بالنار. وقالت طائفة: يُخرج منه، ويقام عليه الحدُّ مطلقًا، وهو قول ابن الزبير، والحسن، ومجاهد، وحماد، والله أعلم (١).
ومنها: جواز قتل الفأرة، وحكي عن النَّخعيّ أنَّه لا يجوز للمحرم قتل الفأرة، والله أعلم.
* * *
стр. 982
باب دخول مكَّة وغيره
الحديث الأوَّل
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، قَالَ: "اقتُلُوهُ" (١).
ابنُ خَطَلٍ: اسمه: عبد العزَّى، وقيل: غالبُ بنُ عبد الله بنِ عبد منافِ بن أسعدَ بنِ جابرِ بنِ كثيرِ بنِ تيمِ بنِ غالبٍ، قاله ابن الكلبيِّ، وقال ابن إسحاق: اسمه عبد الله، وقيل: سعيد بن حُريث، وخَطَل: بخاءٍ معجمةٍ وطاء مهملةٍ مفتوحتين.
وأمَّا المِغْفَرُ: فهو ما يلبسه الدَّارع على رأسه من الزَّرَدِ ونحوه، وقد رأيته، وهو شيء يشبه التحنك للنِّساء، يغطِّي الرأس وبعض الوجه والقفا، من الزَّرد، والله أعلم.
وأَمَّا أَسْتَارُ الكَعْبَةِ: فهو ما يكساه من القباطي وغيرها.
قال ابن جريح: كان أوَّلَ من كسا البيت كسوة كاملةً: تُبَّعٌ؛ فقد أُري في المنام أن يكسوها، فكساها الأنطاع، ثم أُري أن يكسوها الوصائل، وهي ثياب
стр. 983
حِبَرَة من عصب اليمن (١)، ثمَّ كساها النَّاس بعده في الجاهلية، وكساها رسول الله ﷺ ، ثمَّ أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ومعاوية وابن زياد الديباجَ.
وكانت تُكسى يوم عاشوراء، ثمَّ كساها ابن الزبير ومعاوية في السَّنة مرَّتين، ثمَّ كان المأمون يكسوها ثلاث مرَّات، فيكسوها الدِّيباجَ الأحمرَ يوم التَّروية، وهو اليوم الثَّامن من ذي الحجَّة، والقباطي يوم هلال رجب، والدِّيباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان.
وهذا الأبيض، ابتدأه المأمون سنة ستٍّ ومئتين، حين قالوا له: الدِّيباج الأحمر يتخرق قبل الكسوة الثَّانية، فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة؟ فقيل: الدِّيباج الأبيض، ففعله، والله أعلم.
وقد تقدَّم تاريخ دخول النَّبيِّ ﷺ مكَّة يوم الفتح، وثبت عن ابن شهابٍ ﵀: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن محرمًا ذلك اليوم، وظاهرُ كونِ المغفر على رأسه ﷺ يقتضي ذلك، وكان أمره ﷺ بقتل ابن خَطَلٍ؛ لأنَّه كان قد ارتدَّ عن الإسلام، وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النَّبيَّ ﷺ ، ويسبُّه، وكان له قينتان تغنِّيان بهجاء المسلمين.
فإن قيل: ففي الحديث الآخر: "مَنْ دخلَ المسجدَ فهو آمِنٌ" (٢)، فكيف قتله وهو متعلِّق بالأستار؟ فالجواب: أنَّه لم يدخل في الأمان، بل استثناه هو وابن أبي سرح والقينتين، وأمر بقتله، وإن وجد متعلِّقًا بأستار الكعبة، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: أنَّ المريد لدخول مكَّة، إذا كان محاربًا، يباح له دخولها بغير إحرام، لحاجة المحارب إلى التَّستُّر بما يقيه وقع السلاح.
стр. 984
وقد اختلف قول الشَّافعيِّ فيمن أراد دخول مكَّة بغير إحرام، فقال مرَّة: يجوز، سواء كان دخوله لحاجةٍ تتكرر؛ كالحطَّاب، والحشَّاش، والسَّقَّاء، والصَّياد، وغيرهم، أو لا تتكرَّر؛ كالتاجر والزَّائر، وغيرهما، وسواء كان آمنًا أم خائفًا، وهذا أصحُّ القولين، وبه يفتي أصحابنا.
والقول الثَّاني له: أنَّه لا يجوز دخولها بغير إحرام، إن كانت حاجته لا تتكرَّر، إلَّا أن يكون مقاتلًا، أو خائفًا من قتالٍ، أو خائفًا من ظالم لو ظهر، وهذا قول أكثر العلماء.
ومنها: إباحة قتل الملتجئ إلى الحرم، وتقدَّم اختلاف العلماء فيه، وفي التَّمسُّك من الحديث لذلك نظر؛ فإنَّ جواز قتل ابن خطلٍ وغيره محمولٌ على الخصوصيَّة التي دلَّ عليها قوله ﷺ : "ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأَحدٍ بعدي، وإِنَّما أُحلَّتْ لي ساعةً من نهار" (١).
مع أنَّ أصحاب الشَّافعيِّ ﵀ تأوَّلوا قتلَ ابن خطلٍ بعدَ السَّاعة التي أُبيحت له، لا في السَّاعة التي أبيحت له.
ومنها: جواز إقامة الحدود في الحرم، وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وموافقيهما.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأوَّل هذا الحديث في قتله على السَّاعة التي أبيحت له، وقيل: إنَّما قتله؛ لأنَّه لم يترك القتال، ولم يف بالشَّرط، بل قاتل بعد ذلك، والله أعلم.
ومنها: استحباب لبس المغفر ونحوه من السِّلاح حالَ الخوف من العدوِّ، أو لإرهابهم.
ومنها: شرعيَّة ستر الكعبة بالأستار؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَّها على السَّتر، وسترها بكسوة بعد ذلك.
стр. 985
ومنها: رفع أخبار المرتدِّين والمنافقين إلى ولاة الأمور، وليس ذلك من الرَّفع المنهي عنه.
ومنها: تحتيم قتل من سبَّ رسول الله ﷺ ، من غير قبول توبته واستعاذته وتعلُّقه بأستار الكعبة ونحوها، أو غيرها من المخلوقين، والله أعلم.
* * *
الحديث الثَّاني
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى (١).
أمَّا كَدَاء: فبفتح الكاف وبالمدِّ، هكذا ضبطه الجمهور، وضبطه بعضهم بفتح الكاف والقصر، وكذا بضمِّ الكاف وبالقصر، بأسفل مكَّة؛ هي الثنيَّة السفلى.
وأمَّا كُدَيُّ -بضمِّ الكاف وتشديد الياء-، فهو في طريق الخارج إلى اليمن، وليس من هذين الطَّريقين في شيء، والله أعلم (٢).
وأمَّا: "الثَّنِيَّةُ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ": فالثَّنية: الطَّريق بين جبلين، والبطحاء بالمد، ويقال لها: الأبطح، وهي بجنب المحصَّب، وهذه الثَّنيّةُ تنحدر منها إلى مقابر مكَّة.
وإنَّما فعل رسول الله ﷺ هذه المخالفة داخلًا وخارجًا في طريقه؛ تفاؤلًا بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك أهلهما.
стр. 986
وفي الحديث دليلٌ على استحباب دخول مكَّة من الثَّنيَّة العليا، سواء كان طريق الدَّاخل إلى مكَّة من وطنه إليها، أم لا، كالشَّاميِّ والمدني واليمنيِّ والعراقي، فيستحب لكلِّ واحدٍ قصدها لدخول مكَّة منها.
وقال بعض أصحاب الشَّافعيِّ: لا يستحبُّ الدُّخول منها إلَّا لمن كانت على طريقه؛ كأهل المدينة، وغيرهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما دخل منها لأنَّها على طريقه، وهذا ضعيفٌ؛ لأن الطريق إلى مكَّة من غير هذه الثَّنيَّة لأهل المدينة ونحوهم أقصدُ وأوسعُ، فدلَّ على أنَّ الدُّخول منها مقصود بالنُّسك والعبادة لكلِّ أهل ناحيةٍ، وإن كان فيه مشقَّة، والله أعلم.
وفيه دليل: على استحباب الخروج من مكة من الثنيَّة السفلى إلى بلده، وكذا يستحب للخارج من بلده والدَّاخل إليه أن يخرج من طريقٍ، ويرجع من آخر.
وفيه: اقتفاء آثار رسول الله ﷺ ، خصوصًا في مناسك الحجِّ؛ فإنه ﷺ أمر بذلك، فقال: "خذوا عنِّي مناسككم" (١)، والله أعلم.
* * *
الحديث الثَّالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ البَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلاَلٌ، وعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ البَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا، كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلاَلًا، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (٢).
أمَّا ابن عمر وبلال، فتقدَّم ذكرهما.
وأمَّا أسامة بن زيدٍ، فهو الحِبُّ بن الحِبِّ، كنيته: أبو محمَّد، وقيل: أبو
стр. 987
زيدٍ، وقيل: أبو حارثة، وقيل: أبو يزيد، واسم جدِّه شراحيل بن كعب بن عبد العزَّى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النُّعمان بن عامر بن عبد ود بن زيد بن اللَّات بن رفيدة بن وبرة بن [كعب بن وبرة] (١) بن الحاف بن قضاعة، وهو مولى رسول الله، أمَّره رسول الله ﷺ على جيش فيهم أبو بكر وعمر، ومات رسول الله ﷺ ، وهو أمير ذلك الجيش، وكان عمره يومئذ عشرين سنةً، وقيل: تسع عشرة، وقيل: ثماني عشرة، وكان نازلًا بوادي القرى لمَّا قبض رسول الله ﷺ ، كان نقش خاتمه: حِبُّ رسولِ الله ﷺ .
وأمّه: أم أيمن، واسمها بركة، حاضنةُ رسول الله ﷺ . وذكر الله أباه زيدًا باسمه في سورة الأحزاب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، وردَّ بذكر زيد في القرآن على من قال: كلُّ من ذكر باسمه فيه من المؤمنين فهو نبي كريم، والخضر، وذي القرنين، ولقمان، فإنَّ زيدًا صحابيٌّ بالإجماع، واستشهد يوم مؤتة سنة ثمانٍ في جمادى الأولى، مع أنه اختلف في بعض من ذكر من هؤلاء، هل هو نبيٌّ، أم وليٌّ؟ والله أعلم.
رُوي لأسامة عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وثمانية وعشرون حديثًا، اتَّفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاريُّ بحديثين، ومسلم بحديثين. روى عنه عبد الله بن عبَّاسٍ، وجماعةٌ من كبار التَّابعين، وغيرهم، وروى له أصحاب السُّنن والمساند.
مات بالمدينة، وقيل: بوادي القرى سنة أربعين، بعد قتل عليٍّ ﵁ بقليل، وقيل: سنة أربع وخمسين. قال الحافظ أبو محمَّد عبد الغني المقدسي ﵀: وهذا أصحّ (٢).
стр. 988
وأمَّا عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ، فوقع في بعض نسخ "صحيح مسلم" هكذا: عثمان بن طلحة، كرواية الجمهور، ووقع في بعضها: عثمان بن أبي طلحة، وكلاهما صحيح؛ فالرِّواية الأولى نسبة إلى أبيه، والثَّانية نسبةً إلى جدِّه، وهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، عبد الله بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدَّار بن قصيِّ بن كلاب بن مرَّة العبدريُّ القرشيُّ الحجبيُّ، أسلم مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، في هدنة الحديبية، وشهد فتح مكَّة، ودفع إليه النَّبيُّ ﷺ مفتاح الكعبة، وإلى شيبةَ بن عثمان بن أبي طلحة، وقال: "خذوها يا بني طلحةَ خالدةً تالدةً، لا ينزِعُها منكم إلَّا ظالم" (١).
ثمَّ نزل بالمدينة، فأقام بها إلى وفاة رسول الله ﷺ ، ثمَّ تحوَّل إلى مكَّة، وسكنها إلى أن مات بها سنة اثنتين وأربعين، في أول خلافة معاوية. وقيل: إنَّه استشهد يوم أَجنادِين -بفتح الدَّال وكسرها-، وهي موضع بقرب بيت المقدس، وكانت وقعته في أوائل خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
روى له أبو داود، وحديثه عند امرأة من بني سليم (٢). وثبت في "الصَّحيح" قوله ﷺ : "كلُّ مَأْثُرَةٍ كانت في الجاهلية، فهيَ تحتَ قدميَّ، إلَّا سقايةَ الحاجِّ وسِدانةَ البيتِ" (٣).
стр. 989
قال القاضي عياض ﵀: قال العلماء: لا يجوز لأحدٍ أن ينزعها منهم، قالوا: وهي ولاية لهم من رسول الله ﷺ عليها، فتبقى دائمة لهم ولذريَّاتهم أبدًا، ولا يُنازعون فيها، ولا يشاركون، ما داموا موحِّدين صالحين لذلك، والله أعلم (١).
وأمَّا قوله: "فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ البَابَ"؛ إنَّما أغلقوه؛ ليكون أسكنَ لقلوبهم، وأجمعَ لخشوعهم، ولئلَّا يجتمع النَّاس ويدخلوه، أو يزدحموا فينالهم ضرر ويتشوش عليهم الحال بسبب لغطهم.
قوله: "فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ"؛ أي: دخل. والولوج: الدخول، يقال: وَلَجَ: بفتح اللَّام، يَلِجُ: بكسرها، وأولج غيرَه، وإنمَّا كان ابن عمر أوَّل من ولج؛ لحرصه على اقتفاء آثار رسول الله ﷺ من المناسك وغيرها ليعمل بها، وليبلِّغها، وذلك هو مقصود العلم لا غير، والله أعلم.
وقوله: "قالَ: نَعَمْ، بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيينِ" يعني: قال بلال: نعم، لابن عمر ذلك حين سأله: هل صلَّى رسول الله ﷺ في البيت؟
ولا شكَّ أنَّ بلالًا أثبت صلاته ﷺ في الكعبة، وأنَّ أسامة نفاها.
وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنَّه مثبت، فمعه زيادةُ علم، فوجب ترجيحه، والمراد بالصَّلاة: ذات الركوع والسُّجود المعهود، لا مجرَّد الدُّعاء، ولهذا قال ابن عمر في بعض الروايات: ونسيت أن أسأله كم صلَّى؟ (٢)
وأمَّا نفي أسامة الصَّلاة، وإثباته الدُّعاء؛ فلأنَّهم لمَّا دخلوا، أغلقوا الباب، واشتغل كلُّ واحدٍ من النَّبيِّ ﷺ ، وبلال، وأسامة، وعثمان بالدُّعاء في نواحي البيت، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو، واشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي
стр. 990
البيت، والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريبٌ منه، ثمَّ صلَّى النَّبيُّ ﷺ ، فرآه بلال؛ لقربه، ولم يره أسامة؛ لبعده واشتغاله، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدُّعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنِّه، وأمَّا بلال، فتحققَّها، فأخبر بها، والله أعلم.
مع أنَّه ﷺ صلَّى بين العمودين، فقد يكون أسامة في ناحيةٍ من البيت حجبه عن رؤية النَّبيِّ ﷺ العمودُ بينه وبينه، والظُّلمة الحاصلة بغلق الباب، بخلاف بلال، فإنَّه كان قريبًا منه ﷺ ، وفي سنِّه، وأسامة كان عمره إذ ذَّاك، إمَّا خمس عشرة سنةً، وإما ست عشرة سنة، وإمَّا سبع عشرة سنة، على اختلافٍ فيه.
وإنَّ دخوله ﷺ الكعبة وصلاتَه فيها كان يوم الفتح، بلا خلافٍ، لا في حجَّة الوداع، والله أعلم.
واعلم: أنَّ البيت على أعمدةٍ في داخله، ففي رواية الكتاب: "أنَّه صلَّى بين العمودين اليمانيين"، وفي "صحيح مسلم": "جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه" (١)، وفي روايةٍ للبخاريِّ: "عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره"، وكذلك هو في رواية "الموطَّأ"!، وأبي داود (٢)، وفي رواية للبخاريِّ أيضًا: "عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره" (٣). ويمكن الجمع بينهما، إن ثبت أنَّه صلَّى أكثر من ركعتين، أو أنَّه انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان بحيث لا تبطل صلاته به، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: استحباب دخول الكعبة والصلاة فيها.
стр. 991
ومنها: جواز الاستئثار بذلك إذا أمكن، والله أعلم.
ومنها: اقتفاء آثاره ﷺ في كلِّ موطن وحالةٍ.
ومنها: السُّؤال عن العلم.
ومنها: جواب المسؤول في الفتيا وغيرها بـ: نعم.
ومنها: جواز سؤال المفضول مع وجود الفاضل.
ومنها: منقبة ظاهرة لابن عمر ﵁، وحرصه على تعلُّم المناسك، واقتفاء آثار رسول الله ﷺ .
ومنها: الحرص على طلب العلم، وجواز ذكر الحرص للمصلحة من الاقتداء والوثوق بما يؤخذ من علم الحريص.
ومنها: جواز صلاة النَّفل المطلق فيها.
وقال محمَّد بن جرير، وأصبغ المالكيّ، وبعض أهل الظَّاهر: لا تصحُّ صلاة فيها أبدًا، وحكي عن ابن عبَّاس ﵄.
وقال مالك: يصحُّ فيها النَّفل المطلق دون الفرض والوتر، وركعتي الوتر، وركعتي الطَّواف.
وقال الشَّافعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: تصحُّ فيها صلاة النفل والفرض، ودليلهم في النَّفل حديث بلال، وإذا صحَّت النَّافلة، صحَّت الفريضة؛ لأنهما من الوضع والنُّزول سواءٌ في استقبال خارجها، فكذلك داخلها، وإنَّما تختلفان فيه حال السّير في السَّفر، والله أعلم.
ومنها: إجزاء استقبالِ جزء من الكعبة لمن صلَّى داخلها، ولا يشترط استقبال جميعها، وكذلك لو استقبل بابها، وهو مردود، أو عتبة بابها، وهو منفتح مرتفع قدر ثلثي ذراع ونحوه.
ومنها: جواز الصَّلاة بين الأساطين والأعمدة، سواء كان بينها حقيقةً، أو في مسامتها، وإن احتمل أنَّه يكون ﷺ صلَّى في الجهة بينها.
стр. 992
وقد ورد في المنع من الصَّلاة بينها حديث، وإن لم يصحّ سنده، وهذا الحديث مقدَّم عليه؛ فإن حقيقة قوله: "بين العمودين" يقتضي جوازه من غير كراهة، والله أعلم.
وإن صحَّ سنده، أُول بالصلاة في مسامتها فيما بينها، لا بينها حقيقةً، وإن كان أثرًا عن السَّلف، قدِّم هذا الحديث المسند عليه، والله أعلم.
* * *
الحديث الرَّابع
عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ جَاءَ إلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (١).
هذا الحديث أصل أصيل، وقاعدة عظيمة في اتِّباع النَّبيِّ ﷺ واقتفاء آثاره، وترك ما كانت عليه الجاهلية من تعظيم الأصنام والأحجار، وتبيَّن أنَّ: النَّفع والضُّر بيد الله تعالى، وأنَّه هو النَّافع والضَّار، وأنَّ الأحجار لا تنفع من حيث هي هي، كما كانت الجاهلية تعتقده في الأصنام، وأراد عمر ﵁ بذلك إزالةَ الوهم الَّذي يقع في أذهان النَّاس من ذلك جميعه.
وفي هذا الحديث دليل: على استحباب تقبيل الحجر الأسود.
وفيه دليلٌ: على أنَّه ينبغي للإمام العالم أن يبيِّن للنَّاس السُّنن بقوله وفعله.
وفيه دليلٌ: على أنَّ المرجع في ذلك إلى رسول الله ﷺ ، دون غيره.
وفيه دليلٌ: على أنَّ الإمام العالم والمقتدى به إذا خاف على النَّاس فعل محذور أو اعتقاده، أو انجرار المشروع إلى ذلك، أن يبيِّنه ويوضِّحه للنَّاس في المجامع والمواسم، ويشهره بالإيضاح والبيان؛ ليكون سببًا لإبلاغه في البلدان
стр. 993
والأقطار، وليحفظه أهل المواسم المختلفو الأوطان.
واعلم: أنه لا يُشرع التقبيل إِلا للحجر الأسود، وللمصحف، ولأيدي الصَّالحين من العلماء وغيرهم، وفي شفاه القادمين من السَّفر، بشرط ألا يكون أمرد ولا امرأة محرمة، وبين عيني الموتى الصَّالحين وشفاههم، وفي شفة من نطق بعلمٍ أو حكمةٍ ينتفع بهما، وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصَّحيحة، وفعل السَّلف.
فأمَّا تقبيل الأحجار، والقبور، والجدران، والستور، وأيدي الظَّلمة والفَسَقة، واستلام ذلك جميعه، فلا يجوز، ولو كانت أحجار الكعبة، أو قبر النبي ﷺ ، أو جدار حجرته، أو ستورهما، أو صخرة بيت المقدس، فإن الاستلام والتَّقبيل ونحوهما تعظيم، والتَّعظيم خاص بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إنهُ يقدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَهَنَتهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأمرَهُمُ النبي ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بينَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَم يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إلا الإِبقَاءُ عَلَيْهِمْ (١).
اعلم: أن قدوم النبي ﷺ هذا وأصحابه كان في عمرةِ القضاء، سنة سبع قبل فتح مكَّة، وكان في المسلمين ضعفٌ في أبدانهم، وإنما رملوا إظهارًا للقوة، واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الرُّكنين اليمانيين؛ لأن المشركين كانوا جلوسًا في الحجر لا يرونهم بين هذين الركنين، ويرونهم فيما سوى ذلك، فلمَّا حجَّ
стр. 994
النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر، رمل من الحجر إلى الحجر، وذلك متأخِّر، فوجب الأخذ به ونسخُ ترك الرَّمل، وتبين بذلك أنَّ المشي بين الرُّكنين اليمانيين في الأشواط الثلاثة منسوخ، والله أعلم.
وأمَّا الرَّمَلُ: فهو إسراع المشي، مع تقارب الخطا، ولا يثب وثوبًا، يقال: رَمَلَ، يَرْمُل: بضمِّ الميم، رَمْلًا: بفتح الرَّاء وسكون الميم، ورَمَلانًا.
وقوله: "وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ"؛ هو بتخفيف الهاء؛ أي: أضعفتهم، قال الفرَّاء وغيره: يقال: وَهَنتهُ الحمَّى وغيرها، وأَوْهَنتهُ، لغتان.
وَأَما يَثْرِب: فهو الاسم الذي كان للمدينة في الجاهلية، وسُمِّيت في الإسلام: المدينة، وطيبة، وطابة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة:١٢٠]، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٠١]، ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨].
وقد كره رسول الله ﷺ تسميتها يثرب، في حديث رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وفي "صحيح مسلم": "يقولون يثرب، وهي المدينة" (١)، يعني: إنَّ بعض المنافقين وغيرهم يسميها يثرب، قال عيسى بن دينار: من سماها يثرب، كتبت عليه خطيئة (٢)، وسبب الكراهة أنَّ يثرب مأخوذ من التثريب، وهو التَّوبيخ والملامة.
وسُمِّيت طابة، وطيبة؛ من الطيب؛ لحسن لفظهما، وكان ﷺ يحبُّ الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، وتسميتها في القرآن يثرب، حكاية عن قول المنافقين والَّذين في قلوبهم مرض.
وقولُه: "وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ": أمَّا
стр. 995
الأشواط: فهي الطوفات راملًا، ويسمَّى الطَّواف كله، والطَّوفة الواحدة دورًا.
وأَمَّا قوله: "إلا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ": فهو بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمدِّ؛ أي: الرفق بهم.
واعلم: أن الرَّمل شُرع لحكمة إظهار القوَّة للمؤمنين، [و] إرغامًا للمشركين، أو، لإظهار التوحيد للرَّب وأما أمره بحضرتهم.
وقد زالت الحكمة التي شُرع لأجلها، وحكمه باقٍ إلى يوم القيامة عند جميع العلماء، إلا ابنَ عباس ﵄؛ فإنه قال باستحبابه في ذلك الوقت، وزال بزوال علَّته، ففعله حينئذٍ تأسيًا واقتداءً بما فعل في زمن الرَّسول ﷺ ، كما وقع التأسي بكثير من أفعال الحجِّ تعبُّدًا؛ كالسَّعي ورمي الجمار؛ فإن السعي سبب التَّعبُّد به قصَّةُ هاجر مع ابنها إسماعيل، وتركهما إبراهيم ﷺ في ذلك المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلِّية، مع ما أظهر الله -سبحانه- من الكرامة والآية في إخراج الماء لهما حين سعت هاجر بين الصَّفا والمروة؛ لئلا ترى الألم بإسماعيل ﵇ عند موضع زمزم، وتركها له هناك، وكذلك سبب التعبد برمي الجمار: أن إبليس اللعين سعى بالجمار في هذه المواضع، عند إرادة إبراهيم ذبح ابنه امتثالًا لأمر الله تعالى.
وفي شرعيَّة ذلك جميعه من الفوائد المتكثرة ما يزيد أولي الألباب تبصُّرًا وتذكُّرًا:
فمنها: تذكُر وقائع السّلف الكرام للمتأخرين، إذ في تذكرها مصالح دينيَّة في أشياء كثيرة.
ومنها: ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى، والمبادرة إليه، وبذل النفس في ذلك جميعه.
ومنها: تعظيمهم باحتمال مشاق امتثال الأوامر، والصبر عليه، ووجود عدم المعين عليها والمفند عنها؛ فإن ذلك جميعه باعثٌ لنا على التَّأسي والتعظيم.
وكل ما ذكرنا معنى معقول تبيَّن في أشياء كثيرة، والله أعلم.
стр. 996
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: استحباب الرَّمل، وهو سنة ثابتة مطلوبة على تكرر السِّنين، وهو مذهب جميع العلماء من الصحابة ﵃، والتابعين، ومن بعدهم، وخالفهم ابن عباس ﵄، وقال: إنما سنَّة سَنّهُ في تلك السَّنة؛ لإظهار القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى، وقد بيَّنا الحكمة والسِّرَّ فيه.
وأجمع من قال باستحبابه على أنه في الطَّوفات [الثلاث الأُوَل من السِّبع، إلا عبد الله بن الزبير، فإنه قال: يسن في الطَّوفات السبع] (١)، فإن تركه، فقد ترك سنَّةً، وفاتته الفضيلة، ويصحُّ طوافه، ولا دم عليه، وقال الحسن البصري، والثوري، وعبد الملك بن الماجشون المالكي: إذا ترك الرَّمل، لزمه دم، وكان مالك ﵀ يقول به، ثمَّ رجع عنه.
ولا يسنُّ الرمل إلا في طواف العمرة، وفي طواف واحد في الحج، ولا يستحب إلا في طواف يعقبه سعيٌ، سواء كان السَّعي بعد طواف القدوم، أو بعد طواف الإفاضة، وهذا قول جماعة من العلماء، وهو أصح قولي الشَّافعي، وفي القول الثاني له: يستحب بعد طواف القدوم مطلقًا، أو بعد طواف الإفاضة، وهذا قول جماعة من العلماء، سواء أراد السعي بعده أم لا.
قال أصحاب الشَّافعي: ولا يتصور الرَّمل في طواف الوداع؛ لأن شرط جواز طواف الوداع: أن يكون قد طاف للإفاضة، والرمل إمَّا يُسَن فعله بعد القدوم مطلقا، وإما بعد طوافٍ يعقبهُ سعي، ولا يكون السعي إلا بعد أحدهما، لكن فعله مستحب بعد طواف القدوم، قالوا: ولو ترك الرَّمل في الثلاث الأُوَل من السَّبع، لم يأت به في الأربع الأواخر؛ لأن السنة فيها المشي على العادة، فلا يغيِّره.
ولو لم يمكن الرمل للزَّحمة، أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرامل، ولو لم يمكنه الرَّمل بقرب الكعبة للزحمة، وأمكنه إذا تباعد عنها، فالأَوْلى: أن يتباعد
стр. 997
ويرمل؛ لأنَّ فضيلة الرَّمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في نفسها، فكان تقدم ما تعلق بنفسها أولى.
واتَّفق العلماء على أنَّ الرَّمل لا يشرع للنِّساء، كما لا يشرع لهن شدَّة السَّعي بين الصَّفا والمروة، والله أعلم.
ومنها: أنَّ الرَّمل لا يشرع بين الرُّكن اليماني والأسود، وإنما يشرع المشي، وقد بينا أنَّ ذلك منسوخ، واستقرار استحبابه حول البيت والحجر.
ومنها: إظهار قوة الدِّين والإسلام بحضرة أعدائه، وإن كان الضَّعف حاصلًا.
ومنها: أن ما شُرع لمعنى يستحب المداومةُ على فعله؛ تذكُّرًا لنِعم الله تعالى وتأسيًا.
ومنها: جواز تسمية الطِّواف: شوطًا، ونقل عن مجاهدٍ والشافعي كراهته، وكراهة تسميته: دورًا، وإنَّما سمّي طوفةً، والصَّحيح أنه لا كراهة فيه؛ لظاهر هذا الحديث.
ومنها: رفق الإمام بالناس فيما يأمرهم به من الطَّاعات للمصالح العامَّات، وألَّا يتجاوز بما يأمرهم به من ذلك إلى حدِّ المشقَّة عليهم.
ومنها: كراهة تسمية المدينة: يثرب، على ما بيَّنَّاه، وكذلك حكم التَّشبُّه بالمشركين في تسمياتهم وعباراتهم، وغير ذلك، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يقدَمُ مَكَّةَ، إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلاَثَة أَشْوَاطٍ (١).
стр. 998
الخَبُّ والرَّمل، بمعنى واحدٍ، واستلام الرُّكن الذي فيه الحجر الأسود مشروع لفضيلتين:
إحداهما: لكونه فيه الحجر الأسود.
والثانية: لكونه مبنيًّا على قواعد ابراهيم ﷺ فقط، وقد استدل للقاضي أبي الطَّيب من الشَّافعية بهذا الحديث، على استحباب استلام الرُّكن الأسود مع الحجر، فيجمع بينهما في استلامه؛ للاتِّفاق على استحباب استلام الحجر أول قدومه، من غير تعرض للركن الذي هو فيه.
وليس في هذا الحديث لاستلامه ذكر، بل للركن الذي هو فيه، وقد يعبر عن الركن بالحجر؛ لشرفه، ولكونه بعضَه، كما إذا قيل: استلمَ الركن، فإنما يريد بعضه، ومعنى الاستلام: مسحُ اليد عليه، مأخوذ من السلام، وهو التَّحيَّة، أو السَّلام بكسر السِّين، وهي الحجارة.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: استحباب البدأة باستلام الحجر الأسود، أول قدومه.
ومنها: البدأة بطواف القدوم عند وصوله إلى مكة.
ومنها: استحباب الرمل فيه.
ومنها: أن استحبابه إنما هو في الطَّوفات الثلاث الأُول.
ومنها: جواز تسميتها: أشواطًا.
ومنها: الاقتداء بأفعاله ﷺ في مناسك الحج، وقد قال ﷺ : "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 999
الحديث السابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَباسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النبي ﷺ فِي حَجةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الركْنَ بِمِحْجَنٍ (١).
إنما سميت حَجَّةَ الوَدَاعِ؛ لأَنَّ النبيَّ ﷺ ودَّع النَّاس فيها، ولم يحجَّ بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة، وكره بعض العلماء أن يقال لها: حجَّة الوداع، وهذا غلط، والصَّواب جوازه؛ لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث، ولم يزل السلف والخلف على جوازه واستعماله، والله أعلم.
وأمَّا المِحْجَن: فهو بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الجيم، وهي عصًا محنيَّة الرأس، يتناول بها الرَّاكب ما سقط له، ويحرِّك بها بعيره للمشي.
والعلَّة في طوافه ﷺ راكبًا؛ لكي يراه النَّاس مشرفًا؛ ليسألوه وليتعلموا أفعاله؛ ليتقيدوا بها، وليتبيَّن الجواز في الطّواف راكبًا.
وروى أبو داود في "سننه": أنَّه ﷺ كان في طوافه هذا مريضًا (٢)، وإلى هذا أشار البخاريُّ في "صحيحه"، وترجم عليه "باب: المريض يطوف راكبًا" (٣)، فيحتمل أنه ﷺ طاف راكبًا؛ لما ذكر جميعه، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: جواز الطَّواف راكبًا.
ومنها: جواز استلام الحجر بِعُودٍ ونحوه، إذا عجز عن استلامه بيده، وليس في الحديث تعرُّض لتقبيله وعدمه.
стр. 1000
ومنها: جواز قول: حجة الوداع.
ومنها: طهارة البعير ونحوه، وعرقه، وهو مُجمع عليه.
ومنها: جواز إدخاله المسجد للحاجة إلى ذلك، وقد استدل أصحاب مالك، وأحمد، على طهارة بولِ ما يؤكل لحمه، وروثه، قالوا: لأنه لا يؤمن البول والرَّوث منه، فلو كان نجسًا، لما عرض المسجد له، ومذهب الشَّافعي، وأبي حنيفة: نجاسته.
وليس في هذا الحديث دلالة على هذا الاستدلال؛ لأنه لا يلزم من دخوله أن يبول أو يروث في حال الطواف، وإنما هو محتمل، وعلى تقدير حصوله، يُنظَّف المسجدُ منه، وقد أقر ﷺ دخول الصبيان ونحوهم المساجد، ومعلوم أنَّه لا يؤمن من بولهم وغائطهم فيها، ولو كان ذلك محققًا، لَنُزِّهَ المسجد من دخولهم إليه، سواء كان ما يؤذى به المسجد من الأقذار طاهرًا أو نجسًا.
ومنها: أن المصالح والمفاسد وتوهمها، إذا تعارضت، قُدِّم أرجحُهما مصلحةً، وأخفُّهما مفسدةً إذا تحقق أو غلب على الظَّن وجودُه، على حسب القرائن والمناسبات، وأنه إذا زالت المفاسد، رجع إلى الأصلح اتفاقًا، والله أعلم.
* * *
الحديث الثامن
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إلا الركْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (١).
اليمانيين: بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى سيبويه والجوهري، وغيرهما فيها لغة أخرى بالتَّشديد، فمن خفف قال: هي نسبة إلى
стр. 1001
اليمن، فالألف فيه عوض من إحدى ياءي النَّسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شدَّدناها، كان جمعًا بين العوض والمعوَّض، وذلك ممتنع، ومن شدد قال: الألف في اليماني زائدة، وأصله اليمنيُّ، فتبقى الياء مشددة، وتكون الألف زائدة، كما زيدت النون في صنعاني ورقباني ونظائرهما.
والركنان اليمانيان هما: الركن الأسود، والركن اليماني، وإنما قيل لهما: اليمانيان؛ للتغليب، كما قيل في الأب والأم: الأبوان، وفي الشَّمس والقمر: القمران، وفي أبي بكر وعمر ﵄: العُمران، وفي الماء والتمر: الأسودان، والله أعلم.
[واعلم أن للبيت أربعة أركان: الرّكن الأسود، والرُّكن اليمانيُّ] (١)، ويقال لهما: اليمانيان، كما في هذا الحديث. وأمَّا الركنان الآخران، فيقال لهما: الشَّاميان، ويقال لهما: الغربيَّان؛ فالركن الأسود يُستلم ويقتل؛ لكونه مخصوصا بفضيلتي: الحجر الأسود، وبنائه على قواعد إبراهيم ﷺ ، والركن اليماني يُستلم ولا يقبَّل؛ لاختصاصه بفضيلة بنائه على قواعد إبراهيم ﷺ فقط.
وأما الركنان الآخران، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلا يقبَّلان، ولا يُستلمان، وأجمعت الأمة على استحباب استلام الرُّكنين اليمانيين.
ونقل القاضي أبو الطَّيب إجماع أئمة الأمصار والفقهاء على أن الشاميينِ لا يُستلمان، ونقل غيره ذلك عن جمهور العلماء. قال: واستحبه بعض السلف، ومن كان يقول باستلامهما: الحسن والحسين ابنا عليٍّ ﵃، وابن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيدٍ ﵃.
قال القاضي أبو الطيب: كان فيه خلاف لبعض السَّلف من الصحابة والتَّابعين، وانقرض الخلاف، ثمَّ أجمعوا على عدم استلامهما، والله أعلم.
وليس في هذا الحديث دليل على نفي استلامهما، ولا إثباته، وإنما ثبت نفيه باستقرار الإجماع عليه، قال أصحاب الشَّافعي: لو عجز عن استلام اليماني،
стр. 1002
أشار إليه بيده، ولا يقبِّلها، ولو عجز عن استلام الأسود، أشار إليه بيده، وقبلها؛ لأن الحجر الأسود يُشرع استلامُهُ وتقبيلهُ، فإذا عجز عنه، أتى ببدله، وهو الإشارة، وتقبيل ما أشار به؛ يده، أو غيرها، والله أعلم.
ولا شك أن تعليل استلام اليمانيين بكونهما على قواعد إبراهيم ﷺ مناسبٌ، وهو ظنُّ ابن عمر وتعليله، وقال بعض أصحابه: ليس شيء من البيت مهجورًا، لكن اتباع ما دلَّ عليه الحديث أولى؛ إذ العبادات الغالب عليها الاتباع، لا سيما إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في العفة؛ فإن التوهُّم أمر زائد، وإظهار معنى التخصيص غير موجود فيما ترك فيه الاستلام.
* * *
стр. 1003
باب التَّمتُّع
الحديث الأول
عَنْ أَبي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِي، قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَباسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ، فَأمرني بِهَا، وَسَألْتُهُ عَنِ الهَدْيِ، فَقَالَ: فيها جَزُورٌ أَو بقرة أَوْ شَاة أو شِركٌ في دَمٍ، قَالَ: وَكأنَّ ناسًا كَرِهُوهَا، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كأن إنْسَانا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، ومُتْعَة مُتَقَبَّلَة، فَأتيتُ ابْنَ عباسٍ، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ أكبر! سُنَّةُ أَبي القاسِمِ ﷺ (١).
أما أبو جمرة، فهو بالجيم والرَّاء، وليس في الكنى بهذه الضيغة غيره مطلقا.
وإذا أطلقه شعبة في الرِّواية عنه من غير تسميةٍ، فهو بالجيم والزَّاء، فإنه يروي عن شعبة عن ابن عباسٍ: بالحاء والزاي، إلا أبا جمرة هذا، والسنة لا يذكرهم إلا معرفين بشيء.
وأبو جمرة هذا، اسمه نصر -بالصاد المهملة- بنُ عمران، واختلف في صحبة أبيه عمران، وممن ذكر الاختلاف فيه: ابن منده، وأبو نعيم، وابن عبد البر.
وكان عمران هذا قاضيًا على البصرة ﵀، وعمران هذا هو ابن
стр. 1004
عصام، وقيل: عاصم بن واسع، وأبو جمرة هذا تابعيٌّ بصري، متّفق على توثيقه، والرواية له في "الصحيحين" والسُّنن والمساند، وروى عن عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك وغيرهما، ومات سنة ثمانٍ وعشرين ومئة. وذكر مسلم بن الحجاج موته بسرخس في آخر كتاب الجنائز، في حديث القطيفة التي فرشت تحت النبي ﷺ في قبره، من "صحيحه" (١). وحكى موته بسرخس -أيضًا- الحاكم أبو عبد الله، عن مسلم بن الحجاج وغيره، والله أعلم.
وأما الضُّبَعِي: -بالضاد المعجمة المضمومة، ثم الباء الموحدة المفتوحة، ثمَّ العين المهملة، ثمَّ ياء النسب-، فنسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن بكر بن وائل بن قاسط. وتشتبه هذه النسبة [بالضِّبْغي: بالصَّاد المهملة المكسورة، وسكون الباء الموحّدة، وبالعين المعجمة، ثمَّ ياء النسب] (٢)، وبالصنْعِي -بالصَّاد المهملة المفتوحة وسكون النُّون، وبالعين المهملة، ثمَّ ياء النسب- (٣).
قوله: "سَأَلْتُ ابْنَ عَباسٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَني بِهَا" اعلم أن المتعة تطلق في الشَّرع بمعانٍ: منها: نكاح المرأة إلى أجلٍ، وليس هذا مرادًا بسؤال ابن عباس وجوابه اتفاقًا؛ فإن المتعة بنكاح المرأة مؤجلًا كان مباحًا، ثمَّ نسخ يوم خيبر، ثمَّ أبيح يوم الفتح، ثمَّ نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى الآن وإلى يوم القيامة. وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثمَّ ارتفع، وأجمعوا على تحريمه.
وأما المُتْعَةُ المرادة بسؤال ابن عباس وأمره بها، فالظاهر أنها الإحرام بالعمرة
стр. 1005
إلى الحج في أشهر الحج قبل الحج، ثمَّ الحجّ من عامه، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابن عبد البر: لا خلاف في ذلك بين العلماء (١).
وقال ابن الزُّبير، وعلقمة، وإبراهيم، وسعيد بن جبير: معنى التَّمتُّع في الآية: المحصَر يفوته الحجُّ، فيتحلل بعمل عمرة، ثمَّ يحج في العام المقبل، فيكون متمتِّعًا بما بينهما في العامين، وقد نُقل عن ابن عمر وعثمان النَّهيُ عن ذلك، وهو نهي أولوية، لا نهي تحريم وكراهة؛ للتَّرغيب في الإفراد؛ فإنَّه أفضل؛ لكونه أكثر عملًا، ولا يجبر بدم ولا غيره.
وقد انعقد الإجماع بعد ذلك على جواز الإفراد والتَّمتع والقِران من غير كراهةٍ. واختلف العلماء من الأفضل في الثلاثة.
وقوله: "فَأمَرَنيِ بِهَا" يدل على جوازها من غير كراهةٍ.
وقوله: "وَكانَ ناسٌ كَرِهُوهَا"، الكراهة منقولة عن عمر وعثمان ﵄، وقد قام عمر بذلك فقال: إن الله تعالى يحلُّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإنَّ القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله، وأبقوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (٢).
قال المازريّ: وقد اختُلف في المتعة الَّتي نهى عنها عمر في الحج: فقيل: هي فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: هي العمرة في أشهر الحجّ، ثمَّ الحجُّ من عامه (٣).
وعلى هذا، إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد -الَّذي هو أفضل- لا أنه يعتقد بطلانها أو تحريمها.
стр. 1006
قال القاضي عياض: الظاهر أن المتعة المكروهة إنما هي فسخ الحج إلى العمرة، ولهذا كان عمر ﵁ يضرب الناس عليها، ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنَّما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة ﵃ أن فسخ الحج إلى العمرة كان خصوصًا في تلك السنة؛ للحكمة التي اقتضته، والله أعلم (١).
وقوله: "وَسَألتُهُ عَنِ الهَديِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ أَو بقَرَةٌ أَوْ شاةٌ أو شِركٌ في دَمٍ".
أما الهَدْيُ: فهو ما يُهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، لكن المراد به في الآية والحديث؛ ما يجزئ في الأضحية من الإبل والبقر والغنم، ويقال: هَدْي وهَدِي، بإسكان الدال وتخفيف الياء، وبكسرها وتشديد الياء، ذكرهما الأزهري وغيره، قال الأزهري: أصله التشديد، والواحدة هَدْية وهَدِية، وتقول: أهديتُ الهديَ (٢).
وأما الجَزُورُ: فلفظها مؤنث، نقول: هذه الجزور، والمراد بها البعير، ذكرًا كان أو أنثى، وجمعها جُزُر وجِزار (٣).
والبقَرَةُ: فهي الواحدة من البقر، وهو اسم جنس للذكر والأنثى، ويقال في الواحدة -أيضًا-: باقورة، والبيقور، والبقير، والبقرات، كلها بمعنى البقر، مشتقة من بقرت الشيء: إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة، ومنه قيل لمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: الباقر؛ لأنه بقر العلم، فدخل فيه مدخلًا بليغًا (٤).
стр. 1007
والشاةُ: الواحد من الغنم، تقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، وأصلها: شوهة، ولهذا إذا صغرت عادت الهاء فقيل: شُوَيْهة، والجمع شياه بالهاء في الوقف والدرج (١).
وقولُه: "أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ"؛ أي: ما يجزي ذبحه في الأضحية عن سبعة؛ كالبدنة ونحوها.
وقوله: "فيها" الضمير فيها عائد إلى المتعة؛ أي: الواجب على من تمتع بالتحلل بين العمرة والحج بما كان محرمًا عليه في إحرامه، إما في عام أو عامين، دمٌ صفته ما ذكر، والله أعلم.
واعلم: أن لوجوب الدم للمتمتع عند الجمهور من العلماء أربع شرائط:
أحدها: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
والثاني: أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة.
والثالث: أن يحرم بالحج في مكة، ولا يعود إلى الميقات لإحرامه.
والرابع: ألَّا يكون من حاضري المسجد الحرام.
فمن وجدت فيه هذه الشرائط، فعليه ما استيسر من الهدي، وهو دم شاةٍ أو نحوه، يذبحه يوم النحر، فلو ذبح قبله بعدما أحرم بالحج، فذهب بعض أهل العلم إلى جوازه؛ كدماء الجبرانات، وذهب بعضهم إلى عدم الجواز قبل يوم النحر؛ كدم الأضحية، والله أعلم.
وقولهُ: "رَأَيتُ في المَنَام كأن إنسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبرُورٌ، وعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ" الى آخره: الحج المبرور: هو الذي لا يخالطه إثمٌ.
واعلم أن الاستئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي، ليس من باب التقوية له، وإنما هو للتنبيه على عظم قدر الرؤيا، وأنها جزء من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة، وهذا الاستئناس والترجيح ليس منافيًا للأصول.
стр. 1008
وتكبيرُ ابن عباس ﵁ وقوله: "سنة أَبي القَاسِمِ ﷺ : يدل على أنه تأيد بالرؤيا واستبشر بها.
وفي ذلك دليل على ما قلناه من الاستئناس والتنبيه على عظم قدر الرؤيا في الشرع، والله أعلم.
وفي الحديث: دليل على السؤال عن العلم.
وفيه دليل: على جواز المتعة.
وفيه دليل: على وجوب الدم فيها، بشروطه.
وفيه دليل: على أن للرؤيا مدخلًا في الأحكام الشرعية، إذا لم تنافها.
وفيه: عرض الرؤيا على الكبار والعلماء.
وفيه: التكبير عند استعظام الأمر والاستبشار به.
وفيه: التنبيه على عظم قدر الرؤيا.
وفيه: التنبيه على الخلاف في العلم ليجتنب ويُعمل بالوفاق.
[وفيه: العمل بالأدلة الظاهرة والباطنة في الأحكام] (١).
وفيه: أن المقصود من العبادة موافقة العلم، والإخلاص، والصبر، وطلب القبول، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَن عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في حَجة الوَدَاعِ، بِالعُمْرَةِ إِلى الحَج، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فأهل بِالعُمْرَة إلى الحَج، فَكَانَ في الناس مَنْ أهْدى مِنْ ذي الحليفَةِ، وَمنهم مَمن لم يُهْدِ، فَلَما قَدِمَ النبي ﷺ قَالَ للناسِ: "مَن كَانَ مِنكُم أَهْدَى، فَإنهُ لَا يَحِل مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتى يقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يكنْ أَهْدَى،
стр. 1009
فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ وَبالصفَا وَالمَرْوة، وَلْيقصِّر، وَلْيَحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بِالحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثلاَثةَ أَيامٍ في الحَج وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ". فَطَاف رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاستَلَمَ الركْنَ أَولَ شَيءٍ، ثمَّ خَب ثلاَثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيْتِ عِنْدَ المَقَام رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأتى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَروَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثمَّ لَمْ يَحِل مِنْ شَيْء حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النحرِ، وَأفاضَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثمَّ حَلَّ مِنْ كُل شَيْءٍ حَرمَ مِنْه، وَفَعَلَ مِثلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أهْدَى فَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ (١).
أَما قول ابنِ عُمَر: "تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ": فهو محمول على التمتع اللغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها؛ فإنه ﷺ كان قارنًا آخرًا؛ فإن ابن عمر روى أنه أحرم أولًا مفردًا، فتعين أن قوله: "تَمتَّعَ" على أنه كان قارنًا، وأدخل العمرة على الحج؛ لأجل سوق الهدي معه؛ فإن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وإنما لم يفسخ الحج إلى العمرة؛ كما أمر غيره؛ لأجل ما كانت الجاهلية تعتقده من عدم جواز العمرة في أشهر الحج، فأراد ﷺ إبطال ما كانوا عليه بفعله وقوله، وترفه رسول الله ﷺ باتخاذ الميقات بإدخال العمرة على الحج والفعل.
وقولهُ: "فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرة إلَى الحَج"؛ أي: بإدخال العمرة على الحج، وإنما قال: في حجة الوداع؛ لينفي تمتع الإحصار، وليدل بتعين ذلك فيها باستقرار حكم إدخال العمرة على الحج؛ حيث إنه الآخِر من فعله ﷺ في حجة الوداع.
وقولهُ: "وَأَهْدَى فَسَاقَ الهَدْيَ مَعَهُ مِن ذِي الحُلَيْفَةِ" هو بيان للمكان الذي ابتدأ
стр. 1010
سوق الهدي منه، وهو ميقات أهل المدينة ومن مر بها من غير أهلها، ليبين أَن ذلك سنة مؤكدة ينبغي لكل أحد فعلها ممن قدر على سوقه عند إحرامه وميقاته.
وقوله: "وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأهَل بِالعُمْرَةِ الَى الحَج؛ فهو بيان وتفسير لقوله: تمتع رسول الله ﷺ ، على ما شرحناه.
وقوله: "وَكَانَ مِنَ الناسِ مَن أَهدَى فَسَاقَ الهَديَ مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، وَمنْهُم مَن لمَ يُهدِ": هو بيانٌ لسوق الهدي، وأنه ليس بحتم، بل هو سنة، من شاء فعله، ومن لم يفعله لم يأثم.
ثم قوله: فَلَما قَدِم النبي ﷺ قالَ للناسِ: "مَنْ كَانَ مِنكُم أَهْدَى، فَإنهُ لَا يَحِل مِن شَيءٍ حَرُم مِنهُ حَتى يقْضِيَ حَجهُ" إلى آخره، في هذه الجملة دليل على أن فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي جائز، لبيان مخالفة الجاهلية في منعهم العمرة في أشهر الحج.
واختلف العلماء في ذلك، هل كان خاصًّا للصحابة ﵃ تلك السنة خاصةً، أم هو باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟
فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحجٍّ، وليس معه هدي، أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأعمالها، وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختصٌّ بهم في تلك السنة؛ لمخالفة الجاهلية في تحريم العمرة في أشهر الحج، ودليلُهم في ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي ذر ﵁ قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة (١)؛ يعني: فسخ الحج إلى العمرة، وما رواه النسائي في "سننه" عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! فُسخ لنا الحجُّ خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة" (٢).
стр. 1011
وأما حديث سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: "لأبد" (١)، فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر الحج، أو القِران، فالعمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة، كذلك القِران، وفسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة، والله أعلم.
وقولُه: "وَمَنْ لَمْ يكنْ أَهْدَى، فَليَطُفْ بِالبيتِ وَبِالصفَا وَالمَروَةِ، وَلْيقصرْ وَلْيَحْلِلْ، ثم لْيُهِلَّ بِالحَجِّ" في هذه الجملة بيان؛ لأن من ساق الهدي لا يتحلل، وهذا متفق عليه، ومن لم يسق الهدي، يجوز له إدخال العمرة على الحج قبل الطواف، ويتحلل منها.
وإن أفعال العمرة هي: الطواف، والسعي، والتقصير أو الحلق، وإنما أمره رسول الله ﷺ بالتقصير ليبقى على رأسه ما يحلقه في الحج؛ فإن الحلق في الحج أفضلُ منه في العمرة، ولا شك أنهما جائزان في الحج والعمرة، والحلق أفضل؛ لدعائه ﷺ للمحلقين بالمغفرة مرتين، وللمقصرين مرة، وكل منهما نسك.
ومعنى قوله: "وَلْيَحْلِلْ"؛ أي: يصير حلالًا، بمعنى أنه يحتاج بعد ذلك إلى تجديد عمرة، أو فعل آخر، قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي ﵀: ويحتمل عندي أن يكون المراد بالأمر بالإحلال: هو فعل ما كان حرامًا عليه في حال الإحرام؛ من جهة الإحرام، ويكون الأمر للإباحة، والله أعلم (٢).
وقوله: "ثُم لْيهِلَّ بِالحَجِّ" معناه: يحرم به في وقت الخروج إلى عرفات، لا أنه يهل عقب تحلل العمرة بالحج؛ بدليل أنه ﷺ أتى بـ: "ثم"، التي هي للمهلة والتراخي.
стр. 1012
وقوله: "وَلْيُهْدِ" المراد به: هدي التمتع، وهو واجب بشروط متفق عليها عند الشافعية، تقدم ذكرها في الحديث قبله قريبًا، واختلفوا في ثلاثة شروط أخر:
أحدها: نية التمتع.
والثاني: كون الحجِّ والعمرة في سنة واحدة وشهر واحد.
والثالث: كونهما عن شخص واحد.
والأصح عدم اشتراط هذه الثلاثة، والله أعلم.
وقولُه: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا" عدم وجدان الهدي يكون بذاته، وبعدم ثمنه، وبكونه يباع بأكثر من ثمن مثله، وبامتناع صاحبه من بيعه، فمتى وجد شيء من هذه الصور، انتقل المتمتع إلى الصوم، سواء كان واجدًا لثمنه في بلده أم لا.
وقولُه: "فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أيامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ": هذا موافق لنص كتاب الله تعالى، وقد تعلق وجوب الصوم بعدم وجدان الهدي، وإن كان قادرًا عليه في بلده، أو بأكثر من ثمن مثله، على ما بيناه؛ لأن صيامه ثلاثة أيام في الحجِّ إذا عدم الهدي لا يقتضي الاكتفاء بهذا البلد في الحال ثلاثة أيام في الحج، وهي محصورة، فلا يمكن أن يصوم في الحج إلا إذا كان قادرًا عليه في الحال، عاجزًا عن الهدي في الحال، وهو المراد.
واعلم أن أيام الحجِّ سبعة؛ أولها السابع من ذي الحجة، وآخرها الثالث عشر منه، ولِمَا بعدَ السابعِ منها أسماء، فالثامنُ: يوم التروية؛ لأن الناس يتروون فيه للذهاب إلى عرفة، والتاسع: يوم عرفة؛ لوقوفهم بها، والعاشر: يوم النحْرِ؛ لنحرهم الذبائح بمنى، والحادي عشر: يوم القر؛ لاستقرارهم بمنى، والثاني عشر: يوم النفر الأول؛ لجواز نفرهم منها لمن أراد التعجل، والثالث عشر: يوم النفر الثاني، فمن كان متمتعًا، وصام الأيام الثلاثة الأول من السبعة، فقد أتى بما وجب عليه، وإن كان أولى ترك صوم يوم عرفة، وصوم يوم قبل السبعة، ولا يجوز صوم يوم النحر بالإجماع؛ للنهي عن صومه، فإن لم يصمها قبله، وأراد صومها في أيام التشريق، اختلف قول الشافعي؛ في صحته، ومقتضى
стр. 1013
الأحاديث الصحيحة جوازه وصحته، والأشهر عنه: عدم الصحة، ويرجع ذلك إلى مقدمة، وهي أن أيام التشريق والمقام بمنى لأجل أفعال الحج الباقية، هل هي من أيام الحج، ووقتها من وقت الحج؟
ولا شك أن أيام الحج تنطلق عليها، ولا شك أن سبب وجوبها التمتع بالعمرة إلى الحج وعدم الهدي، فلا يجوز تقديم صومها على التمتع، ويجوز صومها بعد الفراغ من العمرة، وقبل الإحرام بالحج، والأفضل ألا يصومها حتى يحرم بالحج، فلو صامها قبل الفراغ من العمرة، لم يجز، وبه قال مالك، وجوزه الثوري، وأبو حنيفة، ولو ترك صيامها حتى مضى العيد والتشريق، لزمَهُ قضاؤها عند الشافعية، وقال أبو حنيفة: يفوت صيامها، ويلزمه الهدي إذا استطاعه، والمراد بالرجوع: انتهاؤه، وهو وصوله إلى وطنه وأهله، وقيل: ابتداؤه؛ وهو فراغه من الحج بمنى، ورجوعه إلى مكة من منى، وهما قولان للشافعي ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة، ولو لم يصم الثلاثة ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه، لزمه صوم عشرة أيام.
وفي اشتراط التفريق بين الثلاثة والسبعة إذا أراد صومها خلاف:
قيل: لا يجب؛ لأنه أمر به تخفيفًا على المتمتع، وقد زال ذلك.
والصحيح: وجوبه، ليحكي القضاء الأداء، فيجب التفريق بقدر الواقع في الأداء، وهو بأربعة أيام، ومسافة الطريق بين مكة ووطنه، والله أعلم.
وقولُه: "وَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ" هذا بيان لطواف المتمتع بتقديم العمرة على الحج، فيكون طوافه ﷺ للقدوم، وهو مستحب لا واجب، والسنَّة فيه البداءة به أول قدومه قبل فعل كل شيء، وهو تحية المسجد الحرام؛ بخلاف باقي المساجد، فإن تحيته ركعتان.
وقولُه: "وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ" يعني: مسحه بيده، والسنَّة لمن دخل المسجد الحرام أن يبتدئ قبل طوافه باستلام الحجر الأسود، وهو المراد بقوله: واستلم الركن. والسر في البداءة به قبل الطواف؛ أنه يمين الله تعالى في الأرض،
стр. 1014
ونزل من الجنة، وهو أشد بياضًا من الثلج، وإنما اسودَّ بخطايا بني آدم؛ لأنهم يأتونه للزيارة متلوثين بالخطايا، فيتقون منها باستلامهم إياه، فيكسبه السواد، ويلبسهم النقاء من الذنوب، والله أعلم.
وقولُه: "ثُم خَبَّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبع"؛ أي: رَمَلَ، وتقدم بيانه.
ويحبب بعد استلام الحجر الأسود وتقبيله والسجود عليه ثلاثًا، أن يجاوزه بجميع بدنه، ويجعله على يمينه وهو مستقبل الكعبة، سواء كان قريبا منها، أو بعيدًا، بشرط كونه داخل المسجد الحرام، ثم يبتدئ الطواف، ويمر بجميع بدنه على الحجر الأسود وركنه خارجًا عنهما، ويستلمه، ويُقبِّله ثانيًا، ويثبت قدميه عند ذلك، ويرفع رأسه من تقبيله، ويدَه من استلامه؛ لئلا يمر عليه بزحمة الناس أو عجلة نفسه ويدُه أو رأسه متصلة به، فيكون قد طاف وبعضه في جزء من البيت، فلا يكون طائفًا به، بل فيه، والذي أمر الله تعالى الطواف بالبيت لا فيه، ثم يخبُّ ثلاثة أطواف خارج البيت والحجر من المكان الذي ذكرنا إليه.
وإنما ذكرنا هذه الكيفيَّة؛ لأن في أساس البيت شيئًا خارجه عن بنائه يسمى: شاذروانًا، وهو من البيت، فيجب الطواف خارجه، والله أعلم.
وقولُه: "وَمشى أَرْبَعًا" يعني: ومشى الأربعة الباقية من السبع، فلو لم يرمل في الثلاثة الأول، لم يرمل فيها؛ لأن السنَّة فيها المشي.
وقولُه: "وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكعَتَيْنِ، ثُم سَلَّمَ".
اعلم: أن رَكعتي الطواف سُنَّة مؤكدة؛ لهذا الحديث، وليستا ركنًا، ولا شرطًا لصحة الطواف، بل يصحُّ بدونهما، ولا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم ولا غيره. لكن قال الشافعي ﵀: يُستحبُّ إذا أخرهما أن يريق دمًا. وتمتاز هذه الصلاة عن غيرها بشيء، وهو أنها تدخلها النيابة، فإن الأجير يصليها عن المستأجر، على أصح الوجهين عند الشافعية، والوجه الآخر: أنها تقع عن الأجير نفسه.
وقولُه: "عِنْدَ المَقَامِ"؛ يعني: خلفه، فيجعله بينه وبين الكعبة، لا أمامه،
стр. 1015
ولا عن يمينه، ولا شماله، قال أصحاب الشافعي: فلو لم يصلِّهما خلفه لزحمة الناس أو لغيرها، صلاهما في الحِجْر، فإِنْ لم يفعل، ففي المسجد، وإلا، ففي الحرم، وإلا، فخارجه، ولا يتعين لهما زمان ولا مكان، بل يجوز أن يصلِّيهما بعد رجوعه إلى وطنه وفي غيره، ولا يفوتان ما دام حيًّا.
قالوا: ويُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون]، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص]، ثبت ذلك في "صحيح مسلم" من رواية جابر (١)، ويجهر بالقراءة إِنْ صلاهما ليلًا، ويسرُّ إِنْ كان نهارًا.
وقولُه: "فَانصَرَفَ، فَأتى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمروَةِ سَبعَةَ أَطوَافٍ": في هذه الجملة دليل على شرعية السعي عقب الطواف للقدوم وركعتيه، ويجب أن يكون السعي بعد طواف صحيح، وهو إما طواف القدوم، أو الزيارة، ولا يتصور وقوعه بعد طواف الوداع؛ لأنه يؤتى به بعد فراغ المناسك، فإذا بقي السعي، استحال أن يكون طواف وداع، وقد اشترط بعض الفقهاء أن يكون السعي عقب طواف واجب، ولا شك أن هذا الطواف وقع واجبًا على ما قررناه: أن النبي ﷺ كان أولًا مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، فصار متمتعًا، قارنًا؛ لأجل سوق الهدي، وليتبين جواز العمرة في أشهر الحج.
ومن العلماء من لم يجعله واجبًا، بل هو طواف قدوم؛ كمفرد الحجِّ، وهو مستحب.
وقولُه: "فَانْصَرَفَ فَأتى الصَّفَا" بفاء التعقيب في الانصراف وإتيان الصفا عقب قوله: "ثم سلَّم من ركعتي الطواف" يقتضي ألا يكون بين ذلك فعل شيء آخر؛ حيث إن التعقيب بالفاء يقتضي عدم المهلة، ولا شك أنه ثبت في "صحيح مسلم" رجوعه بعد سلامه من ركعتي الطواف إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا.
стр. 1016
وذكر الماوردي في "الحاوي": أنه إذا استلم الحجر، استحب أن يأتي الملتزم؛ وهو ما بين الركن وباب الكعبة، ويدعو فيه، ويدخل الحِجْر، ويدعو تحت الميزاب (١).
وذكر محمد بن جرير الطبري: أنه يطوف، ثم يصلي ركعتيه، ثم يأتي الملتزم، ثم يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج إلى الصفا للسعي.
وذكر الغزالي ﵀: أنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف، قبل ركعتيه، ثم يصليهما.
وليس في حديث الكتاب ولا في حديث "صحيح مسلم" الذي ذكرناه شيء مما ذكر هؤلاء، سوى استلام الركن بعد ركعتي الطواف، فالأولى اتباعه، وترك ما عداه، إلا أن يرد شيء مما ذكروه في سنة فيتَّبع، والله أعلم.
والبداءة بالصفا في السعي واجب في المرة الأولى من السبع، وبالمروة في المرة الثانية منه، وبختم السبع بالمروة، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة: أنه ﷺ بدأ بالصفا، وختم بالمروة، وهو الصحيح من مذاهب جماهير العلماء والشافعية وغيرهم، وعليه عمل الناس في الأزمنة المتقدمة والمتأخرة.
وقال ثلاثة من الشافعية: إنه يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعود منها إليه مرة واحدة، وهو أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيرفي، قال شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: وهذا قول فاسد، لا اعتداد به، ولا نظر إليه؛ إنما ذكرته للتنبيه على ضعفه؛ لئلا يغتر به من وقف عليه، والله أعلم (٢).
وقد سُمي -في حديث الكتاب، وفي غيره من الأحاديث- السعيُ طوافًا، وهو جائز بلا كراهة، والله أعلم.
وقولُه: "ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّه وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ
стр. 1017
النَّحْرِ، وَأفَاضَ وَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُم حَلَّ مِنْ كُل شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ" إلى آخر الحديث، إنما لم يحل من عمرته من أجل سوق الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي ذلك دليل على أن ذلك حكم القارن.
وفي قوله: "وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ مَنْ سَاقَ الهَدْيَ"؛ بيان عدم خصوصه ﷺ بحكم سوق الهدي وعدم تحلله بسببه، وأنه عامٌّ له ولغيره ممن ساقه، وفي حديث آخر: فإنه ﷺ لم يحل حتى حل منهما جميعًا.
وفي هذا الحديث جمل من أحكام مناسك الحجِّ:
منها: جواز إدخال العمرة على الحج.
ومنها: استحباب سوق الهَدْي من الميقات.
ومنها: أن من تركه لا إثم عليه، لكن فاته الفضل.
ومنها: أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته، ومَنْ لم يسقه يتحلَّل منها، ويتمتَّع فيما بينها وبين إحرامه بالحج من مكة.
ومنها: وجوب الصوم على المتمتع بشروطه المتقدمة.
ومنها: وجوب الصوم على من لم يجد الهدي.
ومنها: أن الصوم عشرة أيام.
ومنها: وجوب التفريق بين الثلاثة والسبعة، وبماذا يفرق؟ فيه خلاف وتفصيل تقدم ذكره.
ومنها: وجوب الطواف على المتمتع والقارن حين قدومه مكة.
ومنها: استحباب استلام الحجر الأسود حين قدومه قبل طوافه.
ومنها: استحباب الرَّمل فيه، بشرط استعقابه السعي.
ومنها: استحباب مشي الأربعة الباقية.
ومنها: استحباب ركعتين بعد الطواف خلف المقام.
ومنها: شرعية السعي بعد فعل الركعتين.
стр. 1018
ومنها: وجوب البدأة بالصفا في السعي وختمه بالمروة.
ومنها: جواز تسمية السعي طوافًا.
ومنها: أن يحل الدماء للهدايا والجبرانات المتعلقة بالحج، قرانًا كان، أو تمتعًا، ونحوها يوم النحر بمنى.
ومنها: استحباب فعل طواف الإفاضة يوم النحر.
ومنها: أنه يتحلل من كل شيء حرم عليه بالإحرام بالطواف للإفاضة.
ومنها: الاقتداء به ﷺ في مناسك الحج، فعلًا وقولًا وتقريرًا، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَن حَفصَةَ زَوجِ النبي ﷺ ﵂: أنهَا قالَت: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا شَأنُ الناسِ حَلُّوا مِنَ العُمرة وَلَم تَحِلَّ أَنتَ مِن عُمرتكَ؟ قالَ: "إنِّي لَبَّدتُ رَأسِي، وَقلَّدتُ هَديي، فَلَا أَحِل حَتى أَنحرَ" (١).
أَما حَفْصَة: فتقدم ذكرها في باب: فضل الجماعة ووجوبها.
قولُها: "مَا شَأنُ الناسِ حَلُّوا مِنَ العُمرَة" وَلَم تَحِل أَنتَ مِن عمْرتكَ؟ "، معناه: العمرة المضمومة إلى الحج، وقد كان الناس حَلوا من العمرة هذا الإحلال، وهو الذي وقع للصحابة ﵃ في فسخ الحج إلى العمرة، فأمرهم النبي ﷺ بالتحلل منها، لأجل سوق الهدي، فيكون قارنًا، وتكون "من" بمعني "مع"؛ أي: مع عمرتك، وقيل: "من" بمعني "الباء"؛ أي: بعمرتك؛ بأن تفسخ حجتك الي عمرة كما فعل غيرك.
وكون "من" بمعني "مع" أو "الباء" ضعيفان، كيف وإضافة العمرة إليه ﷺ تقتضي تقرير عمرة له، والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن مقررة ولا موجودة؟
стр. 1019
وقيل: أرادت بالعمرة: الزيارة؛ لاشتراكها هي والحج في الوضع اللغوي، وهو الزيارة، وهو ضعيف -أيضًا-؛ لأن الاسم إذا انتقل إلى حقيقة عرفية، كانت اللغوية مهجورة في الاستعمال.
وقولُه ﷺ : "إني لَبدْتُ رَأْسِي"؛ التلبيد: أن يجعل في الشعر ما يسكنه ويمنعه من الانتفاش؛ كالصبر أو الصمغ أو ما أشبههما، وفِعلُ ذلك سنَّة بالاتفاق.
وقولُه ﷺ : "وَقَلَّدْتُ هَدْييِ، فَلَا أَحِل حَتَّى أَنْحَرَ"؛ التقليد: أن تقلد الهدي قلادة في عنقه من خيوط ونحوها، وتعلق فيها نعل، أو قربة، أو جلد، ونحو ذلك بعراها؛ ليكون ذلك علامة على أنه هدي لله تعالى، فيجتنب عما يجتنب غيره من الأذى وغيره، وإن ضلَّ، رُدَّ، وإن اختلط بغيره تميزه، ولما فيه من إظهار الشعار وتنبيه الغير على فعل مثل هذا جميعه، وهو سنة بالاتفاق في الإبل، وأما في الغنم، فاستحبه جمهور العلماء، ومنعه مالك، وأما في البقر، فهو عند الشافعي والعلماء جميعهم مستحب، والله أعلم.
وقوله: "فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ"؛ هو اتِّباع لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فمن ساق الهدي لا يحل [له] التحلل من عمرته حتى ينحر يوم النحر بمنى.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: جواز سؤال المرأة زوجها الكبير المقتدى به عما وقع من مخالفة الناس له فيما فعله.
ومنها: الجواب بذكر السبب في مخالفتهم له.
[ومنها: جواز تسمية القارن معتمرًا، وإن لم يحل من عمرته] (١).
ومنها: استحباب تلبيد شعر المحرم عند إحرامه.
стр. 1020
ومنها: أن من لبد رأسه لم يكفِه إلا الحلقُ يوم النحر.
ومنها: أن من ساق الهدي لم يحل حتى يحلق يوم النحر.
ومنها: أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعي، بل لا بد في تحلله من الوقوف بعرفات، والرمي والحلق والطواف، كما في الحاج المفرد.
ومنها: أن سوق الهدي سنة مؤكدة، وكذا تقليده، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: أُنْزلَتْ آيةُ المُتْعَةِ فِي كتَابِ اللهِ تعالى، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عنها حتى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ برأيهِ مَا شَاءَ. قال البخاري: يقال: إنه عمر (١).
ولمسلمٍ: نَزلَتْ آيهُ المُتْعَةِ، يَعْني: مُتْعَةَ الحَجِّ، وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُم لَمْ تَنْزِلْ آيةٌ تَنْسَخَ اَيةَ مُنْعَةِ الحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ (٢):
ولهما: بمعناهُ.
أما عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: فهو وأبوه صحابيان، وتقدم ذكره أول باب: التيمم.
ومن مناقب عمران ﵁: أن الملائكة كانت تسلم عليه؛ لبواسير كانت به، فكان يصبر على ألمها، ثم اكتوى، فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي، فعاد سلامهم عليه (٣)، ثم إن عمران ﵁ لم يخبر بذلك الأمر إلا في مرضه الذي توفي فيه، وأمر بكتمان التحدث به إلا بعد موته؛ خوفَ التعرض للفتنة في الحياة، بخلاف ما بعد الموت.