стр. 176
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 14221
التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا
محمد صلاح الإتربي
Полный текст (574 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 177
عول عليه بعض الفقهاء - ولم يصرح بموافقته - وكذلك الزركشي (١) - نقله عن البيضاوي ولم يرده - إلى أن الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم من الأدلة المقبولة شرعًا.
وليس المراد بعدم الحكم أن تكون واقعة خالية من حكم شرعي في المسألة، بل المراد أن تكون الواقعة خالية من حكم خاص فيكون حكمها باق على مقتضَى البراءة الأصلية - وهي أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة (٢)، والأصل في العبادات المنع (٣) - حتى يرد ما يغيرها.
стр. 178
ومن أدلتهم على ذلك:
أولًا: أنه لو ثبت حكمٌ شرعي ولا دليل عليه للزم منه تكليف المحال.
ثانيًا: أن الله لو أمرنا بشيء، ولم يضع عليه دليلًا، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز.
ثالثًا: أن سائر الأصول كانت معدومة، فوجب بقاؤها على العدم، تمسكًا بالاستصحاب.
رابعًا: الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وإنما يجوز العدول عن ذلك الأصل إذا وجد دليل يوجب الرجوع عنه، وذلك الدليل لا يكون إلا نصًا أو إجماعًا أو قياسًا، والحكم الذي ينتج من هذا الدليل ليس من باب تغيير الحكم بل هو من باب إبقاء ما كان على ما كان.
وسبب من ذهب إلى رد الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم: أنه يلزم منه خلو الحادثة عن حكم شرعي وهذا باطل مردود (١).
فإذا قيل: إن المراد ليس ارتفاع الحكم بالكلية بمعنى خلو الواقعة عن
стр. 179
حكم شرعي، وإنما المراد عدم ثبوت حكم على وجه الخصوص فتبقى الواقعة على حكم البراءة الأصلية: ارتفع الخلاف وكان هذا المعنى محل اتفاق، هذا ما ظهر لي وقد بحثت كثيرًا عمن صرح بهذا من الأصوليين إلى أن وجدت تصريحًا به للشيخ محمد بخيت المطيعي في حاشيته على نهاية السول للإسنوي (١).
من المقدمات (٢) السابقة يتبين أن:
مذهب الأصوليين هو أن عدم الدليل على الحكم الخاص يلزم منه عدم الحكم الخاص، ويوجب البقاء على البراءة الأصلية واستصحابها حتى يرد من الأدلة ما يقتضي تغيُّرها.
وحيث كان البحث هنا في الترك الذي له دلالة شرعية:
فإنه يسع التقرير أنه:
إذا ترك نقل أن النبي ﷺ فعل فعلًا ما له دلالة شرعية فإن الذي يلزمنا من ذلك هو البقاء على الأصل وهو أن النبي ﷺ لم يفعل هذا الفعل حتى يرد ما يثبت أنه فعله، فهو إذن دليل (٣) على أن النبي ﷺ ترك هذا
стр. 180
стр. 181
القرائن التي تقوي هذا الأصل:
إذا كان عدم النقل دليلًا على عدم الحصول في الشرعيات، فإن هناك من القرائن ما يقوي ذلك الأمر ويعضده.
فمن ذلك:
١ - أن يروي الصحابي تفاصيل حادثة وقعت مما يتعلق به شرع ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء .
وهذا يدل على أنه لم يغادر من تفاصيلها الرئيسة شيئًا (١) وذلك لأن
стр. 182
الصحابي أمين فيما ينقل، فلو كان هناك تفصيل له أثر في الحكم مما يتعلق به شرع لنقله الصحابي.
ومن أمثلة ذلك عدم نقل الجلد في قصة رجم الغامدية.
وذلك فيما ورد من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال رسول الله ﷺ : "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال النبي ﷺ مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله: "فيم أطهرك؟ "، فقال: من الزنى، فسأل رسول الله ﷺ : "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: "أشرب خمرًا؟ " فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول الله ﷺ : "أزنيت؟ "، فقال: نعم، فأمر به فرجم، فكان الناس فرقتين، قائل يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي ﷺ فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس، فسلم ثم جلس، فقال: "استغفروا لماعز بن مالك" قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله ﷺ : "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم" قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري
стр. 183
الله وتوبي إليه" فقالت: "أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ " قال: "وما ذاك؟ " قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: "آنت" قالت: نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية فقال ﷺ : "إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه" فقام رجل من الأنصار فقال: "إليَّ رضاعه يا نبي الله"، قال: "فرجمها" (١).
فليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ جمع بين الجلد والرجم وقد ثبت أمر النبي ﷺ فيما ورد من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول ﷺ الله: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٢).
ولذا فقد اختلف الفقهاء في الجمع بين الحديثين.
فذهب علي بن أبي طالب ﵁ إلى الجمع بين الرجم والجلد للحديث السابق، وهو قول الحسن البصري (٣) وإسحق بن راهويه (٤) ورواية عن أحمد
стр. 184
وداود (١) وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي وابن المنذر (٢).
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجمع بين الجلد والرجم (٣).
قالوا: لم يرو الجلد في قصة ماعز، ولو حصل لنقل، ولم يرو كذلك في قصة الجهنية ولا اليهوديين اللذين رجمهما رسول الله ﷺ .
فجعلوا حديث ماعز ﵁ ناسخًا لحديث عبادة ﵁، ويقوي ذلك النسخ أنه كان عقب قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فحديث عبادة ﵁ متقدم على حديث ماعز ﵁.
стр. 185
واعترض على ذلك:
بأنه ليس في قصة ماعز ﵁ ومن ذكر معه - على تقدير تأخرها - تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك روايته لوضوحه ولكونه الأصل.
وأجيب عن ذلك: بأن جلد من ذكر من الخمسة الذين رجمهم رسول الله ﷺ لو وقع مع كثرة من يحضر عذابهم من طوائف المؤمنين يبعد أنه لا يرويه أحد ممن حضر، فعدم إثباته في رواية من الروايات مع تنوعها واختلاف ألفاظها دليل على عدم وقوع الجلد.
قال ابن حجر: "فدل ترك ذكره على عدم وقوعه، وعدم وقوعه على عدم وجوبه" (١).
ويرى الصنعاني أن كون النبي ﷺ لم يجلد أمر ظاهر دعاه إلى التوقف بعد أن كان يقول بالجمع بين الجلد والرجم (٢).
ويرى الدكتور الأشقر أن القائلين باحتمال عدم ذكره لوضوحه تسليم منهم بصحة هذه القاعدة وأن الخلاف في الأثر الفقهي فقط (٣).
والذي يظهر للباحث أن القول الراجح هو قول الجمهور، إذ يبعد جدًّا فعله مع عدم نقله وهو الموافق للأصل المذكور في أن عدم النقل دليل على نقل
стр. 186
الترك في الشرعيات والله تعالى أعلم (١).
هذا وقد حكي قول ثالث بالجمع إذا كان الزاني شيخًا ثيبًا وعدمه إذا كان شابًّا، وقد قال النووي: "هذا مذهب باطل لا أصل له ... " (٢).
٢ - أن ينقل الراوي الواقعة ويسكت عن تفصيل - لو حصل - يجعل الصورة نادرة .
فسكوته يكون حجة على عدم حصول ذلك التفصيل.
وقد مثل له الدكتور الأشقر بما روي أن رسول الله ﷺ أقاد مسلمًا بكافر وقال: "أنا أحق من وفَّى ذمته" (٣)، فالقول بأنه لعل قاتلًا قتل كافرًا ثم أسلم أسلم القاتل أمر نادر، وتتشوف الطباع لنقله فسكوت الراوي عنه يدل على أنه لم يكن (٤).
стр. 187
ومن أمثلة هذا النوع: ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: "وما أهلكك؟ "، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: "هل تجد ما تعتق رقبة؟ "، قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال: لا، قال: " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ "، قال: لا، قال: ثم جلس فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا"، قال: أفقر منا؟ فما بين لابتَيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "اذهب فأطعمه أهلك" (١).
فالراوي لم يذكر أن النبي ﷺ أمر المرأة بالكفارة بل أمر الرجل فقط، وهذا دليل على أن النبي ﷺ لم يأمرها إذ لو أمرها لنقله؛ لأن مثل ذلك يحتاج إليه في معرفة الحكم، والراوي إنما يروي لبيان الحكم، ومما يجدر الإشارة إليه هنا أننا وإن قلنا بأن النبي ﷺ لم يأمر المرأة بالكفارة إلا أن الخلاف في كون المرأة تجب عليها كفارة ما زال قائمًا؛ إذ يحتمل أن النبي ﷺ لم يأمرها اكتفاءً بما عرف من أن النساء شقائق الرجال في الأحكام.
٣ - أن يكون ذلك الخبر مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله لو حصل، فعدم نقله والحالة كذلك يؤكد عدم وقوعه .
стр. 188
ونظيره ما يذكره الأصوليون من أن ما ينقل على سبيل التواتر لا يكفي فيه نقل الآحاد.
فمن ذلك أنه لم ينقل أن النبي ﷺ صلى صلاة الغائب على غير النجاشي، أو أنه كرر العمرة قبل خروجه إلى عرفات.
ومن ذلك أيضًا أنه لم ينقل أن النبي ﷺ ذهب في حجة الوداع إلى موضع تحنثه في غار حراء ولا ذهابه إلى غار ثور.
فكل ذلك مما يستفيض العلم به لو حصل، ويستحيل أن يصدر من النبي ﷺ فلا ينقله واحد - والأحكام الشرعية متعلقة بمثل ذلك - لو حصل - ومع ذلك ينقل ما هو أقل من ذلك بكثير في الشأن، فكل ذلك يقوي القول بعدم حصول مثل ذلك (١).
ومن ذلك: أيضًا أن النبي ﷺ ترك مال الكعبة ولم بقسمه، فاستدل به شيبة بن عثمان ﵁ على عمر بن الخطاب ﵁ لما أرد أن يقسمه، وبيان ذلك فيما ورد عن شقيق عن شيبة يعني ابن عثمان قال: قعد عمر بن الخطاب ﵁ في مقعدك الذي أنت فيه فقال: "لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة"، قال: قلت: "ما أنت بفاعل"، قال: "بلى لأفعلن"، قال: قلت: "ما
стр. 189
أنت بفاعل"، قال: "لم"؟ قلت: لأن رسول الله ﷺ قد رأى مكانه، وأبو بكر ﵁، وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه، فقام فخرج (١).
قال ابن حجر: "قال ابن بطال: أراد عمر قسمة المال الذي في الكعبة في مصالح المسلمين فلما ذكره شيبة أن النبي ﷺ وأبا بكر بعده لم يتعرضا له لم يسعه خلافهما، ورأى أن الاقتداء بهما واجب، قلت - القائل هو ابن حجر -: وتمامه أن تقرير النبي ﷺ مُنزَّل منزلة حكمه باستمرار ما ترك تغييره، فيجب الاقتداء به في ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾، وأما أبو بكر فدل عدم تعرضه على أنه لم يظهر له من قوله ﷺ ولا من فعله ما يعارض التقرير المذكور، ولو ظهر له لفعله، لا سيما مع احتياجه للمال لقلته في مدته فيكون عمر ﵁ مع وجود كثرة المال في أيامه أولى بعدم التعرض" (٢).
* * *
стр. 190
المبحث الثالث: أقسام الترك
تبين مما سبق أن الترك يعرف بطريقين، فالترك الثابت من الطريق الأول يصح أن يقال فيه أنه الترك المنقول، والنوع الثاني يصح أن يقال فيه أنه متروك النقل، وكل طريق منهما ينقسم الترك بحسبه إلى عدة أقسام، ولذا فإنه لأجل أن تتبين الأقسام التي ينقسم إليها الترك لابد أولًا من بيان أقسام كل طريق، ووجه هذه القسمة؛ من أجل الوصول إلى تقسيم صحيح للترك، وهذا يقتضي بيان تقسيم الأصوليين للأفعال؛ لأن الترك الوجودي فعل - كما سبق بيانه - فلابد من النظر في تقسيم الأصوليين للأفعال أولًا ثم النظر بعد ذلك في مدى صلاحية هذا التقسيم لاعتباره في الترك وهل يحتاج إلى نوع من التعديل أم لا، ثم بيان تقسيم الترك الكفي باعتبار تلك القسمة، ثم بيان الأنواع التي ينقسم إليها متروك النقل، وبجمع هذه الأقسام يمكننا الوصول إلى تقسيم مناسب للترك، وبيان ذلك في المطالب التالية.
المطلب الأول: أقسام الترك المنقول:
* قسمة الأصوليين للأفعال:
قسَّم الزركشي أفعال النبي ﷺ إلى تسعة أقسام هي:
١ - ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية كتصرف الأعضاء وحركات الجسد، وهذا على الإباحة.
стр. 191
٢ - ما لا يتعلق بالعبادات ووضح فيه أمر الجبلة، قال: والمشهور في كتب الأصول أنه يدل على الإباحة.
٣ - ما احتمل أن يخرج عن الجبلية إلى التشريع بمواظبته على وجه خاص كالأكل والشرب واللبس والنوم وهو دون ما ظهر فيه قصد القربة وفوق ما ظهر فيه الجبلية، وفيه خلاف بين الإباحة والاستحباب.
٤ - ما علم اختصاصه به وهو واضح.
٥ - ما يفعله لانتظار الوحي.
٦ - ما يفعله مع غيره عقوبة.
٧ - ما يفعله مع غيره إعطاء.
٨ - الفعل المجرد عما سبق وقد ورد بيانًا.
٩ - الفعل المجرد عما سبق ولم نعلم صفته في حق النبي ﷺ ، وهو قسمان:
أ - أن يظهر فيه قصد القربة.
ب - أن لا يظهر فيه قصد القربة.
أما الأول: فاختلف فيه بين الوجوب والاستحباب.
والثاني: اختلف فيه على خمسة أقوال (١).
وهذه القسمة قد تختلف من أصولي إلى أصولي آخر (٢)، فأبو شامة ذكر
стр. 192
في كتابه (المحقق من علم الأصول) أقسام أفعال النبي ﷺ ، وقسمها إلى سبعة أنواع والذي يهمنا من تقسيم أبي شامة هو تفصيله لمورد التقسيم حيث قال:
"وبيان الحق أن نقول: فعله ﷺ لا يخلو إما أن يكون امتثالًا لما ساوته أمته فيه أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون من الأفعال الجبلية أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون من خواصه أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون بيانًا أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن تعلم صفته أو لا، فإن لم تعلم فلا يخلو إما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا، فهذه سبعة أقسام" (١).
وهذه الأقسام السبعة هي:
ما ساوته فيه أمته، والفعل الجبلي، والفعل المختص به، والفعل بيانًا لحكم مجمل، والفعل المبتدأ المطلق، وهذا ثلاثة أنواع:
الأول: أن يكون معلوم الصفة.
الثاني: أن يكون غير معلوم الصفة وظهر فيه قصد القربة.
الثالث: أن يكون غير معلوم الصفة ولم يظهر فيه قصد القربة.
وهذه الأقسام السبعة هي في الأصل خمسة أقسام كما هو واضح.
والتقسيمات الأخرى للأصوليين لا تخرج عن التقسيم المذكور بل كلها تدور في فلكه، ولذا فلا حاجة للتطويل بذكرها.
стр. 193
* تقسيم الترك الوجودي باطراد قسمة الأصوليين للأفعال:
قام الأشقر بتقسيم الترك الوجودي إلى أربع أقسام:
الأول: الترك لداعي الجبلة البشرية.
الثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به.
الثالث: الترك بيانًا أو امتثالًا.
الرابع: الترك المجرد، وهو نوعان:
أ - ما علم حكمه في حق النبي ﷺ بقول أو استنباط.
ب - ما لم يعلم حكمه.
ثم ذكر بعد ذلك أن ما سبق يقال له: ترك مطلق، وهناك نوع هو ترك لسبب.
وعلى ذلك فالترك الوجودي عنده نوعان:
١ - ترك مطلق.
٢ - ترك بسبب.
والمطلق على أربعة أنواع، أو أن الترك المطلق يراد به الترك المجرد، ويكون الترك بسبب قسمًا خامسًا.
وقد ذكر أن التقسيم بهذا موازٍ للتقسيم الذي اعتبره الأصوليون في الأفعال.
ثم ذكر أن السكوت هو الكف عن القول، وقسم السكوت إلى نوعين:
أ - سكوت لعدم وجود حكم شرعي في المسألة.
ب - سكوت لمانع.
وعلى ذلك فالترك عنده خاص بالفعل، والسكوت خاص بالقول.
стр. 194
المطلب الثاني: أقسام متروك النقل:
سبق أن بينا أن عدم نقل الفعل يدل على عدم فعل النبي ﷺ له شرعًا، وهو متروك النقل.
وهذا النوع قد تكلم عنه الشاطبي فقد ذكر أن "سكوت الشارع عن الحكم على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله ...
الضرب الثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان ... " (١).
وهذا هو النوع الثابت بالطريق الثاني من طريقي نقل الترك عند ابن القيم، ومثل له "بترك التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة" (٢).
وما ذكره ابن القيم قد قسمه الدكتور الأشقر (٣) إلى أربعة أقسام هي:
١ - أن يدل على المتروك نقله نصٌّ يأمر بالفعل من الكتاب أو السنة أو يدل على حكمه بالإجماع أو القياس.
٢ - أن يكون المتروك نقله باقيًا على حكم الأصل، والأصل عدم المشروعية في العبادة.
стр. 195
٣ - أن يروي الصحابي تفاصيل حادثة وقعت مما يتعلق به شرع ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء.
٤ - أن ينقل الراوي الواقعة ويسكت عن تفصيل يجعل الصورة نادرة.
وهذا الذي ذكره الدكتور الأشقر ليس تقسيمًا للنوع الذي ذكره ابن القيم حيث إن ابن القيم إنما قصد نوعًا خاصًا من أنواع ترك النقل وهو ما وجد مقتضاه وانتفى مانعه، أما تقسيم الأشقر فهو لما ترك نقله إجمالًا، وقد سبق الكلام على ذلك، ولم يتعرض الأشقر للكلام على ما ذكره الشاطبي.
المطلب الثالث: التقسيم المختار ووجهه:
عند ضم النظير إلى النظير من الأقسام المذكورة سابقًا، يمكن أن ينقسم الترك إلى قسمين فقط وذلك باعتبار نقل الترك.
وبيان ذلك أن يقال:
إذا ترك النبي ﷺ فعلًا فلا يخلو هذا الترك من أن يكون أحد أمرين: الأول منهما: أن ينقل ذلك الترك وهو الترك المنقول، والثاني منهما: ألا ينقل هذا الترك وهو متروك النقل.
أما الترك المنقول فلا يخلو من أحد أمرين:
الأول: أن يبين سبب الترك في الحديث، وهذا هو الترك المسبب.
الثاني: أن لا يبين سبب الترك في الحديث، وهذا هو الترك المطلق.
أما الترك المسبب فينقسم باستقراء الأسباب الواردة في الأحاديث إلى أحد عشر قسمًا وهي:
стр. 196
الترك لأجل حكم خاص بالنبي ﷺ ، أو لأجل حصول مفسدة من الفعل، أو لأجل الإنكار على الفاعل، أو لأجل مرضه ﷺ ، أو لأجل نسيانه ﷺ ، أو لأجل الطبع، أو لأجل مراجعة الصحابة له ﷺ ، أو لأجل ألا يفرض العمل، أو لأجل مراعاة حال الآخرين، أو لأجل بيان التشريع، أو لأجل مانع يخبر به ﷺ .
أما الترك الخاص به فحيث إنه لا يعلم إلا بتصريح النبي ﷺ فهو داخل ضمن الترك المسبب لانطباق سبب التقسيم عليه.
أما الترك الذي لا يظهر فيه وجه القربة فلا يدخل تحت مورد التقسيم؛ إذ إن التقسيم إنما هو باعتبار قيام مقتضٍ للفعل مع ترك النبي ﷺ .
فإذا قام المقتضي للفعل كان ذلك مانعًا من حمل الفعل على أنه غير قربة، وبذلك يكون هذا التقسيم مستوعبًا لجميع احتمالات أحوال الترك الوجودي مع اعتباره لتقسيم الأصوليين للأفعال ..
أما متروك النقل فلا يخلو من أحد أمرين:
الأول: أن يكون غير مقدور للنبي ﷺ ، فهذا خارج عن بحثنا.
الثاني: أن يكون مقدورًا للنبي ﷺ .
وهذا الثاني ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يكون لا داعية له تقتضي نقله زمان النبي ﷺ .
الثاني: أن يكون له داعية تقتضي نقله زمان النبي ﷺ ، وهو ما وجد مقتضي الفعل وانتفى مانعه.
стр. 197
والثاني لا يخلو أن يكون أحد أمرين:
الأول: أن يكون في جانب العبادات.
الثاني: أن يكون في جانب العادات والمعاملات.
وهذه القسمة تستوعب جميع أحوال عدم فعل النبي ﷺ لأي فعل كان.
هذا ويلاحظ أن هناك صورتين من صور الترك الوجودي تناولها الأصوليون بالذكر، الأولى: هي الإقرار، والثانية: ترك ما هم به، وهاتان الصورتان لا تدخلان تحت الترك المسبب أو المطلق، وذلك لأن من الإقرار ما يكون تركًا مسبّبًا، ومنه ما يكون تركًا مطلقًا، وكذلك ما هم به ﷺ ولم يفعله، ولذا فقد أفردا في فصل مستقل ألحق بالترك الوجودي.
أما ترك الاستفصال فمتعلق بالترك العدمي، وقد بحثه الأصوليون في باب العموم ولذا ألحق بالترك العدمي.
ملاحظة هامة:
يجب أن يلاحظ أن الاعتبارات التي ينقسم بها التروك متنوعة، وقد تتنوع التقسيمات بحسب مورد القسمة، فمن ذلك أن يقسم الترك باعتبار دلالته الأصولية، وهو بذلك ثلاثة أنواع، إذ قد يدل على الإباحة أو التحريم أو البدعية.
وكذلك يمكن أن ينقسم الترك باعتبار حكم المتروك في الأصل إلى خمسة أقسام، هي الأحكام التكليفية الخمسة فيكون إما ترك واجبٍ أو مستحبٍ أو مكروهٍ أو مباحٍ أو حرامٍ.
стр. 198
وكذلك يمكن أن يُقسم الترك باعتبارات أخرى إلى أقسام أخرى، وهذه الأقسام كلها لا تصلح لأن تكون معتمدة للدراسة؛ لأنها لا تصلح لبناء الأحكام عليها إذ حصولها لا يكون إلا بعد معرفة دلالة الترك، والتقسيم إنما يطلب أصلًا لمعرفة الدلالة، فلا يصح أن تكون إذن هي موردًا للتقسيم.
وبيان ذلك في هذين البابين التاليين: كل قسم بأمثلته وتطبيقاته ودلالته الأصولية وما يلحق به في باب منفصل.
ويمكن تلخيص أقسام الترك في الشكل التالي:
...................................................... [أقسام الترك] ...................................................
............... [وجودي] ........................................................ [عدمي] ..............................
[مسبب] .. [مطلق] ........ [ما يلحق به] ............... [كان له مقتضٍ] ...... [لم يكن له مقتضٍ] ..... [ما يلحق "ترك الاستفصال"]
.................... [الإقرار] .... [ترك ما هم به]
стр. 199
الباب الثاني
الترك الوجودي ودلالته
стр. 200
توطئة
سبق في الباب الأول تقسيم الترك إلى نوعين وجودي وعدمي، وسوف يُتناول القسم الأول بالدراسة في هذا الباب، وإذا كان الترك الوجودي خاصًّا بما نقل عن النبي ﷺ ، فإن طلب دلالة هذا القسم ستكون من خلال تتبع الفروع الفقهية المبنية على الأحاديث الواردة فيه، ولذا فبيان هذا النوع يحتاج إلى تعريفه، وذكر أمثلته، وتناولها بالدراسة الفقهية الأمر الذي يجعل ضم التطبيقات في هذا الموضع أمرًا لازمًا، وبعد بيان الترك بهذه الطريقة يكون الطريق ممهدًا لتفصيل القول في دلالته.
أما المسائل التي بحثها الأصوليون ولها تعلق بالترك فقد أفردت بالدراسة بعد ذلك.
وفي هذا الإطار تبلور هذا الباب إلى ثلاثة فصول:
الاول: لبيان الترك الوجودي.
والثاني: لبيان دلالة الترك الوجودي.
والثالث: لبيان ما يلحق بالترك الوجودي.
стр. 201
الفصل الأول
بيان الترك الوجودي
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: بيان الترك المسبب.
المبحث الثاني: بيان الترك المطلق.
стр. 202
المبحث الأول: بيان الترك المسبب
المطلب الأول: تعريف الترك المسبب:
التعريف بالمركب يقتضي التعريف بجزءيه أولًا، فالتعريف بالترك المسبب يقتضي التعريف بالترك وبالسبب، وإذا كان التعريف بالترك قد سبق بيانه، فلابد هنا من التعريف بالسبب حتى يكتمل تعريف جزئي المركب ثم التعريف بوصفه بعد ذلك لقبًا.
أولاً: السبب في اللغة (١):
السبب في اللغة: هو كل ما يتوصل به إلى غيره، وجمعه: أسباب.
وفي لسان العرب: "وكل شيء يتوصل به إلى الشيء فهو سبب".
والسبب: الحبل: كالسِّبْ (وهو الحبل في لغة هذيل).
ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥].
قال أبو عبيدة: "السبب: كل حبل حدرته من فوق".
стр. 203
وقيل: السبب: هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى الشيء.
وقيل: لا يسمى السبب سببًا حتى يكون طرفه معلقًا بالسقف.
وقال ابن فورك: "السبب في اللغة: هو ما يتوصل به إلى أمر مطلوب" (١).
وذكر السرخسي أن السبب في اللغة: الطريق إلى الشيء، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، وذكر معانٍ ثم قال: فالكل يرجع إلى معنى واحد وهو طريق الوصول إلى الشيء (٢).
стр. 204
стр. 205
والآمدي (١) والزركشي (٢) ونص على أنه لأكثر الأصوليين.
ومعنى دل السمع على كونه معرفًا: أن الشرع ورد ببيان أن مثل هذا الأمر متى حصل كان ذلك دليلًا على وجوب أو استحباب حصول الأمر الثاني، فزوال الشمس عن كبد السماء معرف للعبد بأن وجوب صلاة الظهر قد حان.
وذلك فرارًا من القول بتأثير الأسباب، وهي قضية مشهورة تنازع فيها الأصوليون بلا طائل فقهي، وحاصلها أنهم في ذلك على طرفين ووسط:
الأول: يرى أن الأسباب مؤثرة بذواتها؛ أي لا أودع فيها من خاصيات تقتضي ذلك التأثير، وهو لجمهور المعتزلة.
الثاني: الأسباب معرفة فقط بجعل الشرع، وليس لها ما يقتضي أن تؤثر في المسبب، فليس السبب موجبًا للحكم بل معرفًا فقط وعليه جمهور الأشاعرة فيما نقل عنهم الزركشي (٣).
الوسط: السبب موجب للحكم لكن لا لذاته ولا لصفة ذاتية بل بجعل الشرع إياه موجبًا، وهو قول الغزالي (٤) من الأشاعرة، ونسبه الزركشي (٥) للحنفية.
стр. 206
والقول الثالث هو القول الراجح وعليه جمهور أهل السنة، وعليه يكون تعريف السبب على هذا القول: "وصف ظاهر منضبط دل السمع على كونه موجبًا لحكم شرعي".
التعريف الثاني:
السبب: "ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته"، وهذا تعريف القرافي (١) وذكره المرداوي (٢) وعزاه لأكثر الأصوليين.
وقوله: يلزم من وجوده الوجود احتراز من الشرط لأنه لا يلزم من وجوده الوجود.
وقوله: يلزم من عدمه العدم احتراز من المانع لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
وقوله: لذاته احتراز عما لو قارن السبب فقدان شرط أو وجود مانع فإن تخلف الحكم ليس لعدم السبب بل لأمر خارج عنه وهو انتفاء الشرط أو وجود المانع.
التعريف المختار:
التعريف الثاني أولى من التعريف الأول؛ إذ التعريف الأول لم يتعرض لوجه اقتضاء السبب للحكم، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال:
стр. 207
السبب: وصف ظاهر منضبط دل الشرع على أنه يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته.
تعريفات أخرى للسبب:
عرفه السرخسي بأنه: "ما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم المطلوب من غير أن يكون الوصول به" (١)، وفي أصول الشاشي: "السبب ما يكون طريقًا إلى الشيء بواسطة" (٢).
وحده السمعاني بأنه "ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما"، ونقل تعريفًا آخر لم يسم قائله بأنه "مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقدمها فلا أثر لها فيه (٣).
وعرفه ابن فورك بأنه: "ما خرج الحكم لأجله سواء كان شرطًا أو دليلًا أو علة" (٤).
ثالثًا: تعريف الترك المسبب:
باعتبار ما سبق يكون الترك المسبب هو: "ما ورد عن النبي ﷺ أنه كف عنه لسبب".
стр. 208
ولابد من نقل ما يدل على أن النبي ﷺ ترك لأجل هذا السبب، ولكن لا يشترط تصريح الراوي بأن سبب ترك النبي ﷺ هو كذا أو كذا، بل يعرف سبب الترك بالطرق التي ذكرها الأصوليون لمعرفة العلة من جهة السمع.
* طرق معرفة السبب من جهة النقل:
ذكر الأصوليون طرقًا كثيرة لمعرفة العلة، وهذه الطرق يمكن استحضارها هنا لمعرفة أسباب الترك، وهي إما من جهة السمع - أي النقل - أو من جهة الاستنباط، والذي يعنينا هنا طرق معرفتها من جهة السمع، وذلك لأن الفارق بين الترك المسبب والترك المطلق هو نقل السبب من عدمه، ولذا فإن طرق معرفة العلة من جهة السمع تفيد في معرفة الترك المسبب، وطرق معرفتها من جهة الاستنباط تفيد في معرفة الترك المطلق، وفيما يلي بيان طرق معرفتها على سبيل الإجمال:
* الإجماع: أي الإجماع على كون وصف ما سببًا.
* النص الصريح: كـ "التصريح بلفظ الحكم"، أو "لعلة كذا"، أو "سبب كذا"، أو "من أجل"، أو "لأجل"، أو "كي"، أو "إذن"، أو "ذكر المفعول له".
* النص الظاهر: كـ "لام" التعليل الظاهرة أو المقدرة، أو "أن" المفتوحة المخففة، أو "إن" الشرطية [المكسورة ساكنة النون]، "إنّ" المشددة، أو "باء" السببية، أو "فاء" السببية، أو "لعل"، أو "إذ"، أو "حتى".
стр. 209
* الإيماء والتنبيه: كـ "ذكر الحكم عقب الوصف"، أو "التفرقة بين حكمين لوصف"، أو "القياس على وصف"، أو "ربط الحكم باسم مشتق منه"، أو "منع الوصف ما يفوت المطلوب من الحكم" (١).
والأمثلة على هذه الأنواع تظهر خلال ذكر الأمثلة على أنواع الترك المسبب.
المطلب الثاني: أقسام الترك المسبب وأمثلتها:
الأحاديث التي نقل فيها ترك النبي ﷺ وسبب تركه كثيرة، ومن خلال الأحاديث التي وقفت عليها يمكن تقسيم تلك الأسباب إلى أحد عشر نوعًا، ويمكن أن تنقسم إلى أكثر من ذلك؛ إذ كل نوع يدخل تحته أمثلة كثيرة، ويمكن كذلك إدخال بعض تلك الأنواع في بعض، وليست المسألة أكثر من مجرد اصطلاح.
وفيما يلي ذكر لتلك الأسباب وما يندرج تحتها من أمثلة، وبيان ما تضمنته تلك الأحاديث من أحكام فقهية ذكرها الفقهاء مما يتعلق بتركه ﷺ ، وذلك بتخصيص مسألة لكل قسم.
المسألة الأولى: الترك لأجل حكم خاص بالنبي ﷺ -:
ومثاله: ما ورد من حديث أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بتمرة مسقوطة فقال: "لولا أن تكون صدقة لأكلتها" (٢).
стр. 210
وورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها" (١).
فتَرْك النبي ﷺ لأكل هذه التمرة كان سببه حكمًا خاصًا به ﷺ ، وهو من علامات النبوة أنه ﷺ يقبل الهدية ولا تحل له الصدقة.
قال ابن قدامة: "فأما النبي ﷺ فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها، لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها، فلم يكن ليخل بذلك" (٢).
وقد ثبتت خصوصية النبي ﷺ بتحريم الصدقة من قوله ﷺ فقد قال: "إنا لا تحل لنا الصدقة".
وذلك فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ : "كخ كخ، إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة"، وفي رواية: "إنا لا تحل لنا الصدقة" (٣).
стр. 211
قال النووي: قوله ﷺ : "أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالمًا به، وتقديره "عجب كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريم الزكاة على النبي ﷺ وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب" (١) (٢).
وأيضًا: ما ورد من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي" (٣).
فالنبي ﷺ ترك اتخاذ الخلة وهذا حكم خاص به، وذلك لكونه خليل الرحمن، وقد ورد هذا مصرحًا به في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله" (٤)، ويشترط أن يدل الدليل على الخصوصية،
стр. 212
فلا يثبت ذلك بمجرد الاحتمال، وهذا قياس قول الأصوليين في الأفعال النبوية أن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل (١).
فلابد من وجود دليل يدل على الخصوصية، وقد رد ابن قدامة على من قال بأن عدم صلاة النبي ﷺ على من عليه دين كان خاصًا به؛ لأن صلاته سكن بقوله: "ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل" (٢).
المسألة الثانية: الترك لأجل حصول مفسدة:
وذلك بأن يصرح في الحديث بتلك المفسدة التي من أجلها حصل الترك.
* ومن أمثلة ذلك:
أ - أن النبي ﷺ ترك أن ينزع مع بني عبد المطلب في السقاية في الحج وذلك خوفًا من أن يغلبهم الناس على حقهم في ذلك:
ففي حديث جابر ﵁ الطويل في صفة حج النبي ﷺ ، قال جابر: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" (٣).
стр. 213
قال النووي: "معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء" (١).
ب - أن النبي ﷺ ترك أن يرد الكعبة إلى قواعد إبراهيم وبيَّن المانع من ذلك وهو مخافة أن تنفر قلوب الناس وهم حدثاء عهد بكفر:
فقد ورد من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم"، فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: "لولا حِدثان قومك بالكفر" (٢).
ولابن ماجه من حديث عائشة ﵁ أنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: "هو من البيت"، قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه، فقال: "عجزت بهم النفقة"، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم، قال: "ذلك فعل قومك ليدخلوه من شاءوا ويمنعوه من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بكفر مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره فأدخل فيه ما انتقص منه وجعلت بابه بالأرض" (٣).
стр. 214
قال ابن تيمية: "فترك النبي ﷺ هذا الأمر الذي كلان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت المفسدة راجحة على المصلحة" (١).
وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث "باب من ترك بعضر الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه".
ج - أن النبي ﷺ ترك أن يدعو الله إسماع أصحابه عذاب القبر خشية أن يتركوا الدفن:
فقد ورد من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" (٢).
أي: "لولا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضًا" (٣).
د - أن النبي ﷺ ترك قتل المنافق المستحق للقتل خشية مفسدة صرح بها وهي خشية أن يتحدث أن محمدًا يقتل أصحابه:
فقد ورد من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار،
стр. 215
وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ما بال دعوى الجاهلية"، قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: "دعوها فإنها منتنة"، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها!، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقام عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١).
قال ابن تيمية: "وإنما ترك النبي ﷺ قتله لما خيف من قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفًا" (٢).
وقد ورد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل"، فقال عمر ﵁: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: "دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق