قَدِمَ علينا أحدٌ من بلدِ عادَتُه مُضَادَّةٌ للبلد الذي نحن فيه لم نُفتِه إِلَّا بعادةِ بلدِه دون عادةِ بلدنا.
ومن هذا الباب ما رُوي عن مالك: إِذا تنازع الزوجان في قبضِ الصَّداقِ بعد الدخول: أنَّ القولَ قولُ الزوج، مع أنَّ الأصلَ عدَمُ القَبْض. قال القاضي
стр. 219
إِسماعيل (١): هذه كانت عادتَهم بالمدينة: أنَّ الرجلَ لا يَدخلُ بامرأته حتى تَقبِضَ جميعَ صَداقها، واليومَ عادتُهم على خِلافِ ذلك، فالقولُ قولُ المرأة مع يمينها، لأجلِ اختلافِ العوائد.
إِذا تقرَّرَ هذا فأنا أسرُدُ لك أحكامًا نَصَّ الأصحابُ على أنَّ المُدْرَك فيها العادة، وأنَّ مُستنَدَ الفُتيا بها إِنما هو العادة، والواقعُ اليومَ خلافُه، فيتعيَّنُ تغيِيرُ الحكم على ما تقتضيه العادَةُ المتجدّدة.
وينبغي أن يُعلَم أنَّ معنى العادة في اللفظ: أن يغلِبَ إِطلاقُ لفظٍ واستعمالُه في معنى حتى يَصِيرَ هو المتبادِرَ من ذلك اللفظ عند الإِطلاق، مع أنَّ اللغة لا تقتضيه، فهذا هو معنى العادة في اللفظ، وهو الحقيقةُ العُرفيَّة،
стр. 220
وهو المجازُ الراجحُ في الأغلب، وهو معنى قولِ الفقهاء: إِنَّ العُرف يُقدَّمُ على اللغة عند التعارض، وكلِّ بها يأتي من هذه العبارات.
الحكمُ الأول: بعضُ ألفاظ المُرابحة، وهو قول البائع: بعتُك بوضِيعةِ العشرةِ أحدَ عشر، أو بوَضِيعةِ العشرةِ عشرين أو أكثرَ من ذلك (١). قال الأصحاب: هذا اللفظ يقتضي عادةً أن يأخد لكلِّ أحدَ عشَرَ عشرةً، ويَحُطَّ نصفَ الثمنِ في اللفظ الآخر، ويُلزِمون ذلك المتعاقدَيْنِ من الجانبين بمجرَّد هذا اللفظ لأنه العادة.
وهذه عادةٌ قد بطَلَتْ ولم يَبق هذا اللفظُ يُفهَمُ منه اليومَ هذا المعنى البتة، بل أكثرُ الفقهاء لا يَفهمه فضلًا عن العامَّة، لأنه لا عادَةَ فيه، ولا يُفهَمُ منه ثَمَنٌ معيَّنٌ باعتبار اللغة أيضًا.
فينبغي إِذا وقع هذا العقد بين العامَّة في المعاملات أن يكون العقدُ باطلًا، فإِنه ليس عادتُهم استعمالَه البتة، لأنا طُولَ عُمرِنا لم نسمعه إِلَّا في كتب الفقه، أما في المعاملات فلا. وإِذا لم يكن الثمنُ معلومًا بالعادةِ ولا باللغةِ كان العقدُ باطلًا.
الحكمُ الثاني: في المُرابحة إِذا قال: (بعتُكَ بما قامتْ عليَّ). قالوا: يَصحُّ البيع، ويكون للبائع مع الثمن ما بذَلَه من أُجرة القِصارةِ والكِمادة (٢) والطِّرازةِ والخِياطةِ والصَّبغِ ونحوِ ذلك، مما له عينٌ قائمة، ويَستحقُّ له حِصَّتَه من الربح إِن سَمَّى لكلِّ عَشَرةٍ ربحًا (٣).
стр. 221
وما ليس له عينٌ قائمة إِلَّا أنه يُؤثّر في السُّوقِ زيادةَ رغبةٍ فيه وتنميةً للثمن: فإِنه يَستحقُّهُ ولا يَستحقُّ له حصةً من الربح، نحوُ كِراءِ الحُمولاتِ في النقلِ للبُلدانِ ونحوِه، وما لا يُؤثّر في السوقِ لا يستحقُّه، ولا يكونُ له ربحٌ كأجرةِ الطيّ والشدّ وكِراءِ البيت ونفقةِ البائع على نفسِه.
وهذا التفصيلُ لا يفيده قولُه: (بما قامَتْ على) لغةً، بل يصحُّ هذا البيعُ بهذه العبارة إِذا كان هذا اللفظُ يقتضيه عادةً، فيصيرُ الثمنُ معلومًا بالعادة فيصحُّ البيع، أمَّا اليومَ فلا يُفهَمُ هذا في العادة، ولا يَتعامَلُ الناسُ في أسواقهم بهذه العبارة فلا عادةَ حينئذٍ، فهذا الثمنُ مجهولٌ، فلا يُفتَى بما في الكتب من صحتِهِ وتفاصيله، لإنتقالِ العادة.
الحكمُ الثالث: ما وقع في "المدوَّنة": إِذا قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام أو خَلِيَّة أو بَرِيَّة أو وهبتُكِ لأهلِكِ: يَلزمُه الطلاقُ الثلاثُ في المدخولِ بها، ولا تنفعُه النيَّة أنه أراد أقلَّ من الثلاث (١).
وهذا بناءٌ على أنَّ هذا اللفظ في عُرف الاستعمال اشتَهر في إِزالة العصمة، واشتَهر في العَدَد الذي هو الثلاث، وأنه اشتَهر في الإِنشاء للمعنيين، وانتَقَل عما هو عليه من الإِخبار عن أنها حرامٌ، لأنه لو بقي على ما يَدلُّ عليه لغةً لكان كذِبًا بالضرورة، لأنها حلالٌ له إِجماعًا، فالإِخبارُ عنها بأنها حرام كذبٌ بالضرورة.
وليس مدلولُ هذا اللفظ لغةً إِلَّا الإِخبارَ عن أنها محرَّمة عليه، وأنَّ
стр. 222
التحريم قد دخَلَ في الوجود قَبْلَ نُطقِهِ بهذه الصيغة. وهذا كذِبٌ قطعًا، فلا بُدَّ حينئذٍ أن يقال: إِنها انتقلَتْ في العُرفِ لثلاثة أمور: إِزالةِ العِصمة، والعَدَدِ الثلاث، والإِنشاءِ، فإِنَّ ألفاظ الطلاقِ إِن لم تكن إِنشاءً أو يُرادُ بها الإِنشاء، لا تُزيلُ عصمةَ البتة (١).
وملاحظةُ هذه القاعدة هي سبَبُ الخلاف بين الخَلَف والسلف في هذه المسألة.
إِذا تقرَّرَ هذا: فأنت تعلمُ أنك لا تجدُ الناسَ يَستعملون هنذه الصِّيَغ المتقدمة في ذلك، بل تَمضي الأعمارُ ولا يُسمَعُ أحدٌ يقول لامرأته إِذا أراد طلاقها: أنتِ خَلِيَّة، ولا: وَهَبْتُكِ لأهلك، ولا يَسمَعُ أحدٌ أحدًا يَستعملُ هذه الألفاظ في إِزالة عِصمةٍ ولا في عَدَدِ طَلاقات، فالعُرف حينئذٍ في هذه الألفاظ متفِ قطعًا، وإِذا انتَفى العُرف لم يَبق إِلَّا اللغة، لأنَّ الكلام عندَ عدَم النيَّةِ والبِساط (٢).
стр. 223
واللغةُ لم توضع فيها هذه الألفاظ لهذه المعاني التي قرَّرها مالك في "المدوَّنة" بالضرورة. ولا يَدَّعي أنها مدلولُ اللفظ لغةً إِلَّا من لا يَدري اللغة،
стр. 224
وإِذا لم تُفِد هذه الألفاظ هذه المعانيَ لغةً ولا عُرفًا، ولا نيَّةً، ولا بِساطًا، فهذه الأحكامُ حينئذٍ بلا مستنَد، والفُتيا بغيرِ مستنَد باطلةٌ إِجماعًا، وحرامٌ على قائلها ومعتقِدِها.
نعم، لفظةُ الحرام في عُرفنا اليوم لإِزالة العصمة خاصةً دون عَدَد (١)، وهي مشتهرةٌ في ذلك، بخلاف ما ذُكِرَ معها من الألفاظ، ومقتَضَى هذا أن يُفتَي بطلقةٍ رجعية ليس إِلَّا، ويُنوَّى في غيرها من الألفاظ التي ذُكِرتْ معها، فإِن لم يكن له نيَّةٌ ولا بِساط لم يلزمه شيء، لأنها من الكنايات الخفية على هذا التقدير.
لكنَّ أكثرَ الأصحابِ وأهل العصر لا يُساعدون على هذا وينكرونه. وأعتقدُ أنَّ ما هم عليه خلافُ إِجماعِ الأئمة، وهذا الكلامُ واضحٌ لمن تأمَّلَه بعقلٍ سليم، وحُسنِ نظرٍ سالمٍ من تعصُّباتِ المذاهب التي لا تليقُ بأخلاق المتَّقين لله تعالى.
والعجَبُ منهم أنهم إِذا قيل لهم: إِذا قال الرجل لامرأته: أنتِ طالق، يَفتقرُ إِلى نية؟ يقولون: لا، لأنه صريحٌ لغةً في إِزالة العصمة، لأنَّ الطاءَ واللام والقاف لِإزالة مُطلقِ القيد، ولذلك يقال: لفظٌ مُطلَق، وحلالٌ طِلْق، ووجهٌ طَلْق، وأُطلِقَ فلانٌ من الحَبْس، وانطلقَتْ بَطْنُه. وعَقْدُ النكاح أحَدُ أنواعِ القيد، فإِذا زال مُطلَقُ القيدِ زال قَيْدُ النكاح بالضرورة (٢).
فيقال لهم: إِن قال لها: أنتِ مُنْطَلِقة، فيها جميعُ هذا؟ فلا يجدون
стр. 225
جوابًا إِلَّا أنه مهجورٌ في عُرف الإستعمال، لا يُستعمل في الطلاق، فلا يُفيد الطلاقَ إِلَّا بالنيَّة.
فيقال لهم: فإِن اتَّفق أن يكون لفظُ مُنْطَلِقة مشتهرًا في عصرٍ أو في مصرٍ في إِزالة العصمة، وأنتِ طالقٌ لم يشتهر في إِزالة العصمة عندهم ما الحكمُ؟
فيتعيَّنُ أن يقولوا: يَلزمُهم الطلاقُ بمُنْطَلِقةً دون طالق، إِلَّا أن ينوي بطالقٍ إِزالةَ العصمة، عكسُ ما نحنُ عليه اليوم.
فيقال لهم: وكذلك لَفْظُ الحرام ينبغي أن تدور الفُتيا فيها وفي أخواتِها مع اشتهارها في العُرفِ وجودًا وعَدمًا، ففي أي شيء اشتَهَرت حُمِلَتْ عليه بغير نيَّة، وما لم تَشتَهِر فيه لم تُحمَل عليه إِلابنيَّة.
ولا يكفي في الإشتهار كونُ المفتي يعتقدُ ذلك، فإِنَّ ذلك نشأ عن قراءةِ المذهب ودراستِه والمناظرةِ عنه.
بل الاشتهار أن يكون أهلُ ذلك المصر لا يفهمون عندَ الإِطلاق إِلَّا ذلك المعنى، لا مِن لفظِ الفقهاء بل باستعمالهم هم لذلك اللفظ في ذلك المعنى.
فهذا هو الإشتهار المفيدُ لنقل اللفظِ من اللغة للعُرف.
стр. 226
السُّؤَالُ الأَرْبَعُونْ
عن تنبيهات يَتعيَّنُ على المفتي التفطُّنُ لها (١)، وأنا أذكرُ منها إِن شاء الله تعالى عَشَرَة:
التَّنْبِيهُ الأَوَّلُ
التفطُّن للفرق بين النيَّة المُخصِّصةِ والنيَّةِ المؤكِّدة (٢)، فضابط المؤكِّدةِ ما وافقَ اللفظَ، والمخصِّصةِ ما خالفَ اللفظ في بعض مدلوله.
ويَظهرُ ذلك بالمثال، فإِذا قال القائل: واللهِ لا لَبِستُ ثوبًا في هذا اليوم، فإِذا نَوى عمومَ الثيابِ، فهذه نيَّةٌ مؤكِّدة مُرادِفة لمدلول اللفظ، فنُحنِّثُه بكل ثوب، لأنه مقتَضى لفظِه ومقتَضَى نيَّتِه.
فإِن قال: نويتُ ثيابَ الكَتَّان ولم يَخطُر لي غيرُها ببال، حنَّثناه بثيابِ الكَتَّان باللفظِ والنيَّةِ، وبغيرِ ثياب الكتَّان باللفظ السالم عن مُعارَضَةِ النية،
стр. 227
فإِن تَرْكَ غيرِ الكتَّان لم يَقصِد (١) لإِخراجه من اليمين ولا لتبقيته، فبقي اللفظُ الصريحُ فيه سالمًا عن مُعارضة النية فيَحنَثُ به، فتكون هذه النية مؤكِّدةً للفظِ في بعض مدلوله دون كلِّ مدلوله، وليس فيها تخصيصٌ البتة.
وإِن قال: أخطرتُ ببالي غيرَ الكتَّان وأردتُ إِخراجه من اليمين عند الحلف. قلنا: هذه نيَّةٌ مُضادَّةٌ مخالفةٌ للفظ في بعض مدلوله، فهي مُخصِّصة، لأنَّ مِن شرطِ المخصَّصِ أو الناسخِ أن يكون منافيًا، فحينئذٍ لابُدَّ أن يقول الحالفُ في النيَّة المخصِّصة: نويتُ إِخراجَ كذا عن اليمين، ولا ينفعه قولُه: نويتُ ثيابَ الكتان، ولم يَذكر أنه قصَدَ إِخراجَ غير الكتان، فالمفيدُ قصدُ الإِخراجِ لا القصدُ إِلى بعض المدلول.
وأكثرُ الذين يُفتون إنما يقولون لمن يستفتيهم: أيَّ شيء أردتَ بقولك؟ فيقول لهم: أردتُ به كذا، فيُفتونه بأنه لا يَحنث بغيره، وهو غَلَط، بل لابُدَّ وَأن يقول (٢): أردتُ إِخراجَ المعنى الفلاني من نيَّتي حتى تَتحقَّق نيَّةُ التخصيص.
فإِن قالوا: ما يُريد بقوله: أردتُ ثيابَ الكتان إِلَّا الله أرادَ إِخراجَ غيرِها. قلنا: هذا في غاية البعد، فإِنَّ الفرقَ بين المخصًص والمؤكِّد إِنما يفهمه خَوَاصُّ الفقهاء، فكيف يُدَّعَى على العوامّ البُلْهِ أنهم يريدونه بلفظٍ لم يوضع
стр. 228
له، وهل هذا إِلَّا إِلغازٌ في اللفظ.
بل ينبغي للمفتي إِذا صَرَّح له العامِيُّ بعبارةٍ صريحة أنَّ يَتفقَّد قرائنَ أحواله، وشأنَ واقعتِه، هل ثَمَّ ما يُنافي صريحَه أم لا؟ فكيف نَقنعُ منه بلفظٍ لم يُوضَع للتخصيص، ويقال: إنه أراد به التخصيص، بل نجزمُ بخلافِ ذلك من أحوالِ العوامّ، وأنهم إِنما يَخطُرُ لهم بعضُ مدلول اللفظ، ويَذهلون عما عداه، وهذا ليس تخصيصًا إِجماعًا.
فيَتعيَّنُ على المفتي أن يَتفطَّن لهذا ويَتثبَّتَ حتى يَتحقَّقه واقعًا في نفس المستفتي وحينئذٍ يُفتيه، والهجومُ على الفُتيا من غير تيقُّنِ ذلك حرام، ونعني باليقين غلبةَ الظن.
стр. 229
التَّنْبِيهُ الثَّانِي
ينبغي للمفتي إِذا جاءته فُتيا وصاحبُها يقول: ما تقولون في كذا في مذهب مالك هل يَلزَمُني أم لا؟ فإني شافعيُّ المذهب، وقد التزمتُ مذهبَ مالك. فلا يُفتيه المالكيُّ باللزوم أو بِعَدَمِ اللزوم من مذهب مالك، مع أنَّ مذهب الشافعي يُخالفُه، لأجلِ قوله: وأنا شافعيُّ المذهب، فإِنَّ الذي عليه الفُتيا في مذهب مالكِ امتناعُ انتقالِ المالكيِّ لمذهب الشافعي في مسألة، وكذا انتقالُ الشافعيّ إِلى مذهبِ مالك في مسألة.
وإِذا كانت الفُتيا على المنعِ من الإنتقال، فالحقُّ الذي يَنبني على امتناعِ الانتقال إنما هو في مذهب مالك لازمٌ للناس، وغيرُ لازم في مذهب الشافعي، وإِنه لا يَلزمه شيءٌ يخالفُه مذهبُ الشافعي (١). وكذلك لا يُباحُ له ما يُباحُ للمالكية إِذا كان الشافعيُّ يَمنعه، لأنَّ الإنتقالَ ممنوع، والبقاءَ على مذهبه الذي قلَّده أولًا متعيِّنٌ، وحُكمُ الله تعالى في حقَّه ما قاله إِمامُه دون ما قاله غيرُه. وهذه دَسِيْسَةٌ تقِلُّ التفطُّنُ لها (٢).
стр. 230
بل يُفتونه بما في مذهب مالك وإِن قال: أنا شافعي، وكذلك الشافعيةُ يفتونه بمذهب الشافعي وإِن قال: أنا مالكي، فاعلَمْ ذلك.
стр. 231
التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ
ينبغي للمفتي إِذا ورد عليه مُستفتٍ (١)، لا يَعلمُ أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضعُ الفتيا: أن لا يُفتيَه بما عادتُه يُفتي به حتى يَسأله عن بلده، وهل حدَثَ لهم عُرفٌ في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا؟ وإِن كان اللفظُ عُرفيًا فهل عُرْفُ ذلك البلد موافقٌ لهذا البلد في عُرفه أم لا؟
وهذا أمرٌ متعيِّنٌ واجبٌ لا يَختلف فيه العلماء، وأنَّ العادتينِ متى كانتا في بلدفينِ ليستا سواءً أنَّ حُكمَهما ليس سواء، إِنما اختَلفَ العلماءُ في العُرفِ واللغةِ هلْ يُقدَّمُ العُرفُ على اللغة أم لا؟ والصحيحُ تقديمهُ، لأنه ناسخٌ، والناسخُ مقدَّم على المنسوخ إِجماعًا، فكذلك ها هنا.
стр. 232
التَّنْبِيهُ الرَّابِعْ
يَتعيَّنُ على المفتي إِذا كان يُجوِّز الإنتقالَ في المذاهب في آحادِ المسائل، أن يَتفطَّنَ لما يُفتي به هل في المذهبِ المنتقَلِ عنه ما ياباه أم لا؟
مثالُه: إِذا كان المفتي الشافعيُّ يُجوِّزُ الإنتقالَ مثلًا من مذهبِ مالك إلى مذهب الشافعي، وسُئِلَ عن تَرْكِ التدليكِ في الغُسل للمالكي، فيَتعيَّنُ عليه أن لا يُبيحَه (١)، لأنَّ الصلاةَ تصيرُ من المالكيِّ باطلةً بإِجماع الإِمامينِ، لأنَّ المالِكيَّ لا يُبسمِلُ، فيُبطلُها (٢) مالكٌ لعَدمِ التدليك، ويُبطلُها الشافعيُّ لعدمِ البسملة.
ولقد سُئلتُ مرَّةً عن الوضوء في السَّرَامِيزِ المَخْرُوزَةِ (٣) بشَعْرِ الخِنزير،
стр. 233
هل تجوز الصلاة بأثَرِ ذلك الماءِ المباشِرِ لمواضعِ الخَرْز؟ وكان السائلُ شافعيًّا، فقلتُ له: أمَّا مذهبُ مالك فشَعْرُ الخنزير طاهرٌ، غيرَ أنك شافعيٌّ تَمسَحُ بعضَ رأسك، فيتفق الإِمامانِ على بطلانِ صلاتك، مالكٌ لعدمِ مسحِ جميع الرأس، والشافعيُّ لكونِ شعر الخنزير نَجِسًا عنده.
وأمثالُ هذه المسائل ينبغي التفطُّنُ لها، فإِنها كثيرةُ الوقوع (١).
стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 235
التَّنْبِيهُ الخَامِسُ
ينبغي للمفتي أن لا يأخُذَ بظاهرِ لفظِ المستفتي العاميّ حتى يَتبيَّن مقصودَه، فإِنَّ العامَّة ربما عبَّروا بالألفاظ الصريحة عن غير مدلول ذلك اللفظ، ومتى كان حالُ المستفتي لا تَصْلُح له تلك العبارة ولا ذلك المعنى، فذلك رِيبةٌ ينبغي للمفتي الكشفُ عن حقيقة الحال كيف هو؟ ولا يَعتمدُ على لفظِ الفُتيا أو لفظِ المستفتي، فإِذا تحقَّقَ الواقعَ في نفس الأمر ما هو؟ أفتاه، وإِلا فلا يُفتيه مع الرِّيبة (١).
стр. 236
وكذلك إذا كان اللفظُ ما مثلُه يَسألُ عنه (١)، ينبغي أن يستكشف، ولا يُفتيَ بناءً على ذلك اللفظ، فإِنًّ وراءه في الغالب مَرمىً هو المقصود، ولو صَرَّحَ به امتنَعتْ الفُتيا.
ولقد سُئلتُ مرَّةً عن عَقدِ النكاح بالقاهرة، هل يجوز أم لا؟ فارتبتُ وقلتُ له: ما أُفتِيك حتى تُبَيِّنَ لي ما المقصودُ بهذا الكلام، فإِنَّ كلَّ أحدٍ يَعلمُ أنَّ عَقْدَ النكاح بالقاهرة جائز، فلم أزل به حتى قال: إِنَّا أردنا أن نَعقِدَه خارجَ القاهرة فمُنِعْنا لأنه استحلالٌ، فجئنا للقاهرة عقدناه، فقلت له: هذا لا يجوز لا بالقاهرة ولا بغيرها.
стр. 237
التَّنْبِيهُ السَّادِسُ
ينبغي للمفتي إِذا وَجَدَ في آخر السطر خلَلًا أو بياضًا خاليًا أنْ (١) يَسُدَّه بما يَصلحُ، فإنه ذَرِيعةٌ عظيمةٌ للطعن على العلماء المفتين، وذَرِيعةٌ للتوصُّل للباطلِ والتتميم (٢).
وقد استُفتِي بعضُ العلماء المشهورين عن رجلٍ مات وترَكَ أُمًّا وأخًا
стр. 238
لأُمّ، وترَكَ الكاتبُ في آخرِ السطر بياضًا، ثم قال: وابنَ عم، فكتَبَ المفتي: للأُمِّ الثلث، وللأخ للأمّّ السدس، والباقي لإبن العم، فلما أخَذَ المستفتي الفُتيا كَتَبَ في ذلك البياض: وأبًا، ثم دَوَّر الفُتيا على الناس بالكُوفة وقال: انظروا فلانًا كيف حجَبَ الأبَ بابن العَمّ، فقال له أصحابُه، مثلُه ما يَجهلُ هذا، فقال: هذا خَطُّه شاهدٌ عليه، فوقعَتْ فِتنةُ عظيمةٌ بين فئتين عظيمتين من الفقهاء.
فينبغي للمفتي أن يَحذَرَ مِن مثلِ هذا، وأن يَسُدَّ البياضات كما يَفعل الورَّاقون في كُتبِ الأحباس وغيرِها حذرًا من التتميم. وينبغي له إِذا وجَدَ سطرًا ناقصًا في آخر الفُتيا أنَّ يُكملَه بخطّه بما يكتبه في الفُتيا.
وإِذا قال المستفتي من لفظِهِ: قَيْدًا يَنضمُّ للفُتيا ويُغيِّرُ الحُكمَ، يَكتُبه بخَطّه بين الأسطر، أو يقول: قال المستفتي مِن لفظِه: كذا، لئلا يُطعَنَ عليه في فتياه. ونحوُ هذه الإحترازات لا ينبغي أن يُغْفَلَ عنها، فالحزمُ سُوء الظنّ، وسَدُّ الذرائع مِن أحسنِ المذاهب، قال ﵇: "دَعْ ما يَريبُك إِلى ما لا يَريبك" (١).
стр. 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 240
التَّنْبِيهُ السَّابِعْ
ينبغي للمفتي أن لا يُفتيَ إِلا على لفظِ الفُتيا بعد الفحص عن الرِّيبة فيه، ولا يَعدِلُ عنه إلى لفظٍ آخرَ يَكتبُه في لفظ الفُتيا زيادةً في الإستفتاء، ثم يُفتي بناءً على تلك الزيادة التي زادها، نحوُ أن يَكتُبَ له (١) في الفُتيا: ما تقولُ فيمن اشترى خَمْرًا من المسلمين؟ فيقول في الفتيا: إِنْ كان قد شَرِبَها بعد شرائِه لها وجَبَ عليه الحدُّ، فيقول المستفتي: قد أفتاني الفقهاءُ بأنَّ فلانًا الذي اشتَرى الخمرَ يُحدّ، بناءً على ما كتبه.
والمفتي إنما أَفتى بناءً على ما زاده فيَفْسُدُ الحال، بل لا يُفتي المفتي إِلَّا على ما وجَدَ، حتى يقول بعضُ العلماء في هذا المعنى: المفتي لا يكون متبرِّعًا.
اللهم إِلَّا أن يكون لفظُ الفُتيا يَحتمِلُ أمرينِ متقارِبَين، وهي مُجملَة محتاجةٌ إِلى الشروط والزيادات فيزيد، نحوُ قولهم: ما تقول فيمن طلَّق امرأتَه اثنتينِ، هل له المراجعة أم لا؟ فيقول المفتي: إِن كان حُرًّا ولم يتقدَّمها طلاقٌ ولا هي بائنةٌ بخُلعٍ ولا بانقضاء العِدَّة وهي مدخولٌ بها، فله الرجعةُ وإِلا فلا.
أو يكون لفظُ الفُتيا صريحًا غيرَ أنَّ المستفتي في أمره رِيبةٌ في تلك الفُتيا، نحوُ ظالمٍ يسأل: هل يجوزُ أخذُ المال على سبيلِ القَرْض، ويَفهمُ
стр. 241
المفتي أنه يتذرَّعُ بهذه الفُتيا إِلى الغَصب في الوقت الحاضر، وأنه يَردُّهُ في المستقبلِ إِن خطر له، فيقول المفتي: إِن كان أَخْذُهُ من رَبِّه بإِذنه من غير إِكراه ولا إِلجاء، على الأوضاع الشرعية جاز، وإِلا فلا. أو لا يُفتيه أصلًا وهو الأحسن، فإِن مقصودَه بالفُتيا إِنما هو التوصُّل للفساد.
أو يَسألُ مَنْ عادتُه الرِّبا أو العُقودُ الفاسدة: هل يجوزُ بيعُ العُرُوض بالنقود؟ فإِن قال له المفتي: يجوز، باعَ عَرْضًا ودِرْهمًا بألفِ درهم، بناءً على هذه الفُتيا، فيُقيِّدُ المفتي الفُتيا بما يَدفع الفسادَ المتوقَّعَ من جهته، أو لا يُفتيه أصلًا وهو الأحسن.
ونحوُ هذه الذرائع ينبغي أن يكون المفتي مُتفطِّنًا لها، فرُبَّ حقٍّ أُريدَ به باطل. وعن رسول الله ﷺ : "الفقهاءُ أُمناءُ الله على خَلْقِه" (١). فلا ينبغي للفقيه الخِيانةُ في الأمانة، وإِذا قَصَد الناسُ أن يجعلوه سُلَّمًا للوصول للمحارم فلا يُساعِدُهم على ذلك، بل ينبغي أن يكون كالمجتهد المتحيِّل على وقوعِ الحقّ في الوجودِ حسَبَ قُدرتِه.
стр. 242
التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ
ينبغي للمفتي إِذا وقعَتْ له مسألةٌ غيرُ منصوصة، وأراد تخريجَها على قواعد مذهبه: أن يُمعِنَ النظرَ في القواعد الإِجماعيةِ والمذهبية، هل فيها ما يُوجبُ انقداحَ فرقٍ بين الصورةِ المخرَّجة والأصلِ المخرَّجِ عليه أم لا؟
فمتى توهَّمَ الفَرْقَ، وأنَّ ثَمَّ معنى في الأصل مفقودٌ في الصورة المخرَّجة، أمكن أن يُلاحظَه إِمامُه المقرِّرُ لتلك القاعدة في مذهبه: امتَنَع التخريجُ، فإِنَّ القياس مع الفَرْقِ باطل، ولأن نسبةَ المفتي إِلى قواعد مذهبه كنسبة المجتهد إِلى قواعد الشريعة، فكما يَمتنعُ على المجتهد القياسُ على قواعد الشرع مع الفارق، كذلك يَمتنعُ قياسُ المفتي مع قيامِ الفارق.
ولهذا التقرير لا يَجوزُ لمفتٍ أن يُخرِّجَ غيرَ المنصوص على المنصوص إِلَّا إِذا كان شديدَ الاستحضار لقواعدِ مذهبه وقواعدِ الإِجماع، وبقَدْرِ ضَعْفِه في ذلك يَتَّجِهُ منعُه من التخريج، بل لا يُفتي حينئذ إِلَّا بمنصوصٍ إِن كان له الاطلاعُ على منقولاتِ مذهبه، بحيث لا يَخفَى عليه غالبًا أنه ليس في مذهبه ما يقتضِي تقييدَ هذا النَّصَ المطلَقِ الذي أَفتى به، ولا يُخصِّصُ عمومَه.
فإِن لم يكن له هذه الأهليةُ ولا هذا الاطِّلاِعُ امتَنَع أن يُفتي مطلقًا، حَفِظَ نَصَّ المسألةِ أم لا؟ لأنَّ هذا النص الذي حفِظه يَحتمل أن يكون قُيِّد في المذهب بقيدٍ غيرِ موجود في الفتيا، وتَحرُمُ عليه الفُتيا حينئذ.
وهذا يقتضي أنَّ مَنْ لا يدري أصولَ الفقه يَمتنعُ عليه الفُتيا، فإِنه
стр. 243
لا يَدري قواعدَ الفروقِ والتخصيصات والتقييداتِ على اختلاف أنواعِها إِلَّا مَن دَرَى أصولَ الفقه ومارَسَهُ.
مسألة
كان الأصلُ تقتضي ألا تَجوزَ الفُتيا إِلَّا بما يَرويه العدلُ عن العدل، عن المجتهِد الذي يُقلِّدُه المفتي حتى يَصِحَّ ذلك عند المفتي (١)، كما تصحُّ الأحاديث عند المجتهد، لأنه نقلٌ لدين الله تعالى في المَوْضِعَيْنِ. وغيرُ هذا كان ينبغي أن يَحرُم. غير أنَّ الناس توسَّعوا في هذا العصر فصاروا يُفتون من كتبٍ يطالعونها من غير رواية، وهو خطَرٌ عظيم في الدين وخروجٌ عن القواعد.
غير أنَّ الكتبَ المشهورةَ لِشُهرتِها بَعُدَتْ بُعدًا شديدًا عن التحريف والتزوير، فاعتَمَد الناسُ عليها اعتمادًا على ظاهر الحال. ولذلك أيضًا أُهملت روايةُ كتبِ النحو واللغةِ بالعنعنة عن العدول، بناءً على بُعدها عن التحريف، وإِن كانت اللغة هي أساسَ الشرع في الكتاب والسُّنَّة، فإِهمالُ ذلك في اللغةِ والنحوِ والتصريفِ قديمًا وحديثًا، يَعْضُدُ أهلَ العصر في إِهمال ذلك في كتب الفقه بجامعِ بُعد الجميع عن التحريف.
وعلى هذا تحرُمُ الفتوى من الكتب الغريبة التي لم تَشتهر، حتى تتظافَرَ عليها الخواطرُ ويُعلَمَ صِحَّةُ ما فيها، وكذلك الكتبُ الحديثةُ التصنيفِ إِذا لم يَشتهر عَزْوُ ما فيها من النُّقول إِلى الكتب المشهورة، أو يُعلَمْ أنَّ مُصنِّفَها كان يعتمدُ هذا النوعَ من الصحة، وهو موثوق بعدالته، وكذلك حواشي
стр. 244
الكتب تَحرُمُ الفتوى بها لعدم صحتها والوثوقِ بها (١).
стр. 245
التَّنْبِيهُ التَّاسِعْ
فيما يَتعلَّقُ بوضعِ الفُتيا ووَرَقةِ الإستفتاء.
ينبغي للمفتي: أن لا يَختلِفَ فلَمُه الذي يَكتبُ به الفُتيا بالدِّقَّة والغِلَظِ والتنويم في الخطِّ، فإن تنويعَه سببُ التزوير عليه بأحدِ تلك الخطوط أو بغيرِها، ويقال: هو خَطُّه، لأنَّ خطَّه غيرُ منضبط.
وأن لا يكون قلَمُه في غاية الغِلَظِ فيضيع الورَقُ على المستفتي، ولا في غاية الدِّقَّة فتَعْسُر قراءته، بل ينبغي أن يكون وسطًا بين ذلك، وأن يكون بيِّنًا للقراءة لا يَسلكُ به مسلكَ التعليق والإِدماجِ والإختصار لبعض الحروف.
وأن يتأْدَّبَ في صورةِ الوضع إِن كان معه في الفُتيا غيره ممن هو أعظمُ منه، فإِن كان الذي تقدَّمه في غايةِ الجلالة فليقل: كذلك جوابي، إِن كان يَعتقدُ صِحَّةَ ما قاله مَنْ تقدَّمَه.
ودون ذلك في التواضع: جوابي كذلك، لأنَّ تقديمَ لفظ الجواب قبلَ التشبيهِ تقديمٌ لجوابه على جوابِ من تقدَّمه الكائنِ في التشبيه، وإِن قال: كذلك جوابي، فالإِشارة بـ (ذلك) الذي دخلَتْ عليه كافُ التشبيه هو جوابُ من تقدَّمه، فيكون قد قَدَّمَ جوابَ السابق عليه قبلَ ذكر جوابه، والتقديمُ تعظيم واهتمام، فهو أدخَلُ في الأدب.
ودون هاتين المرتبتين في التواضع وأقربُ إلى الترفُّعِ أن يكتب مثلَ
стр. 246
الجواب بعبارةٍ أخرى، ولا يُشبِّه جوابَه بجوابِ من تقدَّمه أصلًا.
وأرفَعُ مِن ذلك وأبعَدُ عن التواضع أن يقول: الجوابُ صواب، أو الجوابُ صحيح. وهذا لا يُستعمَلُ إِلَّا لمن يَصلُحُ للثاني أن يُجيزَه في الفُتيا أو يُزكِّيه في قوله، وأن يكون معه في معنى التلميذِ والتَّبَع، لأنه أظهرَ أنَّ جوابَ السابقِ في صورةِ من يَشهدُ له هو بالصحة أو بالصواب من جهة الثاني، وهذه أدنى الرُّتَب لخلوّ اللفظِ عن التعظيم بالكلية، هذا من حيث اللفظ.
وأما من حيث الموضع الذي يَكتبُ فيه، فإِن اتَّضعَ كتَبَ خَطَّهُ تحتَ خطّ الأول، وإِن ترفَّعَ كتَبَ قِبالتَهُ في يمين الخطّ أو شِماله، وكذلك الجهةُ اليُمنى أشرَفُ من الجهة اليُسرى (١)، فالمتواضعُ يَضَعُ في اليُسرى، والذي لا يَقصِدُ التواضعَ ويقصِدُ التعظيمَ يَضَعُ في الجهةِ اليُمْنَى، لكونها يُمنى.
وينبغي للمفتي: متى جاءته فُتيا وفيها خَطُّ من لا يَصلحُ للفُتيا، ألا يَكتبَ معه، فإِنَّ كتابتَه معه تقريرٌ لصنيعه، وترويجٌ لقوله الذي لا ينبغي أن يُساعَدَ عليه وإِن كان الجوابُ في نفسه صحيحًا. فإِنَّ الجاهل قد يُصيب، ولكنَ المصيبةَ العظيمةَ أن يُفتيَ في دينِ الله مَنْ لا يَصلحُ للفتيا، إِما لقِلَّة علمِه، أو لقلَّةِ دينه، أوْ لهما معًا.
стр. 247
ولا ينبغي للمفتي: أن يَكتب في الفُتيا ما لا تدعو حاجةُ المستفتي إليه، فإِنَّ الورق مِلكُه، ولم يأذن في الكتابة فيه إِلَّا بما تتعلَّق به مصلحتُه، وغيرُ ذلك يَحرمُ فلا يزيدُ عليه، إِلَّا أن تَشهدَ العادةُ بالزيادة اللطيفة فيكون مأذونًا فيها عادةً، نحوُ قولِ المفتي في آخرِ فُتياه: (والله أعلم)، ونحوَ ذلك.
ولا ينبغي: أن يضَعَ هذه اللفظةَ ونحوَها إِلَّا ناويًا بها ذِكرَ الله تعالى، فإِنَّ استعمالَ ألفاظِ الأذكارِ لا على وجهِ الذكر والتعظيمِ لله تعالى قلَّةُ أدبٍ مع الله تعالى، فيُنهَى عنه، بل يَنوي به معناه الذي وُضِع له لغةً وشرعًا.
وإِذا وَجَدَ في الفتيا خطأ مُجمَعًا عليه أو مختلَفًا فيه، فإن كان المفتي به مذهَبُهُ يقتضِي أنه خطأ فهو منكَرٌ تجبُ إِزالته وإِن كَرِه رَبُّ الفُتيا، لأنَّ الفتيا بخلافِ الاعتقاد حرام. وإِن كان مذهَبُ المفتي يقتضِي صِحَّتَه، وهو لا يجوزُ التقليدُ فيه لكونه على خلاف القواعدِ، أو النصوصِ، أو القياسِ الجليّ السالمِ كلِّ ذلك عن معارضٍ راجحٍ عليه، فهو منكَرٌ أيضًا تجبُ إزالتهُ. وإِن كان مما يَجوزُ التقليدُ فيه لا يَتعرَّض له وإن كان على خلافِ مذهبه.
وينبغي له: إذا وجدها منكرةً على أحدِ الوجوه، وعلِمَ أنَّ كاتبها إِذا سُيِّرتْ إِليه لا يسوؤه ذلك، وأنه يُغيرُها مع سلامةِ القلوب عن الأحقاد: فلْيَبعث بها إليه فهو أستَرُ له وأحفَظُ لعِرْضه، لئلا تَنتشرَ، أو يَقفَ عليها حاسدٌ أو عدوٌّ، فيَجدَ بذلك السبيلَ لغَرَضِه، وحسْمُ مادَّةِ الفسادِ من أوَّلها أولى. وإِن كان خَلَلًا من جهة سبقِ القلم أو نقصِ بعضِ الحروف فليُصلحْه هو بيده ولا يَبعثْ به إِليه، جمعًا بين مصلحة الفُتيا وحفظِ قلبِ كاتبها عن الألم وتعجيلًا لزوالِ المفسدة.
стр. 248
ولا ينبغي للمفتي: أن يَحكي خلافًا في المسألة لئلا يُشوِّشَ على المستفتي، فلا يَدري بأي القولين يأخذ (١)، ولا أن يَذكُرَ دليلًا ولا مَوضعَ النقلِ من الكتب، فإنَّ في ذلك تضييعًا للورق على صاحبه، إِلا أن يَعلمَ أنَّ الفُتيا سيُنكرُها بعضُ الفقهاء، ويقعُ فيها التنازعُ، فَيقصِدُ بذلك بيانَ وجه الصواب لغيره من الفقهاء، الذي يَتوهَّمُ مُنازعتَه، فيَهتدي به، أو يَحفظُ عِرضَه هو عن الطعن عليه. وأما متى لم يكن إِلَّا مجرَّدُ الإسترشاد من السائل فليَقتصر على الجواب من غير زيادة.
ومتى كان الإستفتاء في واقعةٍ عظيمة تتعلَّقُ بمَهَامّ الدين أو مصالحِ المسلمين، ولها تعلُّقٌ بوُلاةِ الأمور، فيَحسنُ من المفتي الإِسهابُ في القولَ وكثرةُ البيانِ والمبالغةُ في إِيضاح الحق بالعبارات السريعةِ الفهم، والتهويلُ على الجُناة (٢)، والحضُّ على المبادرةِ لتحصيلِ المصالح ودرءِ المفاسد.
стр. 249
ويَحسُنُ بسطُ القول في هذه المواطن وذكرُ الأدلَّةِ الحاثَّةِ على تلك المصالح الشرعية، وإِظهارُ النكيرِ في الفُتيا على مُلابِس المنكراتِ المجمَعِ على تحرِيمها وقُبحها. ولا ينبغي ذلك في غير هذه الَمواطن بل الإقتصارُ على الجواب.
ومتى كان للمسألة شروطٌ وتفاصيلُ منها قريب ومنها بعيد: فالمتعيِّنُ على المفتي ذكرُ الشروطِ والتفاصيلِ القريبة دون البعيدة، فإِذا سُئلَ عن مُطَلِّقٍ هل له الرَّجعةُ أم لا؟ فيَذكرُ شروطَ كونِها بعد الدخول، ودُونَ العَدَدِ المُحوِجِ لنكاح زوجٍ ثان، ويَذكُرُ عدَمَ انقضاء العِدَّة، ونحوَ ذلك. ولا يَذكرُ الرِّدَّةَ الطارئةَ على أحدِ الزوجين ونحوَها لكونِها نادرةً في الوجود. وعلى هذا المنوال يذكرُ أبدًا القريبَ دون البعيد النادر.
ولو وجَبَ على المفتي أن يَذكر جميعَ ما يتعلَّقُ بالفُتيا من الشُّروطِ والتفاصيلِ وإِن بَعُدَ لصارت الفُتيا في نحوِ المجلَّد الكبير، وهذا فسادٌ عظيم في ضياع الوقت والورقِ والفهم.
ولا ينبغي للمفتي (١): إِذا كان في المسألة قولانِ أحدُهما فيه تشديدٌ والآخَرُ فيه تخفيف: أن يُفتي العامَّةَ بالتشديد، والخواصَّ من ولاةِ الأمور بالتخفيف، وذلك قريبٌ من الفسوقِ والخيانةِ في الدّين، والتلاعبِ بالمسلمين، ودليلُ فراغِ القلب من تعظيمِ الله تعالى وإِجلاله وتقواه، وعِمارتِه باللَّعبِ وحُب الرياسة والتقرُّبِ إِلى الخلق دون الخالق! نعوذ بالله تعالى من صفاتِ الغافلين (٢).