إذا نابه أمر، أو ألم به ضر، أو أهمه أمر، جعل الله حسبه.
صلوات الله وسلامه عليك أيها الخليل .. جمعنا الله بك، وجعلنا من أتباعك .. وصلى الله وسلم وبارك على حفيدك، وولدك سيد الأولين والآخرين.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
سورة يونس
(١) بعض التجديد الذي يُطرح نتيجة للغفلة عن لقاء الله!
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ … قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ … [فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ]﴾ [يونس: ١٥ - ١٧].
(٢) «ضَمِنَ الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر.
كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ٢٢﴾
стр. 177
[يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥﴾ [العنكبوت: ٦٥]، فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥﴾ [العنكبوت: ٦٥]، فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه»، [تفسير القرطبي: (١٣/ ٢٢٣)].
(٣) في الصدور شهوات تتشوف .. وفيها شبهات تنبح .. وفي الصدور حجبٌ غليظة .. وفي الصدور طبقات مطمورة من الرين.
وعلاج ذلك كله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]!!.
(٤) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
من السنن المهجورة في هذا الزمان؛ مجالس السماع القرآني، وقد كانت هذه المجالس تنعقد على عهد الصحابة رضوان الله عليهم!
بل كان عمر بن الخطاب ﵁ يحرص على تلك المجالس.
وهي على ضربين:
أولًا: ما يكون بمجرد تلاوة الكتاب والاستماع إليه!
ثانيًا: ما يكون بصحبة التدارس للقرآن.
(٥) ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩].
стр. 178
تأمَّل كيف لم يكتف بالدعاء، وإنما أمرهم بالعمل المتمثل في:
- الاستقامة.
- عدم اتباع الذين لا يعلمون، وهؤلاء هم من قال فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
سورة هود
(١) قاعدةٌ عظيمة النفع، جليلة الأثر، كبيرة الفائدة:
قال الله جل شأنه عن نبيه هود، قوله لقومه:
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾!! [هود: ٥٦].
(٢) للقرآن المجيد أثر عظيم في تثبيت القلب أيام المحن، وأوقات نزول البلايا والفتن!
بل إنَّ هذا من مقاصده، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾! [هود: ١٢٠].
ولا يظنن ظان أن العودة إلى القرآن، وتربية النفس على تلقي آياته نوع من الهروب من الواقع!
= بل إنَّ كثيرًا من الضعف والوهن الذي يدب في النفوس سببه الرئيس ضعف الإيمان!
стр. 179
ووصل الحال ببعض الناس إلى التشكيك في القدر، وظن الظنون بالرب تعالى، ولو أنهم أقبلوا على كتاب ربهم لكان شفاءً لنفوسهم، وطهرة لقلوبهم!
ولعلك تتأمل سورة الأحزاب - مثلًا -، واجتماع الكفار على رسول الله وأصحابه، حتى وصفهم الله بألفاظ جليلة تبعث في النفس ما كان عليه الأصحاب من زلزلة ووهن، ثم تأمل في تخذيل المنافقين لأهل الإيمان، ثم تأمل في الذين آمنوا، وبم اتصفوا لينصرهم الله على الأحزاب!
= إنك إن فعلت فستجد خيرًا كثيرًا!
سورة يوسف
(١) وفي قوله سبحانه عن الكريم سليل الكرام: ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾ [يوسف: ١٠٠]!.
تنبيه على خلق عظيمٍ جدًّا.
فإنَّ يوسف لم يذكر خروجه من الجب = مع كونه أشد، وأعظم، إذ كان غلامًا صغيرًا وحيدًا في جب مظلم متروك للأهوال والمخاوف.
لم يذكر الجب، وذكر السجن = لئلا يؤذي مشاعر إخوته [وهم الذين رموه في الجب]، وقد عفا عنهم قبل قليل.
اللهم صل على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم!
(٢) لطيف ولو طال الأمد.
توالي المصائب قد تنسي المصاب اللطف المصاحب.
стр. 180
وفي قول الكريم: ﴿إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم﴾ [يوسف: ١٠٠]، أُنس وسلوة، ولو بعد حين.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]!.
(٣) الحمد لله الكريم، يسوق اللطف للعبد في مواطن البلاء معونة له على الصبر قبل أن يأتيه الفرج!
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
وعند تأمل اللطف = تهون المصائب!
سورة الرعد
(١) ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ [الرعد: ٤]، وفي القلوب كذلك!
فعليك بما زكا، ودع عنك السبخ.
(٢) كلٌ يأخذ من القرآن بحسب واديه (قلبه)، كما قال سبحانه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧].
وصلاح الإنسان بقدر أخذه من أمرين:
١ - القرآن، تلاوة، وفهمًا، وعملًا.
٢ - الصلاة، إقامة، وإحسانًا.
= فاطلب تجد!
стр. 181
(٣) ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ [الرعد: ٣١].
= لكان هذا القرآن الذي بين يديك، فاستمد القوة والحياة منه.
(٤) ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥].
تأمل: كيف أنَّه بعد تفصيل المثل لأهل الإيمان قال: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا﴾.
أما في حال الذين كفروا، فقال: ﴿وعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾، فأوجز حالهم ومآلهم!!
سورة إبراهيم
(١) تذكير نفسك بأيام الله، وهي (نعماؤه وبلاؤه عليك) كفيل بتربية نفسك على الصبر والشكر!
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾! [إبراهيم: ٥].
(٢) «قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل ﵊: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، فمفهوم هذا: أن من لم يتبعه ليس منه.
وقال تعالى حكاية عن نوح ﵊: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فأجابه سبحانه: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾
стр. 182
[هود: ٤٦]، فالمتابعة تجعل التابع كأنه جزء من المتبوع وإن كان أجنبيًّا، كسلمان الفارسى ﵁ لقوله ﷺ : (سلمان منا أهل البيت)، و معلومٌ أن سلمان من أهل فارس، ولكن بالمتابعة صار من أهل البيت.
فكما أن المتابعة تُثبِتُ الاتصال .. كذلك عدمها يُثبِتُ الانفصال.
وقد جمع الله الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه متابعة النبي ﷺ .
فمن فتح له باب المتابعة، فذلك دليل على محبة الله تعالى له، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
فإذا طلبت الخير كله فقل: (اللهم إني أسألك المتابعة لرسولك ﷺ في الأقوال والأفعال)»، ابن عطاء الله (ت: ٧٠٩)، في (تاج العروس): (٤٦ - ٤٧).
(٣) وفي القرآن، ذكر الله دعوة الخليل: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء﴾ [إبراهيم: ٤٠].
وفي ذكر ولده الأول - إسماعيل -، قال الله في وصفه: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة﴾ [مريم: ٥٥].
وفي ذكره ولده الأخير، أمره الله قائلًا: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ [طه: ١٣٢]، وقال هو - بأبي هو وأمي -: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١)!
إلى الصلاة.
стр. 183
سورة الحجر
بمقدار حفظك للكتاب تلاوة وتدبرًا يكون حفظ الله لك!
ألم تر أن الله يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].
وكما يقول مولانا الأنصاري: «الخادم للمحفوظ = محفوظ، فإن أنت حفظت المحفوظ = حُفظتَ».
سورة الإسراء
(١) مغبون من رضي بالدنيا وعمل لها، ولن يأتيه منها إلا ما قُسم له، يقول ربنا ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]!!.
وعلى الطرف الآخر:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
(٢) إذا غرَّك التفاضل بين أهل الدنيا، فتذكر تفاضل الناس يوم الدين، وانظر ثم انظر ثم انظر في تباين التفاضل بين أهل الدنيا، لتستدل به على التفاضل هناك!
﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾ [الإسراء: ٢١].
(٣) قوله: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾ [الإسراء: ٤٤].
стр. 184
- فالختم بالحلم والمغفرة عقب تسابيح الأشياء غير ظاهر في بادى الرأي!
وذكر في حكمته: «أنَّه لما كانت الأشياء كلها تسبح ولا عصيان في حقها، وأنتم تعصون = ختم به مراعاة للمقدر في الآية وهو العصيان.
- وقيل التقدير: حليمًا عن تفريط المسبحين، غفورًا لذنوبهم.
- وقيل حليمًا عن المخاطبين الذين لا يفقهون التسبيح بإهمالهم النظر في الآيات والعبر ليعرفوا حقه بالتأمل فيما أودع في مخلوقاته مما يوجب تنزيهه»، [معترك الأقران في إعجاز القرآن: (١/ ٣٨)].
سورة الكهف
تأمَّل هذه الآية:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِئَايَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِئَايَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
هذا الإنسان دلَّه الله على سبيل الخلاص، وفكاك رقبته من النار، فأعرض عنها، ونسي ذنوبه المهلكة فلم يتب ولم ينب، فهل تعلم أظلمَ منه؟!
أقبل على آيات الله، ولا تكن من الظالمين، وتب لربك قبل الموعد العظيم.
стр. 185
سورة مريم
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤].
قال أبو جعفر: «يقول: ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي قبلُ إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قبلك»، [جامع البيان: (١٥/ ٤٥٥)].
سورة طه
(١) وتأمَّل في سورة طه!
وانظر كيف أن موسى حين أحس بلذة القرب وروعة الأنس أطال الكلام وأطنب، قال إجابة عن سؤال: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾؟ [طه: ١٧].
﴿هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴾!! [طه: ١٨].
وتأمَّل قول الرب له قبلها، ﴿وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى﴾ [طه: ١٣].
فبقدر استماعك لوحيه، يكون أنسك به!
ولن تأنس به إلا إن اختارك لهذا المقام.
فقل يا رب!
- حين عاش الكليم لحظة القرب، أطنب في الكلام، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧ - ١٨]!.
стр. 186
وأنت تقترب كل يوم مرات ومرات - أو يفترض أن تكون كذلك - = فالإطناب الإطناب في موضع القرب!
﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩].
(٢) قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) [طه: ٧٠].
«سبحان الله! ما أعجب أمرهم.
قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءَيْن»، [الزمخشري، فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب: (١٠/ ٢٠٨)].
(٣) أن يحملك الشوق، فإن لك السبق!
قال الكليم موسى: ﴿هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى﴾!! [طه: ٨٤].
(٤) مد العين باب عظيم من أبواب الفساد، ولا يقتصر فساده على الدنيا فحسب، بل يمتد للآخرة فيفسدها، ولذا حذر الله نبيه فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
وفي القناعة راحة ونعيم.
ولا يزال الإنسان يتتبع ما لا يبلغه، فيحمله على جمع المال من حله وحرامه = فيهلك!
стр. 187
سورة الأنبياء
(١) من ظن أنَّه ينفك عن بلاء = فإنه لم يفقه حقيقة الدنيا .. فإنَّ الدنيا بلاء يتلوه بلاء.
قال الحكيم العليم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
(٢) قد يبتليك بالذنب لتنكسر إليه!
فإياك أن يستولي الذنب على قلبك، فتفر من الله، بل فر إليه، وكلما أذنبت = تب، ولن يمل الله حتى تملوا.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾!! [القصص: ١٦].
سورة الحج
(١) القلوب كالأرض، إذا نزل عليها النور - نور الكتاب - وخشعت له، اهتزت بالحياة ناضرة، ونبتت فيها شجرة الإيمان وترعرعت، وربت لاستقبال كل خير!
كذلك الأرض؛ إذا نزل عليها الماء ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ٥﴾ [الحج: ٥].
стр. 188
فيا عباد الله ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٧﴾ [الحديد: ١٧]، ويحيي القلب بعد قسوته.
(٢) ﴿وبشر المخبتين﴾ [الحج: ٣٤].
لا تخرج من هذه الأيام إلا وقد اتصفت بصفة الإخبات، وهي صفة ذكرها الله في ذكره للحج والنسك.
- ذكر مع وجل.
- صبر على المصاب.
- إقامة للصلاة.
- إنفاق من الرزق.
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
سورة المؤمنون
(١) التدبر بالمشاهدات!
ومن التدبر للقرآن المجيد، الربط بين المشاهدات اليومية، وبين آيات القرآن!
ومن أمثلة ذلك:
стр. 189
عن أبي الأحوص عن عبد الله، قرأ هذه الآية (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [المؤمنون: ١٠٤]. الآية، قال: «ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار، وقد قلصت شفتاه وبدت أسنانه» [تفسير عبد الرزاق: (٢/ ٤٢١)].
(٢) استحضر حين تتعب نداء الله لأهل النار - نجانا الله منها - مذكرًا لهم بحال أهل الإيمان، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١].
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥].
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢].
ألا بالصبر تبلغ ما تريد.
ورأينا في المآل .. ذلك الكنز الدفينا
فاز من قام الليالي .. بصلاة الخاشعينا
سورة النور
(١) من تلاوة القرآن حق تلاوته: اتِّباع أساليب القرآن في بيانه عن الأحكام الشرعية.
وبيان القرآن للأحكام الشرعية بيانٌ ممتعٌ أخَّاذ مهيئٌ للقلب لاستقبال أحكام الرب، ومن ذلك:
- مزج بيان الحكم بالوعظ، والتذكير بالآخرة، وربط الأحكام بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وما دلَّت عليه.
- رعاية المقاصد الكلِّية، والمعاني التي لا ينبغي أن تُفقَد حال التطبيق.
стр. 190
وتأمَّل - مثلًا - قوله سبحانه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].
تجد:
أنَّ الله سبحانه مع ذكر الترخيص والإذن للقواعد بالتخفف إلَّا أنَّه ذكر الأفضل لهنَّ، والأولى لحالهنَّ، وأرشدهنَّ لسلوك أفضل الأعمال، وأحسن السُّبُل.
ختم الآية بذكر اسميه: السميع العليم، ترغيبًا وترهيبًا.
فسبحان من هذا كلامه، ونسأله حسن الفهم عنه.
(٢) قال تعالى: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
«الصديق: فعيل بمعنى فاعل، وهو الصادق في المودة.
وقد جعل في مرتبة القرابة مما هو موقور في النفوس من محبة الصلة مع الأصدقاء.
وسئل بعض الحكماء: أي الرجلين أحب إليك أخوك أم صديقك؟
فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي»، [التحرير والتنوير: (١٨/ ٣٠٢)].
стр. 191
سورة الفرقان
(١) القرآن مستودع الأسرار، إذ ﴿أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض﴾ [الفرقان: ٦]!!.
(٢) التلاوة المستمرة للقرآن تعطي القلب قوة وثباتًا، وكل آية تتلوها، وتعرف معناها: زيادة في قوة قلبك، ونوره.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ٣٢﴾ [الفرقان: ٣٢].
وإذا كان النزول المفرق للقرآن قوة لقلب النبي ﷺ ، فلأتباعه أولى!
(٣) فهم كلام أهل العلم، وفائدة:
ذكر ابن القيم في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، قول مجاهد: «اجعلنا مؤتمين بالمتقين، مقتدين بهم».
ثم قال: «وأشكل هذا التفسير على من لم يعرف قدر فهم السلف وعمق علمهم، وقال: يجب أن تكون الآية على هذا القول من باب المقلوب، على تقدير: واجعل المتقين لنا أئمة.
ومعاذ الله أن يكون شيء مقلوبًا على وجهه، وهذا من تمام فهم مجاهد ﵀، فإنه لا يكون الرجل إمامًا للمتقين حتى يأتم بالمتقين، فنبه مجاهد على هذا الوجه الذي ينالون به هذا المطلوب = وهو اقتداؤهم بالسلف المتقين من قبلهم فيجعلهم الله أئمة للمتقين من بعدهم.
стр. 192
وهذا من أحسن الفهم في القرآن، وألطفه، ليس من باب القلب في شيء، فمن ائتم بأهل السنة قبله ائتم به من بعده ومن معه»، [رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه: (١٢ - ١٣)].
قلت: وهذا الباب يحتاج إلى رسوخٍ، ولذا تجد الغر يبادر بالاعتراض قبل الفهم، والتخطئة قبل التوجيه.
(٤) لقد فتح القرآن قلوب أصحاب النبي ﷺ ، ففتحوا به القلوب.
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، قال ابن عباس: «بالقرآن»!.
سورة الشعراء
(١) ولم يذكر القلب السليم في القرآن، إلا مع ذكر الخليل إبراهيم؛ ففي سورة الشعراء أخبر ﵇ أنَّه لا ينفع يوم البعث مالٌ ولا بنون ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ [الشعراء: ٨٩].
وفي سورة الصافات، وصف الله قلب إبراهيم بالسلامة، ﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ [الصافات: ٨٤].
إلى من يريد قلبًا سليمًا، دونك قصة الخليل لتتلمس منها كيف تُحصِّلُ واحدًا!
إلى القرآن.
(٢) يقول أهل النار - أعاذنا الله منها -:
стр. 193
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]
«فإن قلت: لم جمع الشافع، ووحد الصديق؟
قلت: لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الصديق.
والصديق - وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك - فأعز من بيض الأنوق»، [الزمخشري، فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب: (١١/ ٣٨٦)].
سورة النمل
رحمة المرء بأهله من تمام رجولته، ألم تر إلى الكليم قال لأهله، ﴿إني آنست نارًا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون﴾ [النمل: ٧]!!.
سورة القصص
(١) لقد كان من دعاء الصالحين، أن ينجيهم الله تعالى من مظاهرة المجرمين، ومعاونتهم في شيء من أمورهم، ألا ترى قول الكليم: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
قال الفقيه الإمام القاضي أبو محمد ابن عطية: «واحتج أهل العلم والفضل بهذه الآية في خدمة أهل الجور، ومعونتهم في شيء من أمرهم، ورأوا أنها تتناول ذلك، نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره»، [المحرر الوجيز: (٤/ ٢٨١)].
(٢) لا تظاهر [تعاون وتناصر] المجرمين، وإن خفت!
стр. 194
بل: وإن اضطررت للهجرة.
ألا ترى أن الكليم موسى ذكر من تمام شكره لنعمة ربه عليه أن لن يكون ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
وبعدها: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨].
وبعدها: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٢١ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢١ - ٢٢].
(٣) عن الشعبي قال: «من قتل رجلين فهو جبار، قال: ثم قرأ (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) [القصص: ١٩]».
وعن قَتادة: «(إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ) [القصص: ١٩] إنَّ الجبابرة هكذا، تقتل النفس بغير النفس».
وعن ابن جُرَيج: «(إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ) [القصص: ١٩] قال: تلك سيرة الجبابرة أن تقتل النفس بغير النفس»، [جامع البيان: (١٨/ ١٩٧)].
(٤) لو أتيت من قبل من أسديت إليه معروفًا = فإياك أن تترك فعل المعروف.
فإنَّ الكليم ﵇ أُتي من قبل الإسرائيلي، وقد أراد دفع الأذى عنه، فظن أن موسى قاتله، فقال: ﴿يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين﴾! [القصص: ١٩].
ومع ذلك ففي أول موقف وضع فيه موسى، وجد الفتاتين، وكان من أمرهما ما كان، ﴿فسقى لهما﴾ [القصص: ٢٤]، فأبدله الله نعمة وسرورًا.
فافعل المعروف، وانتظر عاقبته عند رب العالمين.
стр. 195
(٥) الوظائف الدينية، والمراتب المحصلة عن طريق الشرع لا تتزاحم!
قال الكليم: ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني﴾ [القصص: ٣٤]،
وقال الصالحون عند فقد نظرائهم:
خلت الديار فسدت غير مسوَّد … ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
(٦) ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١].
لقد وصل الذكر إليك، فماذا أحدث في قلبك وسيرك إلى الله!
وفي قول بعض أهل التفسير: «وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمْ قولا تضمن معاني من تدبرها اهتدى»، [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٤/ ٢٩١)].
سورة العنكبوت
(١) من طرق التدبر للقرآن المجيد، الربط بين «أمثال القرآن» وصورها المعاصرة!
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧]، ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣].
(٢) أسماء القرآن أعلام وأوصاف، وللكتاب عدة أوصاف ذكرها الله فيه!
وبقدر أخذك وقربك من كتاب الله الكريم = يكون أخذُك من هذه الصفات.
فإذا أردت الذكر، والمجد، والعزة فعليك بالقرآن تلقيًا وتبليغًا.
стр. 196
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾! [العنكبوت: ٥١].
(٣) ستظل تدفع في الران الذي يعوق سيرك إلى الله، فإياك أن تنقطع عن إزالته!!
﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ [العنكبوت: ٦٩].
سورة الروم
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٦ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧]،
أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشئونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة.
قال الحسن البصري: «والله لبلغ من أحدهم بدنياه أنَّه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي».
وقال ابن عباس: يعني: «الكفار يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال»، [تفسير ابن كثير: (٦/ ٣٠٥)].
стр. 197
سورة لقمان
يقول الإمام ابن عطية في قول الله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾ [لقمان: ٢٧].
«وهذه الآية بحر نظر، نوَّر الله تعالى قلوبنا بهداه»! [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٤/ ٣٥٤)].
سورة السجدة
قاعدة:
«إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥].
تأمل: ﴿هو﴾!
سورة فصلت
(١) الأمن الحقيقي لا يكون إلا يوم القيامة، ولا يكون إلا لأهل الإيمان بحسب مراتبهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقال
стр. 198
الحكيم الخبير: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
سورة الأحزاب
إذا لم يفتح الله عليك في نوع من الخير فلا تكن معوِّقًا عنه، فإذا فتح الله لك بابًا من العلم -مثلًا -، وفتح لغيرك في غير هذا الباب فلا تكن معوِّقًا عنه، ألم تر أن الله ذم المعوقين عن الجهاد فقال: ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا، ولا يأتون البأس إلا قليلا﴾ [الأحزاب: ١٨].
سورة سبأ
الوحي هو طريق الاهتداء على الحقيقة!
ألا ترى أن الله حكى قول النبي ﷺ ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].
وفي الآية إشارة إلى أهمية دعاء الرب أن يوفق الإنسان للتمسك بالوحي وسلوك طريقه.
стр. 199
سورة فاطر
(١) إذا فتح الله لك أبواب رحمته، فلن تشقى أبدًا، فقط: أدمن قرع الباب!
وإذا منع = فمنعه حكمة.
﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ [فاطر: ٢].
(٢) لن تخلو حياتك - وإن كنت فيما تحب - من منغص وكبد، فعشها كما هي، لا كما تريد، وتذكر يوم النعيم المقيم لتعمل له: «وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر: ٣٤].
(٣) عن إبراهيم التيمي قال: «ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ [فاطر: ٣٤].
وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: ﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾ [الطور: ٢٦]»، [تفسير ابن أبي حاتم: (١٠/ ٣١٨٣)].
(٤) كتب الله على آدم وذريته ألا تتم لهم في الدنيا فرحة، لئلَّا يركنوا للدنيا .. فكل فرحة يعقبها حزن، وكل لذة منغصة ولو بوجه، وكل نعيم لا محالة زائل.
ويتذكر أهل الجنة - جعلنا الله من أهلها - ما كانوا فيه، فيقولون ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، والفضل كل الفضل للغفور الشكور.
стр. 200
سورة يس
(١) «وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ … ﴾ [يس: ٢٠].
فوائد من قصة الرجل في آل ياسين:
- أبسط داعية (أسلوب سهل).
- لم يدع إلي نفسه (اتبعوا المرسلين).
- قتلوه ومع ذلك تمنى لهم الهداية ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٢ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئا وَلَا يُنْقِذُونِ ٢٣ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٢٤ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ٢٥ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ٢٧﴾ [يس: ٢٢ - ٢٧].
- دعا من غير تكلف.
- تحدث الله عنه أكثر من المرسلين، وأفاض سبحانه في ذكره، بل قال: «وما أنزلنا على قومه﴾ [يس: ٢٨]، ولم يقل قومهم!!
(٢) ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ [يس: ٥٥].
لا تنشغل بشغل الدنيا عن شغل الآخرة، فإن فعلت فأنت مغبون، فإن كل نعيم هنا لا محالة زائلُ، أما هناك فلك ما تدعي!
ولو علم أهل الجنة عمن شغلوا ما همهم ما شغلوا به!
стр. 201
سورة ص
إذا أردت أن تكون قويًّا في الحق، قويًّا في طاعة الله، ذا بصيرة في الأمور وعواقبها، موفقًا إلى السداد = فكن من أهل الآخرة تذكرًا وتذكيرًا!
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٦].
سورة الزمر
(١) ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾! [الزمر: ٩].
في بعض أقوال أهل التفسير، أن القنوت قراءة القارئ في الصلاة.
القرآن والصلاة في ناشئة الليل!
«إنَّ لناشئة الليل قناديل أخرى تنبض بنور أخضر، نور يمده زيت الحذر من وعيد الله، وأريج المحبة لجمال الله .. فتبتهج الدوالي حزنًا وفرحًا، وتنشط الخفاف سيرًا إلى الله، قيامًا وسجودًا .. ذلك فصل فريد خارج فصول المدار، ومطلع خفي من غير المطالع الخمسة، له إشراق ربيعي، وأريج من كثبان الجنة، يملأ الحراب مسكًا وريحانًا.
فارشف يا سالك .. ! هذه كأس العارفين بالله، تفيض عليك بعلمه، فارشف ولا تك من الجاهلين!»، فريد الأنصاري.
(٢) السكينة .. السكينة يا أهل القرآن
стр. 202
إنَّ المرء ليشتاق إلى قارئ هادئ القراءة إذا سمعته حسبت أنَّه يخشى الله!
إنَّ الصوت المرتفع قد يجلب مزيدًا من البكاء، لكنه يبعد كثيرًا من السكينة!
﴿ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾! [الزمر: ٢٣].
(٣) يقول الطاهر ابن عاشور (ت: ١٣٩٣): في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]: «أطنبت آيات الوعيد بأفنانها السابقة إطنابًا يبلغ من نفوس سامعيها أيَّ مبلغٍ من الرعب والخوف، على رغم تظاهرهم بقلة الاهتمام بها.
وقد يبلغ بهم وقعها مبلغ اليأس من سعي ينجيهم من وعيدها، فأعقبها الله ببعث الرجاء في نفوسهم للخروج إلى ساحل النجاة إذا أرادوها على عادة هذا الكتاب المجيد من مداواة النفوس بمزيج الترغيب والترهيب!»، [التحرير والتنوير: (٢٤/ ٣٩)].
سورة غافر
الطاغية إذا لم يستطع مجابهة الحجة بالحجة = انتقل إلى القتل!
ألا ترى قول فرعون: ﴿ذروني أقتل موسى، وليدع ربه .. ﴾ [غافر: ٢٦].
стр. 203
سورة فصلت
(١) لا تسأم!
﴿فالذين عند ربك = يسبحون له بالليل والنهار، وهم لا يسأمون﴾!!! [فصلت: ٣٨].
فقم إلى جنة عرضها كعرض السماء والأرض، مغبون من لم يجد فيها موضعا لقدمه!
(٢) للقرآن أسرار .. لا تظهر إلا بطول المصاحبة!
«وإنَّه لكتاب عزيز» [فصلت: ٤١].
(٣) القرآن .. والعبادة الموسمية
بعض الناس يتعامل مع الكتاب العزيز تعاملًا موسميًا، فلا يقترب منه إلا في مواسم الطاعة خاصة (رمضان).
وهؤلاء لن يُحرموا نور الكتاب - بإذن الله الكريم -، لكنهم لن يحصِّلوا من هذا النور إلا بمقدار القرب من الكتاب.
وصاحب الهمَّة، طالب النور، لا بد أن يزداد قربه من الكتاب يومًا بعد يوم، وهو بهذا آخذ في الاهتداء بنور الكتاب، دافعٌ للران الموجود على القلب.
وتذكروا قول ربنا عن الكتاب: ﴿وإنَّه لكتاب عزيز﴾ [فصلت: ٤١].
فبقدر قُربك = يكون أَخْذُكَ!
стр. 204
سورة الزخرف
لا تكن ولعًا بالخصومة، فإن الله ذم قومًا فقال عنهم: ﴿بل هم قومٌ خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]، فلتكن خصومتك للحق وبالحق!
سورة الأحقاف
إذا لم تنتفع بالحق، ولم تعمل به، فلا تكن مسوغًا للباطل، ولا داعيًا إليه، فإن هذا داء قديم حذر الله منه.
وقد يُسبق الإنسان في طريق الحق، فتأبى نفسه أن يكون تابعًا، ولا ينبغي أن يكون ذلك حاجزًا عن اتباع الحق، فقد يسبق المتأخر.
قال الحق: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
سورة محمد
(١) سورة محمد ﷺ
سورة محمد هي سورة القتال!
وبعدها مباشرةٌ سورة الفتح، وفي هذا إشارة للفطن.
وفي هذه السورة ذكر الله صلاح البال، ولم يذكر الله صلاح البال في القرآن صريحًا إلا في هذه السورة، ومن تأملها وجد راحة البال المنشود.
стр. 205
وفي السورة الثلاثيات المفتتح بها الكتاب: (أهل الإيمان - أهل الكفر - أهل النفاق).
وفيها فضح للصنف الأخير، وبيان لطريق من طرق كشفهم.
﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾ [محمد: ١ - ٢].
(٢) من نعم الله على أهل الجنة، صلاح البال!
بل هو من أجزية الشهادة، «سيهديهم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة عرفها لهم» [محمد: ٥ - ٦]، وقد قيل إن (عرفها لهم) أي: طيَّبها.
وقد حرر الإمام أبو محمد القاضي ابن عطية، أن صلاح البال يكون في القلب الذي هو موضع الفكر والنظر، المؤدي إلى صلاح الحال.
فاللهم أصلح بالنا، واجعلنا من أهل النعيم.
والحمد لله وحده على كل حال!
(٣) جاءت سورة (الفتح) بعد سورة (محمد)، وهي سورة (القتال)، وجاءت سورة (النصر) بعد سورة (الكافرون).
يأتي النصر بعد البراءة من الكفر وأهله، ومواجهتهم، وقد أمر الله نبيه فقال الله له: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].
فاستبشروا: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ١﴾ [محمد: ١].
стр. 206
سورة الذاريات
وصف ربنا طبيعة السير إليه، فقال آمرًا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠].
والفرار يتضمن «مباعدة بخفة مع استرسالٍ تكرارٍ أو دوام».
ومن شأن الفارِّ أن تصيبه الكبوة بعد الكبوة، لكنها لا تلفته عن مساره، بل يظل سائرًا يستمد من كبوته زادًا لطريقه الممتد حتى يلقى الله الذي لا ملجأ منه إلا إليه.
سورة الحديد
(١) طول العهد في البعد عن الوحي = سبب عظيم من أسباب قسوة القلب!!
وليس للإنسان إلا أن يتصالح مع الوحي، ويعالج نفسه للإقبال على الوحي قرآنًا وسنة لإذابة تلك القسوة، كل هذا مع دعاء للذي يحيي الأرض!
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]، أي: كما أن الله يحيي الأرض بعد موتها فهو الذي يحيي القلب بعد قسوته!!
اللهم ارزقنا حياةً بنور وحيك!
стр. 207
(٢) ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إنَّ ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
خلاصة الأمر: لا تحزن على ما فاتك من الدنيا، ولا تفرح بما أوتيت منها، فأنت لا محالة إلى الله صائر.
سورة المجادلة
(١) ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]
ما أجمل هذه العبارة ﴿وتشتكي إلى الله﴾ .. اشتكت إلى من إليه الشكوى سبحانه وبحمده.
عرفت المرأة أن الله كاشف الضر، ومجيب المضطر، فلنعرف ونعمل.
(٣) المؤمن لا تلحقه ذِلَّة بمصيبة أصابته، إلا أن تكون مصيبة في الدين - أعاذنا الله منها -
= بل يبقى عزيز النفس دائم العطاء؛ لأنه يستمد العزة من الله!
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ٢٠ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١].
стр. 208
سورة الحشر
من رحمةِ الله ونعمته علينا أن نرى أثر القرآن على الصحابة في حوادث الأمة المستجدة.
نرى أهل النفاق وتربصهم بأهل الإيمان.
نرى الأخوَّة بين أهل النفاق وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب!
نرى كيف يحيي الله تعالى الأمة بين طول رقاد، وكيف تعود الأجيال إلى القضايا الكبرى.
اقرؤوا القرآن، واستبصروا به في قضاياكم، ابحثوا عن صفات المنافقين وإخوان أهل الكتاب، لأنهم خطر لا بد أن يزال من الأمة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ١١﴾ [الحشر: ١١].
سورة الملك
إنَّ الله تعالى هو الذي خلق الموت والحياة، وقدر على كل إنسان بما هو كذلك نصيبه من البلاء!
يقول تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾! [الملك: ١ - ٢].
стр. 209
أطل تأملك في ختام هذه الآية، كيف أن الله ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين، ﴿العزيز الغفور﴾، إنَّك - إن فعلت - تصب خيرًا عظيمًا!
سورة الجن
لما استمعت الجن القرآن قال بعضهم لبعض أنصتوا، وقالوا: ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد﴾ [الجن: ٢]، وفي الأثر: «لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد».
لم يبق عليك إلا أن تقرأ، وتفهم، لتشاهد العجائب.
عجائب القرآن!
سورة المدثر
ليس في طريق الآخرة وقوف!
﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾ [المدثر: ٣٧].
стр. 210
سورة الإنسان
(١) سورة الإنسان، سورة ﴿هل أتى﴾!
من السور الفريدة، فريدة في خطابها، فهي تخاطب الإنسان من حيث كونه إنسانًا، وهذا المعنى من المعاني المتواطئة!
في هذه السورة بلاغ للجميع.
تبدأ السورة بما قبل الوجود، مرورًا بالنشأة، إلى الطريقين ﴿إما شاكرًا، وإما كفورًا﴾ [الإنسان: ٣].
ثم مضت السورة تحذر تحذيرًا مخيفًا جدًّا على وجازته.
مع تفصيل للعيش الرغيد، والنعيم المقيم.
ثم تذكر السورة طريق النعيم، بالاتصال بالكتاب، وبالحديث بأدوات العظمة: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا﴾! [الإنسان: ٢٣].
وحينما يُذكر القرآن فلا بد من الصلاة: ﴿ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا﴾ [الإنسان: ٢٦].
كل هذا بين ترغيب وترهيب، ثم تختم السورة ببيان عاقبة الابتلاء الذي خلق الإنسان على أساسه ﴿يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ [الإنسان: ٣١].
في هذه السورة من الأسرار ما يُدهش الألباب، ووالله وبالله، هذه السورة نبراس لكيفية دعوة الناس، وطريق هدايتهم واستقامتهم، فالحمد لله الذي أنزل هذا الكتاب إلينا ليكون للعالمين نذيرًا.
(٢) قاعدة:
«لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾!! [البلد: ٤].
стр. 211
وقال الله في سورة الإنسان!!!
«إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج = نبتليه﴾ [الإنسان: ٢].
جزء عم
جزء (عم/ النبأ) المبدوء بسورة النبأ، والمختوم بسورة الناس.
الجزء المبارك الذي يعلم الإيمان!
الذي يتحدث عن الله وما له من الجلال والجمال.
يتحدث عن الإنسان من حيث حقيقته وطبيعة نفسه، وكيف يكرمها، ومتى يكون مهانًا.
عن الدار الآخرة من الموت وحتى المثوى الأخير!
أمام المرأ فرصة ليتعلم معانيه، فيدرك بذلك كثيرًا من معاني القرآن، بل أمامه فرصة ليحفظه قبل رمضان، فيتنعم به في صلاته إن أراد أن يتزود من النوافل.
سورة النازعات
قال الإمام ابن عطية ﵀: «وقوله تعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] نهاية في المخرقة = ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم»، [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٥/ ٤٣٣)].
مع الظلام الدامس، والضباب الكثيف، ليس لنا إلا أن نقول: اللهم اكشف الغمة أنت رب المستضعفين.
стр. 212
سورة الطارق
كثير هو الزيف في عالم الناس، لكنهم سيقفون جميعًا أمام الحق، بالحق، ليظهر الحق!
﴿يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر﴾ [الطارق: ٩ - ١٠].
سورة الفجر
في قوله تعالى: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦].
قال الإمام النيسابوري في تفسيره: «وإنما قال - تعالى - في جانب البسط: ﴿فأكرمه ونعمه﴾ [الفجر: ١٥] أي جعله ذا نعمة وثروة، ولم يقل في طرف القبض: (فأهانه وقدر عليه) لأن رحمته سبقت غضبه؛ فلم يرد أن يصرح بإهانة عبده، ولئلَّا يكون الكلام نصًّا في أن القبض دليل الإهانة من الله، فقد يكون سببًا لصلاح معاش العبد ومعاده»، [غرائب القرآن ورغائب الفرقان: (٦/ ٤٩٧)].
سورة العلق
كلما أقبلت على القرآن أكثر = تعرضت لكرم الأكرم.
ألم تر أن الله قال في أول التنزيل: ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾! [العلق: ٣].
стр. 213
ملاحق
أحب أن يعلم القارئ الكريم أن هذا المنهج اجتهاد يحتمل التغيير والتبديل، ومن وجد الشيخ الناصح، فليتمسك به، ففيه غنية وكفاية، وليصرف نظره عن هذه البرامج إلا أن يكون من باب المعرفة والاطلاع والاستزادة من العلم.
وأحث طالب علم التفسير على العناية بعلوم الآلة وخاصة علوم العربية، فإنه بحسب تضلعه منها يكون فهمه لكتب التفسير، وانتفاعه بما فيها.
وكم رأيت من (طلاب علم)! يشعر الواحد منهم أنَّه قد امتلك ناصية التفسير، وهو لا يتقن كتابًا من كتب اللغة، فيذهب كل هذا عنه عند أول إشكال وسؤال حقيقي يتعرض له، فيجد فهمه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد جهله يلوح أمام ناظريه، فمنهم موفق يرجع فيتعلم، ومنهم مكابر يتمادى في غيه.
стр. 214
(١) علم التفسير وسؤال المنهجية
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وآله وصحبه من بعده، أما بعد:
فإنَّ علم القرآن العظيم: هو أرفع العلوم قدرًا، وأجلها خطرًا، وأعظمها أجرًا، وأشرفها ذكرًا، وإن أحق ما صرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وإنَّ أجمع ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذُّخر وسَنَى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ما السؤال؟
إنا لنشكو في هذه الأزمان من العشوائية في طلب العلوم على اختلافها، وعلم التفسير من العلوم التي أخذت نصيبها من تلك العشوائية، وقد ظهر مؤخرًا - بحمد الله - توجه للبحث عن المنهجية لتحل بدلًا من العشوائية، ولكن فريقًا
стр. 215
انشغل بالسؤال عن (ماذا)، وأصبح هذا السؤال من معوقات التحصيل أيضًا!!، وفي هذه المقالة لن يكون الاهتمام بسؤال (ماذا أقرأ؟) فحسب، ولكن سأحاول الإجابة عن سؤال (كيف أقرأ؟) كذلك.
إنَّ علم التفسير ليس كغيره من العلوم التي وجدت فيها متون يترقى الطالب فيها من متن يصور مسائل العلم، إلى آخر يصور المسألة مع إقامة الدليل، إلى ثالث يضيف دفع الشبهات عن الدليل، وتحرير المسألة.
ولذلك فلا بد أولًا من سؤال ينبني عليه طبيعة الكتب التي ستقرأ، وطريقة القراءة، وهو ما الهدف من قراءتك لكتب التفسير؟، واختصارًا فإن الناس ينقسمون في قراءة كتب التفسير إلى:
١ - مريد لمعرفة معنى الآية الإجمالي، مع إدراك شيء من لطائفها، ليفهم كلام ربه ، إذ كيف يلتذ بكلام الله من لا يعرف معانيه؟!!
٢ - طالب علم يريد - إضافة إلى ما سبق - الترقي في هذا العلم كما يترقى في غيره من العلوم.
فأما الأول، فإنه بحاجة إلى أمرين:
١ - إدراك غريب القرآن، ويكفيه ما يعينه على إدراك معنى الكلمة من أقرب طريق، ككتاب الشيخ العلامة: مخلوف، أو كتاب د. الخضيري (السراج في بيان غريب القرآن).
٢ - إدراك المعنى الإجمالي، وهناك كتب ألفت في هذا المجال، وهي كتب يسيرة سهلة، ككتاب التفسير الميسر، أو المختصر في التفسير، أو تفسير العلامة السعدي، أو المعين على تدبر الكتاب المبين للأستاذ مجد مكي.