← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

موجودة بل هي مجرد تصور عقلي (١). ويلاحظ على ما ذهب إليه الدكتور الزنكي عدة ملاحظات: الأولى: أن الترك عنده بمعنى الكف فقط، ولا سبيل إلى إلغاء الترك العدمي فجعل الترك العدمي من أقسام الكف، وهذا قول لا يستقيم إذ هما ضدان فالكف لابد فيه من القصد والترك العدمي لا يوجد فيه قصد، وإدخال الترك العدمي في الكف أداه إلى عدم القول بفعلية الترك الذي هو الكف. الثانية: ما ذهب إليه من أن الترك ليس فعلاً بإطلاق لا يُنازَع فيه، لكن الإشكال أن الترك عنده هو الكف فقط، ومن ثَمّ فمؤدى كلامه أن الكف ليس فعلًا بإطلاق وهذا ما أخالفه فيه. ثالثًا: بالنظر إلى التقسيمات التي ذكرها يُلاحظ أن الصور التي رأى فيها أن الكف ليس بفعل كانت لأجل أن الترك فيها ترك عدمي محض، وباستثناء الصور التي كان الترك فيها عدمي محض والتي يتوفر فيها شرط القصد فإن الكف في تلك الصور: فعل. وبناء على ذلك: فمآل ما ذكره الدكتور الزنكي إلى القول بفعلية الكف إذا لم يكن تركًا عدميًّا هو ما تعتمده هذه الدراسة من أن الكف فعل، أما الترك العدمي ليس بفعل، والذي يحل ذلك الإشكال الذي وقع فيه الدكتور الزنكي هو تقسيم الترك إلى صورتين: الأولى: الكف وهي فعل.

стр. 107

الثانية: الترك العدمي وهي ليست بفعل. وعليه: فالذي يظهر للباحث هنا أن القول الراجح هو ما عليه جمهور العلماء أن الترك الوجودي فعل.

стр. 108

المطلب الرابع: الآثار الأصولية المترتبة على كون الترك فعلاً: المسألة الأولى: التكليف بالترك: ذهب جمهور أهل السنة إلى أنه لا تكليف إلا بفعلاً (وإن اختلفوا في صفة ذلك الفعل في النهي كما سيأتي بيانه)، خلافًا لأبي هاشم الجبائي (١) من المعتزلة، حيث ذهب إلى جواز أن يرد التكليف في النهي بالعدم الأصلي (٢). قال الغزالي (٣) في المستصفى:

стр. 109

"وقال بعض المعتزلة: قد يقتضي الكف فيكون فعلًا، وقد يقتضي ألا يفعل، ولا يقصد التلبس بضده " (١). والذي قال بذلك من المعتزلة هو أبو هاشم الجبائي نقله عنه الآمدي (٢) والمرداوي (٣) (٤) وابن تيمية (٥) وغيرهم.

стр. 110

ونقل الآمدي عن أبي هاشم قوله: "إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد، مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل، وذلك ليس بفعل" (١). وهذا القول من أبي هاشم له مأخذ عقائدي، هو سبب خلافه - فيما يظهر لي -، وذلك أن المعتزلة يقولون بأن الأحكام التكليفية ثابتة بالعقل وأن الشرع إنما يرد موافقًا لها، ومثل هذا يظهر في النهي، فإن النهي إذا كان متعلقه العدم الأصلي وهو ثابت قبل ورود التكليف، كان ذلك دليلًا على أن الأحكام التكليفية ثابتة قبل الشرع وذلك لثبوت متعلقها قبله، إذ لا يمكن ثبوت الأحكام بعد متعلقاتها، وحيث وجد متعلق الحكم قبل الشرع: ثبت الحكم أيضًا قبل الشرع؛ وليس هناك ما يثبته قبل الشرع سوى العقل، وهذا هو ما تقتضيه أصول المعتزلة. الأدلة: استدل الجمهور ب ـ: (١) أن "المنتهي بالنهي يثاب، ولا يثاب إلا على شيء، وأن لا يفعل عدم وليس بشيء، ولا تتعلق به قدرة، إذ القدرة تتعلق بشيء، فلا يصح الإعدام بالقدرة (٢)، وإذا لم يصدر منه شيء، فكيف يثاب على لا شيء " (٣).

стр. 111

(٢) "أن التكليف إنما يتعلق بما هو مقدور، ونفي الفعل عدم، وهو حاصل قبل توجه النهي، وطلب تحصيل الحاصل محال" (١). (٣) أنه لو أراد استمرار العدم رجع ذلك إلى ما نقول به، إذ "استمرار ذلك العدم، وهو استمرار واقف على اختيار المكلف، وليس هو العدم الذي كان قبل توجه النهي، بل عدم مخصوص يصح أن يتوقف على الاختيار، ويتعلق به إثر قدرته، فإن المكلف قادر يتمكن من أن لا يفعل، فيستمر العدم، أو يفعل، فلا يستمر، فصح أن العدم من هذه الجهة إثر قدرته، إذ الاستمرار الموقوف على اختياره ليس هو العدم الذي كان قبل توجه النهي، بل هو عدم مخصوص متوقف على اختياره، فليس هو عدما محضًا" (٢). استدل أبو هاشم ب ـ: أن العدم أمر مقدور ولذا يمدح الإنسان على ترك الزنا وشرب الخمر وهما عدم. والجواب: (١) أن من لم يصدر منه الزنا أو شرب الخمر لا يثاب، إلا إذا قصد كف الشهوة عنه مع التمكن من الفعل، فهو مثاب على أمر هو في الحقيقة فعل (٣).

стр. 112

(٢) أن هذا يقتضي أن يكون الإنسان في كل لحظة مثاب على ما لا يحصى من التروك، التي قد لا يعلم بها، وهذا لم يقل به أحد. * فالصحيح هو ما عليه جمهور العلماء من عدم جواز أن يرد التكليف في النهي بالعدم الأصلي فلا تكليف إلا بفعل، لكن ما هي ماهية هذا الفعل المكلف به في جانب النهي؟ هذا ما أحاول بيانه في المسألة التالية. المسألة الثانية: متعلق النهي: ذهب جمهور الأصوليين من أهل السنة إلى أنه لا تكليف إلا بفعل، لكن هل هذا الفعل المخاطب به في النهي هو كف النفس عن الفعل أم فعل ضد المنهي عنه؟ اختلفوا في ذلك على قولين مشهورين: القول الأول: متعلق النهي هو الكف . ذهب إلى أن متعلق التكليف في النهي هو كف النفس: الحنابلة ووافقهم بعض الفقهاء فيما نقله عنهم المرداوي (١)، ولابن أمير الحاج (٢) عبارة تفيد أن الترك هو كف النفس عن الفعل (٣).

стр. 113

ونسبه الصنعاني إلى الجمهور (١). وذهب تاج الدين السبكي إلى أن متعلق النهي هو الانتهاء، وهو شيء غير فعل الضد، ونسب إلى الجمهور أنهم قالوا أن متعلق النهي فعل الضد، وبين أن هذا غير جيد من جهة اللفظ، وأن الخلل في ذلك من جهة من عبر عنهم، وأنهم أرادوا ما قاله لكن العبارة لم تحرر (٢). القول الثاني: متعلق النهي هو فعل الضد . ذهب إلى أن متعلق التكليف في النهي هو فعل الضد جمهور المتكلمين واختيار الرازي (٣) والبيضاوي (٤)، قال الغزالي: "اختلفوا في المقتضى بالتكليف، والذي عليه أكثر المتكلمين: أن المقتضَى به الإقدام أو الكف، وكل واحد كسب العبد، فالأمر بالصوم أمر بالكف، والكف فعل يثاب عليه. والمقتضَى بالنهي عن الزنا والشرب التلبس بضد من أضداده، وهو الترك، فيكون مثابًا على الترك الذي هو فعله " (٥).

стр. 114

وهذا مقتضَى تعريف ابن فورك والأنصاري اللذين سبق ذكرهما. وقد نقل ابن فورك عن الإمام الأشعري (١) أنه كان يقول: "إن معنى الترك هو فعل أحد الضدين، وإن فعل الشيء هو ترك ضده، كفعل الإيمان هو ترك الكفر" (٢). واعترض على ذلك بما يلي: (١) النهي قسيم الأمر، والأمر طلب الفعل، فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرًا، ولكان النهي من الأمر، وقسيم الشيء لا يكون قسمًا منه. (٢) لا شك أن كل متلبس بفعل هو تارك لضده، وكل من الفعلين الفعل والترك يصح أن يؤمر به وأن ينهى عنه، ومثاله: السفر والإقامة

стр. 115

ضدان، والتارك للسفر متلبس بالإقامة، وليس الترك للسفر نفس معنى الإقامة، بل معنى آخر في لغة العرب والمعقول: فهناك فرق بين قولنا: "لا تسافر" وبين قولنا: " أقم": فأقم أمر بالإقامة من حيث هي فقد لا يستحضر معها السفر، ولا تسافر نهي عن السفر فمن أقام قاصدًا ترك السفر يقال فيه: انتهى عن السفر، ومن لم يخطر له السفر بالكلية لا يقال له: انتهى عن السفر. القول الثالث: الخلاف لفظي، لأنهما متلازمان . ذهب إلى أن الخلاف لفظي: الكوراني (١) فقال: "هذا عين المذهب المختار إذ كف النفس من جزئيات فعل الضد " (٢). ولابن تيمية عبارة يمكن حملها على هذا المعنى، فقد قال: "وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه وهو أن يأمره الرسول ﷺ بالفعل فيمتنع، فهذا الامتناع أمر وجودي، ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل

стр. 116

ضده كما يشتغل عن عبادة الله وحده بعبادة غيره فيعاقب على ذلك" (١). والعبارة المحررة عند تاج الدين السبكي: "أن المطلوب بالنهي الانتهاء ويلزم من الانتهاء فعل ضد المنهي عنه" وهذه العبارة تقتضي أن الخلاف لفظي، وقد سبق ذِكر أنه قد صرح بأن الخطأ في العبارة من جهة اللفظ وأن مرادهم ما ذكره (٢). الترجيح: الذي يظهر - والله أعلم - أن القولين متلازمان، لكن لا يصح إطلاق العبارة بالمعنى الثاني، بل الأولى أن يقال: متعلق النهي هو الانتهاء، والانتهاء هو الكف، ويلزم منه فعل الضد في خطاب الشرع، وإن كان غير لازم في خطاب الآدميين، هذا ما بدا لي وقد بحثت عن أحد قال بهذا المعنى حتى وجدت نصًّا من أحد الأصوليين الكبار وهو محمد أمين الشنقيطي يدل على ما ذهبت إليه فقد قال: "الذي كلفنا به الشارع هو الكف بمعنى الترك والانتهاء، أي انصراف النفس عن المنهي عنه، وذلك فعل يحصل بفعل ضد المنهي عنه، فالمقصود بالذات هو الانتهاء، أما فعل الضد فقد يقصد بالالتزام أو لا يقصد أصلًا إذا كان المتكلم غافلًا عنه، وذلك لا يتأتى في كلام الله تعالى" (٣).

стр. 117

المسألة الثالثة: اشتراط النية في الثواب على الترك: إذا كان المكلف لا يخاطب إلا بفعل، وهذا الفعل في النهي هو الكف، فهل يحصل الثواب بمجرد الكف أم لابد من النية، وهل اشتراط النية هو في حصول الثواب أم في تحقق صورة الترك؟ الذي عليه الفقهاء أنه لا تشترط نية في تحقق صورة الترك، فمن لم يزن يصح أن يقال: إنه تارك للزنا، دون نظر فيما دعاه لذلك الترك. ولذلك علل كثير من الفقهاء عدم اشتراط النية في إزالة النجاسة كونها من باب التروك (١).

стр. 118

أما الثواب: فلا يؤجر ولا يثاب إلا إذا قصد الامتثال بالترك، فنية التقرب إلى الله تعالى إذًا شرط في تحقيق الأجر والثواب لا في مجرد حصول الصورة وإن كان يصدق عليه أنه تارك للزنا. وذلك لأن الذي عليه العلماء أنه لا ثواب إلا بنية؛ إذ إن المقصود من النية هو تمييز العبادات من العادات، وتمييز رتب العبادات من بعضها البعض (١)، وقد نقل ابن تيمية الإجماع على اشتراط النية في الأعمال التي هي مقاصد، واختلفوا في الوسائل - والجمهور على اشتراطها في الوسائل - (٢) والمراد باشتراط النية ترتب الأحكام على العمل، ومن ذلك الثواب المتعلق به وعلى ذلك فيشترط في الترك لكي يثاب عليه أن يكون بنية التقرب إلى الله تعالى. وقد نص على ذلك جماعة من العلماء فمن ذلك: قول السيوطي (٣): "وأما التروك كترك الزنا وغيره فلم يحتج إلى نية

стр. 119

لحصول المقصود منها وهو اجتناب النهي بكونه لم يوجد وإن [لم] (١) يكن نية، نعم يحتاج إليها في حصول الثواب المترتب على الترك" (٢). قال ابن حجر: "والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه، إنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلًا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفًا من الله تعالى" (٣). وقال أيضًا: "الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه لا الترك المجرد" (٤). ونقل عن الزين بن المنيِّر (٥) في قوله ﷺ : "وليمسك عن الشر فإنه له صدقة" قوله: "إنما يحصل ذلك المسك عن الشر إذا نوى بالإمساك القربة

стр. 120

بخلاف محض الترك" (١)، وأقره على ذلك. وقال النووي (٢): " والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى كان له أجر ذلك كما أن للمتصرف بالمال أجرًا" (٣). ونقل ابن حجر عن الكرماني (٤) أنه نازع في إطلاق الشيخ محيي الدين عن الترك أنه لا يحتاج إلى نية بأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلابد فيها من قصد الترك وأقره على ذلك (٥).

стр. 121

وذكر الرملي (١) أن "التروك وإن كانت لا تفتقر إلى نية في عهدة الخروج من التكليف بها، لكن لا يثاب عليها إلا بها" (٢). وقال أحمد الحنفي الحموي (٣) في شرحه على الأشباه والنظائر لابن نجيم: "لا يثاب المكلف على التروك إلا إذا ترك قصدًا، فلا يثاب على ترك الزنا إلا إذا كف نفسه عنه قصدًا" (٤). وقال الزركشي: "لا يحصل الثواب على الكف إلا مع النية والقصد" (٥).

стр. 122

المسألة الرابعة: حصول التأسي بالترك: أولاً: التاسي في اللغة (١): " التأسي في الأمور: القدوة، وتَأَسى به: اتَّبَع فعله واقتدى به" (٢)، "وائتس به: أي اقتد به وكن مثله" (٣)، "والتأسي في الأمور من الأسوة وكذلك المؤاساة" (٤)، "والأسوة: القدوة" (٥)، "وهي بالضم وبالكسر:

стр. 123

وهي: الحال التي يكون فيها الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنًا وإن قبيحًا وإن سارًا وإن ضارًا" (١). والأسوة من الأسى بمعنى الحزن. وتَأَسى: تَعَزَّى. " يقال: أساه بمصيبته تأسيه أي: عزاه تعزية فتعزى، وذلك أن يقول له: ما لك تحزن وفلان أسوتك أي: أصابه ما أصابك فصبر، فتأس به" (٢). وأتسى به: جعله أسوة. " يقال: لا تأتس بمن ليس لك بأسوة: أي لا تقتد بمن ليس لك بقدوة" (٣). "وفلان يتأسى بفلان: أي يرضى لنفسه ما رضيه ويقتدي به وكان في مثل حاله. والقوم أسوة في هذا الأمر: أي حالهم فيه واحدة. وتأسى به: اتبع فعله واقتدى به. وفلان إسوتك: أي أصابه ما أصابك فصبر فتأس به" (٤)، "وأسوته به: جعلته له أسوة" (٥)، "والمصدر: الأسو" (٦).

стр. 124

ثانيًا: التأسي بالنبي ﷺ عند الأصوليين (١): حكم التأسي بالنبي ﷺ في الترك فرع على حكم التأسي به ﷺ في الفعل - الذي هو الاتباع -، يقول الشوكاني (٢): "تركه ﷺ للشيء كفعله له في

стр. 125

التأسي به فيه" (١). ولذا فلابد أولًا من بيان مذهب الأصوليين في التأسي بالنبي ﷺ في الفعل. وللأصوليين في تعريف التأسي اتجاهان مختلفان، ويختلف حكم التأسي عند كل اتجاه عن الآخر بسبب الاختلاف في التعريف، ومع ذلك فعامة الأصوليين على أن التأسي بالنبي ﷺ في الترك مثل التأسي به في الفعل (٢)، سواء بسواء. بيان محل الاتفاق: لا خلاف بين الأمة في الاستدلال بأفعال الرسول ﷺ على الأحكام، وإنما الخلاف في وجه هذه الدلالة، وقد نص على ذلك غير واحد، فمن

стр. 126

ذلك قول ابن العربي المالكي (١): "لا خلاف بين الأمة أن أفعال الرسول ﷺ ملجأ في المسألة، ومفزع في الشريعة، وبيان للمشكلة، فقد كانت الصحابة ﵁ تبحث عن أفعاله كما تبحث عن أقواله، وتستقرئ جميع حركاته وسكناته، وأكله، وشربه، وقيامه، وجلوسه، ونظره، ولبسه، ونومه، ويقظته، حتى ما كان يشذ عنهم شيء من سكونه ولا حركاته، ولو لم يكن ملاذًا، ولا وجد فيه المستعيذ معاذًا لما كان لتتبعه معنى، وهذا فصل لا يحتاج إلى الإطناب فيه، وإنما الذي اختلفوا فيه كونها محمولة على الوجوب أو الندب" (٢)، قال ابن برهان (٣): "وعمدتنا أن الأمة أجمعت على جواز

стр. 127

الاقتداء والتأسي بما فعل رسول الله ﷺ ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنهم أنكروا على واحد فعلًا اقتدى فيه برسول الله ﷺ " (١) وقد نقل الإجماع وبين اتجاهي الأصوليين في طلب معرفتها على الأحكام أبو الحسين البصري (٢) المعتزلي فقال: "لا خلاف بين الأمة في الاستدلال بأفعال النبي ﷺ على الأحكام" واختلفوا فقال قوم هي أدلة بمجردها، وقال قوم هي أدلة إذا عرف الوجه الذي وقعت عليه، واختلف الأولون، فقال بعضهم: هي أدلة بمجردها على الوجوب، وقال آخرون بل على الندب، وقال آخرون بل على الإباحة، وأما من قال إنها أدلة باعتبار الوجه: فإنه إن علم الطريقة التي اتبعها النبي ﷺ في ذلك الفعل، عقلية كانت أو سمعية، فهو يرجع إليها في الاستدلال، وإن لم يعرف الطريقة فضربان: أحدهما: أن يكون فعله بيانًا لمجمل، فذلك المجمل هو دال على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة.

стр. 128

والآخر: ألا يكون بيانًا لمجمل، فلا يدل على شيء حتى يعرف الوجه الذي أوقعه عليه، فإن أوقعه على الوجوب دل على وجوب مثله علينا، وإن أوقعه على الندب دل على أن مثله ندب منا، وإن أوقعه مستبيحًا له كان منا مباحًا" (١). وهذا النوع الثاني عند أبي الحسين البصري قال عنه ابن عقيل الحنبلي (٢): "وإن كان الفعل ابتداءً، فعلى روايتين: إحداهما: أنه دال على الوجوب في حقه وحق أمته، إلى أن تقوم دلالة على تخصيصه به، وبهذه الرواية قال أصحاب مالك. الثانية: أنه يقتضي الندب في حقه وحق أمته .. إلا أن تقوم دلالة على الوجوب على أمته، ومشاركتهم له في ذلك. وبهذه الرواية قال أصحاب أبي حنيفة. وذهبت المعتزلة والأشعرية إلى أن ذلك على الوقف، ولا يحمل على الوجوب أو الندب إلّا بدليل" (٣).

стр. 129

ونقل أن أصحاب الشافعي اختلفوا على ثلاثة أقوال هي التي ذكرها. تحرير محل النزاع: اختلطت مسألة التأسي عند الأصوليين بحكم الفعل المجرد، وحتى لا يطول ذكر الأقوال في ذلك، أخص البحث ببيان حكم التأسي فقط، أما فعل النبي ﷺ المجرد فقد اختلف فيه فقال قوم بالوجوب وقوم بالاستحباب وقوم بالإباحة، وقد طول الكلام كثير من الأصوليين على أدلة كل قول وما يلزم عليه، فلا حاجة إلى التطويل بذكره، ويكفي ذكر أن المعتمد في ذلك عند كثير من الأصوليين، بل وعليه كافة الفقهاء أنها على الاستحباب. أما التأسي: فقد اختلف في حكمه على قولين: القول الأول: التأسي بالنبي ﷺ في أفعاله واجب. وقال به: القاضي عبد الجبار المعتزلي، وأبو الحسين البصري المعتزلي، والرازي ونقله عن جماهير الفقهاء (١)، ونقله ابن برهان (٢) عن أبي علي بن

стр. 130

خيران، واختاره الآمدي (١) ونقله عن الاصطخري (٢) وابن أبي هريرة (٣) وهو اختيار الغزالي (٤)، ونقله أبو شامة (٥) عن القاضي أبي بكر الباقلاني (٦)

стр. 131

وهم على قسمين: الأول: قالوا: لابد من معرفة وجه وقوعها في حق النبي ﷺ ، وحيث لم نعلم الوجه، فلا سبيل إلى حصول التأسي. الثاني: قالوا: إن لم نعلم وجه وقوعها في حق النبي ﷺ فهي مستحبة في حقه. القول الثاني: التأسي بالنبي ﷺ في أفعاله مستحب. وقال به: أبو إسحاق الشيرازي (١)، وابن برهان (٢)، وأبو بكر السرخسي (٣) (٤)، والجصاص (٥)، وأبو شامة (٦)، وابن حزم الأندلسي.

стр. 132

وقد أطال أبو شامة في الاستدلال على ما ذهب إليه في كتابه (المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ). ويلاحظ أن تعريف التأسي عند القائلين بالوجوب غير تعريفه عند القائلين بالاستحباب، ولذا كان بيان تعريف التأسي عند كل قول مع الكلام عن حكمه. وفيما يلي بيان تعريف التأسي وحكمه وما استدل به على ذلك عند كل فريق. الاتجاه الأول في تعريف التأسي: عرف فخر الدين الرازي التأسي بأنه: "مطابقة فعل المتأسى به على الوجه الذي وقع فعله عليه" (١). وقد صرح الآمدي (٢) أن التأسي يكون بالفعل والترك: فالتأسي في الفعل هو: أن يفعل أحد الشخصين مثل فعل الآخر على وجهه لأجل فعله. والتأسي في الترك هو: ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الأفعال على وجهه وصفته من أجل أنه ترك.

стр. 133

وعلى ذلك فإنه يشترط لحصول التأسي ثلاثة شروط: الشرط الأول: المماثلة في الصورة: إذ لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل كالقيام والقعود. الشرط الثاني: المماثلة في الأغراض الباعثة على الفعل: أي غرض الفعل ونيته، فلا تأسي إذا كان أحدهما واجبًا والآخر ليس بواجب وإن اتحدت صورة العمل في الظاهر. الشرط الثالث: أن يكون الفعل أو الترك الثاني لأجل الأول: فلو فعل الأول فعلًا على سبيل الوجوب وفعل الثاني نفس الفعل على سبيل الوجوب أيضًا لكن دون أن يقصد به متابعة الفاعل الأول فليس ذلك بتأسٍّ. أما المماثلة في الزمان والمكان ففيهما تفصيل: فإذا كانا غرضين في الفعل اعتبرناهما في التأسي، وإذا لم يكونا غرضين لم نعتبرهما. أما استفادة المتأسي حكم الفعل من جهة من يتأسى به فلا يشترط لتحقق صورة التأسي (١). وبذلك يكون التأسي في الفعل والترك بمعنى الاتباع، إذ إن اتباع النبي ﷺ يكون بالقول والفعل والترك، والتأسي يكون بالفعل والترك، فالاتباع أعم من التأسي، والاتباع في الفعل هو التأسي بعينه.

стр. 134

حكم التأسي على الاتجاه الأول: والتأسي بالنبي ﷺ على هذه الطريقة واجب، والتأسي هو الاتباع في الفعل بعينه، والأدلة على ذلك كثيرة منها: أولًا: من كتاب الله تعالى: (١) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، قال الفخر الرازي: "دلت الآية على أن متابعة الرسول ﷺ من لوازم محبة الله تعالى، ثم إن محبة الله تعالى لازمة بالإجماع، ولازم الواجب واجب" (١). (٢) قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فهذا أمر صريح بالاتباع في قوله: "واتبعوه"، والأمر يقتضي الوجوب كما هو معلوم. (٣) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ووجه الدلالة فيه: أن الله بين أنه تعالى زوجه بها ليكون حكم أمته مساويًا لحكمه في ذلك، وهذا يدل على أن الاقتداء به واجب (٢). (٤) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، ووجه الدلالة في الآية: أن ترك

стр. 135

متابعة الرسول ﷺ مشاقة له، قال الفخر الرازي: "وإنما قلنا إن ترك متابعته ﷺ مشاقة له، لأن المشاقة عبارة عن كون أحدهما في شق، وكون الآخر في شق آخر، فإذا فعل الرسول ﷺ فعلًا وتركه غيره، كان ذلك الغير في شق آخر من الرسول، فكان مشاقًا له" (١). ثانيًا: الأحاديث التي وردت بالأمر باتباع سنته ﷺ ، فإن السنة هي الطريقة، وهي تشمل القول والفعل فمن ذلك: (١) ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي" (٢). (٢) ما ورد من حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وَجِلَت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله: كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٣).

стр. 136

قال الفخر الرازي: " السنة عبارة عن الطريقة، وهي تتناول الفعل والقول والترك، وقوله ﷺ : "عليكم" للوجوب، وهذا يدل على وجوب متابعته في أفعاله وأقواله وتروكه ... وقوله ﷺ : "عضوا عليها بالنواجذ، وذلك تأكيد عظيم للأمر به" (١). (٣) ما ورد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: "لم خلعتم نعالكم؟ "، فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا، قال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما" (٢). ووجه الدلالة فيه: أن الصحابة ﵃ خلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع نعله، ففهموا وجوب المتابعة له في فعله، ولم ينكر النبي ﷺ عليهم هذا الفهم بل أقرهم على ذلك ثم بين لهم علة انفراده عنهم بذلك. (٤) ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله،

стр. 137

قال: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " (١). ووجه الدلالة فيه أن النبي ﷺ أقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له في الحكم، واعتذر بعذر يختص به. (٥) ما ورد عن عمر بن أبي سلمة ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ : "سل هذه - لأم سلمة - " فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال يا رسول الله: "قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"، فقال له رسول الله ﷺ : "أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له" (٢). قال الآمدي: "ولو لم يكن متبعًا في أفعاله، لما كان لذلك معنى" (٣). (٦) ما ورد من حديث جابر ﵁ قال: قلت يا رسول الله: "أنا في أرض باردة، فكيف الغسل من الجنابة"؟ فقال ﷺ : "أما أنا فأحثو على رأسي ثلاًثا" (٤). ووجه الدلالة فيه: أن النبي ﷺ أجابه عن سؤاله ببيان فعله، فلولا أن ذلك يقتضي أن على السائل أن يفعل مثل ذلك لما كان ذلك جوابًا لسؤاله.

стр. 138

(٧) ما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" (١)، وعن أبي موسى ﵁ أنه قال: "اختلف في ذلك - أي في الذي جامع أهله ولم ينزل هل عليه غسل - رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فأذنت لي فقلت لها: " يا أماه - أو يا أم المؤمنين - إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؛ قالت على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل" (٢). وعن عائشة ﷺ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل" (٣).

стр. 139

(٨) ما ورد عن عمر ﵁ أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك" (١). (٩) ما ورد عن أم الفضل بنت الحارث ﵂ أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه (٢). قال ابن حجر: " وفيه تأسي الناس بأفعال النبي ﷺ " (٣). معنى وجوب التأسي على هذا القول: ليس معنى وجوب المتابعة في الفعل هو وجوب الفعل، بل معناه أن حكم الفعل في حقنا كحكمه في حق النبي ﷺ وقد فصّل الرازي هذا المعنى ووضحه فقال: "التأسي به واجب، ومعناه: إذا علمنا أن الرسول ﷺ فعل فعلًا على الوجوب فقد تعبدنا بأن نفعله على وجه الوجوب، وإذا علمنا أنه تنفل به: كنا متعبدين بالتنفل به، وإذا علمنا أنه فعله على وجه الإباحة: كنا متعبدين باعتقاد إباحته لنا وجاز لنا أن نفعله" (٤).

стр. 140

وعليه: وإذا لم نعلم حكم هذا الفعل في حق النبي ﷺ كان هذا الفعل في حقنا مباحًا إذا لم يكن على وجه القربة، مندوبًا إذا كان على وجه القربة. ووجه ذلك: أن كل فعل لم يعلم حكمه في حق النبي ﷺ لا يخلو من أن يكون أحد أمرين: أن يظهر فيه قصد القربة أو لا يظهر: فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى؛ فهو دليل في حقه ﷺ على القدر المشترك بين الواجب والمندوب، وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن الإباحة وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج خارجة عنه، وكذلك في حق أمته، إذ إن القربة غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك، والفعل دليل قاطع عليه. وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك وما اختص به المندوب من عدم اللوم على الترك؛ فمشكوك فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. وما لم يظهر فيه قصد القربة: فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير وكذلك عن أمته، لأن كل فعل لا يكون منهيًّا عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح (١)، والقدر المشترك بين

стр. 141

الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل دون الترك، والفعل دليل قاطع عليه (١). حكم المتابعة في الترك على هذا الاتجاه، ومعناها: إذا كان التأسي بالنبي ﷺ معناه: "أن تفعل مثل فعل النبي ﷺ على الوجه الذي فعل لأجل فعله"، فإن التأسي به ﷺ في الترك على صفة الخصوص هو: "أن تترك مثل ما ترك ﷺ على الوجه الذي ترك لأجل أنه ترك". ويكون التأسي بالنبي ﷺ في الترك واجبًا أيضًا، وفيما سبق ذكره من قول الرازي تصريح بدخول الترك في المتابعة الواجبة، وقد صرح بوجوب التأسي في الترك ابن السمعاني (٢)، قال: "إذا ترك النبي ﷺ شيئًا وجب علينا متابعته فيه" (٣). الاتجاه الثاني في تعريف التأسي: عرف أبو شامة التأسي بأنه: "عبارة عن فعل يوافق فعل الغير مفعول لأجل فعله، متصف بصفاته

стр. 142

الظاهرة، دون الموافقة له في النية" (١). فهو يرى أن التأسي لا يشترط فيه الموافقة في نية الفعل وقصده، أي أن الموافقة في الصورة الظاهرة كافية لتحقق التأسي، وقد علل ذلك بأن التأسي في اللغة لا يقتضي هذا الشرط الذي ذكره الآمدي وغيره، بل أهل اللغة يفسرون الإتساء بالاقتداء والاتباع، هكذا مطلقًا، بل قال: "ولم أر أحدًا ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الاتساء والاتباع ما ذكروا، ولا يشترط ما اشترطوا"، ثم نقل عن أهل اللغة تفسير الأسوة والاتباع بالقدوة. وعلى هذا القول فإن الاتباع خاص بالأفعال فقط، والطاعة خاصة بالأقوال. ونقل عن أبي الطيب الطبري ما يدل على أن التأسي لا يشترط فيه موافقة الغرض من الفعل أو نيته، وأبو الطيب الطبري أحد القائلين بالوجوب وهم الذين اشترطوا في التأسي الموافقة في الغرض والنية. ويرى أبو شامة: أن اشتراط معرفة حكم الفعل في حق النبي ﷺ حتى يحصل التأسي قول بالوقف ويلزم منه إبطال استدلال من استدل على شرعية الاقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله التي لم يظهر فيها وجه القربة سواء في ذلك من قال بالوجوب أو الندب. وأفعال النبي ﷺ على هذا الاتجاه على ثلاثة أقسام:

стр. 143

الأول: ما أمر باتباعه فيه: فاتباعه واجب، والوجوب هنا حاصل من قوله لا من فعله. الثاني: ما نهى عن اتباعه فيه: فاتباعه غير مشروع وهل يحرم أم يكره؟ على الخلاف. الثالث: ما لم يأمر ولم ينه: فاتباعه مندوب. وعلى هذا فالاتباع في الفعل لا يكون إلا مندوبًا، لأن هذا هو معنى دلالة الفعل على الاستحباب في حقنا، وهي لا تدل على الوجوب، وقد ذكر أبو شامة أنه لم يجد فقيهًا واحدًا استدل على وجوب أمر واحد، بفعل مجرد للنبي ﷺ دون أن يقترن به ما يدل على الوجوب، فالأصل أن الاتباع في الفعل على الاستحباب إلا أن يرد الدليل بخلاف ذلك (١). الأدلة على عدم اعتبار الموافقة في حكم الفعل، وأن الاتباع لا يكون واجبًا: (١) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. قال أبو شامة: "أي جعلنا فعله ذلك دليلًا على إباحته لكم ونفي الحرج عنكم.

стр. 144

(٢) ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (١)؛ والطاعة والعصيان إنما هما بالنسبة إلى القول دون الفعل، فدل على أن الوجوب مستفادٌ من القول دون الفعل. ويؤيده ما ورد عن المطلب بن حنطب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه" (٢). وهذا ظاهرٌ في القول دون الفعل. (٣) ما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (٣).

стр. 145

قال ابن حزم: "فهذا خبرٌ منقول نقل التواتر عن أبي هريرة ﵁، فلم يوجب رسول الله ﷺ على أحدٍ إلا ما استطاع مما أُمر به، واجتناب ما نُهي عنه فقط. ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال: أمرتكم بما فعلت وأسقط ﵇ ما عدا ذلك في أمره، بتركه ما تركهم، حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط. فوضح يقينًا أن الأفعال كلها منه ﵇ لا تلزم أحدًا، وإنما حَضَّنا الله تعالى في أفعاله على الاتِّساء به بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وما كان لنا فهو إباحة لأن لفظ الإيجاب إنما هو علينا لا لنا. تقول: عليك أن تصوم رمضان وتصلي الخمس، ولك أن تصوم عاشوراء أو تتصدق، ولا يجوز عكسه" (١). قال أبو شامة: "ما ذكره هو ظاهر اللفظ فلا يُعدَل عنه إلا بدليل، كيف وإن فعله لم يكن يظهر في الغالب إلا للقليل من أصحابه، وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا واجب عليكم إلا من جهة الأمر والنهي، وأنه ما لم آمركم وأنهكم فأنتم خارجون من عهدة الوجوب والحظر "فذروني ما تركتكم" (٢) ". (٤) ما ورد من حديث الأعرابي الذي حلف أن لا يزيد شيئًا على ما أخبره النبي ﷺ أنه واجب عليه، فقال ﷺ : "أفلح إن صدق" (٣).
следующие страницы →