الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل دون الترك، والفعل دليل قاطع عليه (١).
حكم المتابعة في الترك على هذا الاتجاه، ومعناها:
إذا كان التأسي بالنبي ﷺ معناه: "أن تفعل مثل فعل النبي ﷺ على الوجه الذي فعل لأجل فعله"، فإن التأسي به ﷺ في الترك على صفة الخصوص هو: "أن تترك مثل ما ترك ﷺ على الوجه الذي ترك لأجل أنه ترك".
ويكون التأسي بالنبي ﷺ في الترك واجبًا أيضًا، وفيما سبق ذكره من قول الرازي تصريح بدخول الترك في المتابعة الواجبة، وقد صرح بوجوب التأسي في الترك ابن السمعاني (٢)، قال: "إذا ترك النبي ﷺ شيئًا وجب علينا متابعته فيه" (٣).
الاتجاه الثاني في تعريف التأسي:
عرف أبو شامة التأسي بأنه:
"عبارة عن فعل يوافق فعل الغير مفعول لأجل فعله، متصف بصفاته
стр. 142
الظاهرة، دون الموافقة له في النية" (١).
فهو يرى أن التأسي لا يشترط فيه الموافقة في نية الفعل وقصده، أي أن الموافقة في الصورة الظاهرة كافية لتحقق التأسي، وقد علل ذلك بأن التأسي في اللغة لا يقتضي هذا الشرط الذي ذكره الآمدي وغيره، بل أهل اللغة يفسرون الإتساء بالاقتداء والاتباع، هكذا مطلقًا، بل قال: "ولم أر أحدًا ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الاتساء والاتباع ما ذكروا، ولا يشترط ما اشترطوا"، ثم نقل عن أهل اللغة تفسير الأسوة والاتباع بالقدوة.
وعلى هذا القول فإن الاتباع خاص بالأفعال فقط، والطاعة خاصة بالأقوال.
ونقل عن أبي الطيب الطبري ما يدل على أن التأسي لا يشترط فيه موافقة الغرض من الفعل أو نيته، وأبو الطيب الطبري أحد القائلين بالوجوب وهم الذين اشترطوا في التأسي الموافقة في الغرض والنية.
ويرى أبو شامة: أن اشتراط معرفة حكم الفعل في حق النبي ﷺ حتى يحصل التأسي قول بالوقف ويلزم منه إبطال استدلال من استدل على شرعية الاقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله التي لم يظهر فيها وجه القربة سواء في ذلك من قال بالوجوب أو الندب.
وأفعال النبي ﷺ على هذا الاتجاه على ثلاثة أقسام:
стр. 143
الأول: ما أمر باتباعه فيه: فاتباعه واجب، والوجوب هنا حاصل من قوله لا من فعله.
الثاني: ما نهى عن اتباعه فيه: فاتباعه غير مشروع وهل يحرم أم يكره؟ على الخلاف.
الثالث: ما لم يأمر ولم ينه: فاتباعه مندوب.
وعلى هذا فالاتباع في الفعل لا يكون إلا مندوبًا، لأن هذا هو معنى دلالة الفعل على الاستحباب في حقنا، وهي لا تدل على الوجوب، وقد ذكر أبو شامة أنه لم يجد فقيهًا واحدًا استدل على وجوب أمر واحد، بفعل مجرد للنبي ﷺ دون أن يقترن به ما يدل على الوجوب، فالأصل أن الاتباع في الفعل على الاستحباب إلا أن يرد الدليل بخلاف ذلك (١).
الأدلة على عدم اعتبار الموافقة في حكم الفعل، وأن الاتباع لا يكون واجبًا:
(١) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
قال أبو شامة: "أي جعلنا فعله ذلك دليلًا على إباحته لكم ونفي الحرج عنكم.
стр. 144
(٢) ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (١)؛ والطاعة والعصيان إنما هما بالنسبة إلى القول دون الفعل، فدل على أن الوجوب مستفادٌ من القول دون الفعل.
ويؤيده ما ورد عن المطلب بن حنطب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه" (٢). وهذا ظاهرٌ في القول دون الفعل.
(٣) ما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (٣).
стр. 145
قال ابن حزم: "فهذا خبرٌ منقول نقل التواتر عن أبي هريرة ﵁، فلم يوجب رسول الله ﷺ على أحدٍ إلا ما استطاع مما أُمر به، واجتناب ما نُهي عنه فقط. ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال: أمرتكم بما فعلت وأسقط ﵇ ما عدا ذلك في أمره، بتركه ما تركهم، حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط. فوضح يقينًا أن الأفعال كلها منه ﵇ لا تلزم أحدًا، وإنما حَضَّنا الله تعالى في أفعاله على الاتِّساء به بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وما كان لنا فهو إباحة لأن لفظ الإيجاب إنما هو علينا لا لنا. تقول: عليك أن تصوم رمضان وتصلي الخمس، ولك أن تصوم عاشوراء أو تتصدق، ولا يجوز عكسه" (١).
قال أبو شامة:
"ما ذكره هو ظاهر اللفظ فلا يُعدَل عنه إلا بدليل، كيف وإن فعله لم يكن يظهر في الغالب إلا للقليل من أصحابه، وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا واجب عليكم إلا من جهة الأمر والنهي، وأنه ما لم آمركم وأنهكم فأنتم خارجون من عهدة الوجوب والحظر "فذروني ما تركتكم" (٢) ".
(٤) ما ورد من حديث الأعرابي الذي حلف أن لا يزيد شيئًا على ما أخبره النبي ﷺ أنه واجب عليه، فقال ﷺ : "أفلح إن صدق" (٣).
стр. 146
قال أبو شامة:
"موضع الدليل أنه لما حلف أن لا يزيد عليهن شيئًا، لم ينكر عليه رسول الله ﷺ وشهد له بالفلاح" (١).
(٥) ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: "إنْ كان رسول الله ﷺ ليدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم" (٢).
ففي هذا دليل على أمرين:
أحدهما: أن الفرض عليهم لم يكن بنفس فعله، بل بفرضٍ من الله تعالى إذا اقتدَوا به فيه، فبطل قول الوجوب.
والثاني: أن الناس كانوا يفعلونه اتباعًا لرسول الله ﷺ واقتداءً به، مع أنهم لم يفهموا الصفة التي أوقعه رسول الله ﷺ عليها، لأنه خرج منها هذا الكلام مخرج العموم والإطلاق المشعر بكثرة الوقائع؛ أي كان يدعُ أعمالًا كثيرةً من أعمال البر (٣).
(٦) ما ورد عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "صلى رسول الله ﷺ قال إبراهيم: فلا أدري أزاد أم نقص - فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ "، قالوا: صليت
стр. 147
كذا وكذا، فثنى رجله واستقبل القبلة فسجد بهم سجدتين ثم سلم، فلما انفتَلَ أقبل علينا بوجهه فقال: "لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ... " (١).
أي ما كنت أقتصر على بيان ذلك بفعلي، بل كنت أنبئكم به قولًا، فهذا يدل على أن الوجوب إنما يُستفاد من قوله دون فعله.
ما أجابوا به على أدلة القول الأول:
(١) الرد على الاستدلال بالكتاب:
* قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]:
قال أبو شامة:
"المراد من اتباع النبي ﷺ أن يُجعل إمامًا وقدوةً يُحذا حَذوه ويُسَارُ بسيرته، كقولك: اتَّبعَ المأموم الإمام في الصلاة. إنما هو فَعَلَ فِعْلَهُ ...
فينبغي أن يُحمل قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ على الندب لا على الوجوب، لأنَّا لو حملناه على الندب لم يلزمنا الوجوب الذي خصَّصْنَاهُ بأشياء كثيرةٍ ندبيةٍ لا تجب علينا وقد فعلها، ولو حملناه على الندب لم يلزمنا مثل ذلك (٢).
стр. 148
فالأمر بهذه الجملة أمر ندبٍ وإن كان مشتملًا على واجباتٍ كثيرة، وعلى هذا يُحمل أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأرشد إلى هذا المعنى وقَوّاه قول النبي ﷺ [فيما يحكيه عن رب العزة]: "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه" (١)، فقد جعل النوافل مِرْقاةً إلى محبته، وكأنها تفسير الاتباع في قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ " (٢).
الرد على الاستدلال بالسنة:
(٢) قال السرخسي: "لو كان مطلق فعله موجبًا للاتباع لكان ذلك عامًا في جميع أفعاله، ولا وجه للقول بذلك، لأن ذلك يوجب على كل أحد ألا يفارقه آناء الليل وأطراف النهار ليقف على جميع أفعاله فيقتدي به؛ لأنه لا يخلو عن الواجب إلا بذلك، ومعلوم أن هذا مما لا يتحقق ولا يقول به أحد " (٣).
(٣) ذكر أبو شامة ردًّا طويلًا ملخصه أن النبي ﷺ قال: "لتأخذوا مناسككم" (٤) وذلك يوم النحر في الحج، واقتدى به الصحابة في أفعاله دون أن يعلموا أن تلك الأفعال أكانت واجبة أم مستحبة، فقوله: "خذوا" أي
стр. 149
أوقعوا النسك على ما يوافق في الصورة ما أُوقعه عليه من نية التقرب المطلقة، ولم يضر جهل الصحابة بالتفرقة بين المندوب والواجب حال ملابسة الفعل (١).
هذا حاصل ما ذكره، وهذا الرد لا يتوجه إلا إلى القائلين بأن عدم معرفة وجه وقوع الفعل مانع من حصول التأسي دون القائلين بأن ذلك غير مانع وهم الأغلب.
الموازنة بين القولين والرأي المختار:
الذي يظهر لي في هذه الدراسة ما يلي:
أولًا: أفعال النبي ﷺ على قسمين:
القسم الأول: ما ورد في حقه بيان قولي، وهذا يعلم حكمه من القول.
القسم الثاني: ما لم يكن فيه بيان قولي: وهذا النوع هو ما يسميه الأصوليون الفعل المجرد وهو دليل على الندب مطلقا، وذلك لأن صنيع الفقهاء جميعًا الاستدلال على الاستحباب بفعل النبي ﷺ حيث لم يرد أمر أو نهي.
وبناء على ذلك فالمختار من أقوال الأصوليين أن أفعال النبي ﷺ من حيث هي بذاتها لا تدل إلا على الاستحباب (٢).
ثانيًا: لا يشترط في التأسي التوقف لمعرفة حكم الفعل في حق النبي ﷺ ، بل مجرد فعل النبي ﷺ للشيء دليل بمجرده، وبذلك لا يرد اعتراض
стр. 150
أبي شامة على أصحاب القول الأول.
ثالثًا: إذا كان الاتباع هو التأسي، فإنه يصح أن يقال: إن اتباع النبي ﷺ في الفعل المجرد مستحب وليس بواجب، ولكن هذا القول لا يستلزم القول بأن اتباع النبي ﷺ في أفعاله مطلقًا مستحب وليس بواجب.
وبيان ذلك أن أفعال النبي ﷺ بالنسبة إليه ليست كلها واقعة على جهة الندب، بل منها ما وقع في حقه واجبًا، ومنها ما وقع في حقه خاصًا به.
واتباع النبي ﷺ لا يصح حمله على اتباعه في الفعل المجرد فقط، بل اتباعه يشمل الأفعال كلها، وهذا على القول بأن الاتباع لا يكون إلا في الأفعال فقط.
رابعًا: بناء على ما سبق فإن الاتباع في الفعل المجرد مستحب، ولكن ما حكم الاتباع في الفعل الواجب عليه ﷺ ؟ أهو واجب أم مستحب.
على الطريقة الأولى لا إشكال في وجوبه (١)، ولا يمانع فيه أصحاب الاتجاه الثاني، لكن ما هو وجه الاتباع فيه: إن قال بالوجوب فقد خالف ما قرره (٢)، وإن قال بالندب فقد خالف مقتضَى الإجماع (٣)، فليس له إلا أن
стр. 151
يقول وجوب الفعل لم يثبت في حقنا بفعله، بل ثبت الوجوب بدليل قولي، فإن قال ذلك: قيل له: أنتم ذكرتم أن الاتباع هو الموافقة في الصورة الظاهرة دون الحكم، فالذي فعل ذلك الفعل لكون النبي ﷺ قد فعله؛ لما أوقعه على وجه الوجوب كان متابعًا للنبي ﷺ أم لا؟ فإن قال لا خالف ما ذهب إليه (١)، وإن قال نعم خالف ما ذهب إليه (٢).
ولا مخرج من هذا إلا بالقول بوجوب الاتباع على طريقة أصحاب الاتجاه الأولى من اشتراط الموافقة في حكم الفعل.
خامسًا: لا يلزم من القول بوجوب الاتباع القول بأن الأفعال النبوية ليست أدلة بمجردها، وأنه لابد من اشتراط معرفة الوجه، لما أورده أبو شامة من إلزامات، يُوافق عليها، بل يكفي في ذلك أن تحمل على الندب حيث لا دليل يتناول الفعل من الخارج.
سادسًا: القول بوجوب الاتباع هو المناسب لما ورد من آيات فيها الأمر بالاتباع، فحمل كل تلك الآيات على الندب - كما يذهب إليه أبو شامة - مجازفة عظيمة، وبالرجوع إلى أقوال المفسرين لم أجد من فسر مثلًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] بأنها على الاستحباب، لكنهم يذكرون معنى غير الذي يذكره أهل الأصول، وهو اتباع شريعة النبي ﷺ
стр. 152
وقبولها وعدم ردها، وعدم الرغبة عنها، وهذا معنى صحيح في اللغة، فإن الاتباع في اللغة يشمل معنى السير على نفس الطريق.
سابعًا: الاتباع في اللغة: هو الموافقة في الأفعال، والطاعة هي امتثال الأمر، ولكن هذا لا يمنع أن يكون الاتباع في الشرع مرادًا به الأقوال والأفعال (١).
بناء على ذلك فالذي أميل إليه أن الاتباع يطلق ويراد به أحد معنيين:
الأول: الاتباع العام:
وهو قبول ما جاء به النبي ﷺ من أفعال والانقياد لشريعته، ولما دلت
стр. 153
عليه أفعاله من أحكام، وهذا لا ينازع أحد من المسلمين في وجوبه، والأمر به في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصى. وهذا يكون في الأقوال والأفعال.
الثاني: اتباع النبي ﷺ في أفعاله على وجه الخصوص:
وأفعال النبي ﷺ في هذا الصدد على قسمين:
القسم الأول:
الفعل المجرد وهو الفعل الذي لم يتعلق به أمر أو نهي ولم يكن في موضع البيان.
والاتباع في هذا الفعل مستحب، وليس بواجب، ولا يتوقف الاتباع فيه على معرفة حكمه في حق النبي ﷺ بل الأصل أنه مستحب إلى أن يدل الدليل على خلاف ذلك.
أما التفصيل بين ما ظهر فيه وجه القربة وما لم يظهر فالأقرب - والله أعلم - أن مجرد الفعل دال على ترجح الفعل على الترك ولا معنى لذلك سوى الندب غير أنه درجات ومراتب، فأعلاها ما ظهر فيه وجه القربة، وأدناها ما لم يظهر.
القسم الثاني:
الفعل غير المجرد، وهو ما اقترن به بيان قولي.
والاتباع في هذا الفعل يكون بثبوت حكم الفعل في حقنا على الوجه الذي ثبت به في حق النبي ﷺ ، إلا أن يدل الدليل على غير ذلك.
ثامنًا: بذلك يصح أن يقال اتباع النبي ﷺ واجب - في أي نوع كان - ومعنى الوجوب ثبوت حكم الفعل في حقنا على الوجه الذي ثبت به في حق
стр. 154
النبي ﷺ حيث علمناه، وحيث لم نعلم فالأصل أن الفعل دال على الاستحباب إلى أن يدل الدليل على خلاف ذلك.
وبهذا تجتمع الأدلة ..
فما ذكره الأولون من أدلة على وجوب الاتباع نقول بها ولا نردها، ولا يلزمنا القول بالوقف بل ما ذكره الآخرون من امتناع الوقف في حكم الفعل وحمله على الندب لا غير نقول به ولا نرده، ولا يلزمنا حمل الاتباع على الاستحباب بذلك، ولعل هذا أوجه ما تحمل عليه الأدلة.
حكم الاتباع والتأسي في الترك:
بناء على ما سبق فإن الاتباع في الترك واجب، كوجوبه في الفعل، ومعنى الوجوب في حقنا:
أن يكون حكم المتروك في حقنا هو حكم المتروك في حق النبي ﷺ ، ما لم يقم دليل على خلاف ذلك.
وهذا يقتضي أن:
ما تركه النبي ﷺ لكونه حرامًا، فهو حرامٌ في حقنا.
وما تركه النبي ﷺ لكونه مكروهًا، فهو مكروه في حقنا.
وما تركه النبي ﷺ لسبب، تعلق الحكم في حقنا بذلك السبب، فإذا زال السبب عاد حكم المتروك إلى أصله.
وما تركه ﷺ مما لم يقم في حقه مقتضٍ للفعل، كان حكم هذا المتروك في حقنا باقيًا على أصله. وما تركه النبي ﷺ إعراضًا عنه، ولم نعلم حكمه في حقه.
стр. 155
فقياس القول على الأفعال في التروك أن يقال:
ما أعرض النبي ﷺ عنه، ولا نعلم وجهه، لا يخلو من أن يكون على وجه القربة، أو لا يكون:
فإن كان على وجه القربة كان هذا الفعل مكروهًا، لأن الكراهة تقابل الاستحباب، وما تركه ليس على وجه القربة فهو مباح في حقنا.
ولكن القول بذلك لا يستقيم؛ وذلك لأن الأصل المتوقف عليه قبل الفعل بخلاف الأصل المتوقف عليه قبل الترك.
وبيان ذلك:
أن الفعل الذي يفعل على سبيل القربة إنما يطلب له الدليل على جواز فعله، فحيث لم يكن دليل فالجواز ممتنع، فالأصل أن هذا الفعل ممنوع منه، ففعل النبي ﷺ له ناقل عن الأصل، أما في الترك: فإن ترك النبي ﷺ له غير ناقل عن الأصل بل مقوٍّ له ومعضد له، فكيف يحمل تركه ﷺ على الكراهة، والمتروك ممنوع منه قبل نقل إعراض النبي ﷺ عنه؟
لذا فقياس القول في الأفعال هنا أن يقال:
ما تركه النبي ﷺ كان فعله لا يقع إلا قربة: فالترك دليل على التحريم، وإذا كان غير قربة فأقل الأحوال حمله على الكراهة.
ولو قال قائل بحمله على التحريم لم يُبعِد، بل كان لقوله حظ من النظر، فإن أقل أحوال المتابعة في الترك تنخرم بمجرد الفعل، بخلاف الفعل، وهذا قاضٍ بحمل الإعراض على الوجوب دون الاستحباب.
стр. 156
ولا يستقيم القول بأن أكل خالد بن الوليد ﵁ من الضب كان حرامًا لولا بيان النبي ﷺ بقوله للحكم إلا بذلك، وهو ما ذهب إليه الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع (١).
وما يظهر لي في هذه المسألة أن النبي ﷺ لو فعل لما كان واجبًا، بل كان مستحبًّا، فكذلك لو ترك لا يكون حرامًا، بل مكروهًا، وهذا مورده فيما لا يقصد به التقرب، أما ما قصد به التقرب فلا يحمل إلّا على الحرمة لما سبق من أن ذلك هو الأصل واعتضد بترك النبي ﷺ ، فالدلالة على التحريم ليست لذات الترك، وإنما لأمر اقترن به خارج عنه، ولكنه لازم له.
* * *
стр. 157
الفصل الثاني
ترك النبي ﷺ -
стр. 158
توطئة
تناولت في الفصل السابق التعريف بالترك باعتباره مركبًا،
وأتناول في هذا الفصل التعريف به باعتباره لقبًا، والأبحاث
التي تتعلق بذلك، فحاولت أن أبين ذلك التعريف أولًا، وقد
اقتضى ذلك أن أتعرض لتعريفه عند السابقين بشيء من الدراسة،
ثم حاولت بعد ذلك أن أبين سبل الوصول إلى معرفته حتى
أتمكن من دراسته ثم أخيرًا بيان الأقسام التي ينقسم إليها تمهيدًا
لدراسة كل قسم على حدة في الباب الثاني والثالث.
وفي هذا الإطار تبلور هذا الفصل في ثلاثة مباحث:
الأول منهما: للتعريف بترك النبي ﷺ .
والثاني: لبيان سبل الوصول إليه.
والثالث: لبيان أقسامه.
стр. 159
المبحث الأول: المراد بترك النبي ﷺ -
المطلب الأول: تعريف ترك النبي ﷺ عند الأصوليين القدامى:
لم يتعرض الأصوليون القدامى لذكر تعريف محدد لترك النبي ﷺ بل اكتفى من تعرض له بذكرٍ أن يبين أن تركه ﷺ داخل في باب الأفعال، فالسمعاني في (قواطع الأدلة) اكتفى بقوله: "إذا ترك النبي ﷺ شيئًا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه، ألا ترى أنه ﷺ لما قدم إليه الضب فأمسك عنه أصحابه وتركوه إلى أن قال لهم: "إني أعافه" وأذن لهم في تناوله (١) " (٢)، وكذلك فعل الزركشي في (البحر المحيط) حيث ذكر أن الأصوليين لم يتعرضوا لتركه، واكتفى بنقل كلام السمعاني المشار إليه سابقًا.
أما الشاطبي فقد تعرض لتقسيم الترك والسكوت إلى قسمين وعرف كل قسم بمفرده، فقد قال: "سكوت الشارع عن الحكم في مسألة أو تركه لأمر ما على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب تقرر لأجله ولا وقع سبب تقريره كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي ﷺ .
стр. 160
الضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص أو يترك أمرًا من الأمور وموجبه المقتضي له قائم وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت ... " (١).
وهو وإن نسب الترك والسكوت إلى الشارع فمراده النبي ﷺ على ما يفهم من تناوله هذا المبحث بالدراسة في غير موضع.
ولا يخفى أن ترك النقل داخل تحت القسم الأول من قسميه، والترك عنده بالمعنى الأعم، وهو وإن لم يصرح بذلك لكن القسم الأول لا يكون لذكر الترك فيه معنى إلا على هذا الوجه.
وقد وافق جماعةٌ الشاطبيّ فيما ذهب إليه كابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم، مما سَيُبَيَّن في موضعه إن شاء الله تعالى.
المطلب الثاني: تعريف ترك النبي ﷺ في الدراسات المعاصرة:
أما في الدراسات المعاصرة فقد تعرض لترك النبي ﷺ بالدراسة: الدكتور الأشقر: في كتابه (أفعال الرسول ﷺ )، والشيخ الغماري في رسالته (حسن التفهم والدرك لمسألة الترك)، والدكتور صالح الزنكي في بحثه (رؤية أصولية لتروك النبي ﷺ ) (٢) ولابد بيان مفهوم ترك النبي ﷺ عند كل، وبيان ما
стр. 161
يتجه على هذا المفهوم (١).
تكلم الدكتور الأشقر في رسالته (أفعال الرسول ﷺ ) عن الترك باعتباره أحد أقسام الفعل، ومع أنه قد بين أن الترك من النبي ﷺ على نوعين: "العدمي" و "الوجودي"، إلا أنه لم يتناول النوع الأول لأنه غير داخل في دراسته، وذلك لأنه ليس بفعل، فهو خارج عن نطاق بحثه.
أما الترك الوجودي: وهو الكف الذي له تعلق بأفعال الرسول ﷺ فقد عرفه بـ: "أن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أو القول، فيترك النبي الفعل والقول، ويمتنع عنهما" (٢).
ثم بين أن هذا القسم يشمل ترك الفعل، وترك القول الذي هو السكوت، والسكوت يشمل ترك الإنكار الذي تناوله الأصوليون بالدراسة تحت باب الإقرار وإن كان قد أفرده بفصل مستقل متابعة للأصوليين في صنيعهم.
أما الشيخ الغماري فقد عرف الترك بقوله: "أن يترك النبي ﷺ شيئًا، [لم يفعله] (٣)، أو يتركه السلف الصالح من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك يقتضي تحريمه أو كراهته" (٤).
стр. 162
ولا بد من إيراد عدة ملاحظات هنا:
(١) أن الدكتور الأشقر لم يفرق في ترك النبي ﷺ بين ما نقل إلينا أن النبي ﷺ ترك، وبين ما لم ينقل إلينا أنه فعل، فمتروك النقل داخل تحت الترك بهذا التعريف.
وقد تكلم عن ترك النقل وعده أحد قسمي طريق معرفة ترك النبي ﷺ للفعل.
أما الشيخ الغماري فلا يدخل في مفهوم الترك إلا متروك النقل فقط؛ وذلك لأن الترك المنقول سيتبع ما دل عليه قول أو فعل أحد السلف، أو أنه ترك في مقام البيان وقد صرح بأن هذه المسألة لا تدخل في نطاق بحثه.
(٢) أن السكوت داخل تحت ماهية الترك اصطلاحًا عند الأشقر، بينما لا يدخل في مفهوم الترك عند الشيخ الغماري.
(٣) أن الدكتور الأشقر استعمل الترك بالمعنى الأعم الذي يشمل الكف وغيره، وهو الإطلاق الأول فيما ذكر في هذه الدراسة، وعدم تناوله الترك العدمي للدراسة إنما لعدم دخوله في نطاق الفعل، أما الشيخ الغماري فلم يعرض لشيء من ذلك فلم يبين ما هو المراد من الترك، هل هو بمعنى الكف أم العدم أم العدم والكف معًا.
стр. 163
(٤) أن الدكتور الأشقر لم يشترط عدم وجود دليل البتة في المسألة بل متى تحققت صورة الترك في حادثة معينة كان ذلك تركًا منه ﷺ ، ولذا يصح عنده وقوع التعارض بين الترك والفعل وبين الترك والقول، أما الشيخ الغماري فقد اشترط عدم وجود حديث أو أثر بالنهي عن الشيء المتروك، ويلزم من هذا الاشتراط أن ترك النبي ﷺ لا يمكن حصول التعارض بينه وبين الفعل أو القول، بل كل موقف ما حصلت فيه صورة الترك كانت له دلالة ما: عارضها دلالة فعل أو قول منه ﷺ فهي غير داخلة تحت مفهوم الترك عنده، وهذا أيضًا لا يمكن تصحيحه بحال، فلو أنه ذكر ذلك في باب الدلالة لكان هذا مقبولًا بغض النظر عن مدى صحة ما ذهب إليه.
(٥) أن الدكتور الأشقر عندما تكلم عن ترك النبي ﷺ لم يدخل معه غيره، وهذا ما تقتضيه هذه النسبة لغة بل واصطلاحًا، أما الشيخ الغماري فقد أضافه إلى النبي ﷺ أو السلف الصالح، فماذا يفعل الشيخ الغماري فيما تركه النبي ﷺ وفعله الصحابة من بعده، هل يدخله في ترك النبي ﷺ أم لن يدخله؛ بمقتضى القيد الذي ذكره من اشتراط ترك السلف لا يدخل ذلك في ترك النبي ﷺ ، وهذا مخالف لمقتضَى هذه النسبة، وأضف إلى ذلك أنه لم يحدد حدًّا زمانيًّا أو مكانيًّا للسلف الصالح، ولم يبين من المقصود بهذا الوصف، وهو إطلاق قد يشمل علماء السنة على مدار ثلاثة قرون ولا يخفى أن مثل هذا لا يكون قيدًا أبدًا.
ثم إن هذا القيد يقتضي حجية أفعال السلف الصالح وأنها تدل على الأحكام شرعًا، وهذا لا يقول به الشيخ الغماري، ولا غيره.
стр. 164
(٦) أن الإقرار داخل تحت مسمى الترك الاصطلاحي عند الدكتور الأشقر وقد صرح بذلك، أما الشيخ الغماري فلم يبين هل يدخل أم لا، لكن صنيعه في رسالته يدل على أنه غير مراد.
(٧) الدكتور الأشقر لم يتعرض لدلالة الترك في التعريف، فهو يبين ماهية الترك بغض النظر عن دلالته، أما الشيخ الغماري فقد اشترط ألا يأتي حديث أو أثر بالنهي عن المتروك، وهذا يقتضي أنه لو أتى بالإباحة أو الاستحباب فهو داخل تحت الترك عنده، وهذا تصرف غير مرضي، فالصحيح أن يبين ماهية الشيء أولًا ثم بعد ذلك يتعرض لحكمه، لأن الدلالة هي المطلوب الأعظم من ذكر التعريف، فلا تقحم فيه، فضلاً عن أنها مبنية عليه.
بناء على هذه الملاحظات فإن تعريف الشيخ الغماري لترك النبي ﷺ تعريف غير واضح المعالم، ولا يمكن الاعتماد عليه في هذه الدراسة، أما تعريف الأشقر للكف فالذي يظهر أنه تعريف مستجمع للشروط التي تطلب في التعريف ولا يتجه عليه اعتراضات وجيهة، ومع ذلك فإن هذا التعريف بمفرده لا يمكن اعتماده في هذه الدراسة إلا إذا قيل بأن الترك هو الكف فقط، وقد سبق أن بينا أن الاتجاه المرضي هو الترك بالاعتبار الأعم الموافق للمعنى اللغوي، ولذا يتوجب علينا إدخال الترك العدمي في تروك النبي ﷺ ، ولابد من بيان موقف هذه الدراسة من الأنواع الأخرى التي تتعلق بترك النبي ﷺ ، وبيان ذلك بحول الله وقوته فيما يلي.
стр. 165
المطلب الثالث: التعريف المختار في هذه الدراسة ووجهه:
المراد بترك النبي ﷺ في هذه الدراسة:
عدم فعل النبي ﷺ ما كان مقدورًا له كونًا.
وعلى هذا التعريف يدخل في تركه ﷺ ما يلي:
(١) سكوت النبي ﷺ -:
سكوت النبي ﷺ ترك منه للقول، وقد أفرد له الأصوليون مبحثًا خاصًا، وهو أحكام سكوته ﷺ ؛ إذ ذلك يشمل ما سكت النبي ﷺ عن بيانه لانتظار الوحي، ويشمل كذلك سكوته عن الإنكار الذي بحثه الأصوليون تحت مبحث الإقرار، ومعلوم أن القول نوع من الأفعال خاص باللسان، لكنه لا يدخل عند الأصوليين تحت باب الأفعال، بل استعمل في مقابله، وذلك بسبب أن القول هو الأصل في التشريع، وأنه أقوى دلالة من الفعل، فالفعل عندهم قسيم القول.
(٢) إقرار النبي ﷺ -:
بحث الأصوليون مبحث الإقرار تحت أفعال النبي ﷺ ، فهو ترك الإفكار من النبي ﷺ وهذا الترك قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وعليه فإن تخصيص الإقرار بأنه ترك الاعتراض بالقول أمر غير وجيه، فالوجه الجامع بين ترك القول وترك الفعل هو الكف، ولذا فإن مبحث الإقرار داخل في مبحث الترك لأنه في الحقيقة نوع من الكف.
стр. 166
(٣) الترك العدمي:
الترك العدمي - كما سيأتي تعريفه - هو الترك الذي ثبت من حيث إنه لم ينقل أن النبي ﷺ فعل مقابله (١)، وهو داخل في ماهية الترك بالتعريف السابق.
(٤) الكف أو الترك الوجودي:
وهذا لا إشكال في ثبوته ودخوله كما سبق بيانه.
(٥) ما تركه النبي ﷺ مما ورد فيه بيان قولي:
قد يأمر النبي ﷺ أو ينهى عن فعل من الأفعال ثم يأتي نقل بأنه ﷺ قد فعل ما نهى عنه، أو ترك ما أمر به، وهذه الصورة يبحثها الأصوليون في باب التعارض بين القول والفعل والترجيح بينهما (٢).
(٦) ما تركه النبي ﷺ في موضع وإن فعل مقابله في موضع آخر:
قد يترك النبي ﷺ أحيانًا ويفعل أحيانًا أخرى، فحصول الفعل تارة لا ينفي حصول الترك (المنقول) تارة أخرى ما دام مستوفيًا للشروط، وهذا يبحث في مبحث التعارض (٣).
стр. 167
(٧) ترك النبي ﷺ ما همَّ به:
بحثه الأصوليون في باب الأفعال، وهو كف، فلذلك يدخل في الترك المر اد بحثه.
المحترزات:
يخرج بذلك التعريف الترك لعدم الاستطاعة الكونية.
فالمراد بالاستطاعة هي الاستطاعة الكونية، وذلك مثل تركه لركوب الدراجة والسيارة والطائرة؛ إذ ذلك لم يكن موجودًا على عهده ﷺ ولا يعرفه أهل ذلك الزمان، أما الاستطاعة الشرعية فهي لا تنتفي عن النبي ﷺ بحال لكونه مشرعًا بفعله كما سيأتي بيانه في مبحث الإقرار.
стр. 168
المبحث الثاني: طريق معرفة ترك النبي ﷺ -
المطلب الأول: المراد من طريق معرفة الترك:
المراد من طريق معرفة الترك: بيان سبل الوصول إلى معرفة ما تركه النبي ﷺ ، فإذا كان فعل النبي ﷺ يعرف بنقل الصحابة له، فإن أحد طرق معرفة الترك أن ينقل الصحابة تركه ﷺ .
ولكن لما كان ما تركه النبي ﷺ غير محصور بحد ولا عدد، فإن هناك طريقًا آخر لمعرفة ذلك المتروك وهو عدم نقل أنه ﷺ فعل.
وبذلك يكون سبيل معرفة ترك النبي ﷺ أحد أمرين:
الأول: أن ينقل الصحابي أن النبي ﷺ ترك.
الثاني: أن لا ينقل الصحابي أن النبي ﷺ فعل فعلًا ما.
وقد ذكر ابن القيم هذين الطريقين تحت فصل بعنوان "نقل الصحابة ما تركه النبي ﷺ " (١)، فذكر نوعين:
أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله.
الثاني: عدم نقلهم ما لو فعله لتوفرت الهمم والدواعي على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم علم أن ذلك لم يكن.
стр. 169
والتعبير بطريق معرفة الترك أولى من قولنا عن الأمرين معًا نقل الترك، بل نقل الترك خاص بالأمر الأول منهما، أما الثاني فهو ليس نقلًا للترك بل هو ترك لنقل الفعل.
والذي ذكره ابن القيم في النوع الثاني هو حالة مخصوصة في النقل، وإنما خص ابن القيم هذه الحالة المخصوصة في النوع الثاني، لأنه كان في معرض الكلام عن الترك الكفي أو الامتناعي، والكلام هنا عن ترك النقل إجمالًا، ولذا لابد من بيان وجه ثبوت كل طريق على حدة.
إثبات الطريق الأول لا إشكال فيه:
لا شك أن النوع الأول لا يحتاج إلى إثبات فهو واضح، وهو أمر لا يخص الترك وحده بل كل أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وأحواله وصفاته لابد لها من النقل حتى تعرف، وذلك لأن الأصل في الأفعال العدم، فإثبات الفعل ناقل عن الأصل فيحتاج إلى نقل.
والترك الذي هو من أقسام الفعل - الترك الوجودي - لابد له من نقل ليخرج عن الأصل - وهو العدم - وهذا واضح لا إشكال فيه.
إشكالية ثبوت الطريق الثاني:
أما الإشكال فهو في النوع الثاني، وذلك أن لا يلزم من عدم نقل أمر ما كون هذا الأمر لم يحصل، فلا تلازم إذن بين كون الشيء لم ينقل وبين كونه قد حصل، فإن ما حصل عند من لم يطلع على نقله لا يصح فيه أن يقال إنه لم يحصل، فكيف يستدل إذن على أن النبي ﷺ ترك فعلًا ما بأنه لم ينقل لنا أنه
стр. 170
فعل، فلربما حصل ولم يبلغنا ولم ينقل إلينا، وهو ما عبر عنه الأصوليون بأن عدم النقل لا يستلزم نقل العدم.
وهذا الإشكال أشار إليه ابن القيم رادًا عليه فقال:
"فإن قيل: فأين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم ينقل ... " (١).
وعندما تعرض الدكتور الأشقر للكلام على هذا النوع في رسالته (٢) ذكر أن هذه القاعدة الأصولية مسألة مهمة، ولذا فقد ناقش هذه القاعدة الأصولية من خلال تتبع خلاف العلماء في فرع فقهي، وهو أصناف الخارج من الأرض، وذلك لأنه رأى أن كل من أثبت هذه القاعدة مثلوا بهذا المثال، وقد ذكر أن إثبات هذه القاعدة على إطلاقها يقتضي أن كل ما لم ينقل فعل النبي ﷺ له فقد تركه، وحينئذ يكون بمنزلة النص على حكمه، وذلك يقتضي منع إجراء العموم على وجهه .. ويقتضي منع القياس في ذلك. وهذا الذي ذكره لا يلزم من إثبات القاعدة الأصولية، ولم يُرِد ابن القيم هذا الإطلاق الذي ذكره الدكتور الأشقر، فابن القيم لم يُرد كل أنواع ترك النقل، وإنما خص نوعًا واحدًا وهو ما كان مع وجود مقتضٍ للفعل ولم يكن هناك مانع ..
стр. 171
والذي يظهر لي أن هذه المسألة ما دامت مسألة أصولية فلا مناص من تحري أقوال الأصوليين في تلك المسألة المهمة، ولا يقتصر في إثباتها من عدمه على تتبع الخلاف في فرع فقهي، على أنه إذا أردنا إثبات القاعدة أو نفيها من خلال تتبع الخلاف الفقهي فإنه لا يصح الاعتماد على فرع فقهي واحد.
على أن الدكتور الأشقر عندما قام بتقسيم ترك النقل قام بتقسيم ترك النقل مع وجود المقتضِي وانتفاء المانع، وهو بذلك أيضًا لا يذكر كل أقسام ترك النقل بل يتكلم عن نوع خاص منه.
والبحث هنا بصدد إثبات القاعدة الأصولية المذكورة من عدمها فقط، والقسم الذي يثبته هذا الطريق هو الترك العدمي أي الترك الذي لم ينقل أن النبي ﷺ فعله، أما الأقسام التي ذكرها الدكتور الأشقر لترك النقل: فالذي يظهر للباحث أنها ليست أقسامًا لذات النقل، إنما هي قرائن تقوي دلالة القاعدة، وسوف تُناقش قضية القرائن المقوية لما تثبته القاعدة، وذلك بعد بحث ثبوت هذه القاعدة أولًا.
المطلب الثاني: بيان مذهب الأصوليين في التلازم بين ترك النقل ونقل الترك:
لابد أولًا من تقرير عدة مقدمات وأمور في غاية الأهمية لفهم قضية التلازم بين ترك النقل ونقل الترك وهي ما يلي:
الأمر الأول: الأصل في الأفعال العدم (١)، فكل فعلٍ الأصلُ فيه أنه
стр. 172
لم يفعل حتى ينقل، وهذا ليس باعتبار الواقع إنما هو باعتبار السامع.
الأمر الثاني: الناقل عن الأصل يلزمه الدليل سواء كان ذلك الأصل إثباتًا أم نفيًا، إذ قد تقرر أن كل من أثبت حكمًا لابد له من دليل، سواء كان الحكم إثباتًا أو نفيًا، وقد كثر الخلاف بين الأصوليين في الدليل هل يلزم النافي أم المثبت (١) والمرضي من أقوالهم في ذلك: أن الدليل يلزم كل من ادعى
стр. 173
العلم بشيء سواء كان نفيًا أو إثباتًا، أما من نفى علمه بالدليل فاستصحب البراءة الأصلية حتى يرد الدليل فهذا هو النافي الذي لا يلزمه الدليل.
الأمر الثالث: أن اتباع الأصل حتى يرد الناقل عنه هو معنى الاستصحاب الذي اعتبره الأصوليون دليلًا شرعيّا، وهو وإن وقع الخلاف في أنواعه ودلالته إلا أن هذا القدر منه متفق عليه (١).
стр. 174
الأمر الرابع: أن الشريعة محفوظة باقية تكفل الله بحفظها وعدم ضياع شيء منها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فكل ما اقتضى حكمًا تكليفيًا فهو محفوظ باق بدلالة هذه الآية.
الأمر الخامس: المعتبر في الاستدلال الشرعي غلبة الظن بالأمر أو عدمه، لا اعتبار الواقع في نفس الأمر، فالدليل الذي لم يبلغ المجتهد - الذي لم يقصر في البحث والطلب - لا يلزمه، فهو في حقه كالعدم - وإن كان واقعًا في نفس الأمر - إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فتكليفه بذلك فيه تكليف بما لا يطاق، وهو غير واقع في هذه الملة بحمد الله.
الأمر السادس: من المعلوم قطعًا أن النبي ﷺ ما غير حكم البراءة الأصلية في كل الأفعال، فنحن بعد ورود الشرع على أحد أحوال ثلاثة:
стр. 175
الأول: أن نعلم ثبوت الحكم فنقطع بتغيير حكم البراءة الأصلية.
الثاني: أن نعلم أن الحكم جاء موافقًا لمقتضَى البراءة الأصلية.
الثالث: أن نشك أن البراءة الأصلية قد حصل لها ما يزيلها فيلزمنا البقاء عليها حتى يثبت ما يغيرها (١).
الأمر السابع: أن البحث ليس في كل ترك، إنما هو في ترك اقتضى تشريعًا، وفي ترك فعل لو حصل لا يقع إلا تشريعًا.
الأمر الثامن: ذهب البيضاوي (٢) في (منهاج الأصول) (٣) وجماعة من شراحه: كالأصفهاني (٤) في (شرح المنهاج) والإسنوي (٥)، في شرحه (نهاية
стр. 176
السول)، والقرافي (١) في (نفائس الأصول في شرح المحصول) (٢)، وابن رشيق (٣) في اختصاره للمستصفى (٤)، والآمدي (٥) وذكره الرازي (٦) طريقًا
стр. 177
عول عليه بعض الفقهاء - ولم يصرح بموافقته - وكذلك الزركشي (١) - نقله عن البيضاوي ولم يرده - إلى أن الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم من الأدلة المقبولة شرعًا.
وليس المراد بعدم الحكم أن تكون واقعة خالية من حكم شرعي في المسألة، بل المراد أن تكون الواقعة خالية من حكم خاص فيكون حكمها باق على مقتضَى البراءة الأصلية - وهي أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة (٢)، والأصل في العبادات المنع (٣) - حتى يرد ما يغيرها.
стр. 178
ومن أدلتهم على ذلك:
أولًا: أنه لو ثبت حكمٌ شرعي ولا دليل عليه للزم منه تكليف المحال.
ثانيًا: أن الله لو أمرنا بشيء، ولم يضع عليه دليلًا، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز.
ثالثًا: أن سائر الأصول كانت معدومة، فوجب بقاؤها على العدم، تمسكًا بالاستصحاب.
رابعًا: الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وإنما يجوز العدول عن ذلك الأصل إذا وجد دليل يوجب الرجوع عنه، وذلك الدليل لا يكون إلا نصًا أو إجماعًا أو قياسًا، والحكم الذي ينتج من هذا الدليل ليس من باب تغيير الحكم بل هو من باب إبقاء ما كان على ما كان.
وسبب من ذهب إلى رد الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم: أنه يلزم منه خلو الحادثة عن حكم شرعي وهذا باطل مردود (١).
فإذا قيل: إن المراد ليس ارتفاع الحكم بالكلية بمعنى خلو الواقعة عن
стр. 179
حكم شرعي، وإنما المراد عدم ثبوت حكم على وجه الخصوص فتبقى الواقعة على حكم البراءة الأصلية: ارتفع الخلاف وكان هذا المعنى محل اتفاق، هذا ما ظهر لي وقد بحثت كثيرًا عمن صرح بهذا من الأصوليين إلى أن وجدت تصريحًا به للشيخ محمد بخيت المطيعي في حاشيته على نهاية السول للإسنوي (١).
من المقدمات (٢) السابقة يتبين أن:
مذهب الأصوليين هو أن عدم الدليل على الحكم الخاص يلزم منه عدم الحكم الخاص، ويوجب البقاء على البراءة الأصلية واستصحابها حتى يرد من الأدلة ما يقتضي تغيُّرها.
وحيث كان البحث هنا في الترك الذي له دلالة شرعية:
فإنه يسع التقرير أنه:
إذا ترك نقل أن النبي ﷺ فعل فعلًا ما له دلالة شرعية فإن الذي يلزمنا من ذلك هو البقاء على الأصل وهو أن النبي ﷺ لم يفعل هذا الفعل حتى يرد ما يثبت أنه فعله، فهو إذن دليل (٣) على أن النبي ﷺ ترك هذا