← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وابن جريج (١) ومسروق (٢) وأحمد بن حنبل (٣)، وقال به الشافعي في الإمام دون المأموم (٤). * الأدلة: ١ - ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما (٥). ٢ - ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه خرج في يوم عيد، فلم يصل قبلهما لا بعدهما، وذكر أن النبي ﷺ فعله (٦).

стр. 282

٣ - ما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف ويقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم" (١). قال الصنعاني: "فيه الدلالة على تركه ﷺ لذلك" (٢). أما الشافعي فقد استدل على تخصيصه بالإمام دون المأموم بأن الإمام مشغول بصلاة العيد، فهو يأتي وقت صلاة العيد فيبدأ بالصلاة. واعترض على قول الشافعي بأن الذين رووا الحديث من الصحابة مثل ابن عباس وابن عمر ﵁ لم يصلوا، ونقل ابن قدامة عن الأثرم أنه قال: قلت لأحمد: قال سليمان بن حرب: إنما ترك النبي ﷺ التطوع؛ لأنه كان إمامًا، قال أحمد: فالذين رووا هذا عن النبي ﷺ لم يتطوعوا، ثم قال: "ابن عمر وابن عباس: هما راوياه وأخذا به" (٣)، وبأن الكراهة لو كانت للإمام كي لا يشتغل عن الصلاة لاختصت بما قبل الصلاة؛ إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به (٤). القول الثاني: يتنفل قبلها وبعدها:

стр. 283

وهو قول أنس بن مالك وأبي هريرة ورافع بن خديج ﵃ وسهل بن سعد وأبي بردة والحسن البصري وأخوه سعد بن أبي الحسن وجابر وعروة بن الزبير، وهو قول الشافعي في المأموم دون الإمام (١)، ورجحه ابن حزم (٢). ودليلهم: أنه وقت لم ينه عن الصلاة فيه. القول الثالث: يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها: وهو قول علقمة (٣) والأسود (٤) ومجاهد وابن أبي ليلى (٥) والنخعي

стр. 284

والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة (١)، قال النووي: "وحكاه البخاري عن ابن عباس" (٢). واستدلوا بـ: ما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين (٣). وأُجيب بأن محل البحث الصلاة في المصلى بعد العيد، ولذلك قال الصنعاني: "ويجمع بينهما [أي بين حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد] بأن المراد لا صلاة في الجبّانة" (٤). واستدل الحنفية بما ورد عن علي ﵁ مرفوعًا: "من صلى بعد العيد أربع ركعات كتب الله له بكل نبت نبتًا، وبكل ورقة حسنة" (٥). القول الرابع: إذا كانت الصلاة في المصلى لم يتنفل قبلها ولا بعدها، وإن كانت في المسجد تنفل قبلها:

стр. 285

وهو مشهور مذهب مالك (١). لما ورد من حديث أبي قتادة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٢). * الترجيح: الذي يظهر لي أن المسألة فيها تفصيل: فإذا كانت الصلاة في المصلى فلا يجوز أن يتنفل، لأن الوقت وقت كراهة أو تحريم، وليس للمصلى حكم المسجد من صلاة ركعتين تحية المسجد عند دخوله، فهي صلاة ليس لها سبب، حتى تجوز في وقت الكراهة، مع ترك النبي ﷺ لها في المصلى، ولا معارض. وإذا كانت الصلاة في المسجد، جازت الصلاة في وقت الكراهة باعتبارها تحية المسجد، فهي حينئذ صلاة لها سبب، فتجوز لأجل ذلك. وبذا يكون القول الرابع هو القول الراجح إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 286

الفصل الثاني دلالة الترك الوجودي وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: التمهيد في تعريف الدلالة. المبحث الأول: دلالة الترك. المبحث الثاني: مراتب الترك. المبحث الثالث: تعارض الترك مع غيره.

стр. 287

توطئة سبق في الفصل الأول بيان لقسمي الترك الوجودي بالأمثلة، وفي هذا الفصل تفصيل القول عن دلالة كل نوع، وقد اقتضى هذا أن يتقدم تمهيد للكلام عن الدلالة وما هو المراد بها في هذا البحث، ثم بعد ذلك الكلام عن دلالة كل نوع من أنواع الترك الوجودي على حدة، فكان المبحث الأول للكلام عن دلالة الترك في مطلبين مطلب لكل نوع، ثم المبحث الثاني لبيان مراتب الترك الوجودي، ثم المبحث الثالث لبحث تعارض الترك مع غيره، وذلك من خلال مطلبين أحدهما لتعارض الترك مع القول والآخر لتعارض الترك مع الفعل.

стр. 288

التمهيد في تعريف الدلالة المطلب الأول: الدلالة في اللغة: دلالة مصدر من دَل، يَدُل (١)، وهي تضبط بفتح الدال وكسرها والفتح أفصح وكلاهما بمعنى واحد فيما نقله المرتضى الزبيدي (٢) عن الصاغاني، وكذلك صرح بذلك الجوهري (٣)، ونقله في (تهذيب اللغة) عن الفراء (٤)، وذكره ابن منظور في (لسان العرب) (٥). أما ابن دريد في (جمهرة اللغة) (٦)، فقد خص الفتح بحرفة الدلال والكسر بالدليل البين، ونقله عنه أيضًا المرتضى الزبيدي (٧). والدلالة مصدر من دَلَّ، يَدُل: إذ هدى، ودَلَّ، يَدِلُ: إذا من بعطائه. فالدلالة المرادة هنا مصدر دَل: يدُل بضم الدال والاسم دليل، وهذا المصدر يحمل معنى الإرشاد والتسديد والتوجيه.

стр. 289

قال الزبيدي: "دَلَّه عليه يَدُله دلالة فاندل على الطريق: سدده إليه ... ، والمراد بالتسديد: إراءة الطريق" (١)، ونقل عن التهذيب: "دللت بهذا الطريق دَلالة: عرفته". وفي (القاموس المحيط): "دله عليه دلالة: سدده إليه" (٢). وفي (لسان العرب): "الدليل والدليلي: الذي يدلك والجمع أدلة وأدلاء والاسم: الدَّلالة والدِّلالة بالكسر والفتح" (٣). وقال الجوهري: "دله على الطريق: يدله دَلالة ودِلالة ودَلُولة" (٤). المطلب الثاني: الدلالة في الاصطلاح: الدلالة في الاصطلاح تحمل المعنى اللغوي. قال الفيومي (٥): "الدلالة بفتح اللام وكسرها: ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه" (٦). قال الجرجاني: "الدلالة: هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به

стр. 290

العلم بشيء آخر والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول ... " (١). ثم قال: "وكيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص وإشارة النص ودلالة النص واقتضاء النص .. ووجه ضبطه أن الحكم المستفاد من النظم إما أن يكون ثابتًا بنفس النظم أو لا. والأول: إن كان النظم مسوقًا له فهو العبارة وإلا فالإشارة. والثاني: إن كان الحكم مفهومًا من اللفظ لغة فهو الدلالة، أو شرعًا فهو الاقتضاء .. فدلالة النص: عبارة عما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادًا" (٢). والأصوليون يطلقون القول بدلالة الشيء من الأحكام المستفادة منه، فيقولون: دلالة الأمر أي: ما يدل عليه الأمر من أحكام، ودلالة النهي، أي: ما يستفاد منه من أحكام وهكذا. قال ابن حجر: "الدلالة: المراد بها في عرف الشرع الإرشاد إلى أن حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نص خاص داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم" (٣). وذهب الزركشي إلى أن الدلالة هي: "كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالمًا بوضعه له" (٤).

стр. 291

وهل الدلالة هي الفهم الذي يحصل للسامع أم الذي يطلقه المتكلم؟ رجح الزركشي أن الدلالة هي الفهم الذي يحصل للسامع، أما ما يقوله المتكلم مما يفهم فهو دلالة بالقوة، فهناك إذن دلالة بالقوة، ودلالة بالفعل: فالدلالة بالقوة: قصد المتكلم إفهام السامع. والدلالة بالفعل: إفادة اللفظ عند السامع المعنى الذي قصده المتكلم. المطلب الثالث: المراد بدلالة الترك: المراد من: دلالة الترك: الأحكام الشرعية المستفادة من الترك لذاته. وقيل: لذاته؛ احترازًا ما لو تناول المسألة دليل آخر، فإن النظر في دلالة الترك إنما يكون بفرض عدم الدليل الآخر. وعلى هذا جرى الأصوليون في قواعدهم، فهم عندما يقولون مثلًا: الأمر يفيد الوجوب إنما يقصدون لذاته، فكون أمر لا يفيد الوجوب لا لذاته، وإنما لاجتماع دليل آخر في المسألة، والجمع بين الدليلين يقتضي صرف الأمر عن معنى الوجوب. فالمراد بذاته: بفرض خلو المسألة عن أمر آخر. فقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، لا لأمر خاص بالسبب، بل لوجود أمر آخر كعدم استيفاء الشروط أو لوجود مانع. وعلى ذلك: فالمراد الدلالة الأصولية المستفادة من الترك بفرض خلو المسألة عن أدلة أخرى.

стр. 292

المبحث الأول: دلالة الترك لما كانت معرفة الدلالة هي المقصود الأعظم من تقسيم الترك، فإن من المناسب هنا عن الكلام عن دلالة الترك أن ينفرد كل قسم من قسمي الترك الوجودي بالبحث، وسوف يكون ذلك في مطلبين: المطلب الأول: دلالة الترك المسبب. المطلب الثاني: دلالة الترك المطلق. ولابد هنا من الإشارة إلى عدة أمور: أولًا: لابد من معرفة ما هو حكم ذلك المتروك قبل أن يتركه النبي ﷺ ؟ وذلك لأن طلب دلالة ترك النبي ﷺ معناه: ما الذي طرأ على ذلك المتروك من أحكام جديدة بترك النبي ﷺ له، أي ما هو الأصل في المتروك. والمتروك هذا أحد أمرين: أن يكون عبادة أو لا، فما هو الأصل في العبادات؟، وما هو الأصل في غير العبادات من أفعال المكلفين؟ المراد بالعبادات هنا: هي ما لا يقع إلا قربة ولا يصح إيقاعه على غير وجه القربة وهي ما يسميه العلماء بالتعبدات المحضة وليس المراد - بطبيعة الحال - العبادات بالتعريف الأعم إذ كل ما سوى العبادات المحضة قد يصير عبادة بالنية. المشهور بين الدارسين أن الأصل في الأشياء هو الإباحة، وأن ذلك هو قول الجمهور، وهو ما اعتمدت عليه في هذه الدراسة، ومرادهم بالأشياء ما سوى العبادات المحضة، أما العبادات المحضة فالأصل فيها المنع والحظر فلا

стр. 293

يثبت منها إلا ما ورد الدليل به، وعلى ذلك عامة أهل العلم، وفي بيان ذلك يقول ابن تيمية: "تصرفات العباد في الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله " (١). فالمتروك قبل أن ينقل إلينا كف النبي ﷺ عنه على الإباحة في غير العبادات، ممنوع منه في جانب العبادات. وسيأتي الاستدلال على هذه القضية مفصلًا في أول الباب الثالث. ثانيًا: بنى الدكتور الأشقر أحكام الترك على بحث الأصوليين في مسألة التأسي، وعدم التفرقة بين الفعل والترك في ذلك (٢)، وبناء الدلالة على مسألة التأسي هو ما تعتمده هذه الدراسة. ثالثًا: ذهب الشيخ الغماري إلى أن الترك لا يدل إلا على الجواز (٣).

стр. 294

المطلب الأول: دلالة الترك المسبب: الترك المسبب أحد أقسام الترك الوجودي الذي يجب علينا التأسي

стр. 295

بالنبي ﷺ فيه، وصورة هذا النوع من الترك لا تتم إلا باعتبار سبب حصولها، وذلك لأن الحكم يتعلق بالسبب وجودًا وعدمًا - إذ إنه من المقرر عند الفقهاء جميعًا أن الحكم يدور مع العلة حيث دارت - وبناء على ذلك يمكن تقسيم الترك المسبب إلى نوعين: النوع الأول: ترك لا يوجد سببه في حق الأمة، فليس فيه تأسٍّ. النوع الثاني: ترك يوجد سببه في حق الأمة، فيدخل في التأسي. وجه اعتبار سبب الترك مورد هذا التقسيم: إن اعتبار السبب مورد التقسيم ما هو إلا نتيجة المقدمات التالية: * الأصل في الترك المسبب أنه يجب التأسي فيه بشروطه. * الموافقة في صورة الترك وحكمه من شروط التأسي. * الترك المتوقف على سبب لا يمكن حصول التأسي فيه إلا إذا كان الترك المُتأَسى به لنفس سببه. - وقد سبق بيان الأدلة على كل قضية من القضايا الثلاثة: وبناءً على ذلك: فإن حصول التأسي في الترك المسبب متوقف على مدى إمكانية وجود ذلك السبب، فالتفرقة بين ما يحصل به تأسٍّ وما لا يحصل متوقف على سبب الترك في حقيقة الأمر. هذا التقسيم يشمل كل أسباب الترك: التقسيم السابق يشمل الأسباب التي سبق ذكرها في أنواع الترك المسبب،

стр. 296

فالترك الذي لا يحصل سببه في حق الأمة يشمل: ما تركه النبي ﷺ لكونه من خصائصه، وما تركه النبي ﷺ خشية أن يفرض العمل، وما تركه النبي ﷺ لبيان التشريع، وما تركه النبي ﷺ لمراجعة الصحابة له، وما تركه النبي ﷺ لمجرد الطبع. أما الترك الذي يحصل سببه في حق أمته ﷺ فيشمل الترك للإنكار، وترك المستحب لبيان الجواز، وترك الواجب دفعًا للمفسدة، والترك بسبب النسيان أو المرض. النوع الأول: الترك الذي لا يوجد سببه في حق الأمة: أما النوع الأول فلا يمكن حصول التأسي فيه؛ لأن الموافقة في صورة الفعل تقتضي أن يكون الترك لنفس السبب الذي اقتضى الترك في حق النبي ﷺ ، فإذا زال هذا السبب في حق الأمة فلا سبيل إذن إلى حصول التأسي فيه. وهذا الترك الذي زال سببه إما أن يكون من خصائص النبي ﷺ ، أو ليس من خصائصه لكن يمتنع تحقق السبب بعد وفاته ﷺ . * الترك الذي اختص به النبي ﷺ -: فأما الترك الذي هو من خصائص النبي ﷺ فلا سبيل إلى حصول التأسي فيه بوجه من الوجوه، إذ إن الخصوصية تنفي التأسي، والعكس بالعكس، فهما لا يتواردان على محل واحد. والقول بأن الترك الذي هو من خصائص النبي ﷺ لا يحصل فيه تأسٍّ

стр. 297

هو قياس قول الأصوليين في الأفعال النبوية من أن خصائصه ﷺ لا يشرع فيها متابعة. وعدم جواز متابعة النبي ﷺ فيما اختص به: هو قول جمهور الأصوليين، بل ونقل بعضهم أنه إجماع كالآمدي وغيره (١). وقد نقل قول بالتوقف في حكم المتابعة في ذلك عن إمام الحرمين (٢)، والتعليل الذي علل به القول بالتوقف قاضٍ بموافقة مذهب الجمهور من عدم مشروعية ذلك، فقد قال: "ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون به ﷺ في هذا النوع، ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك، فهذا محل التوقف"، وقد نقله عنه الشوكاني (٣). أما أبو شامة في كتابه (المحقق من علم الأصول) فقد ذكر أن الأفعال النبوية يشرع فيها التأسي فيما هو واجب في حق النبي ﷺ ، ويكون حكمه على سبيل الاستحباب، ولا يشرع فيما هو مباح في حقه ﷺ (٤). وهذا الذي ذهب إليه أبو شامة لا إشكال فيه على ما ذهب إليه من معنى التأسي، وإنما يصح وقوع هذا الإشكال على التأسي بالمعنى الآخر، وهذا ما دعا الشوكاني إلى رد ما ذهب إليه أبو شامة، وذهب إلى أن ما صرح

стр. 298

فيه بكونه من خصائصه ﷺ لا سبيل إلى الاقتداء به فيه، إلا بدليل مثبت في حقنا. وتوجيه ما ذكره أبو شامة هو أن يقال: إن ما اختص به النبي ﷺ قد لا يكون في صورة الفعل، بل في حكمه، فإذا كانت الخصوصية في الحكم؛ فإن صورة الفعل قد تكون مشروعة في حق الأمة، ولكن لا من حيث كونه خاصًا به، بل لدليل منفصل عن محل الخصوصية، فالفعل ما زال خاصًا بالنبي ﷺ من هذا الوجه، وإن توافقت صورة الفعلين. فتقرير ما سبق هو: أن الفعل له جهتان قد تكون الخصوصية من أحدهما أو كليهما، فحيث ثبتت الخصوصية انتفت المتابعة، فما كانت خصوصيته من جهة واحدة، ولا تكون إلا الحكم، كان جائزًا أن توافق الأمة رسول الله ﷺ في صورة الفعل، لكن ليس حكمه في حقه هو حكمه في حقها؛ إذ إن الحكم هو محل الخصوصية، أما ما كانت الخصوصية فيه من الجهتين معًا، فلا سبيل لموافقة الأمة لرسول الله ﷺ ولو في مجرد الصورة فقط. ومثال ذلك في الأفعال النبوية التي اختص النبي ﷺ فيها بحكم فقط: وجوب قيام الليل في حق النبي ﷺ دون الأمة، فإن قيام الليل مستحب لآحاد هذه الأمة، وهو في حق النبي ﷺ واجب، فجهة الخصوصية هي الحكم فقط، دون صورة الفعل. أما مثال الأفعال النبوية التي اختص النبي ﷺ فيها بالحكم والصورة معًا، فكجواز زيادته ﷺ على أربعة نسوة في النكاح، فإن صورة الفعل لا تحصل

стр. 299

لآحاد الأمة بلا خلاف؛ وذلك لأن الخصوصية في صورة الفعل وحكمه. وهذا تأصيل صحيح إذا قلنا بأن التأسي لا يشترط فيه الموافقة في الحكم، وهو ما يقول به أبو شامة والجصاص (١) والسرخسي (٢)، ولا يرد عليه ما ينقضه على هذا المعنى، وهو غير صحيح على القول باشتراط الموافقة في الحكم، وهو ما يقول به الرازي (٣) والآمدي (٤) وتبعهم في ذلك الشوكاني (٥)،، إذ يوردون عليه: أن الأمة وإن وافقت رسول الله ﷺ في صورة الفعل فليس ذلك كاف لإطلاق التأسي على تلك الصورة. وهذا اعتراض صحيح على المعنى الأول، لكن لا يلزم منه أن ذلك التفصيل غير صحيح. فقياس هذا في التروك أن يقال: ما اختص النبي ﷺ بتركه إما أن تكون الخصوصية في صورة الترك وحكمه أو صورته فقط. فأما الخصوصية في صورة الترك وحكمه: فلا سبيل إلى حصول الموافقة فيها بين النبي ﷺ وأمته، لما ذُكر سابقًا، ولم أعثر له على مثال.

стр. 300

وأما الخصوصية في حكم الترك دون صورته: فمثاله وجوب الترفع عن قبول صدقات الناس، فإن هذا الترك مندوب إليه في الجملة في حق آحاد هذه الأمة، واختص النبي ﷺ بوجوب ذلك عليه (١). وعليه فإن قياس قول الأصوليين فيما أختص به النبي ﷺ في التروك أنه لا يدخله تأسٍّ. ومما يدخل تحت ما تركه النبي ﷺ تركًا خاصًا به: الترك الذي لمجرد الطبع، فإن الأصل في الترك أنه يقتضي حكمًا في حقنا، إلا إذا بين النبي ﷺ خلاف ذلك، وهذا متحقق في الترك لمجرد الطبع، فلا يحمل ترك على أنه لمجرد الطبع إلا بنص صريح، أو إجماع، وقد دل حديث الضب على أن الترك الذي هذا شأنه ليس فيه تأسٍّ، ولا تشرع فيه متابعة. وقد ذكر الأصوليون أن الفعل لمجرد الطبع ليس فيه متابعة (٢)، فقياس

стр. 301

قولهم أن الترك الذي لمجرد الطبع لا تشرع فيه متابعة. * الترك لسبب لا يمكن وجوده الآن: وأما الترك الذي لا سبيل إلى حصول سببه في حق آحاد الأمة فمثل ما تركه النبي ﷺ لأجل بيان الجواز، أو تركه لأجل مراجعة الصحابة له، أو لخشية أن يفرض العمل على الأمة، فهذا كله لا سبيل إلى حصول سببه الآن، فلا يمكن فيه تأسٍّ. فترك النبي ﷺ للمواظبة على صلاة الضحى لا تشرع فيه متابعة؛ لأن السبب الذي لأجله ترك النبي ﷺ المواظبة على صلاة الضحى زال بموت النبي ﷺ ، ولا سبيل إلى وجوده البتة، وهذا هو ما فهمته عائشة ﵂ فقالت: "وإني لأسبحها" (١). ومثاله أيضًا: ترك النبي ﷺ المواظبة على قيام رمضان في المسجد جماعة، لا يصح أن يقال فيه: إن ذلك هو الأفضل في حق أمته؛ وذلك لأن السبب الذي ترك النبي ﷺ لأجله المواظبة قد زال، فلا يكون تارك القيام في رمضان جماعة متأسيًا بالنبي ﷺ ، بل العكس هو الصحيح: أعني: المصلي للتراويح في جماعة هو المتأسي.

стр. 302

وعدم التأسي هنا راجع إلى عدم إمكان تحقق صورة الترك في الواقع، وليس لكون هذا الترك لا يدخله تأسٍّ في الأصل. النوع الثاني: الترك الذي يمكن وجود سببه في حق الأمة: الترك الذي يمكن وجود سببه في حق الأمة، يجب التأسي فيه، على ما ذكر من معنى وجوب التأسي، ويكون التأسي فيه باعتبار السبب شرطًا في صورة الترك، فمتى زال السبب: رجع المتروك إلى حكمه قبل حصول السبب الطارئ. ومثال ذلك: ترك النبي ﷺ للتطويل في الصلاة خوف المشقة على المأمومين، فإن التأسي في ذلك الترك يكون بأن يترك الإمام التطويل إذا خاف المشقة على المأمومين، أما إذا علم أن ذلك لا يشق عليهم بأن كانوا قلة فاستشارهم، أو طلبوا منه ذلك، فكمال التأسي في هذه الحالة يكون بالتطويل لانتفاء سبب الترك حينئذ. ومثاله أيضًا: ترك النبي ﷺ الصلاة على قاتل نفسه، ومن عليه دين، إنكارًا منه ﷺ لذلك الفعل، وأمر الصحابة بالصلاة عليه، فإن المشروع في حقنا الصلاة عليه، إلا لمن وُجد فيه نفس المعنى الذي لأجله ترك النبي ﷺ الصلاة عليه، ومثل هذا المعنى يوجد في الأئمة الذين يظن بهم الصلاح والتقى، فيرغب الناس في أن يصلوا على ميتهم التماسًا لبركة دعائه، فيظن أنه لو امتنع عمن عليه دين أن يسارع أهله بقضاء دينه، فلو لم يوجد هذا المعنى، لم يكن للترك فائدة. وحاصل القول: التأسي في الترك المسبب لابد فيه من اعتبار السبب

стр. 303

لكي تتم صورة المتابعة إلا فيما اختص به النبي ﷺ من أسباب للتروك فلا يشرع لنا فيها تأسٍّ به ﷺ . المطلب الثاني: دلالة الترك المطلق: قبل الشروع في بيان دلالة الترك المطلق لابد من بيان أن المسائل الحديثة والنوازل الجديدة التي تنبني على الترك لا تنبني على هذا النوع مطلقًا؛ وذلك لأن مسائل هذا النوع محصورة بما نقل عنه ﷺ في الحديث، ولا طريق لمعرفته سوى النقل، أما النوازل الجديدة - التي يطلب معرفة حكمها - فلا تخلو من أن تكون أحد أمرين: الأمر الأول: أن تدخل تحت أحد فروع هذا النوع بطريق القياس فيثبت لها حكم الأصل وتكون هي في مقام الفرع. الأمر الثاني: ألا تدخل بالقياس تحت أحد فروع هذا النوع ومن ثَمّ فمحل دراستها في الترك العدمي. وقد سبق في مبحث التأسي بيان أن القول المختار هو وجوب التأسي بالنبي ﷺ في الترك، وفيما يلي بيان معنى ذلك الوجوب. فيقال: الفعل الذي كف عنه النبي ﷺ دون بيان سببه، لا يكون إلا أحد أمرين: الأمر الأول: أن يكون هذا الفعل لا يصح وقوعه إلا على وجه القربة من كل وجه. الأمر الثاني: أن يكون هذا الفعل مما يصح وقوعه على غير هيئة التعبد والقربة.

стр. 304

أما الأول فإن امتناع النبي ﷺ عن فعله، دليل على أن هذا الفعل غير جائز، فهو محرم، وفعله على هذا الوجه يكون بدعة مذمومة. أما الثاني فإن امتناع النبي ﷺ عنه يحمل على أقل أحوال التأسي والمتابعة، فيحمل على الكراهة، لأن هذا هو القدر المتيقن، وما فوقه زائد عليه، فلا يصار إليه إلا لدليل يقتضي تلك الزيادة، وهذا هو سبب حمل النوع الأول على أنه للتحريم، إذ إن المتيقن فيه أيضًا الكراهة التي هي أقل أحوال المتابعة، ولكن صرنا إلى التحريم لدليل منفصل من الخارج، ولكنه لازم، وهذا الدليل هو ما ثبت عند الفقهاء والأصوليين جميعًا من أن العبادة لا تثبت إلا بدليل، فلو كان هذا الفعل الذي لا يقع إلا على وجه العبادة لا يصح الإقدام عليه سواء كف عنه النبي ﷺ أو لم يتعرض له، حتى ينقل لنا أن النبي ﷺ فعل ذلك الفعل، فإن المنع يقوى ويزداد بكف النبي ﷺ عنه، إذ هو في هذه الحالة مقوٍّ للأصل ومعضدٍ له. فيصح إذن إجمال القول فيما يلي: ما تركه النبي ﷺ دون بيان سبب للترك، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الترك المجرد: أي الذي لم يتناوله أمر أو نهي ولم يكن في موضع البيان، وهذا على قسمين: الأول: أن يكون المتروك عبادة محضة - أي لا يقع الفعل إلا على وجه التعبد - فالترك هنا دليل على المنع. فمن ذلك ترك النبي ﷺ لصلاة الفرض على الراحلة، دليل على عدم جواز ذلك الفعل، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء في هذا الفرع، بل نقل النووي

стр. 305

الإجماع على ذلك (١). الثاني: أن يكون المتروك يصح وقوعه على غير معنى التعبد، فالترك هنا دليل على الكراهة. فمن هذا النوع ترك النبي ﷺ للأكل متكئًا دليل على الكراهة - عند من لم ير اختصاص النبي ﷺ بذلك - وكذلك ترك النوم قبل صلاة العشاء، وكذلك السمر بعدها (٢). القسم الثاني: الترك الذي تناوله بيان قولي كالأمر به أو النهي عنه، وهذا يستفاد حكمه من القول لا مجرد الترك. الفرق بين هذا النوع وبين الترك المسبب من وجوه: الأول: أن البيان القولي قد يكون في موقف وصورة الترك في موقف بخلاف الترك المسبب فإن السبب من الترك مذكور مع صورة الترك. الثاني: أن بيان سبب الترك قد يكون من الصحابي بخلاف هذا القسم من الترك المطلق الذي يجب أن يكون البيان القولي من النبي ﷺ . وهذا القسم له أمثلة كثيرة إذ يصح القول بأن كل ما نقل نهي النبي ﷺ عنه ونقل عدم فعله ﷺ له فهو داخل في هذا القسم. وهذا القسم وإن كان واضح الدلالة لكن لابد من إثباته حتى لا تختلط دلالته بدلالة الأقسام الأخرى.

стр. 306

القسم الثالث: الترك الذي وقع به بيان مجمل ، فقياس قول الأصوليين في الأفعال أن هذا الترك لا يجوز الزيادة عليه أو النقصان منه، ومن هذا النوع: ترك تغسيل الشهيد، وترك الأذان والإقامة في صلاة العيدين والاستسقاء، فالزيادة على ما ورد البيان به لا تجوز. إشكال والرد عليه: ورد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (١). هل يستدل بهذا الحديث على أن ترك النبي ﷺ المجرد لا يدل على شيء من الأحكام؟ والجواب عن ذلك: أن المراد بقوله: "ذروني ما تركتكم" النهي عن الاستفصال في السؤال، والاكتفاء بما ورد من قوله ﷺ ، وليس المراد أن النبي ﷺ إذا تركهم فلا دلالة لهذا الترك، لما ورد من الأدلة الأخرى، وهذا المعنى فَصَّلَه ابن حجر ووضحه عند شرحه لهذا الحديث فقد قال: "المراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه، وعن كثرة السؤال لما فيه غالبًا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة، قال ابن فرج معنى قوله: "ذروني ما تركتكم": لا تكثروا

стр. 307

من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر، ولو كانت صالحة لغيره، كما أن قوله: حجوا، وإن كان صالحًا للتكرار فينبغي أن يكتفى بما يصدق عليه اللفظ، وهو مرة واحدة فإن الأصل عدم الزيادة، ولا تكثروا التنقيب عن ذلك، لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا البقرة، فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم - قال ابن حجر -: وبهذا تظهر مناسبة قوله: فإنما هلك من كان قبلكم إلى آخره بقوله: ذروني ما تركتكم" (١). ويمكن تلخيص دلالة الترك الوجودي في الشكل التالي: .............................................................. [دلالة الترك الوجوي] ........................................................ ............................ [المسبب] ....................................................... [[المطلق]] .................................... [ترك لا يوجد سببه في حق الأمة] ... [ترك قد يوجد سببه في حق الأمة] .. [[ترك مجرد]] .... [[ترك تناوله بيان قولي]] ... [[وقع به بيان مجمل]] [ليس فيه تأسي] ... [يجب فيه التأسي باعتبار سببه] ...... [[عبادة محضة]] .. [[ليس ببعادة]] .. [[حكمة من القول]] ... [[لا يزاد على الترك ولا ينقص المنع كراهة]]

стр. 308

المبحث الثاني: مراتب الترك لا شك أن التروك ليست كلها على منزلة واحدة من القوة أو الضعف، وحيث إن الأصل في ثبوت الترك الوجودي النقل، فإن ألفاظ النقل تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا من جهة ظهور دلالتها على الترك من عدمه، وثمة أمر آخر وهو أن نقل الترك بخلاف نقل الفعل، لابد فيه من تقصٍ شديد، لأن الفعل - ولو مرة - يخرم صورته، بخلاف الفعل، فإن حدوثه مرة كافٍ في نقله، ولذا فسوف يُقَسم الترك في هذا المبحث باعتبار قوة دلالة اللفظ على المعنى، وهو بذلك ينقسم إلى مرتبتين: المرتبة الأولى: أن يكلون اللفظ نصًّا قاطعًا في ثبوت الترك، وهذا على نوعين: النوع الأول: أن يذكر النبي ﷺ عن نفسه أنه ترك . ومثاله: ما ورد عن أبي جحيفة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لا آكل متكئًا" (١). النوع الثاني: أن يقر النبي ﷺ سائله على أنه ترك . مثاله: ما ورد عن أنس بن مالك ﵁ قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمَّت أحدهما ولم يشمِّت الآخر، فقيل له، فقال: "هذا حمد الله،

стр. 309

وهذا لم يحمد الله" (١). المرتبة الثانية: أن يكون اللفظ ظاهرًا في ثبوت الترك وليس بنص (٢)، وهذا ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن ينقل الصحابي الترك من عادة النبي ﷺ في موقف متكرر . فمن ذلك: ما ورد من حديث حفصة ﵁ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين" (٣). وأيضًا ما ورد من حديث حصين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارة بن رويبة ﵁ بشر بن مروان وهو يدعو في يوم جمعة فقال عمارة ﵁: قبح الله هاتين اليدين، قال: "لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر ما يزيد على هذه، يعني السبابة التي تلي الإبهام" (٤). النوع الثاني: أن ينقل الصحابي أن النبي ﷺ ترك فعلًا ما على الدوام .

стр. 310

فمن ذلك ما ورد من حديث عائشة ﵁ أنها قالت: "ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء ولا سمر بعدها" (١). وأيضًا: ما ورد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله في رمضان؟ فقالت: "ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلَاثًا" (٢). فعائشة ﵁ زوجه والقيام يتكرر من النبي ﷺ ما يقرب من كل يوم ولو زاد لاطلعت عليه. وأيضًا: ما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: "ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان" (٣). وأيضًا: ما ورد من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا

стр. 311

يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]. قال عروة: قالت عائشة ﵁: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : "قد بايعتك كلامًا"، ولا والله ما مسَّت يدُه يدَ امرأةٍ قط في المبايعة، ما يُبايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك" (١). النوع الثالث: أن ينقل الصحابي الترك لفعل متوقع في حادثة مشهورة . فمن ذلك: ما ورد من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم (٢). * * *

стр. 312

المبحث الثالث: تعارض الترك مع غيره الترك من الأفعال - كما سبق بيانه - ولذلك فإن بحث تعارض الترك مع غيره يقتضي البحث في تعارض القول مع الفعل وفي تعارض الأفعال. المطلب الأول: تعارض الترك مع القول: تعارض القول مع الفعل قسمه الأصوليون إلى صور كثيرة عدَّها بعضهم كالشوكاني ثمانٍ وأربعين صورة، وأوصلها الزركشي إلى ستين صورة، وبلغ بها المرداوي ستًّا وسبعين صورة، وأغلب هذه الصور صور نظرية مفترضة لا وجود لأغلبها في التطبيق العملي كما يذكر الزركشي والعلائي والمرداوي والشوكاني (١). لكن حاصل ما ذهبوا إليه في القول المراد به العموم إذا عارض الفعل ثلاثة أقوال، أحدهما تقديم القول، والثاني تقديم الفعل، والثالث طلب

стр. 313

مرجح من الخارج. أما الذين قالوا بتقديم القول فذلك لأنه بيان بنفسه دون الفعل ودلالة القول أقوى من دلالة الفعل فيقدم. والذين قدموا الفعل قالوا: هو أقوى في الدلالة والبيان على المراد. أما الذين قالوا بطلب المرجح من الخارج فقالوا لأنهما في الدلالة سواء. وذكر العلائي والزركشي أن الذي يجري على قواعد الأصوليين في هذا الشأن أن يحمل القول على وجه، ويحمل الفعل على وجه آخر، أو يصرف الفعلُ القولَ عن ظاهره إلى أحد معانيه. وحيث أن الترك فعل، فإن تعارض القول مع الترك يكون بأن يترك النبي ﷺ موجب ما دل عليه القول، وهو إما أمر أو نهي: فحصول التعارض في الأمر يكون بأن يأمر بفعل ثم يترك فعله، وحصول التعارض في النهي يكون بأن ينهى عن فعلٍ ثم يفعله، فيكون تاركًا للامتثال لما دل عليه النهي. وهاتان الصورتان يصح فيهما أن يحمل الأمر على عدم الوجوب، فيكون الفعل قرينة تصرفه عن ظاهره، ويحمل النهي على الكراهة دون التحريم، وهذا الوجه في الجمع فيه إعمال للدليلين معًا في المحل الواحد وهو أولى من حمل كل دليل على محل غير الذي يتعلق به الآخر. ثم إنه صنيع الفقهاء فيما لا يحصى في المواضع، وقد نص الأصوليون في باب الأمر والنهي على صرف الأمر عن الوجوب والنهي عن التحريم، بدلالة

стр. 314

القرائن فالأمر ظاهر في الوجوب، وليس نصًّا، والنهي ظاهر في التحريم، وليس نصًّا، فيجوز أن يحمل على غير ذلك المعنى إذا وجد الدليل الصارف. إذن: فالقول إذا عارضه ترك لموجبه كان ذلك دليلًا صارفًا عن ظاهره إلى أحد معانيه، وفيما يلي مثالين: الأول: لتعارض الأمر مع الترك. والثاني: لتعارض النهي مع الترك. مثال تعارض الترك مع الأمر: الوضوء من أكل ما مسته النار: ورد عن النبي ﷺ أنه أمر بالوضوء مما ممشا النار، وورد عنه أنه أكل مما مسته النار ولم يتوضأ، ثم صلى، واختلف العلماء في الجمع بين تلك الأحاديث وفيما يلي بيان تلك الأحاديث وأوجه الجمع بينها. أولًا: الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مست النار: ١ - ما ورد من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الوضوء مما مست النار" (١). ٢ - ما ورد عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه وجد أبا هريرة ﵁ يتوضأ على المسجد فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها لأني سمعت

стр. 315

رسول الله ﷺ يقول: "توضئوا مما مست النار" (١). ٣ - ما ورد عن عروة بن الزبير ﵁ قال سمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : "توضئوا مما مست النار" (٢). ثانيًا: الأحاديث التي وردت أن النبي أكل مما مسته النار ثم صلى ولم يتوضأ: ١ - ما ورد عن عبد الله بن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ (٣). ٢ - ما ورد عن عمرو بن أمية ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يحتز من كتف شاة فدعى إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ (٤). ٣ - ما ورد عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ أكل عندها كتفًا ثم صلى ولم يتوضأ (٥). ٤ - ما ورد عن بُشَيْر بن يسار مولى بني حارثة أن سُويد بن النعمان

стр. 316

- ﵁ أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فُثرِّيَ، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ (١). ٥ - ما ورد عن جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقِناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف، فأتته بعُلالة من عُلالة الشاة، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ (٢). ٦ - ما ورد عن أبي رافع ﵁ قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ (٣).

стр. 317

ولذلك وقع الخلاف بين أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث، فالبعض رأى النسخ، والبعض رأى الجمع بينها. والذين رأوا النسخ وهم الأكثر اختلفوا أيهما نسخ الآخر؟ هل الأمر بالوضوء هو الناسخ لترك الوضوء، أم ترك الوضوء هو الناسخ للأمر بالوضوء؟ وأهل العلم في ذلك كله على ثلاثة مذاهب: الأول: من قال بأن ترك الوضوء مما مست النار هو الناسخ للأمر بالوضوء، وهو قول جمهور أهل العلم وأكثر، وهو محكى عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي طلحة وأبي الدرداء وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي أمامة ﵃ أجمعين، وبه قال جمهور التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه (١). واستدلو بـ: - الأحاديث الواردة في أن النبي ﷺ أكل مما مسته النار ولم يتوضأ، لا سيما أن من رواة هذه الأحاديث ابن عباس ﵂ ومعلوم أن سماعه من النبي ﷺ كان متأخرًا، كما ذكر ذلك ابن عبد البر (٢).

стр. 318

- ما ورد عن جابر بن عبد الله ﵂ قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (١). - ما ورد عن أبي سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله ﵂ أنه سأله عن الوضوء مما مسست النار فقال: لا، قد كنا زمان النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلًا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ (٢). - حمل حديث الأمر بالوضوء على أن المقصود به المضمضة وغسل اليدين تقديمًا للحقيقة اللغوية وأن الوضوء هنا مشتق من الوضاءة وهي النظافة (٣). واستدل ابن قدامة بأن النبي ﷺ لما سئل عن الوضوء من لحم الغنم قال: "لا تتوضأ" (٤). وهو ما ورد عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ"، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: " نعم، فتوضأ من لحوم الإبل"، قال:

стр. 319

أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا" (١). الثاني: أنه يجب الوضوء مما مست النار حكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة: منهم ابن عمر وأبو طلحة وأبو موسى وزيد بن ثابت وأبو هريرة وعائشة ﵃ وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وأبي قلابة (٢) وأبي مجلز (٣) (٤). واستدلوا بـ: الأحاديث الواردة في الأمر بالوضوء مما مست النار، وقالوا بأنها ناسخة لأحاديث إباحة ترك الوضوء، وقالوا: إن الإباحة سابقة. وردوا على الاستدلال بحديث جابر ﵁: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" بأن المراد بالأمر هنا الشأن

стр. 320

والقصة، لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي ﷺ شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ، فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار، وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة (١). ولكن أجاب أصحاب القول الأول بأمور منها: ما قاله النووي: "وأما دعواهم نسخ أحاديث ترك الوضوء فهي دعوى بلا دليل فلا تقبل" (٢) اهـ. وبأن تأويلهم حديث جابر ﵁ خلاف الظاهر وهو تأويل بغير دليل فلا يقبل، وهذه الرواية المذكورة لا تخالف كونه آخر الأمرين، فلعل هذه القضية هي آخر الأمرين، واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء، ويجوز أيضًا أن يكون ترك الوضوء قبلها، فإنه ليس فيها أن الوضوء كان لسبب الأكل (٣). الثالث: استحباب الوضوء وهو قول من جمع بين الأحاديث والذي ذهب لذلك هو الإمام الخطابي (٤) (٥).
следующие страницы →