أي: يعني "ما لم يأمر به" (١)، قال النسفي (٢): "شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله: أي لم يأمر به" (٣).
ومن السنة:
(١) حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٤).
стр. 387
قال الرازي: "قوله ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور": لا يريد به كل ما حدث بعد ما لم يكن، فإن جميع الأفعال هكذا، بل المراد منه: ما يأتي به الإنسان مع أنه ﵇ لم يأت بمثله، وذلك متناول للفعل والترك، فكل ما فعله الرسول ﷺ كان تركه بدعة، وكل ما تركه الرسول كان فعله بدعة.
فلما حكم على البدعة أنها ضلالة، علمنا أن متابعة الرسول ﷺ في كل الأمور واجبة إلا ما خصه الدليل" (١).
(٢) ما ورد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" (٣).
قال النووي: "قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات ...
стр. 388
وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به" (١).
قال ابن حجر: "وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه" (٢).
(٣) ما ورد عن عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال له أبو موسى ﵁: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصا، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك - أو انتظار أمرك - قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم!، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال:
стр. 389
ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الله: حصا نعد به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده: إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ ، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير؟ قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله؛ ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم.
فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (١).
ما استدل به المجيزون:
قبل بيان ما استدل به المجيزون تفصيلًا والرد عليه، لابد من بيان عدة أمور:
أولًا: أن هذه الأدلة جمعتها من كتب المعاصرين، ولم أقف على أدلة لأحد من المتقدمين يقول بجواز إحداث عبادة دون أن يرد بحقها الدليل.
стр. 390
ثانيًا: أن الرد على تلك الأدلة فيه إجمال وتفصيل:
أما الإجمال: فتلك الأدلة لا تخلو من أحد أمرين، إما أن تكون في غير محل النزاع، أو تكون غير صحيحة في الاستدلال.
ويتضح ذلك الإجمال عند مناقشة تلك الأدلة على وجه التفصيل.
ثالثًا: بالرجوع إلى شروح تلك الأحاديث لم أجد من نص على دلالة تلك الأحاديث على محل النزاع، وهو أن الأصل في العبادات الإباحة.
رابعًا: كان من حق تلك المسألة أن يُقْتَصر فيها على بيان ما هو محل إجماع عند المتقدمين، ولا يُعَرَّج على ذلك الخلاف ما دام هذا القول مناقضًا للإجماع ولكن الذي دعى للعدول عن ذلك الأصل شهرة التمسك بهذه الأدلة في مقابلة من يذكر الإجماع القديم، وكثرة من استدل بها خصوصًا من يتابع الشيخ الغماري فيما ذهب إليه في الاستدلال على أن الأصل في الأشياء الإباحة بجواز إحداث عبادة.
الدليل الأول:
* ما ورد عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ " قال: أنا، قال: "رأيت بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" (١).
стр. 391
* ما ورد من حديث ابن عمر ﵄ قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ قال رجل من القوم: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا"، فقال رسول الله ﷺ : "من القائل كلمة كذا وكذا؟ "، قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال ﷺ : "عجبت لها فتحت لها أبواب السماء".
قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (١).
قالوا: الصحابي أحدث دعاءً جديدًا في الصلاة دون استئذان النبي ﷺ ، ثم إن النبي ﷺ أقرّه على ذلك ولم يعنَّفه ولم ينهه، والدعاء هو العبادة كما ورد في الحديث، فهذا دليل على جواز إحداث عبادة جديدة.
والرد على ذلك:
أنَّه لا يمانع من أن الصحابي دعا بدعاء لم يثبت له فضل قبل إقرار النبي ﷺ له، لكن ما حكم أن يدعو الرجل في الصلاة بدعاء يختاره ويراه؟
الجواب: أن حكم ذلك الإباحة بنص حديث النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما التسبيح والتكبير والتهليل" (٢) وهذا دليل على جواز أن يقول الصحابي في الصلاة
فما فعله ذلك الرجل كان مأذونًا له فيه، فلما دعا بدعاءٍ أقره النبي ﷺ وبيّن فضله كان إقرار النبي ﷺ وذكره لفضل الدعاء دليل على استحباب هذا الدعاء وتخصيصه بذلك الموطن.
وينبغي أن يتنبه هنا إلى ما هو موطن التعبد.
التعبد هنا يكون بعدة أمور:
الأول: الدعاء نفسه.
الثاني: تخصيص الدعاء بموضع بعينه.
стр. 394
أما الأول: فلا إشكال فيه كما سبق، أما الثاني: فهو موطن النزاع أو بعبارة أدق: الذي ينبغي أن يكون، وظاهر من الحديث أن الصحابي لم يخصصه بذلك الموضع، أي لم يتعبد بهذا الذكر في هذا الموضع ولا غيره من الصحابة حتى ثبت فضله بقول النبي ﷺ (١).
فلا يقول أحدٌ إن الصحابي خصص ذلك الموضع بهذا الدعاء وتعبد بذلك قبل إقرار النبي ﷺ له، ثم إن في الحديث ما يشعر أن المستقر عند الصحابة ابتداء أنهم غير مأذون لهم في إحداث ما لم يرد به نص وذلك أنه فهم من سؤال النبي ﷺ الاستنكار ابتداءً حتى بين النبي ﷺ أن ذلك الفهم غير مراد (٢).
стр. 395
الدليل الثاني:
* ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة"، قال: "ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" (١).
стр. 396
قالوا: أحدث عبادة لم يكن مأذونًا له فيها على القول بأن الأصل في العبادات المنع.
والرد: أن الصلاة في كل وقت مندوب إليها، ولم يرد في الحديث أن بلالًا اعتقد أفضلية ذلك أو خصص تلك الصلاة بهذا الموضع تعبدًا بذلك التخصيص، بل هذا لم يثبت حتى ذكر النبي ﷺ فضل العمل الذي عمله بلال، ومعلوم أن من أقوى طرق ثبوت الاستحباب لعمل أن يرد الدليل بذكر فضل له.
فعلى مقتضى الدليلين السابقين يكون:
العبادة المأذون فيها في كل وقت لا مانع من فعلها في الوقت المأذون فعلها فيه دون تخصيص لوقت معين بفضل، حتى يرد بذلك التخصيص دليل شرعي، فمن دعا بدعاء حسن لا مانع منه ما دام لم يخصص هذا الدعاء بوقت يعتقد أنه في ذلك الوقت أفضل من غيره، أو أن له فضلًا أو أجرًا لم يرد به الدليل.
الدليل الثالث:
* ما ورد من حديث عمرو بن دينار ﵁ قال: قلت لجابر بن زيد ﵁: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو ﵁ عن رسول الله ﷺ
стр. 397
ولكن أبى ذلك البحر - يعني ابن عباس ﵄ وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقد كان أهل الجاهلية يتركون أشياء تقذرًا، فأنزل الله تعالى كتابه، وبيَّن حلاله، وحرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١) [الأنعام: ١٤٥].
وورد عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال ﷺ : "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه" (٢).
* وفي رواية أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن نسيًا، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] " (٣).
стр. 398
* وورد عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تتكلفوها، رحمة من ربكم فاقبلوها" (١).
* وعن ابن عباس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا إن الله فرض فرائض، وسن سننًا، وحد حدودًا، وأحل حلالًا، وحرم حرامًا، وشرع الدين، فجعله سهلًا سمحًا واسعًا، ولم يجعله ضيقًا، ألا إنه لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ومن نكث ذمتي لم ينل شفاعتي، ولم يرد علي الحوض، ألا إن الله لم يرخص في القتل إلا ثلاث: مرتد بعد إيمان أو زان بعد إحصان أو قاتل نفس فيقتل بقتله ألاهل بلغت؟ " (٢).
стр. 399
قالوا: هذه الأحاديث تدل على أن المسكوت عنه باق على الأصل الذي هو الإباحة (١).
والرد عليهم:
أن هذه الأدلة كلها مما يستدل به على أن الأشياء الأصل فيها الإباحة، ولا مدخل له في التعبدات بوجه من الوجوه، والكل يقول بذلك، فالأصل فيما عقل معناه في المعاملات والمطعومات والمشروبات إباحته حتى يرد الدليل بالمنع منه.
لكن أين دلالة تلك الأحاديث على أن الأصل في العبادات الإباحة؟!
فالأحاديث كلها في بيان ما يحل وما يحرم من المطعومات، ومعلوم أن ذلك ليس محله العبادات (٢).
الدليل الرابع:
* ما ورد عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية وكان
стр. 400
يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ "قل هو الله أحد"، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك"، فسألوه فقال: "لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها"، فقال النبي ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" (١).
قالوا: فعل فعلًا لا يقع إلا عبادة وأقره النبي ﷺ على ذلك.
والجواب: ما هو الذي أقره النبي ﷺ عليه وما هو الذي أحدثه ذلك الرجل.
فالذي فعله ذلك الرجل أنه واظب على فعل لم يتبين وجه مواظبته عليه، فلما أخبر النبي ﷺ لم يقرر حكمًا بل سأله لماذا يفعل ذلك؟
فلما ذكر له سببًا مشروعًا أجاب باعتبار السبب.
وإذا استُحضر هنا - ولابد من ذلك - قول الأصوليين السؤال معاد في الجواب، فيكون معنى إقرار النبي ﷺ : إقراره على الفعل بهذا السبب، فهذا مشروع لأن الشرع اعتبره، ولا يطلق هذا الفعل بدون تقيد بالسبب؛ لأن النبي ﷺ لم يقره إلا بعد معرفة سببه، ثم إنه لم يقل أحد من أهل العلم باستحباب قراءة الصمد في كل ركعة استدلالًا بهذا الحديث، بل غايته جواز ذلك الفعل، وهذا الجواز مستفاد من إقرار النبي ﷺ المشروط بما
стр. 401
أجاب به ذلك الرجل (١).
الدليل الخامس:
* ما ورد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة، عراة، مجتابي النمار - أو العباء - متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا، فأذن وأقام فصلى ثم خطب، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨]، "تصدق رجل من ديناره، من
стр. 402
درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة"، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها - بل قد عجزت - قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١).
قالوا:
هذا الحديث أصل في جواز إحداث عبادة دون الحاجة لدليل، بل غلا البعض فقال: البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع مستندًا إلى هذا الحديث.
والرد:
لبيان معنى هذا الحديث لابد من بيان معنى البدعة فأذكره هنا على سبيل الإجمال وله تفصيل في المبحث الذي بعد هذا.
تطلق البدعة في لسان حملة الشرع أحيانًا بمعنى البدعة الشرعية وأحيانًا بمعنى البدعة اللغوية.
فالبدعة اللغوية: ما ليس على مثال سابق.
стр. 403
فمن استعمل ذلك المعنى في التعبديات وغيرها: جوَّز حصول البدعة في الدين.
ومن خص البدعة بكونها في التعبديات فقط: منع من حصولها على الإطلاق.
وعلى ذلك فـ "من سن في الإسلام سنة حسنة" معناه: "من أتى بما ليس على مثال سابق".
فإن كان ذلك في غير محل التعبد فذلك معنى صحيح لا إشكال فيه، وهو أصل في إثبات العمل بالمصالح المرسلة.
أما أن يكون ذلك في موطن التعبدات فهذا غير موافق لسبب الحديث أولًا، ولا يجري على قواعد الشرع ثانيًا، إذ يلزم منه أنه لا بدعة في الدين مطلقًا، فأين ذلك من قول النبي ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (١).
على أن العلماء الذين شرحوا هذا الحديث قالوا: "من سن في الإسلام" أي: من أحيا سنة قد أميتت، ولم يقل أحد قط بجواز إحداث عبادة باعتبار هذا الحديث (٢).
فرع: حكم وسائل العبادات:
كل ما يعين ويساعد على أداء العبادة فهو وسيلة إليها، فالوسيلة في اللغة: "كل ما يتوصل به إلى مطلوب" (١)، لكن ليس المراد هنا كل فعل يعين على أداء العبادة، وإن كان عبادة في نفسه، بل المراد تلك الأفعال التي لا يقصد بها التعبد (٢)، ولا تقع قوبة في الأصل، لكن تلك الأفعال مما يساعد على أداء العبادة ويعين عليها، فما هو الأصل في هذه الأفعال، هل ما زالت
стр. 406
تندرج تحت الأشياء التي الأصل فيها الإباحة (١)، أم أنها صارت جزءًا من العبادة فيكون الأصل المنع حتى يرد الدليل بجواز اعتبار تلك الوسائل؟ (٢)
الذي يظهر لي في ذلك أن هذه الأفعال ما زالت تندرج تحت الأشياء التي لا يراد بها التعبد فيكون الأصل فيها الإباحة، وذلك بشرط أن يكون الفعل لا يقع قربة، فإذا حصل التعبد بتلك الوسيلة فلابد حينئذ من ورود الدليل بجوازها.
ومثال ذلك اتخاذ مكبرات الصوت في الأذان: فإن استعمال مكبرات الصوت أمر مباح باعتبار الأصل، فإذا استعملت في الأذان كان ذلك جائزًا ومباحًا، إلا أن يقول قائل: أنا أتقرب إلى الله تعالى باستعمال المكبرات لذاتها لا لكونها وسيلة، فحينئذ يكون فعله هذا مفتقرًا إلى الدليل بخصوصه.
стр. 407
ويلاحظ هنا أنه لابد من التفريق بين قصد التقرب بالفعل بذاته، وبين التقرب بالفعل بكونه وسيلة للعبادة، فالأمر الأول يلحق بالعبادات التي الأصل فيها المنع حتى يرد الدليل بالمشروعية، والأمر الثاني يلحق بالأشياء التي الأصل فيها الإباحة حتى يرد الدليل بالمنع.
стр. 408
المبحث الثاني: البدعة والمصلحة المرسلة وعلاقتهما بالترك
تبين في المبحث السابق أن الترك العدمي منه ما يدل على المنع ومنه ما يدل على الإباحة، فهل فعل المكلف لما هو ممنوع منه في جانب العبادات يكون ذلك بدعة أم لا؟ وهل المأذون فيه هو ما عبر عنه أهل الأصول بأنه مصلحة مرسلة؟ وإن كان الأمر كذلك فما هي العلاقة بينهما؟
هذا ما أحاول بيانه في هذا المبحث عبر مطلبين هما:
المطلب الأول: التعريف بالبدعة وعلاقتها بالترك .
المطلب الثاني: التعريف بالمصالح المرسلة وعلاقتها بالترك.
المطلب الأول: التعريف بالبدعة وعلاقتها بالترك:
المسألة الأولى: المراد بالبدعة في اللغة:
أصل البدعة من مادة بَدَعَ.
فـ "الباء والدال والعين أصلان أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال.
فالأول قولهم أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا إذا ابتدأته لا عن سابقة مثال، والله بديع السماوات والأرض.
والعرب تقول: ابتدع فلان الركن إذا استنبطه" (١).
стр. 409
قال ابن سيده: "بَدَعَ الشيء يَبدَعُه بَدعًا وابتدعه: أنشأه وبدأه" (١).
قال الأزهري: "أخبرني المنذري عن الحران عن ابن السكيت: البدعة كل محدثة" (٢).
قال الخليل: "البَدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلقٌ ولا ذكرٌ ولا معرفةٌ" (٣)، فـ "فلان بِدع في هذا الأمر أي أوّل لم يسبقه أحد" (٤)، و "البدعة: ما عُمل على غير مثال سابق" (٥)، وهي اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه وأحدثه (٦).
فالبدعة في اللغة إذن: ما ليس على مثال سابق.
المسألة الثانية: المراد بالبدعة في الشرع:
هناك اتجاهان مشهوران في تحديد البدعة الشرعية:
الاتجاه الأول: يمثله الشاطبي ومن وافقه.
стр. 410
الاتجاه الثاني: يمثله العز بن عبد السلام (١) ومن وافقه.
ولابد من بيان معنى البدعة عند كل اتجاه، ثم بيان نوع هذا الخلاف هل هو لفظي أم حقيقي، ثم بيان الاتجاه المُختار.
الاتجاه الأول في تعريف البدعة:
بوب الشاطبي - في كتابه الاعتصام (٢) - لتعريف البدعة بابًا كاملًا، وقد عرف فيه البدعة بتعريفين:
الأول: عبارة عن طريقةٍ في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.
الثاني: البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
فالشاطبي يشترط في البدعة أن يقصد بها التقرب إلى الله سبحانه - سواء بالتعريف الأول أو الثاني - وهي بذلك لا تكون إلا مذمومة.
وهذا الذي ذهب إليه الشاطبي ذهب إليه جماعة من أهل العلم قبله وبعده، فمن ذلك:
стр. 411
ما نقله الشاطبي عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: "من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا".
قال ابن تيمية: "البدعة ما لم يشرعه الله من الدين" (١).
قال ابن حجر الهيتمي: "البدعة الشرعية ضلالة كما قال ﷺ ، ومن قسَّمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسَّم البدعة اللغوية" (٢).
قال العيني: " (محدثاتها) جمع محدثة، والمراد به ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، وسُمي في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة" (٣).
قال أبو شامة: "البدعة: التي يظنها الناس أنها قربة وهي بخلاف ذلك" (٤).
قال ابن رجب (٥): "فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة
стр. 412
إلى الدين، فعمله باطل مردود عليه" (١).
ويستدل هذا الاتجاه على أن البدعة الشرعية لا تكون إلا مذمومة بأدلة كثيرة: أبرزها العموم المؤكد في قول النبي ﷺ : "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢) فـ "كل" من أقوى صيغ العموم.
قال ابن رجب: "فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين" (٣).
ومن الأدلة أيضًا:
قول النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" (٤).
وقول النبي ﷺ : "إن لكل عمل شِرَّة ثم فَترَة، فمن كانت فترَتُه إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى" (٥).
стр. 413
وقول معاذ بن جبل ﵁: "إن من ورائكم فتنًا. . . فإياكم ومما ابتدع فإن ما ابتُدع ضلالة" (١).
الاتجاه الثاني في تعريف البدعة:
البدعة على الاتجاه الثاني هي: كل ما لم يكن على عهد النبي ﷺ .
قال النووي: "البدعة - بكسر الباء - في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ " (٢).
قال ابن الجوزي (٣): "البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع" (٤).
стр. 414
وأشهر من نُقل عنه تفصيل القول في ذلك هو العز بن عبد السلام، فقد قال:
"البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله ﷺ ، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة وبدعة محرمة وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة.
والطريق إلى ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة" (١).
وممن وافقه على ذلك:
الزركشي (٢) والقرافي (٣) ومحمد بن جُزَيّ المالكي (٤)(٥)
стр. 415
والسيوطي (١) وغيرهم.
الموازنة بين القولين:
بإجالة النظر في النقول المتقدمة يصح القول بأن المقصود بالبدعة عند الاتجاه الأول غير المقصود بها عند الاتجاه الثاني:
فالبدعة عند الشاطبي - ومن وافقه - ليست كل محدث، بل هي خاصة بالشرعية فقط، وهي عند الاتجاه الثاني: كل محدث سواء كان شرعيًّا أم لا.
فالاتجاه الأول أراد بالبدعة المعنى الشرعي فقط، ولذلك فالبدعة عنده لا تكون إلا ضلالة.
والاتجاه الثاني أراد المعنى اللغوي - وهو كل ما أحدث - وهو أعم من المعنى الشرعي.
قال الشيخ محمد بخيت المطيعي: "البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، أما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام. . . إلخ فهي البدعة اللغوية، وهي أعم من الشرعية لأن الشرعية قسم منها" (٢).
стр. 416
وبذلك يكون محل البحث: هل البدعة الشرعية مذمومة عند أصحاب الاتجاه الثاني أم لا؟، فإذا كانت مذمومة يكون بذلك الخلاف لفظيًّا فقط، وإن كانت غير مذمومة يكون الخلاف معنويًّا.
والذي يظهر لي أن الخلاف هنا لفظي، وممن ذهب إلى ذلك ونصره الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز، فقد قال - بعد أن ذكر الاصطلاحين السابقين -: "إذا عرفت هذا تبين لك أن اختلاف الفريقين في ذم البدعة إطلاقًا وتفصيلًا ليس اختلافًا حقيقيًّا في موضوع واحد، وإنما هو اختلاف اسمي تابع لاختلاف موضوع الحكم، فالمعنى الذي يحكم عليه الفريق الأول بالذم مطلقًا لا يفصل فيه الفريق الثاني، إذ لم يقل أحد منهم بتحسين شيء لم يرد بحسنه دليل أو شاهد شرعي، كما أن المعنى الذي يفصل فيه هذا الفريق لا يطلق الأولون القول بذمه، إذ لم يقل أحد منهم بأن كل ما لم يفعل بخصوصه في زمن النبي ﷺ يكون مذمومًا، وإن شهدت له الأدلة وأجمع عليه الصحابة" (١)، وإلى مثل هذا ذهب الشيخ علي محفوظ (٢).
وبذلك يتبين أن ما ذهب إليه بعض المعاصرين من جواز أن تقع بدعة شرعية في الدين وتكون ممدوحة مما لم يقل به أحد من العلماء المتقدمين قط، وهذا كافٍ في رد قوله وعدم اعتباره.
стр. 417
مما سبق يتبين أن البدعة استُعلمت بمعنيين:
الأول: المعنى اللغوي.
الثاني: المعنى الاصطلاحي.
فالبدعة بالمعنى اللغوي تنقسم إلى الأقسام المعروفة السابقة الذكر، والبدعة بالمعنى الشرعي لا تكون إلا مذمومة.
المسألة الثالثة: حكم البدعة الشرعية وعلاقتها بالترك:
البدعة الشرعية لا تكون إلا مذمومة - بخلاف البدعة اللغوية - وقد ذهب الشيخ عبد الله دراز إلى أن ذلك محل اتفاق، فقال: "لا يسع مسلمًا فضلًا عن إمام من أئمة المسلمين أن يفصل فيها بين مستحسن وغير مستحسن، إذ لا خفاء أن كل اختراع في الدين لما لا دليل عليه من جهة الشرع إنما هو اغتصاب لمنصب الشارع واستدراك عليه، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بواح، وإلا فأقل ما يقال فيه: أنه باطل مردود على صاحبه" (١).
стр. 418
والضابط في معرفة البدعة الشرعية من غيرها هو قصد التقرب، وذلك بأن يكون الفعل لا يصح وقوعه إلا على سبيل التقرب، أو كان فيه مصلحة فُعل من أجلها لكن قُصد بإيقاعه التقرب، وهذا مستفاد بل من لوازم الأصل الذي قُرر سابقًا من أن الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل بخلاف ذلك.
وبذلك فليس كل محدث بعد النبي ﷺ بدعة، بل لابد من أن يكون في جانب العبادات بأن يكون مقصود فاعله التقرب به إلى الله تعالى، أو يكون الفعل في ذاته لا يقع إلا مقصودًا به التقرب إلى الله تعالى، فإذا لم يكن كذلك فليس ببدعة.
وأيضًا فليس كل مخالفة للشرع تكون بدعة، بل المخالفة منها ما هو معصية وبدعة، ومنها ما هو معصية فقط دون أن تكون بدعة، وذلك إذا لم يقصد بها التقرب، ولم تفعل على أنها دين وطاعة لله .
وبهذا التقرير السابق يظهر أن البدعة لا تختص بالترك العدمي فقط، بل تتعلق بالترك الوجودي أيضًا:
فالترك المجرد في جانب العبادات يدل على التحريم، وإيقاع هذا الفعل الممنوع منه بدعة.
والترك العدمي إذا كان في جانب العبادات فإنه يدل على التحريم - كما سيأتي بيانه - ويكون إيقاع هذا الفعل الممنوع منه بدعة أيضًا.
стр. 419
المطلب الثاني: المصلحة المرسلة وعلاقتها بالترك:
المسألة الأولى: تعريف المصلحة في اللغة:
المصلحة: مَفْعَلة من الصلاح بمعنى حسن الحال.
وصيغة "مفعلة" هذه تستعمل لمكانٍ ما، كثُر فيه الشيء المشتقة منه، فالمصلحة إذًا - عند علماء التصريف والنحو - شيء فيه صلاح قوي (١).
والمصلحة: الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه، وأصلح الدابة: أحسن إليها فصلحت (٢).
"والمصلحة بمعناها الأعم كما يتصورها الإنسان: كل ما له نفع له، سواء أكان بالجلب والتحصيل كتحصيل الفوائد واللذائذ، أو بالدفع والاتقاء كاستبعاد المضار والآلام، فكل ما فيه نفع جدير بأن يسمى مصلحة" (٣).
ويرى الدكتور مصطفى زيد أن الكلمة عند اللغويين واضحة لا تحتاج إلى تفسير (٤)، فهي ضد المفسدة (٥)، ويرى الدكتور محمد شلبي أنها ما يترتب
стр. 420
على الفعل ويبعث على الصلاح، ومنه سُمي ما يتعاطاه الإنسان من الأعمال الباعثة على نفعه: مصلحة تسمية للسبب باسم المسبب مجازًا مرسلًا (١).
وفي لسان العرب: "الصلاح: ضد الفساد. . وربما كنوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة كقول يعقوب:. . مَطَرةٌ صالحة. .، والإصلاح نقيض الفساد" (٢).
حاصل القول أن المصلحة في اللغة: "المنفعة: سواء كانت دنيوية أم أخروية بجلب نفع أو بدفع ضرر" (٣).
المسألة الثانية: المصلحة في اصطلاح الأصوليين:
المصلحة عند الأصوليين هي كل ما يؤدي إلى حفظ مقصود الشرع، سواء كان في العادات أو في العبادات، يقول الغزالي: "نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم.
فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (٤).
стр. 421
ونقل الزركشي عن الخوارزمي (١) أن المراد بالمصلحة: "المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق" (٢).
ويرى الدكتور محمد شلبي أن المصلحة في اصطلاح الفقهاء والأصوليين تطلق بإطلاقين:
الأول: مجازي وهو السبب الموصل إلى النفع.
الثاني: حقيقي وهو نفس المسبب الذي يترتب على الفعل من خير ومنفعة (٣).
وعرفها الشاطبي بأنها: "ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل شهد برده، كان مردودًا باتفاق المسلمين" (٤).
стр. 422
حاصل القول في تعريف المصلحة عند الأصوليين أنها ليست مطلقة بجلب أي منفعة بل هي مقيدة عندهم بقيدين:
الأول: أن تكون تلك المنفعة محققة لحفظ أحد المقاصد الخمسة وهي حفظ الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال.
الثاني: أن تكون تلك المصلحة لم يشهد الشرع بردها.
أقسام المصلحة بالنظر إلى اعتبار الشرع لها:
تنقسم المصلحة من جهة اعتبار الشرع لها وعدمه إلى ثلاثة أقسام (١):
* القسم الأول:
مصلحة شهد لها الشرع بالاعتبار فهذه هي المصلحة المعتبرة، مثل المشقة في السفر.
* القسم الثاني:
مصلحة شهد لها الشرع بالبطلان وذلك بأن تكون على خلاف النص أو الإجماع، أو يرد النص والإجماع بإلغائها، فهذه مصلحة ملغاة، مثل التسوية بين الأولاد والبنات في الميراث.
* القسم الثالث:
مصلحة سكت عنها الشرع فلم يشهد لها بالاعتبار ولم يشهد لها بالإلغاء، وهذه هي المصلحة المرسلة. وهي ما يسميه العلماء بالمناسب المرسل، وهي محل حديثنا.
стр. 423
تقسيم الطوفي:
أما الطوفي فقد نحى منحىً آخر، ذلك أنه بعد أن ذكر تقسيم الأصوليين السابق ذهب إلى أن كل ذلك تطويل لا حاجة إليه، إذ إن الشريعة ما أتت إلا لتحصيل المصالح ودفع المفاسد، وعلى ذلك فما كان مصلحة من كل وجه فلابد من تحصيله وإن خالف النص والإجماع، وإن كان مفسدة من كل وجه فلابد من إلغائه، وما كان مصلحة من وجه مفسده من وجه اعتبر في ذلك الغالب وأطال في تقرير ذلك الذي ذهب إليه (١).
اعتبار المصالح أو عدمه ليس في الأفعال التعبدية:
مجال اعتبار المصلحة أصلًا تشريعيًا في المذاهب هو المعاملات والسياسة الشرعية والعادات، أما العبادات فلا مدخل للمصلحة المرسلة فيها، إذ إن العبادات لا تبنى على المصلحة، وإنما مبنى العبادات على التلقي من الشرع، وهو معنى أن الأصل في العبادات المنع، يقول الدكتور مصطفى زيد: "إن
стр. 424
مجال هذا كله، إنما هو العادات والمعاملات مما يقصد به سياسة المكلفين، أما العبادات فهي حق الشارع، لا يتلقى إلا منه" (١).
المسألة الثالثة: تعريف المصلحة المرسلة وحجيتها:
بهذا التقرير السابق يظهر أن المصلحة المرسلة هي كل مصلحة لم يشهد لها الشرع بالاعتبار أو الإلغاء، ويطلق عليها عند الأصوليين "المناسب المرسل" و "الاستدلال" و "الاستدلال المرسل" و "الاستصلاح".
ولا شك أن المصالح المرسلة ليست خالية من أي دليل - كما يوهم المعنى الحقيقي للإرسال - إذ إن الشرع قد شهد للمصالح بالاعتبار في الجملة، وإنما لم يشهد الشرع لها بالاعتبار على وجه الخصوص.
أقوال الأصوليين في حجية المصلحة المرسلة:
المصلحة المرسلة بهذا التعريف مما اختلف فيه الأصوليون اختلافًا طويلًا (٢)
стр. 425
وحاصل هذه الأقوال ثلاثة:
* القول الأول: الجواز مطلقًا.
أي جواز اعتبار المصالح المرسلة في الأحكام.
وهذا القول منقول عن مالك على اختلاف بين العلماء في تفصيل مذهبه وقوله (١). ومذهب الطوفي في تقديم المصلحة على النص والإجماع موافق لهذا المذهب في هذا القدر (٢).
* القول الثاني: المنع مطلقًا.
أي المنع من الاستدلال بالمصالح المرسلة على الأحكام.
وهذا القول نسبه الزركشي لأكثر الأصوليين، وحكاه عن طوائف المتكلمين، ونُسب للشافعي (٣) وهو قول الباقلاني (٤)، وهو اختيار الآمدي (٥)،