أما السبب لأخذ القانون الوضعي بهذا: فقد جاء في المذكرة الإيضاحية أنها وضعت لتلافي حالة كثر منها الشكوى، وهي حالة الحفدة الذين يموت آباؤهم في حياة أبيهم أو أمهم، أو يموتون معًا ولو حكمًا: كالغرقى والحرقى، وإن هؤلاء قلما يرثون بعد موت جدهم أو جدتهم لوجود من يحجبهم من الميراث، مع أن آباءهم قد يكونون ممن شاركوا بالقسط الأكبر في بناء الثروة التي تركها الميت، وقد يكونون في عياله يمونهم، وأحب شيء إلى نفسه أن يوصي لهم بشيء من ماله، ولكن المنية عاجلته فلم يفعل شيئًا أو حالت بينه وبين ذلك مؤثرات وقتية.
السند التشريعي للوصية الواجبة:
حرص واضعي القانون على بيان السند الشرعي لما جاء في الوصية الواجبة، وحاصل ما ذكرته المذكرة الإيضاحية أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] دليل على وجوب الوصية لمن لا يرث، وذهب ابن حزم إلى وجوبها إذا تركها، فاستنادًا على ذلك قسمت الوصية على الذين
стр. 492
حددهم القانون قسمة الميراث سواء أوصى الميت أو لم يوص، وعلل البعض ذلك التقدير بالضرورة، وبنى ذلك آخرون على القاعدة الفقهية التي تقول: إن لولي الأمر أن يأمر بالمباح بما يراه من المصلحة العامة، ومتى أمر به وجبت طاعته، وأمره ينشئ حكمًا شرعيًّا (١).
ومناقشة ذلك في النقاط التالية:
أولًا: ذهب جمهور العلماء إلى أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين، أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه (٢).
قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة وأمانة بغير إشهاد إلا طائفة شذت فأوجبتها" (٣).
ثانيًا: الدليل على ما ذهب إليه الجمهور هو أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، منسوخ بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا
стр. 493
مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]، وبآية الميراث، وبقول النبي ﷺ : "لا وصية لوارث" (١)، وذلك عند من يرى جواز نسخ القرآن بالسنة، ويؤيد ذلك: أن أكثر أصحاب النبي ﷺ لم ينقل عنهم وصية، ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لما أخلوا بذلك (٢).
ثالثًا: الذين خالفوا الجمهور قالوا: تجب الوصية للأقربين الذين لا يرثون، وهم طائفة من التابعين كمسروق وطاووس وإياس وقتادة وابن جرير وهو قول داود الظاهري.
واحتجوا بالآية: قالوا: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت في من لا يرث من الأقربين (٣).
رابعًا: معنى وجوب الوصية أنه يجب على المرء أن يوصي فإذا مات ولم يفعل فهو آثم.
لكن هل معنى هذا الوجوب أنه يجب أن تخرج من ماله بعد وفاته إذا تركها؟
стр. 494
لم أعلم أحدًا من الفقهاء قال ذلك (١)، وليس هذا مدلول القول ولا لازمه، ومن ثَمَّ: فجعل إخراجها من ماله وإن لم يوص من لازم القول بأن مذهب طائفة من فقهاء التابعين بوجوبها إذا تركه: أمر فيه سوء فهم على أحسن الأحوال، وإلا فهو تدليس قبيح.
خامسًا: لم يقل أحد من أهل العلم قط إن ولي الأمر إذا أمر بمباح لأجل المصلحة العامة فإن أمره ينشئ حكمًا شرعيًّا، فإن العجب لا ينقضي من قائل هذا القول، وإنما قال أهل العلم: أنه يجوز لولي الأمر أن يقيد المباح أو يأمر به على ما يراه من المصلحة العامة، وباب ذلك هو المصلحة المرسلة، فتقييد المباح أو الأمر به له شروط عند القائلين بجواز ذلك، وهي الشروط التي ذكرناها لاعتبار المصالح المرسلة، مع التنبه إلى أن أكثر أهل العلم على المنع من ذلك، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.
أما أن يكون ذلك مؤديًا إلى إنشاء حكم شرعي فحاشا لله أن يقوله أحد يدرك معنى ما يقول، فإن منشئ الأحكام الشرعية هو الله وحده، بلغناها على لسان رسله لم يخالف في ذلك أحد من العلماء قاطبة.
إذن فليس لهذا القانون أي سند شرعي أو شبهة استناد، فأي مذهب
стр. 495
فقهي أجاز أن يؤخذ من مال الرجل إذا مات بمقدار الثلث فيوزع على غير الوارثين ممن لم يذكرهم الرجل ولم يوص إليهم: بغير رضا ورثته؟
سادسًا: حاصل ما ذكروه في سبب هذا القانون أنه يراعي مصلحة المسلمين، ومع التسليم بذلك فإن هذه الصلحة ليست مما جدَّ بعد وفاة النبي ﷺ بل كانت موجودة قبل عهد النبي ﷺ ، فضلًا عن عهده ﷺ ، وأصحابه، وقد أجمع الفقهاء على أن هؤلاء الأولاد محجوبون بأعمامهم من الورثة (١)، فالتكييف الأصولي إذن أن تلك المصلحة: مصلحة مهدرة لكونها كانت قائمة على عهد النبي ﷺ ومع ذلك لم يعتبرها النبي ﷺ ، مع ما فيها من مخالفة الإجماع، وقد سبق في مبحث الدلالة أن المصالح التي كانت قائمة على عهد النبي ﷺ فلم يعتبرها فإنه لا يجوز اعتبارها سواء أكان ذلك في العبادات أم المعاملات.
وعلى فرض أنها مما جدَّ فإن لتحقيق تلك المصلحة طريقًا لا يتعدى على ما حرمه الشرع، وهو ما ذكره أهل العلم قديمًا، بل وانعقد الإجماع عليه من أنه يستحب للرجل أن يوصي لأقاربه غير الوارثين إذا كانوا فقراء، وثمة طريق آخر وهو ما ذكره العلماء من جواز أن يأخذ غير الوارث إذا كان بإذن الورثة ورضاهم (٢).
стр. 496
وثمة طريق ثالث: وهو أن يوقف ذلك على إذن الورثة إذ لو أن الورثة أجازوا مثل هذا التصرف ورضوا به فلا مانع شرعي من قبول ذلك وكونه جائزًا، ولا يضير القانون أن يوقف ذلك على إذن الورثة، وذلك لأن الوارث إن أخرجه عن رضا وطيب نفس، كان ذلك جائزًا، بل هو مأجور عليه إن قصد به صلة رحمه، أو إعانة أقربائه أو غير ذلك مما هو معتبر شرعًا.
وبناء على ما سبق فإن الإلزام بالوصية الواجبة غير جائز شرعًا، ولم يقل به أحد من الفقهاء، بل هو خلاف الإجماع، ولا يستند إلى تأصيل أصولي صحيح، فلا يجوز العمل بها إلا بموافقة جميع الوارثين من غير إكراه ولا شبهته، واعتبار القانون لها وعمله بها لا يخرجها عن كونها محرمة.
стр. 497
الفصل الثاني
ما يلحق بالترك العدمي
"ترك الاستفصال"
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: بيان ترك الاستفصال.
المبحث الثاني: تطبيقات ترك الاستفصال.
стр. 498
تمهيد
" ترك الاستفصال من النبي ﷺ " إحدى القواعد التي يذكرها الأصوليون في باب العموم، وهذه القاعدة من مسائل الترك، وذلك لأن محل الاستدلال في هذه القاعدة هو أن النبي ﷺ ترك الاستفصال، فهو استدلال بالترك، وهو ترك عدمي، وذلك لأن الواقعة وإن نقلت فإن ترك النبي ﷺ الاستفصال لم ينقل، بل نقلت الواقعة فاستدل المستدل بأن ما نقل من جوابه ليس فيه أنه استفصل، ولو فعل ذلك لنقل، فهو استدلال مرده إلى الاستدلال بترك النقل، وهو ترك جزئي لأن الاستدلال بتركه ﷺ هنا ليس على العموم، بل بترك أمر مخصوص هو الاستفصال، ولذا أفردته في هذا الفصل بعنوان ما يلحق بالترك العدمي، وتناولته بالدراسة في مبحثين: الأول منهما لبيان الجانب الأصولي، والمبحث الثاني لبيان الجانب التطبيقي.
стр. 499
المبحث الأول: بيانه ترك الاستفصال (١)
هو أن يأتي السائل إلى رسول الله ﷺ ، فيسأله عن أمر فلا يستفصل منه رسول الله ﷺ عن أحوال ذلك الأمر، بل يصدر حكمًا عامًا.
وهذا النوع من الترك ذكره العلماء تحت قواعد العموم وأصله عبارة الشافعي.
قال الشافعي: "ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال
стр. 500
يتنزل منزلة العموم في المقال".
المطلب الأول: نسبة القاعدة للشافعي:
نُسبت هذه القاعدة للشافعي في كثير من كتب الأصول والفروع، وقد بحثتُ عنها في الرسالة والأم فلم أجد تصريحًا بلفظها غير أني وجدت معناها في الأم (١) عند بيان حكم المشرك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة.
وقد صرَّح الشافعية وغيرهم بنسبة هذه القاعدة للشافعي: فمن الشافعية: الرازي (٢)، والجويني (٣)، والزركشي (٤)، وزكريا بن محمد الأنصاري (٥)(٦)،
стр. 501
وشهاب الدين القليوبي (١)(٢).
ومن غير الشافعية: المرداوي (٣)، وابن النجار الفتوحي (٤)، والقرافي (٥)، وابن تيمية الجد (٦)(٧) وغيرهم.
ولبيان دلالة هذا النوع لابد من بيان معناها ودليلها ومذاهب العلماء فيها.
المطلب الثاني: معنى القاعدة:
" الاستفصال": طلب التفصيل.
стр. 502
وفي الموسوعة الفقهية: "يستفاد من سياق عبارات الأصوليين والفقهاء أن الاستفصال: طلب التفصيل، ولم ترد هذه الجملة في المعاجم اللغوية التي بين أيدينا وهي مع ذلك صحيحة، وقد وردت في كلام الشافعي وكفى به حجة في لغة العرب" (١).
وفي معجم لغة الفقهاء: الاستفصال: طلب البيان (٢).
و"العموم" في اللغة: الشمول، والعام: الشامل، أي شمول أمر لمتعدد سواء كان الأمر بلفظ أم غيره (٣).
وعرف في الاصطلاح بتعريفات كثيرة، أفضلها ما ذهب إليه الرازي، وأبو الحسين المعتزلي، وأبو الخطاب، واختاره أكثر الحنابلة من أنه: "لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد" (٤).
стр. 503
"وقائع الأحوال" المراد بذلك الوقائع التي تنقل للنبي ﷺ للسؤال عنها، وهي ما يسأل عنه النبي ﷺ باعتبار وقوعه فعلًا.
"الاحتمال" المراد بالاحتمال الذي أطلقه الشافعي الاحتمال المساوي أو القريب، أما الاحتمالات النادرة والبعيدة فغير مرادة هنا، وكذلك الاحتمالات العقلية فإنه ما من أمر إلا ويدخله الاحتمال، وقد نقل الزركشي عن تقي الدين وجَدّه اشتراط ذلك وصوبه (١).
"ينزل منزلة العموم من المقال" أي أن حكم النبي ﷺ يكون عامًا في كل أحوال الواقعة المسئول عنها، والمراد بالمقال: أن اللفظ يعم أحوال السؤال، ولكن هل يدخل فيه الإقرار، أي: هل ينزل الإقرار منزلة اللفظ حتى يعم أيضًا؟
ذكر ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الزركشي أن الأقرب قيام الإقرار مقام اللفظ، وقد ذكر الزركشي أن الأصوليين لم يتعرضوا لمثل ذلك.
стр. 504
ومثل الزركشي له بمثال وهو حديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١).
قال: "فإن السائل قال للنبي ﷺ : "إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا. . ."، فاستدل به على أن إعداد الماء الكافي للطهارة بعد دخول الوقت مع القدرة عليه غير لازم؛ لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليل من الماء، وهو كالعام في حالات حملهم بالنسبة إلى القدرة عليه والعجز عنه، لضيق مراكبهم وغير ذلك بالنسبة إلى ما قبله وما بعده أيضا، وقد أقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه فيكون ذلك دالًا على جوازه في هذه الأحوال" (٢).
المطلب الثالث: أحوال وصور الجواب الذي يقع عن سؤال:
لا شك أن المراد هنا بالجواب الذي لم يثبت العموم من لفظه، إذ لو كان اللفظ عامًا بوضعه لما احتجنا إلى ذلك التفصيل، إذ المرجع حينئذ للقاعدة الأصولية المشهورة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٣)، أما في غير ذلك فقد نقل الزركشي (٤) عن الأبياري (٥) تقسيم صور الجواب الذي يقع
стр. 505
عن سؤال إلى الأقسام التالية:
١ - أن يثبت أن النبي ﷺ اطلع على خصوص الواقعة فحكم فيها بحكم، فهذا لا يعم.
٢ - أن لا يثبت بأي طريق استفهام من النبي ﷺ عن كيفية القضية، وهي تنقسم إلى أقسام، ويطلق النبي ﷺ الجواب، فهذا يعم. والسبب في كونه يعم أنه "لو كان الحكم يختلف باختلاف الأحوال حتى يثبت تارة ولا يثبت أخرى لما صح لمن التبس عليه الحال أن يطلق الحكم، لاحتمال أن تكون تلك الحالة واقعة على وجه لا يستقر معها الحكم، فلابد من التعميم على هذا التقدير بالإضافة إلى جميع الأحوال" (١).
٣ - أن يُسأل ﷺ عن واقعة باعتبار دخولها الوجود لا باعتبار وقوعها فيكون السؤال مبهمًا ولا يفصل ﷺ في الجواب، فهذا يعم.
٤ - أن تكون الواقعة المسئول عنها حاصلة في الوجود، ويطلق السؤال عنها فيجيب ﷺ بدون تفصيل.
تعارض هنا أمران:
стр. 506
١ - القيد الوجودي يمنع القضاء على الأحوال كلها، أي أنها لم تقع في الوجود إلا خاصة.
٢ - الإطلاق في السؤال يقتضي استواء الأحوال في غرض المجيب.
نظر إلى الثاني: الشافعي.
ونظر إلى الأول: أبو حنيفة.
ونظر الشافعي أرجح من جهة التأصيل والتطبيق.
أما التأصيل فلأن ذلك أقرب إلى مقصود الإرشاد، وإزالة الإشكال، وحصول تمام البيان، إذ النبي ﷺ مشرّع بقوله ولا يصح تقدير أنه علم ما لم يثبت أنه علمه فضلًا عن بناء الحكم عليه.
أما من جهة التطبيق فإن جمع روايات حديث غيلان ﵁ يثبت عكس ما ذكره أبو حنيفة، إذ إنه قد ثبت عند الترمذي بلفظ: "فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعًا منهن" (١)، وأقوى منه - لكنه لم يصح - ما ورد من حديث نوفل بن معاوية ﵁ قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي ﷺ : "فارق واحدة منهن"، قال: فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة ففارقتها (٢).
стр. 507
وقد أشار الزركشي (١) إلى الترجيح بهذه الرواية ولكنها ضعيفة.
وبذلك يظهر أن ترك الاستفصال في جميع الصور يعم ما عدا صورة واحدة، وهي التي ثبت أن النبي ﷺ اطلع على خصوص الواقعة فحكم فيها بحكم.
والذي يميل إليه الباحث في ذلك أن ثبوت اطلاع النبي ﷺ على خصوص الواقعة له حالتان:
الأولى: أن يكون في نفس الموقف، وهذا ينفي قاعدة ترك الاستفصال من الأساس.
الثانية: أن يكون في غير الموقف، وهذا لا أجد له مثالًا صحيحًا، على أنه فيه نظر من جهة التأصيل لو ثبت له مثال صحيح، وذلك لأن اطلاع النبي ﷺ على الواقعة قبل ذلك ثم إذا سئل لم يستفصل فيه دلالة على إرادة العموم، إذ لو أراد أن ينزل الجواب على الصورة التي يعلمها لفعل، وهذا يبعد من آحاد الناس، فكيف من رسول الله ﷺ ؟
المطلب الرابع: مذاهب العلماء في اعتبار القاعدة:
للعلماء في اعتبار القاعدة ثلاثة مذاهب:
١ - المذهب الأول: القبول .
وهو اختيار الحنابلة وأكثر الشافعية والمالكية (٢).
стр. 508
٢ - المذهب الثاني: التفصيل بين حالتين:
إذا علم النبي ﷺ تفاصيل الواقعة فإنها ترد.
وإذا لم يعلم النبي ﷺ تفاصيل الواقعة فإنها تقبل.
ذهب إليه الجويني (١)، وابن القشيري (٢)، والغزالي، ويحتمل أن يضم إليهم الرازي (٣).
٣ - المذهب الثالث: الرد مطلقًا .
وهو مذهب الحنفية ومن وافقهم كإلكيا الهراسي (٤) فيما نقله عنه الزركشي (٥).
стр. 509
شروط القاعدة عند من اعتبرها:
١ - أن تكون في جواب السؤال. ذكره الزركشي (١).
٢ - أن تكون الاحتمالات متقاربة أو متساوية، أما الاحتمالات المرجوحة والضعيفة فلا تدخل فيه.
نقل هذا الشرط الزركشي وأقره (٢)، ونقل عن الشافعي من الأم ما يشهد لذلك.
المطلب الخامس: دفع التعارض بين هذه القاعدة وقاعدة قضايا الأحوال:
نقل عن الشافعي أنه قال: "قضايا الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال".
وهذا القول يعارض ظاهر القاعدة التي نحن بصددها.
وللعلماء في هذا التعارض مسلكان:
المسلك الأول: أنهما متعارضان.
فمنهم من يبقى على الوقف، ومنهم من يقول: للشافعي في هذا قولان.
المسلك الثاني: عدم التعارض.
ولهم في الجمع بين القاعدتين مسلكان (٣):
стр. 510
الأول: أن القاعدة الأولى: الاستدلال فيها بقول الشارع وعمومه في الخطاب الوارد على السؤال عن الواقعة المختلفة الأحوال.
أما القاعدة الثانية فهي في الفعل المحتمل وقوعه على وجوه مختلفة، فهي في كون الواقعة نفسها لم يُفصل، وهي تحتمل وجوهًا يختلف الحكم باختلافها فلا عموم له.
وهذا الوجه نقله الزركشي عن الأصفهاني وأقره وذكر أنه الأصوب في الجمع بين القاعدتين (١).
الثاني: أن قاعدة ترك الاستفصال إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول، والقاعدة الأخرى إذا كانت الاحتمالات في محل الدليل، أي أن الاحتمال إذا كان في دليل الحكم فإنه يسقط الاستدلال، أما إن كان في محل الحكم فلا يسقط الاستدلال.
стр. 511
ذكره القرافي (١)، ونقله عنه وأقره البعلي (٢)، والإسنوي (٣)، وابن الشاط (٤)(٥)، ونقله عنه الزركشي (٦) لكنه رده.
والذي يراه الباحث في ذلك: أن القاعدة الأولى: في ترك استفصال الشارع، وأن الثانية: في أن الواقعة نفسها لم تنقل بالتفصيل.
وهذا الوجه هو ما ذكره الأصفهاني فقد قال: "ولكن لا مناقضة بين الكلامين؛ لأن الأول هو ترك استفصال الشارع، والثاني: كون الواقعة في نفسها لم تنقل بالتفصيل" (٧).
ولذا فالقول الأول هو الأولى بالقبول (٨).
стр. 512
المبحث الثاني: تطبيقاق ترك الاستفصال
المطلب الأول: صدقة المرأة دون توقف على إذن زوجها:
ورد من حديث ابن عباس ﵄ قال: شهدت الفطر مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ يصلونها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، خرج النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجلسُ بيده ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساءَ، معه بلال ﵁ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية، ثم قال حين فرغ منها: "آنتن على ذلك؟ "، قالت امرأة واحدة منهن - لم يجبه غيرها -: نعم، قال: "فتصدقن"، فبسط بلال ثوبه ثم قال: "هلم لَكُنَّ فداءٌ أبي وأمي، فيلقين الفَتخ والخواتيم في ثوب بلال" (١).
قال ابن حجر: "واستدل به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها كالثلث خلافًا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصة: ترك الاستفصال عن ذلك كله، قال القرطبي: ولا يقال في هذا إن أزواجهن كانوا حضورًا؛ لأن ذلك لم ينقل، ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهن لهن" (٢).
стр. 513
في رواية: ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم"، فقامت امرأة من سبطة النساء سعفاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير"، قال: فجعل يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتيمهن (١).
قال النووي: "وفيه جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. . . ودليلنا من الحديث: أن النبي ﷺ لم يسألهن استأذن أزواجهن في ذلك أم لا؟ وهل هو خارج من الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل" (٢).
وهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: لها التصرف في مالها كله بالتبرع.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر ورواية عن أحمد (٣).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وهو ظاهر في فك الحَجر عنهم وإطلاقهم في التصرف، وهذا يشمل الذكور والإناث، وأن من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير إذن.
стр. 514
٢ - قول النبي ﷺ : "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن" وأنهن تصدقن فقبل صدقتهن ولم يسأل ولم يستفصل (١).
٣ - حديث زينب امرأة عبد الله ﵄ قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي ﷺ فقال: "تصدقن ولو من حليكن" - وكانت زينب ﵂ تنفق على عبد الله ﵁ وأيتام في حجرها - فقلت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله ﷺ ، فانطلقتُ إلى النبي ﷺ ، فوجدتُ امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي، فمر علينا بلال ﵁ فقلنا: سل النبي ﷺ أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري، وقلنا لا تخبر بنا، فدخل فسأله فقال: "من هما؟ " قال: زينب، قال: "أي الزيانب؟ " قال امرأة عبد الله، قال: "نعم لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة" (٢).
ووجه الدلالة فيه: أن النبي ﷺ لم يذكر لهن شرط إذن الزوج.
القول الثاني: لا يجوز لها أن تتصدق بأكثر من الثلث.
وهو قول طاووس ومالك ورواية عن أحمد (٣).
стр. 515
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - ما ورد أن خيرة امرأة كعب بن مالك ﵂ أتت رسول الله ﷺ بحلي لها، فقالت: إني تصدقت بهذا، فقال لها رسول الله ﷺ : "لا يجوز للمرأة في مالها أمر إلا بإذن زوجها، فهل استأذنت كعبًا؟ "، قالت: نعم، فبعث رسول الله ﷺ إلى كعب بن مالك زوجها، فقال: "هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها؟ "، فقال: نعم، فقبله رسول الله ﷺ منها (١).
٢ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة خطيبًا، قال في خطبته: "لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها" (٢).
٣ - أن حق الزوج متعلق بمالها، والدليل على ذلك ما ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٣).
وأجيب:
١ - ضعف حديث زوجة كعب بن مالك ﵁، فقد قال الطحاوى:
стр. 516
حديث شاذ لا يثبت، وقال ابن عبد البر: إسناده ضعيف لا تقوم به حجة (١).
٢ - حديث عبد الله بن عمرو ﵁ محمول على أنه لا يجوز عطيتها من مال زوجها إلا بإذنه.
القول الثالث: لا يجوز لها التبرع بشيء من مالها لا أكثر من الثلث ولا أقل، وهو قول الليث (٢).
ومأخذ هذا القول واضح وهو العمل بعموم حديث النبي ﷺ : "لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها" خصوصًا أنه كان في فتح مكة وأيضًا فإن المرأة قد تنفق من مالها على وجه يعود على الزوج بالضرر أو بالعار أو بالنقيصة فلذلك تمنع إلا بإذنه وهي لا تخسر شيئًا إذا استأذنت زوجها.
والذي يراه الباحث في ذلك: أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عالم في عطية المرأة سواء كان من مالها أو من مال زوجها، فأما مال زوجها فلا إشكال في دخوله في الحديث، وتبقى الصورة محل النزاع فيما إذا كان من مالها لمعارضته بحديث: "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن"، فمن خصص به عموم حديث عمرو بن العاص قال: يجوز للمرأة أن تتصدق دون إذن زوجها، ومن قال لا يخصص فمنع من تصدق المرأة بدون إذن زوجها، ومأخذ المنع من التخصيص أن حديث بلال ليس صريحًا في الدلالة، بل هو استدلال بفعل صحابي لم يعلم وجهه، فلعل النساء اللاتي تصدقن كن
стр. 517
قد استأذنّ، لكن يشكل عليه: أن ذلك لو كان معتبرًا لبينه النبي ﷺ ولما أخر بيانه.
وعلى كلٍّ: فالغرض إثبات دور القاعدة في الاستدلال، والذي يميل إليه الباحث هو القول بالتخصيص أي: عدم توقف صدقة المرأة على إذن الزوج هو القول الأول.
المطلب الثاني: أيهما تقدم المستحاضة، العادة أم التمييز ؟
ثبت من حديث عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ سألت النبي ﷺ ، قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة، فقال: "لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي" (١).
استدل بهذا الحديث من يرى تقديم العادة على التمييز في المسألة المشهورة: هل إذا كانت المرأة المستحاضة لها عادة وتمييز أيهما يقدم؟
وللفقهاء في تلك المسألة ثلاثة مسالك:
الأول: تقديم التمييز على العادة.
قال النووي (٢): "وهو قول ابن سريج وابن إسحاق، وقال الماوردي:
стр. 518
هو مذهب الشافعي".
الثاني: تقديم العادة على التمييز.
قال ابن قدامة: "ظاهر كلام أحمد وقول أكثر الأصحاب" (١).
وقال النووي: "وهو قول ابن خيران والاصطخري ومذهب أبي حنيفة وأحمد" (٢).
وقد استدل أصحاب هذا القول بأن النبي ﷺ لم يستفصلها عن كونها مميزة أو لا، فدل ذلك على أن هذا الحكم عام فيها" (٣).
الثالث: إن أمكن الجمع بين العادة والتمييز حيضناها الجميع عملًا بالدليلين، وإن لم يمكن سقطا وكانت مبتدأة، قال النووي: "وهو ضعيف".
والذي يختاره الباحث من ذلك هو القول الثاني عملًا بالقاعدة.
المطلب الثالث: هل تجب كفارة الجماع في نهار رمضان على الناسي ومن لم ينزل وعلى المرأة ؟
ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله ﷺ هلكت، قال: "ما لك؟ "، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ "، قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال: لا،
стр. 519
قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ "، قال: لا، فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق فيها تمر - والعرق: المكتل -، قال: "أين السائل؟ "، فقال: أنا، قال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله ﷺ ؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: "أطعمه أهلك" (١).
في هذا الحديث ثلاثة مسائل:
الأولى: هل تجب الكفارة على من لم ينزل؟
الثانية: هل تجب الكفارة على الناسي؟
الثالثة: هل تجب الكفارة على المرأة التي جومعت؟
* أما الأولى:
فقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الكفارة تجب على من جامع سواء أنزل أو لم ينزل (٢).
وعلل ابن قدامة مذهب عامة أهل العلم بأن النبي ﷺ ترك الاستفصال من الأعرابي عن الإنزال فيعم الحالتين (٣).
стр. 520
* أما الثانية:
فقد اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ناسيًا على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الناسي كالعامد يجب عليه القضاء والكفارة.
وقال به: عطاء (١)، وابن الماجشون (٢)، ونص عليه أحمد وهو ظاهر مذهب الحنابلة (٣)، واختيار ابن قدامة (٤)، ونسبه ابن حجر للمالكية (٥).
والدليل على ذلك: أن ترك استفصال النبي ﷺ من الأعرابي عن جِمَاعه هل كان عن عمد أو نسيان دليل على وجوب الكفارة على العامد والناسي، إذ لو افترق الحال لسأل واستفصل، فترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.
أما قول الرجل: "هلكت" فيدل على أنه يعلم أن النسيان هنا لا يؤثر (٦).
стр. 521
القول الثاني: أن الناسي عليه القضاء دون الكفارة.
وقال به: الأوزاعى والليث وربيعة ومالك، ورواية عن أحمد (١).
ودليلهم على ذلك: قول الأعرابي في رواية: "احترقت"، وفي رواية أخرى: "ما أراني إلا هلكت" دليل على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك.
وأنه يبعد جدًّا أن يجامع في نهار رمضان ناسيًا.
وأن الكفارة لمحو الإثم وهو مرفوع عن الناسي.
وأجاب أصحاب القول الأول: بأنه يجوز أن يخبر عن هلكته فيما يعتقده من الجماع مع النسيان من إفساد الصوم (٢).
القول الثالث: لا قضاء عليه ولا كفارة.
وهو قول الحسن ومجاهد والثوري وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق وأبي ثور وداود وابن المنذر، ورواية عن أحمد رواها عنه أحمد بن القاسم ومال إليها أبو الخطاب من الحنابلة (٣).
стр. 522
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" (١) والجماع في معنى الأكل والشرب.
٢ - عموم حديث: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢).
٣ - قول الأعرابي في الحديث: "هلكت" وفي رواية: "احترقت، يدل على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك.
والذي يراه الباحث هنا أن الترجيح متردد بين الأول والثالث، والأولى بالقبول هو القول الثالث إذ أن التنصيص على الأكل والشرب هنا قد خرج مخرج الغالب إذ لو فعل ما يفسد الصوم غير أكل والشرب - المنصوص عليهما - والجماع - المختلف فيه، ناسيًا لما فسد صومه فيكون المراد: من فَعل ما يبطل الصوم ناسيًا كونه صائمًا.
ويؤيد ذلك:
الحديث السابق: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وقول الأعرابي: "هلكت" فيه إشارة إلى نفي احتمال النسيان.
стр. 523
* أما الثالثة: وهي هل يجب على المرأة كفارة إذا جومعت في نهار رمضان (١).
فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:
القول الأول: عليها كفارة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي ثور وابن المنذر وقول للشافعي ورواية عن أحمد واختيار أبي بكر (٢) من الحنابلة (٣).
ودليلهم على ذلك:
أنها هتكت صوم رمضان بالجماع فكان عليها الكفارة كالرجل لحديث الأعرابي.
القول الثاني: ليس عليها كفارة.
وهو قول الحسن والأوزاعي وأصح قولي الشافعي ورواية عن أحمد (٤).
ودليلهم على ذلك:
стр. 524
أولًا: أن النبي ﷺ سكت عن حكم المرأة في حديث الأعرابي، مع علمه بوقوع الجماع منها، فدل ذلك على أنه ليس عليها كفارة، فالمقام مقام بيان مع الحاجة، ومعلوم أن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
واعترض علي ذلك بأنه يحتمل أن المرأة لم تكن صائمة، أو أن المرأة لم تعترف، واعتراف الزوج لا يوجب عليها الحكم، أو أن بيان الحكم للرجل بيان للمرأة، أو أنه عرف حال المرأة من حال زوجها.
ثانيًا: رواية: "هلكت وأهلكت" دليل على أنه أكرهها فلذلك لم يجب عليها شيء.
وأجيب عن ذلك بأن هذه الزيادة لم تثبت، ولو ثبتت فلا دلالة فيها، إذ قد يكون المعنى: هلكت بأن أوقعت بنفسي كفارة لا أستطيعها، وأهلكت نفسي بالإثم: أو أن المعنى أهلكت من طاوعتني بأن حملتها إثمًا.
القول الثالث: أن عليها كفارة داخلة في كفارة زوجها.
وهو أحد أقوال الشافعي (١).
والذي يميل إليه الباحث أنه ليس عليها كفارة، وهو القول الثاني؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يأمرها بشيء، والمقام مقام بيان، ولو كان الحكم يختلف باختلاف الأحوال لاستفصل النبي ﷺ منها، والواقعة ذكرها الراوي على سبيل الاستشهاد، فيبعد أن يقع السؤال من النبي ﷺ ولا ينقله الراوى، فهذا القول أقرب الأقوال لما ذُكر من قواعد.
стр. 525
المطلب الرابع: هل نية المرأة في الرجوع إلى الزوج الأول تعتبر تحليلًا للنكاح الثاني ؟
ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة القُرَظي ﵄ النبيَّ ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فأبَتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير ﵁ إنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا حتى تذوقي عُسَيلته ويذوق عُسَيلَتك" (١).
وفي رواية للبخاري أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت فطلقت، فسئل النبي ﷺ : أتحل للأول؟ قال: "لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" (٢).
استدل بهذا الحديث من قال من الفقهاء بأن نية المرأة في الرجوع إلى الزوج الأول لا تعتبر تحليلًا للنكاح الثاني وهو قول مالك (٣)، وأحمد، واختيار ابن تيمية.
قال شيخ الإسلام: "لا فرق بين نية المرأة قبل العقد أو بعد العقد؛ لأن الحديث يعم الصورتين" (٤).
стр. 526
ووجه الدلالة: أن الحديث فيه إقرار للمرأة على أنها تريد أن ترجع إلى رفاعة، ومع ذلك لم تؤثر هذه النية بالمنع من الرجوع للزوج الأول ما دام الزوج الثاني قد جامعها، إذ لو كانت تلك النية مؤثرة لقال لها النبي ﷺ : إن نية رجوعك إلى رفاعة مانعة من ذلك، فلما لم يعترض النبي ﷺ على تلك النية كان ذلك دليلًا على أن تلك النية غير مؤثرة، ثم إن ذلك يشمل ما لو كانت نية المرأة قبل العقد أو بعده لأن النبي ﷺ علم نية رجوعها ثم لم يستفصل، فدل ذلك على أنه لو كان له أثر في الحكم لاستفصل منها أكانت تلك النية قبل العقد أم بعده، فلما لم يستفصل دل ذلك على أنه لا يختلف الحكم بذلك.
المطلب الخامس: جواز الصلاة في مرابض الغنم هل يشترط فيه السلامة من أبوالها وأبعارها ؟
ثبت من حديث جابر بن سمرة ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ"، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، فتوضأ من لحوم الإبل"، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا" (١).
стр. 527
دل هذا الحديث على إباحة الصلاة في مرابض الغنم، دون تفصيل بين أن تكون سليمة من أبعارها وأبوالها أم لا، وذلك لأن النبي ﷺ لم يستفصل عن ذلك، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم (١).
قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه اشترط أن تكون سليمة من أبعارها وأبوالها" (٢).
بل نقل النووي الاتفاق على إباحة الصلاة في مرابض الغنم (٣).
وفيه دليل أيضًا لما ذهب إليه عطاء، والنخعي، والثوري، ومالك، وأحمد، ومن الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطخري والروياني (٤) من طهارة بول وروث مأكول اللحم، إذ إن النبي ﷺ ترك الاستفصال من السائل أهناك حائل يحول بينك وبين أبعارها أم لا، والموضع موضع بيان ولم يفصل النبي ﷺ ، بل أطلق الإذن (٥).
فسؤال الرجل عام ويشمل ما إذا كانت سليمة من أبوالها أو لم تكن فلما لم يستفصل دل ذلك على أنه لا يختلف الحكم بين الحالتين.
стр. 528
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال بالنجاسة الشافعية في المشهور عنهم وكذلك أبو حنيفة وأبو يوسف.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
- قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، قالوا: والعرب تستخبث هذا.
- إطلاق الأحاديث التي فيها نجاسة البول فيحمل على أي بول كان.
- قياسًا على غير مأكول اللحم وهو نجس بالاتفاق، لم يخالف في ذلك إلا ابن حزم (١).
أما القائلون بالطهارة فاستدلوا بـ:
- أن الأصل الطهارة حتى يثبت الدليل الناقل عن هذا الأصل، ولم يرد ما ينقل عنه، بل قد ورد ما يؤيده وهو ما رواه البخاري في صحيحه (٢) من حديث أنس ﵁ قال: "قدم أناس من عكل - أو عرينة - فاجتَوَوُا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. . ."، فقالوا: لو كانت نجسة لما جاز شربها.
واعترض عليهم: بأن ذلك كان لأجل التداوي.
وأجيب عليه: بأنه لو كان ذلك لأمرهم بغسل أفواههم.
стр. 529
- ترك النبي ﷺ الاستفصال من السائل عن الصلاة في مرابض الغنم هل هناك ما يحول بين أبعارها أم لا.
- ترك أهل العلم أبعار الغنم تباع في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكير.
واعترض عليه بأن المختلف فيه اختلافًا سائغًا لا إنكار فيه (١).
وعلى أية حال فالمسألة طويلة النزاع والغرض هنا إثبات الاستدلال بالقاعدة على القول بالطهارة.
стр. 530
نتائج الدراسة وتوصياتها
لقد توصلت الدراسة إلى العديد من النتائج كان من أهمها وأبرزها ما يلي:
* أن ترك النبي ﷺ له جانب تشريعي هام لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه، ولابد للمجتهد من معرفته، وذلك لتوقف الحكم في كثير من مسائل النوازل والبدع والمصالح المرسلة عليه.
* لا يصح القول بأن ترك النبي ﷺ يدل على الإباحة مطلقًا، وكذلك لا يصح القول بأنه يدل على البدعية مطلقًا، فكلا التعميمين غير صحيح، وما توصلت إليه الدراسة التفصيل بين أنواع التروك، فمنها ما يدل على الإباحة، ومنها ما يدل على التحريم والبدعية، ومنها ما يدل على الكراهة، على ما ذكر من دلالة كل نوع.
* الترك وثيق العلاقة بباب المقاصد، ولا يكتمل البحث في المقاصد دون البحث في الترك، فمجال البحث التطبيقي في المقاصد لا يكتمل إلا بتناول جانب الترك، وحبذا لو قام باحث بدراسة مستقلة يتناول فيها العلاقة بين جانب الترك وبين جانب المقاصد حتى تتضح ملامح تلك العلاقة، وتكيف أصوليًّا وفقهيًّا.
* ظهر من خلال الدراسة أن هناك كثيرًا من المسائل الأصولية مازالت تحتاج إلى البحث المستقلى، بل إن كثيرًا منها تحتاج إلى أن تبحث من منظور فقهي تطبيقي، وذلك لأن جوانب الأصل لن تتضح بجلاء حتى تتضح المسائل والفروع المتعلقة بها.