← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

- ﵁ أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فُثرِّيَ، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ (١). ٥ - ما ورد عن جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقِناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف، فأتته بعُلالة من عُلالة الشاة، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ (٢). ٦ - ما ورد عن أبي رافع ﵁ قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ (٣).

стр. 317

ولذلك وقع الخلاف بين أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث، فالبعض رأى النسخ، والبعض رأى الجمع بينها. والذين رأوا النسخ وهم الأكثر اختلفوا أيهما نسخ الآخر؟ هل الأمر بالوضوء هو الناسخ لترك الوضوء، أم ترك الوضوء هو الناسخ للأمر بالوضوء؟ وأهل العلم في ذلك كله على ثلاثة مذاهب: الأول: من قال بأن ترك الوضوء مما مست النار هو الناسخ للأمر بالوضوء، وهو قول جمهور أهل العلم وأكثر، وهو محكى عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي طلحة وأبي الدرداء وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي أمامة ﵃ أجمعين، وبه قال جمهور التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه (١). واستدلو بـ: - الأحاديث الواردة في أن النبي ﷺ أكل مما مسته النار ولم يتوضأ، لا سيما أن من رواة هذه الأحاديث ابن عباس ﵂ ومعلوم أن سماعه من النبي ﷺ كان متأخرًا، كما ذكر ذلك ابن عبد البر (٢).

стр. 318

- ما ورد عن جابر بن عبد الله ﵂ قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (١). - ما ورد عن أبي سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله ﵂ أنه سأله عن الوضوء مما مسست النار فقال: لا، قد كنا زمان النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلًا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ (٢). - حمل حديث الأمر بالوضوء على أن المقصود به المضمضة وغسل اليدين تقديمًا للحقيقة اللغوية وأن الوضوء هنا مشتق من الوضاءة وهي النظافة (٣). واستدل ابن قدامة بأن النبي ﷺ لما سئل عن الوضوء من لحم الغنم قال: "لا تتوضأ" (٤). وهو ما ورد عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ"، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: " نعم، فتوضأ من لحوم الإبل"، قال:

стр. 319

أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا" (١). الثاني: أنه يجب الوضوء مما مست النار حكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة: منهم ابن عمر وأبو طلحة وأبو موسى وزيد بن ثابت وأبو هريرة وعائشة ﵃ وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وأبي قلابة (٢) وأبي مجلز (٣) (٤). واستدلوا بـ: الأحاديث الواردة في الأمر بالوضوء مما مست النار، وقالوا بأنها ناسخة لأحاديث إباحة ترك الوضوء، وقالوا: إن الإباحة سابقة. وردوا على الاستدلال بحديث جابر ﵁: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" بأن المراد بالأمر هنا الشأن

стр. 320

والقصة، لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي ﷺ شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ، فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار، وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة (١). ولكن أجاب أصحاب القول الأول بأمور منها: ما قاله النووي: "وأما دعواهم نسخ أحاديث ترك الوضوء فهي دعوى بلا دليل فلا تقبل" (٢) اهـ. وبأن تأويلهم حديث جابر ﵁ خلاف الظاهر وهو تأويل بغير دليل فلا يقبل، وهذه الرواية المذكورة لا تخالف كونه آخر الأمرين، فلعل هذه القضية هي آخر الأمرين، واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء، ويجوز أيضًا أن يكون ترك الوضوء قبلها، فإنه ليس فيها أن الوضوء كان لسبب الأكل (٣). الثالث: استحباب الوضوء وهو قول من جمع بين الأحاديث والذي ذهب لذلك هو الإمام الخطابي (٤) (٥).

стр. 321

القول المختار من ذلك: إعمال ما قرره الأصوليون من أن الجمع مقدم على الترجيح يقضي بأن أولى هذه الأقوال بالترجيح هو الاستحباب، وهو ما ذهب إليه الخطابي. ولكن: لم أجد أحدًا - في حدود بحثي - غير الإمام الخطابي - سواء من الصحابة أو غيرهم - قال بهذا القول، والصحابة ﵁ لا سيما الخلفاء الراشدون - وهم أعلم الخلق بأحوال النبي ﷺ هم الذين رُوي عنهم ترك الوضوء، فعن سليم بن عامر قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ أكلوا مما مست النار ولم يتوضؤوا، ورأيت عمار بن ياسر يشرب من لبن نعجة فمضمض، ثم قام إلى الصلاة، وسمعت عمار بن ياسر ﵁ يقول: جف القلم بما هو كائن (١). وهم كذلك الذين رووا أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار كما مر في حديث جابر ﵁. وعلى ذلك فالقول الراجح هو قول من قال بأن أحاديث الترك ناسخة

стр. 322

لأحاديث الأمر (١)، وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب أبو عمر بن عبد البر (٢) والنووي (٣) وابن قدامة (٤) وغيرهم (٥)، ولو قال بقول الخطابي أحد من الصحابة لكان هو أولى الأقوال بالاختيار، فهو أقرب الأقوال للقواعد، لكن لم يقل به أحد، فصار الترجيح بين قولين: بين تقديم الأمر بالوضوء، وبين حمله على النسخ بترك النبي ﷺ له، وأكثر أهل العلم على نسخ ذلك الأمر، والأدلة كلها ترجع إلى ترك النبي ﷺ لفعل موجب ذلك الأمر. مثال تعارض الترك مع النهي: حكم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة: القول إذا كان نهيًا فإن صورة تعارضه مع الترك تكون بأن ينهى عن الشيء ثم يفعله، فهو بذلك ترك موجب ما دل عليه قوله ﷺ .

стр. 323

هذا وجه تعارض النهي مع الترك ولا يكون إلا من هذا الباب. ومن الأمثلة التي تتضح فيها تلك الصورة: نهيه ﷺ عن استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة ثم فعله ﷺ لذلك. وفي المسألة التالية بيان الحديثين المتعارضين، والمسالك التي سلكها العلماء للجمع بينهما. ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" (١). ففي هذا الحديث نهي بالقول عن استقبال القبلة أو استدبارها. وروى الشيخان من حديث ابن عمر ﵁ أنه قال: "رقيت على بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله ﷺ قاعدًا لحاجته مستقبلَ الشام مستدبرَ القبلة" (٢). ففي هذا الحديث ترك النبي ﷺ الفعل بموجب ما قاله، فمن العلماء من ذهب إلى أن الحديثين متعارضان من كل وجه، فطلب الترجيح. ومنهم من رأى أن الجمع ممكن. أما الذين ذهبوا إلى الترجيح فلهم في الترجيح مسلكان:

стр. 324

الأول: أن القول مقدم على الفعل، إذ يحتمل أن يكون ذلك الفعل لضرورة، أو خاصًّا بهذه الحالة فقط، أو خاصًّا به، وهذه كلها احتمالات فلا تعارض القول الثابت عليه، فيحرم استقبال القبلة أو استدبارها للنهي أما الفعل فلا عموم له عندهم. وممن ذهب إلى ذلك: من الشافعية: أبو ثور (١)، ومن المالكية: ابن العربي المالكي، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به من الصحابة: أبو أيوب ﵁، وهو مذهب: مجاهد والنخعي والثوري (٢). الثاني: أن الفعل مقدم على القول؛ لأنه ناسخ له؛ لأنه بعده، ويرجحه أن الدليلين إذا تعارضا سقطا ورجعنا إلى الأصل، وهو الإباحة وهو ما يدل عليه الفعل.

стр. 325

وعليه فيجوز استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة. وهذا قول عائشة وعروة ﵄ وربيعة (١) وداود الظاهري. ويؤيده ما ورد من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: " نهى النبي ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يُقبض بعام يستقبلها" (٢). أما الذين صاروا إلى الجمع بين الدليلين: فلهم في ذلك ثلاثة مسالك: الأول: أن القول لا يعارض الفعل، فالقول خاص بنا، والفعل خاص به ﷺ . فيحمل الفعل على الخصوصية، وهذا ما ذهب إليه الشوكاني، وقد حكاه ابن حجر في الفتح دون نسبةٍ لأحد، وردَّه (٣).

стр. 326

وعليه فيكون حكم استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة هو التحريم. وحديث جابر ﵁ لا يشكل على هذا القول إذ يخصص الفعل بالنبي ﷺ . وممن سبق الشوكاني إلى القول بالخصوصية: الكرخي حكاه عنه الرازي في (المحصول) (١). الثاني: أن القول هنا نهي، فهو دليل على التحريم، لكن صُرِف هذا التحريم إلى الكراهة لفعل النبي ﷺ وهذه إحدى الروايتين عن أبي حنيفة (٢) وأحمد، ومروي عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي ثور (٣). وحديث جابر - السابق ذكره - لا يشكل على هذا القول أيضًا، فقد يحمل على جواز ذلك مع الكراهة. الثالث: أن يحمل القول على حالة الصحراء والفعل على حالة البنيان، فيكون متعلق القول غير متعلق الفعل.

стр. 327

ومما يؤيد ذلك القول أن الصحابي الذي رأى النبي ﷺ يقضي حاجته فهم ذلك الفهم، وذلك فيما رواه مروان الأصغر قال: "رأيت ابن عمر ﵄ أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس" (١). وإلى هذا القول ذهب مالك (٢) والشافعي (٣) وهو قول الجمهور، وقال ابن حجر: "وهذا أعدل الأقوال لإعمال جميع الأدلة" (٤). وبناء على هذا العرض السابق فإن استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة مختلف فيه على أربعة أقوال: ١ - الحرمة مطلقًا. ٢ - الكراهة مطلقًا. ٣ - الحرمة في الصحراء دون البنيان. ٤ - الإباحة مطلقًا. الرأي المختار: من خلال العرض السابق يمكن أن يجمل القول فيما يلي:

стр. 328

١ - أبعد الأقوال عن الاختيار هو القول بالإباحة مطلقًا، أو المنع مطلقًا، وذلك لأنه فيه ترجيح بين الأدلة، ومعلوم أن الجمع أولى من الترجيح، ولا يصار إليه إلا عند التعارض وعدم إمكان الجمع، والجمع ممكن كما سيأتي. ٢ - مما يرد القول بالخصوصية أن الأصل في أفعال النبي ﷺ التشريع، وهنا نقلان من صحابيين في موضعين مختلفين ينقلان فعل النبي ﷺ ، فكيف يحمل هذان النقلان على الخصوصية، ولو قيل: إن رؤية ابن عمر ﵄ للنبي ﷺ كانت اتفاقًا لم يقصدها النبي ﷺ حتى تحمل على التشريع، أليس سكوته عن رؤياه له وعلمه بأنه سيفعل مثلما فعل؛ إقرارًا منه ﷺ له على أن ذلك الفعل ليس فيه خصوصية؟! ٣ - يبقى إذن أحد أمرين: إما القول بالكراهة أو بالتفصيل بين الصحاري والبنيان. ولكل من القولين حظ من النظر. والذي أظنه أقرب للقواعد هو القول بالكراهة دون التفصيل، وذلك لأمور: أولًا: النهي ظاهرٌ في التحريم، ولكنه يحمل على الكراهة بالقرينة فليس حمله على الكراهة عدم إعمال له. ففي القول بهذا الرأي إعمال للدليلين معًا من كل وجه، أما في القول بالتفصيل بين الصحاري والبنيان ففيه إعمال لكل دليل في محل غير الدليل الآخر. ثانيًا: أن حديث جابر ﵁ يعكر على القول بالتفصيل، وذلك لأنه

стр. 329

لم يرد فيه أن ذلك كان في بنيان أم لا، بل نقل النهي عامًّا والفعل عامًّا. ولو لم يصح حديث جابر ﵁ لكان القول بالتفصيل متساويًا مع القول بالكراهة. ثالثًا: في القول بالكراهة إعمال لحديث جابر ﵁ وحديث ابن عمر ﵄، فلا إشكال في حمل حديث ابن عمر ﵄ على القول بالكراهة، ولا يشكل عليه أن النبي ﷺ لا يفعل المكروه لأن الكراهة تزول مع الحاجة، والحاجة في البنيان يغلب على الظن تحققها. وعلى ذلك فالمختار في هذه الدراسة هو القول بالكراهة دون تفصيل بين الصحاري والبنيان. ولقائل أن يقول: إن الواقع العملي لا يحصل فيه كبير فرق بين التفصيل أو الكراهة وهذا متحقق فعلًا ولكن الغرض من الدراسة بحث المستند الأصولي للأقوال فقط. المطلب الثاني: تعارض الترك مع الفعل: صورة تعارض الفعل مع الترك هي أن يُنقل أن النبي ﷺ فعل فعلًا ما في أحد المواقف، ثم يحصل ذلك الموقف مرة أخرى، فينتظر الصحابة ﵃ الفعل السابق فلا يفعله النبي ﷺ ويتركه، أو العكس، وهذا يقع تحت باب تعارض الأفعال؛ وذلك لأن الترك فعل، فينبغي أن تبحث المسألة تحت هذا الباب، وفيما يلي حكم تعارض الأفعال عند الأصوليين (١):

стр. 330

الأفعال - عند الأصوليين - لا تتعارض، إلا إذا دل الدليل على وجوب التكرار، أو اعتبار العموم، فالأصل في الأفعال أنها لا عموم لها (١)، إذ ليس للأفعال صيغة، وكذلك لا تدل بمجردها على التكرار، فلا ينتظم الفعل الأول جميع الأوقات المستقبلة إلا إذا دل الدليل على ذلك، وعدم التعارض هنا معناه: حمل كل فعل على حالة غير التي يحمل عليها الفعل الآخر. أما إذا تعذر الجمع بين الفعلين بوجه من الوجوه، وذلك بأن يقع التعارض من كل وجه: ففي ذلك ثلاثة مذاهب: الأول: التخيير بين الفعلين. الثاني: جعل المتأخر ناسخًا للمتقدم. الثالث: طلب الترجيح من الخارج. هذا حاصل ما قرره الأصوليون في هذا الباب، وهو شامل لتعارض الفعل مع الترك، غير أنه ينبغي هنا الإشارة إلى أن بعضًا من الأصوليين ذكر

стр. 331

أن محل الخلاف في التعارض مبني على القول بأن الفعل يدل على الوجوب، أما على القول بأنه يدل على الاستحباب فلا وجه لوقوع التعارض حينئذ، وإذا كان الترك لن يدل على الوجوب، فلن يقع إذن التعارض بينه وبين الفعل من كل وجه، فيصح هنا القول بعدم إمكان وقوع التعارض بين الفعل والترك، إذ يحمل الفعل على حالة والترك على حالة أخرى، أما إذا دل الدليل على وجوب الفعل أو وجوب التكرار: فالذي أراه هنا أنه يكون كالقول: أي يكون الترك صارفًا للفعل عن الوجوب. مثال للتعارض بين الفعل والترك: ورد أن النبي ﷺ قرأ بالنجم فسجد فيها، وورد أنه لم يسجد، وفيما يلي بيان ذلك: فمما ورد فيه أنه سجد: - ما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته (١). - ما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قرأ "والنجم" فسجد فيها وسجد من كان معه (٢).

стр. 332

- ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد "بالنجم" وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (١). ومما ورد فيه أنه لم يسجد: - ما ورد عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت ﵁ فزعم أنه قرأ على النبي ﷺ "والنجم" فلم يسجد فيها (٢). قال النووي: "احتج به مالك (٣) رحمه الله تعالى ومن وافقه في أنه لا سجود في المفصل وأن سجدة "النجم" و "إذا السماء انشقت" و "اقرأ باسم ربك" منسوخات بهذا الحديث ..... ثم قال: وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة ﵁ المذكور بعده في مسلم قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في "إذا السماء انشقت" و "اقرأ باسم ربك"، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان سنة سبع من الهجرة، فدل على السجود في المفصل بعد الهجرة. ثم قال: وأما حديث زيد ﵁ فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة ليس بواجب ويحتاج إلى هذا التأويل للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة ﵁ " (٤).

стр. 333

قال ابن حجر: "ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارئ كان لم يسجد ... ، أو ترك حينئذ لبيان الجواز وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود، ولو بعد ذلك" (١). قال الخطيب البغدادي (٢): "ليس في هذين الحديثين تضاد، ولا أحدهما ناسخ للآخر، وفيهما دليل على أن سجود التلاوة ليس بحتم؛ لأن النبي ﷺ سجد في النجم تارة، وترك السجود فيها تارة أخرى، والمستحب أن لا يترك، وهذا اختلاف من جهة المباح" (٣). * * *

стр. 334

الفصل الثالث ما يلحق بالترك الوجودي وفيه مبحثان: المبحث الأول: ترك الإنكار (الإقرار). المبحث الثاني: ترك ما هم به.

стр. 335

المبحث الأول: ترك الإنكار (الإقرار) توطئة يذكر الأصوليون في تعريف السنة أنها قول وفعل وإقرار أو تقرير، وقد تناولوا الإقرار بالدراسة التفصيلية، وسيتضح من خلال المباحث التالية أن الإقرار ما هو إلا نوع من أنواع الترك الوجودي إذ إنه لا يثبت إلا بالنقل - شأن أنواع الترك الوجودي كلها - كما أن الأصوليين اتفقوا على أنه كف - كما سيأتي - وهو من أنواع الترك كما سبق. لأجل ذلك سأتناول في الصفحات التالية وجه دخول الإقرار في ماهية الترك وما هي دلالته الأصولية، على أنني لن أتناول جميع مسائله وجزئياته بالدراسة - إذ ذلك يحتاج إلى دراسة كاملة خاصة به وذلك لكثرتها وتشعبها - بل سأكتفي بما يكون وثيق الصلة بمبحث الترك (١).

стр. 336

المطلب الأول: التعريف بالإقرار: المسألة الأولى: الإقرار في اللغة (١): الإقرار مصدر "أَقَر"، والتقرير مصدر "قرر". وهما من مادة "قرر" وهي تأتي في اللغة على معنيين: الأول: ترك الشيء على ما هو عليه. فمنه: أقررت العامل على عمله، والطير في وكره. ومنه قول عائشة ﵂: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر" (٢).

стр. 337

الثاني: الإذعان والاعتراف. يقال أقر بالحق: أي اعترف به. المسألة الثانية: الإقرار عند الأصوليين: الإقرار أحد أقسام السنة - كما سبق - ومن ثم كثرت تعاريف الإقرار وتنوعت واختلفت عن بعضها، وسوف أورد بعضًا من تلك التعريفات، ثم أبين بعضًا مما تدل عليه تلك التعريفات، وما هو التعريف المختار المرضي من تلك التعريفات: عرف ابن حزم الإقرار بأنه: "الشيء يراه النبي ﷺ أو يبلغه أو يسمعه فلا ينكره ولا يأمر به" (١). وعرفه الجصاص بأنه "تركه - أي النبي ﷺ النكير على فاعل يراه يفعل فعلًا على وجهٍ، فيكون ترك النكير عليه بمنزلة القول منه" (٢). وعرفه السمعاني بأنه "سكوت النبي ﷺ عن الشيء يفعل بحضرته" (٣). وعرفه يحيى بن موسى الرهوني بأنه "أن يعلم النبي ﷺ بفعلٍ صدر عن المكلف، ولم ينكره عليه، مع القدرة على الإنكار" (٤).

стр. 338

وعرفه الشيرازي بأنه "أن يسمع رسول الله ﷺ شيئًا فلا ينكره، أو يرى فعلًا فلا ينكره، مع عدم الموانع" (١). وعرفه الزركشي بأنه "أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول أو فعل قيل أو فعل بين يديه أو في عصره وعلم به" (٢)، وفي تشنيف المسامع عرفه بأنه "كف عن الإنكار" (٣)، وكذلك عرفه أبو زرعة العراقي (٤) وجمال الدين الإسنوي (٥). وعرفه ابن النجار الفتوحي (٦) بـ "أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار فعلٍ

стр. 339

أو قولٍ، فُعل أو قيل بحضرته أو في زمنه من غير كافر، وكان النبي ﷺ عالمًا به" (١). وعرفه الطوفي بأنه "تقرير من يسمعه يقول شيئًا أو يراه يفعله على قوله أو فعله بأن لا ينكره" (٢). وعرفه المرداوي بأنه "سكوت النبي ﷺ عن إنكار فعل أو قول بحضرته أو زمنه عالمًا به" (٣). وعرفه أبو شامة بأنه "أن يرى النبي ﷺ فعلًا صادرًا من مسلم مكلف، أو يسمع منه قولًا أو يبلغه ذلك ولم ينكره عليه مع فهمه له" (٤). بالنظر في التعريفات السابقة يتبين ما يلي: أولًا: بالنظر إلى ماهية الترك يلاحَظ أن التعريفات السابقة بين أحد أمرين: إما تعريف الإقرار بأنه السكوت عن الإنكار أو تعريف الإقرار بأنه الكف عن الإنكار، فالأول: يخص الإقرار بترك الإنكار بالقول، والثاني: يشمل ترك الإنكار بالقول أو بالفعل. وإذا كان ترك القول داخل في ماهية الترك - في هذه الدراسة - فلا إشكال على أي من الأمرين من القول بأن الإقرار نوع من أنواع الترك.

стр. 340

ثانيًا: بالنظر إلى ماهية متروك الاعتراض عليه فالتعريفات بين أحد أمرين: الأول: النص على أنه إما قول أو فعل. الثاني: الإطلاق وعدم النص على الأقوال أو الأفعال. فليس هناك إذن من يخص الإقرار بترك الإنكار على القول دون الفعل أو الفعل دون القول. فمثال الإقرار على قول: ما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد؛ إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه وإن سكت: سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ ، فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه وإن سكت: سكت على غيظ، فقال: "اللهم افتح"، وجعل يدعو فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] (١). قال أبو إسحاق الشيرازي: "فلما لم ينكر عليه دل ذلك على أنه إذا قَتل قُتل، وإذا قذف جلد" (٢). وأيضًا: ما ورد عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ

стр. 341

فجاء رجل من اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا فغليا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا فغليا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مقرع بينكم، فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أضراسه أو نواجذه (١). ومثال الإقرار على فعل: ما ورد عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة ﵁: أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم (٢). وأيضًا: ما ورد عن أم سليم ﵁: أن النبي ﷺ كان يأتيها فيقيل عندها فتبسط له نطعًا (٣) فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه

стр. 342

فتجعله في الطيب والقوارير، فقال النبي ﷺ : "يا أم سليم ما هذا؟ "، قالت: عَرَقك أَدُوفُ (١) به طيبي (٢). ثالثًا: بالنظر إلى زمان المتروك الاعتراض عليه يلاحَظ أن التعريفات كلها تنحصر في ثلاثة اتجاهات: الأول: يخص ذلك بما كان في حضرة النبي ﷺ فقط. الثاني: يخص ذلك بما كان في حضرة النبي ﷺ أو غيبته مع أن يبلغنا أنه علمه. الثالث: يعمم ذلك في كل ما كان في زمنه ﷺ وأمكن أن يعلمه. وهذا يدل على أن الإقرار ليس على رتبة واحدة في الدلالة، وتفصيل ذلك في مراتب الإقرار. رابعًا: التعريف المختار: التعريف يقصد به بيان الماهية، ولذا فأقرب تلك التعريفات هو أن الإقرار هو: "الكف عن الإنكار"، وهذا الكف بعمومه هنا في التعريف يشمل الكف عن الإنكار على القول، أو الفعل، ويشمل ما في حضرته ﷺ ، وما في غيبته ﷺ وعلم به، وما يلحق بذلك مما يحصل في زمنه ﷺ وينزل منزلة ما نقل أنه قد علم به.

стр. 343

وبذلك فإن الإقرار ليس على مرتبة واحدة، بل هو على مراتب: أعلاها أن يكون الفعل في حضرة النبي ﷺ ويليها: أن يكون الفعل في غيبته وينقل لنا أن رسول الله ﷺ علم به، ويليها: أن يكون الفعل في غيبته ﷺ لكن لا ينقل إلينا أنه علمه، ولكل مرتبة من تلك المراتب حكمها، وسوف يتبين هذا من خلال ما سيأتي من مطالب. المطلب الثاني: حجية الإقرار: الإقرار - من حيث الجملة - حجة شرعية، فهو يدل على إذن النبي ﷺ في الفعل للشخص الذي أقره عليه، وعلى هذا اتفاق الأصوليين، وقد نقل هذا الاتفاق أكثر من واحد، فمن ذلك قول الجويني: "اتفق الأصوليون على أن رسول الله ﷺ إذا قرر إنسانًا على فعل فتقريره إياه يدل على أنه غير محظور" (١)، وكذلك أيضًا قال ابن حجر: "اتفقوا على أن تقريره ﷺ لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز" (٢)، وكذلك ما قاله القاضي عياض (٣): "من جوز الصغائر، ومن نفاها عن نبينا ﷺ مجمعون أنه لا يقر

стр. 344

على منكر من قول أو فعل، وأنه متى رأى شيئًا فسكت عنه دل على جوازه" (١)، ونقل الشوكاني عن القشيري (٢) الإجماع على أن التقرير لا خلاف في حجيته (٣). ومحل هذا الاتفاق في حق الشخص الذي أقره النبي ﷺ ، ولكن: هل يتعدى ذلك الحكم إلى غير الشخص المقرَّ؟ أم تنحصر دلالة إقراره ﷺ على الجواز في حق مرتكب الفعل فقط؟ جمهور الأصوليين على أن الحكم يتعدى إلى سائر المكلفين (٤)، خلافًا لما ذهب إليه ابن الباقلاني (٥) من قصر الحكم على الشخص المقرَّ فقط.

стр. 345

واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأدلة كثيرة منها: أن الأمة في أحكام الشرع سواء، فالأصل أن ما أباحه النبي ﷺ لرجل مباح لكل الأمة، وما حرمه على أحد فهو محرم على عموم الأمة، إلا أن يأتي الدليل على خلاف ذلك، فيكون مخصصًا لذلك الأصل، بل نقل العلائي (١) إجماع الأصوليين على أن الحظر إذا ارتفع في حق واحد ارتفع في حق الكل (٢)، وهذا دليل على أن الأمة كلها في الأحكام سواء، ويستدل الأصوليون على ذلك بما يروونه عن النبي ﷺ أنه قال: "حكمي على واحد حكمي على الجماعة" (٣) لكن هذا الحديث لا يصح، ويغني عنه قول النبي ﷺ : "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" (٤).

стр. 346

ويدل على ما ذهب إليه الجمهور أن هذا هو الموافق لفهم الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ورد أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا" (١). المطلب الثالث: مراتب الإقرار: المرتبة الأولى: أن يفعل الفعل في حضرته ﷺ أو في غيبته وينقل إلينا علم النبي ﷺ به: ما فعل في حضرته ﷺ اتفق الأصوليون على أنه صورة الإقرار، والأصل فيه، والسبب في ذلك أن النبي ﷺ لا يقر أحدًا على منكر، فمجرد علم النبي ﷺ به وسكوته كافٍ في الحجية، وذلك لأن النبي ﷺ اختص بكونه لا يسقط عنه الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر بحال من الأحوال، فلا يوجد عجز في حقه ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وإلى عدم اشتراط القدرة على الإنكار في حقه ﷺ ذهب الزركشي (٢) والمرداوي (٣)

стр. 347

وابن النجار (١)، وذهب جماعة منهم إلى اشتراط القدرة، وفسرت من قبل القائلين به بتفسيرين: الأول: أن يكون عاجزًا عن الإنكار، والثاني: أن يكون مشتغلًا بأمر آخر يمنعه من الإقرار. أما التفسير الأول فترده الآية، ومذهب الفقهاء السابق ذكره، أما التفسير الثاني: فلا يصح أيضًا فإن النبي ﷺ إذا زال هذا المانع - كأن يكون في صلاة ونحوها - كان واجبًا أن يبين ما الحكم في ذلك الفعل، إذ إنه ﷺ لا يجوز في حقه أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة. أما ما فعل في غيبته ﷺ ونقل إلينا أنه علم به، فلا يظهر فارق بينه وبين ما كان في حضرته ﷺ ، فحيث نقل لنا أن النبي ﷺ علم زال الفارق بين الصورتين: إذ الإقرار في الحقيقة كف عن الإنكار، ولا يحصل ذلك الكف إن لم يحصل العلم (٢)، وقد نص على اشتراط علم النبي ﷺ مكثير من الأصوليين كابن حزم (٣)، والشيرازي (٤)، والسمعاني (٥)، والشاطبي (٦)، وغيرهم.

стр. 348

* فمما وردت به السنة من ذلك: ما ورد من حديث أم عطية ﵁ قالت: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فاصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى" (١). وكذلك حديث ربيع بنت معوذ بن عفراء ﵁ قالت: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة" (٢). وأيضًا: ما ورد عن عائشة بنت طلحة ﷺ أن عائشة أم المؤمنين ﵁ حدثتها قالت: "كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا" (٣). المرتبة الثانية: أن يفعل الفعل في غيبته ولا يبلغنا أن رسول الله ﷺ وعلمه: إذا لم ينقل إلينا أن النبي ﷺ علم بذلك الفعل الذي فعل في عهده ﷺ فهل تقوم القرائن مقام النقل، أم لابد من النقل؟

стр. 349

الذي يظهر من صنيع الأصوليين اعتبار القرائن فيما كان هذا حاله (١): فإذا دلت القرائن على أن مثل ذلك لا يخفى على النبي ﷺ كان حجة، وإلا فليس بحجة، قال الأصفهاني: "ليس في هذه الدرجة - أي كنا نفعل في عهده - ما يدل على إضافة الحكم للرسول ﷺ ، ولكن الظاهر بحسب القرينة قصد المخبر بذلك أن يُعلِم بتقرير الرسول ﷺ بعد العلم بفعلهم وعدم إنكاره" (٢). ومن هذه القرائن: أن يسوقه الصحابي في موضع الحجة، أو يتكرر فيبعد أن لا يعلم النبي ﷺ به، أو يكون مما لا يخفى مثله على النبي ﷺ كأن يكون فعلًا لأحد زوجاته ﷺ ، أو يكون فعله مستفاضًا في زمنه ﷺ ، أو غير ذلك مما يصلح أن يكون قرينة. ومن أمثلة ذلك: - ما ورد عن أبي المثنى ﵁ قال: سألت ابن عمر ﵄ عن الأذان فقال: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أنك إذا قلت: قد قامت الصلاة قالها مرتين، فإذا سمعنا قد قامت الصلاة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة" (٣).

стр. 350

فليس في الحديث أن ذلك كان في حضور النبي ﷺ ولكن مثل هذا يتكرر حدوثه خمس مرات في اليوم والليلة فيستحيل ألا يبلغ النبي ﷺ ، ويشهد لذلك أن ابن عمر ﵄ ساقه في موضع الحجة. وأيضًا: ما ورد من حديث جابر ﵁ أنه قال: "كان معاذ يصلي العشاء مع رسول الله ﷺ ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة" (١). قال أبو إسحاق الشيرازي: "إنا نعلم من طريق العادة أن مثل هذا لا يجوز أن يخفى على رسول الله ﷺ من طريقين: أحدهما: أن الصلاة تتكرر ويتظاهر بها، فلا يخفى ذلك على رسول الله ﷺ مع طول المدة وصغر المدينة. الثاني: أنه إقدام على إحداث شرع، فلا يقدم عليه معاذ ﵁ من غير إذن رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يستأذنونه في مثل هذه الحوادث" (٢). - ما ورد عن أم سلمة ﵄ قالت: "كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا، فكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف" (٣).

стр. 351

- ما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان الصداق إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق" (١). - ما ورد من حديث ابن عمر ﵁ قال: "كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام" (٢). - ما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: "كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت فتًى شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك" (٣). - ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شباب" (٤).

стр. 352

- ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" (١). - ما ورد من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "إن كان ليكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان" (٢). - ما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من الدم قالت بريقها فقصعته بظفرها" (٣). - ما ورد عن أسماء بنت أبي بكر ﵁ قالت: "نحرنا على عهد النبي ﷺ فرسًا فأكلناه" (٤). - ما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا (٥) " (٦). - ما ورد عن معاذة أن امرأة سألت عائشة ﵂ قالت: "تختضب الحائض؟

стр. 353

فقالت: قد كنا عند النبي ﷺ ونحن نختضب فلم يكن ينهانا عنه" (١). المرتبة الثالثة: قول الصحابي: "كنا نفعل" دون إضافة لعهده ﷺ -: وهذه دون المرتبة التي قبلها، إذ الفرق بينهما التصريح بالإضافة إلى النبي ﷺ ، فليس في هذه الرتبة تصريح بالإضافة إلى النبي ﷺ ، وهذه الرتبة اختلف فيها الأصوليون على قولين: الأول: أنها حجة: وهو قول جماعة من الأصوليين منهم: القاضي أبو يعلى (٢) (٣)، وأبو الخطاب الكلوذاني (٤)، والآمدي (٥)، والسمعاني (٦)، والرازي (٧)،

стр. 354

وابن قدامة (١)، والنووي (٢)، ونقل النووي عن جمهور المحدثين أن ذلك يأخذ حكم المرفوع إلى النبي ﷺ (٣). واستدلوا على ذلك بأن الصحابي يسوقه في معرض الحجة، وهو لا يحكي إلا الشرع، فلا يكون هناك فارق بين ما أضافه لزمن النبي ﷺ وما لم يضفه، إذ القرينة في كليهما هي سوق الصحابي له في معرض الحجة. وذهب جماعة من القائلين بأن ذلك حجة إلى أنه من قبيل حكاية الإجماع (٤)، ويشكل على هذا أن الصحابي لا يقصد به حكاية الإجماع، لكن إذا إذا قيل بعصمة عصر الصحابة من شيوع قول باطل، وهو ما ذهب إليه جماعة من الأصوليين ونصره ابن القيم (٥) وهو القول الصحيح، فيصح القول بأنه إجماع إذا لم يعارضه ما يدل على اختيار صحابي لغير ذلك القول، فهو إجماع ظني. الثاني: أنها ليست بحجة: وهو قول جماعة منهم: الغزالي (٦)، والطوفي (٧)، والشوكاني (٨).

стр. 355

واستدلوا على ذلك بعدم وجود ما يدل على الحجية في هذه الصورة، فليس ثَمَّ إجماع، ولا يعلم اطلاع النبي ﷺ إذ يحتمل أن يكون فعل بعضهم بعده ﷺ . والراجح الذي يميل إليه الباحث أنه حجة ظنية يعمل به حتى يرد ما يخالفه. وذلك لأمرين: * أن الله حفظ هذا الدين من شيوع قول باطل دون أن يظهر مخالفه، وهذا الأمر وإن كان في كل عصر إلا أنه في عصر الصحابة أظهر، وهذا هو معنى عصمة الأئمة من الاجتماع على ضلالة، فشيوع فعل بين الصحابة ﵃، ونقل الصحابي له دون منكر يدل على أن هذا القول حق، وإن لم يكن مسوق في الأصل لبيان الإجماع. * أنه ليس كل احتمال يكون مسقطًا للاستدلال، وسوق الصحابي للحديث في معرض الحجة يدل على أن هذا الاحتمال [أي: احتمال أن يكون فعل الصحابة بعد النبي ﷺ ] احتمال نادر، وعلى فرض صحته فلا إشكال أيضًا، إذ هو بذلك يحكي فعلًا أطبق الصحابة على العمل به، فرجع إلى المعنى المذكور أولًا أن ذلك في حكم الإجماع، غير أنه إجماع ظني يعمل به إلى حين ورود ما يخالفه.
следующие страницы →