← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٤ - وعن نافع قال: أدركت الناس وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث. انتهى بتصرف (١). وهذا الاختلاف ليس باختلاف التضاد، بل هو اختلاف تنوع، وقد قال ابن تيمية: "والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: عشرين ركعة، أو كمذهب مالك ستًّا وثلاثين، أو ثلاث عشرة أو إحدى عشرة فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد لعدم التوقيف، فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره" (٢). • من خلال ما سبق يرى الباحث ما يلي: أولًا: هذه المسألة ليست من مسائل الترك العدمي، وإنما هي من مسائل الترك الوجودي، وذلك لأن الصحابة نقلوا ذلك الترك منه. ثانيًا: هذا الترك لا يحمل على التحريم لأنه لم يقل بذلك أحد من الفقهاء المتقدمين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين، ومعلوم أنه لا يجوز إحداث قول في مسألة لم يقل به أحد من الصحابة، وذلك في مسائل التكليف، ومذهب عامة الأصوليين على ذلك (٣).

стр. 457

وبناء على ذلك كله فالصحيح هو ما عليه عامة الفقهاء من جواز الزيادة عن إحدى عشر ركعة في القيام في رمضان وغيره ولا يقال: إن ذلك بدعة، مع التنبه إلى أن الأفضل هو موافقة حال النبي ﷺ من عدم الزيادة، وبحثنا إنما هو في الجواز أو عدمه، ومع ذلك فالتأصيل الذي بنى عليه الشيخ الغماري ما ذهب إليه تأصيل غير صحيح، وذلك لأن هذه المسألة ليست داخلة تحت "ما سكت عن النبي ﷺ فهو عفو"؛ لأن ذلك الحديث ليس في التعبدات المحضة، إنما في أمور المعاش مما لا يقصد بها التعبد وقد سبق بيان ذلك. وقد قال ابن تيمية: "لم يوقت النبي ﷺ في قيام رمضان عددًا معينًا". . . ثم ذكر هدي النبي ﷺ ومذاهب السلف ومذاهب العلماء في ذلك، ثم قال: "وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين"، ثم قال: "ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقَّتٌ عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ" اهـ (١). المطلب الثاني: إحياء ليلة النصف من شعبان: أي بالقيام، وذلك ل ما ورد في فضل هذه الليلة عن سائر الليالي. ما ورد في فضل هذه الليلة: ورد في فضل هذه الليلة عدة أحاديث فمن ذلك:

стр. 458

١ - ما ورد من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" (١). وهذا الحديث قال عنه ابن رجب: إسناده ضعيف (٢). ٢ - ما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: فقدت النبي ﷺ ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: "أكنتِ تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ " فقلت: يا رسول الله ﷺ : إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: "إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" (٣). ونقل الترمذي عقبه عن الإمام البخاري تضعيفه لهذا الحديث (٤).

стр. 459

٣ - ما ورد من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ مرفوعًا: "إذا كان ليلة النصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه، فلا يسأل أحد شيئًا إلا أعطيه إلا زانية بفرجها أو مشركًا" (١). ٤ - ما ورد من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" (٢). هذا ما نُقل في فضل هذه الليلة وهي كلها أحاديث ضعيفة إلا الحديث الأخير. وعلى فرض صحة ثلك الأحاديث كلها، هل يقتضي ذلك الفضل تخصيص هذه الليلة بقيام دون سائر الليالي ؟ لم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنهم فعلوا ذلك، وإنما نُقل عن بعض التابعين. قال ابن رجب: "وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها، ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في

стр. 460

ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك: أ- فمنهم من قَبِله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم. ب- وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة" اهـ (١). أما النبي ﷺ وأصحابه فلم يثبت عنهم إحياء تلك الليلة. وقال أيضًا: "قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام" (٢). وأمام هذه النقولات لابد من بيان عدة أمور هامة: ١ - أنه قد ثبت بالدليل فضل تلك الليلة فيما صح عن النبي ﷺ . ٢ - أن النبي ﷺ وأصحابه رغم ذلك الفضل لم يخصوا تلك الليلة بقيام. ٣ - أن ابتداء ذلك كان في عصر التابعين. ٤ - أنه لما اشتهر عن طائفة قيام تلك الليلة انقسم الناس إلى فريقين: الأول: يرى أن ذلك جائز بل مندوب إليه. الثاني: يرى أن ذلك بدعة لا يجوز.

стр. 461

ولابد هنا من ملاحظة عدة أمور: ١ - هذا الفعل لا يقع إلا على وجه العبادة، فهو قربة من كل وجه. ٢ - هذا الفعل العبادي كان مقتضاه موجودًا على عهد النبي ﷺ وصحابته ﵃، ومع ذلك لم يُنقل عنهم في ذلك أنهم فعلوه. ٣ - أن تخصيص تلك الليلة دون سائر الليالي بعبادة يحتاج إلى دليل خاص، وما ورد في فضلها لا يكفي أن يكون دليلًا، بل لو صح كونه دليلًا لما كان صالحًا للاحتجاج به، لكون الصحابة كلهم قد تركوه ولم يعملوا به. بل هو دليل على أنهم لم يفهموا منه جواز تخصيص تلك الليلة بعبادة. ولذا فالصحيح هو القول بأن تخصيص تلك الليلة بقيام على هيئة مخصوصة دون سائر الليالي بدعة لا يجوز . - والمنع من تخصيص هذه الليلة دون غيرها بالقيام له نظير في الشرع، وذلك فيما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" (١). ولابد من بيان أمر هام وهو أن القول بالمنع من تخصيص هذه الليلة بالقيام لا يمنع من جواز صلاة القيام فيها، فهي -من حيث القيام- ليلة كسائر الليالي، فمن صلى فيها القيام لأجل موافقة عادته أو لأنه وجد من نفسه نشاطًا، فلا بأس بذلك، ولا يدخل ذلك في تخصيص هذه الليلة دون غيرها من الليالي بالقيام.

стр. 462

المطلب الثالث: الاحتفال بالإسراء والمعراج: ذهب الشيخ الغماري إلى جواز الاحتفال بالإسراء والمعراج، وهو بذلك يشير إلى ما اعتاد عليه الناس من الاحتفال بالإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب واتخاذ ذلك اليوم وليلته عيدًا. ومناقشة هذه القضية ستكون من حيث مدى صحة ذلك التاريخ أولًا، ثم هل ورد في فضل ذلك التاريخ -إن ثبت- نص معين، ثم أقوال أهل العلم في ذلك، ثم بعد ذلك ما هي مظاهر ذلك الاحتفال عند مؤيديه، وهل اتخاذ يوم بعينه للاحتفال عيدًا مما يحتاج إلى نص وتوقيف أم لا؟ أولًا: تاريخ حادثة الإسراء والمعراج: اختلف العلماء في تحديد تاريخ حادثة الإسراء والمعراج اختلافا كبيرًا رغم شهرة تلك الحادثة في الكتاب والسنة. فذهب أكثر العلماء إلى أنها كانت قبل الهجرة، واختلفوا في مقدار ذلك على أقوال كثيرة منها: أنها كانت قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، وقيل: سنة وستة أشهر، وقيل: ستة أشهر فقط، وقيل: سنة وشهرين، وقيل: سنة وخمسة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر فقط، وذهب مقاتل من التابعين والنووي إلى أنها كانت قبل الهجرة بسنة، ورجح النووي أنها كانت ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول، وقال مقاتل: ويقال: كان في رجب أو في رمضان (١).

стр. 463

ويلاحظ على كل تلك الأقوال أنها لم تستند إلى توقيف أو نص يدل على أي منها، وقد أشار إلى ذلك بعض أهل العلم. قال أبو شامة: "ذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب! " (١). قال ابن تيمية: "لم يقم دليل معلوم على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به" (٢). حاصل القول: لم يصح حديث في تحديد وقت الإسراء والمعراج. ثانيًا: هل ورد فضل لليلة السابع والعشرين من رجب بخصوصها: قال ابن حجر: "لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ. رويناه عنه بإسناد صحيح وكذلك رويناه عن غيره" (٣). وقد ساق ابن حجر ما ورد من الأحاديث التي تدل على فضل معين ليوم أو ليلة في رجب وحكم عليها كلها بالضعف أو الوضع. ثالثًا: المراد بالاحتفال: المراد بالاحتفال تخصيص ذلك اليوم وتلك الليلة ببعض العبادات كصيام النهار وقيام الليل، واعتقاد أن لتلك الليلة فضيلة عن سائر الليالي، وغير

стр. 464

خافٍ أن تلك الأفعال عبادات محضة، فتخصيص ليلة بنوع من العبادات يحتاج إلى دليل. أيضًا فتخصيص يوم بالاحتفال واتخاذه عيدًا مما يحتاج إلى دليل يثبت أن هذا اليوم يشرع للمسلمين اتخاذه عيدًا. فإن قال قائل: ليس اتخاذ العيد من العبادات المحضة، قلنا: على التسليم بذلك فإن الدليل قد ورد بالمنع من ذلك في الحديث المشهور الذي فيه أن النبي ﷺ قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فمنعهم من ذلك (١). فهذا دليل على أن النبي ﷺ منع من ذلك، رغم أنها لم تكن للعبادة، إذ اتخاذ يوم بعينه عيدًا من شعائر الإسلام الظاهرة التي تحتاج إلى توقيف بدليل هذا الحديث. وعليه فالذي يجري على القواعد هو القول بعدم جواز الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ولا يجوز تخصيص تلك الليلة بعبادة يعتقد لها فضل دون غيرها من العبادات. المطلب الرابع: تشييع الجنازة بالذكر: ذهب الشيخ الغماري إلى جواز ذلك، وقد ذكر الشيخ علي محفوظ (٢) أدلة القائلين بجواز ذلك وهي:

стр. 465

• أنه صار شعارًا للموتى، وفي تركه ازراء بالميت وتعريض العِرضَ للكلام فيه. • أن في الاشتغال بالذكر ونحوه ترك التكلم واللغط بأمور الدنيا. • أن فيه مخالفة اليهود والنصارى في جنائزهم حيث اعتادوا السكوت فيها. أما هو -الشيخ علي محفوظ- فقد ذهب إلى أن ذلك بدعة. قال: "ومن البدع السيئة: الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك، وكل هذا مكروه، للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله، وعليها عمل السلف رضوان الله عليهم". واستدل على ذلك بدليلين: الأول: قول النبي ﷺ : "إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن وعند الزحف وعند الجنازة". لكن هذا الحديث ضعيف، فقد رواه الطبراني (١) وفيه راوٍ لم يسم (٢). الثاني: ما ورد من قول بُكَيْر بن عتيق، قال: كنت في جنازة فيها سعيد بن

стр. 466

جبير، فقال رجل: استغفروا له غفر الله لكم، قال سعيد بن جبير: لا غفر الله لك (١). قال الشيخ علي محفوظ: "فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ، فما بالك بما يفعله غالب أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو ما تقدم" (٢). وقال أيضًا: "وجملة القول: أن السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار، وبهذا كان عمل الصحابة فمن بعدهم، وأن اتباعهم سنة، ومخالفتهم بدعة" (٣). أقوال المذاهب في هذه المسألة: قال النووي: "الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما؛ لأنه أسكن للخاطر، وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، هذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه" (٤).

стр. 467

قال الرملي: "ويكره ارتفاع الأصوات في سير الجنازة لما رواه البيهقي: أن الصحابة ﵃ كرهوا رفع الأصوات عند الجنائز والقتال والذكر، وكره جماعة قول المنادي مع الجنازة: استغفروا الله له، فقد سمع ابن عمر ﵄ رجلًا يقول ذلك، فقال: لا غفر الله لك" (١). وفي الفتاوى الهندية ما ملخصه: "وعلى متبعي الجنازة الصمت، ويكره لهم رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن، فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه" (٢). وقال ابن الحاج (٣): "وليحذر من البدعة الأخرى التي يفعلها أكثرهم، وهي أنهم يأتون بجماعة يسمونهم بالفقراء الذاكرين، يذكرون أمام الجنازة

стр. 468

جماعة على صوت واحد، ويتصنعون في ذكرهم. . إلى أن قال: على أنهم لو أتوا بالذكر على وجهه لمنع فعله للحدث في الدين" (١). قال ابن قدامة: "ويكره رفع الصوت عند الجنازة لنهي النبي ﷺ أن تتبع الجنازة بصوت" (٢). ولابد هنا من بيان عدة أمور: الأول: أن تشييع الجنازة بالذكر المراد منه: الذكر الجماعي بالصوت المرتفع أثناء الجنازة، وليس المراد منه أن مشيع الجنازة يذكر الله في نفسه فهذا هو المشروع وهو مما لا خلاف فيه. الثاني: أن الصفة التي كان عليها السلف هي الصمت والسكوت أثناء تشييع الجنازة. * والدليل على ذلك أمور: أولها: أنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك. ثانيها: إنكار الصحابة ﵃ وتابعيهم على فاعل ذلك. ثالثها: الحديث الوارد لكنه لا يصح.

стр. 469

الثالث: أن تلك الصورة من باب العبادات وليست من باب المعاملات، فهي تحتاج إلى دليل مثبت للجواز وهو غير موجود. وبذلك فبتطبيق ما ذُكر من دلالة الترك العدمي على المنع في باب التعبدات يكون القول الصحيح هو ما ذهب إليه الشيخ علي محفوظ ومن وافقه من حرمة ذلك، ووجوب المنع منه، وأن فعله بدعة، والقول بذلك موافق لما هو منقول عن المذاهب الأربعة، وهو ما يختاره الباحث ويرجحه. المطلب الخامس: قراءة القرآن على الميت: سواء كان في الدار أو أثناء الدفن أو قبله أو بعده، وقد ذهب الشيخ علي محفوظ (١) إلى بدعية ذلك كله خلافًا لما ذهب إليه الشيخ الغماري. وصورة المسألة محل النزاع: هل يستحب قراءة القرآن في أي من تلك المواضع؟ لم أطلع في حدود بحثي على من تناول تلك المسألة من الفقهاء القدامى، لكن في ضوء القواعد التي ذُكرت يمكن أن يُفصل القول فيها، إذ إن هذه المسألة من مسائل الترك العدمي؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك، وهذا باتفاق بين المبيحين والمانعين، فإذا كانت قراءة القرآن من الأمور التي لا تقع إلا على وجه التعبد، فإنها وإن كانت جائزة في كل حال إلا أن تخصيص موضع بالاستحباب مما يحتاج إلى دليل مثبت، كما أن الذي يفعل هذا الفعل:

стр. 470

لا يفعله إلا على وجه التعبد، بل لا يتصور وقوعه إلا كذلك (١). وعلى ذلك فالصحيح في هذه المسألة هو بدعية ذلك الفعل وفاقًا لما ذهب إليه الشيخ علي محفوظ. المطلب السادس: الاحتفال بالمولد النبوي: كثر الكلام بين المعاصرين على حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وهل ترك النبي ﷺ وصحابته الاحتفال به يدل على إباحته أم تحريمه، ويتلخص الكلام فيه في النقاط التالية: أولًا: متى وُلد النبي ﷺ -: اختلف المؤرخون في الشهر الذي ولد فيه النبي ﷺ ، فالجمهور على أنه قد ولد في ربيع الأول، وهؤلاء اختلفوا في تحديد يوم مولده، فذهب ابن عبد البر إلى أنه ولد في اليوم الثاني (٢)، وذهب ابن حزم وأكثر أصحاب الحديث إلى أنه ولد في اليوم الثامن، وذهب ابن إسحاق إلى أنه ولد في اليوم الثامن عشر، وقيل: في العاشر، وقيل: في السابع عشر، وقيل: في الثامن عشر، وقيل غير ذلك (٣).

стр. 471

ثانيًا: اتفق القائلون بحرمة المولد وبدعيته والقائلون بجوازه على أنه لم يقع في عهد الصحابة ﵃ والتابعين . يقول أبو شامة - وهو من الذاهبين لإباحته -: "من أحسن ما ابتُدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة إربل - جبرها الله تعالى - كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي ﷺ من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي ﷺ وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله، وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين ﷺ وعلى جميع المرسلين، وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب أربل وغيره رحمهم الله تعالى" (١). وقال ابن حجر - فيما نقله عنه السيوطي - وهو ممن يقول بإباحته: "أصل المولد النبوي بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة" (٢)، وقد أقره السيوطي على ذلك. ثالثًا: السبب في عدم ضبط تاريخ المولد أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يتحرون نقل ما لا يتعلق به عمل ولا عبادة . رابعًا: مع اتفاق الكل على أن المولد لم يقع الاحتفال به في زمن الصحابة ولا التابعين ، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى إباحته، فمنهم: أبو شامة (٣)

стр. 472

والسخاوي (١) (٢) والسيوطي وابن حجر (٣). وذهب بعضهم إلى أنه بدعة منهم: ابن تيمية (٤) والفاكهاني (٥) (٦) والشاطبي (٧) وابن الحاج المالكي (٨)

стр. 473

والملا علي القاري (١) (٢) ومحمد رشيد رضا (٣)، والشيخ الغزالي (٤)، ومحمد بن بن عبد السلام الشقيري الحوامدي (٥). خامسًا: أدلة القائلين بالجواز: ١ - قال السخاوي: "وإذا كان أهل الصليب قد اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر" (٦). ٢ - أن الاحتفال بالمولد النبوي اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، قال ابن حجر في ذلك: "وقد

стр. 474

ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه: فهذا ما يتعلق بأصل عمله" (١). ٣ - ذهب السيوطي إلى تخريجها - أي بدعة المولد - على أصل آخر: "وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته، كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات" اهـ (٢).

стр. 475

٤ - أن النبي ﷺ قد صح عنه أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس وعلل ذلك بقوله: "ذاك يومٌ ولدت فيه، ويومٌ بُعثت - أو أُنزل عليَّ - فيه" (١). فهذا دليل على أن النبي ﷺ احتفل بيوم مولده فيجوز لنا الاحتفال إذن. سادسًا: ما أجيب به على تلك الأدلة: ١ - ما يذكره السخاوي يقوى أن يكون دليلًا على التحريم لا على الإباحة ، وذلك لأن كلامه هذا نص في المشابهة وهي من الأمور المنهي عنها، ولذلك فقد تعقبه الملا علي القاري فقال: "مما يرد عليه أنا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب" (٢). فنحن إذا كنا مأمورين بمخالفة أهل الكتاب في شعائرهم التي هي مشروعة لهم فكيف بما ابتدعوه وأحدثوه، لا شك أنه أولى وأجدر. ٢ - قال الشيخ رشيد رضا في الرد على ما ذكره ابن حجر: " وأما قول الحافظ: إن من عمل فيه المحاسن وتجنب ضدها كان عمله بدعة حسنه، ومن لا فلا، ففيه نظر ويعني بالمحاسن قراءة القرآن وشيء من سيرة النبي ﷺ في بدء أمره من ولادته وتربيته وبعثته والصدقات، وهي مشروعة لا تعد من البدع، وإنما البدعة فيها جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص، وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع، بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب

стр. 476

المطلوبة شرعًا، وهو بهذه القيود بدعة سيئة، وجناية على دين الله تعالى، وزيادة فيه تُعَدُّ من شرع ما لم يأذن به الله، ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم" (١). وقال أيضًا: "وإنما يصح قول الحافظ ابن حجر في كون حفلة المولد بدعة حسنة بشرط خلوها من المساوئ والمعاصي المعتادة فيها، إذا كان القائمون بها لا يعدونها من القرب الثابتة في الشرع، بحيث يكفر تاركها أو يأثم أو يُعَدُّ مرتكبًا للكراهة الشرعية، فإن البدعة التي تعتريها الأحكام الخمسة ويقال: إن منها حسنة وسيئة هي البدع في العادات، وأما البدع في الدين فلا تكون إلا سيئة كما صرح به المحققون" (٢). ٣ - ليس في حديث عاشوراء ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد ، بل هو دليل على أن تعظيم اليوم والاحتفال به لا يكون إلا قربة، وهو بذلك يحتاج إلى دليل مخصص بعينه، ولو فرضنا جواز الاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد لوجب الاقتصار فيه على ما ورد، وهو مجرد الصيام، والحديث حجة على من يقول به من وجه آخر، وهو أن النبي ﷺ مع أمره الصحابة بتعظيم ذلك اليوم وصيامه لم يأمرهم بتعظيم يوم مولده ولا صيامه، وهذا الحديث دليل على أن ذلك التعظيم عبادة يحتاج إلى دليل مثبت.

стр. 477

٤ - حديث (ذلك يوم ولدت فيه) لا دلالة فيه على جواز الاحتفال بالمولد من وجوه: أ - أن النبي ﷺ صام ذلك اليوم فالواجب الاقتصار على مجرد الصوم. ب - أن ذلك اليوم الذي خصه النبي ﷺ بالصوم هو يوم الاثنين الذي يتكرر كل أسبوع وليس يومًا واحدًا في السنة، فالزيادة إذن على ما شرعه النبي ﷺ من الاحتفال بمولده مع تغيير تاريخه وموعده كيف يكون مباحًا؟ ج - هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لاحظ هذا المعنى ومع ذلك لم يشرع فيه ذلك الاحتفال، فهو إذن دليل على المنع لا على الإباحة. ٥ - الاستدلال بحديث (أن النبي ﷺ عقَّ عن نفسه) باطل من أمور كثيرة: - لم يذكر السيوطي الأثر الذي يدل على أن جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع يوم ولادته، ولم أجد أحدًا ذكره، والسيوطي أورده بصيغة التمريض التي تدل على الضعف. - كون العقيقة لا تعاد ثانية أصل يحتاج أيضًا إلى دليل، لا أن يستدل به، ولو صح فهذا فيما إذا فعله أهل الإسلام، أما ما فعله أهل الجاهلية فما هو وجه اعتباره؟! - هذا الفهم الذي فهمه السيوطي من جعل العقيقة احتفالًا بمولده، من قال به من الصحابة؟ أو من الفقهاء أو أهل العلم بالسنن؟ ولا يخفى ما فيه من البعد والتكلف.

стр. 478

- هل إذا ثبت أن النبي ﷺ ذبح شاةً شكرًا لله تعالى على نعمة إيجاده وإمداده، يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته ﷺ عيدًا للناس؟ ولِم لَم يدع إلى ذلك رسول الله ﷺ ويبين للناس ماذا يجب عليهم فيه من أقوال وأعمال؟ كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى؟ سابعًا: الاحتفال بالمولد النبوي من جنس القربات لا من جنس العادات، إذ إن المراد من المولد هو تعظيم النبي ﷺ وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله فلا يعظم إلا بالوجه الذي شرع. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية (١) على أن الأعياد شريعة من الشرائع يجب فيها الاتباع، وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة وله خطب متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثل تلك الأيام عيدًا. ثامنًا: ما دام الاحتفال بالمولد النبوي لا يقع إلا قربة وعبادة، ولم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون، فالحق إلحاقه بالترك العدمي الذي يدل على البدعية فيكون الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة، وفي ذلك يقول الشيخ محمد الغزالي (٢): "والتقرب إلى الله بإقامة هذه الموالد عبادة لا أصل لها. . . ومن ثَمَّ فنحن نميل إلى تعميم الحكم على هذه الموالد جميعًا ووصفها بأنها مبتدعات تُرفض ولا يُعتذر لها. . . إن إلغاء الموالد ضرورةٌ دينيةٌ ودنيويةٌ. . .

стр. 479

وهكذا انتظم الاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، ورأس السنة الهجرية" (١). وهذا ما يؤيده الباحث ويختاره (٢). المطلب السابع: الصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان جهرًا: ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" (٣). ذهب الفقهاء إلى استحباب الصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان عملًا

стр. 480

بهذا الحديث، سواء من المؤذن أو غيره، لعموم الحديث وذلك على الكيفية التي كانت على عهد النبي ﷺ من أن يكون ذلك من كل شخص بمفرده سرًّا في نفسه. ومع أمر النبي ﷺ بذلك إلا أنه لم يأمر المؤذن أن يصلي عليه في أذانه جهرًا عقب الأذان، ولم يقم أحد بفعل ذلك. وينقل المقريزي (١) في خططه أن أول من أحدث الصلاة على النبي ﷺ جهرًا عقب الأذان كان محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي، وكان ذلك في ليلة الجمعة فقط، وكان ذلك بعد سنة ستين وسبعمائة، وأنقل هنا كلام المقريزي لأهميته. يقول المقريزي: " فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. . .، فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله ﷺ في ليلة جمعة، وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه، فقال لهم: أتحبون أن يكون هذا السلام في

стр. 481

كل أذان؟ قالوا: نعم، فبات تلك الليلة وأصبح متواجدًا يزعم أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه، وأنه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله ﷺ في كل أذان، فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي، وكان شيخًا جهولًا سيء السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتًا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء. . .، وقال له: رسول الله ﷺ يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ﷺ كما يفعل في كل ليالي الجمع. فأعجَب الجاهل هذا القول، وجهل أن رسول الله ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلَّا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته، وقد نهى الله في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه، حيث يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال رسول الله ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور"، فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام، وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحل تركه، وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا، فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون" (١) اهـ. باختصار.

стр. 482

محل البحث: إذا كانت الصلاة على النبي ﷺ ثابتة بالخبر، فإن محل البحث هو: هل يجوز للمؤذن الجهر بها وإلحاقها بالأذان أم لا يجوز؟ ولا يخفى أن ذلك الفعل على هذا النحو مقصود به التعبد، إذ الغرض من فعله التقرب إلى الله سبحانه كما لا يخفى أن ذلك الفعل لم يوجد على عهد النبي ﷺ ولا أصحابه، بل لم يبدأ إلا في القرن الثامن الهجري على ما ينقله المقريزي. ولذا فإن ذلك الفعل لا يكون مصلحة مرسلة، بل هو بدعة؛ وذلك لأنه من الترك العدمي في باب العبادات وقد ذهب إلى بدعية ذلك الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع (١) ونقل عن ابن حجر فتوى مشايخهم بأن ذلك بدعة، وبذلك أفتى الشيخ محمد عبده عندما كان مفتيًا للديار المصرية (٢).

стр. 483

المطلب الثامن: تخطيط الصفوف في المساجد: انتشر في كثير من المساجد وضع خطوط في المسجد يسوى عليها الصف باتجاه القبلة. وقد ذهب الشيخ الألباني وجماعة من أهل العلم من المعاصرين إلى بدعية تلك الصفوف للأمور التالية: * أن النبي ﷺ كان يسوي الصفوف، وكان يخرج بالناس في الأعياد إلى المصلى، ولم يأذن بإحداث خط يصف الناس عليه. * أن بسببه جعلت المحاذاة بأطراف الأصابع، والصحيح أن تسوية الصفوف بالمناكب والكعوب. * أن هذا الأمر دعت الحاجة إليه في زمن النبي ﷺ ولم يفعله، ولم يفعله أيضًا أحد من أصحابه ﵃. * أن هذا الأمر المحدث يمكن تلافيه بأن يجعل لكل صف سجادة له على حدة.

стр. 484

وذهب غيرهم إلى جواز ذلك وعدم بدعيته لكونه لا يتقرب به بذاته. وسوف أناقش هذه المسألة في عدة نقاط: أولًا: ثبت أن النبي ﷺ كان يسوي الصفوف، وكان يقول: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١)، ولذا فقد اتفقت كلمة العلماء على أن استواء الصف أمر مستحب (٢)، ولا نزاع في أن تلك الخطوط لم تكن على عهد النبي ﷺ ولا أصحابه، وإنما أحدثت في القرون التالية، وهي إنما توضع لأجل ضبط الصفوف وهذا مما لا نزاع فيه أيضًا. إذن: فمحل البحث هنا أمور: أولها: هل جدَّت حاجة إلى تلك الصفوف تزيد عن الحاجة إليها في عهد النبي ﷺ وأصحابه؟ ثانيهما: هل إحداث تلك الخطوط يراد به التقرب لذاته أم أنه وسيلة - مباحة في الأصل - لإتمام أمر مستحب؟ ثالثهما: ما هو الفارق بين تخطيط السجاد بخطوط لضبط الصف، وبين وضع سجادة لكل صف، إذ كلاهما وسيلة - مباحة - لتحقيق الطاعة وكلاهما لا يقصد به التقرب بذاته؟ أما الأمر الأول: فالذي أراه أن حاجة الناس إلى تلك الخطوط زائدة

стр. 485

عن ذي قبل، وذلك لكبر حجم المساجد وانتشار الجهل بالقبلة بين الناس، ويتضح ذلك إذا حذفت تلك الخطوط إذ نادرًا ما يستقيم الصف. أما الأمر الثاني: فالذي يظهر أن تلك الخطوط لا تفعل تقربًا بذاتها، إذ لا يقول أحد بأنه يفعل ذلك لأنه مستحب أو أنه طاعة أو قربة، وإنما لأجل أن ذلك معِينٌ على ضبط الصف، وهو بذلك لا يمكن الحكم عليه بالبدعية، إذ أهم ضوابط البدعة هو قصد التقرب بذات الفعل، ولو قال قائل: إنما نضع تلك الخطوط لأنها قربة ومستحبة يتعلق بفعلها أجر، لكان ذلك بدعة بلا شك. ثم إن هذا الفعل ليس من جنس القربات، ولا يصح التقرب به إلا بالنية، وذلك بخلاف الأفعال التي لا تقع إلا على وجه القربة كالأذان والصلاة وغير ذلك. أما الأمر الثالث: فالذي يظهر أنه لا فارق بينهما فكلاهما وسيلة - مباحة في الأصل - يقصد بها تحصيل أمر من أمور الطاعات، وهذه الوسيلة لا تقع بذاتها على وجه القربة والعبادة فلابد من النية لكي يقصد بها التقرب. ولذا فالذي يميل إليه الباحث أن ذلك الفعل من الوسائل المعينة على إتمام أمر مستحب، والأصل فيه الجواز، وليس بدعة لفقدان شرط التقرب، وليس مصلحة ملغاة وذلك لما يظهر من حاجة الناس إليها في هذا الزمان عن ذي قبل (١).

стр. 486

وقد يقول قائل: نحن نمانع في أن تلك المصلحة لم تكن محتاجًا إليها على عهده ﷺ ، بل كانت الحاجة إليها موجودة، فهي إذن مصلحة ملغاة، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ كان يسوي الصفوف بعود معه ومع ذلك لم يستعمل تلك الخطوط. والجواب عن ذلك من عدة أمور: الأول: أنه يلزمه أن يقول بالتحريم لا بالبدعية؛ لأنها وإن كانت مصلحة ملغاة، فما الذي جعلها بدعة، وهي لا تفعل على سبيل التقرب؟ الثاني: أن ما ورد أن النبي ﷺ كان يسوي الصف بعود معه فهو ضعيف (١) وعلى فرض صحته، فهل كان النبي ﷺ يتعبد بإمساك العود، أم كان إمساكه له لأجل مصلحة؟ الجواب: أن ذلك كان لأجل مصلحة، ولا يمكن أن يقال: إن ذلك كان لأجل التعبد، إذ لو كان الأمر كذلك لكان ذلك الفعل مستحبًا - أعني:

стр. 487

إمساك الأعواد في تسوية الصف - ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء، وتسوية الصف بالخطوط في نفس معنى إمساك العيدان في التسوية باليد فتأخذ حكمها. المطلب التاسع: بناء المئذنة للمسجد: المئذنة أو المنارة موضع الأذان للصلاة، والمراد المآذن المعروفة اليوم، فالمعروف أن هذه المآذن لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ، وأن أول من اتخذ المآذن الوليد بن عبد الملك، ولم تكن معروفة من قبل. أين كان يقف المؤذن قبل اتخاذ المنارة؟ أخرج ابن سعد عن أم زيد بن ثابت ﵄ قالت: "كان بيتي أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله ﷺ مسجده، فكان يؤذن بعدُ على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره" (١). وهذا الحديث رواه أبو داود دون قوله: "قد رفع له شيء فوق ظهره" (٢). قال الشيخ الألباني: "من المقطوع به أن الأذان كان حينذاك في مكان مرتفع على المسجد يرقى إليه .. ومن المحتمل أن الرقي المذكور إنما هو إلى ظهر

стр. 488

المسجد فقط، ومن المحتمل أنه إلى شيء كان فوق ظهره" (١). أما الآن بعد انتشار مكبرات الصوت لم تعد هناك حاجة ماسة إلى المآذن حيث لم يعد المؤذن يصعد فوقها واستغنى عنها الناس. ولأجل ذلك ذهب بعض المعاصرين إلى أن بناء المآذن بدعة لأمور: - أنها لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ . - أنها لم يعد لها فائدة الآن لوجود مكبرات الصوت. - أنها صارت بابًا للسَّرَف والمخيلة وذلك لما ينفق فيها من أموال. ويلاحظ أن بناء المآذن وسيلة للعبادة - وهي وسيلة مباحة في الأصل - إذ هي وسيلة لإبلاع الأذان، ولا يقصد بها التعبد، وهي من الأفعال التي لا يقصد بها التقرب بذاتها، بل لابد لها من النية، ووجود مكبرات الصوت الآن لا يجعل المآذن بلا قيمة، ذلك أنه قد ينقطع التيار فلا يصل الأذان عبر مكبرات الصوت، بل مع ارتفاع المباني في هذه الأيام صارت مكبرات الصوت لابد لها من أن توضع على مكان مرتفع، كما أن المسافر قد يهتدي إلى موضع المسجد عن طريق المآذن. وإذا كانت وسائل العبادات مباحة في الأصل، ولا يحكم ببدعيتها إلا إذا قصد بها التقرب فإن الأقرب هنا الحكم بجواز بناء المآذن، وذلك لأن بناءها لا يقصد به التقرب بذاته.

стр. 489

وقد يقول قائل: إن اتخاذ المآذن مظنة السرف والمخيلة فيمنع منها. والجواب: أن القول بالجواز لا يستلزم إباحة السرف والمخيلة، وإلا فبناء المسجد لا يجوز فيه السرف والمخيلة، فهل يقال بالمنع لكونه مظنة السرف والمخيلة الآن؟ وقد يقول قائل: نحن لا نمانع فيما ذكرت من تجدد المصالح، لكن تلك المصلحة تحصل بالأبنية العالية التي حول المسجد، فلا حاجة للمآذن حينئذ، فاتخاذها والحال كذلك بدعة. والجواب: أن استعمال الأبنية العالية التي بجوار المسجد سواء في وضع مكبرات الصوت، أو استعمالها هي في الأذان عند انقطاع تيار الكهرباء: هذا الاستعمال لما كان جائزًا، ما الفارق بينه وبين اتخاذ مكان مرتفع خاص بالمسجد؟ فلا يوجد فارق بين اتخاذ المكان العالي فوق سطح منزل أو فوق سطح بيت، كلاهما في الحكم سواء، فالقول بجواز الأمر الأول يوجب القول بجواز الثاني، ولا فرق. ولذا فالذي يختاره الباحث هو جواز اتخاذ المآذن وأنها ليست بدعة أو محرمة. المطلب العاشر: الوصية الواجبة في الميراث: الوصية الواجبة أمر استحدثه القانون المصري الوضعي عام ١٩٤٦ م، وقبل الكلام عن الوصية الواجبة نبين أولًا ما هي في نظر واضعيها: يستحق الوصية الواجبة قانونًا: فرع الولد (ما يولد مطلقًا الذكور

стр. 490

والإناث) الذي يموت في حياة أبيه أو أمه، لكنها ليست لكل فروع الولد المتوفى في حياة أبيه وإنما لطائفتين من فروع الأولاد: الأولى: أولاد البطون: وهم الطبقة الأولى من أولاد البنات، والطائفة الثانية: أولاد الظهور: وهم أولاد الأبناء وإن نزلوا على أن يحجب كل أصل فرعه دون فرع غيره. فهولاء إذا لم يكن المتوفى أوصى لهم: أنشأ القانون لهم حقًّا في التركة - وألزم الوارثين به - في حدود الثلث بشرطين: الأول: ألا يكون وارثًا، والثاني: ألا يكون قد أخذ بغير عوض مقدار ما يجب له (١).

стр. 491

أما السبب لأخذ القانون الوضعي بهذا: فقد جاء في المذكرة الإيضاحية أنها وضعت لتلافي حالة كثر منها الشكوى، وهي حالة الحفدة الذين يموت آباؤهم في حياة أبيهم أو أمهم، أو يموتون معًا ولو حكمًا: كالغرقى والحرقى، وإن هؤلاء قلما يرثون بعد موت جدهم أو جدتهم لوجود من يحجبهم من الميراث، مع أن آباءهم قد يكونون ممن شاركوا بالقسط الأكبر في بناء الثروة التي تركها الميت، وقد يكونون في عياله يمونهم، وأحب شيء إلى نفسه أن يوصي لهم بشيء من ماله، ولكن المنية عاجلته فلم يفعل شيئًا أو حالت بينه وبين ذلك مؤثرات وقتية. السند التشريعي للوصية الواجبة: حرص واضعي القانون على بيان السند الشرعي لما جاء في الوصية الواجبة، وحاصل ما ذكرته المذكرة الإيضاحية أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] دليل على وجوب الوصية لمن لا يرث، وذهب ابن حزم إلى وجوبها إذا تركها، فاستنادًا على ذلك قسمت الوصية على الذين

стр. 492

حددهم القانون قسمة الميراث سواء أوصى الميت أو لم يوص، وعلل البعض ذلك التقدير بالضرورة، وبنى ذلك آخرون على القاعدة الفقهية التي تقول: إن لولي الأمر أن يأمر بالمباح بما يراه من المصلحة العامة، ومتى أمر به وجبت طاعته، وأمره ينشئ حكمًا شرعيًّا (١). ومناقشة ذلك في النقاط التالية: أولًا: ذهب جمهور العلماء إلى أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين، أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه (٢). قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة وأمانة بغير إشهاد إلا طائفة شذت فأوجبتها" (٣). ثانيًا: الدليل على ما ذهب إليه الجمهور هو أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، منسوخ بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا

стр. 493

مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]، وبآية الميراث، وبقول النبي ﷺ : "لا وصية لوارث" (١)، وذلك عند من يرى جواز نسخ القرآن بالسنة، ويؤيد ذلك: أن أكثر أصحاب النبي ﷺ لم ينقل عنهم وصية، ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لما أخلوا بذلك (٢). ثالثًا: الذين خالفوا الجمهور قالوا: تجب الوصية للأقربين الذين لا يرثون، وهم طائفة من التابعين كمسروق وطاووس وإياس وقتادة وابن جرير وهو قول داود الظاهري. واحتجوا بالآية: قالوا: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت في من لا يرث من الأقربين (٣). رابعًا: معنى وجوب الوصية أنه يجب على المرء أن يوصي فإذا مات ولم يفعل فهو آثم. لكن هل معنى هذا الوجوب أنه يجب أن تخرج من ماله بعد وفاته إذا تركها؟

стр. 494

لم أعلم أحدًا من الفقهاء قال ذلك (١)، وليس هذا مدلول القول ولا لازمه، ومن ثَمَّ: فجعل إخراجها من ماله وإن لم يوص من لازم القول بأن مذهب طائفة من فقهاء التابعين بوجوبها إذا تركه: أمر فيه سوء فهم على أحسن الأحوال، وإلا فهو تدليس قبيح. خامسًا: لم يقل أحد من أهل العلم قط إن ولي الأمر إذا أمر بمباح لأجل المصلحة العامة فإن أمره ينشئ حكمًا شرعيًّا، فإن العجب لا ينقضي من قائل هذا القول، وإنما قال أهل العلم: أنه يجوز لولي الأمر أن يقيد المباح أو يأمر به على ما يراه من المصلحة العامة، وباب ذلك هو المصلحة المرسلة، فتقييد المباح أو الأمر به له شروط عند القائلين بجواز ذلك، وهي الشروط التي ذكرناها لاعتبار المصالح المرسلة، مع التنبه إلى أن أكثر أهل العلم على المنع من ذلك، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل. أما أن يكون ذلك مؤديًا إلى إنشاء حكم شرعي فحاشا لله أن يقوله أحد يدرك معنى ما يقول، فإن منشئ الأحكام الشرعية هو الله وحده، بلغناها على لسان رسله لم يخالف في ذلك أحد من العلماء قاطبة. إذن فليس لهذا القانون أي سند شرعي أو شبهة استناد، فأي مذهب

стр. 495

فقهي أجاز أن يؤخذ من مال الرجل إذا مات بمقدار الثلث فيوزع على غير الوارثين ممن لم يذكرهم الرجل ولم يوص إليهم: بغير رضا ورثته؟ سادسًا: حاصل ما ذكروه في سبب هذا القانون أنه يراعي مصلحة المسلمين، ومع التسليم بذلك فإن هذه الصلحة ليست مما جدَّ بعد وفاة النبي ﷺ بل كانت موجودة قبل عهد النبي ﷺ ، فضلًا عن عهده ﷺ ، وأصحابه، وقد أجمع الفقهاء على أن هؤلاء الأولاد محجوبون بأعمامهم من الورثة (١)، فالتكييف الأصولي إذن أن تلك المصلحة: مصلحة مهدرة لكونها كانت قائمة على عهد النبي ﷺ ومع ذلك لم يعتبرها النبي ﷺ ، مع ما فيها من مخالفة الإجماع، وقد سبق في مبحث الدلالة أن المصالح التي كانت قائمة على عهد النبي ﷺ فلم يعتبرها فإنه لا يجوز اعتبارها سواء أكان ذلك في العبادات أم المعاملات. وعلى فرض أنها مما جدَّ فإن لتحقيق تلك المصلحة طريقًا لا يتعدى على ما حرمه الشرع، وهو ما ذكره أهل العلم قديمًا، بل وانعقد الإجماع عليه من أنه يستحب للرجل أن يوصي لأقاربه غير الوارثين إذا كانوا فقراء، وثمة طريق آخر وهو ما ذكره العلماء من جواز أن يأخذ غير الوارث إذا كان بإذن الورثة ورضاهم (٢).
следующие страницы →