← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وذكر الماوردي في "الحاوي": أنه إذا استلم الحجر، استحب أن يأتي الملتزم؛ وهو ما بين الركن وباب الكعبة، ويدعو فيه، ويدخل الحِجْر، ويدعو تحت الميزاب (١). وذكر محمد بن جرير الطبري: أنه يطوف، ثم يصلي ركعتيه، ثم يأتي الملتزم، ثم يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج إلى الصفا للسعي. وذكر الغزالي ﵀: أنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف، قبل ركعتيه، ثم يصليهما. وليس في حديث الكتاب ولا في حديث "صحيح مسلم" الذي ذكرناه شيء مما ذكر هؤلاء، سوى استلام الركن بعد ركعتي الطواف، فالأولى اتباعه، وترك ما عداه، إلا أن يرد شيء مما ذكروه في سنة فيتَّبع، والله أعلم. والبداءة بالصفا في السعي واجب في المرة الأولى من السبع، وبالمروة في المرة الثانية منه، وبختم السبع بالمروة، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة: أنه ﷺ بدأ بالصفا، وختم بالمروة، وهو الصحيح من مذاهب جماهير العلماء والشافعية وغيرهم، وعليه عمل الناس في الأزمنة المتقدمة والمتأخرة. وقال ثلاثة من الشافعية: إنه يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعود منها إليه مرة واحدة، وهو أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيرفي، قال شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: وهذا قول فاسد، لا اعتداد به، ولا نظر إليه؛ إنما ذكرته للتنبيه على ضعفه؛ لئلا يغتر به من وقف عليه، والله أعلم (٢). وقد سُمي -في حديث الكتاب، وفي غيره من الأحاديث- السعيُ طوافًا، وهو جائز بلا كراهة، والله أعلم. وقولُه: "ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّه وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ

стр. 1017

النَّحْرِ، وَأفَاضَ وَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُم حَلَّ مِنْ كُل شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ" إلى آخر الحديث، إنما لم يحل من عمرته من أجل سوق الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي ذلك دليل على أن ذلك حكم القارن. وفي قوله: "وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ مَنْ سَاقَ الهَدْيَ"؛ بيان عدم خصوصه ﷺ بحكم سوق الهدي وعدم تحلله بسببه، وأنه عامٌّ له ولغيره ممن ساقه، وفي حديث آخر: فإنه ﷺ لم يحل حتى حل منهما جميعًا. وفي هذا الحديث جمل من أحكام مناسك الحجِّ: منها: جواز إدخال العمرة على الحج. ومنها: استحباب سوق الهَدْي من الميقات. ومنها: أن من تركه لا إثم عليه، لكن فاته الفضل. ومنها: أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته، ومَنْ لم يسقه يتحلَّل منها، ويتمتَّع فيما بينها وبين إحرامه بالحج من مكة. ومنها: وجوب الصوم على المتمتع بشروطه المتقدمة. ومنها: وجوب الصوم على من لم يجد الهدي. ومنها: أن الصوم عشرة أيام. ومنها: وجوب التفريق بين الثلاثة والسبعة، وبماذا يفرق؟ فيه خلاف وتفصيل تقدم ذكره. ومنها: وجوب الطواف على المتمتع والقارن حين قدومه مكة. ومنها: استحباب استلام الحجر الأسود حين قدومه قبل طوافه. ومنها: استحباب الرَّمل فيه، بشرط استعقابه السعي. ومنها: استحباب مشي الأربعة الباقية. ومنها: استحباب ركعتين بعد الطواف خلف المقام. ومنها: شرعية السعي بعد فعل الركعتين.

стр. 1018

ومنها: وجوب البدأة بالصفا في السعي وختمه بالمروة. ومنها: جواز تسمية السعي طوافًا. ومنها: أن يحل الدماء للهدايا والجبرانات المتعلقة بالحج، قرانًا كان، أو تمتعًا، ونحوها يوم النحر بمنى. ومنها: استحباب فعل طواف الإفاضة يوم النحر. ومنها: أنه يتحلل من كل شيء حرم عليه بالإحرام بالطواف للإفاضة. ومنها: الاقتداء به ﷺ في مناسك الحج، فعلًا وقولًا وتقريرًا، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَن حَفصَةَ زَوجِ النبي ﷺ ﵂: أنهَا قالَت: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا شَأنُ الناسِ حَلُّوا مِنَ العُمرة وَلَم تَحِلَّ أَنتَ مِن عُمرتكَ؟ قالَ: "إنِّي لَبَّدتُ رَأسِي، وَقلَّدتُ هَديي، فَلَا أَحِل حَتى أَنحرَ" (١). أَما حَفْصَة: فتقدم ذكرها في باب: فضل الجماعة ووجوبها. قولُها: "مَا شَأنُ الناسِ حَلُّوا مِنَ العُمرَة" وَلَم تَحِل أَنتَ مِن عمْرتكَ؟ "، معناه: العمرة المضمومة إلى الحج، وقد كان الناس حَلوا من العمرة هذا الإحلال، وهو الذي وقع للصحابة ﵃ في فسخ الحج إلى العمرة، فأمرهم النبي ﷺ بالتحلل منها، لأجل سوق الهدي، فيكون قارنًا، وتكون "من" بمعني "مع"؛ أي: مع عمرتك، وقيل: "من" بمعني "الباء"؛ أي: بعمرتك؛ بأن تفسخ حجتك الي عمرة كما فعل غيرك. وكون "من" بمعني "مع" أو "الباء" ضعيفان، كيف وإضافة العمرة إليه ﷺ تقتضي تقرير عمرة له، والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن مقررة ولا موجودة؟

стр. 1019

وقيل: أرادت بالعمرة: الزيارة؛ لاشتراكها هي والحج في الوضع اللغوي، وهو الزيارة، وهو ضعيف -أيضًا-؛ لأن الاسم إذا انتقل إلى حقيقة عرفية، كانت اللغوية مهجورة في الاستعمال. وقولُه ﷺ : "إني لَبدْتُ رَأْسِي"؛ التلبيد: أن يجعل في الشعر ما يسكنه ويمنعه من الانتفاش؛ كالصبر أو الصمغ أو ما أشبههما، وفِعلُ ذلك سنَّة بالاتفاق. وقولُه ﷺ : "وَقَلَّدْتُ هَدْييِ، فَلَا أَحِل حَتَّى أَنْحَرَ"؛ التقليد: أن تقلد الهدي قلادة في عنقه من خيوط ونحوها، وتعلق فيها نعل، أو قربة، أو جلد، ونحو ذلك بعراها؛ ليكون ذلك علامة على أنه هدي لله تعالى، فيجتنب عما يجتنب غيره من الأذى وغيره، وإن ضلَّ، رُدَّ، وإن اختلط بغيره تميزه، ولما فيه من إظهار الشعار وتنبيه الغير على فعل مثل هذا جميعه، وهو سنة بالاتفاق في الإبل، وأما في الغنم، فاستحبه جمهور العلماء، ومنعه مالك، وأما في البقر، فهو عند الشافعي والعلماء جميعهم مستحب، والله أعلم. وقوله: "فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ"؛ هو اتِّباع لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فمن ساق الهدي لا يحل [له] التحلل من عمرته حتى ينحر يوم النحر بمنى. وفي هذا الحديث أحكام: منها: جواز سؤال المرأة زوجها الكبير المقتدى به عما وقع من مخالفة الناس له فيما فعله. ومنها: الجواب بذكر السبب في مخالفتهم له. [ومنها: جواز تسمية القارن معتمرًا، وإن لم يحل من عمرته] (١). ومنها: استحباب تلبيد شعر المحرم عند إحرامه.

стр. 1020

ومنها: أن من لبد رأسه لم يكفِه إلا الحلقُ يوم النحر. ومنها: أن من ساق الهدي لم يحل حتى يحلق يوم النحر. ومنها: أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعي، بل لا بد في تحلله من الوقوف بعرفات، والرمي والحلق والطواف، كما في الحاج المفرد. ومنها: أن سوق الهدي سنة مؤكدة، وكذا تقليده، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: أُنْزلَتْ آيةُ المُتْعَةِ فِي كتَابِ اللهِ تعالى، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عنها حتى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ برأيهِ مَا شَاءَ. قال البخاري: يقال: إنه عمر (١). ولمسلمٍ: نَزلَتْ آيهُ المُتْعَةِ، يَعْني: مُتْعَةَ الحَجِّ، وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُم لَمْ تَنْزِلْ آيةٌ تَنْسَخَ اَيةَ مُنْعَةِ الحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ (٢): ولهما: بمعناهُ. أما عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: فهو وأبوه صحابيان، وتقدم ذكره أول باب: التيمم. ومن مناقب عمران ﵁: أن الملائكة كانت تسلم عليه؛ لبواسير كانت به، فكان يصبر على ألمها، ثم اكتوى، فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي، فعاد سلامهم عليه (٣)، ثم إن عمران ﵁ لم يخبر بذلك الأمر إلا في مرضه الذي توفي فيه، وأمر بكتمان التحدث به إلا بعد موته؛ خوفَ التعرض للفتنة في الحياة، بخلاف ما بعد الموت.

стр. 1021

أما المراد بآية المتعة؛ فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والمتعة التي نهى عنها، ليست متعة النساء، ولا متعة فسخ الحج إلى العمرة؛ لأن شيئًا منهما لم ينزل القرآن بجوازه، بل هي متعة الحج، وهي الإحرام بالمتعة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وهو نهي تنزيه بيانًا للأولى والأفضل، وحذرًا من فعله بترك إفراد الحج والتتابع عليه طلبًا للتخفيف على أنفسهم. وفي هذا الحديث دليل على جواز العمرة في أشهر الحج، ثم الحج. وفيه إشارة إلى جواز نَسْخِ القرآن بالسُّنَّة؛ إذ لو لم تكن كذلك، لما كان لقوله: "ولم ينه عنها" فائدة؛ حيث إن النهي يقتضي رفع الحكم الثابت بالقرآن، فلو لم يكن الرفع ممكنًا، لَمَا احتاج إلى قوله: "ولم ينه عنها"؛ إذ لا طريق لرفعه إلا جواز نسخه، وورود السنة بالنهي. وقد يوجد من ذلك أن الإجماع لا ينسخ؛ إذ لو نسخ، لقال: ولم يتفق على المنع منها؛ لأن الاتفاق يكون سببًا لرفع الحكم، وكان يحتاج إلى نفيه، كما نفى نزول القرآن بالنسخ وورود السنَّة بالنفي. [و] فيه دليل: على وجوب بيان اللفظ المشترك بإضافته إلى المعنى المقصود منه. وفيه دليل على جواز نسخ القرآن بالقرآن. * * *

стр. 1022

باب الهدي الحديث الأول عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: فَتلْتُ قَلاَئِدَ هَدْيِ النبِي ﷺ ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، أَو قَلَّدْتُهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى البيتِ، وَأقامَ بِالمَدِينةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيء كَانَ لَهُ حِلٌّ (١). أَما الإشْعَارُ: فهو شقُّ صفحة السنام بحديدةٍ ونحوها طولًا، وسَلْتُ الدم عنه، وأصله من الإعلام والعلامة، وإشعار الهدي؛ لكونه علامة له (٢). واختلف الفقهاء، هل يكون في الصفحة اليمنى أو اليسرى؟ فمذهب الشافعي: في اليمنى. وأَما التَّقْلِيدُ: فتقدم ذكره في الحديث الذي قبل الحديث الذي قبل هذا. وفي الحديث أحكامٌ: منها: استحباب فَتْلِ القلائد للهدي، ويكون من جلود أو خيوط ونحوهما.

стр. 1023

ومنها: استحباب الإشعار والتقليد، أما التقليد: فتقدم تفاصيل محله من الإبل والبقر والغنم، وأما الإشعار: فاتفق العلماء على أن الغنم لا تشعر؛ لضعفها عن الجرح، ولأنه يُستر بالصوف، وأما البقر: فيستحب إشعاره كالإبل. والإشعار مشروع سنة عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة ﵀: الإشعار بدعة؛ لأنه مثلة، وذلك مخالف للأحاديث الصحيحة المشهورة، بل لا يسلم أنه مثلة، بل هو كالفصد والحجامة والختان والوشم. ومنها: استحباب بعث الهدي من البلاد، وان لم يكن معه صاحبه. ومنها: استحباب إشعاره عند بعثه، بخلاف ما إذا سافر صاحبه؛ فإنه لا يُستحب إشعاره إلا عند الإحرام. ومنها: أنه لا يحرم على من بعث الهدي شيء من محظورات الإحرام، ونقل فيه خلاف عن بعض المتقدمين، وهو مشهور عن ابن عباس ﵄. ومنها: استحباب إعانة أهل الطاعات بما أمكن من المعونات، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَت: أَهدي النبي ﷺ مَرَّةً غَنَمًا (١). في الحديث دليل على إهداء الغنم، وهو جائز بالاتفاق، وتقدم استحباب تقليده، وعدم إشعاره. وفيه: تتبُّع آثاره ﷺ ، ونقلها إلى أمته، وروايتها، والعمل بها. وفيه: قبول خبر المرأة، وهو متفق عليه عند العلماء، والله أعلم.

стр. 1024

الحديث الثالث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن نَبِي اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "اِرْكَبْهَا"، قَالَ: إنَّهَا بَدَنة! قَالَ: "اِرْكَبْهَا"، فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النبِي ﷺ . وفي لفظٍ: قَالَ في الثانِيةِ أو في الثالِثَةِ: "اِرْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ: وَيْحَكَ! " (١). أما الرجل المبهم: فلا أعلمه مسمًّى. وأَما البَدَنَةُ: فهي هنا من الإبل، وتستعمل في البقر والغنم لغةً، وتطلق على الذكر والأنثى، وجمعها: بُدْنٌ، بإسكان الدال وضمها، وبالإسكان جاء القرآن، وسُمّيت بدنةَ؛ لعظمها وسمنها؛ لأنهم كانوا يسمنونها للإهداء (٢). وقوله: "وَيْلَكَ! ": قال الجوهري (٣): الوَيْلُ: كلمةُ عذاب، وهو منصوب بفعل مضمر، وكذلك: ويحك، وتستعمل ويلك في المخاطبة للتغليظ على المخاطب، واستحقَّ المخاطبةَ به لتأخرِه عن امتثال الأمر حتى روجع مرةً أو مرتين، وقد يخاطب بها من غير قصد إلى معناها وموضعها على عادة العرب في ذلك؛ كقولهم: ويحه، وويله، وقد ورد نحو هذا في الحديث، في قوله ﷺ : "تَرِبَتْ يَدَاكَ" (٤)، وأفلح وأبيهِ (٥). وقولُه: " أَوْ: ويحكَ": هو شكٌّ من الراوي، هل قال: ويلك، أو: ويحك، قال الحسن البصري ﵀: ويح كلمة رحمة (٦)، وقال أبو الفرج بن

стр. 1025

الجوزي: ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، يرثي له (١). وإنما أمره ﷺ بركوبها مخالفة لسيرة الجاهلية في مجانبة الانتفاع بالسائبة والوصيلة والحامي، وإهمالها بلا انتفاع بها، حتى نقل عن بعض العلماء وجوب ركوبها؛ لهذا المعنى، ولمطلق الأمر. وفي هذا الحديث دليل على جواز ركوب البدنة المهداة، وقد اختلف العلماء فيه على مذاهب، مع الاتفاق على تحريم الإضرار بها، فقال الشافعي ﵀، وابن المنذر، وجماعة، ورواية عن مالك: يجوز ركوبها لحاجة، ولا يجوز من غير حاجة، وقال مالك في الرواية الأخرى، وأحمد، وإسحاق: له ركوبها من غير حاجة، وهو قول عروة بن الزبير من التابعين، وأهل الظاهر، وقال أبو حنيفة: لا يركبها إلا ألا يجد منه بدًا. وتقدم نقل وجوب الركوب عن بعض العلماء، والدليل على عدم الوجوب: أن النبي ﷺ أهدى، ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. وفي رواية في "صحيح مسلم"، عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "اركبها بالمعروف، إذا أُلجئتَ إليها، حتى تجدَ ظهرًا" (٢)، وهي رد على عروة بن الزبير وموافقيه، والله أعلم. وفيه دليل: على أن الكبير القدوة، إذا رأى ما فيه مصلحة تتعلق ببعض أتباعه، أن يأمره بها. وفيه: المبادرة إلى قبول الأمر. وفيه: أنه إذا لم يبادر إلى قبوله، زُجر بالكلام الغليظ بعد تَنْبيهِهِ على الأمر ثانيًا وثالثًا. وفيه: جواز مسايرة الكبار في الركوب في السفر ونحوه، والله أعلم.

стр. 1026

الحديث الرابع عَن عَلِي بْنِ أَبي طَالِبِ ﵁ قَالَ: أَمَرَني النبِي ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدنِهِ، وَأَن أتصَدقَ بِلُحُومهَا وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَلا أعطِيَ الجَزارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: "نحْنُ نُعطِيه مِنْ عِندِنَا" (١). تقدم الكلام على علي بن أبي طالب ﵁. وَأما بُدْنه: فتقدم الكلام أنها بإسكان الدال وضمها، جمع بَدَنَة، ومعنى القيام عليها: إصلاح شأنها في علفها ورعيتها وسقيها، وسوقها، وإزالة الضرر عنها، والعمل فيها بما يجب ويشرع ويحذر. وأما الأَجِلة؛ فهي جمع جِلاَل، وهو ما يتخذ من الثياب تشق على الأسنمة، إذا كانت قليلة الثمن، لئلا تسقط، وتعقد أطراف الجلال على أذنابها، ويكون ذلك بعد إشعارها لئلا يتلطخ بالدم. والأَجِلة مختصة الاستحباب بالإبل عند العلماء، قال القاضي عياض ﵀: وفي شق الجلال على الأسنمة، فائدة أخرى، وهي إظهار الإشعار لئلا تُستر تحتها (٢). والجزار معروف، وهو الذي يتولى سلخها وتقطيع اللحم، وتفصيل أعضاء الحيوان المهدى، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: جواز الإشعار به في سوق الهدايا، والقيام عليها وذبحها، وفي التصدق بها. ومنها: استحباب التصدق بجميع لحومها وجلودها وجلالها، ولا شك أنه أفضل، وواجب في بعض الدماء.

стр. 1027

ومنها: أن الجلود تجري مجرى اللحم في التصدق؛ لأنها من جملة ما يتصدق به، فحكمها حكمه. ومنها: استحباب تجليل الهدايا، وهو سنة ثابتة تختص بالإبل، وهو مما اشتهر فعله من عمل السلف، ورآه مالك، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، قال العلماء: ويستحب أن تكون قيمة الجلال ونفاسته بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف يجلل بالوشي، وبعضهم بالحبرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر. قال مالك ﵀: وتشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن، لئلا تسقط، قال: وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر ﵄؛ استبقاءً للثياب؛ لأنه كان يجلل الجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحبر. قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات. قال: وروي عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة، وكان يعقد أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشى ليلة عرفة، نزعها؛ فإذا كان يوم عرفة، جلَّلهَا، فإذا كان عند النحر، نزعها؛ لئلا يصيبها الدم. قال مالك: أما الجِلال، فتنزع بالليل، لئلا يخرقها الشوك، قال: وأستحب إن كانت الجِلال مرتفعة أن يترك شقها، وألًا يجللها حتى يغدو إلى عرفات، فإن كانت بثمن يسير، فمن حينِ يحرم يشق ويجلِّل. وكان ابن عمر أولًا يكسو الجلال الكعبة، فلما كسيت، تصدق بها على الفقراء، والله أعلم. ومنها: عدم إعطاء الجزار منها شيئًا مطلقا بكل وجه، وهو ظاهر الحديث، ولا شك في امتناعه إذا كان إعطاؤه أجرة للذبح؛ لأنه معاوضة ببعض الهدي، وهي في الأجرة كالبيع، وهو لا يجوز، أما إذا كان ما يعطيه منها خارجًا عن الأجرة زائدًا عليها، فالقياس جوازه، ولكن السنة منعته؛ لقوله ﷺ : "نحن نعطيه من عندنا"، فأطلق المنع من غير تقييد، والذي يخشى من إعطائه منها أن يقع

стр. 1028

مسامحة في الأجرة؛ لأجل ما يأخذه الجزار من اللحم، فيعود إلى المعاوضة في نفس الأمر، فمن يميل إلى سد الذرائع، يتمسك بهذا الحديث؛ خشية من مثل هذا. ومنها: جواز الاستئجار على النحر ونحوه. ومنها: تحريم بيع جلد الهدي والأضحية وسائر أجزائهما بعوض من الأعواض، سواء كان ينتفع به في البيت وغيره؛ أم لا، وسواء كانا تطوعًا أو واجبين، لكن إن كانا تطوعًا، فله الانتفاع بالجلد ونحوه للبس وغيره، وبذلك قال الشافعية والمالكية والحنابلة، وحكوه عن أئمتهم، وبه قال عطاء، والنخعي، وإسحاق، وحكى ابن المنذر، عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق: أنه لا بأس ببيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه، قال: ورخَّص في بيعه أبو ثور، وقال النخعي، والأوزاعي: لا باس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها، وجوز الحسن البصري إعطاء الجزار جلدها، وهو منابذ للسنة، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أتى عَلَى رَجُل قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ فنَحَرَهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةَ؛ سُنه مُحمدٍ ﷺ (١). أما زياد بن جبير؛ فهو تابعي ثقفي بصري، ثقة، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: هو من الثقات، وفي رواية: رجل معروف. وروى له البخاري ومسلم. أما أبوهُ جُبَيْرٌ؛ فهو بضم الجيم وفتح الباء الموحدة ثم الياء المثناة الساكنة،

стр. 1029

ثم الراء، ابنُ حَيَّة -بفتح الحاء وبالياء المثناة المشددة-، وهو تابعي جليل، روى له الأئمة والبخاري، ولجبير في "المؤتلف والمختلف" مشابه ستة، والله أعلم (١). وأَما قولُه: "ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيدَة"؛ فمعناه: انحرها قائمة معقولة اليد اليسرى، وهو قيدها. وصحَّ في "سنن أبي داوود" بإسناد على شرط مسلم، عن جابر: أَن النبي ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى (٢)، قائمةً على ما بقي من قوائمها. والمراد بالبَدنَة هنا؛ البعير ونحوه من الإبل، وأما البقر والغنم، فليس هذا حكمها، بل يُستحب ذبحها مضطجعة على جنبها الأيسر، وتترك رجلها اليمنى، وتُشد قوائمها الثلاث، وهذا الذي قاله ابن عمر ﵁ للرجل هو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]؛ أي سقطت بعد النحر، فوقعت جنوبها على الأرض، وأصل الوجوب: الوقوع. قال مجاهد ﵀: الصواف: إذا علقت رجلها اليسرى، وقامت على ثلاث قوائم (٣). وفي الحديث أحكام: منها: تعليم الجاهل. ومنها: عدم السكوت على مخالفة السنة. ومنها: استحباب نحر الإبل معقولة من قيام على الصفة المذكورة، وهو

стр. 1030

مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة، والثوري: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وحكى القاضي عياض ﵀ عن عطاء: أن نحرها باركة أفضل، والمذهبان مخالفان للسنة، واتِّباعها أولى، والله أعلم. ومنها: ما كانت الصحابة ﵃ عليه من التقيد بالسنة، قولًا وعملًا واعتقادًا، والله -سبحانه- أعلم. * * *

стр. 1031

باب الغسل للمحرم عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ حُنينٍ: أَن عَبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ، وَالمِسوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ، اخْتَلَفَا بالأَبْواءِ، فَقَالَ ابْنُ عَباسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وقَالَ المِسوَرُ: لا يَغسِلُ المُحْرِمُ رأْسَهُ، قَالَ: فَأرْسَلَني ابنُ عَباس إلى أَبي أَيوبَ الأَنْصَارِي، فَوَجَدْتُهُ يَغتَسِلُ بينَ القَرْنَيْنِ، وَهُوَ يستترُ بِثَوْبٍ، فَسَلمْتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَني الَيْكَ ابْنُ عَباسِ، يَسألكَ: كَيفَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيوبَ يَدَه عَلَى الثوْبِ، فَطَأطَاَهُ حَتى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُم قَالَ لإنْسَانِ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ: اصْبُبْ، فَصَب عَلَى رَأْسِهِ، ثُم حَركَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَر، ثُم قَالَ: هَكَذَا رَأيْتُهُ ﷺ يفعَلُ (١). وفي رواية: قَالَ المِسوَرُ لابنِ عَباس: لَا أمَارِيكَ أبدًا (٢). القَرْنَان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة. أما عَبدُ اللهِ بنُ حُنينٍ، فهو قرشي هاشمي، مولاهم، المشهور أنه مولى عبد الله بن عباس، ﵃، ويقال: مولى علي بن أبي طالب، وهو تابعي ثقة، روى له البخاري ومسلم، وكان قليل الحديث. وأما أبوه حنين: فهو بضم الحاء المهملة، وفتح النون، وياء مثناة تحت

стр. 1032

ساكنة ثم نون، قيل: إنه مولى مثقب، ومثقب مولى مسحل، ومسحل مولى شماس، وشماس مولى ابن عباس (١). وأَما ابن عباس وأبو أيوب الأنصاري، فتقدَّم ذكرهما. وأما المِسْوَر: فهو بكسر الميم وسكون السين المهملة، وفتح الواو المخففة، ثم راء، وأبوه مَخْرمَةُ بميمين مفتوحتين بينهما خاء معجمة ساكنة، ثم راء مفتوحة، وآخره تاء تأنيث. ويشتبه مِسْور -بكسر الميم- بمُسَوَّر -بضمها وفتح السين المهملة المخففة، وتشديد الواو المفتوحة، ثم الراء-، ويشتبه مخرمة بمخرفة -بالفاء بدل الميم الثانية-، والمسور بن مخرمة وأبوه صحابيان. أما المِسْور: فكنيته: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عثمان بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وأمه الشيقاء بنت عوف، أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح، وهو ابن ست سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين، وسمع من النبي ﷺ ، وصحَّ سماعه منه، وفي سنة مولده ولد مروان بن الحكم. رُوي له عن رسول الله ﷺ اثنان وعشرون حديثًا، اتَّفقا على حديثين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بحديث، روى عنه: أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وخلق من التابعين الكبار، وغيرهم. أصابه المنجنيق وهو يصلي في الحجر بمكة، في فتنة ابن الزبير، سنة ثلاث وسبعين، فمكث خمسة أيام، ثم مات في ربيع الآخر، وصلى عليه ابن الزبير، ودفن بالحجون، ثم قتل ابن الزبير بعده يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى، وقيل: في جمادى الآخرة، فكان سنُّ المِسْور وابنِ الزبير اثنتين

стр. 1033

وسبعين سنة؛ لأنهما ولدا في عام واحد، المسور بمكة، وابن الزبير بالمدينة، وقتلا بمكة في عام واحد. وروى للمسور أصحاب السنن والمساند (١). وأما أبو مخرمةُ: فكنيته أبو صفوان، وهو الأكثر، وقيل: أبو المسور، وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص بن أهيب، أحد العشرة. وكان من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، وكان له سن وعلم بأيام الناس، وبقريش خاصة، وكان يؤخذ عنه النسب، وعاش مئة وخمس عشرة سنة، وعمي في آخر عمره، وتوفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وشهد مع رسول الله ﷺ حنينًا، وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة عمر ﵁، أرسله عمر، وأرسل معه أزهرَ بن عبد عوف، وسعيدَ بن يربوع، وحويطبَ بن عبد العزى، فجددوها، والله أعلم (٢). وأَما الأَبْواء: فهو بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة، وفتح الواو، وبمد الألف بعدها، وهو اسم قرية من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثمانية وعشرون ميلًا، قال صاحب "المطالع": قال بعضهم: سميت بذلك لما فيها من الوباء. ولو كان كما قال، لقيل: الأوباء، أو يكون مقلوبًا

стр. 1034

منه. والصحيح: أنها سميت بذلك لتبواء السيول بها، وبه توفيت أم رسول الله ﷺ (١). وقد فسر المصنف ﵀ القرنين؛ وهما تثنية قرن، ولا ينحصر تفسيرهما بعمودين، بل لو كان عوضهما بناء، سميا قرنين، والله أعلم. وفي هذا الحديث فوائد: منها: جواز التناظر في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها، إذا غلب على ظنِّ كل واحد من المتناظرين حكم. ومنها: الرجوع إلى من يُظنُّ أن عنده علمًا فيما اختلف فيه. ومنها: وصول خبر الواحد، وأن العمل به سائغ شائع بين الصحابة ﵃؛ لأن ابن عباس أرسل إلى أبي أيوب عند اختلافه هو والمسور؛ ليستعلم منه حكم المسألة برسول واحد، وهو ابن حنين، ومن ضرورته قبول خبره عن أبي أيوب فيما أرسل فيه. ومنها: أخذ الصحابي عن الصحابي بواسطة التابعي. ومنها: وجوب الرجوع إلى النص عند الاجتهاد، والأخذ به. ومنها: ترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص، وهذا لا خلاف فيه عند أحد من العلماء. ومنها: التستر عند الغسل. ومنها: جواز الاستعانة للمتطهر بمن يستره، أو يصب عليه، وقد ثبت في الاستعانة أحاديث صحيحة، وما ورد في تركها لا يقابلها في الصحة، فيحمل على أن تركها أولى. ومنها: جواز الكلام حال الطهارة.

стр. 1035

ومنها: جواز السلام على المتطهر في الوضوء والغسل للحاجة، بخلاف الجالس على الحدث. ومنها: جواز تحريك اليد على الرأس حال الغسل للمحرم، إذا لم يؤد إلى نتف الشعر. ومنها: أن الإنسان إذا كان عنده علم من الشيء، ووقع فيه اختلاف، لا بأس أن يراجع غيره فيه ممن عنده علم به؛ لأن سؤال ابن عباس ﵁ عن كيفية غسل النبي ﷺ ، يشعر بأنه كان عنده علم به؛ إذ لا يحسن السؤال عن كيفية الشيء إلا بعد العلم بأصله. ومنها: أن غسل البدن كان مقرر الجواز عنده في الإحرام؛ إذ لم يسأل عنه، وإنما سأل عن كيفية غسل الرأس، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه موضع الإشكال في المسألة؛ لأن تحريك اليد على ما الشعر عليه، يخاف منه: الانتتاف. ومنها: جواز اغتسال المحرم في رأسه وجسده، وهو مجمع عليه إذا كان الغسل واجبًا من جنابة أو حيض ونحوهما، وأما إذا كان لمجرد التبرد، فمذهب الشافعي، والجمهور: جوازه، وجوز أصحاب الشافعي الغسل بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعرًا، ولا فدية عليه، وقال مالك وأبو حنيفة: هو حرام، وعليه الفدية؛ لأنه ترفه. قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: فإن استدل بالحديث على هذا المختلف فيه، فلا يقوى؛ لأنه حكاية حال لا عموم فيه، وحكاية الحال يحتمل المختلف فيه، ويحتمل غيره، ومع الاحتمال لا تقوم الحجة، والله أعلم (١). * * *

стр. 1036

باب فسخ الحجِّ إلى العُمْرَةِ الحديث الأول عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدَ اللهِ ﵄ قَالَ: أَهَلَّ النَّبيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَد مِنْهُمْ هَدْيٌ غيْرَ النبِي ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِي مِنَ اليَمَن، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بمَا أَهَلَّ بِهِ النبي ﷺ ، فأمَرَ النَّبِي ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَة، فَيَطُوفُوا ثُمَّ يقصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إلا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلى مِنًى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يقْطُرُ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلاَ أَنَّ مَعِي الهَدْيَ، لأَحْلَلتُ"، وَحَاضتْ عَائشِةُ، فنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهاَ، غيْرَ أنها لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ، طَافَتْ بِالبَيْتِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! تَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ! فَأمَرَ عَبْدَ الرحمنِ بْنَ أَبي بكر أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَج (١). أما جابر وعائشة، فتقدم ذكرهما، وكذلك عبد الرحمن بن أبي بكر تقدم ذكره في باب: السواك. أما قوله: "أَهَلَّ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ"؛ أصل الإهلال: رفع الصوت، ثم استعمل في التلبية استعمالًا شائعًا، ويعبر به عن الإحرام، قال القاضي عياض ﵀: هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ حيث أحرم به

стр. 1037

النبي ﷺ وأصحابه مفرِدًا، ويؤيده توقفهم على التحلل بالعمرة ما لم يتحلل، حتى أغضبوه واعتذر إليهم بسبب سوق الهدي، ومثله تعليق علي وأبي موسى إحرامهما على إحرام النبي ﷺ (١). وقولُه: "وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النبي ﷺ وَطَلْحَة"؛ هذا الكلام كالمقدمة لما أمروا به من فسخ الحج إلى العمرة إذا لم يكن هدي، وتقدم ذكر الهدي. وأما طلحة: فهو أحد العشرة ﵃ المشهود لهم بالجنة، وكنيته أبو محمد، ولقَّبه رسول الله ﷺ بطلحة الخير يومَ أحد، وطلحة الفياض، وطلحة الجود يوم حنين، وهو ابن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، يلتقي مع النبي ﷺ في الأب السابع، أمه: الصعبة بنة الحضرمي -واسمه: عبد الله- أختُ العلاء بن الحضرمي، أسلمت ﵂، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين كعب بن مالك ﵄. لم يشهد بَدْرًا، لكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها، وشهد أُحُدًا وما بعدها من المشاهد، وهو من المهاجرين الأولين، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر ﵁، والستة أصحاب الشورى، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقال رسول الله ﷺ في حقه قبل أن يقتل: "طلحةُ ممن قضى نحبه وما بدلوا تبديلًا" (٢). رُوي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم على

стр. 1038

حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة، روى عنه السائب بن يزيد، وجمع كثير من كبار التابعين، وأولاده: موسى، ويحيى، وعيسى، وغيرهم، وروى له أصحاب السنن والمساند. قُتل ﵁ يوم الجمل يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة، وقيل: في رجب سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة وهو ابن أربع، وقيل: اثنتين وستين سنة، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: ستين، وقيل غير ذلك، قتله مروان بن الحكم (١). وقول عليٍّ ﵁: "أَهْلَلْتُ بمَا أَهَل بِهِ النبي ﷺ "، اعلم أنه ثبت أن عليًّا وأبا موسى الأشعري ﵄ أحرم كل واحد منهما إحرامًا معلقًا؛ وهو أن يحرم إحرامًا كإحرام فلان، فينعقد إحرامه، ويصير محرمًا بما أحرم به فلان، وهذا النوع أحد وجوه الإحرام الجائزة؛ وهي خمسة: الإفراد، والتمتع، والقران، والإطلاق، والتعليق، ولا شك أنه اختلف آخر إحرام أبي موسى وعلي في التحلل، فأمر النبي ﷺ عليًّا بالبقاء على إحرامه من غير تحلل؛ لأنه علق إحرامه بإحرام النبي ﷺ ، وكان معه ﷺ الهدي، فشاركه عليٌّ في الهدي وعدم التحلل؛ بسبب الهدي، وصار قارنًا، وأما أبو موسى، فلم يكن معه هدي، فصار له حكم النبي ﷺ لو لم يكن معه، وقد قال: "لَولا الهَدْيُ لجعلتُها عُمْرَةً وتحللت" فأمر أبا موسى بذلك، فاعتمر وتحلل لعدم الهدي، والله أعلم. وفي إحرام علي وأبي موسى دليل لمذهب الشافعي وموافقيه: أنه يصح

стр. 1039

الإحرام معلقًا بإحرام الغير، وانعقاد إحرام المعلق بما أحرم به الآخر، فإن كان إحرام الغير بحج، كان هذا بحج، وإن كان بعمرة، فبعمرة، وإن كان بهما، فبهما، وإن كان مطلقًا، كان مطلقًا، ويصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، ولا يلزمه موافقةُ الغير في الصرف. ومن العلماء من خص التعليق بصورة غير ما ذكره الشافعية، ومنعه غيره، ومن أبي التعليق قال: الحج مخصوص بأحكام ليست في غيره، ويجعل محل الخلاف منها، والله أعلم. قولهُ: "فَأمَرَ النبِي ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً"؛ فيه عموم لجميع أصحابه، وهو مخصوص بأصحابه الذين لم يكن معهم هدي، وهو مبين في حديث آخر، وفسخ الحج إلى العمرة كان جائزًا بهذا الحديث؛ حسمًا لمادة الجاهلية في أن الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور. وقد اختلف الناس -فيما بعد هذه الواقعة- هل يجوز فسخ الحج إلى العمرة؛ كما في هذه الواقعة، أم لا؟ فمنهم من جوزه، ومنهم من منعه، وجعله مخصوصًا بالصحابة، وروى فيه حديثًا عن أبي ذر ﵁، وعن الحارث بن بلال عن أبيه -أيضًا-، وتقدم ذلك، والله أعلم. قوله: "فَلْيَطُوفُوا ثُم يقصِّرُوا" يحتمل أن يريد بالأمر بالطواف: الطوافَ بالبيت، والسعيَ بين الصفا والمروة؛ حيث إن العمرة لا بد فيها من السعي، ويحتمل أنه استعمل الطواف فيهما؛ حيث إن السعي يسمى طوافًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]. وقوله "فَقَالُوا: ننطْلِقُ إلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يقْطُرُ! "؛ المراد بقولهم هذا: المبالغةُ في الكلام، لا حقيقة الإمذاء أو الإنزال؛ لأنهم إذا حلوا من العمرة، وواقعوا النساء، كان ذلك قريبًا من إحرامهم بالحج؛ لقرب الزمان بين الإحرام والمواقعة والإنزال، فقيل مبالغة: "وذكر أحدنا يقطر" إشارة إلى اعتبار المعنى

стр. 1040

في الحج، وهو الشعث وترك الترفه، وطول زمن الإحرام يحصل هذا المقصود، وقصره يضعفه بعدم الشعث ووجود الترفه، وكأنهم استنكروا زوال المقصود وضعفه لقرب إحرامهم من تحللهم. وقوله ﷺ : "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمرِي مَا اسْتدبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ"؛ اعترض على ذلك بقوله: "إن لو تفتحُ عملَ الشيطان"، والجمع بينهما: أن المنع من قول: لو أني فعلت كذا، لكان كذا، ولو كان كذا وكذا، لما وقع كذا وكذا، إنما هو لما فيه من صورة عدم التوكل، ولنسبة الأفعال إلى القضاء والقدر فقط. أما إذا استعملت "لو" في معنى تمني القربات؛ كما في قوله ﷺ : "لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمرِي" في هذا الحديث، فلا كراهة فيه، ولا منع، ويلزم من ذلك أن يكون ما تمناه ﷺ أفضل، وهو التمتع لو وقع، الجواب: أن الشيء قد يكون أفضل لذاته، وقد يكون أفضل لما يقترن به من مصلحة لا لذاته، فالتمتع مقصود للترفه ولجبره بالدم، لكنه لما اقترن به قصد موافقة الصحابة ﵃ في فسخ الحج إلى العمرة لما شق ذلك عليهم، وهو أمر زائد على مجرد التمتع، اقتضى ذلك أفضليته من هذا الوجه خاصة، لا من حيث هو هو، ولا يلزم من ذلك أن يكون التمتع بمجرده أفضل، فاقتضى ترجيحه لذلك، لا لذاته. وقوله ﷺ : "لَوْلَا أَن مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ" هذا معلل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فإن فسخ الحج إلى العمرة يقتضي التحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة، ولو تحلل بالحلق عند فراغه منها، لحصل الحلق قبل بلوغ الهدي محله. وفي معنى الحلق التقصيرُ، فيمتنع كما يمتنع الحلق قبل بلوغ الهدي محله، وحينئذ يؤخذ من هذا: التمسكُ بالقياس، مع أن النص لم يرد إلا في الحلق، فلو وجب الاقتصار على النصِّ، لم يمتنع فسخ الحج إلى العمرة لأجل هذه العلة؛ فإنه حينئذ كان يمكن التحلل من العمرة بالتقصير، ويبقى النصُّ معمولًا به في منع الحلق حتى يبلغ الهدي محله، فحيث حكم بامتناع التحلل من العمرة، علل بهذه العلة، دل ذلك على أنه أجرى

стр. 1041

التقصير مجرى الحلق في امتناعه قبل بلوغ الهدي محله، مع أن النصَّ لم يدل عليه بلفظه، وإنما ألحق به بالمعنى. وقوله: "وَحَاضَتْ عَائشِةُ ﵂ فنسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غيْرَ أنهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ"؛ اعلم: أن ابتداء حيض عائشة ﵂ هذا، كان يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر، وطهرها كان يوم السبت في يوم النحر عام حجة الوداع، ذكره ابن حزم في كتابه "حجة الوداع" (١)، وإنما لم تطف الحائض بالبيت، إما لذات الحيض، أو لملازمته لدخول المسجد. وثبت في رواية أخرى صحيحة أنها بعد أن طَهُرت طافت وسعت، وأُخذ من ذلك أن السعي لا يصح إلا بعد طواف صحيح، فإنه لو صح، لما لزم من تأخير الطواف بالبيت تأخير السعي؛ لأنها قد فعلت المناسك كلها غير الطواف بالبيت؛ فلولا اشتراط تقدم الطواف على السعي، لفعلت في السعي ما فعلت في غيره من المناسك. وحينئذ يكون في رواية الكتاب: "فَلَما طَهُرَتْ طَافَتْ بِالبَيْتِ"، حَذْف تقديره: وَسَعت، تبينه هذه الرواية في طوافها وسعيها بعد طهارتها، وكون السعي لا يكون إلا بعد طواف صحيحٍ إما واجب وإما مندوب، هو مذهب مالك، والشافعي، واتفق عليه أصحابهما. غير أن المالكية زادوا قولًا واحدًا آخر: أن السعي لا بد أن يكون بعد طواف واجب، وإنما صححوه بعد طواف القدوم؛ لأنه عند القائل بصحة السعي بعده واجب، لا مندوب، والله أعلم. وقولُها: "تَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ"؛ تريد: العمرة التي فسخوا الحج إليها، والحج الذي أنشؤوه من مكة. وقولُها: "وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ"؛ هذا مشعر بأن عائشة ﵂ لم تحصل لها العمرة؛ إما لأنها لم تتحلل بفسخ حجها الأول إلى العمرة، وإما بأنها فسخته

стр. 1042

ثم حاضت، فتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها، وإدراك الحج، فأحرمت به، فصارت مدخلة للحج على العمرة،، وقارنة، فالأول ظاهر قولها: "وَأَنْطْلِقُ بِحَجَّة"، لكنه لما ثبت في روايات أخر صحيحة اقتضت أن عائشة اعتمرت، حيث أمرها رسول الله ﷺ بترك عمرتها ونقض رأسها وامتشاطها، وبالإهلال بالحج لما حاضت لامتناع التحلل من العمرة بوجوه: منها: الحيض، ومنها: مزاحمة وقت الحج، ومنها: امتناع إتمام أعمال العمرة وهو الطواف ودخول المسجد، ولم يمكن: رفض العمرة، فأهلت بالحج مع بقاء العمرة، فصارت قارنة، فأشكل قولها: "تنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج"، إذ هي على التقدير الثاني، قد حصل لها حج وعمرة، فهي قارنة، فاحتاج العلماء إلى تأويل ما أشكل على أن قولها: "تنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحجة"؛ أن المراد منه تنطلقون بحج مفرد عن عمرة، وعمرة مفردة عن حجة، وأنطلق بحجة غير مفردة عن عمرة، فأمرها النبي ﷺ بالعمرة؛ ليحصل لها قصدها في عمرة مفردة عن حجة، وحجة مفردة عن عمرة. وهذا حاصل ما قيل في هذا الإشكال وجوابه، مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا الحديث، لكن الجمع بين روايات الحديث ألجأ العلماء إلى ذلك، وفيه جميعه دلالة على الرد على من يقول: القِران أفضل، والله أعلم. وقولُه: "فَأمرَ عَبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ ﵄ أَن يَخرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعتَمَرَتْ بَعْدَ الحج"؛ يعني: أخا عائشة لأبويها، وكان أكبر أولاد أبي بكر، كما تقدم. والتنعيم: مكان عند طرف الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال -وقيل: أربعة- من مكة، سُمي بذلك؛ لأن عن يمينه جبلًا يقال له: نعيم، وعن شماله جبل يقال له: ناعم، والوادي نعمان. والعلة في الإحرام بالعمرة من الحل؛ لقصد الجمع بين الحل والحرم في العمرة، كما وقع في الحج من الجمع بينهما؛ فإن عرفة من الحل خارج الحرم،

стр. 1043

والوقوف بها من أركان الحج، حتى لو أحرم بالعمرة من مكة، أو في الحرم، هل ينعقد ويكون صحيحًا ويلزمه دم، أو يكون باطلًا؟ وللشافعي في ذلك قولان، وقال مالك: لا يصح، وشذ بعضهم فشرط الخروج إلى التنعيم بعينه، دون الخروج إلى مطلق الحل، وليس بشيء؛ بل المفهوم منه الخروج إلى مطلق الحل، وإنما أمر عائشة ﵂ بالخروج مع أخيها للعمرة إلى التنعيم؛ لقربه من الحرم؛ فإنه أقرب جهات الحل من الحرم، لا لعينه، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: استحباب التلبية ورفع الصوت بها. ومنها: وجوب الإحرام على من أراد الحج أو العمرة أو أرادهما. ومنها: أن السنَّة سوق الهدي من الميقات. ومنها: أن الأفضل: الإحرام بالحج مفردًا. ومنها: جواز إدخال العمرة على الحج ويصير قارنًا. ومنها: أن من ساق الهدي لا يجوز له التحلل من العمرة. ومنها: مخالفة الجاهلية وجواز الاعتمار في أشهر الحج. ومنها: أن [على] العالم إذا حاول إحياء شرع أو سنَّة، أن يتلطف في ذلك بالاستدراج دون البغتة. ومنها: جواز مخالفة الأفضل لمصلحة أهم منه. ومنها: وجوب المبالغة ومخالفة العقول والطباع والعادات من أجلها. ومنها: جواز المباحثة وذكر العلل لطلب الحق والرجوع إليه والعمل به. ومنها: أن الحكم الخاص بزمن أو شخص لعلة يصير عامًّا، وإن لم توجد العلة. ومنها: الاعتذار لمخالفة العادة.

стр. 1044

ومنها: جواز تسمية السعي طوافًا. ومنها: جواز المبالغة في الكلام، وإن لم يكن حقيقة لمقصود شرعي. ومنها: أن من عقل شيئًا من معاني الأحكام أن يذكرها بها للعلماء؛ ليقروه عليها، أو يردوه عنها. ومنها: جواز تمني الأمور الأخروية. ومنها: جواز استعمال "لو" فيها من غير كراهة، ولا يكون هذا تركًا للتوكل، ولا مخالفة للقضاء والقدر. ومنها: ترك فعل الراجح مراعاة لموافقة الأصحاب، إذا لم يكن محذورًا. ومنها: أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت. ومنها: أن المحرم لا يحل له حلق رأسه أو تقصيره حتى يشرع في أسباب التحلل بمحله. ومنها: تحريم المسجد على الحائض، والطواف، وغيره من الصلاة والاعتكاف، وسواء خافت تلويثه أم لا، وسواء المرور فيه وغيره. ومنها: طلب الأفضل والأكمل في العبادة. ومنها: جواز الخلوة بالمحارم، وأنَّه لا يجوز سفر المرأة إلا مع ذي محرم، وسواء كان السفر قصيرًا أو طويلًا، وتقييد السفر بيوم أو ليلة أو بهما -في بعض الأحاديث- خرج على الغالب. ومنها: الجمع بين الحل والحرم في الإحرام بالعمرة. ومنها: أن الأفضل أن يحرم بها من الحل. ومنها: أن من جملة جهات الحل للإحرام بها التنعيم، وليس في الحديث دليل على أنه أفضل الجهات للإحرام بها. ومنها: أن العمرة المستقبلة لمن أفرد الحج، وأراد فعلها، لا يجوز إلا بعد الفراغ من الحج.

стр. 1045

واختلف العلماء في جواز فعلها في أيام التشريق لمن تعجل في يومين: فحرمه مالك وطائفة، وجوزه الشافعي وطائفة مع الكراهة، إما للخروج من اختلاف العلماء، وإما لخصوصية وجود أيام التشريق، وجواز الذبح والتضحية فيها، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً (١). إنما أمرهم رسول الله ﷺ بجعل ما أحرموا به من الحجِّ عمرة؛ لمخالفة الجاهلية فيما قرروه في النفوس من أنَّ العُمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور، فأراد النبي ﷺ بمخالفتهم، وتقرير جوازها في أشهر الحجِّ، وكونه يفسخ الحج إليها أبلغ في تقرير جوازها في أشهر الحجِّ. وقولُ جابر: "وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالحَجِّ"، ليس المراد به كل أصحابه ﵃، بل المراد بعضهم، كما ورد في حديث آخر عن جابر: "فمنَّا من أهلَّ بحجة، ومنَّا من أهلَّ بعمرة" (٢). وفي الحديث استحباب ذكر ما أحرم به من حج أو غيره في التلبية. وفيه دليل على جواز فسخ الحج إلى العمرة. وفيه دليل على جواز فعل العمرة في أشهر الحج. وفيه دليل على وجوب الرجوع في بيان الأحكام إطلاقًا وتقييدًا وعزيمة ورخصة إلى النبي ﷺ .

стр. 1046

وفيه دليل على المبادرة إليه ﷺ في ذلك جميعه، بقوله: فجعلناها عمرة، فأتى بفاء التعقيب الدالة على عدم التراخي من غير مهلة، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، صَبِيحَةَ رَابعَةٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: "الحِلُّ كُلُّهُ" (١). قوله: "قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رابِعَةٍ"، يعني؛ قدم مكة في حجه صبيحة ليلة رابعة، وكان ذلك يوم الأحد من ذي الحجة حيث كان يوم الجمعة بعد يوم عرفة، وهو التاسع. وقول الصحابة ﵃: "أَيُّ الحِلِّ" هو استفسار منهم؛ لأنهم استبعدوا جواز جميع أنواع الحلِّ من الجماع المفسد للإحرام، فأجابهم ﷺ بما يقتضي التحلل المطلق، والذي يدل على هذا قولهم في الحديث قبله: "ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر"؛ فإن ذلك يُشعر باستبعادهم التحلل المبيح للجماع، والله أعلم. وفي الحديث دليل على فسخ الحجِّ إلى العمرة. وفيه دليل على أن التحلُّلَ بالعمرة تحللٌ مطلق بالنسبة إلى جميع محظورات الإحرام. وفيه دليل على أن التابع إذا وقع في ذهنه التخصص في لوازم المأمور به أن يسأل عنه مجملًا. وفيه: البيان بالعموم من غير ذكر المراد، والله أعلم.

стр. 1047

الحديث الرابع عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: سُئِلَ أسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيُر العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةٍ، نَصَّ (١). أمَّا عُرْوة بنُ الزُّبَيْرِ؛ فكنيته: أبو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيٍّ، القرشيُّ، الأسديُّ، المدنيُّ، التابعيُّ، أحدُ فقهاء المدينة السبعة، سمع أباه، وأخاه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق، وخالته عائشة الصدِّيقة، وسعيدَ بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحكيمَ بن حزام، وابنه هشام بن حكيم، وباقي العبادلة المشهورين، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه خلق كثير من التابعين، وبنوه: هشام، ومحمد، ويحيى، وعبد الله، وعثمان، ويتيمة أبو الأسود، ومحمد بن عبد الرحمن، وغيرهم، وروى له البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. قال ابن شهاب: كان عروة بحرًا لا تكدره الدلاء (٢)، وقال أيضًا: استخرته مع غيره فوجدته بحرًا لا يُنْزَف (٣)، وقال سفيان بن عيينة: كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن (٤)، وقال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، عالمًا، مأمونًا، ثبتًا، توفي في سنة أربع وتسعين، وقال البخاري: سنة تسع وتسعين،

стр. 1048

وقال يحيى بن بكير: مات سنة أربع أو خمس وتسعين (١). وَأَمَّا أُسامةُ بنُ زَيْدٍ؛ فتقدَّم ذكره قريبًا في باب: دخول مكة وغيره، في الحديث الثالث منه. أما إدخال هذا الحديث في باب فسخ الحج بالعمرة، فلا تعلق له [به]، وقد أدخله المصنف فيه، ويحتمل أن تعلقه به لما ساق رسول الله ﷺ الهدي من ميقات المدينة، وأدخل العمرة على الحج، ولم يتحلل منها بسبب سوق الهدي في مسافة سيره التي من جملتها: حين دفع من عرفات إلى مزدلفة، ومنها إلى منى، كان حكم سوق الهدي المانع من التحلل في تلك المسافة، حكم سيره بنفسه إذا سيرته، فوجد القائم عليه فجوة، نص، وإذا لم يجد، سار العَنَق به، وهذه مناسبة تسوغ إدخال الحديث في الباب، والله أعلم. وَأمَّا العَنَق؛ فهو انبساط السير، وهو بفتح العين المهملة والنون. والنَّصُّ: بفتح النون وتشديد الصاد، وهما نوعان من إسراع المشي، لكن العنق أرفقهما، والفجوة: بفتح الفاء: المكان المتسع، وهو الفجوة في "الصحيحين"، وفي بعض نسخ "الموطأ": فُرجة -بضم الفاء وفتحها، وبالراء قبل الجيم-، وهو بمعنى الفجوة (٢). وفي الحديث أحكام: منها: السؤال عن العلم، والتفتيش عن حال النبي ﷺ للتأسِّي به.

стр. 1049

ومنها: استعمال الرفق وترك العجلة في السير عند الازدحام؛ لعدم التأذي والإيذاء. ومنها: استحباب الإسراع عند ترك الزحمة، وخلوِّ الطريق؛ للمبادرة إلى مقصده من المناسك وغيرها، ولاتساع الوقت له في ذلك. ومنها: جواز الرواية والتحمل لمن سمع شيئًا، وإن لم يسأل عنه، ولا قصد المجيب ترويته إياه. ومنها: أن الإسراع في موضعه، والمشي في موضعه من مناسك الحج، وقد كان رسول الله ﷺ يقول في سيره لأصحابه: "عليكم السكينة، لتستعملوها في موضعها" (١)، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَسَأَلَ رَجُلٌ: فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ"، وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيءٍ يَوْمَئِذٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (٢). هذا الوقوف كان بمنًى يوم النحر، وكان بعد صلاة الظهر، وقف على راحلته للخطبة، وهي إحدى خطب الحج المشروعة الأربعة، وهي الثالثة منها، والله أعلم. وقولُهُ: "لَمْ أشعر"؛ أصل الشعور: العلم، وهو مأخوذ من المشاعر، وهو

стр. 1050

الحواس، فكأنه يستند إلى الحواس في عدم العلم. واعلم: أن النحر ما يكون في اللبَّة، والذبح ما يكون في الحلق. والوظائف يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، والسنَّة ترتيبها هكذا، فلو خالف وقدَّم بعضها على بعض، جاز، ولا فدية عليه، وعلى ذلك دل قولُه: "فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ". ومعنى قوله: "لَا حَرَجَ": لا شَيْءَ عليكَ مطلقًا، لا إثم ولا فدية، والله أعلم. وقولُه: "فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، إلى آخر الحديث؛ معناه: افعل ما بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلته، ولا حرج عليك في التقديم والتأخير. واعلم: أن نفي الحرج يستعمل لغة في نفي الضيق، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛أي: من ضيق، وقد استعمل كثيرًا عرفًا وشرعًا في نفي الإثم، فاستعماله في عدم الفدية فيه نظر، فهو خلاف الظاهر، لكن وجوب الفدية ضيق، وتركه إثم، على تقدير الوجوب، فحسن تفسير قوله: "ولا حرج" بنفيهما -أعني: الإثم والفدية-. واعلم: أنه قد يشعر التقييد كثيرًا في الأحاديث، بإضافة حجَّته ﷺ إلى الوداع؛ حيث أشعرت بانتقاله أنه يحجُّ غيرها. ولم يحجَّ ﷺ بعد الهجرة إلا حَجَّة واحدة، وهي حَجَّة الوداع، وقد نقل ابن إسحاق: أنه حجَّ أخرى -يعني: قبل الهجرة- من مكة، وروي في حديث في غير "الصحيح": أنه ﷺ حجَّ قبل الهجرة حجتين، والله أعلم. وفي الحديث هذا فوائد: منها: وجوب اتباع أفعال رسول الله ﷺ في الحج؛ حيث إنهم سألوه عن تقديم بعض الأفعال الأربعة المذكورة على بعض، لما فعلها على صفة الترتيب

стр. 1051

من تقديم الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم الطواف للإفاضة؛ لأنه ﷺ قال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم" (١). ومنها: وجوب السؤال عما وقعت المخالفة فيه؛ ليعلم جوازه أو أفضليته. ومنها: وجوب البيان على المسؤول إذا علم الحكم في المسؤول عنه. ومنها: أن السنَّةَ ترتيب الأفعال الأربعة على ما ذكرنا، وأنَّه لو خالف وقدَّم بعضها على بعض، جاز، ولا فدية عليه، وبهذا قال جماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي، وله قول ضعيف: أنه إذا قدَّم الحلق على الرمي والطواف، لزمه الدم، بناء على قوله الضعيف: إن الحلق ليس بنسك. وبهذا القول -هنا- قال أبو حنيفة، ومالك. وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، ورواية شاذة عن ابن عباس: أَنَّ مَنْ قدَّم بعضها على بعضى لزمه دم، وهم محجوجون بهذه الأحاديث، فإن تأوَّلوها على أن المراد نفي الإثم، وادعوا أن تأخير البيان لوجوب الدم يجوز، قلنا: ظاهر قوله ﷺ : "لا حرج" يخالف هذا التأويل؛ حيث معناه: أنه لا شيء عليك مطلقًا. وقد صرح في بعض الأحاديث في "صحيح مسلم" بتقديم الحلق على الرمي، وأجمعوا على أنه لو نحر قبل الرمي، لا شيء عليه، واتفقوا على أنه لا فرق بين العامد والساهي في ذلك؛ في وجوب الفدية وعدمها، وإنما يختلفان في الإثم عند من يمنع التقديم، والله أعلم. نعم، ليس في الحديث المذكور -من السؤال والجواب- ما يدل على أن تقديمهم وتأخيرهم بعضَ الأفعال الأربعة على بعض كان عمدًا، ولا غيره، بل هو مطلق بالنسبة إلى حال السؤال والجواب، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يكون حجة في حال العمد. ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة، والحكم علق به، فلا يمكن اطِّراحه وإلحاق العمد به؛ إذ لا يساويه، والله أعلم.

стр. 1052

ومنها: أنه لا فرق في عدم وجوب شيء عليه -في تقديم بعض الأفعال على بعض- بين الجاهل والعالم، والناسي والعامد؛ حيث أطلق ﷺ الجواب من غير استفسار عن السؤال، ونقل عن الإمام أحمد: أن ذلك في الناسي والجاهل، أما العالم العامد: ففيه روايتان، والوجوب: الفدية على العامد دون الجاهل والناسي قوي؛ من جهة أن الدليل دلَّ على وجوب اتباع الرسول ﷺ في قوله: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم" (١). وهذه الأحاديث المرخصة في جواز التقديم مقيدة في السؤال بعدم الشعور من السائل، فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل الوجوب لاتِّباع الرسول ﷺ في اتِّباع الحَجِّ. ومن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان عند تقديم الحلق الرمي، حمل قوله ﷺ : "لَا حَرَجَ" على نفي الإثم دون نفي وجوب الدم، وتقدم الكلام على ذلك، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَرآهُ يَرْمي الجَمْرَةَ الكُبْرَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ (٢). تقدَّم الكلام على ابنِ مسعود. وأما عبد الرحمن بن يزيد؛ فكنيته أبو بكر بن يزيد بن قيس، تابعيٌّ، كوفيٌّ، ثقة، روى له البخاري ومسلم، وهو أخو الأسود بن يزيد، سمع عثمان بن عفان من العشرة، وعائشة من أزواج النبي ﷺ ، وسلمانَ الفارسيَّ من موالي

стр. 1053

النبي ﷺ ، وأخاه الأسودَ، وعلقمة بن قيس، وغيرهم. وروى عنه جمع كثير من التابعين الصغار وغيرهم. وأما النَّخَعِيُّ -بفتح النون والخاء المعجمة، وبالعين المهملة، ثم ياء النسب-، فنسبة إلى النَّخع: قبيلة من العرب، نزلت الكوفة، واسم النخع: جسر -بفتح الجيم- بن عمرو بن عُلَة -بضم العين وفتح اللام المخففة ثم هاء التأنيث- بن خالد بن مالك بن أدد، سمي بالنخع؛ لأنه ذهب عن قومه. ومن هذه القبيلة خلق كثير من الفضلاء العلماء، العبَّاد، الزهَّاد، الشجعان، التابعين وغيرهم (١). وَأَمَّا الجَمْرَةُ الكُبْرَى؛ فهي جمرة العقبة. وَأَمَّا قَولُ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ: "هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ"؛ فإنَّما خصَّ سورة البقرة بالذكر؛ لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال: هذا مقام من أنزلت عليه أحكام المناسك، وأُخذ عنه الشرع، وبيَّن الأحكام، فاعتمدوه!. وأراد بذلك التنبيه على أن أفعال الحج توقيفية، ليس للاجتهاد فيها مدخل، فلا يفعل أحد شيئًا من المناسك برأيه، والله أعلم. وفي الحديث أحكام: منها: إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر، وهو مجمع عليه، وهو الذي عليه جمهور العلماء أنه واجب يجبر تركه بدم، فلو تركه، فحجُّه صحيح، وعليه دم، وهو قول الشافعي وغيره، وقال بعض أصحاب مالك: وهو ركن لا يصحُّ الحَجُّ إلَّا به. وحكي عن ابن جرير الطبري، عن بعض الناس: أن رمي الجمار إنَّما يشرع

стр. 1054

حفظًا للتكبير، فلو تركه وكبر، أجزأه حجه. وروي نحوه عن عائشة ﵂، والصحيح ما ذكرناه أولًا. والرمي يوم النحر أحد أسباب التحلل، وهي ثلاثة: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى، والثالث: الحلق عند من يقول: إنه نسك، وهو الصحيح، والله أعلم. ومنها: كون رمي جمرة العقبة بسبع حصيات، وهو مجمع عليه. ومنها: استحباب هذه الكيفية في الوقوف بجمرة العقبة لرميها، فيجعل مكَّةَ عن يساره، ومنًى عن يمينه، ويستقبل العقبة والجمرة، ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء. وقال بعض أصحاب الشافعي: يُستحبُّ أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة، وقال بعضهم: يستحبُّ أن يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه. وأجمع العلماء على أنه إذا رماها على أي حال من حيث رماها، جاز، سواء فوقها أو تحتها، وجعلها عن يمينه أو يساره، أو وقف في وسطها ورماها، والله أعلم. ومنها: جواز قول: سورة البقرة، وآل عمران، ونحو ذلك، وبلا كراهة، ونقل عن بعضهم: أنه لا يقال ذلك، بل يقال: السورة التي يُذكر فيها كذا، وهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة يردُّ عليه، والله أعلم. ومنها: التنبيه على التأسي به ﷺ في جميع الحالات في المناسك وغيرها، ونقل ذلك وتبليغه. ومنها: التعلم بالرؤية للفعل من غير قول، والأخذ به من غير قول، وتبليغه، والله أعلم. * * *

стр. 1055

الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ" قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَالمُقَصِّرِيَن، قالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "وَالمُقَصِّرِينَ" (١). هذا الدعاء للمحلِّقين مكررًا، دون المقَصِّرين، قد وردت روايات في "صحيح مسلم" عن أمِّ الحُصَيْنِ ﵂: أنه كان في حجة الوداع (٢)، وروي في غيره: أنه كان يوم الحديبية من رواية ابن عباس ﵄ قال: قالت: حلق رجل يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ" ثلاثًا، قيل: يا رسول الله! ما بالُ المُحَلِّقينَ ظاهرتَ لَهُمْ بالرحم؟ قال: "لأنهم لم يَشُكُّوا" (٣). قال ابن عبد البر: وكونه في الحديبية هو المحفوظ (٤)، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: ولا يبعد أن النبي ﷺ قاله في الموضعين (٥). وتكرير النبي ﷺ الدعاء للمحلِّقين؛ لأنهم بادروا إلى امتثال الأمر، وأتمُّوا فعل ما أمروا به من الحلق. وقد صرح بهذا المعنى في بعض روايات الحديث المروية عن ابن عباس ﵁ حيث قال: "لأنهم لم يشكوا". واعلم: أن معنى فضيلة الحلق على التقصير؛ أنه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية في التذلل لله تعالى؛ لأن المقصِّر مبقٍ على نفسه الشعر الذي هو
следующие страницы →