← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1421

المشوق إلى القرآن

عمرو الشرقاوي

Полный текст (231 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأمَّا التفسير فمأمور به بحسب الحاجة إليه لفهم كتاب الله تعالى بحسب الطاقة البشرية، ولذا فإن الناس فيه درجات كما قال ابن عباس: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» (١). ٣ - أنَّ التدبر لا يحتاج إلى شروط إلا فهم المعنى العام مع حسن القصد وصدق الطلب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، أما التفسير فله شروط ذكرها العلماء، لأنه من القول على الله، ولذا تورع عنه بعض السلف (٢). * ومما ينبغي أن يُعلم أن الناس على درجات متفاوتة في التدبر بحسب آلاتهم وإمكاناتهم، فليس تدبر العالم المتبحر في الشريعة كتدبر العامي، ولكل درجات، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. على أنَّ كثيرًا من الناس قد يتجرأ على كتاب الله تعالى فيفسره بمعهود قومه، أو بما يهجم على خاطره من المعاني، وقد يسمي ذلك خواطر أو تأملات أو تدبر أو غير ذلك، وهذا من الخطأ ومجانبة للصواب. ولست أريد هنا بيان كيفية التدبر، والمعين عليه، وموانع ذلك، .. إلى غير ذلك، فقد أُفردَت مصنفات في بيان ذلك (٣)، ولكني أريد أن أبين أن الله

стр. 107

تعالى حين شرع التدبر للناس لم يشرع لهم أن يتجرؤوا على كتابه، بل هذا أمر لهم بتحصيل الآلة المعينة على تدبر القرآن (١). ولذلك فسأطرح هنا خطوات عملية لمريد التدبر أن يسلكها لينجو إن شاء الله تعالى من الوقوع في المحذور: أولًا: على مريد التدبر أن يتعرف على المعنى الإجمالي للآيات - على الأقل - ليضبط تدبره (٢)، «إنَّ التدبر هو مرحلة ما بعد التفسير .. ! أي ما بعد الفهم للآية. لكن الفهم المطلوب لتحصيل التدبر إنما هو الفهم الكلي العام، أو بعبارة أخرى: الفهم البسيط. ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسرين والغوص في دقائق كتب التفسير! وإلا صار القرآن موجهًا إلى طائفة محصورة فقط! ومن ثم يمكن لأي شخص أن يتدبر القرآن بعد التحقق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أي تفسير أو يسمعها» (٣).

стр. 108

ثانيًا: كلما ازدادت معرفتك بالآية، وسبب نزولها، وفضلها - إن وجد - فإن تدبرك سيكون أعمق، فلا تقتصر على الكتب التي تحمل المعنى الإجمالي، بل عليك بما هو أوسع من ذلك (١). ثالثًا: من أعظم طرق التدبر (تثوير القرآن) (٢)، ومراجعة حل ما ثورته على نفسك من كتب التفسير، أو أحد من أهل العلم بكتاب الله تعالى. رابعًا: لا تبادر بنشر ما توصلت إليه إلا بعد مراجعة ونظر وتدارس، ولا تستنكف من قبول الحق إن بان فيما توصلت إليه خطأ نبهك غيرك على وجه الصواب فيه. * أما التأثر فهو ضرب من ضروب التدبر، وهو ما يسميه بعض العلماء (التدبر الوجداني) (٣)، وهذا التأثر يختلف عن التدبر بالمعنى المتقدم بأنه قد لا يحتاج إلى تأمل عقلي أو إلى معرفة بالدلالات العميقة للآيات. ولا بد من التنبيه على أن بعض المشركين، وبعض الأعاجم يقع عنده من التأثر بالقرآن مع عدم معرفة المعنى، إذ للقرآن سطوة على النفوس! وإنما نبهت على ذلك لأنه قد يخلطُ بعضُ النَّاسِ بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماع القرآن، فيجعلونَ القشعريرةَ التي تصيب الإنسان والخشوعَ الذي يلحقُه بسبب تأثيرِ القرآنِ عليه هو التَّدبُّرُ، وليسَ الأمرُ كذلك. فالتَّدبُّرُ عمليَّةٌ عقليَّةٌ تحدثُ في الذِّهنِ، والتَّأثُّرُ انفعالٌ في الجوارحِ والقلبِ، وقد يكونُ بسبب التَّدبُّرِ، وقد يكونُ بسببِ روعةِ القرآنِ ونظمه، وقد يكونُ بسبب

стр. 109

حالِ الشَّخصِ في تلكَ اللَّحظةِ، واللهُ أعلمُ (١). * تنبيهات: ١ - ثم فرق بين التفسير وبين المعلومات الموجودة في كتب التفسير، فليس كل معلومة موجودة في كتب التفسير هي من صلب علم التفسير، إذ كل علم له بالقرآن تعلق، وقد يستطرد المفسر في علم برع فيه، فيتكلم عليه في سياقات كلامه عن الآيات (٢)، وقد يذكر بعض اللطائف والفوائد وغير ذلك. وهذه اللطائف والفوائد هي في الحقيقة نوع من التدبر للقرآن المجيد. ٢ - «كُلُّ عالِمٍ أو كلُّ مفسِّرٍ متدبرٌ، وليس كل متدبرٍ مفسِّرًا»! فتأمل .. (٣)! ختامًا: إنَّ بعض ما يسميه الناس تدبرات وخواطر، إنما هي في الحقيقة (أُمنيات) = أي: إنَّه يتمنى أن تكون الآية كما يتمنى هو لا ما هي عليه على الحقيقة!! فلتحذر من أن تحمل الآيات على ما تريد، فإنه اتباع للهوى، وقانا الله منه.

стр. 110

«وندمت على تضييعِ أكثرِ أوقاتي في غير معاني القرآن» ابن تيمية [الجامع لسيرته: (٤٦٥)]

стр. 111

يا ليتني أعطيتُ القرآن عمري عبر الأئمة الأعلام عن أسفهم على تضييع أوقاتهم في غير معاني القرآن، قال الثوري: «ليتني كنت اقتصرتُ على القرآن» (١). وقال ابن تيمية، وكان آية من آيات الله تعالى في التفسير، والتوسع فيه، ولعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين، وقد بقي يفسر (سورة نوح) عدة سنين، قال في سجنه الأخير: «قد فتح الله عليَّ في هذا الحصن في هذه المدَّة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء مات كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن» (٢). وقال الفراهي: «ولما كانت هذه المشاغل تمنعني عن التجرد لمطالعة القرآن المجيد، ولا يعجبني غيره من الكتب التي مللت النظر في أباطيلها، غير متون الحديث، وما يعين على فهم القرآن، تركت الخدمة، ورجعت إلى وطني، وأنا بين خمسين وستين من عمري، فيا أسفا على عمر ضيعته في أشغال ضرها أكبر من نفعها! ونسأل الله الخاتمة على الإيمان» (٣).

стр. 112

وقال أبو إسحاق الحويني باكيًا: «فترةَ مُنعنا من ارتياد المساجد كانت فترة مباركة أن يعيد الإنسان قراءة القرآن مرة أخرى … لما أتيح لنا أن نخلو بكتاب ربنا وبسنة نبينا انكشف كثير من الغطاء .. كثير من الآيات كان الواحد يقرأها ولا يقف كثيرًا عند معانيها، تسنى لي أن أجلس وأن أفعل هذا .. فيا ليتني أعطيت القرآن عمري». فينبغي على العاقل أن يبدأ رحلته مع القرآن، وأن يترقى في معايشة القرآن والانتفاع بنوره وهديه. وكتقريب للأمر، فإن تحصيل صحبة القرآن الواردة في قول النبي ﷺ : «إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (١)، وقوله: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه» (٢) = لها شرطان: الأول: شرط علمي. الثاني: شرط عملي. وهذا تفصيل لتلك الشروط، وبداية الطريق لتحصيلها: أولًا: الشرط العلمي وهذا الشرط يحتوي على ثلاثة مستويات: المستوى الأول: معرفة المهم من علوم القرآن. ومما يعين على تحصيل هذا الشرط:

стр. 113

١ - برنامج (تاج الكرامة)، التابع لمركز: (آيات). ٢ - برنامج (طليعة الكفاية)، التابع لموقع: (إنَّه القرآن). ٣ - كتاب: (الدليل إلى القرآن)، عمرو الشرقاوي، وله شرح على موقع: (إنه القرآن). ٤ - كتاب: (مدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف)، د. حازم حيدر، معهد الإمام الشاطبي، وله شرح مرئي عليه. المستوى الثاني: معرفة المهم من قواعد التجويد. ومما يعين على تحصيل هذا الشرط: الأفضل الالتزام بشيخ أو معلمة، في دور القرآن أو خارجها، ولمن لا يقدر على ذلك، فيمكنه أن يسلك التالي: ١ - برنامج (تاج الكرامة)، التابع لمركز آيات. ٢ - حلقات (أساسيات التجويد)، د. صفوت سالم، أكاديمية زاد. ٣ - كتاب (التجويد المصور)، د. أيمن سويد، مع شرحه له. كل هذا: مع سماع القرآن من مصاحف متقنة التلاوة مثل: مصحف الشيخ الحصري ﵀. المستوى الثالث: معرفة المهم من الألفاظ والتراكيب. وأقترح عليه عدة ختمات ينتفع بها في معرفة الألفاظ والتراكيب: ١ - ختمة غريب القرآن، من كتاب: (السراج في بيان غريب القرآن)، للشيخ محمد الخضيري، كرسي القرآن الكريم وعلومه. ٢ - ختمة محتويات السور والآيات، من كتاب: (محتويات سور القرآن)، للشيخ أحمد محمد الطويل، مدار الوطن.

стр. 114

٣ - ختمة المعنى الإجمالي، من كتاب: (المختصر في التفسير)، إعداد مركز تفسير للدراسات القرآنية. - أو دورة (الأترجة) كبديل صوتي مناسب. ولو لم يسعف الوقت، فليقتصر على المفصل من القرآن، وهو: من سورة (الحجرات) إلى سورة (الناس). ومن متمِّمات هذا الشرط، أن يحفظ الإنسان المفصل من القرآن، ففيه خير عظيم، ويعينه على الاستمتاع بتلاوة الكتاب في الصلاة عن ظهر غيب. ثانيًا: الشرط العملي ويؤخذ هذا الشرط من تعامل النبي ﷺ مع القرآن، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٩١ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ٩٢﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ١٩﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ ٤٥﴾ [الأنبياء: ٤٥]. فتلاوة القرآن، والإنذار به انفعال، وهذا الانفعال لا بد أن يسبق بالامتلاء من الوحي! والسبيل إلى الامتلاء الذي يسبق الانفعال، يمكننا إجماله في معالم ثلاثة:

стр. 115

المَعْلَمُ الأوَّل: المحبة. لقد كان النبي يحب نزول الوحي عليه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟»، قال: فنزلت: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾ [مريم: ٦٤] الآية (١). وقد انعكس هذا المعلم على الصحابة، عن أنس، قال: قال أبو بكر ﵁، بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ ؟ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء. فجعلا يبكيان معها» (٢). المَعْلَمُ الثاني: التعاهد. ويشتمل على أمور: ١ - التلاوة. أشار الله إلى أفضل طرق المعاهدة، والتي ينبغي لحافظ القرآن الاعتناء بها، وهي قيام الليل بالمحفوظ من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، وإن الليل مظنة الحضور والفهم وصفاء النفس وتفريغ القلب من العلائق والشواغل.

стр. 116

والنبي ﷺ هو المخاطب بذلك، وبقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤]. عن حذيفة، قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم»، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده»، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: «سبحان ربي الأعلى»، فكان سجوده قريبًا من قيامه» (١). عن عبد الله بن مغفل، قال: «رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله، وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءة لينة يقرأ وهو يرجع» (٢). ٢ - الاستماع. عن عبد الله، قال: «قال لي رسول الله ﷺ : (اقرأ علي القرآن) قال: فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك؟ وعليك أنزل؟ قال: (إني أشتهي أن أسمعه من غيري)، فقرأتُ النساء حتى إذا بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [سورة: النساء، آية رقم: ٤١] رفعتُ رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي، فرفعتُ رأسي فرأيت دموعَه تسيل» (٣).

стр. 117

عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ ، قالَ لأُبَي: (إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك)، قال: آلله سماني لك؟ قال: (الله سماك لي)، قال: فجعل أُبَي يبكي» (١). ٣ - التدارس. عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقَاه في كل ليلة من رمضان فيدارسهُ القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة» (٢). وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله، إنَّ الشرك لظلمٌ عظيم» (٣). المعلم الثالث: التأول. عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأوَّل القرآن» (٤).

стр. 118

قال النووي: «يعمل ما أُمر به» (١). وسئلت عائشة ﵂: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: «ألست تقرأ القرآن؟» قلت: بلى، قالت: «فإنَّ خلق نبي الله ﷺ كان القرآن» (٢)، وفي لفظ: «كان خلقه القرآن، تقرؤون سورة المؤمنين؟ قالت: اقرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١﴾ [المؤمنون: ١]، قال: يزيد فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١﴾ [المؤمنون: ١] إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥﴾ [المؤمنون: ٥]» (٣)، وفي لفظ: «كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه» (٤). قال ابن رجب: «تعني: أنَّه كان تأدَّب بآدابه، وتخلَّق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه رضاه، وما ذمه القرآنُ، كان فيه سخطه» (٥). قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، قال ابن القيم: «وهذه من أعظم آيات نبوَّتِهِ ورسالته، لمن مَنَحَهُ اللهُ فهمها .. فهذه كانت أخلاق رسول الله ﷺ المقتبسة من مشكاة القرآن، فكان كلامه مطابقًا للقرآن؛ تفصيلًا له وتبيينًا، وعلومُهُ علوم القرآن، وإراداتُهُ وأعمالُهُ ما أوجبَهُ ونَدَبَ إليه القرآنُ، وإعراضُهُ وتَرْكُه لما مَنَعَ منه القرآنُ، ورَغْبَتُهُ فيما رغَّبَ فيه، وزُهْدُه فيما زهَّدَ فيه، وكراهته لما كَرِهَهُ، ومحبته لما أحبَّهُ، وسَعْيُهُ في تنفيذ أوامره، وتبليغِهِ، والجهادِ في إقامته.

стр. 119

فترجَمَتْ أُمُّ المؤمنين - لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول ﷺ ، وحسن تعبيرها - عن هذا كلِّه بقولها: (كان خُلُقُهُ القرآنُ)، وفَهِمَ السائلُ عنها هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى» (١).

стр. 120

«من أحبَّ القرآنَ فليبشر» ابن مسعود [سنن سعيد بن منصور: (١/ ١٢)]

стр. 121

لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام الله! سأذكر في هذا الفصل جوانب من حياة السلف رضوان الله عليهم مع القرآن، وفيها تذكرة وعبرة، ورفع همة القارئ ليحاول الوصول إلى هذه الأحوال، فلينظر الناظر في هذه الآثار مع ملاحظة المجاهدة التي جاهدوها، والبلاء الذي أبلوه، وليجتهد كما اجتهدوا، وليكابد كما كابدوا، فلا ينبغي أن ينظر إلى كمال النهاية، بل عليه أن ينظر لحُرقة البداية (١). كانت للسلف رضوان الله عليهم عناية بالغة بكتاب الله تعالى من جوانب شتى، وهذه العناية أثر من آثار تمسكهم بهدي النبي صلى الله علهم وسلم، وقد برز تعاهدهم للقرآن الكريم في عدة جوانب، ومنها (٢):

стр. 122

* محبتهم للقرآن، وإقبالهم عليه: - إنَّ من يعرف نعمة الله عليه بالقرآن يتلوه ويتدبره ويعمل به، ويقدرها حق قدرها ولا يزال موصولًا مرتبطًا بها، يسأل ربه جل وعلا ألا يحرمه إياها وألا يمنعه بركتها وخيرها، بل يتحسر عند انقطاعها ويحزن على ذلك، وذلك دليل صدق المحبة والرغبة، ومن أمثلة ذلك ما رواه أنس، قال: قال أبو بكر ﵁، بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ ؟ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء. فجعلا يبكيان معها» (١). - وكان أبو الحلال ربيعة بن زرارة العتكي يقوم آخر الليل بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن مع إطالة السجود والانكسار والتذلل بين يدي الله عزو جل، ولما كبر سنه وضع له مقام مرتفع يسجد عليه، وكان يقول في سجوده: «اللهم لا تسلبني القرآن» (٢). - وعن ثابت البناني، ورجل آخر: «أنهما دخلا على مطرِّف وهو مغمى عليه، قال: فسطعت معه ثلاثة أنوار: نور من رأسه، ونور من وسطه، ونور من رجليه، فهالنا ذلك، فأفاق، فقلنا: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: صالح.

стр. 123

فقيل: لقد رأينا شيئًا هالنا. قال: وما هو؟ قلنا: أنوار سطعت منك. قال: وقد رأيتم ذلك؟ قالوا: نعم. قال: تلك تنزيل السجدة، وهي تسع وعشرون آية، سطع أولها من رأسي، ووسطها من وسطي، وآخرها من قدمي، وقد صورت تشفع لي، فهذه ثوابية تحرسني» (١). - وعن الزهري: «سألت علي بن الحسين عن القرآن؟ فقال: كتاب الله وكلامه» (٢). - وعن نافع، قال: «لما غسل أبو جعفر القارئ - أحد الأئمة العشرة في حروف القراءات -، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده كورقة المصحف، فما شك من حضره أنَّه نور القرآن» (٣). - وقال سحنون: «رأيت ابن القاسم في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وجدت عنده ما أحببت. قلت: فأي عمل وجدت؟ قال: تلاوة القرآن. قلت: فالمسائل؟ فأشار يلشِّيها. وسألته عن ابن وهب، فقال: في عليين» (٤). - وقال فروة بن نوفل الأشجعي: «كنت جارًا لخبَّاب، فخرجت يومًا معه إلى المسجد، وهو آخذ بيدي، فقال: يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه» (٥).

стр. 124

* عنايتهم بالقرآن: كان السلف يعتنون بالقرآن تلاوةً، وحفظًا، وتدبرًا، ومن ذلك: - فعن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄: «كان إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه» (١). - وقال يحي بن معاذ الرازي: «أشتهي من الدنيا شيئين: بيتًا خاليًا، ومصحفًا جيد الخط أقرأ فيه القرآن» (٢). - وقال الضَّحاك بن مزاحم: «ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيَه إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله يقول: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] وإنَّ نسيان القرآن من أعظم المصائب» (٣)، وعن أبي العالية قال: «كنَّا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه» (٤). - وعن أبي وائل، قال: أتي عبد الله - ابن مسعود - بمصحف قد زين بالذهب، فقال عبد الله: «إنَّ أحسن ما زُيِّن به المصحف تلاوته بالحق» (٥). * وكانوا يجتهدون في تلاوة القرآن: - فقد كان الحسن بن أبي الحسن البصري يقول: «تفقَّدوا الحلاوة في ثلاث: الصلاة، والقرآن، والدعاء، فإن وجدتموها فاحفظوا واحمدوا الله على

стр. 125

ذلك، وإن لم تجدوها فاعلموا أن أبوابَ الخير عليكم مغلقة» (١). - وعن ابن شوذب، قال: «كان عروة بن الزبير يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف ويقوم به ليله» قال: «فما تركه إلا ليلة قطع رجله» قال: «ثم عاود حزبه من الليلة المقبلة» (٢). - وعن إبراهيم، قال: «كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال» (٣). - وقال عمرو بن عبد الرحمن بن محيريز: «كان جدِّي يختم في كل جمعة، وربما فرشنا له، فلم ينم عليه» (٤). - وقال سلام بن أبي مطيع: «كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان، ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر، ختم كل ليلة» (٥). - وقال ابن وهب: «قيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته؟ قالت: المصحف، التلاوة» (٦). - وقال أحمد بن ثعلبة: «سمعت سلمًا الخواص، قال: قلت لنفسي: يا نفس، اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة» (٧).

стр. 126

- وعن حسين العنقزي، قال: «لما نزل بابن إدريس الموت، بكت بنته. فقال: لا تبكي يا بنية، فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة» (١). - وقال الربيع بن سليمان من طريقين عنه، بل أكثر: «كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة»، ورواها ابن أبي حاتم عنه، فزاد: «كل ذلك في صلاة» (٢). - وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: «سمعت الربيع يقول: كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة، وكان يحدِّث وطست تحته (٣)، فقال يومًا: اللهم إن كان لك فيه رضى، فزد. فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافري - يعني: زاهد مصر -: لست من رجال البلاء، فسل الله العافية» (٤). - وعن مسبح بن سعيد قال: «كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاثِ ليال بختمة» (٥). * وقد كانوا يخافون ويحزنون إذا ضاع حزبهم من القرآن: - قال أبو داود الجفري: «دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا هو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ قال: إنَّ بابي مغلق، وإنَّ ستري لمسبل، ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذنبٍ أحدثته» (٦).

стр. 127

- وعن أبي سعيد الخدري، قال: «عليك بتقوى الله، فإنَّه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنَّه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنَّه روحك في أهل السماء، وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنَّك تغلب الشيطان» (١). - وقال أبو الأحوص: قال لنا أبو إسحاق السبيعي: «يا معشر الشباب، اغتنموا -يعني: قوتكم وشبابكم - قلما مرت بي ليلة إلا وأنا أقرأ فيها ألف آية، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم: الأشهر الحرم، وثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين، والخميس» (٢). * وأما عنايتهم بحفظ القرآن؛ فكثير، منه: - ما ثبت عن عبد الله بن مسعود: «والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة» (٣). - وقال قتادة لسعيد بن المسيب: «خذ المصحف فأمسك علي» قال: فقرأ سورة البقرة فما أسقط منها واوًا ولا ألفًا ولا حرفًا فقال: يا أبا النضر أحكمت قال: «نعم»، قال: «لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، وإنما قَدِمتُ عليه مرةً واحدة» (٤). - وقال أبو بكر بن عياش: «كان الأعمش يعرض القرآن، فيمسكون عليه المصاحف، فلا يخطئ في حرف» (٥).

стр. 128

- وقال أبو عبد الله بن بشر القطان: «ما رأيت أحسن انتزاعًا لما أراد من آي القرآن من أبي سهل بن زياد، وكان جارنا، وكان يديم صلاة الليل، والتلاوة، فلكثرةِ درسه صار القرآن كأنه بين عينيه» (١). - وقال جعفر بن سليمان الضبعي: «كان مالك بن دينار من أحفظ الناس للقرآن وكان يقرأ علينا كل يوم جزءًا من القرآن حتى ختم فإن أسقط حرفًا قال: بذنب مني وما الله بظلامٍ للعبيد» (٢). * ومن وجوه عنايتهم بالقرآن، قيامهم الليل بالقرآن: - يقول علي بن أبي طالب ﵁: «لقد رأيت أثرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فما أرى أحدًا يشبههم، والله إن كانوا ليصبحون شُعثًا غبرًا صفرًا، بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم، والله لكأنَّ القوم باتوا غافلين» (٣). - وعن الربيع بن أنس ﵁ قال: «كان أبو بكر ﵁ إذا صلى من الليل خفض صوته جدًّا، وكان عمر ﵁ إذا صلى رفع صوته جدًّا، فقال عمر ﵁: يا أبا بكر لو رفعت من صوتك شيئًا، وقال أبو بكر ﵁: يا عمر لو خفضت من صوتك شيئًا فأتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بأمرهما فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ١١٠﴾ [الإسراء: ١١٠] فأرسل النبي ﷺ إليهما فقال: يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر ﵁: اخفض من صوتك شيئًا» (٤).

стр. 129

- وعن سفيان، قال: بلغنا أن أم الربيع بن خثيم، كانت تنادي ابنها الربيع فتقول: يا بني يا ربيع ألا تنام فيقول: «يا أُمَّهْ من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له أن لا ينام» (١). - ولما حضرت معاذ بن جبل الوفاة قال: «اللهم إن كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر» (٢). - وقال عمرو بن عتبة بن فرقد: «سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين وأنا أنتظر الثالثة؛ سألته أن يزهدني في الدنيا، فما أبالي ما أقبل منها وما أدبر، وسألته أن يقويني على الصلاة، فرزقني منها، وسألته الشهادة، فأنا أرجوها» (٣). * وكان إذا فاتهم الحزب قضوه: - يقول عبد الرحمن بن عبد القاري: استأذنت على عمر بالهاجرة، فحبسني طويلًا، ثم أذن لي، وقال: «إنِّي كنت في قضاء وردي» (٤). - وعن خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف، فقلت له، فقال: «هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة» (٥). - وعن إبراهيم النخعي، قال: «كان أحدهم إذا بقي عليه من جزئه شيء، فنشط، قرأه بالنهار، أو قرأه من ليلة أخرى». قال: «وربما زاد أحدهم» (٦).

стр. 130

- وقال عقبة بن عامر: «ما تركت حزب سورة من القرآن من ليلتها منذ قرأت القرآن» (١). - وقال بكار بن محمد السيريني: «وكان لعبد الله بن عون سبع يقرؤه كل ليلة، فإذا لم يقرأه أتمه بالنهار» (٢). * وكانوا يعتنون بترتيل القرآن، وتحسين الصوت به: - قال سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف حاجب معاوية: أنَّ أبا موسى الأشعري قدم على معاوية، فنزل في بعض الدور بدمشق، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته (٣)؛ وقال أبو عثمان النهدي: «ما سمعت مزمارًا ولا طنبورًا ولا صنجًا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري؛ إن كان ليصلي بنا فنود أنَّه قرأ البقرة من حسن صوته» (٤). وفي رواية: «كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج قط، ولا صوت بربط قط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته» (٥). وقال العجلي: «ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتًا منه» (٦). - قال سلمة بن عاصم: «كان عاصم بن أبي النجود ذا أدب، ونسك، وفصاحة، وصوت حسن» (٧).

стр. 131

- يقول الأعمش: «كان يحيى بن وثاب من أحسن الناس قراءة، ربما اشتهيت أن أقبل رأسه من حسن قراءته، وكان إذا قرأ، لا تسمع في المسجد حركة، كأن ليس في المسجد أحد» (١). - وعن أبي عبد الرحمن الحبلي: «أن عُقبة كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن. فقال له عمر: اعرض علي. فقرأ، فبكى عمر» (٢). - وعن أنس: «قدمنا البصرة مع أبي موسى، فقام من الليل يتهجد، فلما أصبح، قيل له: أصلح الله الأمير! لو رأيت إلى نسوتك وقرابتك وهم يستمعون لقراءتك! فقال: لو علمت، لزينت كتاب الله بصوتي، ولحبرته تحبيرًا» (٣). - وقال الحافظ عبد الغني المقدسي: «أضافني رجل بأصبهان، فلما تعشَّينا، كان عنده رجل أكل معنا، فلما قمنا إلى الصلاة لم يصل، فقلت: ما له؟ قالوا: هذا رجل شمسي. فضاق صدري، وقلت للرجل: ما أضفتني إلا مع كافر! قال: إنه كاتب، ولنا عنده راحة، ثم قمت بالليل أصلي، وذاك يستمع، فلما سمع القرآن تزفر، ثم أسلم بعد أيام، وقال: لما سمعتك تقرأ، وقع الإسلام في قلبي» (٤). * وكانوا يعتنون بتعلم القرآن وتعليمه: - عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خيرُكم من تعلَّم القرآنَ وعلمه» (٥).

стр. 132

- وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ علي» قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال: فقرأتُ النِّساء حتى إذا بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [النساء: ٤١] قال لي: (كفَّ - أو أمسِك -) فرأيت عينيه تذرفان» (١). - وعن أنس بن مالك ﵁، قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: «إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ [البينة: ١] قال: وسماني؟ قال: (نعم)، فبكى» (٢). - وعن عبادة بن الصامت، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قدم عليه مهاجر دفعه إلى رجل منَّا يعلِّمه القرآن» (٣). - وكانوا يجلسون لتعليم الناس القرآن، فعن أنس بن مالك ﵁: «بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما إنَّه كيس! ولا تسمعها إيَّاه» (٤). - وعن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلمه»، قال: «وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، حتى كان الحجاج»، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا» (٥).

стр. 133

- وقال إسحاق بن إبراهيم: «سمعت الكسائي يقرأ القرآن على الناس مرتين» (١). - وقال محمد بن كعب القرظي: «جمع القرآن في زمان النبي ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء، فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إنَّ أهل الشام قد كثروا وربلوا وملئوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إنَّ إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلِّمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات» (٢). * وكانوا يبذلون الغالي والنفيس في تعلم القرآن: - قال أبو الدرداء: «لو أعيتني آية من كتاب الله ، فلم أجد أحدًا

стр. 134

يفتحها علي إلا رجلًا ببرك الغماد لرحلت إليه» (١). - وجاء عن الإمام، القدوة، المقرئ، الفقيه، شيخ القراء، الأسدي، الكاهلي مولاهم، الكوفي، أحد الأئمة الأعلام. يحي بن وثاب: «حيث دخل هو وأبوه الكوفة، فطلب من أبيه البقاء بها ليتعلم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بملازمة حِلَق أهل العلم فيها … ؛ فقال يحيى: يا أبت، إني آثرت العلم على المال. فأذن له في المقام، فأقبل على القرآن، وتلا على أصحاب علي، وابن مسعود، حتى صار أقرأَ أهل زمانه» (٢). - وقال أبو بكر شعبة بن عياش الأسدي: «اختلفت إلى عاصم نحوًا من ثلاث سنين، في الحر والشتاء والمطر، حتى ربما استحييت من أهل مسجد بني كاهل» (٣). - وعن خلف، قال: «كنت أحضر بين يدي الكسائي وهو يتلو، وينقطون على قراءته مصاحفهم» (٤). - وجاء عن الإمام الكبير، شيخ الإسلام، عمران بن ملحان التميمي، البصري، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي ﷺ ، «أخذ القرآن، وتلقاه عن أبي موسى الأشعري، ثم عرضه على ابن عباس ﵄، وهو أسن من ابن عباس» (٥).

стр. 135

* وكانوا يعتنون بتعليم القرآن ويحثون عليه: - قال عبد الله بن عمرو بن العاص: «عليكم بالقرآن فتعلموه، وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل» (١). - وكان أبو العالية يقول لطلابه: «تعلموا القرآن فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه وإياكم وهذه الأهواء؛ فإنها توقع بينكم العداوة والبغضاء وعليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا» (٢). * وكانوا ينصحون طلبته، ويثنون على المجتهدين منهم، ويصبرون على تعليمهم: - قال مالك بن دينار: «يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإنَّ القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض» (٣). - وعن أبي حمزة، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث فقال: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأَدَّبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول» (٤). - وعن أبي الزاهرية، أن رجلًا أتى أبا الدرداء بابنه، فقال: يا أبا الدرداء إنَّ ابني هذا قد جمع القرآن. فقال: «اللهم اغفر، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع» (٥).

стр. 136

- وقال عبيد المكتب: قلت لمجاهد: رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة؛ قيامهما واحد، وركوعهما واحد، وسجودهما واحد، وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: «الذي قرأ البقرة». ثم قرأ ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦]» (١). - وقال علقمة: كنت رجلًا قد أعطاني الله حسن الصوت بالقرآن، وكان ابن مسعود يرسل إلي، فأقرأ عليه، فإذا فرغت من قراءتي، قال: زدنا - فداك أبي وأمي - فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنَّ حسن الصوت زينة القرآن) (٢). - وعن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، أنَّه كان يقرأ القرآن، فيمر بالآية، فيقول للرجل: «خذها، فوالله لهي خير مما على الأرض من شيء» (٣). - وقال يحيى بن آدم: قال لي أبو بكر: «تعلمت من عاصم القرآن، كما يتعلم الصبي من المعلم، فلقي منِّي شدة، فما أحسن غير قراءته، وهذا الذي أحدثك به من القراءات إنما تعلمته من عاصم تعلمًا» (٤). - وقال يحيى بن سليمان الجعفي: حدثنا يحيى بن المبارك قال: «كنَّا نقرأ على حمزة بن حبيب الزيات ونحن شباب، فإذا جاء سليم بن عيسى الحنفي. قال لنا حمزة: تحفَّظوا وتثبتوا قد جاءكم سليم» (٥). - وكان عمرو بن قيس الملائي يقرئ الناس القرآن، فكان يجلس بين يدي

стр. 137

رجل رجل حتى يفرغ منهم، وكان إذا مشى لا يمشي أمامهم فيقول: «تعالوا نمشي جميعًا» (١). - وقال عيسى بن مينا (قالون): «كان نافع من أطهر الناس خلقًا ومن أحسن الناس قراءة، وكان زاهدًا جوادًا صلى في مسجد النبي ﷺ ستين سنة» (٢). - وقال مسلم بن مشكم: «قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا. قال: فجاؤوا ألفًا وست مائة ونيفًا، فكانوا يقرؤون، ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح انفتل، وقرأ جزءًا، فيحدقون به، يسمعون ألفاظه، وكان ابن عامر مقدَّمًا فيهم» (٣). - وقال الأخفش: «مر الحسن بأبي عمرو وحلقته متوافرة والناس عكوف فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو عمرو، فقال: لا إله إلا الله، كادت العلماء أن تكون أربابًا، كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل يؤول» (٤). - وجاء في ترجمة مقرئ دمشق، العلامة، أبو الحسن محمد بن النضر بن مر بن الحر الربعي، الدمشقي، ابن الأخرم، تلميذ هارون الأخفش الدمشقي. كانت له حلقة عظيمة بجامع دمشق يقرؤون عليه من بعد الفجر إلى الظهر (٥). - وروي عن حفص بن سليمان قال: قال لي عاصم: «ما كان من القراءة التي أقرأتك بها، فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن السلمي، عن

стр. 138

علي ﵁. وما كان من القراءة التي أقرأت بها أبا بكر بن عياش، فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش، عن ابن مسعود ﵁» (١). * وكانوا ﵏ يرشدون طلابهم إلى الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم ومراجعته ومعاهدته، وهذا من نتائج تجاربهم وثمار تحصيلهم واجتهادهم: - ومن ذلك قول أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي: «تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات؛ فإنه أحفظ لكم» (٢). - وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» (٣). - وعن ابن مسعود، قال: «كان الرجل منَّا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (٤). - قال محمد بن علي السلمي: «قمت ليلة سَحَرًا لآخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، وقال: لم تدركني النوبة إلى العصر» (٥). - وقال الأعمش: «ما رأيت مثل طلحة، إن كنت قائمًا فقعدت قطع القراءة، وإن كنت محتبيًا فحللت حبوتي قطع القراءة كراهية أن يكون قد

стр. 139

أملني» (١)، وقال: «كان طلحة بن مصرف يجيئني فأقريه فلا يطلبني حتى أخرج، فإن تنحنحت أو سعلت قام» (٢). - وقال سفيان بن سعيد الثوري: «عمرو بن قيس هو الذي أدبني وعلمني قراءة القرآن، وعلمني الفرائض، فكنت أطلبه في سوقه، فإن لم أجده في سوقه وجدته في بيته، إما أن يصلي، وإما يقرأ في المصحف، كأنه يبادر أمورًا تفوته، فإن لم أجده في بيته وجدته في بعض مساجد الكوفة، في زاوية من بعض زوايا المسجد، كأنه سارق قاعدًا يبكي، فإن لم أجده وجدته في المقبرة قاعدًا ينوح على نفسه» (٣). * ومن صور اعتنائهم بالقرآن، إكرام حملته، وتوقيرهم، والقيام بحقهم: - قال الحسن بن فهم: «ما رأيت أنبل من خلف بن هشام، كان يبدأ بأهل القرآن، ثم يأذن لأصحاب الحديث» (٤). - وقال مجاهد: «كان لعبد الرحمن بن أبي ليلى بيت يجتمع فيه القراء فيه مصاحف، فقلما تفرقوا إلا عن طعام» (٥). - وكان لعون بن عبد الله جارية يقال لها: بشرة، تقرأ بألحان، فقال لها يومًا: اقرئي على إخواني. فكانت تقرأ بصوت وجيع حزين، فرأيتهم يلقون العمائم، ويبكون. فقال لها يومًا: يا بشرة، قد أعطيت بك ألف دينار لحسن

стр. 140

صوتك، اذهبي، فأنت حرة لوجه الله (١). * وكانوا يعتنون بفهم القرآن، وتعلمه، ويحثون عليه، ويجدون في ذلك: - وقد قال ابن عباس، في قوله: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦٩] «يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله» (٢). - وعن إبراهيم التيمي، قال: خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس فقال: «كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؛ وقبلتها واحدة؟» فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنَّه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا». قال: فزبره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس. ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه، فقال: «أعد علي ما قلت». فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه (٣). - وقال قتادة: «ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا» (٤). - وقال عمر بن الخطاب ﵁: «لقد عشنا دهرًا طويلًا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن

стр. 141

قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه ينثره نثر الدقل» (١). - وكان ابن عمر يقول: «كان الفضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإنَّ آخر هذه الأمة يقرءون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به» (٢). - وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها» (٣). - وروي عن خلف بن هشام البزار، قال: «ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا، وذلك إنا روينا أن عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورا شكرًا لله، وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القرآن لا يسقط منه حرفًا، فما أحسب القرآن إلا عارية في أيدينا» (٤). ومن ثناء الناس على علماء التفسير من الصحابة، وتقديرهم لعلمهم: - يقول طلحة بن عبيد الله: «لقد أعطي ابن عباس فهمًا وعلمًا، ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم عليه أحدًا» (٥)، وقال عبد الله بن مسعود: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس» (٦). وعن مجاهد، قال: «كان ابن عباس رضي الله

стр. 142

تعالى عنه يسمى البحر من كثرة علمه» (١)، وعن طاووس، قال: «ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس» (٢)، وعنه أيضًا، قال: «أدركت نحوًا من خمس مائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس، فخالفوه، فلم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله» (٣). - وقال عطاء بن أبي رباح: «ما رأيت مجلسًا أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشِّعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع» (٤). - وعن أبي صالح باذام مولى أم هانئ، قال: «لقد رأيت من ابن عباس مجلِسًا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخرًا، لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال: لي: ضع لي وضوءًا، قال: فتوضأ وجلس، وقال: اخرج وقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل. قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: «إخوانكم»، فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل، قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوه عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال

стр. 143

والحرام والفقه فليدخل، فخرجت فقلت لهم، قال: فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا .. » (١). * وكانوا يعملون بالقرآن: - كان ابن عمر يقول: «كنَّا صدر هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلًا عليهم ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به» (٢). - وجاء رجل لأبي بن كعب، فقال أوصني، قال: «اتخذ كتاب الله إمامًا، وارض به قاضيًا وحكَمًا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع، وشاهدٌ لا يُتَّهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم» (٣). - وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ ينفق على مسطح بن أثاثة ﵁، فلما خاض في حادثة الإفك وبرَّأ الله ابنته أم المؤمنين عائشة ﵂ أوقف النفقة عليه ومنعه منها، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، أعاد النفقة عليه وقال: «لا جرم والله لا أمنعه معروفًا كنت أوليه قبل اليوم»، وفي رواية: «أن أبا بكر كان يضعف له بعد ذلك

стр. 144

بعدما نزلت هذه الآية ضعفي ما كان يعطيه» (١). - وعن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس ﵄، قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا»، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: «فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر»، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإنَّ هذا من الجاهلين، «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله» (٢). * وكانت لهم أحوال ومواجيد عند قراءة القرآن، والاستماع إليه: - فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ علي» قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال:

стр. 145

فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [النساء: ٤١] قال لي: «كفَّ - أو أمسِك -» فرأيت عينيه تذرفان» (١). - وعن أبي صالح، قال: لما قدم أهل اليمن في زمن أبي بكر رحمة الله عليه فسمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر الصديق: «هكذا كنَّا ثم قست القلوب» (٢). - وقال عروة بن الزبير: «دخلت على أسماء وهي تصلي فسمعتها وهي، تقرأ هذه الآية ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾ [الطور: ٢٧] فاستعاذت فقمت وهي تستعيذ فلما طال علي أتيت السوق ثم رجعت وهي في بكائها تستعيذ» (٣). - وقال عبد الرحمن بن عجلان: «بتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام يصلي فمر بهذه الآية: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾ [الجاثية: ٢١] الآية فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد» (٤). - و عن عبد الله بن رباح، قال: «كان صفوان بن محرز المازني إذا قرأ هذه الآية: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء: ٢٢٧] بكى حتى أقول: اندق قصيص زوره» (٥).
следующие страницы →