← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

* فعل النبي ﷺ لأمر عقب وقوع شيء يفهم منه أنه كان لأجله . قال الزركشي: "وهذا مما أهمله أكثر الأصوليين، وقد ذكره القاضي في التقريب" (١)، وقياسه في الترك أن يترك النبي ﷺ ما يتوقع فعله عقب أمر فيعلم أنه إنما كان لأجله. * المناسبة: وهي "وصف ظاهر منضبط، يحصل عقلًا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء من حصول مصلحة دينية أو دنيوية، أو دفع مفسدة" (٢). * السبر والتقسيم: للصفات لمعرفة ما يصلح منها للعلية. * الدوران: وهو وجود الحكم عند وجود وصف وارتفاعه عند ارتفاعه في صورة واحدة (٣). وفيما يلي ذكر لبعض أمثلة الترك المطلق، والتطبيقات الفقهية المتعلقة بتلك الأحاديث. المطلب الثاني: أمثلة الترك المطلق: من أمثلة الترك المطلق ما يلي: * ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁ عن جابر بن عبد الله ﵁:

стр. 247

أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء"، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (١). * ترك الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة: عن أنس ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٢) أي في الفاتحة. * ترك مبايعة المجذوم: عن عمرو بن الشريد ﵁ عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع" (٣) (٤). * ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة

стр. 248

يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة (١). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة (٢). * ترك التنفل قبل صلاة العيد: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وتلقي سخابها (٣). * ترك تخميس السلب: عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد ﵁ أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب (٤).

стр. 249

* ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب (١): عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحَرة الوبَرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له: "تؤمن بالله ورسوله؟ "، قال: لا، قال رسول الله ﷺ : "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : "فانطلق" (٢).

стр. 250

ولبيان ما فهمه الفقهاء من ترك النبي ﷺ في الأحاديث السابقة، لابد من دراستها دراسة فقهية مقارنة، وذلك للاطلاع على دلالة هذا الترك من خلال التطبيق الفقهي، ولذا سوف أخص بعض الأمثلة السابقة بالدراسة الفقهية، والمسائل التي ستُتناول بالدراسة الفقهية هي ما يلي: أولًا: ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه. ثانيًا: ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب. ثالثًا: ترك الجهر بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" في الصلاة. رابعًا: ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد. خامسًا: ترك التنفل قبل صلاة العيد وبعدها. المسألة الأولى: ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه: ورد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁ عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء"، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (١). في هذا الحديث بيان أن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أُحد ولم يغسلهم،

стр. 251

ولأن الأصل في المسلم أنه يغسل ويصلى عليه، فقد اختلف العلماء في ذلك وخلافهم في فرعين: الفرع الأول: هل يصلى على الشهيد ؟ الفرع الثاني: هل يغسل الشهيد؟ الفرع الأول: هل يصلى على الشهيد (١)؟ اختلف في الصلاة على الشهيد على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن شهيد المعركة لا يصلى عليه: وهو قول مالك (٢) والليث (٣) والشافعي (٤) وداود وإسحاق ورواية

стр. 252

أحمد وقال ابن قدامة: هو الصحيح في المذهب، وهو قول القاضي من الحنابلة وأصحابهم، واختيار ابن قدامة (١)، والصنعاني (٢). * الأدلة: ١ - ما ورد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁ عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء"، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (٣). ٢ - ما ورد عن أنس ﵁ أن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم (٤).

стр. 253

٣ - ما ورد أن النبي ﷺ دفن جليبيب ﵁ ولم يصلِّ عليه (١). القول الثاني: أن شهيد المعركة يصلى عليه: وهو قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب (٢) وفقهاء البصرة والكوفة والشام وسفيان الثوري (٣) (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥) وهو رواية عن أحمد

стр. 254

اختارها الخلال (١) وأبو الخطاب الكلوذاني (٢)، والمزني (٣) من الشافعية (٤). * الأدلة: * الأحاديث التي فيها الصلاة على الشهداء، ومنها: ١ - ما ورد عن شداد بن الهاد: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزوة، غنم النبي ﷺ سبيًا فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا:

стр. 255

قسم قسمه لك النبي ﷺ ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟، قال: "قسمته لك"، قال: "ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، فأموت، فأدخل الجنة" فقال: "إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي ﷺ يُحْمَل، قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ : "أهو هو؟ "، قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقه" ثم كفنه النبي ﷺ في [جبة النبي ﷺ ] (١) ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك" (٢). ٢ - ما ورد من حديث عبد الله بن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ أمر بحمزة ﵁ فسجي ببردة ثم صلى عليه، فكبر تسع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يصفون ويصلي عليهم وعليه معهم (٣). ٣ - ما ورد من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ مرَّ بحمزة ﵁ وقد مُثِّل به، ولم يصلِّ على أحد من الشهداء غيره (٤).

стр. 256

٤ - ما ورد من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ صلى على شهداء أُحد - بعد ثمان سنين - صلاته على الميت (١). ٥ - ما ورد من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على حمزة ﵁ سبعين صلاة (٢). ٦ - ما ورد من حديث أبي مالك الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قتلى أُحد عشرًا عشرًا حتى صلى على حمزة سبعين صلاة (٣). قالوا: هذه الأحاديث تقدم في الدلالة على حديث جابر الذي عند البخاري؛ لأن جابرًا مات أبوه وخاله وشُغِلَ بهما فلم يشعر هل صلى

стр. 257

النبي ﷺ على الشهداء أم لا (١). * ما أجيب به عليهم: أولًا: ضعف هذه الأحاديث: فحديث ابن عباس ﵁ ضعفه ابن القيم بثلاث علل (٢)، والشوكاني (٣)، وحديث أبي مالك الغفاري ﵁ ضعفه الشافعي (٤) بل قال: "جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصلِّ على قتلى أُحد، وما روي أنه ﷺ صلى عليهم وكبَّر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث - حديث أبي مالك وابن عباس - أن يستحي على نفسه". أما حديث أنس ﵁ فقد أعله البخاري والترمذي والدارقطني (٥)، وإن قلنا بصحته فهو دليل على أن الصلاة كانت على حمزة ﵁ فقط، وليس على كل شهداء أُحد.

стр. 258

قال النووي: "وأما الأحاديث التي احتج بها القائلون في الصلاة فاتفق أهل الحديث على ضعفها كلها إلا حديث عقبة بن عامر ﵁ " (١) اهـ. ثانيًا: تضعيفهم لدلالة حديث جابر ﵁ فيه نظر: إذ كون أبيه وخاله من الشهداء يجعله أعلم الناس بهذه الواقعة؛ لأن النبي ﷺ لو صلَّى على جميع الشهداء لصلى على أبي جابر وخاله (٢). فإن قيل: إن رواية جابر ﵁ نفي وشهادة النفي مردودة مع ما عارضها من رواية الإثبات. فيقال: إن رواية النفي تُرد إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة، أما ما أحاط به علم الشاهد وكان محصورًا فيقبل بالاتفاق (٣). القول الثالث: التخيير بين الصلاة وعدمها: وهو رواية عن أحمد (٤)، وقول إمام الحرمين (٥).

стр. 259

والبغوي (١) وابن حزم (٢)، وابن القيم (٣). وذلك جمعًا بين حديث جابر ﵁ وحديث شداد بن الهاد ﵁. * دلالة حديث عقبة بن عامر ﵁ -: حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قتلى أُحد بعد ثمان سنين وقع الاختلاف في الاستدلال به على جواز الصلاة على الشهيد: - فقال من استدل به أن النبي ﷺ صلى صلاة كالتي يصلي على الميت كما ورد في نص الحديث، وقالوا: هذا يجوّز الصلاة على الشهيد وإن طالت المدة لكنها لا تسقط. - والبعض قال بأنه ناسخ لحديث جابر ﵁. - وأما من لم يستدل به فذهب إلى خصوصية قتلى أُحد بذلك، أو أن الصلاة هنا ليست صلاة الجنازة وإنما هي الدعاء، وأنه ﷺ دعا مثل الدعاء الذي يدعوه للميت، وهو قول النووي (٤)، وأجابوا عن قول الحنفية بأنه

стр. 260

يلزم من قولهم التناقض إذ إنهم لا يجوزون صلاة الجنازة على القبر إن طالت المدة (١). * الترجيح: الذي يظهر لي أن الأصل هو عدم الصلاة على الشهيد، لكن لو صُلي عليه لفضله أو مكانته أو غير ذلك من الأسباب التي تقتضي تخصيصه جاز ذلك. وذلك لما ورد في حديث جابر ﵁ من ترك الصلاة على شهداء أُحد، وما ورد من أنه ﷺ صلى على الأعرابي كما في حديث شداد بن الهاد ﵁. إذ إن دعوى الخصوصية تحتاج لدليل، وكذلك "الصلاة" تحمل على المعنى الشرعي المعروف منها إلا أن يرد الدليل بخلاف ذلك (٢). والجمع أولى من الترجيح، والجمع بين حديث جابر ﵁ وحديث عقبة بن عامر ﵁ يقضي بأن حديث جابر ﵁ يدل على أن الأصل في الشهيد عدم الصلاة عليه؛ لأن الأصل الصلاة على كل ميت، فترك النبي ﷺ للصلاة على الشهيد يقضي بألا يصلى عليه، وهو ما قال به القائلون بالتحريم، لولا حديث عقبة ﵁ الذي يدل على جواز الصلاة عليه، فكأنه كالقرينة التي صرفت حديث جابر ﵁ عن المنع، ولم يقل أحد ممن قال بالجواز

стр. 261

أو التخيير إن حديث جابر ﵁ لا دلالة فيه على المنع، وبهذا تجتمع الأدلة كلها، والله أعلم. الفرع الثاني: هل يغسل الشهيد ؟ اختلف العلماء في تغسيل شهيد المعركة على قولين: القول الأول: أن الشهيد لا يغسل: وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وعطاء والنخعي وسليمان بن موسى (١) ويحيى الأنصاري (٢) والحاكم وابن المنذر وجماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث وابن علية (٣) (٤).

стр. 262

* الأدلة: الأحاديث التي ورد فيها أن النبي ﷺ لم يغسل الشهداء ومنها: ١ - حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال في شهداء أُحد: "ادفنوهم في دمائهم" ولم يغسلهم (١)، وفي رواية أن النبي ﷺ قال: " أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك" (٢). ٢ - حديث جليبيب ﵁ أن النبي ﷺ دفنه ولم يغسله (٣). ٣ - حديث أنس ﵁ أن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم (٤). ٤ - حديث حمزة ﵁: " ... إن صاحبكم تغسله الملائكة" (٥).

стр. 263

القول الثاني: أن الشهيد يغسل: وهو قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن سريج (١) من الشافعية الشافعية وعبيد الله بن الحسن العنبري (٢) (٣). * قالوا: ترك النبي ﷺ تغسيل الشهداء يوم أُحد لأنهم كانوا كثرة وشُغِل النبي ﷺ عن ذلك. وأجيب عن ذلك: أنه لو كان المانع من الغسل كثرتهم لغسل كل شهيد أهله، أو لعُدِل عن الغسل إلى التيمم، ولترك دفنهم؛ إذ مشقة حفر القبور أكثر من مشقة تغسيلهم، ويؤيد ذلك أنه لم يرد أن النبي ﷺ غسل شهداء بدر أو الخندق ولم تكن هذه ضرورة حينئذٍ.

стр. 264

* قالوا: ترك تغسيل شهداء أُحد خصوص، فلا يقاس عليه، وهو قول بعض المتأخرين كما قال ابن عبد البر (١). وأجيب عن ذلك: أن هذا يلزم منه خصوصية المحرم الذي وقصته ناقته، وقد أشار إلى شذوذ هذا القول ابن عبد البر (٢). * الترجيح: الراجح أن الشهيد لا يغسل، وهو قول كافة العلماء (٣)، بل ذكر ابن قدامة أن هذا إجماع لم يخالف فيه إلا الحسن وسعيد (٤)، وكذلك الرافعي قال: "الغسل إن أدى إلى إزالة الدم حرام بلا خلاف، وإن لم يؤدِ إلى إزالة الدم فحرام في المذهب" (٥) اهـ. والدليل على المنع من الغسل هو ترك النبي ﷺ لذلك: قال ابن قدامة: "والاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه في ترك غسلهم أولى" (٦) اهـ.

стр. 265

قال ابن عبد البر: "والقول بترك غسلهم أولى، لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في قتلى أُحد، وغيرهم" (١)، وقال أيضًا: "وليس لهذه المسألة مدخل في في القياس والنظر، وإنما هي مسألة اتباع للأثر الذي نقلته الكافة في قتلى أُحد أنهم لم يغسلوا" (٢). قال ابن القيم: "وقد ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسلون ويصلى عليهم، وهذا ترده السنة المعروفة في ترك غسلهم" (٣). وبغض النظر عن القول الراجح فمن خلال النظر في أقوال العلماء سالفة الذكر يظهر اتفاق الكل على أن عدم تغسيل الشهداء دليل على المنع لولا ما ورد مما يعارضه. المسألة الثانية: ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب (٤): ورد عن عائشة ﵁ زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له: " تؤمن بالله ورسوله؟ "، قال: لا،

стр. 266

قال رسول الله ﷺ : "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : "فانطلق" (١). هذا الحديث استدل به من ذهب إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين في القتال، وللفقهاء في ذلك مذهبان: الأول: عدم الجواز إلا عند الضرورة: وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، وهو مذهب مذهب المالكية (٤) إلا إذا كانوا خدامًا. واستدلوا على ذلك بـ: ١ - الحديث المذكور: حيث قال ﷺ : "ارجع فلن أستعين بمشرك" (٥)

стр. 267

٢ - ما ورد عن عبد الرحمن بن خبيب ﵁ أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا: إنا لنستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: "فاسلمتما؟ "، قلنا: لا، قال: "فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين"، قال: فاسلمنا وشهدنا معه (١). ٣ - أنه غير مأمون على المسلمين فأشبه المخذِّل والمرجف. القول الثاني: يجوز عند الحاجة بشرط أن يكون مأمونًا حسن الرأي في المسلمين: وهو مذهب الشافعي (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وهو مذهب الحنفية بشرط أن يكونوا تحت قهرنا وحكمنا وألا يكون لهم شوكة (٤)، واختاره ابن القيم (٥). واستدلوا على جوازه عند الحاجة بأن النبي ﷺ استعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك (٦)، وبأن النبي ﷺ استعان بيهود بني

стр. 268

قينقاع لما كان فيهم قلة (١). وعلى ذلك فالخلاف في جواز الاستعانة بالكفار هل يكون عند الضرورة أم عند الحاجة بشرط أن لا يكون لهم شوكة ومنعة، ولا يكونوا ذوي ضرر على المسلمين، وأن يكونوا تحت قهر وحكم المسلمين. والأمر في ذلك قريب فإن الأنظار تختلف في مقدار الحاجة من الضرورة. ويتضح من خلال عرض ذلك الخلاف أن الفقهاء لم يختلفوا في دلالة حديث إرجاع المشرك على المنع من الاستعانة بالمشركين، وإنما عارضه القائلون بالجواز بحديث استعانة النبي ﷺ بصفوان بن أمية. قال الكرابيسي (٢): "والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في

стр. 269

الخبر المعروف: "إنما لا نستعين بالكفار" لما رأى كتيبة حسناء، وروي أنه استعان بيهود بني قينقاع لما كان فيهم قلة" (١). المسألة الثالثة: ترك الجهر بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" في الصلاة: ورد من حديث أنس ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٢). قال الترمذي: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وغيرهم ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق" (٣). وقد اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: لا يسن الجهر بالبسملة. القول الثاني: يسن الجهر بالبسملة. القول الثالث: لا يقرأ البسملة لا سرًا ولا جهرًا. القول الرابع: يقرأها ولكن يسر بها أحيانًا ويجهر أحيانًا.

стр. 270

القول الأول: لا يسن الجهر بالبسملة: وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن الزبير وعمار ﵁ وبه يقول الحكم، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك (١) وأصحاب الرأي وأحمد (٢). * الأدلة: ١ - ما ورد عن أنس ﵁ أنه قال: "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" (٣). *وقد اُعترض عليه بأنه مضطرب كما قال ابن عبد البر في الاستذكار (٤)، لزيادة في مسلم: "لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة ولا في

стр. 271

آخرها"، وهذا مردود برواية ابن خزيمة: "كانوا يسرون" (١)، وكذلك هذه الرواية عند أحمد: "لا يجهرون" (٢). * واعترض عليه أيضًا بأن المقصود بـ "الحمد لله رب العالمين" أنه اسم لسورة الفاتحة وليس المقصود آية "الحمد لله رب العالمين"، وهذا مردود أيضًا برواية ابن خزيمة: "يسرون" فإنها ظاهرة في أن هذا المعنى غير مراد. ٢ - حديث ابن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فقال لي: "أي بني محدث، إياك والحدث"، قال: "ولم أر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام": يعني منه، قال: "وقد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: "الحمد لله رب العالمين" (٣). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ... " الحديث، قالوا: فلم يذكر فيه البسملة (٤).

стр. 272

٤ - حديث عائشة ﵁ قالت: "كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين" (١). القول الثاني: يسن الجهر بها: وهو قول أبي هريرة وابن عمر وابن عباس ﵁، ومروي عن عطاء وطاووس (٢) ومجاهد (٣) وسعيد بن جبير (٤)، وهو مذهب الشافعي، وهناك بعض الصحابة اختلفت عنهم الرواية بالقول بالإسرار والجهر مثل أبي بكر وعمر ﵄ (٥).

стр. 273

* الأدلة: ١ - ما ورد عن أنس ﵁ أنه صلى وجهر بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وقال: "أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ " (١). ٢ - ما ورد عن نعيم المُجَمِّر أنه قال: صليت وراء أبي هريرة ﵁ فقرأ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ثم قرأ بأم القرآن ... ثم يقول إذا سلم: "والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ " (٢). ٣ - ما ورد عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٣). واعترض على هذا القول بأن: حديث أبي هريرة ﵁ لا يدل على الجهر؛ إذ الإسماع لا يشترط منه الجهر فكان النبي ﷺ يسمعهم الآية في الظهر والعصر كما في حديث أبي قتادة (٤)، وبأن أخبار الجهر المرفوعة إلى

стр. 274

النبي ﷺ ضعيفة كما قال الدارقطني (١). القول الثالث: لا يقرأ بها سرًا ولا جهرًا: وهو قول مالك (٢). الأدلة: استدل مالك بالأحاديث التي فيها عدم ذكر البسملة، والبدء بـ " الحمد لله رب العالمين". واعترض عليه: بأن الأحاديث التي فيها البدء بـ "الحمد لله رب العالمين" لا تدل على عدم قراءة البسملة مطلقًا وإنما تدل على الإسرار بها (٣). القول الرابع: الجهر أحيانًا والإسرار أحيانًا: وهو ما رجحه ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥)، والصنعاني (٦)، والشوكاني (٧). قال ابن القيم: "ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى

стр. 275

جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح" (١). وهذا القول هو الراجح، لأنه يجمع بين الأدلة المتعارضة. والمقصود من هذا البحث بيان أن دلالة ترك النبي ﷺ للبسملة على استحباب الإسرار محل اتفاق (٢)، وإنما الخلاف بسبب تعارض الأدلة في الظاهر. المسألة الرابعة: ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد: روى الشيخان (٣) عن عطاء أن ابن عباس ﵄ أرسل إلى ابن الزبير ﵄ في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخطبة بعد الصلاة، وفي رواية (٤) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة

стр. 276

يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة (١). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة (٢). ولهذا فقد أجمع العلماء على أن صلاة العيد لا أذان لها ولا إقامة "أي لا يجوز"، وفعل ذلك بدعة. قال ابن قدامة: "لا نعلم في هذا خلافًا ممن يعتد بخلافه .. وقيل: أول من أذن في العيد ابن زياد وفي هذا دليل على انعقاد الإجماع قبله على أنه لا يسن لها أذان ولا إقامة، وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي" (٣). قال ابن قدامة - بعد ذكره لأحاديث ترك النبي ﷺ : "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" (٤). قال الصنعاني: "وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد فإنهما بدعة" (٥). قال النووي: "هذا دليل على أنه لا أذان ولا إقامة للعيد وهو إجماع

стр. 277

العلماء اليوم وهو المعروف من فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين" (١). ويلاحظ هنا أن العلماء اتفقوا على المنع من الأذان والإقامة لصلاة العيد، ولا دليل لهم سوى ترك النبي ﷺ لهما، واتفقت كلمتهم لعدم ورود ما يعارض ذلك. ومثل صلاة العيد صلاة الاستسقاء فقد ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يسن لها أذان ولا إقامة، قال ابن قدامة: "ولا نعلم فيه خلافًا" (٢)، وقال ابن حجر: "قال ابن بطال: أجمعوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء" (٣). المسألة الخامسة: ترك التنفل قبل صلاة العيد وبعدها: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خُرْصها (٤) وتلقي سِخَابها (٥) (٦).

стр. 278

هذا الحديث يتناول فرعين ذكرهما الفقهاء: الأول: هل لصلاة العيد سنة راتبة. والثاني: هل يجوز التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها. الفرع الأول: هل لصلاة العيد سنة راتبة ؟ نقل النووي الإجماع على أنه ليس لصلاة العيد سنة راتبة، فقد قال: "لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أن أحدًا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها" (١). ودليل هذا الإجماع الحديث المذكور وفيه "لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما". قال الصنعاني: "في قوله: "لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما "دليل على عدم شرعية النافلة قبلها وبعدها لأنه إذا لم يفعل ذلك، ولا أمر به ﷺ فليس بمشروع في حقه، فلا يكون مشروعًا في حقنا" (٢). الفرع الثاني: هل يجوز التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها ؟ اختلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: يكره التنفل قبلها أو بعدها.

стр. 279

القول الثاني: لا يكره التنفل قبلها أو بعدها. القول الثالث: لا يتنفل قبلها، أما بعدها فيتنفل. القول الرابع: إن كان في المسجد تنفل قبلها، وإن كان في المصلى فلا يتنفل. وفيما يلي بيان الأقوال بأدلتها: القول الأول: لا يتنفل قبلها ولا بعدها: وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وابن عمر وجابر وكعب بن عجرة (١) والزهري (٢)

стр. 280

ومطر الوراق (١) وشريح (٢) والشعبي (٣) والضحاك (٤) والقاسم (٥) ومعمر (٦)

стр. 281

وابن جريج (١) ومسروق (٢) وأحمد بن حنبل (٣)، وقال به الشافعي في الإمام دون المأموم (٤). * الأدلة: ١ - ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما (٥). ٢ - ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه خرج في يوم عيد، فلم يصل قبلهما لا بعدهما، وذكر أن النبي ﷺ فعله (٦).

стр. 282

٣ - ما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف ويقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم" (١). قال الصنعاني: "فيه الدلالة على تركه ﷺ لذلك" (٢). أما الشافعي فقد استدل على تخصيصه بالإمام دون المأموم بأن الإمام مشغول بصلاة العيد، فهو يأتي وقت صلاة العيد فيبدأ بالصلاة. واعترض على قول الشافعي بأن الذين رووا الحديث من الصحابة مثل ابن عباس وابن عمر ﵁ لم يصلوا، ونقل ابن قدامة عن الأثرم أنه قال: قلت لأحمد: قال سليمان بن حرب: إنما ترك النبي ﷺ التطوع؛ لأنه كان إمامًا، قال أحمد: فالذين رووا هذا عن النبي ﷺ لم يتطوعوا، ثم قال: "ابن عمر وابن عباس: هما راوياه وأخذا به" (٣)، وبأن الكراهة لو كانت للإمام كي لا يشتغل عن الصلاة لاختصت بما قبل الصلاة؛ إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به (٤). القول الثاني: يتنفل قبلها وبعدها:

стр. 283

وهو قول أنس بن مالك وأبي هريرة ورافع بن خديج ﵃ وسهل بن سعد وأبي بردة والحسن البصري وأخوه سعد بن أبي الحسن وجابر وعروة بن الزبير، وهو قول الشافعي في المأموم دون الإمام (١)، ورجحه ابن حزم (٢). ودليلهم: أنه وقت لم ينه عن الصلاة فيه. القول الثالث: يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها: وهو قول علقمة (٣) والأسود (٤) ومجاهد وابن أبي ليلى (٥) والنخعي

стр. 284

والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة (١)، قال النووي: "وحكاه البخاري عن ابن عباس" (٢). واستدلوا بـ: ما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين (٣). وأُجيب بأن محل البحث الصلاة في المصلى بعد العيد، ولذلك قال الصنعاني: "ويجمع بينهما [أي بين حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد] بأن المراد لا صلاة في الجبّانة" (٤). واستدل الحنفية بما ورد عن علي ﵁ مرفوعًا: "من صلى بعد العيد أربع ركعات كتب الله له بكل نبت نبتًا، وبكل ورقة حسنة" (٥). القول الرابع: إذا كانت الصلاة في المصلى لم يتنفل قبلها ولا بعدها، وإن كانت في المسجد تنفل قبلها:

стр. 285

وهو مشهور مذهب مالك (١). لما ورد من حديث أبي قتادة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٢). * الترجيح: الذي يظهر لي أن المسألة فيها تفصيل: فإذا كانت الصلاة في المصلى فلا يجوز أن يتنفل، لأن الوقت وقت كراهة أو تحريم، وليس للمصلى حكم المسجد من صلاة ركعتين تحية المسجد عند دخوله، فهي صلاة ليس لها سبب، حتى تجوز في وقت الكراهة، مع ترك النبي ﷺ لها في المصلى، ولا معارض. وإذا كانت الصلاة في المسجد، جازت الصلاة في وقت الكراهة باعتبارها تحية المسجد، فهي حينئذ صلاة لها سبب، فتجوز لأجل ذلك. وبذا يكون القول الرابع هو القول الراجح إن شاء الله تعالى. * * *
следующие страницы →