الجواب بعبارةٍ أخرى، ولا يُشبِّه جوابَه بجوابِ من تقدَّمه أصلًا.
وأرفَعُ مِن ذلك وأبعَدُ عن التواضع أن يقول: الجوابُ صواب، أو الجوابُ صحيح. وهذا لا يُستعمَلُ إِلَّا لمن يَصلُحُ للثاني أن يُجيزَه في الفُتيا أو يُزكِّيه في قوله، وأن يكون معه في معنى التلميذِ والتَّبَع، لأنه أظهرَ أنَّ جوابَ السابقِ في صورةِ من يَشهدُ له هو بالصحة أو بالصواب من جهة الثاني، وهذه أدنى الرُّتَب لخلوّ اللفظِ عن التعظيم بالكلية، هذا من حيث اللفظ.
وأما من حيث الموضع الذي يَكتبُ فيه، فإِن اتَّضعَ كتَبَ خَطَّهُ تحتَ خطّ الأول، وإِن ترفَّعَ كتَبَ قِبالتَهُ في يمين الخطّ أو شِماله، وكذلك الجهةُ اليُمنى أشرَفُ من الجهة اليُسرى (١)، فالمتواضعُ يَضَعُ في اليُسرى، والذي لا يَقصِدُ التواضعَ ويقصِدُ التعظيمَ يَضَعُ في الجهةِ اليُمْنَى، لكونها يُمنى.
وينبغي للمفتي: متى جاءته فُتيا وفيها خَطُّ من لا يَصلحُ للفُتيا، ألا يَكتبَ معه، فإِنَّ كتابتَه معه تقريرٌ لصنيعه، وترويجٌ لقوله الذي لا ينبغي أن يُساعَدَ عليه وإِن كان الجوابُ في نفسه صحيحًا. فإِنَّ الجاهل قد يُصيب، ولكنَ المصيبةَ العظيمةَ أن يُفتيَ في دينِ الله مَنْ لا يَصلحُ للفتيا، إِما لقِلَّة علمِه، أو لقلَّةِ دينه، أوْ لهما معًا.
стр. 247
ولا ينبغي للمفتي: أن يَكتب في الفُتيا ما لا تدعو حاجةُ المستفتي إليه، فإِنَّ الورق مِلكُه، ولم يأذن في الكتابة فيه إِلَّا بما تتعلَّق به مصلحتُه، وغيرُ ذلك يَحرمُ فلا يزيدُ عليه، إِلَّا أن تَشهدَ العادةُ بالزيادة اللطيفة فيكون مأذونًا فيها عادةً، نحوُ قولِ المفتي في آخرِ فُتياه: (والله أعلم)، ونحوَ ذلك.
ولا ينبغي: أن يضَعَ هذه اللفظةَ ونحوَها إِلَّا ناويًا بها ذِكرَ الله تعالى، فإِنَّ استعمالَ ألفاظِ الأذكارِ لا على وجهِ الذكر والتعظيمِ لله تعالى قلَّةُ أدبٍ مع الله تعالى، فيُنهَى عنه، بل يَنوي به معناه الذي وُضِع له لغةً وشرعًا.
وإِذا وَجَدَ في الفتيا خطأ مُجمَعًا عليه أو مختلَفًا فيه، فإن كان المفتي به مذهَبُهُ يقتضِي أنه خطأ فهو منكَرٌ تجبُ إِزالته وإِن كَرِه رَبُّ الفُتيا، لأنَّ الفتيا بخلافِ الاعتقاد حرام. وإِن كان مذهَبُ المفتي يقتضِي صِحَّتَه، وهو لا يجوزُ التقليدُ فيه لكونه على خلاف القواعدِ، أو النصوصِ، أو القياسِ الجليّ السالمِ كلِّ ذلك عن معارضٍ راجحٍ عليه، فهو منكَرٌ أيضًا تجبُ إزالتهُ. وإِن كان مما يَجوزُ التقليدُ فيه لا يَتعرَّض له وإن كان على خلافِ مذهبه.
وينبغي له: إذا وجدها منكرةً على أحدِ الوجوه، وعلِمَ أنَّ كاتبها إِذا سُيِّرتْ إِليه لا يسوؤه ذلك، وأنه يُغيرُها مع سلامةِ القلوب عن الأحقاد: فلْيَبعث بها إليه فهو أستَرُ له وأحفَظُ لعِرْضه، لئلا تَنتشرَ، أو يَقفَ عليها حاسدٌ أو عدوٌّ، فيَجدَ بذلك السبيلَ لغَرَضِه، وحسْمُ مادَّةِ الفسادِ من أوَّلها أولى. وإِن كان خَلَلًا من جهة سبقِ القلم أو نقصِ بعضِ الحروف فليُصلحْه هو بيده ولا يَبعثْ به إِليه، جمعًا بين مصلحة الفُتيا وحفظِ قلبِ كاتبها عن الألم وتعجيلًا لزوالِ المفسدة.
стр. 248
ولا ينبغي للمفتي: أن يَحكي خلافًا في المسألة لئلا يُشوِّشَ على المستفتي، فلا يَدري بأي القولين يأخذ (١)، ولا أن يَذكُرَ دليلًا ولا مَوضعَ النقلِ من الكتب، فإنَّ في ذلك تضييعًا للورق على صاحبه، إِلا أن يَعلمَ أنَّ الفُتيا سيُنكرُها بعضُ الفقهاء، ويقعُ فيها التنازعُ، فَيقصِدُ بذلك بيانَ وجه الصواب لغيره من الفقهاء، الذي يَتوهَّمُ مُنازعتَه، فيَهتدي به، أو يَحفظُ عِرضَه هو عن الطعن عليه. وأما متى لم يكن إِلَّا مجرَّدُ الإسترشاد من السائل فليَقتصر على الجواب من غير زيادة.
ومتى كان الإستفتاء في واقعةٍ عظيمة تتعلَّقُ بمَهَامّ الدين أو مصالحِ المسلمين، ولها تعلُّقٌ بوُلاةِ الأمور، فيَحسنُ من المفتي الإِسهابُ في القولَ وكثرةُ البيانِ والمبالغةُ في إِيضاح الحق بالعبارات السريعةِ الفهم، والتهويلُ على الجُناة (٢)، والحضُّ على المبادرةِ لتحصيلِ المصالح ودرءِ المفاسد.
стр. 249
ويَحسُنُ بسطُ القول في هذه المواطن وذكرُ الأدلَّةِ الحاثَّةِ على تلك المصالح الشرعية، وإِظهارُ النكيرِ في الفُتيا على مُلابِس المنكراتِ المجمَعِ على تحرِيمها وقُبحها. ولا ينبغي ذلك في غير هذه الَمواطن بل الإقتصارُ على الجواب.
ومتى كان للمسألة شروطٌ وتفاصيلُ منها قريب ومنها بعيد: فالمتعيِّنُ على المفتي ذكرُ الشروطِ والتفاصيلِ القريبة دون البعيدة، فإِذا سُئلَ عن مُطَلِّقٍ هل له الرَّجعةُ أم لا؟ فيَذكرُ شروطَ كونِها بعد الدخول، ودُونَ العَدَدِ المُحوِجِ لنكاح زوجٍ ثان، ويَذكُرُ عدَمَ انقضاء العِدَّة، ونحوَ ذلك. ولا يَذكرُ الرِّدَّةَ الطارئةَ على أحدِ الزوجين ونحوَها لكونِها نادرةً في الوجود. وعلى هذا المنوال يذكرُ أبدًا القريبَ دون البعيد النادر.
ولو وجَبَ على المفتي أن يَذكر جميعَ ما يتعلَّقُ بالفُتيا من الشُّروطِ والتفاصيلِ وإِن بَعُدَ لصارت الفُتيا في نحوِ المجلَّد الكبير، وهذا فسادٌ عظيم في ضياع الوقت والورقِ والفهم.
ولا ينبغي للمفتي (١): إِذا كان في المسألة قولانِ أحدُهما فيه تشديدٌ والآخَرُ فيه تخفيف: أن يُفتي العامَّةَ بالتشديد، والخواصَّ من ولاةِ الأمور بالتخفيف، وذلك قريبٌ من الفسوقِ والخيانةِ في الدّين، والتلاعبِ بالمسلمين، ودليلُ فراغِ القلب من تعظيمِ الله تعالى وإِجلاله وتقواه، وعِمارتِه باللَّعبِ وحُب الرياسة والتقرُّبِ إِلى الخلق دون الخالق! نعوذ بالله تعالى من صفاتِ الغافلين (٢).
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 252
التَّنْبِيهُ الْعَاشِرُ
ينبغي للمفتي: أن يكون حسَنَ الزِّيّ على الوضع الشرعي، فإِنَّ الخَلْقَ مجبولون على تعظيم الصُّوَر الظاهرة، ومتى لم يَعظُم في نفوس الناس لا يقبِلون على الإهتداء به والإقتداء بقوله.
وأن يكون حسَنَ السيرَةِ والسَّريرة، فمن أسَرَّ سريرةً كساهُ الله رِداءها. ويقصِدُ بجميع ذلك التوسُّلَ إِلى تنفيذِ الحق وهدايةِ الخلق، فتصِيرُ هذه الأمور كلُها قُرُباتِ عظيمة. وإليه الإِشارةُ بقوله تعالى حكايةً عن إِبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١). قال العلماء: معناه ثناءٌ جميلٌ حتى يقتدِيَ بي الناس. وكذلك قولُ عمر ﵁: أحَبُّ إِليَّ أن أنظرَ القارئَ أبيضَ الثياب. أي لِيعْظُمَ في نفوس الناس، فيَغظُمَ في نفوسهم ما لديه من الحق (٢).
стр. 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 254
وأن يكون صَدُوعاً بالحق لأُولي المهابة والسَّطوة، لا تأخذُه في الله لومةُ لائم.
وأن يَجتهد في إِيصال الحق بالتلطّفِ إِن أمكن فهو أولى، لقوله ﷺ : "من أَمَر منكم بمعروفٍ فليكن أمرُه ذلك بالمعروف" (١). وقال الله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢). هذا هو الأصل. وفي بعضِ الأحوال يَتعيَّنُ الإِغلاظُ والمبالغةُ في النكير، إِذا كان اللَّينُ يُوهِنُ الحقَّ ويُدحِضُه، وبالجملة فلْيسلُك أقربَ الطرق لرواج الصواب بحسَبِ ما يتَّجهُ
стр. 255
في تلك الحادثة.
وأن يكون قليلَ الطمع، كثيرَ الورع، فما أفلَح مستكثرٌ من الدنيا ومُعَظمٌ أهلَها وحُطامَها.
ولْيَبدأ بنفسه في كلّ خيرٍ يُفتي به، فهو أصلُ استقامةِ الخَلْقِ بفعلِهِ وقوله، قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١). ومتى كان المفتي مُتَّقِياً لله تعالى وضَعَ الله البركةَ في قوله، ويسَّرَ قبولَه على مستمِعه (٢).
وينبغي للمفتي: إذا جاءته فُتيا في شأنِ رسول الله ﷺ ، أو فيما يَتعلَّقُ بالرُّبوبيّه، يُسالُ فيها عن أمور لا تَصلحُ لذلك السائل، لكونه من العوامّ الجلْف، أو يَسألُ عن المعضِلاتِ ودقائقِ أصول الدِّيانات، ومُتشابِهِ الآيات، والأمورِ التي لا يخوض فيها إِلَّا كبارُ العلماء، ويَعلمُ أنَّ الباعثَ له على ذلك إِنما هو الفراغُ والفضولُ والتصدّي لما لا يَصلحُ له:
فلا يُجيبُه أصلاً (١)، ويُظهِرُ له الإِنكارَ على مثلِ هذا، ويقول له:
اشتغِلْ بما يَعنيك من السؤالِ عن صَلاتِك وأمورِ معاملاتك، ولا تَخُضْ فيما عساه يُهلِكُك لعدمِ استعدادك له.
وإِن كان الباعثُ له شُبهةً عَرضَتْ له: فينبغي أن يقبِلَ عليه، ويَتلطَّفَ به في إِزالتها عنه، بما يَصلُ إِليه عقلُه، فهدايةُ الخلق فَرضٌ على من سُئل.
والأحسَنُ أن يكون البيانُ له باللفظِ دون الكتابة، فإِنَّ اللسان يُفهِمُ ما لا يُفهِمُ القلمُ، لأنَه حَيٌ والقَلَمُ مَوَات، فإِن الخَلْقَ عِيالُ الله، وأقرَبُهم إِليه أنفعُهم لِعياله، لا سيَّما في أمرِ الدين وما يَرجِعُ إِلى العقائد.
وهذا آخِرُ كتاب "الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرُّفاتِ القاضي والإِمام" كتبتُه إِليكم معاشِرَ الِإخوان في الله تعالى، وعليكم السلامُ ورحمة الله وبركاته، وهو حسبُنا ونعم الوكيل، ونسألُه أن يَتغمَّدنَا بعفوِه ورحمتِه أجمعين.
وكان الفراغُ من تعليقه في شهر صفر من شهور سنةِ ثمانِ وثلاثين وسبع مِئة. والحمدُ لله رب العالمين، وصلواتُه وسلامُه على سيدنا محمّد (١).
стр. 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 268
يقول العبدُ الفقير إلى الله تعالى عبد الفتاح بن محمد أبو غدة - عفا الله عنه وعن والديه، وأكرمهم بإحسانه يوم القدوم عليه -: فرغتُ من خدمةِ هذا الكتاب والمقابلةِ بين نُسَخِه والتعليقِ عليه بما تيسَّر، في أواخر رجب من سنة ١٣٨٦، في السجن الحربي في بلدة تَدمُر في قلبِ بادية الشام قُربَ مدينة حمص، معتقلاً في سبيل الله والإِسلام.
وقد داهمني الظَّلمَةُ ليلاً، وكان أقربَ شيء إليَّ وأنا أَخرجُ بعد منتصف الليل من بيتي إلى المعتقل: كتابُ "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" من نسختي التي نسختها وقابلتها بأربع نُسَخ مخطوطة، وأَثبتُّ عليها كلَّ المغايرات بين النسخ، فاصطحبتُها معي، وكتابٌ آخرُ هو كتابُ "قواعد في علوم الحديث" لشيخنا العلامة المحدِّث الفقيه الجليل مولانا الشيخ ظَفَر أحمد التَّهَانَوِي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.
ولمَّا أُودِعتُ في المعتقل قرأتُ هذا الكتاب "الإِحكام"، قراءة بحث ودرس لنصوصه ومغايراتِ نُسَخِه، وعلَّقتُ عليه بما يُستطاع لمثلي في تلك الحال. ثم فرَّج الله عني بعد سنةٍ إِلا شهراً، فأضفتُ إليه بعد خروجي من المعتقل، في بلدي حلب: بعض التعليقات المتمِّمة، فاكتمل بحمد الله على الوجه الذي خَرَج عليه في الطبعة الأولى سنة ١٣٨٧، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونعوذ بالله من حال أهل النار.
وهذه الطبعة الثانية الممتازة عن الطبعة الأولى بزيادةِ التعليقاتِ والتصويباتِ الكثيرة الهامة جداً، التي استفدتها من النسخة المخطوطة المغربية - الخامسة - التي وقفتُ عليها في الخزانة العامة بالرباط في المغرب: فرغتُ من النظر فيها ومن خدمتها للطباعة - سوى مراجعات يسيرة - في مدينة فان كوفر من كندا سنة ١٤٠٩. ثم لم يتيسر في إتمام إنجازها لشواغل علمية، وأسفار اضطرارية، إِلا في مدينة تورنتو من كندا أيضاً سنة ١٤١٤، فأكرمني الله تعالى بإتمام خدمتها وإكمال نَضْرَتها على الوجه الذي يراه القارئ الكريم. راجياً من الإخوة المستفيدين دعواتِهم، ومن الأفاضل العلماء المفيدين إفاداتِهم، والله يجزي المحسنين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 269
بيانُ رأي طائفة من علماء السادة المالكية في الِإشكال الواقع في كلام الإِمام القرافي
تقدم في ص ١٢١ عند قول النبي ﷺ : "من قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه"، قولُ الإِمام القرافي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: (قال مالك: هذا تصرُّفٌ من النبي ﷺ بالإِمامة، فلا يجوزُ لأحدِ أن يَختَصَّ بسَلَبِ إِلَّا بإذن الإِمام في ذلك قَبْلَ الحرب، كما اتَّفق ذلك من رسول الله ﷺ ).
وذكرتُ هناك تعليقاً أنَّ في قول القرافي: (قَبْلَ الحرب) إشكالاً، وهو أن مذهب الإِمام مالك - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: لا يجوزُ للإمام التنفيلُ إِلا بعدَ الحرب، فهذا القولُ هنا (قبلَ الحرب) مشكلٌ ومعارِضٌ لما تقرَر في مذهبه، وأني سألتُ عنه طائفة من كبار علماء السادة المالكية، وراسلتهم، فكاتبوني وأجابوا بأجوبة كثيرة، وكلامِ طويل، فرأيتُ إثبات كلامهم وإجاباتهم بآخر الكتاب، نظراً لطولها، ولئلا ينقطع اتصالُ الكلام بفاصلِ طويل جداً، فها أناذا أوردُ ما قالوه مشكورين.
وأوَّلُ من سألتُه وراسلته في ذلك العلامةُ الجليل، والفقيه المحدِّث النبيل سماحة الشيخ محمد الجَوَاد الصِّقِلِّي عميدُ كلية الشريعة في مدينة فاس بالمغرب ﵀ تعالى (١)، وكانت رسالتي إليه من مدينة الرياض، في ٢ من صفر سنة ١٣٨٩، فأجابني بما يلي، مُضفياً علي بعضَ الأوصافِ اللائقةِ به، عملاً بتواضعه الجم، وأدبِه الرفيع الذي عُرف به ساداتنا العلماء المغاربة، قال:
стр. 270
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إلى سماحة العلامة المحقق سيدي الفاضل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد، فالجوابُ عن استشكالكم قولَ القرافي في "الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام": (فلا يجوز لأحدٍ أن يَختصَ بسَلَبٍ إِلا بإذن الإِمام في ذلك قَبلَ الحرب، كما اتَّفَقَ ذلك من رسول الله ﷺ ). بما بينتموه في سؤالكم.
الجوابُ عن ذلك هو أن الإمام مالكاً يقول: إنه لا يَستحق القاتلُ سَلَبَ القتيل إِلَّا بإذن الإمام، وإنه لا يَجُوزُ أن يقول الإمامُ قبلَ الحرب: (من قتَل قتيلاً فله سَلَبُه)، وإنما يجوز بعدَها.
نَعَمْ إن قال ذلك قبلَ الحرب مضَى القولُ المذكور كان لم يَجُز، لأنه بمنزلةِ حُكمٍ بمختَلَفٍ فيه، إذ ثَمَ من أجازه كالإمام أحمد بن حنبل وأبي حنيفة.
وعليه: فلو زاد القرافيُّ (ولَوْ)، بحيث تكون العبارة هكذا: (إِلَّا بإذن الإمام في ذلك ولَوْ قَنلَ الحرب)، لكان حسناً، ويكون قولُه: (كما اتفَق ذلك من رسول الله ﷺ ) راجعاً إلى ما قبلَ المبالَغَة.
وأحسَنُ من هذا أنْ لو حذَفَ قولَه (قَبْلَ الحرب)، فيكون كلامُه شاملاً لما إذا وقع إذنُ الإمامِ بعدَ الحرب أو قبلَها.
ولكن حيث إنه ذَكَرَ هذا اللفظَ وهو (قَبْلَ الحرب)، بدون زيادةِ (ولو)، فكلامُه ليس غلطاً، وغايةُ الأمر أنه صرَّح بالمُتَوَهَم، وهو إذا كان الإِذنُ قبلَ الحرب، فيكون غيرُهُ - وهو إذا كان الِإذن بعدَ الحرب - أولَى وأحرى.
وعليه فقولُه: (كما اتفق ذلك من رسول الله ﷺ ) راجعٌ إلى الِإذنِ لا بقيدِ كونه قبلَ الحرب، إذْ إِذنُ النبي ﷺ كان بعدَ الحرب لا قبلَها.
وبيانُ الأخروية المذكورة - أي البعديَّة - هو أنه إذا كان القاتل يختص بسَلَبِ
стр. 271
القتيل، فيما إذا كان إذنُ الإمام حَرَاماً بأنْ كان قبلَ الحرب، فلأَنْ يَختَصَّ به فيما إذا كان إذنُ الإِمام جائزاً بأن كان بعدَ الحرب من بابِ أولى وأحرى.
وأمَّا إبدالُ لفظ (قَبْلَ) بلفظِ (بَعدَ)، فهو غيرُ صحيح، لأنه يقتضي أنه لا يَختَصُّ القاتلُ بالسَّلَب إِلَّا إذا كان إذنُ الإمام بعد الحرب، وأمَّا إذا كان قبلَها فلا يَختصُّ به، وليس الأمرُ كذلك كما علمتم.
لا يُقالُ: إنَّ هذا يَرِدُ أيضاً على عبارته، فيقتضي أنه لا اختصاص إِلا إذا كان الإِذنُ قبلَ الحرب، وأمَّا إذا كان بعدَها فلا، لأنَّا نقول: هذا غيرُ متَوهَّم، فضلاً عن أن يكون مقتضىَ للأخروية المتقدمة.
كما أنَّ كونَ عبارة القرافي صحيحةً لروايةِ في المذهب تُقرِّرُ ذلك، واختارها القرافي فهو أيضاً غيرُ صحيح لوجهين:
الأول: أنه لا وجود لهذه الرواية أصلاً، وإنما هو قولٌ لبعض أشياخ المذهب المالكي، حسبما ذَكَر التلمسَاني ونَقَلَه عنه الرُّهُوني في "حاشيته على الزرقاني" ٣: ١٦٣.
الوجهُ الثاني: أنه لو كانت هذه الرواية موجودة واختارها القرافي، لكان كلامُه فاسداً، لأنه يقتضي أنه لا يَختَصُّ القاتلُ بالسَّلَب إِلا في صورة واحدة من صُورَتَيْ الجواز، وهي ما إذا كان الِإذنُ قبلَ الحرب، دون الصورة الثانية، وهي ما إذا كان الإِذنُ بعدَ الحرب، مع أنه لم يقل أحدٌ بعدمِ اختصاص القاتل بالسَّلَب إذا كان الإِذنُ بعدَ الحرب.
هذا ما ظهر لي في المسألة، والله أعلم بالصواب. وتقبلوا أطيبَ تحياتي وفائقَ احترامي، والسلامُ عليكم ورحمة الله.
فاس - كلية الشريعة ٢٥/ ٢/ ١٣٨٩ محمد الجواد بن عبد السلام الصِّقِلِّي الحُسَيني.
وراسلت في شأن هذا الإشكال في عبارة الإِمام القرافي، صاحبَ الفضيلة الأجل والعلامة الكبير الفقيه الأصولي المالكي، سماحة الشيخ صالح موسى شرف ﵀ -
стр. 272
تعالى، عضو جماعة كبار العلماء في الجامع الأزهر، وأستاذ الدراسات العليا فيه، أوَّلاَ بواسطة الأخ الفاضل الأستاذ محمد فؤاد البَرَازي وفقه الله، وكان في حينها أحَدَ طلحة الشيخ وملازميه، فأجابني بما سيأتي، ثم راسلته ثانياً مباشرةً بيني وبينه، فأجابني بجواب آخر، وهذا نصُّ الجواب الأول منهما، الذكره تفضل به:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ومولانا محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته ومن تَبعَ هديَه إلى يوم الدين.
وبعد، فإلى تلميذنا الوفيّ الأستاذ الشيخ فؤاد البَرَازي، أكتب هذه الرسالة التي بَعَثَ بها إليَ، يَستفهم فيها عن سَلَب القتيل لمن يقتله، وذلك بتكليف له من شيخه العلامة المفضال الشيخ عبد الفتاح أبي غدة، الذي أراد أن يستوثق من قول الإمام القرافي المالكي في هذا الموضوع.
أقول وبالله التوفيق: إنَّ للإمام أو أميرِ الجيش أن يُرغب المقاتلين في القتال للعدو، فله أن يُنَفل بعضَهم للمصلحة، بشرط أن يهون هذا النَّفَل من خُمس الغنيمة لا من الأربعة الأخماس التي خُصِّصَتْ للمجاهدين، فله أن يقول - بعدَ انقضاء القتال -: من كان منكم قَتَل قتيلاَ فله سَلَبُه. وهو ما يُوجَدُ مع القتيل حالَ الحرب، من فرسه ودرعه وسيفه ورمحه ومِنطقتِهِ وما شابَة ذلك من السلبِ المعتاد، دون ما ينفردُ بعضُ العظماء من سِوارٍ وتاجٍ على القول المشهور في المذهب.
هذا، ولا يجوز للإمام قبلَ انقضاء القتال أن يقول: من قتَل قتيلاً فله سَلَبُه، لأنَّ ذلك قد يَصرفُ المقاتلين عن نيَّة الجهادِ في سبيل الله، فيصيرَ قتالُهُ لا ثواب فيه، وقيل: إن قول الإِمام ذلك قبلَ انقضاء القتال ممنوع، ولكنَّ المعتمد كراهةُ ذلك، لأنَّ القتال لأجل الغنيمةِ ليس حرامًا، بل خلافُ الأكمَل.
وقولُه ذلك (١) فيه تجوُّزٌ من الماضي إلى المستقبل، أي من يقتُل قتيلاً فله سَلَبَهُ،
стр. 273
بخلاف ما لو قال ذلك بعدَ انقضاء القتال، فالماضي على حقيقته. وإذا تعدَّد مقتولُه فله سلَبُ الجميع.
هذا، ولا يجوز لغير الإمام أو أمير الجيش أن يُنَفِّل شيئاً من خُمُس الغنيمة، لأنَّ هذا موكولٌ لهما فقط، بما يريانه من المصلحة، كما أنه ليس للقاتل من نفسِه أن يَختَصَ بشيء من سلبِ من قتله بدونِ إذنِ الإِمام له بذلك، أو بقوله: من قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه، كما أن ذلك ليس مختصاً بالقتال في عصر الرسول ﵊، بل هو جائز في كلِّ قتال يَدُور بين المسلمين وأعداءِ الإِسلام، يُشترط أن يكون القولُ بعدَ انقضاء القتال، أمَّا قبلَه فمكروه كما تقدم أو ممنوع، روايتان عن الإِمام مالك، ولكن المعتمدَ في المذهب الكراهة.
هذا، ولا يكون السَّلَبُ لامرأةٍ أو صبيٍّ أو شيخٍ فانٍ أو راهب، إِلا إن اشتركوا في القتال، والله أعلم.
صالح موسى شرف المالكي
عضو جماعة كبار العلماء
وأستاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر
المَرَاجع:
١ - كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني.
٢ - حاشية الشيخ علي الصعيدي على هذه الرسالة.
٣ - الشرح الصغير على متن خليل للشيخ الدردير.
٤ - حاشية الصاوي على الشرح المذكور.
٥ - حاشية الدُّسُوقي على الشرح الكبير للشيخ الدردير على متن خليل.
٦ - نقولٌ عن سُحنون، عبد الباقي، ابن حبيب، ابن القاسم، المدوَّنة حول هذا الموضوع.
انتهى نصُّ جوابه الأول، وهذا نصُّ جوابه الثاني الموجَّهِ منه إليَّ - مع الإِعراض عما أسبغه عليَّ فيه من ثناء وتكريم، والله يغفر لي وله -:
стр. 274
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نَحمَدُه ونشكره على فضله ونَعْمائه الجزيلة، التي لا تُحصَى ولا تُعَد، ونصلي ونُسلم على سيدنا ومولانا خاتم الأنبياء والمرسلين، محمدِ بن عبد الله الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحابته ومن تَبعَ هديَه إلى يوم الدين.
وبعد، فإلى صاحب الفضل والفضيلة، العالم الجليل، الذي وهبه الله علماً نافعاً وقلباً خاشعاً، ونوراً ساطعاً، وبسطةَ في العلم، الإِمام الجليل الشيخ عبد الفتاح أبي غدة، أكتبُ هذه الرسالة، رداً على رسالته فأقول وبالله التوفيق: وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته.
لقد وصلتني رسالتكم الكريمة، المؤرَّخَة في ٩/ ٥/ ١٣٩٨، رداً على رسالتي التي حَمَّلتُها لابننا وتلميذنا الشيخ فؤاد البَرَازي، الذي بلغني عن سعة علمكم في المعقول والمنقول الشيءَ الكثير.
أمَّا من خاصَّةِ مما جاء في كتاب القرافي، نقلاً عن إمامنا الجليل الإِمام مالك ﵄ ونفعنا بعلمهما، فإنَّ عبارته سليمةٌ لا غبار عليها، وقولَه في النَّفَل: (لا يجوزُ لأحدٍ أن يختص بسَلَبٍ إِلَّا بإذن الإِمام في ذلك قبلَ الحرب ...) إلى آخره، معناه أنه لا يجوز لغير الإِمام أن يَأذن قبلَ الحرب باختصاص سَلَب القتيل.
فقولُه: (قبلَ الحرب) ليس متعلقاً باختصاص السَّلَب، وإنما هو جار ومجرور، متعلقٌ بإذن الإِمام، ويكون معنى العبارة أنَّ للإِمام أن يأذن قبلَ بدءِ القتال بأنَّ من قَتَلَ قتيلاَ فله سَلَبُه، فالإِعلامُ لا يكون إِلَّا من الإِمام - ومثلُهُ نائبُه - قبل الحرب.
وأمَّا تملكُ السَلَب والإختصاصُ به يكونُ بعدَ انتهاء القتال، هكذا كان يَفعلُ رسولُ الله ﷺ وصحابتُهُ مِن بعدِه، لعلمهم أن المقاتلين في هذا العهد لم تَشغلهم الأموال ولا الأولاد عن الجهاد في سبيل الله، لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، فكان إذنُ الإِمام قبلَ الحرب بأنَ من قتَل قتيلاً فله سَلَبُه (١)، لا يَصرفُهم عما خرجوا لأجله، من
стр. 275
نصرة دين الله وإعلاءِ كلمته.
ثم لمَّا ضَعُفَتْ النفوس، وشُغِلَت بمُتَع الحياة الدنيا وزخرفها، رأى بعض الفقهاء ومنهم المالكية: أن الإِذن يُكرَهُ قبلَ الحربِ أو في أثناء القتال، خوفاً من أن تُشغَل هذه النفوس بالسَّلَب، فينصرفوا عفا خرجوا لأجله، فيكون قتالهم لأجل هذا السَّلَب.
هذا ما وقفتُ عليه في أمهات كتب المالكية، وقد سَبَق أن ذكرتُ لسيادتكم في رسالتي السابقة أنَّ هذا الِإذن ليس خاصاً بعهد رسول الله ﷺ ، وإنما هو متروك للإِمام أو نائبِه في أي عصر، كما ذكرتُ أيضاً أنه ليس لغير الإِمام أو نائبه أن يأذن في ذلك.
ومن هذا يُعلم أن نَقْلَ القرافي صحيح، متفِقٌ مع المذهب، من أن الإِعلام يكونُ قبلَ بدءِ القتال، حينما كانت النفوس صافية، لا يُلهيها مالٌ ولا ولد عن نُصرة الدين والقتالِ لأجله، حتى إن بعض الصحابة لا يهمه أن تقتُلَ أباه الكافر أو ابنَه كذلك، لأنَّ الِإيمان عند هؤلاء كان أغلى وأبقَى من رابطةِ النَّسَبِ والقُربَى.
ثم لقَا ضَعُفَتْ النفوس وشُغِلت بمَتَاع الحياة من مالي وسلاح، خِيفَ أن يكون الإذنُ قبلَ الحرب داعياً إلى قتالهم لأجل هذا السَّلَب. وعلى كلِّ فالتملُّكُ للسَّلَب بعدَ انتهاء الفتال، إذْ لا يُعقَلُ أن يكون قبلَ الحرب. والله أعلم.
الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
كتبه بخطه الفقيرُ الراجي عفوَ ربه وحُسنَ ختامِه، تحريراً في ٢٣ من جمادى الأولى ١٣٩٨، الموافق ١/ ٥/ ١٩٧٨.
صالح موسى شرف
عضو جماعة كبار العلماء وأستاذ بالدراسات العليا في كليات الجامعة الأزهرية الإِسلامية والعربية.
ورأيتُ بعدَ هذه الإِجابات الثلاث ممن سَمَيتُ من فضلاء علماء السادة المالكية: أن أنقُلَ طائفة من النصوص من كتب فقه السادة المالكية، لاستكمال الوقوف على هذه المسألة، مكتفياً بثلاثة نصوص من كثير نحوِها، فإن كتب المذهب المالكي بالمتناول لمن أرادها.
стр. 276
١ - جاء في "المقدمات الممهِّدات" للإِمام ابن رُشد الجد ١: ٢٦٩ من طبعة الساسي، قولُه - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:"ولا يَرَى مالك - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - للإِمام أن يُنَفلَ قبلَ القتال، لئلا يَرغب الناسُ في العطاء، فتَفْسُدَ نيَّاتُهم في الجهاد، فإن وقع ذلك مَضَى، للإختلافِ الواقعِ في ذلك والآثارِ المروية فيه".
٢ - وجاء في "المنتَقَى" شرح "الموطأ" للإِمام أبي الوليد الباجي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - عند شرح حديث أبي قتادة، وقد شرحه شرحاً أطيب من قَطْر الندى، قولُه في ٣: ١٩٠:"والذي ذهب إليه مالك أن رسول الله ﷺ قال ذلك بعد أن بَرَد القتال.
والدليلُ على أن هذا القول إنما كان بعد الفراغ من القتال ... ". ثم ذكر أربعة وجوه تدل على ذلك.
جاء في الوجه الثالث منها قولُهُ: "لا خلاف أن النبي ﷺ إنما قال ذلك بعد الفراغ ورجوع الناس من الهزيمة، وهذا يدل على أنه لم يُرِد به التحريض، ولو أراد به التحريض على القتال ذلك اليوم لقاله في أول القتال وقبل الهزيمة.
وجاء في الوجه الرابع منها قوله: " ... وإذا قال ذلك الإِمامُ بعد تقضي الحرب كانت النيات قبله سليمة صحيحة، ولم يقاتل أحد إلَّا لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا قاله في أول القتال أثر ذلك في النيات، وعرَّضَ الناسَ ليقاتلوا لما يَحصُل لهم من السَّلَب".
٣ - وقال العلامة خليل في "مختصره" في باب الجهاد "ونَفّل - أي الإِمام - منه - أي من خُمُس الغنيمة - السَّلَبَ لمصلحةِ. ولم يَجُزْ إن لم يَنْقَضِ القتالُ: - قولُ - مَنْ قتل قتيلاً فله السلب. ومَضَى إن لم يُبطله قبل المَغْنَم".
جاءَ في شرحه "جواهر الإِكليل" لصالح عبد السميع الآبي الأزهري ١: ٢٦١ تعليقاً على قول خليل: (ولم يَجُزْ) للإِمام، نصُّ المدؤَنة: يُكْرَهُ، فأبقاه بعضهم على ظاهره، وحمَلَه غيره على المنع. (إن لم يَنقضِ القتالُ) صادقٌ بأثنائِه وقبلَه، وفاعِلُ لم يَجُزْ - لَفْظُ - (من قتَل قتيلاً فله سَلَبُه) أي هذا اللفظُ، لإِفساد نياتهم بالقتال للمال، ولتأديه إلى تحامُلِهم على القتال، وقد قال عمر ﵁: لا تُقدِّموا جَمَاجِمَ المسلمين إلى
стр. 277
الحصون، فلَمُسْلِمٌ أستبقيه أحَبُّ إليَّ من حِضنِ أفتَحُه. (ومَضَى إن لم يُبطله) الإِمامُ أي قولَه: من قَتَل ... (قبلَ حَوْز المغنم) بأن لم يُبطله أصلاً، أو أبطله بعده. فإن أبطله قبله أي أظهر الرجوع عنه قبله اعتُبِر إبطالُه فيما يُقتل بعده، لا فيما قُتِلَ قبله، ولا يعتبر إبطاله بعده، فيستحق من فَعَل شيئاً من الأسباب ما رتبه عليه الإِمام ولو كان من أصل الغنيمة حيث نَصَّ عليه، فإنْ نَصَّ على أنه من الخمس أو أطلق فمنه". انتهى.
هذا، وبقي شيء يتصل بالمقام يَحسن التنبيه إليه، وهو أنه لمَّا جاء في "صحيح مسلم" بشرح الإِمام النووي ٥٨:١٢، عند حديث أبي قتادة ﵁ في وقعة حُنين، وقولِهِ: " ... ثم إنَ الناس رجعوا وجَلَس رسول الله ﷺ فقال: من قتَل قتيلاً فله سَلَبُه".
قال الإمام النووي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: "اختلف العلماء في معنى الحديث، فقال الشافعي ومالكٌ والأوزاعي .. يَستحق القاتلُ سَلَبَ القتيل في جميع الحروب، سواء قال أميرُ الجيش قبل ذلك: من قَتَل قتيلاً فله سلبه، أم لم يقل ذلك. وهذه فتوى من النبي ﷺ وإخبارٌ عن حكم الشرع، فلا يتوقف على قول أحد.
وقال أبو حنيفة ومالكٌ ومن تابعهما - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -: لا يَستحق القاتلُ بمجرَّدِ القتل سَلَبَ القتيل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة، إِلَّا أن يقول الأميرُ قبلَ القتال: من قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه، وحملوا الحديث على هذا، وجعلوا هذا إطلاقاً من النبي ﷺ ، وليس بفتوى وإخبار عام". انتهى كلام الإمام النووي.
وفيه إقحامُ (مالك) في الرأي الأول خطأً من الناسخ، إذ قد جاء ذِكرُهُ في الرأي الثاني أيضاً مع أبي حنيفة، وإن كان ذِكْرُهُ في الرأي الثاني فيه نظر أيضاً، لأن مالكاً يمنعُ التنفيلَ قبلَ القتال أو يكرهه كما تقدم نقله عن "جواهر الإِكليل" في ص ٢٧٧.
وقد أجاد الإِمام ابن قدامة الحنبلي عَزْوَ مذاهب الأئمهّ الفقهاء في هذه المسألة، فقال في كتابه "المغني" ١٠: ٤٢٦: "الفصل السادس: أن القاتل يَستحقُّ السَّلَب، قال ذلك الإِمامُ أو لم يقُل، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
стр. 278
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يستحقه إِلا أن يشرطه الإمام له. وقال مالك: لا يستحقه إِلا أن يقول الإمامُ ذلك، ولم يَرَ أن يقول الإمامُ ذلك إِلا بعد انقضاء الحرب، على ما تقدم من مذهبه في النَّفَل، وجعلوا السَّلَب هاهنا من جملة الأنفال. وقد رُوي عن أحمد مثلُ قولهم". انتهى ما أردتُ ذكرَه في هذا الموضوع.
стр. 279
إلحاقةٌ متصلة بترجمة الإِمام القَرَافي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -
ذكرتُ في أواخر ترجمة الإمام القرافي ص ٢٥ - ٢٦ مهارتَهُ في صُنع الساعة العجيبة، وأشرتُ تعليقاً هناك إلى أن هذه المهارةَ وأمثالَها وأشباهها حينما توجد في أفرادِ من العلماء، تزيدُ في رفعة شأنهم وعظيم مآثرهم، وأشرتُ إلى أن مِثلَ هذه المهارةِ وأعجَبَ منها كان يتمتع بها ويتميزُ بها الأستاذُ الفاضل الكريم الصَّنَاع العجيب الشيخ عبد الرحمن زين العابدين الأنطاكي ثم الحلبي، صديقي وصاحبي وأكبرُ أنجال شيخي العلامة الكبير الشيخ محمد زين العابدين - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -، المولود بأنطاكية سنة ١٣٣٠، والمتوفى بحلب سنة ١٤١٠.
وقد كان للشيخ عبد الرحمن مع شيخنا العلامة الجليل والفقيه الأَفيْق النبيل سيدي الشيخ مصطفى الزرقا حفظه الله تعالى ورعاه صداقةٌ متينة، وصحبةٌ عميقةٌ مكينة، تتحلَّى بوَخدَة الحال ورفع التكلف، وقد شاهد شيخنا أمتع الله به، من مزايا الشيخ عبد الرحمن ومهاراتِهِ الفائقة مآثرَ كثيرة، شَهِدَها وحَضَرها من أولها إلى آخرها، فرجوتُ من شيخنا أحسن الله إليه أن يُسجَّلَ في بقلمه البليغ الدقيق ما شاهده من تلك العجائبِ الغرائبِ، والحقائقِ الدقائق، لأدرِجَهُ عند ترجمتي للإِمامِ القرافيَّ: الِإمامِ الفقيهِ الأصوليِّ الصَّنَاعِ المُبْدعِ العجيب، وللوفاء بحق الأُخوَّة والصداقة للشيخ عبد الرحمن بَعْدَ رحيله لدار الكرامة، فوَعَدني شيخنا بالِإجابة هاشَّاً باشَّاً للكتابة في تلك المهارة، نظراً لما كان بينه وبين الشيخ عبد الرحمن من المودة الأكيدة والصداقة العتيدة، ولكنَّ شيخنا سلمه المولى كانت أعمالُه العلمية أوسعَ من أوقاته الزمانية، فلم يتمكن من كتابة ما رجوته منه إلَّا بعد مطالبات كثيرة مني، ومتابعاتٍ جاوزت السنتين، حتى يشر الله وأعان، فكتب هذه الترجمة المتعلقة بجانبِ من نبوغ الشيخ عبد الرحمن، وأتحفني بها في يوم ١٠/ ٥/ ١٤١٣ بالرياض، فأنا أوردُها كما دَبَّجها قلمُه الرفيع وبيانُه البديع. وأضفتُ إليها نبذةً واحدةً من جمهرة ما كان للشيخ عبد الرحمن من عجائب المهارات.
стр. 280
واللهَ أسألُ أن يُسبغ عليه الرحمة والرضوان، ويُسكِنَهُ رفيعَ الجنان، بمنه وكرمه، إنه سميع مجيب. وإليك مقالة شيخنا المشار إليها:
الأستاذ الشيخ: عبد الرحمن زين العابدين الكُرْدِي
(كما عَرَفتُهُ)
والدُه الشيخُ محمد زين العابدين الكُرْدِي ﵀، وأسرتُهُ كلها زوجاً وأولاداً، هم في الأصل من أهل أنطاكية، وهي مركز قضاء تابع ومرتبط بلواء الإِسكندرون، الذي هو أحد الألوية التابعة لولاية (محافظة) حلب في التقسيمات الإِدارية للدولة العثمانية.
ثم بعدَ الحرب العالمية الأولى وانفصالِ البلاد العربية عن الدول العثمانية التي انكسرت في تلك الحرب، استمر هذا الترتيب الإداري في العهد الفيصلي، حيث حَكَم بلادَ سورية ولبنان من بلاد الشام الأميرُ فيصلُ بنُ الحسين.
وقد كان والدُه الشريف حسين بن علي حاكمُ الحجاز التابعُ للدولة العثمانية قد ثار على الدولة العثمانية في أواخر الحرب العالمية الأولى، حين أقنعه الإِنجليز وأطمعوه بأنهم سيولّونه حُكمَ البلاد العربية، التي ستنفصل عن الدولة إذا خسرت الحرب. فثار على الدولة العثمانية متعاوناً مع الحلفاء ضدها، مما عَجَّل بانكسارها وتقسيم ممتلكاتها.
وحينئذِ تولَّى الحُكمَ في سورية ولبنان الأميرُ فيصل بن الحسين قُرابَة سنتين، حتى تَمَّ التفاهُمُ بين بريطانيا وفرنسا على اقتسام البلاد العربية، وكانت سورية ولبنان لفرنسا، وضربوا بوعدهم للشريف حسين عُرْضَ الحائط!!
فزحف الجنرال غورو على دمشق وفَرَّ الأمير فيصل، فأقامه الإِنجليز مَلِكاً على العراق، واستقرَّ الحُكمُ الإستعماري لفرنسا في سورية ولبنان في عام (١٩٢٠ م).
وظَل لواءُ الِإسكندرون وما يضمُّه من أنطاكية وسواها تابعاً لمحافظة حلب سنواتِ، بعدَ الإحتلال الفرنسي لسورية ولبنان، ثم عَقَد الحلفاء مع مصطفى كمال - (القائد التركي الذي جَمَع جيشًا تركياً لطرد الحلفاء وذيولهم من البلاد التركية) - صَفْقَةً لكي يعلن إلغاء الخلافة العثمانية، ويَطْرُدَ أسرتها، ويُنفذَ بَرنامَجاً لقطع جذور العربية والإِسلام في البلاد التركية، وهدمِ الجسور مع البلاد العربية المنفصلة، وإعلانِ تركيا دولة علمانية لقاءَ دعم الحلفاء له في أن يكون حاكماً مطلقاً فيها.
стр. 281
وبعد أن تَمَّ لمصطفى كمال تنفيذُ هذه الصفقة، ومنها إلغاءُ الأذان باللغة العربية، وتغييرُ كتابة اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية (حتى كتابة المصاحف)، وتغييرُ أسماء الأشخاص الأتراك الذين أسماؤهم عربية إلى أسماء طُوْرَانِيَّة، وتسمَّى هو (أتاتورك) بدلاً من (مصطفى كمال): اتفَقَتْ فرنسا على أن تتخلى لتركيا عن لواء الإِسكندرون بكامله (ومنه قضاء أنطاكية وما يتبعها)، فسُلِخَ لواء الإِسكندرون عن سورية وأُلحِق بتركيا الحديثة، وطُبَّق فيه نِظامُها العلماني الجديد، ومنه فَرضُ اللباس الِإفرنجي، والقُبَّعَةِ الأوروبية (البرنيطة)، وفَرضُ الحُسُورِ على النساء، ومنعُ تغطية رؤوسهن بغير البرنيطة الإِفرنجية ... إلخ.
وكان في أنطاكية إذ ذاك عالِمُها الصالح ومرْجِعُها الديني الشيخ محمد زين العابدين الكردي، فهاجر بأسرته وأولاده من أنطاكية إلى حلب، واستقروا فيها حفاظاً على دينهم.
وكان له عدد من الأبناء أبرزَهُم الشيخُ عبدُ الرحمن (موضوع كلمتي هذه والشيخ محمد أبو الخير) - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -، وكانا إذ ذاك من طلاب العلوم الشرعية المتميزين بحُسنِ فهمهم. وقد عُهِدَ إلى والدهم الشيخ محمن زين العابدين بتدريس التفسير والحديث النبوي في المدرسة الشرعية، التي افتُتحَتْ في حلب، أول العِشْرِينيَّات من هذا القرن الميلادي (القرن العشرين)، عقِبَ احتلال الفرنسيين لسورية ولبنان كما أشرتُ إليه آنفاً، وكان اسمها المدرسَةَ الخُسْرُوِية (نِسبةَ إلى خُسْرُو باشا من رجالات الدولة العثمانية وهو بانيها)، وكنتُ أنا من الرعيل الأول الذي دخلها للدراسة بعدَ ترميمها وافتتاحها، فقد تعطل فيها التدريس خلال الحرب العالمية الأولى، وأصبحَتْ أثناء الحرب ثُكْنَةَ عسكرية، لموقعِها المهم بجانب قلعة حلب، ومزاياها وسعةِ ساحاتها وكثرةِ أجنحتها وغُرَفها.
مواهب الشيخ عبد الرحمن زين العابدين الفريدة
كان الشيخ عبد الرحمن - إلى جانب حسن تحصيله ومداركه الدقيقة في العلوم الشرعية - يتمتع ويتميز بين إخوته بمزايا ومواهب فريدة، وبعضُها عجيب ونادر جداً:
١ - فقد كان حديدَ البصر يُميِّزُ بعينه المجردة دقائق الأشياء التي يَحتاج كثيرٌ غيرُه
стр. 282
في تمييزها إلى مكبِّرة، وإلى جانب ذلك كان دقيق الملاحظة في الفوارق بين الدقائق المتشابهة في الآلات الصغيرة وخصائصها.
٢ - وكان منذ شبابه يحب الرياضة البدنية والمشي الطويل. وكان صَيَّاداً ماهراً، يَخرُج إلى الصيد مشياً في مواسمه المختلِفة في البراري والجبال وحَافَاتِ الأنهار: فيصطاد بالبندقية النارية من الطيور البَطَّ البري في حَافَاتِ الأنهار، والحَجَل في الجبال، والأطْرُغْلاَت في الرَّبِيع. ومن الحيوانات يصطاد الأرانب والغِزلان. ويَرمي الطيور وهي طائرة، والحيوانات وهي راكضة، فلا يُخطئها إلَّا نادرًا.
٣ - وكان سَدِيدَ الرماية لحدة بصره وثبات يده، ودقة ملاحظته وحسابه لحركة الأهداف المتحركة.
وأحببت يوماً أن أشاهِدَ رِمايتَهُ فتواعدنا على لقاء في المدرسة الشعبانية بحلب (وهي مدرسة وقفية واسعة كان يقوم بتدريس الفقه فيها جدي ثم والدي مدة حياتهما - رَحِمَهُمَا اللهُ -، ثم أنا مُدَّةَ من الزمن، وفيها بُحَيرةُ ماء كبيرة وحديقة وأَرْوِقَة وغُرَف كثيرة للطلاب ومرافق)، فجاء ببندقية (من النوع الذي يُستعمَل في مراكز الرِّهانِ والتدريب على التسديد تَرمِي حَبَّة رَصاص واحدةً صغيرة) وهي من صُنعِهِ صَنَعها بيده، وصَمث حَبَّاتِ رَصاصِها (الخُرْدُق)، وجئنا لأحد أروقة المدرسة، وفي سقوف قناطره سلاسل حديد لتعليق المصابيح، فكان يُصوَّبُ بندقيتَه إلى السلسلة فيرميها بالخُرْدُقَة فتبدأ السلسلة تَلُوح ذهاباً دهاياباً، فيرميها ثانية وهي متحركة فتغيِّرُ اتجاهها أيضاً وهكذا فلم يخطئها بواحدة.
ثم جاء بإبرة صغيرة فغرسها بين بلاطتين من الأرض حتى غاب نصفها وبقي نصفها ظاهراً، فابتعد عنها نحو ثلاثة أمتار، ثم صَوَّب البندقية ورماها بالخُرْدُقة فانكسرت الِإبرة وطار نصفُها البارز!!، ثمَّ كَرَّر العملية على إبرة أخرى.
ثم أتى بقطعة من الفَخار صغيرة مكسورة، التقطها من حديقة المدرسة، لا تتجاوز مِساحتُها (٤ - ٥) سنتيمترات، فرَكَزَها في مكان مرتفع بعُلُوّ قَامَةِ الإِنسان، وابتعد عنها نحو مترين أو ثلاثة، وأدار ظهره إلى قطعة الفخار المنصوبة، فوضع البندقية على كتفه الأيمن وفُوَّهتُها إلى الخَلْف، وأَمسَك بمَقْبِضِها الخَشَبي، وأَخرَج من جيبه مِرآةَ صغيرة مستديرة، وأمسَكَها بين إصبعَيْ يده اليُسرى وَرَكَزَها على مَقْبِض البندقية
стр. 283
الخشبية، ونَظَر في المرأة إلى قطعة الفخارِ الهدَفِ مُسَدِّداً إليها (وإبهامُ يُمناه على زِناد البندقية) فضغط عليه وأَطلَق خُردقةَ الرصاص، فطارت قطعةُ الفَخَّار وتساقطَت كِسَراً!!.
ثم وَذَعتُه متعجباً من هذه الدقة في تسديد الرماية وانصرفنا.
وقد حدَّثني مرَّة - (ولم أُشاهِد) وهو صدوق - أنه يَغرِسُ شَفْرةَ من شَفَرات الحِلاقة في الأرض بين بَلاَطَتَينِ أمامَ جِدار، ويَبتعدُ عنها مقدارَ مترين أو ثلاثة مستقبلاً حد الشفرة، ويُصوِّبُ إليها البندقية، ويَسأل من معه: هل تريدون أن أَقْسِمَ الخردقة التي سأُطلقها على حَدِّ الشَفْرَة نصفينِ أو ثُلُثاً وثُلُثينِ؟ ثم يُطلِقُ عليها الخردقة فتنقسم على حد الشفرة قطعتينِ أنصافاً أو ثُلُثاً وثُلُثينِ كما طلبوا!!
وقد كنتُ في وقتِ مَّا خِلالَ عُضْوِيَّتي في المجلس النيابي السوري، المنتخَبِ في الدور التشريعي (١٩٥٤ - ١٩٥٨ م)، ذكرتُ لبعض المسؤولين الكبار من قادة الجيش مزايا الأستاذ عبد الرحمن زين العابدين، وخاصَّةَ دقتَهُ العجيبة في تسديد الرماية، واقترحتُ عليه أن يَستفيدوا منه ويعهدوا إليه بتدريب الجنود على الرماية، فلم أجد من يهتم!!.
٤ - كان الأستاذُ الشيخُ عبدُ الرحمن المتحدَّثُ عنه إلى جانب مزيته النادرة هذه في الرماية صِنْعاً (١) لم أعرف ولم أسمع عن نظير له في صُنع الأشياء الدققة التي تحتاج إلى دقة بالغة، لا تُضبَطُ إلَّا بآلاتِ غايةٍ في الدقة والحَسَاسِيَة.
فكان يصنعها بيده الصَّنَاع، ويَضبِطُ مقاييسَها الدقيقة ببصره الحديد، ويستخدم فيها المِيشارَ الدقيق للحديد، والمِبردَ ومختلِفَ أحجار السَّنّ والشَّحْذ، ويستخدم المثاقبَ المتنوِّعةَ الحجوم، التي تَثْقُبُ المَعدِن من حديد أو نحاس أو غيرهما، ثَقباً لا يزيد عن حجم النَّقطةِ الصغيرة كرأس الِإبرة الدقيق فما فوق. ويصنع هو تلك المثاقب من الفولاذ بيده. وقد شاهدتُ كلِّ ذلك منه بخفسي في مختلِف زياراتي له، إذ كنتُ أمكُثُ عنده في الزيارة الواحدة ساعات.
стр. 284
ويستوي في دقة الصنع اليدوي لديه الأشياءُ والآلاتُ وقِطَعُ التبديل (قِطَع الغِيَار) الكبيرةُ بعض الشيء والصغيرةُ التي تَحتاجُ في تمييز أبعادها إلى نَظَّارة مكبِّرة قوية كنظَّارة الساعاتية التي توضع في مَحْجِرِ العين الواحدة.
٥ - وقد أراني يوماً مَّا مِيلاً فُولاذياً طُولُه نحو عشرة سنتيمترات أو أكثر، وغِلَظُه لا يزيد عن ثلاثة ميليمترات، وهو مضلَّع طولاً إلى سبعة أضلاع متساوية، اشتغله بيده بالمِبرد، صنعه في البداية مبروماً، ثم بَرَده بالمِبرد فجعله مضلَّعاً سبعةَ أضلاعِ متساويةٍ، لا تجد إذا نظرت بالمكبِّرة فرقاً بين ضلع وآخر ولا قَدرَ شعرة، ولا اعوجاجاً في أحد الأضلاع كأنه خارج من مصنع آلي.
وقد نبَّهني إلى الفرق العظيم في السهولة والصعوبة بين جعل أضلاعه زوجية (مثل: أربعة أوستة أو ثمانية) وبين جعلِها فَرْدِية (مثل: ثلاثة أو خمسة أو سبعة أو تسعة) فإخراج أضلاع طولانية متساوية في قضيب مَعدِني هو سهل إذا كانت الأضلاع زوجية متقابلة يتوازى فيها كلِّ ضلع مع ما يقابله كما لو كان باربعة أضلاع أو ستة أو ثمانية مثلاً. أما إذا كانت الأضلاع فردية مثل خمسة أو سبعة أو تسعة، فإن إخراجها متساوية بصنع اليد صعب جدا جداً، فإن التوازي بين كلِّ اثنين من الأضلاع المزدوجة يَجعَلُ من السهل على الصانع الموازنةَ بنيها.
وفي خلال الحرب العالمية الثانية انكسر في معمل شركة الغزل والنسيج بحلب تُزسٌ مُسَنَنٌ في أحد الأجهزة، وكان مسنناً في أسنانه تعرُّجٌ وحركات دقيقة، وتوقَّفَ المعملُ ولا يُمكِنُ جَلْبُ بديلِ جديد ولا يُمكِنُ لِحامُه. فذُكِرَ لهم الشيخ عبد الرحمن، فأتَوْه بالمسنَّن المكسور فصَنَع لهم بديلاً عنه كأنه هو حين كان جديدًا، وشَغَّلوا به الجهاز. وكان قَنُوعاً لا يُناقِش في الأجر، فأعطَوْه ثمناً له لو طَلَب عشرةَ أضعافه لما ترددوا في دفعه.
وفي خلال الحرب المذكورة أيضاً لجأ إليه صانعو الأحذية (الكندرجية)، إذْ كانوا يَثقُبُون الجلود التزيينية في وجه الحذاء بثَقَّابة صغيرة توضع محل الإِبرة في ماكِنَةِ الخياطة، فتثقب الجلد سطوراً منتظمة. وهي ثَقَّابَةٌ عِبارةٌ عن قَضِيبٍ صغير من الفولاذ، مفرَّغٍ نصفُه الأسفل بشكل أُنبوب، وحافَتُه السفلى المسديرة حادَّةٌ مسنونة، وفي جانبه
стр. 285
فتحة تَخرُجُ منها الأجزاءُ الصغيرة التي تُفرَّغُ من ثَقْب الجلد. وهي على بساطها تَقُوم على هندسةٍ دقيقة، فكانت تنكسر معهم هذه الثَّقَّابات أثناء عملها في ماكِنَةِ خِياطةِ الجلود كما تنكسر إبرةُ الخياطة. فكان يصنعها لهم بكثرة.
وقد طلبتُ أنا منه مرةً أن يصنع في واحدة على عيني ويضع لها قَبضةً خشبية لأستعملها في ثَقْبِ ثُقوبِ في حِزام البَنْطَال إذا احتَجتُ، فقام وأنا عنده فأخذ من صندوق القطع قضيباً مَعْدِنياً (سِيْخاً) من (الأسياخ) التي تُثبَتُ على قُطبِ عَجَلاتِ الدرَّاجة الهوائية، لتَسْنُدَ إطارَ العجلة فلا ينضغطَ فتختلَّ استدارتُه عند ركوبها.
وهذه (الأسياخ) هي من الفولاذ القاسي القوي، فقص أمامي منه قطعة بطول سنتيمترين، ثم عرضها على نارِ مِصباحٍ كُحُولي حتى حَل سِقَايتها لتَذهبَ قساوتُها، ثم تابَع صُنعهَا أمامي وفرَّغ نصفَها الأسفل بمِثقب من صُنعِه هو، وهكذا تابع صُنعَها مرحلةً مرحلة مما يَطُول شرحُه، وصَنَع لها قَبضةَ خشبيةَ، وركَبط للقَبضةِ سِوَاراً مَعدَنياً واقياً، وأعطاني إياها. وقد استغرق صُنعُها معه مقدار ساعتين!!.
٦ - ومن أهم مزاياه التي تميز بها بالبراعة واشتَهر بها: أنه كان (ساعاتياً)، خبيراً بصيراً بالساعاتِ على اختلافِ أنواعها وحُجُومها، يَعرف الآلاتِ الدقيقةَ في الساعة ووظائفَ تلك الآلات، ويُحسِنُ تمييزَ الساعة المتينة الثمينةِ والسخيفةِ السريعةِ العطبِ متى فَتَحها ونَظَر آلاتها.
لماذا استعصى على الساعاتية في حلب إصلاح ساعة توقَفت، أو احتاجوا إلى قطعةِ غِيار لها غيرِ موجودة، كانوا يلجؤون إليه فيقوم بإصلاحها، أو يَصنَعُ لهم قطعةَ الغِيار المطلوبة.
وقد كنتُ أعتمدُهُ في إصلاح جميع الساعات التي أستعمِلُها سواء اليدوية التي أحملها، أو البيتية التي تعلق على الجدار. وكان يقول في: قلَّما تُسَلَّمُ ساعةٌ إلى ساعاتي ليُصلِحها إلأ ويُحدِثُ بها ضرراً، لأنهم جهلاء، فالساعاتي يجبُ أن يكون خبيراً في علم الميكانيكا، لأنَّ الساعة وعَمَلها قائمانِ على هذا العلم.
والساعات النسائية الصغيرة جداً مما لا يتجاوز قُطْرُها الخارجي خمسةَ عَشَر