← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ونقل الزركشي عن الخوارزمي (١) أن المراد بالمصلحة: "المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق" (٢). ويرى الدكتور محمد شلبي أن المصلحة في اصطلاح الفقهاء والأصوليين تطلق بإطلاقين: الأول: مجازي وهو السبب الموصل إلى النفع. الثاني: حقيقي وهو نفس المسبب الذي يترتب على الفعل من خير ومنفعة (٣). وعرفها الشاطبي بأنها: "ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل شهد برده، كان مردودًا باتفاق المسلمين" (٤).

стр. 422

حاصل القول في تعريف المصلحة عند الأصوليين أنها ليست مطلقة بجلب أي منفعة بل هي مقيدة عندهم بقيدين: الأول: أن تكون تلك المنفعة محققة لحفظ أحد المقاصد الخمسة وهي حفظ الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال. الثاني: أن تكون تلك المصلحة لم يشهد الشرع بردها. أقسام المصلحة بالنظر إلى اعتبار الشرع لها: تنقسم المصلحة من جهة اعتبار الشرع لها وعدمه إلى ثلاثة أقسام (١): * القسم الأول: مصلحة شهد لها الشرع بالاعتبار فهذه هي المصلحة المعتبرة، مثل المشقة في السفر. * القسم الثاني: مصلحة شهد لها الشرع بالبطلان وذلك بأن تكون على خلاف النص أو الإجماع، أو يرد النص والإجماع بإلغائها، فهذه مصلحة ملغاة، مثل التسوية بين الأولاد والبنات في الميراث. * القسم الثالث: مصلحة سكت عنها الشرع فلم يشهد لها بالاعتبار ولم يشهد لها بالإلغاء، وهذه هي المصلحة المرسلة. وهي ما يسميه العلماء بالمناسب المرسل، وهي محل حديثنا.

стр. 423

تقسيم الطوفي: أما الطوفي فقد نحى منحىً آخر، ذلك أنه بعد أن ذكر تقسيم الأصوليين السابق ذهب إلى أن كل ذلك تطويل لا حاجة إليه، إذ إن الشريعة ما أتت إلا لتحصيل المصالح ودفع المفاسد، وعلى ذلك فما كان مصلحة من كل وجه فلابد من تحصيله وإن خالف النص والإجماع، وإن كان مفسدة من كل وجه فلابد من إلغائه، وما كان مصلحة من وجه مفسده من وجه اعتبر في ذلك الغالب وأطال في تقرير ذلك الذي ذهب إليه (١). اعتبار المصالح أو عدمه ليس في الأفعال التعبدية: مجال اعتبار المصلحة أصلًا تشريعيًا في المذاهب هو المعاملات والسياسة الشرعية والعادات، أما العبادات فلا مدخل للمصلحة المرسلة فيها، إذ إن العبادات لا تبنى على المصلحة، وإنما مبنى العبادات على التلقي من الشرع، وهو معنى أن الأصل في العبادات المنع، يقول الدكتور مصطفى زيد: "إن

стр. 424

مجال هذا كله، إنما هو العادات والمعاملات مما يقصد به سياسة المكلفين، أما العبادات فهي حق الشارع، لا يتلقى إلا منه" (١). المسألة الثالثة: تعريف المصلحة المرسلة وحجيتها: بهذا التقرير السابق يظهر أن المصلحة المرسلة هي كل مصلحة لم يشهد لها الشرع بالاعتبار أو الإلغاء، ويطلق عليها عند الأصوليين "المناسب المرسل" و "الاستدلال" و "الاستدلال المرسل" و "الاستصلاح". ولا شك أن المصالح المرسلة ليست خالية من أي دليل - كما يوهم المعنى الحقيقي للإرسال - إذ إن الشرع قد شهد للمصالح بالاعتبار في الجملة، وإنما لم يشهد الشرع لها بالاعتبار على وجه الخصوص. أقوال الأصوليين في حجية المصلحة المرسلة: المصلحة المرسلة بهذا التعريف مما اختلف فيه الأصوليون اختلافًا طويلًا (٢)

стр. 425

وحاصل هذه الأقوال ثلاثة: * القول الأول: الجواز مطلقًا. أي جواز اعتبار المصالح المرسلة في الأحكام. وهذا القول منقول عن مالك على اختلاف بين العلماء في تفصيل مذهبه وقوله (١). ومذهب الطوفي في تقديم المصلحة على النص والإجماع موافق لهذا المذهب في هذا القدر (٢). * القول الثاني: المنع مطلقًا. أي المنع من الاستدلال بالمصالح المرسلة على الأحكام. وهذا القول نسبه الزركشي لأكثر الأصوليين، وحكاه عن طوائف المتكلمين، ونُسب للشافعي (٣) وهو قول الباقلاني (٤)، وهو اختيار الآمدي (٥)،

стр. 426

وابن الحاجب (١)، وابن قدامة (٢)، ونسبه الشوكاني للجمهور (٣). * القول الثالث: التفصيل. فاختار ابن برهان - ونسبه للشافعي أيضًا - أنه إذا كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع أو لأصل جزئي، جاز بناء الأحكام عليها وإلا فلا (٤). وذهب الغزالي إلى جواز اعتبار المصالح المرسلة، بشرط أن تكون تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية (٥). وكذلك الشاطبي اشترط أن تكون معقولة في ذاتها، ملائمة لمقصود الشارع، حقيقية لا وهمية، حاصل أمرها راجع إلى رفع الحرج عن المكلفين (٦). حقيقة الخلاف: مع أن كثيرًا من الأصوليين نقل الخلاف هكذا في كتب الأصول إلا أن كثيرًا من الأئمة صرح بأن اعتبار المصالح المرسلة لا يخص مالكًا وحده، بل

стр. 427

هو معتبر عند جميع الأئمة، فمن ذلك قول ابن دقيق العيد (١): "الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال على غيرهما" (٢)، وكذلك القرافي أيضًا: فقد قال: "يحكى أن المصلحة المرسلة من خصائص مذهب مالك، وليس كذلك، بل المذاهب كلها مشتركة فيها، فإنهم يعلقون ويفرقون في صور النقوض وغيرها، ولا يطالبون أنفسهم بأصل يشهد لهذا الفارق بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو عين المصلحة المرسلة" (٣). ثم يقول عن الجويني أنه ضمَّن كتابه الغياثي أمورًا من المصالح المرسلة التي لم نجد لها أصلًا يشهد بخصوصها بل بجنسها، وهذا هو المصلحة المرسلة، فمن ذلك: أنه قال - أي الجويني -: "إذا ضاق بيت المال يجوز أن يجعل على الزرع والثمار مال دار مستقر، يجبى على الدوام، يستعين به الإمام على حماية الإسلام من غير أن يتوسع فيه". قال القرافي: "وهذا ليس له أصل في الشرع، بل النصوص دالة على نفيه، كقوله ﵇: "لا يحل مال

стр. 428

امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" (١)، وقوله ﷺ : "لا ضرر ولاضرار" (٢)، وغير ذلك، وقال: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٣)، وقد ترك هذه الأصول كلها لأجل هذه المناسبة التي لم يتقدم في الإسلام اعتبارها" (٤). وكذلك الزركشي ينقل أيضًا عن البغدادي (٥) قوله: "لا تظهر مخالفة مالك للشافعي في المصالح" (٦)، ونقل الدكتور مصطفى زيد في رسالته عن ابن تيمية وابن القيم من النقولات ما يدل على أن المصلحة عند الحنابلة أصل تشريعيّ، لكن بشروط تقارب ما يشترطه المالكيون من ضرورة ملاءمتها لمقصد الشارع، وأن تكون جارية على المناسبات المعقولة التي تتلقاها العقول بالقبول،

стр. 429

وأن يكون في الأخذ بها رفع حرج كان ممكنًا أن يقع فيه الناس لولاها (١). فإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن الذي هو محل اتفاق بين المذاهب ليس هو محل الخلاف بينهم وإلا كان في ذلك نسبة كثير من العلماء إلى الغفلة! فإذا كانت المصلحة المرسلة ليست في العبادات، وإنما في أبواب المعاملات، ومعلوم أن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، وهذا محل اتفاق بين الجميع، فلا يكون هذا المعنى موردًا للخلاف بحال. وإذا كان المانعون يرون أن في القول بالمصلحة المرسلة إثبات دليل مستقل صالح لبناء الأحكام عليه، وجعله حجة شرعية، وفي ذلك إثبات لأحكام لا دليل عليها، إذ ليس في الكتاب والسنة ما يجوِّز بناء الأحكام الشرعية بمجرد المصلحة، بل ذلك هو اتباع الهوى المذموم في الكتاب والسنة، فإن هذا أيضًا لا يصح أن يكون مورد الخلاف، إذ الكل متفق على هذا المعنى، كما ذكرنا من قبل من اتفاق الجميع على أنه لا يثبت حكم إلا بدليل. وإذا كان الأمر هكذا فما هو وجه المنع منها عند المانعين؟ وهم الأكثر! وما هو وجه اشتراط تلك الشروط التي قيد بها الغزالي والشاطبي دلالة المصلحة المرسلة على الجواز؟ لابد - إذن - أن يكون في القول بالمصلحة المرسلة ما هو زائد عن مجرد ما يدل عليه الأصل، ولابد - أيضًا - أن يكون هذا المعنى هو الذي لأجله قوبلت بالقبول أو الرد، أو وضعت الشروط - من قِبل واضعيها - لضبطه،

стр. 430

وسواء صرح الأصوليون بهذا المعنى أو لم يصرحوا: فلابد من توضيحه، إذ إنه بهذا الوصف هو مورد الخلاف. وإذا كان الأصوليون لم يصرحوا بهذا المعنى فلا مناص إذن من تتبع الأمثلة التي يذكرونها حتى يتضح ذلك المعنى، وبالنظر في الأمثلة التي ذكرها الجويني والغزالي والشاطبي وابن القيم يظهر لي أنهم اشترطوا تلك الشروط في المصلحة - والتي الأصل فيها الإباحة - لكي يجوز اعتبارها إذا كان ذلك الاعتبار سيؤدي إلى التعدي على أصل ثابت أو حق مقرر، وهذا يكون في الغالب في الإلزام العام (١). فالذين لاحظوا معنى المصلحة هنا قضوا بأن ذلك جائز، والذين لاحظوا ما سيؤدي إليه اعتبار تلك المصلحة على هذا النحو ذهبوا إلى المنع، وكلا

стр. 431

القولين طرفا نقيض، والوسط بينهما اعتبار كلا الأمرين من خلال وضع ضوابط لكي لا يحيف أحد المعنيين على الآخر؛ وذلك من خلال تلك الشروط التي اشترطوها. وبذا يكون هذا القول - من جواز اعتبارها بشروط - هو القول الراجح والرأي المختار. شروط المصلحة عند من اعتبرها بشروط: اشترط الغزالي أن تكون المصلحة قطعية، كلية، ضرورية (١). فمعنى كونها قطعية: أن تثبت بطريق قطعي لا شبهة فيه، ومعنى كونها كلية: أن يكون النفع عائدًا إلى عامة المسلمين أو لأكثر أفرادها، وليست خاصة ببعضهم، ومعنى كونها ضرورية: أن تكون عائدة إلى حفظ ضرورة من الضرورات الخمس - سواء كانت ضرورية أو حاجية - وهذه الضرورات الخمس هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وزاد الطوفي: العرض. ومثَّل الغزالي لما يحقق هذه الشروط الثلاثة: بما إذا تترس الكفار - حال التحام أهل الحرب - بأسارى المسلمين، فإن ذلك يمنع توجيه الرمي والضرب إليهم، فيتمكن الكفار من مهاجمة الحصون، ولو امتنعنا عن القتل لأدى ذلك إلى الاستيلاء على ديارنا، فيقتلون المسلمين ثم يقتلون من معهم من أسارى المسلمين، ولو رماهم المسلمون لأدى ذلك إلى قتل المسلمين الأسارى ودمهم

стр. 432

معصوم، فيجوز والحالة كذلك رميهم وإن أدى ذلك إلى قتل المسلمين الأسارى عندهم. وبالنظر إلى هذه الشروط الثلاثة السابقة التي ذكرها الغزالي نجد أنه بذلك يحصر نطاق المصلحة المرسلة في إطار ضيق، بل لا أبالغ إذا قلت إنها بما ذكره من شروط خرجت عن كونها مرسلة، وهي أقرب - من خلال ما ذكره من مثال - إلى تدافع المفاسد. أما الشاطبي فقد اشترط أن تكون ملائمةً لمقصود الشارع، معقولةً في ذاتها، حقيقيةً لا وهمية، راجعة إلى رفع الحرج (١). فمعنى كونها ملائمة لمقصود الشارع: أن لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من دلائله، ومعنى كونها معقولة في ذاتها: أن تكون جارية على الأوصاف المناسبة التي لو عرضت على أهل العقول السليمة لتلقوها بالقبول، ومعنى كونها حقيقية: أن يتحقق عند المجتهد أن بناء الحكم عليها يجلب النفع ويدفع الضرر، ومعنى كونها راجعة إلى رفع الحرج: أن تكون المصلحة مؤدية إلى التخفيف والتيسير على الناس. وبناء على ما سبق فإن المصلحة المرسلة هي المصلحة التي بقيت على أصل الإباحة ولكن كان في إلزام الناس بها إلزامًا عامًا تعديًا على أصل ثابت أو حق معتبر وهذا النوع للعلماء فيه مذاهب:

стр. 433

الأول: القبول مطلقًا، وهذا ضعيف. والثاني: الرد مطلقًا، وهو مذهب الكثيرين. والثالث: القبول بشروط، وقد سبق تفصيل تلك الشروط. والذي يختاره الباحث أنه إذا وُجِدت مصلحة بهذه الشروط التي ذكرها الشاطبي، جاز إلزام الناس بها، وإن كان في إلزام الناس تعد على أصل ثابت، لكن لا تقوم المصلحة إلا بالتعدي على ذلك الأصل. ومثال ذلك: تضمين الصناع (١): فإن فيه تعدٍّ على أصل ثابت، وهو أن الصانع لا يضمن إلا بالتفريط، فإذا كان غير مفرط فإنه لا يضمن، فالقول بتضمينه على كل وجه تعدٍّ على ذلك الأصل، لكن لما كان تضمين الصناع مستوفٍ لتلك الشروط جاز القول به رغم تعديه على ذلك الأصل. وأيضًا: جمع الناس على قراءة واحدة ومنع القراءة من المصاحف الأخرى، والأمر بإحراقها (٢): فيه تعد على أصلٍ ثابت، وهو أن الإنسان حر في ملكه

стр. 434

وفي تصرفه، فما دام مصحفه الذي معه موافقًا للحق فلا يحق لأحد أن يأمره بحرقه، لما في ذلك الحرق من إتلافٍ لماله، لكن لمّا كان جمع الناس على مصحف واحدٍ محقِّقًا لتلك الشروط جاز أن يلزم الناس به وإن اقتضى التعدي على ذلك الأصل الثابت وهو أن الإنسان لا يتصرف في ملكه إلا برضاه. وأيضًا: عمر بن الخطاب ﵁ عندما دوَّن الدواوين، وألزم الجند بتسجيل أسمائهم في تلك الدواوين (١): فيه تعد على أصل ثابت، وهو أن الإنسان لا يجب عليه من الأعمال إلا ما أوجبه الله تعالى عليه، ففي القول بتلك المصلحة تعدٍّ على ذلك الأصل، ولكن لما كانت المصلحة مستوفية للشروط السابقة جاز العمل بها. اعتراض والرد عليه: إذا قال قائل: ما وجه اشتراط هذه الشروط، والصحابة رضوان الله عليهم لم يشترطوها، بل كانوا يعملون بالمصالح في بناء الأحكام عليها

стр. 435

بالشواهد العامة من غير استناد إلى دليل خاص في الواقعة المعروضة عليهم، بل كانوا يقنعون بمجرد اشتمالها على مصلحة راجحة، ولا يبحثون عن أمر آخر، فهذا كالإجماع منهم على قبولها. قيل له: نحن لا نمانع من ذلك، وهذا دليل على اعتبار المصلحة فيما ليس بعبادة، ونحن لا نخالف في ذلك، وإنما نشترط تلك الشروط فيما إذا كان اعتبار هذه المصالح سيؤدي إلى التعدي على حق محترم، أو إلزام الناس بما لا يلزمهم، وهذه الشروط مستفادة من فعل الصحابة أيضًا، بل من فعل عمر بن الخطاب ﵁ على وجه الخصوص، وقد أقره كثير من الصحابة على فعله إن لم يكن كلهم. فإن كان الفعل المشتمل على مصلحة ليس فيه ذلك التعدي، جاز اعتبارها دون اشتراط تلك الشروط، إذ إن الفعل المرجو منه أن يحقق المصلحة باق على الأصل وهو الإباحة. ومثال ذلك جمع القرآن من الصحف والعُسُب واللِّخاف المتفرقة (١) وغيرها مما كُتبت فيه، ووضعه في مصحف واحد، وهو ما فعله أبو بكر وعمر ﵄، فقد كان مصلحته كافية في الدعاء إلى فعله كما قال أبو بكر ﵁: "هو والله خير" (٢).

стр. 436

أما ما فعله عثمان ﵁ من جمع الناس على مصحف واحد، ومنع ما سواه، والأمر بإحراق ما عداه من المصاحف: فلم يقدم عليه عثمان ﵁ إلا بعدما حصل الخلاف في الأمصار: وقال حذيفة ﵁ له: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى" (١)، فكان فعل عثمان ﵁ هنا راجع إلى رفع حرج، وهو معقول في ذاته، إذ جمعهم على حرف واحد مانع من اختلافهم، ملائمة لمقصود الشارع، إذ إن التنوع في إنزال القرآن على سبعة أحرف إنما كانت رخصة ليتيسر على الناس قراءة كتاب الله تعالى، فلما أدت تلك الرخصة إلى التنازع والاختلاف، كان العدول عنها هو الملائم لمقصود الشرع إذ أصبحت الرخصة منافية لما تقصد به. وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ لما منع الصحابة أن يحدثوا عن النبي ﷺ كثيرًا، وأمرهم بالإقلال من ذلك خشية أن ينصرف الناس عن كتاب الله: أفلا يكون أقل ما يقال في ذلك: كيف لعمر ﵁ أن يمنع الناس أن يحدثوا عن رسول الله ﷺ ، وهم بذلك يكتمون العلم، وعمر ﵁ يقول لهم: وأنا شريككم؟ ولا تأويل لفعل عمر ﵁ سوى أن يقال: إنه مصلحة مرسلة رآها

стр. 437

عمر ﵁، ووافقته الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك (١). وأوضح منه وأعظم نفي عمر بن الخطاب ﵁ لنصر بن حجَّاج من المدينة، وتحليقه رأسه لأن النساء يفتتنون به، أفترى أي ذنب جناه نصر بن حجاج كي ينفى من المدينة؟!، ولا يسع أحدًا أن يُخطئ عمر ﵁ فإن ذلك - لو ثبت - (٢) كان بمحضر الصحابة، وهم أعظم وأكرم من أن يوافقوه على باطل، وتأويل فعل عمر ﵁ هو أنه لما كانت مصلحة نفيه مستوفية للشروط التي ذُكرت جاز له ذلك، وإن كان في ذلك تعدٍ على حق ذلك الرجل، لكن لا يصلح الناس إلا بذلك. ولو تتبعتُ ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ وحده، وقضى به من أمور لا محمل لها إلا على المصلحة المرسلة بتلك الشروط التي ذُكرت لطال المقام، وفيما ذُكر كفاية. حاصل القول هنا أن البقاء على الأصل لا خلاف فيه، والأصل في الأشياء المحقِّقة للمصالح الإباحة، لكن لابد من تلك الشروط لأجل حصول الإلزام العام بها، متى كان الإلزام العام قاضيًا بالتعدي على أصول ثابتة بالشرع، وهذا هو معنى كونها معتبرة. ولابد هنا من الإشارة إلى أن من العلماء من رد ذلك بل إن ذلك مما ينقل عن جمهور العلماء كما سبق.

стр. 438

هل كل مصلحة يقال فيها مصلحة مرسلة ؟ هل كل مصلحة جاز الأخذ بها تكون من المصلحة المرسلة، أم تختص المصلحة المرسلة بمعناها الاصطلاحي بما ذُكر من أن يكون اعتبارها فيه تعدٍّ على أصلٍ أو حقٍّ ثابت فيشترط فيها ما ذكرناه من شروط لكي يجوز الأخذ بها؟ في ذلك مسلكان: الأول: أن تختص المصلحة المرسلة بما يوجب تلك الشروط، فلا يدخل فيها: الفعل الباقي على الأصل - الذي هو الإباحة - سواء كان من وسائل العبادات أم لا. الثاني: أن تكون كل مصلحة باقية على الإباحة مصلحة مرسلة، وبذلك تكون وسائل العبادات من المصالح المرسلة، وتكون تلك الشروط التي ذكرت خاصة بما إذا كان في اعتبار تلك المصلحة تعدٍّ على أصل أو حق ثابت. فالطريق الأول يجعل المعنى الاصطلاحي أضيق من المعنى اللغوي وأخص منه، وهذا المعنى أقرب إلى ما استعمله الأصوليون عند الكلام على المصالح المرسلة. والطريق الثاني يستعمل المعنى اللغوي في موضوعه، وإن كان تقييدها بالمرسلة لا فائدة منه إلا من جهة النص على موقعها في الشرع وهو خارج عن ماهية تعريفها. والذي أميل إليه هو الطريق الأول، وذلك لأن العلماء لم يقضوا في كل مصلحة بأنها مصلحة مرسلة، ولا مشاحة في الاصطلاح بعد فهم المعاني.

стр. 439

المسألة الرابعة: علاقة المصلحة المرسلة بالترك: من خلال ما ذكر سابقًا يتبين أن من أنواع الترك العدمي ما يكون مصلحة مرسلة، ذلك أن الترك العدمي يكون في باب العبادات، وكذلك في باب العادات والمعاملات والسياسة الشرعية، فما تركه النبي ﷺ في غير باب العبادات فإن المقتضي حينئذ هو المصلحة، وتلك المصلحة قد تكون قائمة في عهده ﷺ أو جدَّت بعد وفاته ﷺ . فالمصالح التي كانت في عهده ﷺ لها حديث آخر، أما المصالح التي جدَّت بعده ﷺ فلا تخلو من أن تكون أحد أمرين: ذلك أنها إما أن تكون مستوفية للشروط التي ذكرناها في المصالح المرسلة، أو غير مستوفية لها: فإذا استوفت تلك الشروط جاز اعتبارها، وقد سبق بيان أن كل ما ذكره العلماء أمثلة صحيحة على المصالح المرسلة، إنما هي من قبيل الإلزام العام وذلك لما في الإلزام بها من تعدٍّ على أصل ثابت أو حق مقرر، فلا يجوز هذا الإلزام إلا بعد استيفاء تلك الشروط. أما إذا لم تستوف هذه المصالح تلك الشروط: فلا يصح الإلزام بها، وإنما يجوز لآحاد الناس الأخذ بها، إذا لم يتعد على أصل ثابت أو حق مقرر لغيره، وذلك لأن هذه الأفعال التي يرجى تحصيل المصلحة من خلالها باقية على الأصل، والأصل فيها الإباحة طالما ليست من قبيل العبادات. ولابد هنا من الإشارة إلى أن المصلحة المرسلة ليست كلها من باب الترك العدمي، فهناك من المصالح المرسلة مما لم يكن مقدورًا للنبي ﷺ فلا تكون

стр. 440

من قبيل الترك العدمي على الاصطلاح الذي اخترته في هذه الدراسة، وإن كان النبي ﷺ لم يفعلها. ومن أمثلة تلك المصالح ما ذكره المعاصرون من اعتبار الإلزام بإشارات المرور وبطاقات الجنسية مصالح مرسلة (١).

стр. 441

المبحث الثالث: أقسام الترك العدمي ودلالته سبق في الباب الأول بيان أن الترك العدمي هو عدم نقل أن النبي ﷺ فعل فعلًا ما مما كان مقدورًا له. المطلب الأول: أقسام متروك النقل: يحسن - قبل وضع أقسام الترك العدمي - النظر في التقسيمات التي ذكرها أهل العلم قديمًا وحديثًا. متروك النقل عند الشاطبي: ذكر الشاطبي أن "سكوت الشارع عن الحكم على ضربين: أحدهما: أن يسكت عنه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله كالنوازل الحادثة بعد رسول الله ﷺ كجمع المصحف وتدوين العلم. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال .. الضرب الثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان .. فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على إن قَصْد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص ... " (١). متروك النقل عند ابن القيم: تناول ابن القيم متروك النقل في معرض حديثه عن الطرق التي يتوصل

стр. 442

بها إلى معرفة ما تركه النبي ﷺ ، فقد ذكر أن النوع الثاني من أنواع نقل الترك: عدم نقل ما لو فعله لتوفرت الهمم والدواعي على نقله فحيث لم ينقل علم أنه لم يكن. ومثل له "بترك التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة" (١). متروك النقل عند الدكتور الأشقر: لم يكن تقسيم ابن القيم مرضيًا عند الدكتور الأشقر (٢)، أشار إلى ذلك عند بحثه لنقل الترك ثم ذهب إلى أن الأصوب أن ينقسم ما ذكره ابن القيم إلى أربعة أقسام هي: ١ - أن يدل على المتروك نقله نصٌّ يأمر بالفعل من الكتاب أو السنة أو يدل على حكمه بالإجماع أو القياس. ٢ - أن يكون المتروك نقله باقيًا على حكم الأصل، والأصل عدم المشروعية في العبادة. ٣ - أن يروي الصحابي تفاصيل حادثة وقعت مما يتعلق به شرع ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء. ٤ - أن ينقل الراوي الواقعة ويسكت عن تفصيل يجعل الصورة نادرة. ولم يتعرض الدكتور الأشقر للكلام على ما ذكره الشاطبي.

стр. 443

وبالنظر في التقسيمات السابقة نلاحظ ما يلي: أولًا: الذي ذكره الدكتور الأشقر ليس تقسيمًا للنوع الذي ذكره ابن القيم حيث إن ابن القيم إنما قصد نوعًا خاصًا من أنواع ترك النقل، وهو ما وجد مقتضاه وانتفى مانعه، أما تقسيم الدكتور الأشقر فهو لما ترك نقله إجمالًا. ثانيًا: الأقسام الأخرى التي ذكرها الدكتور الأشقر سبق ذكرها في مبحث القرائن التي تقوي أن عدم النقل دليل على نقل العدم في الشرعيات. ثالثًا: ما هو الضابط الذي نستطيع أن نفرق به بين ما يدل على حكمه بطريق القياس، والذي لا يدل على حكمه بذلك؟ لم يبين الدكتور الأشقر ذلك، ولم يتطرق إليه الشاطبي على وجه التفصيل ولم يتناوله ابن القيم. وعلى ذلك فباعتبار ما ذكره الشاطبي وابن القيم والدكتور الأشقر يمكن تقسيم ترك النقل إلى نوعين رئيسين، وبيان ذلك هو أن يقال: إن ما تُرك نقل أن النبي ﷺ فعله لا يخلو من أحد أمرين: الأول: أن يكون مقدورًا للنبي ﷺ ولم يفعله. الثاني: أن يكون غير مقدور للنبي ﷺ . فالنوع الثاني هو الذي يدل على حكمه بطريق القياس، إذ إن الأدلة الشرعية لا يمكن أن تتناوله بالنص، وذلك لأنه لم يكن موجودًا (١)، إنما

стр. 444

تتناوله الأدلة عن طريق إلحاقه بما كان موجودًا وتناولته الأدلة (١). وهذا النوع ليس من أنواع التروك النبوية، وذلك لأنه يشترط في جميعها قدرة النبي ﷺ على الفعل، وهو غير حاصل هنا. أما النوع الأول: وهو ما كان مقدورًا للنبي ﷺ فينقسم إلى القسمين اللذين ذكرهما الشاطبي وهما: • الأول: ما كان له مقتضٍ على عهد النبي ﷺ ولم يمنع منه مانع، ومع ذلك لم يفعله النبي ﷺ . • الثاني: ما لم يكن له مقتضٍ على عهد النبي ﷺ ثم حدث المقتضي بعد. أما القسم الأول فهو ما عبر عنه ابن القيم بأنه ما توافرت الدواعي على نقله لو حصل، غير أنه لم يبين ما هي تلك الدواعي، وإن كانت تفهم من خلال الأمثلة التي ذكرها، وكذلك الشاطبي لم يفصل القول في بيان مراده بالمقتضي.

стр. 445

بيان "المقتضي" الدي هو مورد التقسيم: المراد بالمقتضي: الداعي إلى الفعل والباعث عليه كما يفهم من عبارة الشاطبي وابن القيم، وهذا الفعل لا يخلو أن يكون عبادة محضة أو لا، فما هو الذي يدعو النبي ﷺ لأن يفعل فعلًا ما، سواء كان ذلك الفعل عبادة أو عادة؟ الذي يذكره الأصوليون في ذلك أن الباعث على فعل العبادات هو التقرب، والباعث على فعل العادات والمعاملات هو المصلحة. وذلك لأنهم يشترطون في العبادات أن تكون على وجه القربة بخلاف المعاملات التي تبنى أحكامها على المقاصد، يقول الشاطبي: "مقصود العبادات الخضوع لله والتوجه إليه والتذلل بين يديه. . . وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه على حسب طاقته" (١)، ويقول في موضع آخر: "الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني" (٢)، ومن الأدلة على ذلك قول النبي ﷺ : "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُين لكم" (٣)، هذا في جانب العبادات، أما المعاملات فالكل يرى أن الشرع أثبت منها ما يحقق مصالح العباد، بل نقل الطوفي الإجماع على أن الشرع يراعي المصالح والمفاسد في الجملة (٤).

стр. 446

حاصل القول إذن: أن الترك العدمي ينقسم إلى قسمين: • الأول: الترك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع: وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون في جانب العبادات، والآخر: أن يكون في جانب المعاملات. • الثاني: الترك لعدم وجود المقتضي: وهذا لا يكون إلا نوعًا واحدًا إذ لا يتصور وقوعه في جانب العبادات، وسيأتي تقرير ذلك في مطلب الدلالة. المطلب الثاني: دلالة أقسام الترك العدمي: تبين من خلال المبحث الأول أن الأصل في العبادات المنع حتى يرد ما يثبتها، والأصل في المعاملات الإباحة حتى يرد ما يمنعها، وأن الأصل في وسائل العبادات أن تكون على الإباحة، ويختلف حكمها بحسب ما هي وسيلة إليه، ومن خلال تطبيق هذه الأصول على أقسام الترك العدمي يظهر دلالة كل قسم. أولًا: ما كان له مقتضي على عهد النبي ﷺ ولم يمنع منه مانع: ينقسم هذا - كما سبق - إلى نوعين: الأول: أن يكون في جانب العبادات المحضة: وهذا لا إشكال في دلالته على المنع وذلك لما يلي: ١ - لو كانت تلك الفعلة المحدثة عبادة تقرب إلى الله لكان ذلك مقتضي كافٍ لأنْ يفعلها رسول الله ﷺ .

стр. 447

٢ - أن العبادة لابد في إثباتها من الدليل؛ لأنها لا تكون إلا بتوقيف. ٣ - عدم النقل هنا دليل على أن ذلك الفعل لم يفعله رسول الله ﷺ ، وعدم فعل رسول الله ﷺ له كاف في المنع منه. الثاني: أن يكون في جانب المعاملات: البحث هنا في المعاملات التي لها تعلق بالشرع، والتي ينبني أمرها على المصلحة، ولذا كان الأصل في الأشياء الإباحة، وأحكام الشريعة إنما جاءت على وفق مصالح العباد، فما هو القول في المعاملات التي تحقق مصلحة، وكانت تلك المصلحة متحققة في زمن النبي ﷺ بأن كانت داعية لتحصيل ذلك الفعل، ولم يقم مانع يمنع رسول الله ﷺ أن يقوم بذلك الفعل: هل تلك المعاملات مباحة عملًا بالبقاء على الأصل، أم هي محرمة، ويُمنع منها؟ ويكون عدم فعل تلك المعاملة - مع قيام دواعيها - دليلًا على أن تلك المصلحة ليست بمصلحة على وجه الحقيقة، وإنما هي مصلحة متوهمة؟ لكلٍّ من القولين حظ من النظر، والذي يميل إليه الباحث هنا أن الترك في هذا الموضع دليل على أن تلك المصلحة مصلحة متوهمة، إذ لو كانت مصلحة على وجه الحقيقة لأتى النبي ﷺ بما تقتضيه تلك المصلحة. ويؤيد هذا أمور: ١ - أن الكل متفق (١) على أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد

стр. 448

في الدنيا والآخرة، والجمهور على أن الأحكام معللة بعلل يمكن معرفتها وفهمها، وهذا يقتضي أن تلك المصلحة لو كانت معتبرة لأتى الشرع بها. ٢ - الأصوليون يقسمون المصالح إلى ثلاثة أنواع: • مصالح أتى الشرع باعتبارها. • ومصالح أتى الشرع بإلغائها. • ومصالح لم يتناولها الشرع. فأما المصالح التي أتى الشرع باعتبارها فلا إشكال فيها، إذ إنها ثبتت بالنص، فليست محل البحث. بقي أن تكون تلك المصلحة أحد نوعين: • إما مصلحة شهد الشرع بإلغائها، وذلك بأن يكون الترك هنا دليلًا على عدم الاعتبار. • أو مصلحة لم يشهد الشرع باعتبارها أو إلغائها، وكونها كذلك لا سبيل إليه، إذ المصالح المرسلة هي تلك المصالح التي جَدَّت بعد وفاة النبي ﷺ ولم تكن آنذاك مصلحة، وليس في القول بها إثبات عبادة على ما بُيِّنَ من شروط، فعدم فعل النبي ﷺ للفعل المترتب على تلك المصلحة دليل على عدم اعتبارها مصلحة وأنها مصلحة متوهمة. حاصل القول إذن في هذا القسم بنوعيه - العبادات والمعاملات - أن وجود المقتضي له على عهد النبي ﷺ ، وعدم وجود المانع، وعدم فعل النبي ﷺ له: دليل على المنع في النوعين.

стр. 449

ثانيًا: ما لم يكن له مقتضي على عهد النبي ﷺ ثم حصل ذلك المقتضي بعد: وهذا أيضًا ينقسم إلى جانبي العبادات والمعاملات. أما العبادات فلا سبيل إلى القول بأن المقتضي لها - وهو التقرب - يمكن حصوله بعد وفاة النبي ﷺ إذ لا تكون إلا بنص وتوقيف. وعلى ذلك فالمقتضي الذي يحدث بعد وفاة النبي ﷺ مما لم يكن موجودًا على عهده هو ما يتعلق بالمصلحة وهو المعاملات الشرعية. وهذا النوع لا إشكال في دلالته على الإباحة وأن الحكم متعلق بها بالمصلحة التي يرجى تحقيقها بعد استكمال شروطها بأن تكون مصلحة حقيقية - غير متوهمة -، عامة وليست خاصة، وهي بذلك على الإباحة بشرط أن لا يقصد بها التقرب. حاصل القول إذن أن هذا النوع لا يكون في العبادات، وإنما يكون في وسائلها، أو في أبواب المعاملات والعادات والسياسة الشرعية. فإذا كان في وسائل العبادات فهو على الإباحة، وإن كان في أبواب المعاملات واستوفى شروط المصلحة المرسلة جاز العمل بها، وإن لم يستوف الشروط جاز اعتبار تلك المصلحة دون أن يكون في اعتبارها تعد على أصل ثابت أو حق مشروع. ويمكن تلخيص الأحكام السابقة في الشكل التالي:

стр. 450

........................................................ [متروك النقل] ............................................................. .......... [غير مقدور] ............................................................................... [[مقدور]] ............................ .... [خارج عن نطاق البحث] .................................. [[له مقتضٍ على عهده ولم يفعله]] ..... [[ليس له مقتضٍ على عهده ثم جدَّ بعد]] ...................................... [[يدل على المنع (سواء في العبادات أو المعاملات)]] ... [[باق على الإباحة (ولا يكون إلا في المعاملات)]]

стр. 451

المبحث الرابع: تطبيقات على الترك العدمي التطبيقات على الترك العدمي كثيرة جدًّا، فالبدع والمصالح المرسلة كلها تحت هذا الباب، فكل ما أحدث بعد النبي ﷺ كما سبق فمحل بحثه هنا، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فمن ذلك: بناء المحاريب في المساجد، واتخاذ المسبحة أو السبحة في الذكر، والاحتفال بالمولد النبوي، وسائر أنواع الاحتفالات كالاحتفال بليلة النصف من شعبان، وبالإسراء والمعراج، وبرأس السنة الهجرية وغير ذلك، وكذلك تزيين المساجد وزخرفتها، وتخطيط المساجد بخطوط لضبط الصفوف، وأيضًا من ذلك اتخاذ المآذن، والأذان داخل المسجد، والأذان الأول في الجمعة، ومن ذلك أيضًا: الاعتكاف في المسجد يوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، ومن ذلك أيضًا تلقين الميت، والتغليظ في اليمين بالحلف مع وضع اليد على المصحف، وكذلك تخصيص ليلة النصف من شعبان بإحيائها بالقيام، والتلفظ بالنية في الصلاة، وتلقين الميت، وتشييع الجنازة بالذكر، وتسييد النبي ﷺ في الأذان، والصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان من المؤذن جهرًا، والوصية الواجبة في الميراث، وغير ذلك. ولا شك أن تفصيل القول في كل هذه المسائل مما لا تفي به هذه الدراسة، ولذا فقد اقتصرت على تفصيل القول في بعضها مما اشتهر الكلام فيه، مع اختيار بعض المسائل التي تتبع البدعة، وبعض المسائل التي تكون

стр. 452

مصلحة مرسلة، وبعض المسائل التي تكون من وسائل العبادات، مع التنبيه إلى أنه بحث في هذا المبحث مسألة صلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات مع أنها ليست من قبيل الترك العدمي كما سيظهر فيما بعد، وذلك لأن طرفي النزاع في هذه المسألة يعدونها من قبيل الترك العدمي. المطلب الأول: صلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات: عن عائشة ﵂ أنها سُئلت كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ﷺ : أتنام قبل أن توتر؟ فقال: "يا عائشة إن عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي" (١). وقد ذهب الشيخ الألباني ووافقه بعض المعاصرين إلى حرمة الزيادة على إحدى عشرة ركعة عملًا بهذا الحديث، وذهب الشيخ الغماري إلى جواز الزيادة بناء على أن الأصل الإباحة ولم يرد نهي عن الزيادة. وقبل مناقشة تلك الأقوال أورد أولًا: ما صح عن النبي ﷺ في هذا الشأن، وثانيًا: أقوال الفقهاء في ذلك.

стр. 453

أولاً: ما ورد في ذلك من أحاديث: ورد عن عبد الله بن عمر أنه قال: سأل رجل النبي ﷺ وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل، قال: "مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوتَرت له ما صلى"، وإنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم وترًا فإن النبي ﷺ أمر به (١). وورد عن الزهري أنه قال: حدثني عروة أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته تعني بالليل فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة (٢). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁ قال: سألت عائشة ﵁ عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقالت: "كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح" (٣).

стр. 454

وعن عبد الله بن شقيق ﵁ قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه، فقالت: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين" (١). وعن السائب بن يزيد ﵁ أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب وتميمًا الداري ﵃ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر (٢). وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرؤون بالمئين، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ﵁ من شدة القيام (٣).

стр. 455

وعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة (١). قال البيهقي في السنن: ويمكن الجمع بن الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث والله أعلم (٢). ثانيًا: مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح (٣): قال النووي: مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح: ١ - عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات، والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء. ٢ - وحُكِي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر. ٣ - وقال مالك: التراويح تسع ترويحات، وهي ستة وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج بأن أهل المدينة يفعلونها هكذا.

стр. 456

٤ - وعن نافع قال: أدركت الناس وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث. انتهى بتصرف (١). وهذا الاختلاف ليس باختلاف التضاد، بل هو اختلاف تنوع، وقد قال ابن تيمية: "والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: عشرين ركعة، أو كمذهب مالك ستًّا وثلاثين، أو ثلاث عشرة أو إحدى عشرة فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد لعدم التوقيف، فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره" (٢). • من خلال ما سبق يرى الباحث ما يلي: أولًا: هذه المسألة ليست من مسائل الترك العدمي، وإنما هي من مسائل الترك الوجودي، وذلك لأن الصحابة نقلوا ذلك الترك منه. ثانيًا: هذا الترك لا يحمل على التحريم لأنه لم يقل بذلك أحد من الفقهاء المتقدمين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين، ومعلوم أنه لا يجوز إحداث قول في مسألة لم يقل به أحد من الصحابة، وذلك في مسائل التكليف، ومذهب عامة الأصوليين على ذلك (٣).

стр. 457

وبناء على ذلك كله فالصحيح هو ما عليه عامة الفقهاء من جواز الزيادة عن إحدى عشر ركعة في القيام في رمضان وغيره ولا يقال: إن ذلك بدعة، مع التنبه إلى أن الأفضل هو موافقة حال النبي ﷺ من عدم الزيادة، وبحثنا إنما هو في الجواز أو عدمه، ومع ذلك فالتأصيل الذي بنى عليه الشيخ الغماري ما ذهب إليه تأصيل غير صحيح، وذلك لأن هذه المسألة ليست داخلة تحت "ما سكت عن النبي ﷺ فهو عفو"؛ لأن ذلك الحديث ليس في التعبدات المحضة، إنما في أمور المعاش مما لا يقصد بها التعبد وقد سبق بيان ذلك. وقد قال ابن تيمية: "لم يوقت النبي ﷺ في قيام رمضان عددًا معينًا". . . ثم ذكر هدي النبي ﷺ ومذاهب السلف ومذاهب العلماء في ذلك، ثم قال: "وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين"، ثم قال: "ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقَّتٌ عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ" اهـ (١). المطلب الثاني: إحياء ليلة النصف من شعبان: أي بالقيام، وذلك ل ما ورد في فضل هذه الليلة عن سائر الليالي. ما ورد في فضل هذه الليلة: ورد في فضل هذه الليلة عدة أحاديث فمن ذلك:

стр. 458

١ - ما ورد من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" (١). وهذا الحديث قال عنه ابن رجب: إسناده ضعيف (٢). ٢ - ما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: فقدت النبي ﷺ ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: "أكنتِ تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ " فقلت: يا رسول الله ﷺ : إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: "إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" (٣). ونقل الترمذي عقبه عن الإمام البخاري تضعيفه لهذا الحديث (٤).

стр. 459

٣ - ما ورد من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ مرفوعًا: "إذا كان ليلة النصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه، فلا يسأل أحد شيئًا إلا أعطيه إلا زانية بفرجها أو مشركًا" (١). ٤ - ما ورد من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" (٢). هذا ما نُقل في فضل هذه الليلة وهي كلها أحاديث ضعيفة إلا الحديث الأخير. وعلى فرض صحة ثلك الأحاديث كلها، هل يقتضي ذلك الفضل تخصيص هذه الليلة بقيام دون سائر الليالي ؟ لم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنهم فعلوا ذلك، وإنما نُقل عن بعض التابعين. قال ابن رجب: "وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها، ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في

стр. 460

ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك: أ- فمنهم من قَبِله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم. ب- وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة" اهـ (١). أما النبي ﷺ وأصحابه فلم يثبت عنهم إحياء تلك الليلة. وقال أيضًا: "قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام" (٢). وأمام هذه النقولات لابد من بيان عدة أمور هامة: ١ - أنه قد ثبت بالدليل فضل تلك الليلة فيما صح عن النبي ﷺ . ٢ - أن النبي ﷺ وأصحابه رغم ذلك الفضل لم يخصوا تلك الليلة بقيام. ٣ - أن ابتداء ذلك كان في عصر التابعين. ٤ - أنه لما اشتهر عن طائفة قيام تلك الليلة انقسم الناس إلى فريقين: الأول: يرى أن ذلك جائز بل مندوب إليه. الثاني: يرى أن ذلك بدعة لا يجوز.
следующие страницы →