← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

- ما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان الصداق إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق" (١). - ما ورد من حديث ابن عمر ﵁ قال: "كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام" (٢). - ما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: "كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت فتًى شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك" (٣). - ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شباب" (٤).

стр. 352

- ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" (١). - ما ورد من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "إن كان ليكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان" (٢). - ما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من الدم قالت بريقها فقصعته بظفرها" (٣). - ما ورد عن أسماء بنت أبي بكر ﵁ قالت: "نحرنا على عهد النبي ﷺ فرسًا فأكلناه" (٤). - ما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا (٥) " (٦). - ما ورد عن معاذة أن امرأة سألت عائشة ﵂ قالت: "تختضب الحائض؟

стр. 353

فقالت: قد كنا عند النبي ﷺ ونحن نختضب فلم يكن ينهانا عنه" (١). المرتبة الثالثة: قول الصحابي: "كنا نفعل" دون إضافة لعهده ﷺ -: وهذه دون المرتبة التي قبلها، إذ الفرق بينهما التصريح بالإضافة إلى النبي ﷺ ، فليس في هذه الرتبة تصريح بالإضافة إلى النبي ﷺ ، وهذه الرتبة اختلف فيها الأصوليون على قولين: الأول: أنها حجة: وهو قول جماعة من الأصوليين منهم: القاضي أبو يعلى (٢) (٣)، وأبو الخطاب الكلوذاني (٤)، والآمدي (٥)، والسمعاني (٦)، والرازي (٧)،

стр. 354

وابن قدامة (١)، والنووي (٢)، ونقل النووي عن جمهور المحدثين أن ذلك يأخذ حكم المرفوع إلى النبي ﷺ (٣). واستدلوا على ذلك بأن الصحابي يسوقه في معرض الحجة، وهو لا يحكي إلا الشرع، فلا يكون هناك فارق بين ما أضافه لزمن النبي ﷺ وما لم يضفه، إذ القرينة في كليهما هي سوق الصحابي له في معرض الحجة. وذهب جماعة من القائلين بأن ذلك حجة إلى أنه من قبيل حكاية الإجماع (٤)، ويشكل على هذا أن الصحابي لا يقصد به حكاية الإجماع، لكن إذا إذا قيل بعصمة عصر الصحابة من شيوع قول باطل، وهو ما ذهب إليه جماعة من الأصوليين ونصره ابن القيم (٥) وهو القول الصحيح، فيصح القول بأنه إجماع إذا لم يعارضه ما يدل على اختيار صحابي لغير ذلك القول، فهو إجماع ظني. الثاني: أنها ليست بحجة: وهو قول جماعة منهم: الغزالي (٦)، والطوفي (٧)، والشوكاني (٨).

стр. 355

واستدلوا على ذلك بعدم وجود ما يدل على الحجية في هذه الصورة، فليس ثَمَّ إجماع، ولا يعلم اطلاع النبي ﷺ إذ يحتمل أن يكون فعل بعضهم بعده ﷺ . والراجح الذي يميل إليه الباحث أنه حجة ظنية يعمل به حتى يرد ما يخالفه. وذلك لأمرين: * أن الله حفظ هذا الدين من شيوع قول باطل دون أن يظهر مخالفه، وهذا الأمر وإن كان في كل عصر إلا أنه في عصر الصحابة أظهر، وهذا هو معنى عصمة الأئمة من الاجتماع على ضلالة، فشيوع فعل بين الصحابة ﵃، ونقل الصحابي له دون منكر يدل على أن هذا القول حق، وإن لم يكن مسوق في الأصل لبيان الإجماع. * أنه ليس كل احتمال يكون مسقطًا للاستدلال، وسوق الصحابي للحديث في معرض الحجة يدل على أن هذا الاحتمال [أي: احتمال أن يكون فعل الصحابة بعد النبي ﷺ ] احتمال نادر، وعلى فرض صحته فلا إشكال أيضًا، إذ هو بذلك يحكي فعلًا أطبق الصحابة على العمل به، فرجع إلى المعنى المذكور أولًا أن ذلك في حكم الإجماع، غير أنه إجماع ظني يعمل به إلى حين ورود ما يخالفه.

стр. 356

ومن أمثلة هذا النوع: ما ورد من حديث أم عطية ﵂ قالت: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا" (١). فرغم اختلاف الفقهاء في حكم الصفرة والكدرة، إلا أنهم جميعًا متفقون على حجية هذا القول (٢). المطلب الرابع: دلالة الإقرار: إقرار النبي ﷺ دليل على عدم الحظر، إذ لو كان محظورًا لأنكره ﷺ ، وقد نقل الجويني الاتفاق على هذا القدر، ونص عبارته: "اتفق الأصوليون على

стр. 357

أن رسول الله ﷺ إذا قرر إنسانًا على فعل، فتقريره إياه يدل على أنه غير محظور، ولو كان محظورًا لأنكره، ثم لا يمكن بعد ذلك قطع القول بكونه مباحًا أو واجبًا أو مندوبًا، بل تجتمع فيه هذه الاحتمالات، ولا يتبين من التقرير المطلق إلا نفي الحظر" (١)، وقد نص الشاطبي (٢) على أن دلالة الإقرار هي مجرد رفع الحرج، ونص جماعة منهم على أن دلالة الإقرار هي الإباحة: كابن حزم (٣) والغزالي (٤) والزركشي (٥) والمرداوي (٦)، وغيرهم. وفسر الجصاص نفي الحرج بأنه يدل على جواز المُقَرّ عليه على الوجه الذي وقع عليه الإقرار؛ فإن كان المقر عليه فعلًا وقع على صفة الوجوب دل الإقرار على كونه واجبًا، وإن وقع الفعل على وجه الندب فأُقِر على هذه الصفة كان دليلًا على أنه مندوب (٧). وإنه إذا لوحظ أن الفعل الذي وقع الإقرار عليه قد يوقعه صاحبه على غير صفة الإباحة، ثم لوحظ أن ترك الإنكار لا يدل إلا على مجرد الإذن في الفعل، كان ما ذهب إليه الجصاص هو أولى الأقوال بالاختيار، على أن الذي

стр. 358

يظهر لي أنه لا خلاف بين الأصوليين في ما ذكره الجصاص، وأن ما ذكره العلماء من دلالة الإقرار على الإباحة لا يخالف القول بدلالته على نفي الحرج إذ كثيًرا ما يستعمل العلماء الإباحة بهذا المعنى (١)، وأيضًا لو حُمل قولهم على إباحة الفعل على الصورة التي وقع بها - وهو أمر لابد منه - كان لا خلاف بينه وبين القول برفع الحرج. هل رفع الحرج عن الأقوال التي أقرها النبي ﷺ دليل على صحتها ؟ قسم الأصوليون الأقوال التي أقرها النبي ﷺ إلى قسمين: الأول: أن تكون تلك الأقوال في أمور الدنيا، أو إخبارًا عن أمر يقع، فلا دليل في ترك النبي ﷺ لإنكار هذا القول على صحته (٢). والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقض له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٣). الثاني: أن تكون تلك الأقوال في بيان أحكام شرعية، فإقرار النبي ﷺ

стр. 359

لهذه الأقوال دليل على صحتها، وهو قول الشيرازي (١) وأبي الحسين البصري (٢) وابن النجار الفتوحي (٣) وغيرهم. ومن الأمثلة على ذلك: ما ورد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد؛ إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه وإن سكت: سكَت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ ، فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت: سكت على غيظ، فقال: "اللهم افتح"، وجعل يدعو فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] (٤). قال أبو إسحاق الشيرازي: "فلما لم ينكر عليه دل ذلك على أنه إذا قَتل قُتل، وإذا قذف جلد" (٥). * * *

стр. 360

المبحث الثاني: ترك ما همَّ به ذكر الزركشي ما همَّ به النبي ﷺ قسمًا من أقسام الأفعال (١) وذكر الصنعاني أن الزركشي قد تُعقّب في عده ما همَّ به في أقسام السنة بأن الهمَّ أمرٌ خفي لابد أن يقترن بقول أو فعل فيعود إليهما (٢). وأما الشوكاني فبعد أن نقل ما ذكره الزركشي في البحر المحيط قال: "والحق: أنه ليس من أقسام السنة، لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون تمييز له، وليس ذلك مما آتانا الرسول ﷺ ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به فيه، وقد يكون إخباره ﵌ بما همَّ به للزجر، كما صح عنه أنه قال: "لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم" (٣). وقد ذكر الزركشي أن مثال ما همَّ به النبي ﷺ هو أنه ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه، قال الشافعي: "فيستحب الإتيان بما همَّ به الرسول ﷺ ". أما الشوكاني فلم يذكر هذا المثال، بل ذكر أن النبي ﷺ همَّ بمصالحة

стр. 361

الأحزاب على ثلث ثمار المدينة ثم قال: فقال الشافعي ومن تابعه: إنه يستحب الإتيان بما همَّ به النبي ﷺ . فرفْض الشوكاني لاعتبار أن ما همَّ به النبي ﷺ من أقسام السنة ما هو إلا نتيجة فهمٍ خاطئ لما ذكره الزركشي، والذي يظهر في ذلك أن ما نقله الزركشي عن الشافعي إنما هو خاص بالمثال الذي ذكره، ووصفه الأصولي أن ما همَّ النبي ﷺ بفعله ثم منعه منه مانع، وزال هذا المانع في حقنا فيستحب لنا فعل ذلك الفعل، وهذا ينطبق على المثال الذي ذكره الشافعي، ولأجل ذلك ذهب إلى أن للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء تنكيسه بجعل أعلاه أسفله بالحديث السابق. أما المثال الذي مَثَّل به الشوكاني: فلم أجد أحدًا ذكره، والذي ورد من ذلك أنه ﷺ أراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، ولم يصح (١)، وعلى

стр. 362

فرض صحته فلا يقول قائل أنه يستحب مصالحة العدو به، بل الحق في ذلك أن يقال: أن النبي ﷺ همَّ بأمر ولم يفعله لمانع ورد التصريح به، فيدل ذلك على أن ما همَّ به النبي جائز - إذ لا يهمُّ النبي ﷺ بمحرم -، ثم منع مانع من فعله لما همَّ به فيعتبر مثل هذا المانع في حقنا. وسيأتي الكلام على حديث تحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة. ولذا فإن ما يظهر للباحث هنا هو: أن ما همَّ به النبي ﷺ وإن كان أمرًا يخفى ولا سبيل إلى معرفته إلا بالقول - فلا شك أن له دلالة إذا نقل، وهو بذلك من أقسام الترك الكفي؛ لأنه ترك ما هم به، علمناه من إخباره ﷺ ، وهذا النوع من الترك ينقسم إلى قسمين: الأول: ما تركه النبي ﷺ مما همَّ به، وبين سبب ذلك فهذا يدخل في أنواع الترك المسبب. الثاني: ما تركه النبي ﷺ مما همَّ به ولم يبين لنا سبب ذلك.

стр. 363

والسبب في رفض الشوكاني عده من أقسام السنة أنه ظن أن ذلك يقتضي مشروعية التأسي به في فعل ما همَّ به وتركه، وليس ذلك بصحيح، بل التأسي فيه يكون بالنظر إلى التقسيم السابق: فإن كان ترك فعل ما همَّ به لمانع كان من قبيل الترك المسبب، وقد سبق بيان دلالة ذلك. وإن كان تركًا مطلقًا فالمشروع هو المتابعة في الترك لا الفعل. وفيما يلي بيان أمثلة على كلا النوعين: ١ - ترك ما همَّ به لمانع: وهو بذلك يدخل تحت الترك لأجل مانع يخبر به، وقد سبق عده من أقسام الترك المسبب، ومما يندرج تحته ما ذكر هناك من حديث جدامة بنت وهب الأسدية ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا" (١). ومن هذا النوع أيضًا ما ذكره الزركشي، وأصله ما ورد من حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: "استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة سوداء فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه" (٢).

стр. 364

قال ابن عبد البر: "ففي هذا الحديث دليل على أن الخميصة لو لم تثقل عليه ﷺ لنكسها وجعل أعلاها أسفلها" (١). قال الزُّرقاني (٢): "الجمهور على استحباب التحويل بلا تنكيس، واستحبه الشافعي في الجديد ... ولم يأخذ بذلك الجمهور لانفراد راويها بها في حديث ابن زيد" (٣). قال ابن حجر: "ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط" (٤). ٢ - ما تركه النبي ﷺ مما همَّ به لم يبين مانعًا: وهو بذلك يدخل تحت الترك المطلق. ومن أمثلة هذا النوع ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة

стр. 365

فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لهذا العشاء" (١). فليس في هذا الحديث ذكر للسبب المانع لرسول الله ﷺ من تحريق بيوتهم بالنار، سوى ما ورد في رواية واحدة أن رسول الله ﷺ قال: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار" (٢). ولكن هذه الرواية عن أبي هريرة ﵁ لم ترد إلا من طريق أبي معشر

стр. 366

عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأبو معشر ضعيف (١) فالزيادة لم تصح، ولو صحت لكان هذا الحديث من أنواع الترك المسبب، ولم أجد لهذه الرواية غير هذا الإسناد. ورغم اختلاف العلماء في دلالة هذا الحديث على وجوب صلاة الجماعة من عدمه، فإنه لم يقل أحد قط بجواز أن تحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، بل نقل ابن حجر عن الباجي انعقاد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك (٢). * * *

стр. 367

الباب الثالث الترك العدمي وفيه فصلان: الفصل الأول: بيان الترك العدمي. الفص الثاني: ما يلحق بالترك العدمي.

стр. 368

الفصل الأول بيان الترك العدمي ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: الأصل في المتروك. المبحث الثاني: البدعة والمصلحة المرسلة وعلاقتهما بالترك. المبحث الثالث: أقسام الترك العدمي ودلالته. المبحث الرابع: تطبيقات على الترك العدمي.

стр. 369

المبحث الأول: الأصل في المتروك سبق في الباب الثاني أن الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في العبادات المنع، وهو ما تأخر تفصيله إلى هذا الموضع؛ وذلك لأن دلالة الترك العدمي متوقفة عليه. المطلب الأول: الأصل في الأشياء: اشتهر بين الدارسين أن الأصل في الأشياء الإباحة (١)، وأن هذا هو مذهب الجمهور، ومع شهرة هذه المسألة، إلا أنها لم تعنون هكذا عند أهل

стр. 370

الأصول المتقدمين، بل غالب الأصوليين يترجمون لها بالأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، ومنهم من يقول: حكم أفعال المكلفين قبل ورود الشرع، والخلاف في ذلك لفظي يؤول إلى أمرٍ واحد؛ إذ المراد من حكم الأعيان حكم تناولها، الذي هو فعل المكلف، وهو ما يطلب حكمه في الحقيقة (١). وهذه المسألة - عند النظر فيها بادي الرأي - نجد أن الأصوليين لم يتفقوا فيها على قول واحد، ويمكن القول بأن هذه المسألة كان للأصوليين فيها اتجاهان متباينان أولًا، ثم ظهر اتجاه ثالث: الاتجاه الأول: أن أفعال المكلفين قبل ورود الشرع لله تعالى فيها حكم يمكننا معرفته بالعقل. الاتجاه الثاني: أن أفعال المكلفين قبل ورود الشرع لله تعالى فيها حكم لا يمكننا معرفته. الاتجاه الثالث: أن أفعال المكلفين قبل ورود الشرع لله تعالى فيها حكم عرفناه من الشرع لا من العقل. فالأفعال لابد لله تعالى فيها من حكم: فأما المعتزلة فقالوا: هذا الحكم - سواء كان هذا الحكم هو الحظر أو الإباحة - عرفناه بطريق العقل. ثم ألزموا من قال بأن لها حكمًا بأن يقول: إن طريق معرفته العقل،

стр. 371

لأن الشرع لم يرد بعد، فصار جمهور أهل السنة إلى الوقف، لأنهم إن قالوا بحكم قيل لهم: كيف عرفتموه ولا شرع؟، فلا مناص من إثباته بالعقل، وهو محور رئيس للخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، فليس لهم إلا أن يقولوا بأحد أمرين: الأمر الأول: أن تلك الأفعال لا حكم لها، وهذا القول ذهب إليه جماعة. الأمر الثاني: أن تلك الأفعال لا نعرف حكمها، لأن ذلك قبل الشرع، والأحكام لا يستدل عليها بالعقل، وهو الوقف، وإليه ذهب الأكثرون. ومع ذلك: فالكل إذا تكلم في الفقه: كان واقعه العملي أنه يثبت حكمًا يعرفه - بغض النظر عن الحكيم أهو التحريم أم الإباحة - إذ إنه يجعل الدليل الذي يطلبه ناقلًا عنه، فمن لاحظ ذلك المعنى ممن جاء بعد - من أهل السنة - قال: لها حكم عرفناه لا من طريق العقل، بل من طريق الشرع، وهذا هو الاتجاه الثالث الذي سبقت الإشارة إليه. فحاصل الأقوال إذن ثلالة: القول الأول: أنها على الحظر. والقول الثاني: أنها على الإباحة. وهذان القولان يشملهما أن يكون الحكم عُلم بدلالة العقل أو بدلالة الشرع. فمن قال بأحدهما من المعتزلة: فمورد الحكم العقل.

стр. 372

ومن قال بأحدهما من أهل السنة: فمورد الحكم الشرع (١). والقول الثالث: هو الوقف، وقد نسب الغزالي القول به إلى بعض المعتزلة (٢)، وقال به أهل السنة (٣). وهم في تفسير الوقف على أقوال (٤):

стр. 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 374

الأول: المراد بالوقف: عدم العلم. الثاني: المراد بالوقف: عدم الحكم. الثالث: المراد بالوقف: عدم المؤاخدة: أي الإباحة. فأما من قال بأنها على الحظر: فأغلب المعتزلة على القول به، أما من أهل السنة: فابن حامد (١)، وبعض

стр. 375

الشافعية والأبهري (١) من المالكية (٢). وأما من قال بأنها على الإباحة: فبعض المعتزلة فيما نقله الغزالي عنهم، ومن أهل السنة: "أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب (٣) والحنفية (٤) والظاهرية وابن سريج وأبو حامد

стр. 376

المروزي (١) وغيرهم" (٢). وأما من قال بأنها على الوقف فكثيرون: فنسب إلى: أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الصيرفي (٣) , وأبي علي الطبري (٤) وأكثر أصحاب الشافعية وسائر المتكلمين (٥).

стр. 377

وممن وقفت على نصه: ابن حزم (١) الظاهري، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٢)، وأبو إسحاق الشيرازي (٣)، والمظفر السمعاني (٤)، وأبو الخطاب الكلوذاني (٥)، والرازي (٦)، والسهروردي (٧) (٨)، وابن رشيق المالكي (٩)، وابن مفلح (١٠)، والجارابردي (١١)

стр. 378

والإسنوي (١)، وابن النجار الفتوحي (٢)، وآل تيمية (٣)، وابن برهان (٤) والسيوطي (٥)، والخطيب البغدادي (٦). الاستدلال على هده المذاهب الثلاثة: الاستدلال على المذاهب الثلاثة يتم على طريقتين: الطريقة الأولى: الاستدلال عليها باعتبار أن الدلالة عرفت بطريق العقل. الطريقة الثانية: الاستدلال عليها باعتبار أن العقل لا مدخل له في تلك المسألة، وإنما البحث فيما يدل عليه السمع من تلك الأقوال. أما الطريقة الأولى: فلا حاجة إلى التطويل فيها، فموردها - التحسين والتقبيح العقلي - مما قُتل بحثًا وبيانًا، ومعلوم مذهب أهل السنة فيه. وأما الطريقة الثانية: فتؤول الأقوال الثلاثة إلى قولين: الحظر والإباحة (٧).

стр. 379

وفيما يلي بيان الأدلة على كل قول: الاستدلال على الحظر: لم أجد تصريحًا - من القائلين بالحظر - بأن السمع قد دل عليه، لا نقلًا عنهم، ولا استدلالًا لهم، لكن الدليل الذي يذكر في هذا المحل هو: أن الأشياء كلها ملك لله تعالى، وله الخلق والأمر، وملك الغير لا يجوز تناوله من غير إذنه، فوجب أن تكون هذه الأشياء كلها على الحظر، وينبغي أن تبقى الأشياء على ملك مالكها، ولا يتعرض لشيء منها إلا بإذنه وأمره؛ لأن الملك علة الحرمة على غير المالك، بدليل سائر الأملاك، فإذا وجدت علة الحرمة ولم توجد علة الإباحة، كان الشيء على الحرمة (١). الاستدلال على الإباحة: استدل على هذا القول بآيات وأحاديث كثيرة منها: أولًا: من الكتاب: * قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. * قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].

стр. 380

* قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. * قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]. * قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]. * قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. * قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. * قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣١، ٣٢]. * قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥]. ووجه الدلالة من تلك الآيات: أن الله أخبر فيها عن إباحة ما خلق لنا مما نجده في الأرض فدل ذلك على أن ذلك هو الأصل حتى يأتي التحريم من الشرع لشيء بعينه. ثانيًا: من السنة: * ما ورد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" (١). قال الزركشي: "وهذا ظاهر في أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن

стр. 381

التحريم عارض" (١). * ما ورد عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال ﷺ : "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه" (٢). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ : رده إلى الأصل الذي يقيس به الحلال والحرام، فما سكت عنه فلا يدخل تحت دائرة الحرام. فائدة المسألة: الذي يذكره الأصوليون في فائدة هذه المسألة: أن من حرم شيئًا في الفقه أو أباحه فعلى ماذا يطلب الدليل، وإذا عدم الدليل فما هو الأصل الذي يبقى عليه حتى يجد الدليل؟ (٣) فأثر الخلاف يظهر في المسكوت عنه (٤). القول المختار: الذي يظهر لي أن القول الصحيح هو أن الأصل في الأشياء الإباحة وأن

стр. 382

هذا مذهب جمهور الأصوليين، ومقتضى صنيع عامة الفقهاء (١).

стр. 383

ولكن هل القول بذلك معناه أن الأصل في العبادات أيضًا الإباحة عند جمهور الأصوليين؟، هذا ما سأحاول بيانه في المطلب التالي. المطلب الثاني: الأصل في العبادات (١): سبق بيان أن القائلين بالوقف أدَّاهم إلى القول به: الفرار من إثبات أن للعقل مدخلًا في إثبات الأحكام، وهذا يقتضي أن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا من الشرع، وهو ما اتفق عليه أهل السنة قاطبةً، خلافًا للمعتزلة، فإذا كان هذا هو حالهم فيما علم من الشرع عدم الحرج فيه، فالمعقول أن يكونوا فيما يفعل على وجه التعبد أشد توقفًا وطلبًا للدليل، والنقولات التي ذكرت سابقًا تؤيد ذلك (٢) وتعضده، وهذا المعنى ذكره الأصوليون في باب الاستصحاب. لذا فإن القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة يقتضي جواز إثبات العبادة دون دليل إلا إذا دل الدليل على المنع منه، مجازفة عظيمة، وخطأ بالغ، وزلة فادحة، إذ العبادات من باب التكليف، ولا تكليف إلا بدليل، وقد نص على هذا غير واحد، فمن ذلك قول ابن القيم: "فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى

стр. 384

يقوم دليل على الأمر" (١)، وكذلك قول ابن تيمية: "باب العبادات والديانات والديانات والتقربات متلقاة عن الله ورسوله، فليس لأحد أن يجعل شيئًا عبادة وقربة إلا بدليل" (٢)، وفيما يلي من أقوال الأصوليين ما فيه تصريح بأن الأصل براءة الذمة من أي تكليف حتى يرد الدليل به: قال الشيرازي: " فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل، وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع، ولا ينتقل عنه إلا بدليل شرعي ينقله عنه" (٣). قال الغزالي: " وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع" (٤). قال الصنعاني: " لا شك أن لنا أصلًا متفقًا عليه، وهو أنه لا يثبت حكم من الأحكام إلا بدليل يثمر علمًا أو أمارة تثمر ظنًّا، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء قاطبة، بل بين كافة العقلاء من أهل الإيمان ومن أهل سائر الملل والأديان" (٥).

стр. 385

قال السُّهروردي: " دل العقل على براءة الذمة، ونفي الحرج، وما استروح إليه زاعموا الحظر قبل ورود الشرع بين إبطاله: فصوم شوال، وانتفاء وجوب سادسة من الصلوات باق على البراءة الأصلية" (١). قال المرداوي: " استصحاب العدم الأصلي وهو الذي عرف بالعقل انتفاؤه، وأن العدم الأصلي باق على حاله، كالأصل عدم وجوب صلاة سادسة، وصوم شهر غير رمضان، فلما لم يرد السمع بذلك حكم العقل بانتفائه لعدم المثبت له" (٢). وهذه النقولات تبين أنه ليس للمكلف أن ينتقل عن الأصل إلا بدليل، وتبين أيضًا أن الدليل إنما يأتي بإثبات العبادة، وعليه فالأصل عدمها حتى يأتي ما يثبتها، وهذا مما هو معلوم بالاضطرار من قواعد الشرع وكلام أهل العلم، ولولا أنه قد حصل في زماننا هذا من يدعي خلاف ذلك لما احتجنا إلى إقامة الدليل على مثل هذا الأمر. الأدلة على أن الأصل في العبادات المنع: من الكتاب: * قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].

стр. 386

أي: يعني "ما لم يأمر به" (١)، قال النسفي (٢): "شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله: أي لم يأمر به" (٣). ومن السنة: (١) حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٤).

стр. 387

قال الرازي: "قوله ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور": لا يريد به كل ما حدث بعد ما لم يكن، فإن جميع الأفعال هكذا، بل المراد منه: ما يأتي به الإنسان مع أنه ﵇ لم يأت بمثله، وذلك متناول للفعل والترك، فكل ما فعله الرسول ﷺ كان تركه بدعة، وكل ما تركه الرسول كان فعله بدعة. فلما حكم على البدعة أنها ضلالة، علمنا أن متابعة الرسول ﷺ في كل الأمور واجبة إلا ما خصه الدليل" (١). (٢) ما ورد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" (٣). قال النووي: "قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات ...

стр. 388

وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به" (١). قال ابن حجر: "وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه" (٢). (٣) ما ورد عن عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال له أبو موسى ﵁: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصا، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك - أو انتظار أمرك - قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم!، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال:

стр. 389

ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الله: حصا نعد به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده: إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ ، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير؟ قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله؛ ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (١). ما استدل به المجيزون: قبل بيان ما استدل به المجيزون تفصيلًا والرد عليه، لابد من بيان عدة أمور: أولًا: أن هذه الأدلة جمعتها من كتب المعاصرين، ولم أقف على أدلة لأحد من المتقدمين يقول بجواز إحداث عبادة دون أن يرد بحقها الدليل.

стр. 390

ثانيًا: أن الرد على تلك الأدلة فيه إجمال وتفصيل: أما الإجمال: فتلك الأدلة لا تخلو من أحد أمرين، إما أن تكون في غير محل النزاع، أو تكون غير صحيحة في الاستدلال. ويتضح ذلك الإجمال عند مناقشة تلك الأدلة على وجه التفصيل. ثالثًا: بالرجوع إلى شروح تلك الأحاديث لم أجد من نص على دلالة تلك الأحاديث على محل النزاع، وهو أن الأصل في العبادات الإباحة. رابعًا: كان من حق تلك المسألة أن يُقْتَصر فيها على بيان ما هو محل إجماع عند المتقدمين، ولا يُعَرَّج على ذلك الخلاف ما دام هذا القول مناقضًا للإجماع ولكن الذي دعى للعدول عن ذلك الأصل شهرة التمسك بهذه الأدلة في مقابلة من يذكر الإجماع القديم، وكثرة من استدل بها خصوصًا من يتابع الشيخ الغماري فيما ذهب إليه في الاستدلال على أن الأصل في الأشياء الإباحة بجواز إحداث عبادة. الدليل الأول: * ما ورد عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ " قال: أنا، قال: "رأيت بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" (١).
следующие страницы →