← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال النووي: قوله ﷺ : "أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالمًا به، وتقديره "عجب كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريم الزكاة على النبي ﷺ وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب" (١) (٢). وأيضًا: ما ورد من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي" (٣). فالنبي ﷺ ترك اتخاذ الخلة وهذا حكم خاص به، وذلك لكونه خليل الرحمن، وقد ورد هذا مصرحًا به في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله" (٤)، ويشترط أن يدل الدليل على الخصوصية،

стр. 212

فلا يثبت ذلك بمجرد الاحتمال، وهذا قياس قول الأصوليين في الأفعال النبوية أن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل (١). فلابد من وجود دليل يدل على الخصوصية، وقد رد ابن قدامة على من قال بأن عدم صلاة النبي ﷺ على من عليه دين كان خاصًا به؛ لأن صلاته سكن بقوله: "ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل" (٢). المسألة الثانية: الترك لأجل حصول مفسدة: وذلك بأن يصرح في الحديث بتلك المفسدة التي من أجلها حصل الترك. * ومن أمثلة ذلك: أ - أن النبي ﷺ ترك أن ينزع مع بني عبد المطلب في السقاية في الحج وذلك خوفًا من أن يغلبهم الناس على حقهم في ذلك: ففي حديث جابر ﵁ الطويل في صفة حج النبي ﷺ ، قال جابر: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" (٣).

стр. 213

قال النووي: "معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء" (١). ب - أن النبي ﷺ ترك أن يرد الكعبة إلى قواعد إبراهيم وبيَّن المانع من ذلك وهو مخافة أن تنفر قلوب الناس وهم حدثاء عهد بكفر: فقد ورد من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم"، فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: "لولا حِدثان قومك بالكفر" (٢). ولابن ماجه من حديث عائشة ﵁ أنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: "هو من البيت"، قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه، فقال: "عجزت بهم النفقة"، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم، قال: "ذلك فعل قومك ليدخلوه من شاءوا ويمنعوه من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بكفر مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره فأدخل فيه ما انتقص منه وجعلت بابه بالأرض" (٣).

стр. 214

قال ابن تيمية: "فترك النبي ﷺ هذا الأمر الذي كلان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت المفسدة راجحة على المصلحة" (١). وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث "باب من ترك بعضر الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه". ج - أن النبي ﷺ ترك أن يدعو الله إسماع أصحابه عذاب القبر خشية أن يتركوا الدفن: فقد ورد من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" (٢). أي: "لولا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضًا" (٣). د - أن النبي ﷺ ترك قتل المنافق المستحق للقتل خشية مفسدة صرح بها وهي خشية أن يتحدث أن محمدًا يقتل أصحابه: فقد ورد من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار،

стр. 215

وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ما بال دعوى الجاهلية"، قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: "دعوها فإنها منتنة"، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها!، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقام عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١). قال ابن تيمية: "وإنما ترك النبي ﷺ قتله لما خيف من قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفًا" (٢). وقد ورد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل"، فقال عمر ﵁: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: "دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق

стр. 216

السهم من الرمية" (١). قال ابن حجر: "وإنما ترك النبي ﷺ قتل المذكور؛ لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام" (٢). هـ - أن النبي ﷺ ترك الإخبار العام ببعض المبشرات خوفًا من المفسدة: ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ ومعاذ بن جبل ﵁ رديفه على الرحل قال: "يا معاذ"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "يا معاذ"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "يا معاذ"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار"، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس به فيستبشروا، قال: "إذًا يتكلوا"، فأخبر معاذ عند موته تأثمًا (٣). قال ابن الصلاح (٤): "منعه من التبشير العام خوفًا من أن يسمع ذلك

стр. 217

من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل، وأخبر به ﷺ على وجه الخصوص من أَمِنَ عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة، فإنه أخبر به معاذًا، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به من الخاصة من رآه أهلًا لذلك" (١). ومن قبيل هذا أيضًا: ما ورد من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ إذ طلع أبو بكر وعمر، فقال رسول الله ﷺ : "هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، يا علي لا تخبرهما" (٢). و- أن النبي ﷺ ترك استخراج ما سُحِر به كراهية أن يثور على الناس شرًا: ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: سحر رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُريق يقال: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل

стр. 218

إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا ثم قال: "يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل، فقال: مطبوب، قال: من طبه، قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء، قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، قال: فأين هو، قال: في بئر ذَروان"، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه فجاء فقال: "يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين"، قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟، قال ﷺ : "قد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًا"، فأمر بها فدفنت (١). المسألة الثالثة: الترك لأجل الإنكار: هو أن يكون ترك النبي ﷺ مرادًا به أن ينكر على القائل أو على الفاعل قوله أو فعله. * ومن أمثلة ذلك: أ - ما ورد من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص (٢) فلم يصل عليه (٣)، وفي رواية: "أما أنا فلا أصلي

стр. 219

عليه" (١)، وفي رواية: "وكان ذلك منه أدبًا" (٢). قال النووي: "وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه. وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة" (٣). وقد اختلف العلماء في الصلاة على قاتل نفسه على أقوال: القول الأول: يصلى عليه، وهو مذهب الشافعي (٤) وعطاء (٥) والنخعي (٦).

стр. 220

القول الثاني: يصلي عليه سائر الناس دون الإمام، نص عليه أحمد (١). القول الثالث: لا يصلى عليه، وهو قول عمر بن عبد العزيز (٢) والأوزاعي (٣) (٤). لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: مات رجل بخيبر، فقال رسول الله ﷺ : "صلوا على صاحبكم، إنه غل في سبيل الله"، ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزًا من خرز يهود ما يساوي درهمين (٥).

стр. 221

قال ابن قدامة: "وإنما اختص الامتناع بالإمام؛ لأن النبي ﷺ لما امتنع من الصلاة على الغالّ قال: "صلوا على صاحبكم" (١). قال ابن عبد البر (٢): "وأما ترك رسول الله ﷺ الصلاة عليه وأمر غيره بالصلاة عليه؛ لأنه كان لا يصلي على من ظهرت منه كبيرة، ليرتدع الناس عن المعاصي وارتكاب الكبائر" (٣). ولأجل هذا الحديث ذهب مالك وغيره إلى أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتولي في حد، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرًا لهم (٤). ب - ما ورد من حديث عمار بن ياسر ﵁ قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران، فغدوت على النبي ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد علي ولم يرحب بي، وقال: "اذهب فاغسل هذا عنك"، فذهبت فغسلته، ثم جئت وقد بقي علي منه رَدع، فسلمت فلم يرد علي ولم

стр. 222

يرحب بي وقال: "اذهب فاغسل هذا عنك"، فذهبت فغسلته، ثم جئت فسلمت عليه، فرد علي ورحب بي وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ولا المتضمخ بزعفران ولا الجنب" (١). فالنبي ﷺ ترك رد السلام عليه ولم يرحب به إنكارًا لفعله، وقد فهم ذلك منه عمار ﵁، ففي رواية: قلت - أي ابن جريج - وهم حرم؟ قال: لا، القوم مقيمون. قال العظيم آبادي (٢): "والمعنى أن ابن جريج فهم أن إعراضه ﷺ عن عمار لأجل استعمال الخلوق، لعل عمارًا ومن كان معه كان محرمًا، فلذا زجره النبي ﷺ فأجابه عمر بن عطاء بأن الزجر عن استعمال الخلوق ليس لأجل الإحرام بل القوم كانوا مقيمين" (٣). ج - ما ورد من حديث النعمان بن بشير ﵄ أن أباه أتى إلى رسول الله

стр. 223

- ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: "أكل ولدك نحلت مثله"، قال: لا، قال: "فأرجعه" (١). وقد جاء مطولًا أن النعمان بن بشير ﵄ قال: أنحلني أبي نُحلًا فقالت له أمي عَمرة بنت رواحة ﵂: ائت رسول الله ﷺ فأشهده، فذكر ذلك له فقال له: إني أنحلت ابني النعمان نحلًا، وإن عمرة سألتني أن أشهدك على ذلك، قال: فقال: "ألك ولد سواه"، قال: قلت: نعم، قال: "فكلهم أعطيت مثل ما أعطيت النعمان؟ "، قال: لا، قال: " هذا جَور" أو "هذا تلجئة فأشهد على هذا غيري" (٢). د - ما رواه البخاري معلقًا (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : "يا أبا هريرة جف

стр. 224

القلم بما أنت لاق، فاختصِ على ذلك أو ذر". قال ابن حجر: "معناه افعل ما ذكرت أو اتركه واتبع ما أمرتك به ... فليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد ... وليس فيه تعرض لحكم الخصاء" (١). هـ - ما ورد من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب ﵁ فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: إذا لقينا رسول الله ﷺ أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من الغزو بدءوا برسول الله ﷺ فسلموا عليه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على النبي ﷺ فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله، ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل رسول الله ﷺ والغضب يعرف في وجهه فقال: "ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، إن عليًا مني، وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي" (٢). و- ما ورد من حديث جُندَب بن عبد الله البَجَلي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين وأنهم التقوا، فكان رجل من

стр. 225

المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته - وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد - فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فسأله حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع فدعاه فسأله فقال: "لم قتلته؟ "، قال: يا رسول الله: أوجع في المسلمين وقتل فلانًا وفلانًا - وسمى له نفرًا - وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله ﷺ : "أقتلته؟ "، قال: نعم، قال: "فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ "، قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ "، فجعل لا يزيده على أن يقول: "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " (١). ي - ما ورد من حديث زيد بن أسلم ﵁ عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب ﵁ يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطاب ﵁ عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ ، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ثكلتك أمك يا عمر، نَزَّرت رسول الله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر ﵁: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال:

стр. 226

"لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ " (١). وهذا القول من عمر ﵁ يدل على أن عمر فهم من عدم إجابة النبي ﷺ على سؤاله إنكاره له، فغم لذلك حتى سرى عنه، لما علم أن ذلك كان بسبب أنه ﷺ كان يوحى إليه. المسألة الرابعة: الترك لأجل المرض: وهو أن يترك النبي ﷺ فعلاً لما أصابه من المرض وهذا إنما يعلم من التصريح به في الحديث. ومثاله: ما ورد من حديث الأسود ﵁ قال: سمعت جندبًا يقول: "اشتكى النبي ﵁ فلم يقم ليلة أو ليلتين" (٢). وقد بوب البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب: ترك القيام للمريض" (٣).

стр. 227

المسألة الخامسة: الترك لأجل النسيان (١):

стр. 228

ومثل هذا إنما يصرح به في الحديث ويبين؛ لأن النبي ﷺ وإن نسي فإنه لا يقر عليه. ومثاله: أ - ما ورد من حديث المسور بن يزيد الأسدي المالكي ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فترك شيئًا لم يقرأه فقال له رجل: يا رسول الله، أين كذا وكذا؟ فقال رسول الله ﷺ : "هلا أذكرتنيها" (١)، قال الرجل: كنت أراها نسخت. ب - ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان

стр. 229

من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؛ قال: "لم أنس ولم تقصر"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم سلم (١). المسألة السادسة: الترك لمجرد الطبع: ومثاله: ما ورد من حديث ابن عباس ﵄ أن خالد بن الوليد ﵁ أخبره أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة ﵂ وهي خالته، وخالة ابن عباس ﵁ فوجد عندها ضبًا محنوذًا (٢) قَدِمَت به أختها حُفَيدة بنت الحارث ﵄ من نجد، فقدمت الضب لرسول الله ﷺ ، وكان قلما يُقدِّم يده لطعام حتى يحدث به ويسمى له، فأهوى رسول الله ﷺ يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﷺ ما قدمتن له، قلن: هو الضب، فرفع رسول الله ﷺ يده عن الضب، فقال خالد بن الوليد ﵁: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه"، قال خالد: فاجتززته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر إلي (٣).

стр. 230

وقد استدل العلماء بهذا الحديث على إباحة أكل الضب؛ لأن النبي ﷺ قد صرح بالمانع من أكله. قال ابن قدامة: "وأما الضب فإنه مباح في قول أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو سعيد وأصحاب رسول الله ﷺ ... وبهذا قال مالك والليث والشافعي وابن المنذر" (١). قال ابن عباس: "ترك رسول الله الضب تقذرًا وأُكل على مائدته، ولو كان حرامًا ما أُكل على مائدة رسول الله ﷺ " (٢). وقد ورد عن أبي الزبير ﵁ أنه قال: سألت جابرًا ﵁ عن الضب، فقال: لا تطعموه، وقَذِرَه، وقال: قال عمر ﵁: "إن النبي ﷺ لم يحرمه، إن الله ينفع به غير واحد، فإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته" (٣). وقد نقل النووي الإجماع على أن الضب مباح فقال: "وأجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه، إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام وما

стр. 231

أظنه يصح عن أحد، فإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله" (١). والذي دعى النووي إلى نقل الإجماع هو صراحة الحديث على الحل، ولكن الإجماع هذا مردود بخلاف أبي حنيفة وأصحابه، ولو قال: أجمع العلماء على أن دلالة هذا الحديث حل الضب لكان قولًا صحيحًا، فإن الذين ذهبوا إلى كراهته أو حرمته لم يعارضوا كون ذلك الحديث دالًا على الإباحة لما ذكره النبي من السبب، بل للأحاديث التي وردت تفيد عدم جواز أكله. فمن ذلك: - ما ورد من حديث عبد الرحمن بن شبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن أكل لحم الضب (٢). - ما ورد من حديث ثابت بن وديعة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جيش فأصبنا ضبابًا، قال فشويت منها ضبًا، فأتيت رسول الله ﷺ فوضعته بين يديه، فأخذ عودًا فعد به أصابعه، ثم قال: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي"، قال: فلم يأكل ولم ينه (٣).

стр. 232

- ما رواه أبو سعيد ﵁ أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: إني في غائط مضبة، وإنه عامة طعام أهلي، قال: فلم يجبه ثلاثًا، ثم ناداه رسول الله ﷺ في الثالثة فقال: "يا أعرابي: إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، ولا أدري لعل هذه منها فلم آكلها، ولم أنه عنها" (١). قال بعض الحنفية: اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم (٢). والرد عليهم: أن معرفة المتقدم ممكنة وليست متعذرة، وذلك لأن النبي ﷺ قال: "ولا أدري لعل هذه منها". وهذا يقتضي أنه لم يوحَ له في ذلك بشيء، ثم أوحي له أنه ليس منهم، والدليل على ذلك ما ورد من حديث ابن مسعود ﵁ أن رجلًا قال: "يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ الله؟ "، فقال النبي ﷺ : "إن الله لم يهلك أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلًا" (٣). قال ابن حجر: "والأحاديث وإن دلت على الحل فالجمع بينها وبين الحديث المذكور: حمل النهي فيه على أول الحال، ثم تجويز أن يكون مما مسخ،

стр. 233

وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فيه فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه" (١). ويتضح من أقوال العلماء - المبيحين والمانعين على السواء - أن حديث خالد دل على أمرين: الأول: أن النبي ﷺ أقر خالدًا على أكله. الثاني: أن ترك النبي ﷺ هنا مختص بما ذكره رسول الله ﷺ من العلة. المسألة السابعة: الترك لأجل مراجعة الصحابة له ﷺ -: ومثاله: ما ورد من حديث أنس ﵁ قال: أراد النبي ﷺ أن يقطع من البحرين، فقالت الأنصار: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، قال: "سترون بعدي أثره فاصبروا حتى تلقوني" (٢). ومن أمثلته أيضًا: مراجعة الحباب بن المنذر للنبي ﷺ في موضع بدر، لكنه ضعيف (٣).

стр. 234

المسألة الثامنة: الترك لأجل ألا يفرض العمل: وهو أن يترك النبي ﷺ عملًا من الطاعات يحبه خشية أن تؤدي مواظبته عليه إلى أن يفرض على الأمة وفي هذا مشقة عليها. فمن ذلك: تركه سبحة الضحى وهي صلاة الضحى، فقد ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله ﷺ سبحة الضحى قط وإني لأسبحها (١). وذلك مع ما ورد من الترغيب في فضلها، فقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد" (٢).

стр. 235

قال النووي: "قال العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث: إن النبي ﷺ كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن يفرض على الأمة فيعجزوا عنها، كما ثبت في هذا الحديث، وكان يفعلها في بعض الأوقات كما صرحت به عائشة، وكما ذكرته أم هانئ وأوصى بها أبا الدرداء وأبا هريرة" (١). ومن ذلك أيضًا: ترك صلاة القيام جماعة في رمضان، فقد ورد من حديث عائشة ﵁ أن النبي ﷺ خرج ذات ليلة في جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمعوا أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ ، فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها" (٢)، وفي رواية: "وكان ذلك في رمضان" (٣). وقد جاء الخوف من المشقة على الأمة أيضًا مصرحًا به فيما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الإيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو

стр. 236

أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل" (١). * ومن ذلك: أن يخبر النبي ﷺ أنه أراد أن يأمر ثم ترك خشية المشقة: ومثاله: ما ورد عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك، فقال حين خرج: "إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة"، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى (٢). وورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء" (٣). المسألة التاسعة: الترك لأجل مراعاة حال الآخرين: وذلك لأجل ألا يشق عليهم، ومن ذلك:

стр. 237

أ - ترك النبي ﷺ التزوج من نساء الأنصار: فقد ورد من حديث أنس ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله، ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ قال: "إن فيهم لغيرة شديدة" (١). ب - ترك النبي ﷺ التطويل في الصلاة إذا سمع الصبي يبكي: فقد ورد من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" (٢)، وفي رواية: من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه على بكائه " (٣). وأيضًا ما ورد من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ على حمزة ﵁ يوم أُحد فوقف عليه فرآه قد مُثل به فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشر يوم القيامة من بطونها" (٤).

стр. 238

المسألة العاشرة: الترك لأجل بيان التشريع: وهو أن يترك النبي ﷺ أمرًا مشروعًا ليُبيِّن مشروعية أمر غيره، أو يُبيِّن جوازه، أو يُبيِّن كونه أفضل أو لبيان حكم جديد. وفيما يلي ما يندرج تحته من أقسام وبيان أمثلة ذلك: أ - ترك المباح طلبًا للأولى والأفضل: وذلك بأن يكون كلا الفعلين المتر وك والمفعول جائزًا، ويعدل النبي ﷺ عن أقلهما اختيارًا للفضيلة، ولا شك أن مثل هذا المعنى لا يعرف إلا بالتوقيف، وهو ظاهر فيما أخبرنا النبي ﷺ أن حاله كذلك. فمن ذلك ما ورد من حديث أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ طاف على نسائه في ليلة وكان يغتسل عند كل واحدة منهن، فقيل له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا، فقال: "هو أزكى وأطيب وأطهر" (١). فالنبي ﷺ ترك فعلًا مباحًا، ووجه كون هذا المتروك مباحًا أمران: الأول: أن الصحابة علموا ذلك سابقًا، فلما فعل النبي ﷺ ذلك سألوه عن الحكمة في ذلك.

стр. 239

الثاني: أن أبا رافع لم يكن يعلم حكم ذلك فعلم كون ذلك مباحًا من هذا الحديث؛ إذ لم ينكر عليه النبي ﷺ استفساره ذلك بل أخبره بالحكمة فيما فعل. وبذا تكون دلالة هذا الحديث على أمرين: ١ - جواز الجماع أكثر من مرة بغسل واحد. ٢ - أن الاغتسال بعد كل جماع أفضل. وقد ينعكس هذا النوع وهو الحالة التي تليه. ب - ترك فعل الأفضل لبيان الجواز: فقد ورد عن سليمان بن بريدة ﵁ عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر ﵁: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: "عمدًا صنعته يا عمر" (١). ونقل ابن حجر عن الطحاوي قوله: "يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه ثم نسخ يوم الفتح، ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا، ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز". ثم قال: "وهذا أقرب" (٢). فالنبي ﷺ فعل المباح لكي لا يتوهم أحد بسبب مواظبته على الوضوء لكل صلاة أن ذلك واجب، ولا شك أن ما واظب عليه النبي ﷺ أفضل وأولى مما فعله مرة.

стр. 240

ج - ترك العمل بما يعلم لأجل ما سبق من التشريع: فقد ورد من حديث سهل بن سعد ﵁ أن عويمرًا أتى عاصم بن عدي ﵁ وكان سيد بني عَجلان فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك، فأتى عاصم النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، فكره رسول الله ﷺ المسائل، فسأله عويمر فقال: إن رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فجاء عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك"، فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، فلاعنها ثم قال: يا رسول الله، إن حبستها فقد ظلمتها فطلقها، فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين، ثم قال رسول الله ﷺ : "انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خَدَلج الساقين فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أُحَيمِر كأنه وَحَرَة فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها"، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﷺ من تصديق عويمر فكان بعد ينسب إلى أمه (١).

стр. 241

وقد ورد من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيِّنة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها" (١). ففي هذا الحديث النبي ﷺ أخبر خبرًا صادقًا - ولا شك - من تصديق عويمر أو تكذيبه فجاء النعت على تصديق عويمر، ومع ذلك لم يرجمها رسول الله ﷺ ، وترك العمل بما يعلم لأجل أن الشرع لم يبح له أن يعمل بعلمه في ذلك، بل سماه بغير بيِّنة، وفي هذا دليل على أن القاضي لا يجوز له إقامة الحدود بناء على علمه، الذي هو أوثق عنده من البينات والشهود، بل كان بلا بيِّنة. ولذا "فلا خلاف بين فقهاء المذاهب في أن القاضي لا يجوز له القضاء بعلمه في الحدود الخالصة لله تعالى كالزنى وشرب الخمر؛ لأن الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط الاكتفاء بعلم القاضي، ولأن الحدود لا تثبت

стр. 242

إلا بالإقرار أو البينة المنطوق بها، وأنه وإن وجد في علم القاضي معنى البينة فقد فاتت صورتها وهو النطق، وفوات الصورة يورث الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات" (١). والحديث دليل على عدم الجواز؛ إذ ترك النبي ﷺ رجمها مع قيام ما يقتضي ذلك، وهو علمه بكونها زانية؛ لأجل مانع وهو عدم الجواز، واستفيد عدم الجواز من تسمية ذلك الفعل أنه بغير بيِّنة فأهدر بيِّنة علمه. وأيضًا: ما ورد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك"، ثم قال: "ألعنك بلعنة الله ثلاثًا"، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة" (٢). وبمثل هذا وردت الرواية عن جابر بن عبد الله ﵁ (٣).

стр. 243

المسألة الحادية عشرة: الترك لأجل مانع يخبر به: ومثاله: ما ورد من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم" (١). وأيضًا: ما ورد عن جُدامة بنت وهب الأسدية ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم" (٢)، وفي رواية: ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي" (٣). والغِيَلة أو الغَيَل أو الغِيَال: هو مجامعة الرجل المرأة وهي مرضع، وقيل: هو أن ترضع المرأة وهي حامل (٤).

стр. 244

قال ابن السكيت: "وذلك لما يحصل على الرضيع من العذر بالحبل حال إرضاعه فكان ذلك سبب همه ﷺ بالنهي، ولكنه لما رأى أن الغِيَلة لا تضر فارس والروم ترك النهي عنهما" (١). قال الصنعاني: "وقيل: هي أن ترضع المرأة وهي حامل، والأطباء يقولون: إن ذلك داء، والعرب تكرهه وتتقيه، ولكن النبي ﷺ رد ذلك عليهم، وبيَّن عدم الضرر الذي زعمه العرب والأطباء بأن فارسًا والروم تفعل ذلك ولا ضرر يحدث مع الأولاد" (٢). * * *

стр. 245

المبحث الثاني: بيان الترك المطلق المطلب الأول: تعريف الترك المطلق: الإطلاق في اللغة: ضد التقييد، "والمطلق اسم مفعول من الإطلاق ومن معانيه: الإرسال والتخلية وعدم التقييد" (١). وعند الأصوليين: هو: "ما دل على الماهية من غير أن يكون له دلالة على شيء من قيودها" (٢). فالترك المطلق هو ما تركه النبي ﷺ فنقل الصحابي ذلك، دون نقل ما يصلح أن يكون سببًا من جهة السمع. وليس معنى ذلك أن ذلك الفعل لا سبيل إلى معرفة سببه؛ إذ إن معنى الكف أن يكون هناك ما يعتقد كونه داعيًا للفعل فيترك النبي ﷺ ، بل قد يعرف السبب من جهة الاستنباط، وفيما يلي أمثلة لأحاديث ذكر الصحابة فيها امتناع النبي ﷺ عن فعل معين، وبيان ما استنبطه الفقهاء من أحكام فقهية مأخوذة من تلك الأحاديث. * طرق استنباط سبب الترك المطلق: يعرف سبب الترك المطلق من خلال طرق استنباط العلة، وفيما يلي بيان تلك الطرق على سبيل الإجمال:

стр. 246

* فعل النبي ﷺ لأمر عقب وقوع شيء يفهم منه أنه كان لأجله . قال الزركشي: "وهذا مما أهمله أكثر الأصوليين، وقد ذكره القاضي في التقريب" (١)، وقياسه في الترك أن يترك النبي ﷺ ما يتوقع فعله عقب أمر فيعلم أنه إنما كان لأجله. * المناسبة: وهي "وصف ظاهر منضبط، يحصل عقلًا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء من حصول مصلحة دينية أو دنيوية، أو دفع مفسدة" (٢). * السبر والتقسيم: للصفات لمعرفة ما يصلح منها للعلية. * الدوران: وهو وجود الحكم عند وجود وصف وارتفاعه عند ارتفاعه في صورة واحدة (٣). وفيما يلي ذكر لبعض أمثلة الترك المطلق، والتطبيقات الفقهية المتعلقة بتلك الأحاديث. المطلب الثاني: أمثلة الترك المطلق: من أمثلة الترك المطلق ما يلي: * ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁ عن جابر بن عبد الله ﵁:

стр. 247

أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء"، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (١). * ترك الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة: عن أنس ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٢) أي في الفاتحة. * ترك مبايعة المجذوم: عن عمرو بن الشريد ﵁ عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع" (٣) (٤). * ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة

стр. 248

يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة (١). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة (٢). * ترك التنفل قبل صلاة العيد: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وتلقي سخابها (٣). * ترك تخميس السلب: عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد ﵁ أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب (٤).

стр. 249

* ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب (١): عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحَرة الوبَرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له: "تؤمن بالله ورسوله؟ "، قال: لا، قال رسول الله ﷺ : "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : "فانطلق" (٢).

стр. 250

ولبيان ما فهمه الفقهاء من ترك النبي ﷺ في الأحاديث السابقة، لابد من دراستها دراسة فقهية مقارنة، وذلك للاطلاع على دلالة هذا الترك من خلال التطبيق الفقهي، ولذا سوف أخص بعض الأمثلة السابقة بالدراسة الفقهية، والمسائل التي ستُتناول بالدراسة الفقهية هي ما يلي: أولًا: ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه. ثانيًا: ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب. ثالثًا: ترك الجهر بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" في الصلاة. رابعًا: ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد. خامسًا: ترك التنفل قبل صلاة العيد وبعدها. المسألة الأولى: ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه: ورد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁ عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء"، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (١). في هذا الحديث بيان أن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أُحد ولم يغسلهم،
следующие страницы →